التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج12

- حسن المصطفوي المزيد...
310 /
7

الجزء الثاني عشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[المدخل]

الحمد للّه الّذى هدانا الى معرفته و معرفة كلماته، و وفّقنا في العمل بعبوديّته و طاعته، و الصلوة و السلام على أشرف رسله و سيّد بَريّته محمّد و آله الطّاهرين من ذرّيّته. و بعد:

فنبدء بحول اللّه و قوّته و توفيقه، في الجزء الثاني عشر من كتاب- التحقيق في كلمات القرآن الكريم، و أوّله حرف النون، و منه استمدّ إنّه خير معين.

ربّ يسّر و لا تعسّر و اهدنا من عندك، و ألق في قلوبنا حقائق كلماتك و آياتك.

و ليس التوفيق إلّا من عنده، إنّه لطيف بصير، و هو سميع الدعاء و نعم الوكيل.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

حرف النون

ن

سبق في السطر ما يتعلّق بحرف النون.

. ن، وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ، مٰا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ- 68/ 1 السطر: مطلق اصطفاف مع النظم في كتابة او في موجود خارجىّ أو في أمر معنوىّ. و الاصطفاف يوجد في مراتب الخلق.

و القلم: ما يبرى و يقطع لإحداث شي‌ء و نظمه و ضبطه مادّيّا أو معنويّا.

و سبق أنّ المناسب أن يراد من النون: نور السماوات و الأرض، و من القلم: الشجرة المباركة الّتى بها يبسط الفيض و يتجلّى النور. و من السطر: ظهور تلك الفيوضات و تجلّيها في الخارج تكوينا.

و من أتمّ مصاديق القلم: هو وجود النبي الأكرم إذ به يتجلّى نور الرحمة و العلم، و به ينبسط الفيض و النظم و الحكمة تشريعا.

و في هذه السورة المباركة يبحث عن هذه الموضوعات الثلاث، عن التوحيد، و الرسالة، و الاطاعة، و عمّا يقابلها.

و في حرف النون: إشارة أيضا الى ظهور فيض و ترفّه و طيب عيش من اللّه عزّ و جلّ الى أوليائه بلا واسطة، و الى عبيده عموما و الى الناس بواسطة، حتّى‌

10

يتحقّق الاصطفاف في كلّ مرتبة.

فانّ النون يناسب النعمة المذكورة في الآية الثانية، و النعمة عبارة عن الترفّة و الطيب، و في قباله الجنون و هو المواراة و التغطّى في العقل و الإدراك بحيث لا يعقل ترفّها و طيبا و نعمة.

و مبدأ هذا القول مشاهدتهم النبىّ (ص) غير توجّه الى التلذّذات و المشتهيات المادّيّة، و لا يطلب ترفّها و لا عيشا دنيويّا، غافلين عن أنّ اللذائذ الروحانيّة هي الأصل و الحقّ الثابت، و كان يقول: اللّهمّ لا عيش إلّا عيش الآخرة.

فيبحث في السورة عن حقيقة النعمة و هي النعمة الاخرويّة و اللذّات الروحانيّة، و يذمّ الّذين لا يتوجّهون الّا الى العيش الدنيوىّ، فيقول تعالى:

. فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .... إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّٰاتِ النَّعِيمِ .... لَوْ لٰا أَنْ تَدٰارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرٰاءِ .... وَ إِنْ يَكٰادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصٰارِهِمْ لَمّٰا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.

فيذكر ما يتعلّق بأصحاب النعيم، و في مقابلهم أصحاب الجحيم، الى آخر السورة، و في آخرها يكرّر قول أهل الدنيا بأنّ النبىّ مغطّى إدراكه و هو مجنون عن إدراك اللّذات الدنيويّة.

فيكون المراد من القلم: النبي الّذى يظهر و يضبط لهم حقائق النعمة و يهديهم اليها و يكشف لهم النقاب عن وجهها.

و يراد من السطر: تلك الحقائق المضبوطة و البيانات الّتى تظهر من القلم في صفحات القلوب أو في الأوراق.

نأى

مقا- نأى: كلمتان: النؤى، و النأى. فالنؤى: حفيرة حول الخباء يَدفع‌

11

ماء المطر عن الخباء. يقال أنأيت نُؤيا. و المنَتَأى: موضعه. و أَمّا النأى: فالبُعد، يقال: نأى ينأى نَأيا، و انتأى افتعل منه، و المنتأى: الموضع البعيد. و ربّما أخّروا الهمزة فقالوا ناءَ، و إنّما هو نأَى.

صحا- نأيته و نأيت عنه نأيا: بمعنى أى بعدت، و أنأيته فانتأى، أى أبعدته فبعد، و تناءوا: تباعدوا. و النؤى حفيرة حول الخباء، و الجمع نؤىّ على فعول، و نئىّ تتبع الكسرة الكسرة. و النُؤى بفتح الهمزة لغة في النؤى.

التهذيب 15/ 542- و أمّا نأى ينأى: فمعناه بعد. و قد أنأيته أنئاء: إذا أبعدته. و النأى: البعد. و يقال للرجل إذا تكبّر و أعرض بوجهه: نأى يجانبه، و معناه أنّه أنأى جانبه من وراء، أى نحّاه. و قال الليث: نأيت الدمع عن خدّى نأيا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو لىّ مع ميل الى بعد، أى تمايل عن جريان الى جانب بعيد.

و سبق في اللوى: الفرق بين موادّ اللوى و القتل و الحوى و الثني و الطوى.

فظهر الفرق بين المادّة و مادّة البعد و الموادّ المذكورة.

و أمّا مفهوم الحفيرة: فمأخوذ من الأصل، باعتبار انحراف ماء الخباء و تمايله الى تلك الحفيرة و بعده عن محيط الخباء.

. وَ إِذٰا أَنْعَمْنٰا عَلَى الْإِنْسٰانِ أَعْرَضَ وَ نَأىٰ بِجٰانِبِهِ وَ إِذٰا مَسَّهُ الشَّرُّ كٰانَ يَؤُساً- 17/ 84 أى إذا أنعمناه بنعم ظاهريّة و وجد في عيشه ترفّها و وسعا و استغناء:

أعرض عن صراط الحقّ و تمايل عن ذكر اللّه و التوجّه اليه و بعّد نفسه عن النورانيّة و الروحانيّة.

فانّ النعم الدنيويّة المادّيّة تقابل النعم الاخرويّة الروحانيّة، و الحياة الدنيويّة و الاخرويّة إنّما تنبعثان من هذين النوعين من النعم.

12

فالتعلّق و التوجّه بكلّ من النوعين: يوجب تكوّن حالة في القلب تناسب الحياة الدنيا و الحياة العليا، من مراتب النور و الظلمة.

ثمّ باقتضاء هاتين الحالتين تظهر الآثار الخارجيّة في اللسان و الجوارح و الأركان، و بظهور هذه الآثار تتمّ الحياة و تكمل ما في القلب.

كما أنّ الايمان إنّما يتكوّن في القلب و تطهر آثاره في اللسان و الجوارح و الأركان، و بظهور هذه الآثار تتمّ حقيقة الايمان.

. يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هٰذٰا إِلّٰا أَسٰاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَ هُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْأَوْنَ عَنْهُ وَ إِنْ يُهْلِكُونَ إِلّٰا أَنْفُسَهُمْ- 6/ 26 أى إنّ الكفّار ينهون الناس عن التوجّه و التقرّب من القرآن، و يميلون عنه و يبّعدون أنفسهم عن النبي و هذا القرآن، و يتوهّمون أنّ هذه الآيات القرآنية تضلّهم عن طريقهم، و ما يشعرون أنّ تركها و الإعراض عنها يوجب هلاكهم و زوال حياتهم الباطنيّة الحقيقيّة.

نعم إنّهم يحسبون أن ليست الحياة إلّا الحياة الدنيا و العيش المادىّ الظاهرىّ، و يرون الآيات الإلهية تخالف هذه العقيدة و توهن هذا العيش الموجود لهم، فينهون و ينأون عنها.

و هذا يدلّ على أنّهم كانوا يشاهدون تأثيرا عميقا في تلك الآيات من القرآن الكريم، و يرون أنها تزعجهم عن حياتهم و عيشهم.

نبأ

مقا- نبأ: قياسه الإتيان من مكان الى مكان. يقال للّذى ينبأ من أرض الى أرض نابئ. و سيل نابئ: أتى من بلد الى بلد. و رجل نابئ مثله. و من هذا القياس النبأ: الخبر. لأنّه يأتى من مكان الى مكان. و المنبئ: المخبر. و أنبأته و نبّأته، و النبأة: الصوت، و هذا هو القياس لأنّ الصوت يجي‌ء من مكان الى‌

13

مكان. و من همز النبىّ فلأنّه أنبأ عن اللّه تعالى.

صحا- النبأة: الصوت الخفىّ. أبو زيد: نبأت على القوم أنبأ نبأ و نبوء، إذا طلعت عليهم. و نبأت من أرض الى أرض: إذا خرجت منها الى اخرى.

و النبأ: الخبر. تقول: نبأ و أنبأ و نبّأ، أى خبّر. و منه أخذ النّبي لأنّه أنبأ عن اللّه سبحانه، و هو فعيل بمعنى فاعل، قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلّا و يقول:

تنبّأ مسيلمة، بالهمز، غير أنّهم تركوا الهمز في النبىّ كما تركوه في الذُرّيّة و البريّة و الحابية، إلّا أهل مكّة فانّهم يهمزون هذه الأحرف.

التهذيب 15/ 486- ابن السكّيت: النبىّ، هو من أنبأ عن اللّه فترك همزه. و إن أخذته من النبوة و النباوة، و هي الارتفاع من الأرض، لارتفاع قدره و لأنه شرّف على سائر الخلق. قال الزجّاج القراءة المجتمع عليها في النبييّن و الأنبياء:

طرح الهمزة، و قد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا، و اشتقاقه من نبأ و أنبأ، أى أخبر. و الأجود ترك الهمز، لأنّ الاستعمال يوجب أنّ ما كان مهموزا من فعيل، فجمعه فعلاء مثل ظريف و ظرفاء، فإذا كان من ذوات الياء فجمعه أفعلاء، نحو غنىّ و أغنياء و نبىّ و أنبياء بغير همز، فإذا همزت قلت نبي‌ء و نبآء كما تقول في الصحيح و هو قليل. أبو زيد: نبأت على القوم، إذا طلعت عليهم. و نبأت من أرض الى أرض اخرى، إذا خرجت منها اليها. الليث: النبأ:

الخبر، و إنّ لفلان نبأ أى خبرا، و الجمع أنباء. و النبأة: الصوت ليس الشديد. و تنبّأ الكذّاب: إذا ادّعى النبوّة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو نقل حديث أو شي‌ء آخر من موضع الى موضع آخر. و قد سبق في خبر: انّه إطّلاع نافذ و علم بالدقّة و التحقيق، فلا يطلق بمعنى الخبر.

و من مصاديق الأصل: انتقال حديث من موضع الى موضع آخر. و إتيان‌

14

السيل و جريانه. و إتيان الرجل و قدومه. و نقل الصوت و وصوله الى مكان قريب.

و الطلوع من موضع الى محلّ أو الإحاطة.

و لا يبعد أن يكون قيد الخفاء في الصوت بمناسبة انتقال الصوت حتّى يسمع ضعيفا. و أمّا الطلوع: فلعلّه من معنى الخبر و من اختلاط اللغتين.

و أمّا النبوّة و النبىّ: فمن مادّة النبو واويّا، و نبحث عنه.

و لا يصحّ الأخذ من النبأ: فأوّلا- إنّه يحتاج إلى قلب الهمزة و هو خلاف الأصل. و ثانيا- إنّ الإخبار عن اللّه تعالى بنحو الإطلاق لا يفيد مقاما رفيعا خاصّا إلّا في جهة كونه مخبرا من حيث هو، و هذا بخلاف مادّة النبو فانّها تدلّ على ارتفاع في الشي‌ء و رفعة مطلقة. و ثالثا- إنّ مفهوم النبأ لا يستقيم إرادته في بعض الموارد، كما في:

. مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّٰهُ الْكِتٰابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّٰاسِ كُونُوا عِبٰاداً لِي مِنْ دُونِ اللّٰهِ- 3/ 79 فانّ النبي إذا كان بمعنى المخبر عن اللّه تعالى، فكيف يتصوّر في تلك الحالة الّتى يعترف بكونه واسطة إخبار و أنّه عبد للّه: أنّ يدّعى الوهيّة و يدعو الناس الى عبوديّته، و هذا بخلاف مقام العلوّ و الرفعة الذاتيّة، فيتصوّر فيه هذه الدعوة، مضافا الى سبقها في العبريّة.

. وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ- 5/ 27. وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ- 10/ 71. إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ- 49/ 6. ذٰلِكَ مِنْ أَنْبٰاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ*- 3/ 44. نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبٰاءِ مٰا قَدْ سَبَقَ- 20/ 99. تِلْكَ الْقُرىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبٰائِهٰا- 7/ 101 يراد حكاية من مجارى الأمور الماضية و تلاوة ممّا سبق من الأحاديث و القضايا الجارية.

15

. فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ- 2/ 33. فَلَمّٰا نَبَّأَهٰا بِهِ قٰالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هٰذٰا قٰالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ- 66/ 3. وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ- 10/ 53 فالإنباء إفعال و يدلّ على نسبة الفعل الى الفاعل و قيامه به. و التنبئة تفعيل و يدلّ على جهة وقوع الفعل و نسبته الى المفعول به، فالنظر في الأفعال الى جهة الصدور، و في التفعيل الى جهة الوقوع. و هذه الجهات ملحوظة في هذه الآيات الكريمة و في سائر موارد الاستعمال.

و أمّا صيغة الاستفعال: فتدلّ على الطلب و السؤال.

فظهر أنّ التعبير بمادّة النبأ أو الخبر، كلّ منها في مورد متناسب.

نبو

مقا- أصل صحيح يدلّ على ارتفاع في الشي‌ء عن غيره أو تنحّ عنه. نبا بصره عن الشي‌ء ينبو، و نبا السيف عن الضَريبة: تَجافى و لم يمض فيها. و نبا به منزله: لم يوافقه، و كذا فراشه. و يقال: نبا جنبه عن الفراش. و يقال: إنّ النبي (ص) اسمه من النبوة و هو الارتفاع، كأنّه مفضّل على سائر الناس برفع منزلته. و يقولون: النبىّ: الطريق.

مصبا- نبا السيف عن الضريبة نبوا من باب قتل و نبوّا: رجع من غير قطع، فهو ناب. و نبا الشي‌ء: بعد. و نبا السهم عن الهدف: لم يصبه. و نبا الطبع عن الشي‌ء: نفر و لم يقبله.

لسا- نبا بصره عن الشي‌ء نبوّا و نبيّا، و نبوة مرّة واحدة. و نبا الشي‌ء عنّى ينبو، أى تجافى و تباعد. و أنبيته أنا: دفعته عن نفسي. و النبوة: الجفوة. و النبوة:

الاقامة. و النبوة: الارتفاع، و العلو. و النبوة و النباوة و النبي: ما ارتفع من الأرض.

16

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ارتفاع عمّا من شأن الشي‌ء أن ينخفض، أى ارتفاع شي‌ء في مورد يتوقّع فيه الانخفاض.

و من مصاديقه: رفع البصر فيما يتوقّع فيه الغضّ و الخفض. و ارتفاع السيف و توقّفه في القطع و النفوذ. و التوقّف في السهم في إصابة الهدف. و حصول البعد في الوصول الى المقصد. و عدم انطباق الطبع على طعام أو غيره.

و بهذه المناسبة تطلق تجوّزا على مفاهيم متناسبة.

و من مصاديق الأصل مقام النبوة و هو ارتفاع و اعتلاء في شأن إنسان من جهة الروحانيّة و المعنويّة، ذاتيّة و اكتسابيّة، مع كونه على فطرة بشر كسائر أفراد الإنسان.

و من لوازم هذا الاعتلاء: الإحاطة على مراتب عالم المادّة و الطبيعة، و الارتباط بعوالم ما وراء المحسوس و الظاهر، و نزول الوحى من جانب اللّه عزّ و جلّ اليه، و الاشراف على المعارف و الحقائق.

. يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً- 33/ 45. إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا- 19/ 30 فانّ الشّهادة على القوم و تحقّق النبّوة في سنّ الصبا: ليست من آثار النبوء مهموزا، بل هي من لوازم اعتلاء الذات و ارتفاع المقام الروحاني.

و سبق في رسل: الفرق بين النبىّ و الرسول و ما يترتّب عليهما.

و قلنا في هذا الكتاب و في شرح باب الحادي عشر: إنّ مقام النبوّة و الخلافة يحتاج الى ثلاث امتيازات، امتياز تكويني و ارتفاع معنوىّ ذاتىّ، و امتياز خاصّ في المجاهدة و العمل حتّى تتحقّق حقيقة العبوديّة و الفناء، و امتياز إعطاء المنصب و المأموريّة من جانب اللّه المتعال اليه، حتّى يتمّ مقام النبّوة و الخلافة.

و قد ذكرت في القرآن المجيد آثار و لوازم للنبوّة:

17

1-. وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ- 25/ 31 فانّ الإجرام بمعنى القطع في مجرى الحقّ، و بهذا اللحاظ يستعمل في الذنب و العصيان، فانّ الخلاف يقطع الارتباط بين العبد و بين اللّه عزّ و جلّ. و هذا المعنى يقابل حقيقة النبوّة، فانّها بَعثة إلهيّة لدعوة الناس الى اللّه تعالى، فالعداوة في هذا المورد أمر طبيعى.

و قد عبّر في مورد آخر بالشياطين:

. وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيٰاطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ- 6/ 112 فانّ الشطن عبارة عن اعوجاج و تمايل عن الحقّ، و هذا المعنى أيضا يقابل النبوّة و الارتباط.

2-. وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ- 3/ 161 الغُلول: إدخال شي‌ء في شي‌ء يوجب تحوّلا و تغيّرا و يزيل الخلوص و الصفا الى خلط و انكدار. و هذا المعنى يخالف رفعة مقام النبىّ و علوّ شأنه و كمال روحانيّته و إخلاص نيّاته و فناءه التامّ في قبال عظمة اللّه عزّ و جلّ. و الغلول يظهر يوم تكشف فيه السرائر.

3-. وَ مٰا أَرْسَلْنٰا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلّٰا أَخَذْنٰا أَهْلَهٰا بِالْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ- 7/ 94 حتّى يتوجّهوا الى الحقّ و ينصرفوا عن الشهوات و التمايلات المادّيّة، فانّ الإنسان ما دام مستغّلا بالتلذّذات الدنيوية لا يمكن أن يحصل له تنبّه و تكفّر في عاقبة أمره و سعادة نفسه، فيكون بعث النبىّ لغوا و دعوته عبثا، و لا يزيد لهم إلّا استهزاء و طغيانا شديدا.

4-. مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ- 8/ 67 الأسرى جمع الأسير، و هو بمعنى المحبوس و المضبوط تحت النظر و السلطة. و الإثخان: إعمال القوّة و القدرة و جعل الشخص مقهورا. يراد أنّ برنامج النبىّ قولا و عملا هو الدعوة الى اللّه و الهداية الى عوالم ما وراء المادّة و إعمال العطوفة و العفو و الرحمة، لا جمع المال و ادّخار الثروة و تقوية جانب الحياة الدنيا‌

18

و توسعة السلطة و الحكومة الظاهرية و جعل الناس مقهورين أذلّاء-. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ- فإذا كان النظر في ضبط الأسرى الى هذه الجهة من حيث هي: فهو نظر دنيوىّ و توجّه الى عرض الدنيا.

5-. وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لٰا نَبِيٍّ إِلّٰا إِذٰا تَمَنّٰى أَلْقَى الشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّٰهُ مٰا يُلْقِي الشَّيْطٰانُ- 22/ 52.

التمنّى بمعنى تشهّى حصول أمر مع التقدير. و الامنيّة كالاحدوثة بمعنى ما يُتمنّى شديدا. و التمنّى يخالف التسليم و الرضا و التفويض. و ظهور التمنّى في قلب المؤمن مجلبة طمع الشيطان و مورد مناسب لالقائه.

و لا يخفى أنّ التشهىّ من آثار الجهة الجسمانيّة و القوى البدنيّة و بمقتضى هذه الحيثيّة في خلقة الإنسان، و لا يعدّ عصيانا ما لم يبلغ الى مرحلة العمل المخالف، و أمّا إلقاء الشيطان و وسوسته: فهو خارج عن اختيار الإنسان، و يلزم الاستعاذة منه و الاستغفار.

فتدلّ الآية الكريمة على أنّ قلب النبىّ يمكن أن يعرضه التشهىّ و الإلقاء من الشيطان، إلّا أنّ اللّه عزّ و جلّ يحفظه عن أىّ خلاف و عصيان.

6-. وَ مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلّٰا كٰانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ- 43/ 7 الاستهزاء بمعنى طلب التحقير و الاهانة، أى إذا يأتيهم نبىّ يريدون تحقيره و إهانته بطور مطلق و بأىّ نحو يكون. و هذا فانّ برنامج حياة النبىّ و أعماله و أقواله و أفكاره تخالف هؤلاء القوم الذين ليس لهم نظر إلّا التوجّه الى التعيّش الدنيوىّ و التعلّق بالمادّيّات و التمايلات.

فيحسبون بأنّ النبىّ يبيع العيش الحاضر بالآخرة الموهومة.

7-. مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّٰهُ الْكِتٰابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّٰاسِ كُونُوا عِبٰاداً لِي مِنْ دُونِ اللّٰهِ- 3/ 79 فانّ النبىّ يدعو الخلق الى اللّه عزّ و جلّ و الى التوحيد و الى معرفة أسمائه و صفاته و آياته، فلا يمكن له أن يدعوهم الى نفسه، و هو يعرف عبوديّته و فقره‌

19

و محدوديّته.

و هذا ينفى مقام الرفعة و حقيقة النبوّة عنه.

8-. وَ لَقَدْ فَضَّلْنٰا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلىٰ بَعْضٍ- 17/ 55 قلنا إنّ النبىّ يمتاز عن سائر الناس بثلاث امتيازات: في أصل التكوين، و في العمل و المجاهدة، و في تعلّق المأموريّة به من اللّه تعالى.

و العمدة في هذا المقام: الجهة الاولى، فانّ المرتبة الثانية و الثالثة إنّما تتبعان الاولى، لكونها أصلا و أساسا و مبدءا، و المرتبتان تبنيان على تلك الأساس الثابت.

. أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهٰا- 13/ 17 فمبدأ الاختلاف في الأنبياء من جهة الفضيلة: هو امتيازهم من جهة التكوين و الخلقة، و اختلاف مراتبهم في هذه الجهة، و بمقتضى هذا الأصل الثابت تلحقه الأعمال و المجاهدات، و المأموريّة.

و هذه الضابطة جارية في جميع طبقات الموجودات و أنواعها، فانّ الخلق و التكوين و التقدير بيده عزّ و جلّ، يعطى من يشاء بما يشاء كيف يشاء، و هو الحكيم المدبّر-. وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ- 30/ 22 فهذه ثمانية آثار من الخصوصيّات الّتى تلزم مقام مطلق النبوّة.

نبت

مصبا- نبت نبتا من باب قتل، و الاسم النبات، و أنبته اللّه في التعدية، و أنبت في اللزوم لغة، و أنكرها الاصمعىّ و قال لا يكون الرباعىّ الّا متعدّيا، ثمّ قيل لما ينبت نبت و نبات. و أنبت الغلام إنباتا: أشعر. و نبّت الرجل الشجَر: غرسه.

20

مقا- نبت: أصل واحد يدلّ على نماء من مزروع، ثمّ يستعار، فالنبت معروف، يقال: نبت، و أنبتت الأرض. نبتُّ الشجر: غرسته. و يقال: إنّ في بنى فلان لنابتة شرّ. و نبتت لبنى فلان نابتة: إذا نشأ لهم نش‌ء صغار من الولد.

و النبيت: حىّ من اليمن. و ما أحسن نبتة هذا الشجر. و هو في منبت صدق: أصل كريم.

لسا- النبت: الليث: كلّ ما أنبت اللّه في الأرض، فهو نبت. و النَبات:

فعله، و يجرى مجرى اسمه، يقال: أنبت اللّه النبات إنباتا. قال الفراّء: إنّ النبات اسم يقوم مقام المصدر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو خروج شي‌ء من محلّ بالنموّ، سواء كان المحلّ أرضا أو محلّا آخر، و سواء كان النبات الخارج له ساق كالأشجار أم لا كالكلإ و غيره ممّا لا ساق له، أو غير نبات، و غير مادّىّ.

و النبت و النبات مصدران لازما، و يقال في التعدّى: أنبته و نبت به و نبّته.

و يطلق النبات على ما ينبت باعتبار كونه مصداقا للنبت، و الألف يؤيّد هذا الإطلاق، فكأنّه يستمرّ فيه هذا المفهوم.

و الفرق بين المادّة و النمو: أنّ النظر في المادّة الى جهة الخروج من محلّ بالنموّ. و في النموّ الى جهة حصول زيادة و رشد بعد الخروج.

. فَأَنْبَتْنٰا فِيهٰا حَبًّا- 80/ 27. فَأَنْبَتْنٰا بِهِ حَدٰائِقَ ذٰاتَ بَهْجَةٍ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهٰا- 27/ 60. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ- 16/ 11. وَ أَنْبَتْنٰا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ- 37/ 146 يراد جعل الحبّ و الحدائق و الشجر و الزرع ذوات نبات خارجة من الأرض.

21

. فَأَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ- 31/ 10. وَ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ مَوْزُونٍ- 15/ 19. وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ- 22/ 5 المفعول به في هذه الموارد غير مذكور بقرينة ما يذكر في مقام التوضيح، و هذا من الضوابط الّتى تجرى في جميع المكالمات و اللغات، أى أزواجا و أشياء منها.

و نسب الإنبات في هذه الآيات الكريمة الى اللّه عزّ و جلّ، إشارة الى إظهار القدرة و إعمال الحكومة و إجراء السلطة. و نسب في آية:

. فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ الى الأرض: فانّ الإنبات هنا في أثر إنزال اللّه تعالى الماء و في نتيجة هذه القدرة و التدبير، فيكون بعده أمرا طبيعيّا.

و أمّا الإنبات عليه: فهو بمعنى كون الشجرة من جهة أوراقها الكبيرة المنبسطة ساترة لبدنه و أعضائه- و ليراجع الى يقطين.

. رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مٰا فِي بَطْنِي .... فَتَقَبَّلَهٰا رَبُّهٰا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَهٰا نَبٰاتاً حَسَناً- 3/ 38. وَ اللّٰهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبٰاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهٰا وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْرٰاجاً- 71/ 17 في هاتين الآيتين يتعلّق الإنبات الى مريم (عليها سلام اللّه) و الى أفراد الإنسان عموما، باعتبار وجود مفهوم النبات في الحيوان و الإنسان، فانّه جنس أعمّ.

و الحيوان يخرج من محلّ و هو مبدأ تكوّنه الأصيل، أى التراب و الأرض، فيخرج منها بالنموّ و الرشد بالتدريج إلى أن يصل الى الحيوانيّة و الانسانيّة، ثمّ يعيد الإنسان من التراب الذّى يصير اليه مرّة اخرى.

و امّا إنبات مريم: فهو عامّ يشمل التربية و الرشد مادّيّا و روحانيّا، فهي مخرجة من محلّ مادّىّ، ثمّ يحصل لها الرشد و النموّ تحت تربية اللّه تعالى.

ففي الآيتين دلالة على عموميّة مفهوم الإنبات و إطلاقه، من جهة الأرض‌

22

و الشجر و النموّ المادّىّ و غيرها. فالأصل فيه: خروج شي‌ء مطلقا عن محلّ مطلق بالنموّ و الرشد مادّيّا أو معنويّا.

و أمّا التعبير في المصدر بالنبات دون الإنبات: فانّ الإنبات إفعال و هو يدلّ على جهة نسبة الحدث الى الفاعل و قيامه به، و هذا المعنى يستفاد من أنبت، و تكرير مصدره لا يزيد إلّا تأكيدا كما في باب المفعول المطلق، و أمّا النبات فيدل على استمرار و امتداد في مفهوم النموّ و الرشد نفسه و من حيث هو، فانّه مصدر مجرّد، و الألف يدلّ على استمرار، فقوله تعالى- أنبَتكم نباتا: فيه دلالة على لحاظ قيام الفعل بالفاعل، و على استمرار النموّ و الرشد. و في المفعول المطلق يكفى ما يدلّ على مفهوم الفعل، و لو لم يكن من مادّة الفعل.

. فَأَنْشَأْنٰا لَكُمْ بِهِ جَنّٰاتٍ .... وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنٰاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ- 23/ 21 الباء للربط و المصاحبة، أى تنبت تلك الشجرة مرتبطة و مصاحبة بالدهن و صِبغ للآكلين.

و الصبغ ما يصبغ به، و الصبغ مصدرا غمس في شي‌ء يوجب تغيّرا و تحوّلا في حالته ظاهرا أو باطنا. و التكير في الصبغ: إشارة الى نوع من أنواع الصبغ، و من ذلك غمس الخبز في الإدام و الزيتون.

و لا يناسب التعديّة: فانّ الشجرة لا تنبت دهنا فقط و بنحو اطلاق.

. وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً- 18/ 47 حقيقة الحياة عبارة عن تجلّى نور الحىّ الثابت الواجب و الافاضة منه.

و الحياة الدنيا عبارة عن مرتبة ضعيفة نازلة متجلّية في هذا العالم المادّىّ، و هذه الحياة المتظاهرة المتجلّية كالنباتات الخُضر المتلوّنة اللطيفة الجالبة بإشراب الماء فيها، فلا تقوّم لها في أنفسها، و إنّما حياتها بالماء.

23

نبذ

مقا- نبذ: أصل صحيح يدلّ على طرح و إلقاء، و نبذت الشي‌ء أنبذه نبذا:

ألقيته من يدي. و النبيذ: التمر يلقى في الآنية و يصبّ عليه الماء. و الصبىّ المنبوذ: الّذى تلقيه امّه. و يقال: بأرض كذا نبذ من مال، أى شي‌ء يسير. و في رأسه نبذ من الشَيب، أى يسير، كأنّه الّذى ينبذ لقلّته و صغره.

مصبا- نبذته نبذا من باب ضرب: ألقيته، فهو منبوذ، و صبىّ منبوذ:

مطروح. و منه سمّى النبيذ، لأنّه ينبذ أى يترك حتّى يشتدّ. و نبذت العهد اليهم:

نقضته. فانبذ اليهم على سواء: معناه إذا هادنت قوما فعلمت منهم النقض للعهد فلا توقع بهم سابقا الى النقض حتّى تعلمهم أنّك نقضت العهد. و نبذت الأمر:

أهملته. و نابذتهم: خالفتهم. و انتبذت مكانا: اتّخذته بمعزل يكون بعيدا عن القوم.

و نهى عن المنابذة في البيع، و هي أن تقول: إذا نبذت متاعك أو نبذت متاعي فقد وجب البيع بكذا، و جلس نبذة: ناحية.

مفر- النبذ: إلقاء الشي‌ء و طرحه لقلّة الاعتداد به، و لذلك يقال نبذته نبذ النعل الخلق. فنبذوه وراء ظهورهم لقلّة اعتدادهم به. و نبذه فريق منهم، أى طرحوه لقلّة اعتدادهم به. فانبذ اليهم على سواء، فمعناه ألق اليهم السلم.

الفروق 245- الفرق بين النبذ و الطرح: أنّ النبذ اسم لإلقاء الشي‌ء استهانة به و استغناء عنه، و لهذا قال- فنبذوه وراء ظهورهم. و الطرح: اسم لجنس الفعل فهو يكون لذلك و لغيره.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إلقاء شي‌ء استغناء عنه، و ليس بمعنى الطرح أو الاستهانة أو الاعتزال أو النقض.

و سبق أنّ الطرح: رمى بلحاظ مطلق التبعيد.

24

و الإلقاء: جعل شي‌ء في مقابل شي‌ء آخر مع إيجاد ربط.

و العزل: تنحية شخص أو شي‌ء عمّا كان في جريانه.

. فَنَبَذْنٰاهُ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ وَ أَنْبَتْنٰا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ- 37/ 145 تدلّ الآية الكريمة على أنّ المادّة ليس فيها مفهوم الطرح و الاستهانة، فانّ يونس النبىّ (ص) بعد التخلّص من الابتلاء و هو سقيم و قد وقع في مورد رحمة، بقرينة الإنجاء و الإنبات عليه: لا معنى بأن يطرح و أن يستهان، بل النظر الى مطلق إلقائه بالعراء. و قال تعالى في:

. لَوْ لٰا أَنْ تَدٰارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ- 68/ 49. نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ كِتٰابَ اللّٰهِ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ- 2/ 101. فَنَبَذُوهُ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا- 3/ 187 أى ألقوا كتاب اللّه وراء ظهورهم و يحسبون أنّهم مستغنون عنه، و يتوجّهون في هذا العمل الى منافع دنيويّة خياليّة قليلة.

. فَأَخَذْنٰاهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنٰاهُمْ فِي الْيَمِّ*- 28/ 40 أى ألقيناهم، و ليس المعنى رميهم و طرحهم في اليمّ، بل المراد جعلهم في قبال جريان البحر.

. قٰالَ بَصُرْتُ بِمٰا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهٰا وَ كَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي- 20/ 96 سبق في السمر: الظنّ بكون السامرىّ من السحرة الّذين آمنوا بموسى، و الساحر قد يرتبط بأمور ممّا وراء عالم المادّة، و قد يبصُر بما لم يبصر الناس به، و يتوسّل بوسائل و أسباب بعيدة عن أنظارهم، و يُلقى في عمله أمورا مخصوصة.

و أمّا جزئيّات هذا الجريان و خصوصيّاته: فلا نستطيع المعرفة بها فانّ الجزئىّ لا يكون كاسبا و لا مكتسبا.

و أمّا التفسير بأنّه بصر من عالم الجبروت ما لم يبصروا به و أخذ قبضته من آثار تلك العالم: فغير صحيح، فانه اعترف بتسويل نفسه في هذا العمل، و المرتبط‌

25

بعالم الجبروت لا يكون محكوما بهوى نفسه.

. وَ إِمّٰا تَخٰافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيٰانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىٰ سَوٰاءٍ- 8/ 58 أى ألق اليهم عهدهم و وفاقهم، و انصرف عنهم، و أن يكون ذلك النبذ بتوسّط و اعتدال، من دون تعصّب وحدّة و شدّة.

و هذا النبذ كما في:

. أَ وَ كُلَّمٰا عٰاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ- 2/ 100 فنبذ العهد: إلقاؤه اليهم و جعله في مقابلهم استغناء عنه.

. كَلّٰا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ- 104/ 4 اى ليلقون و يجعلون في قبال محيط يكسر شخصيّتهم و عنوانهم و تزيل اعتباراتهم الّتى اكتسبوها بجمع المال، و تحقير الناس و تعييبهم و تضعيفهم.

. وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مٰالًا وَ عَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ.

و هذه الحطمة عبارة عن محيط ابتلاء و مضيقة و شدّة المعبّر عنه بجهنّم.

. وَ اذْكُرْ فِي الْكِتٰابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهٰا مَكٰاناً شَرْقِيًّا- 19/ 16. فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكٰاناً قَصِيًّا فَأَجٰاءَهَا الْمَخٰاضُ- 19/ 22 أى اختارت إلقاء نفسه الى مكان شرقىّ قَصىّ من البلد، مستغنيا عن أهلها، و الانتباذ افتعال و يدلّ على اختيار الفعل استغناء.

و هذا الانقطاع عن الأهل و البلد و التوجّه الخالص الى اللّه المتعال، أوجب نزول الروح اليها و هبة الغلام الزكىّ، ثمّ تامين معاشها بجريان الماء و باثمار النخلة اليابسة.

نبز

مصبا- نبز: نبزه نبزا من باب ضرب: لقّبه. و النبز: اللقب، تسمية بالمصدر. و تنابزوا: نبز بعضهم بعضا.

26

صحا- النبز بالتحريك: اللقب، و الجمع الأنباز، و النبز بالتسكين المصدر، تقول: نبزه ينبزّه نبزا: أى لقّبه. و فلان ينبّز بالصبيان أى يلقّبهم، شدّد للكثرة.

لسا- النبز بالتحريك: اللقب. و النبز: المصدر. و التنابز: التداعي بالألقاب، و هو يكثر فيما كان ذمّا‌

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الدعوة السيّئة، و سبق في اللقب: إنّه اسم يدلّ على مدح أو ذمّ. فالنبز مصدرا ليس بمعنى التلقيب، و التعبير به مسامحة في تفسير المعنى.

و يدلّ على هذا قوله تعالى:

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ .... وَ لٰا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لٰا تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمٰانِ- 49/ 11 فالسخر: حكم مع قهر و تذليل. و اللمز: هو تعييب و تضعيف شديد. و النبز:

هو الدعوة السيّئة. و الفُسوق: هو الخروج عن مقرّرات دينيّة أو عقليّة أو عرفيّة.

هذه أربع مراتب في ما يرتبط بالتحقير و الإيذاء من المؤمنين المعتقدين باللّه عزّ و جلّ بالنسبة الى قوم آخرين مؤمنا أو غير مؤمن.

فالأوّل- هو الأشدّ قبحا و ذمّا، و هو السخر.

و الثاني- بعده و ليس فيه قهر و تذليل.

و الثالث- مخصوص بالدعوة فقط و ليس فيه تعقيب شديد.

و الرابع- ما فيه خروج عن المقرّرات المضبوطة.

فالآية الكريمة فيها جماع ما يتعلّق بآداب المعاشرة بين المؤمنين.

و لا يخفى أنّ منشأ هذه الأمور: هو العجب و الأنانيّة و المحروميّة عن مقام العبوديّة الحقيقيّة الباطنيّة.

27

نبط

مقا- نبط: كلمة تدلّ على استخراج شي‌ء، و استنبطت الماء:

استخرجته. و الماء نفسه إذا استخرج نبط. و يقال إنّ النبط سمّوا به لاستنباطهم المياه. و من المحمول على هذا النبطة: بياض يكون تحت إبط الفرس، و فرس أنبط، كأنّ ذلك البياض مشبّه بماء نبط.

مصبا- النبط: جيل من الناس ينزلون سواد العراق، ثمّ استعمل في أخلاق الناس و عوامهم، و الجمع أنباط. و الواحد نباطى بزيادة ألف، و النون تضمّ و تفتح، قال الليث: و رجل نبطىّ، و منعه ابن الأعرابىّ. و استنبطت الحكم:

استخرجته بالاجتهاد، و أنبطته إنباطا مثله، و أصله من استنبط الحافر الماء.

الاشتقاق 396- نبيط: تصغير أنبط. و الاسم النبط، و هو الفرس الّذى ابيضّ بطنه و ما سفل منه و أعلاه من أىّ لون كان. و النبط: نبط البئر، و هو أوّل ما تستخرجه من مائها. و استنبط فلان بئرا و أنبطها: إذا حفرها.

لسا- النبط: الماء الذّى ينبط من قعر البئر إذا حفرت. ابن سيّده نبط الركيّة نبطا و انبطها و استنبطها و نبّطها: أماهها. و اسم الماء النبطة و النبط، و الجمع أنباط و نبوط. و نبط الماء: نبع. و كلّ ما اظهر فقد انبط. و استنبط منه علما و خبرا و ما لا: استخرجه. و استنبط الفقيه: إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو خروج شي‌ء أو إخراجه من باطن شي‌ء أو قعره. و من مصاديقه: استخراج الماء من قعر البئر أو من باطن الأرض.

و استخراج المشكل من الأحكام و العلوم من مصادرها. و خروج بياض من بطن الفرس و بطن الفرس باطن أعضائه و في خفاء منه.

و النبط: يطلق على قوم يسكنون في أراضى بعيدة خفيّة من أراضى‌

28

العراق، و يقال إنّ محلّهم فيما بين العراقين العرب و العجم.

و النبطة فعلة: ما ينبط و يستخرج من محلّ باطن خفىّ. و البياض الذّى يظهر من بطن الفرس.

. وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ- 4/ 83 الضمير راجع الى الأمر في قوله تعالى:

. وَ إِذٰا جٰاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذٰاعُوا بِهِ.

و المراد النهى عن إفشاء الأسرار المربوطة الى المحاربة و الغزوات.

الآية الكريمة تنهى عن إذاعة ما يتعلّق بأمور المسلمين خيرا أو شرّا بمجرّد سماع أو اطّلاع من دون علم و يقين به، و الوظيفة إرجاعه الى من له إحاطة و بصيرة به و له إمكان التحقيق و الاستنباط عن مصادر موجودة عنده و تخريجها من الخفاء و الباطن الى الظهور، ثمّ تدبّره في أنّ الاذاعة به صلاح أم فساد و إفساد.

فظهر لطف التعبير بالاستنباط في الآية الكريمة.

نبع

مصبا- نبع الماءُ نبوعا من باب قعد، و نبع نبعا من باب نفع لغة: خرج من العين. و قيل للعين ينبوع، و الجمع ينابيع. و المنبع: مخرج الماء، و الجمع منابع. و يتعدّى بالهمزة فيقال: أنبعه اللّه إنباعا.

مقا- نبع: كلمتان: أحداهما- نبوع الماء، و الموضع الّذى ينبع منه ينبوع. و النوابع من البعير: المواضع الّتى يسيل منها عرقه. و منابع الماء: مخارجه من الأرض. و الاخرى- النبع: شجر.

لسا- نبع ينبع بحركات الباء في الماضي و في المضارع، نبعا و نبوعا:

تفجّر، و قيل خرج من العين، و لذلك سمّيت العين ينبوعا. و بناحية الحجاز عين‌

29

ماء يقال لها ينبع تسقى نخيلا لآل علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو خروج مايع أو ماء من مخرج، و هو التفجّر. و هذا المخرج يقال له العين.

و سبق في الفور: الفرق بين المادّة و الغليان و الهيجان و الفور.

و بين المادّة و موادّ النبث و النبت و النبش و النبط و النبغ و النجم: اشتقاق أكبر، و يجمعها مفهوم الخروج.

. وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً- 17/ 90 اليَنبع يسمّى به النهر الخارج من العين، كما في ينبع ناحية الحجاز، و قد يتلفّظ بالتفخيم فيزاد واو و يقال الينبوع مرادا به النهر الخارج من عين فيه جريان كثير، فالينبوع هو ذلك المجرى من الماء، لا موضع النبع.

و لمّا كان أرض الحجاز يغلب عليها اليبس و الحرارة، و يشكل فيها جريان الماء على وجه الأرض: طلبوا من النبىّ (ص) إظهار معجزة لهم، بإخراج ينبوع من أرضهم حتّى يروا جريانها على وجه الأرض.

و لا يخفى أنّ هذا الطلب ليس فيه دلالة على هدى و معرفة و نور و حقيقة، فانّه أمر مادّىّ يتوقّف على مقدّمات مادّيّة و يتحصّل من قوى و تدابير عرفيّة، و لا يدلّ على مقام نبوّة و رفعة روحانيّة و ارتباط معنويّة.

و قال تعالى في جوابهم:

. وَ مٰا مَنَعَ النّٰاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جٰاءَهُمُ الْهُدىٰ- 17/ 94. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهُ- 39/ 21 فيها دلالة على أنّ الينبوع بمعنى مجرى الماء الخارج من عين، و ليس بمعنى موضع الخروج، و انّما هو المنبع.

30

هذا التكوين ثمّ التدبير، ثمّ النظم التامّ، ثمّ إجراء البرنامج الموصل الى المقصود في تأمين الحياة المادّيّة: أحسن دليل و أتمّ شاهد على قدرته و علمه.

نتق

مقا- أصل يدلّ على جَذب شي‌ء و زعزعته و قلعه من أصله. تقول العرب:

نتقت الغرب من البئر: جذبته. و البعير إذا تزعزع حمله نتق عرى حباله، و ذلك جذبه ايّاها فتَسترخى، و امرأة ناتق: كثر أولادها. و هذا قياس الباب، كأنّهم نتقوا منها نتقا. و في الحديث: عليكم بالأبكار فانّهنّ أنتق أرحاما.

صحا- النتق: الزعزعة و النفض، و قد نتقته أنتقه نتقا. و قال أبو عبيدة في- و إذ نتقنا، أى زعزعنا، و فرس ناتق: إذا كان ينفض راكبه. و نتقت الجلد، أى سلخته.

لسا- النتق: الزعزعة و الهزّ و الجذب و النفض. و نتق الشي‌ء ينتقه و ينتقه نتقا: جذبه و اقتلعه. و في التنزيل- و إذ نتقنا الجبل فوقهم، أى زعزعناه و رفعناه. و جاء في الخبر: إنّه اقتلع من مكانه. و نتقت السقاء و الجراب و غيرهما من الأوعية نتقا: إذا نفَضه ليقتلع منه زبدته، و قيل: نفضه حتّى يستخرج ما فيه.

قع- (ناتق) أبعد، أزاح، قلع، نزّ، رشح.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الجذب مع اهتزاز، و من مصاديقه: نتق السقاء. و نتق الدلو من البئر. و نتق البعير حمله و عرى حباله. و نتق الحبلى الجنين حتّى تخرجه كما في نتق الجراب و السقاء. و نتق الفرس راكبه. و نتق الجلد و سلخه.

و سبق في الهزّ: إنّه تحريك في نفس الشي‌ء من دون نظر الى انتقال في‌

31

المكان. فالأصل يلاحظ فيه هذان القيدان.

و بين المادّة و موادّ النتج و النتح و النتخ و النتر و النتف: اشتقاق أكبر، و يجمعها مفهوم الجذب و الحركة.

و أمّا حديث- أنتق أرحاما: فانّ المرأة إذا كانت بكرا توجب جلب عواطف الأرحام طبيعة و فطرة، من نفسها و من أرحام الطرفين. و أمّا الثيّب: فكأنّها ليست وصلتها جديدة حديثه.

. وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وٰاقِعٌ بِهِمْ- 7/ 171 سبق في الجبل إنّه عبارة عن كلّ ما يكون عظيما بالطبيعة و الفطرة، و من مصاديقه تلك الجبال المعروفة. و النتق جذب شي‌ء مع اهتزاز فيه، فالجبل لا يختصّ معناه بالجبل المعروف، بل يمكن أن ينطبق على سحاب عظيم يجذب الى جانب فوق رءوسهم حتّى يظلّوا به.

و يصحّ أيضا أن يكون المراد تمايل قسمة أو قلّة من الجبل الى جانب كان بنو إسرائيل يسكنون في تلك الناحيّة، حتّى يستقرّوا في ظلّها مع توحّش من جهة وقوعها. و لكنّ المعنى الأوّل أوفق و أقرب من الذهن. و اللّه أعلم بخصوصيّات المورد.

و ينطبق الجبل أيضا على طيور متجمّعة كالجراد، فانّها قد توجد على كثرة فوق الإحصاء، فإذا طارت تكون كالسحاب المظلّ، و إذا جلست أكلت قاطبة الأشجار و النباتات بحيث لا يبقى منها شي‌ء.

و يؤيّد هذا: ما ورد في تفسير البرهان: من التعبير عن الجبل بالطائر.

و يؤيّده أيضا الآية الكريمة:

. فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الطُّوفٰانَ وَ الْجَرٰادَ وَ الْقُمَّلَ- 7/ 133 فانّها نزلت أيضا في بنى إسرائيل.

و مفهوم النتق و الاهتزاز أيضا يؤيّد هذا المعنى، و كذلك تحقّق معنى التظليل و صدق عنوان- و ظنّوا أنّه واقع بهم.

32

نثر

مقا- نثر: أصل صحيح يدلّ على إلقاء شي‌ء متفرّق. و نثر الدراهم و غيرها. و نثرت الشاة: طرحت من أنفها الأذى. و جاء في الحديث- إذا توضّأت فانتثر أو فأنثر- معناه اجعل الماء في نثرتك. و النثرة: نجم. و يقال: طعنه فأنثره:

ألقاه على خيشومه، و هذا هو القياس. و النثرة: الدرع.

مصبا- نثرته نثرا من باب قتل و ضرب: رميت به متفرّقا، فانتثر، و نثرت الفاكهة و نحوها. و النثار بالكسر، و الضمّ لغة: اسم للفعل كالنثر، و يكون بمعنى المنثور كالكتاب بمعنى المكتوب. و أصبت من النثار، أى من المنثور، و قيل النثار: ما يتناثر من الشي‌ء كالسقاط اسم لما يسقط، و الضمّ لغة، تشبيها بالفضلة الّتى ترمى. و نثر المتوضّئ و استنثر، بمعنى استنشق، و منهم من يفرّق فيجعل الاستنشاق إيصال الماء، و الاستنثار إخراج ما في الأنف من مخاط و غيره. و يدلّ عليه لفظ الحديث كان صلّى اللّه عليه و سلّم يستنشق ثلاثا في كلّ مرّة يستنثر.

التهذيب 15/ 73- ابن الأعرابىّ: النثرة: طرف الأنف. و يقال: نثر ينثر بكسر الثاء، و نثر السّكر ينثره بالضمّ لا غير. و أمّا قول ابن الأعرابىّ النثرة: طرف الأنف، فهو صحيح، و به سمّى النجم الّذى يقال له النثرة للأسد، كأنّها جعلت طرف أنفه. و قال الليث: النثر: نثرك الشي‌ء بيدك ترمى به متفرّقا، مثل نثر الجوز و اللوز و السكّر، و كذلك نثر الحبّ إذا بذر. و النثور: الكثيرة الولد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إلقاء أشياء على صورة التفرّق. و من مصاديقه: نثر ما في الأنف من ماء أو مخاط. و رمى الدراهم و الفواكه و غيرها متفرّقة. و تفريق البذور في الأرض. و توليد الأولاد الكثيرة متفرّقة. و ما يُنثر في مجالس العرس و غيرها.

33

و النثر في الكلام يقابل النظم، و هو باعتبار نثر كلمات متفرّقة لا نظم و لا تجمّع فيها كالمنظوم.

و النثرة في الأسد: باعتبار لطخ بياض فيها كالسحاب، كأنّها منثورة.

و هكذا في الدرع باعتبار تركبّه من حلقات مختلفة كأنّها منثورة.

و سبق في الرفت خصوصيّات موادّ النشر و البثّ و التفريق و غيرها.

و أمّا إطلاق النثرة على طرف الأنف: فتجوّز باعتبار نثر ما في الأنف من ذلك الطرف من الأنف.

. وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً- 25/ 23 فانّ المجرم هو المنقطع عن اللّه تعالى باجرامه، فيكون عمله أيضا منقطعا و غير مرتبط باللّه، بل هو و ما يعمله و حياته و جريان عيشه إنّما هي تتعلّق بالحياة الدنيا و للدنيا، و ليس في نيّته أثر من التوجّه الى اللّه عزّ و جلّ و الى الحياة الآخرة و الى الثواب من اللّه تعالى.

فإذا قوبل هذا المجرم بقبال نور اللّه و في مقام لقائه: فلا يشاهد له عمل يرتبط باللّه و بحبّه و بقربه و بثوابه. فتكون أعماله قاطبة خيرا أو شرّا كلّها للتعيّش المادّى و فيه و للأجر الدنيوىّ فقط.

و كما أنّ العالم المادّىّ ينهدم بإقبال عالم الآخرة: فكذلك ما يتعلّق بالحياة المادّيّة الدنيويّة، فلا يبقى منها أثر، و هذا معنى صيرورة تلك الأعمال هباء منثورا.

فالمراد من الجعل هو هذا المعنى الطبيعىّ القهرىّ، و ليس المعنى جعلها مع كونها صالحة و ثابتة: أن تكون هباء منثورا. أو المراد من الجعل كشف حقيقتها و إبراز كونها باطلة غير ثابتة.

. إِذَا السَّمٰاءُ انْفَطَرَتْ وَ إِذَا الْكَوٰاكِبُ انْتَثَرَتْ .... عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ- 82/ 2 الانتثار: اختيار النثر، فكأنّ الكواكب في تلك الموقعيّة تختار بأحوالها‌

34

الطبيعيّة نثرا و تفرّقا.

فتعلم حينئذ النفوس و تشاهد حقيقة أعمالها الّتى سبقت منها في الدنيا و للدنيا، و ما تأخّرت و بقيت حاضرة في الآخرة بمثالها و أثرها.

فترى أنّ الأعمال الدنيويّة قد بطلت و انمحت كالكواكب المنتثرة.

. وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً- 77/ 20 في جهة النورانيّة و الصفاء و الجالبيّة و الخلوّ عن الكدورة و الخلط.

و الولدان جمع الوليد بمعنى المتولّد المنشأ المستحدث، و يطلق على الذكر و الأنثى و على المادّىّ و الروحانىّ. و توصيفه بالخلود: يدلّ على كونه غير مادّىّ، فان الموضوع المادّىّ لا ثبات له و لا يمكن له الخلود.

فالمراد ولدان من الملكوت و الروحانيّين الطائفين عليهم. و يدلّ عليه: أنّ الولدان من جنس الناسوت هم مكلّفون و مسؤولون في مقابل تكاليفهم و مجزيّون بأعمالهم خيرا أو شرّا، و ليس لهم أن يطوفوا حول أهل الجنّة الصالحين، متقيدين به.

و التعبير بالمنثور: إشارة الى كثرتهم و اختلافهم.

نجد

مقا- نجد: أصل واحد يدلّ على اعتلاء و قوّة و إشراف، منه النجد:

الرجل الشجاع. و نجد الرجل ينجد نجدة، إذا صار شجاعا، و هو نجد و نجد و نجد و نجيد. و الشجاعة نجدة. و المناجد: المقاتل. و لاقى فلان نجدة، أى شدّة. و من الباب النجد: العرق. و نجد نجدا: عرق من عمل أو كرب. و ربّما قالوا في هذا:

نجد فهو منجود. و يقال: استنجدته فأنجدنى: استغثته فأغاثنى. و في ذلك الباب استعلاء على الخصم. و استنجد فلان: قوى بعد ضعف. و نجدت الرجل: غلبته.

و النجد: ما علا من الأرض. و أنجد: علا من غور الى نجد. و من الباب: هو نجد في‌

35

الحاجة، أى خفيف فيها. و النجاد: حمائل السيف، لأنّه يعلو العاتق. و النجد:

ما نجّد به البيت من متاع. و التنجيد: التّزيين، و النجد الطريق العالي. و المنجّد:

الذي نجّده الدهر و قوّاه.

مصبا- نجدته من باب قتل و أنجدته: أعنته. و النجدة: الشجاعة و الشدّة، و جمعها نجدات. و نجد الرجل فهو نجيد: إذا كان ذا نجدة و هي البأس و الشدّة.

و استنجده: سأله النجد، فأنجده: فأعانه. و النجد: ما ارتفع من الأرض، و به سمّى بلاد معروفة من ديار العرب ممّا يلي العراق، و ليست من الحجاز.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو اعتلاء مع قوّة. و من مصاديقه: المرتفع من الأرض مع قوّة فيها. و الطريق المرتفع المحكم. و الترفّع القوىّ في جهة إعانة، أو شجاعة، أو إشراف، أو إغاثة أو غلبة أو شدّة و بأس. و علّو و ترفّع من جهة الزينة و الأثاث. و ارتفاع عرق و هو ما يترشّح من البدن على الجلد. و هكذا.

فيعتبر في الأصل تحقّق علوّ و ارتفاع مع قوّة و تثبّت، سواء كان في جهة مادّيّة أو معنويّة.

و أمّا النجد: هي أراضى و بلاد في الشمال الشرقّى من المملكة السعوديّة، و فيها الرياض. و تقابلها أراضى تهامة في الجهة الشمالىّ الغربىّ ممتدّة من سينا الى أطراف اليمن جنوبا، و فيها جدّة و مكّة. و في الجهة الجنوبىّ الشرقىّ من المملكة أراضى حضرموت.

. أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِسٰاناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ- 90/ 11 أى و جعلنا له وسائل الحياة و العيش و السير موجودة في بدنه و خلقنا له أسباب قاطبة السعادة و الخير.

و النجدان: المقامان المرتفعان القويّان في الحياة الدنيا و في الحياة‌

36

الآخرة. فانّ السعادة الاخرويّة تتوقّف على تحقّق السعادة الدنيويّة في هذه الحياة، فانّهما متلازمان.

. وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا- 17/ 72 و لا يخفى أنّ سعادة الحياة الدنيويّة و الخير في العيش الدنيوىّ: هو ما كان في طريق تحصيل الكمال و الروحانيّة و السعادة المعنويّة، و هذا هو المراد في:

. رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً- 2/ 201 و هذا المعنى هو مصداق المقام الرفيع و المنزلة العالية، فانّه يوجب النجد في سير الإنسان و الوصول الى السعادة في الحياة الآخرة.

و قوله تعالى:

. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ.

بيان في مقابل النجدين، و قلنا إنّ النجدين في المعنى مرجعهما الى أمر واحد.

نجس

مقا- نجس: أصل صحيح يدلّ على خلاف الطهارة. و شي‌ء نجس و نجس: قذر. و النجس: القذر. و ليس ببعيد أن يكون منه قولهم: الناجس: الداء لا دواء له. أمّا التنجيس: فشي‌ء كانت العرب تفعله، كانوا يعلّقون على الصبىّ شيئا يعوّذونه من الجنّ، و لعلّ ذلك عظم أو ما أشبهه.

مصبا- نجس الشي‌ء نجسا، فهو نجس، من باب تعب، إذا كان قذرا غير نظيف. و نجس ينجس من باب قتل لغة. قال بعضهم: و نجس خلاف طهر.

و مشاهير الكتب ساكتة عن ذلك. و تقدّم أنّ القذر قد يكون نجاسة، فهو موافق لهذا، و الاسم النجاسة، و ثوب نجس اسم فاعل، و بالفتح وصف بالمصدر، و قوم أنجاس، و تنجّس الشي‌ء و نجّسته. و النجاسة في عرف الشرع قذر مخصوص.

37

مفر- النجاسة: القذارة، و ذلك ضربان: ضرب يدرك بالحاسّة، و ضرب يدرك بالبصيرة. و الثاني وصف اللّه به المشركين فقال: إنّما المشركون نجس.

و يقال: نجّسه أى جعله نجسا. و نجّسه أيضا: أزال نجسه. و منه تنجيس العرب.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الطهارة، كما أنّ القذر ما يقابل النظافة، و الرجس ما يكون مكروها عند العرف، و الرجز هو المضيقة بعد تقليب.-

راجع الرجس.

و النجس كالتعب مصدر. و النجس كالخشن صفة. و التنجيس: جعل شي‌ء نجسا، و يدلّ على جهة الوقوع. و حقيقة التنجيس في التعويذ: تعليق شي‌ء كالعظم و غيره ممّا فيه قذارة، يوجب دفع النظر السىّ‌ء.

و أمّا مفهوم الإزالة في التفعيل: فعلى خلاف الحقّ، فانّ التفعيل يلاحظ فيه نسبة الفعل الى المفعول، و يكون النظر الى هذه الجهة.

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا- 9/ 28 و النجس في الأصل مصدر ثمّ يستعمل بمعنى الوصف مبالغة، و على هذا يطلق على المفرد و الإثنين و الجمع و المؤنّث، كالمصادر، ففيه من المبالغة ما ليس في صيغة النجس وصفا، و هو يؤنّث و يثنّىّ و يجمع.

و أمّا فقدان الطهارة في الكافر: فهو متحقّق في الظاهر و في الباطن: أمّا الظاهر: فانّهم لا يجتنبون عن الخبائث و الأقذار و ما يكون من النجاسات الشرعيّة الفقهيّة. و أمّا الباطن: فانّهم منكدرة قلوبهم بالاعتقادات الباطلة و منحرفة أفكارهم عن التوحيد و التوجّه الى المعارف الحقّة و محجوبة بصائرهم عن أنوار الحقّ عزّ و جلّ.

و لمّا كان المسجد محلّ سجود و خضوع و تذلّل و تقرّب اليه تعالى: فلا‌

38

يناسب أن يدخله من ليس له طهارة باطنيّة و لا ظاهريّة، و هو على خلاف صراط العزيز الحميد، فانّ وجوده في المسجد نقض عملىّ لبرنامج السجود و إبطال لروحانيّة المحلّ.

نجل

مصبا- النجل: قيل: الوالد، و قيل: النسل، و هو مصدر نجله أبوه نجلا من باب قتل. و النجل: سعة العين و حسنها، و هو مصدر من باب تعب، و عين نجلاء مثل حمراء. و الإنجيل: قيل مشتقّ من نجلته إذا استخرجته.

الاشتقاق 533- نجلان من قولهم عين نجلاء، أى واسعة، و يقال:

نجلت الرجل نجلا بالرمح، إذا طعنته، و بذلك سمّى الرمح منجلا. و النجل: ماء يظهر في بطن واد أو سفح جبل حتّى يسيح. و هؤلاء نجل فلان، أى نسله. و زعم قوم من أهل العلم أنّ الإنجيل إفعيل من النجل، كأنّه ظهر بعد كمونه.

فرهنگ تطبيقى- إنجيل: مژده و بشارت.

«- سرياني- أنگليون إنجيل.

«- يوناني- إواگِليون إنجيل.

المنجد في العلوم- الإنجيل: كلمة يونانيّة، معناها البشرى، و الأناجيل مجموعة أعمال المسيح و أقواله وصلت إلينا بأربع روايات وضعها متّى و يوحنّا- و هما من الرسل، و لوقا و مرقص- و هما من تلاميذ المسيح. و سمّيت بالإنجيل لأنّها أتت للأنام ببشرى الخلاص عن يد المسيح الفادي.

قاموس الكتاب- إنجيل: و لنا أربعة أناجيل قانونيّة قد تقبّلها الكليسا بسرعة، و يرجع اليها الموافق و المخالف، و لم يقل أحد بأنّ إنجيلا آخر يقابل هذه الأناجيل. و قد يعلم كلّ عارف بها محقّق بأنّ إنجيل يوحنّا يحتوى على تعليمات روحانيّة و الأوامر الإلهيّة، و قد تعرّض بالوهيّة عيسى (ع) زائدا على الثلاثة. و هذا يدلّ‌

39

بأنّه قد الّف بعدها. و أمّا الثلاثة: فهي على سياق واحد و محتوياتها مشابهة و قريبة كلّ من الآخر في المضامين.

و التحقيق

أنّ الكلمة مأخوذة من اليونانيّة و السريانيّة، و ليست بعربيّة مأخوذة من النجل كما في كتب اللغة.

ثمّ إنّ اللغة اليونانيّة هي الغالبة على أراضى اليونان و السوريّة و فلسطين في زمان عيسى النبىّ (ع) و قد كتبت الأناجيل على هذه اللغة.

و مملكة اليونان فعلا واقعة في الجنوب الشرقىّ من اوربا، محدودة بالبحر المتوسّط (مديترانه) جنوبا، و بالمقدونيّة شمالا.

و أمّا بسط اللغة اليونانيّة: فانّما تحقّق بعد بسط حكومة الإسكندر ابن فيليب المقدوني، و فتح أكثر البلاد المعظّمة و استيلائه على سوريا و مصر و ما والاها و بناء الاسكندريّة في مصر. و ذلك البناء عام 332 قبل الميلاد، و مات سنة 323 قبل الميلاد.

فتكلّم أكثر أهالى هذه الممالك باللغة اليونانيّة، و لا سيّما أن خرج جمع من الفلاسفة و الحكماء و العلماء و الرياضيّين من يونان، فكان المؤلّفون يؤلّفون تأليفاتهم بهذه اللغة الرائجة الشايعة، و منهم مؤلّفوا هذه الأناجيل- راجع كلمة إنجيل.

و يذكر في القرآن المجيد ما يتعلّق بالإنجيل:

1- فيه هداية للناس:

. وَ أَنْزَلَ التَّوْرٰاةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّٰاسِ- 3/ 3 فنزول الإنجيل كان لهداية الناس الى الحقّ، و هذا يكشف عن كون مفاهيمه حقّا لا باطل فيه.

2- إنّه نور:

40

. وَ آتَيْنٰاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ- 5/ 46 فكان الإنجيل نورا ليست فيه ظلمة و جهة خلاف.

3- إنّه كتاب نزل على عيسى ع:

. وَ قَفَّيْنٰا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْنٰاهُ الْإِنْجِيلَ- 57/ 27 يعلم أنّه نزل من جانب اللّه على عيسى ع. و ليس بكتاب مدوّن من جانب الناس.

4- إنّه بشّر بنبىّ الإسلام:

. النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ الْإِنْجِيلِ- 7/ 157 فنيّ الإسلام مضبوط و مكتوب اسمه و صفاته في الإنجيل الحقّ، و كذا في التوراة.

5- إنّه قد علّمه اللّه عزّ و جلّ عيسى ع:

. وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْرٰاةَ وَ الْإِنْجِيلَ- 5/ 110 فيعلم أنّه كان حاويا للأحكام الإلهيّة و المعارف الحقّه و الحقائق المعنويّة و اللطائف النورانيّة الّتى تحتاج الى تعليم اللّه عزّ و جلّ و تفهيمه، لا الأمور العرفيّة التاريخيّة، و ما يرتبط بجريان حياته و أعماله و أقواله الّتى قد صدرت منه.

فهذه خمس خصوصيّات ترتبط بالإنجيل النازل من اللاهوت على النبىّ عيسى (عليه السلام)، و فيه هدى و نور و معرفة و بشارة.

و أمّا هذه الأناجيل الأربعة: ففيها تناقضات و امور على خلاف الحقّ و التوحيد و المعارف الإلهيّة، و قد ينسب فيها أقوال و أعمال و جريانات الى روح اللّه (عليه السلام)، و هي مخالفة للعقل و الدين، كالتثليث و شرب المسكر و البعث من القبر و الصعود الى السماء و أمثالها، و قد ذكرت هذه المباحث في كتب مفصّلة، فليراجع اليها.

و لا يخفى أنّ القول بوقوع التحريف في التوراة و الإنجيل غير مناسب، فانّ‌

41

الكتب المقدّسة الموجودة من العهد القديم و الجديد ليس فيها توراة و لا إنجيل سماويّان، بل كتب مؤلّفة حادثة بعد رحلة موسى و عيسى (عليهما السلام)، و أمّا الكتابان الأصيلان النازلان من سماء اللاهوت: فقد انمحيا و انعدما و لم يبق منهما أثر إلّا ما يوجد من بعض مضامينهما في هذه الكتب.

النجم

مقا- نجم: أصل صحيح يدلّ على طلوع و ظهور، و نجم النجم: طلع.

و نجم السنّ و القرن: طلعا. و النجم: الثريّا، اسم لها، و إذا قالوا: طلع النجم، فانّهم يريدونها. و ليس لهذا الحديث نجم، أى أصل و مطلع. و النجم من النباتات: ما لم يكن له ساق، من نجم، إذا طلع. و المنجم في الميزان: الحديدة المعترضة فيه.

مصبا- النجم: الكوكب، و الجمع أنجم و نجوم، و كانت العرب تؤقّت بطلوع النجوم، لأنّهم ما كانوا يعرفون الحساب، و إنّما يحفظون أوقات السنة بالأنواء، و كانوا يسمّون الوقت الّذى يحلّ فيه الأداء نجما، تجوّزا، لأنّ الأداء لا يعرف الّا بالنجم، ثمّ توسّعوا حتّى سمّوا الوظيفة نجما، لوقوعها في الأصل في الوقت الّذى يطلع فيه النجم، و اشتقّوا منه فقالوا نجّمت الدين، إذا جعلته نجوما.

لسا- نجم الشي‌ء ينجم نجوما: طلع و ظهر. و في الحديث: هذا إبّان نجومه، أى وقت ظهوره. و كلّ ما طلع و ظهر فقد نجم. ابن الأعرابىّ: النجمة شجرة، و النجمة الكلمة، و النجمة النبتة الصغيرة، و جمعها نجم، فما كان له ساق فهو شجر، و ما لم يكن له ساق فهو نجم. و النجمة: شي‌ء ينبت في اصول النخلة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ظهور الى جهة علوّ، و من مصاديقه:

ظهور الكواكب من الأفق الى جهة سمت الرأس. و ظهور النباتات من الأرض‌

42

و اعتلاؤها. و هكذا في السنّ و القرن. و نبوغ الشاعر أو الفارس. و صدور شي‌ء و إنتاجه.

و سبق في برز و بدو و غيرهما: الفرق بينها و بين الطلوع و الظهور و البزوغ و غيرها- فراجعها.

و أمّا مفهوم الأصل: فباعتبار ظهور الفرع و اعتلائه و نشأه منه.

و أمّا الأنواء: فهو جمع النوء و هو سقوط نجم في المغرب و طلوع نجم آخر في قباله في المشرق، و الأنواء ثمانية و عشرون في امتداد السنة كلّها. و النوء بمعنى النهضة و السقوط.

و الكوكب: هو النجم باعتبار التظاهر بعظمة و ضياء. راجعه.

. وَ النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ- 53/ 1 فالنجم في مقابل الهوىّ فانّه تمايل الى سفل، كما أنّ النجم ظهور الى علوّ.

ثمّ إنّ المادّة تستعمل في المادّيّات و في المعنويّات. و المراد تمايل النجوم الى الهوىّ و السقوط، كما في- و إذا الكواكب انتثرت. و إذا النجوم انكدرت. و هذا المعنى بإقبال عالم الآخرة، و إدبار الدنيا.

و الضلال: فقدان الهداية و الرشاد، و الانحراف عن مسير الحقّ. و هذا أمر معنوىّ و قد ذكر في مورد القسم بهوىّ النجم المادّىّ.

و الأحسن أن يكون المراد نفس رسول اللّه (ص) الهابط من المحلّ الأعلى و المقام الأسنى و من مرتبة الحقّ في الحقّ، الى جانب الخلق بالرسالة اليهم و هدايتهم و سوقهم الى الحقّ، فهذا البرنامج و الفعّاليّة العمليّة في الخارج يحسبه الناس أنّه ضلال و انحراف، فانّهم لا يستطيعون أن يدركوا الحقائق الروحانيّة بقلوبهم المنكدرة.

. الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ بِحُسْبٰانٍ وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ- 55/ 6 النجم: كلّ ما يظهر و يتمايل الى اعتلاء من كوكب أو نبات مادّيّا أو‌

43

معنويّا. و الشجر: ما علا و نما و أورق و فرّع مادّيّا أو معنويّا، و الشجر ما بلغ الى فعليّة في الاعتلاء بخلاف النجم ففيه القوّة. و كما أنّ النجم أعمّ من النبات كذلك الشجر- راجع الشجر.

و أمّا السجدة: فهو الخضوع التامّ و التذلّل بحيث تفنى الأنانيّة. و سبق أنّ السجود أعمّ من الاختيارىّ و الطبيعىّ التكوينىّ- فراجعه.

و هذه الجملة تناسب الجملة السابقة، فانّ الحسبان مصدر كالغفران، و هو بمعنى الإشراف و النظر و الدقّة، و هذا المعنى يلازم الحكومة و الاحاطة، و من آثار الحكومة التامّة حصول التذلّل في الطرف.

فالمراد كون الشمس و القمر تحت إشراف و نظر دقيق و محاسبة، و النجوم و الأشجار خاضعة و ساجدة و متذلّلة تحت حكمه و عظمته. و هذا كما في:

. وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّرٰاتٌ بِأَمْرِهِ- 16/ 12. الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ .... وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ- 7/ 54. أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبٰالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ- 22/ 18 فالمراد من التسخير: تسخيرها تكوينا بحيث خلقت مقدّرة و على خصوصيّات معيّنه و محكومة بحكمه لا تتجاوز عنه بوجه، و هكذا السجود.

و النجم في هذه الآيات الكريمة: يراد به الكوكب، بقرينة الشمس و القمر، و لا مانع من إرادة عموم ما يتمايل الى اعتلاء بالطّبع، و هذا المعنى يناسب أن يجعل في عين اقتضاء الاعتلاء: محكوما بالتسخّر.

. وَ السَّمٰاءِ وَ الطّٰارِقِ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الطّٰارِقُ النَّجْمُ الثّٰاقِبُ- 86/ 3 الطرق: ضرب و تثبيت على حالة مخصوصة. و الثقب: الدقّة و النفوذ.

سبق في الطرق: تطبيق الطارق على كلّ شمس له نور ذاتىّ في منظومته‌

44

في السماء المادّىّ. و على النفس الروحانىّ المطمئنّ الكامل النورانىّ في السماء الروحانىّ، و كلّ منهما يثبت نظما و حركة و كيفيّة مخصوصة و يوجد حرارة و نورا في محيطه.

و هكذا يراد التعميم في:

. وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- 6/ 97 فانّ الهداية إمّا في الطرق الماديّة الظاهريّة أو في السبل المعنويّة الروحانيّة بالنجوم الروحانيّة.

. فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ- 37/ 88 هذا النظر بعد قوله:

. فَمٰا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعٰالَمِينَ.

فانّ من تدبير العوالم ما يرتبط بتربية النجوم و تنظيم حركاتها و إدارة أمورها تكوينا و إبقاءا، و النجوم و تحوّلاتها مشهودة لكلّ أحد، و هي تظهر و تتمايل الى علوّ على نظم خاصّ.

و هذا النظر و التوجّه اليها مرحلة عمليّة و عطف أذهانهم في الخارج الى التفكّر فيها، ثمّ اعتذر بإظهار السقم و اختلال المزاج عن البحث و إدامة السؤال و الجواب، فانّ المكالمة و البحث مفيد إذا كان بصورة تحرّى الحقّ و طلب الانصاف و الحقيقة، لا بطريق المجادلة و المخاصمة.

و ليس المراد إنتاج السقم عن النظر الى النجوم، فانّ السقم أمر داخلىّ و اختلال بدنىّ يتوجّه اليه النفس بعلم شهودىّ، و لا حاجة في تشخيصه الى النظر في النجوم أو امور اخر.

. وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَ إِذَا الْجِبٰالُ سُيِّرَتْ- 81/ 2. فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَ إِذَا السَّمٰاءُ فُرِجَتْ وَ إِذَا الْجِبٰالُ نُسِفَتْ- 77/ 8 الانكدار: زوال الصفا و الخلوص في شي‌ء و حصول الشوب و الخلط فيه.

و الطمس: مسّ يوجب زوال نظم و صورة في الشي‌ء بحصول اختلال فيه.

45

و الانفراج: حصول مطلق الفرجة بين الشيئين بزوال الارتباط. و النسف: القلع و الفرق.

يراد حصول الاختلال في نظم النجوم و جريانها، و عروض الانكدار في صفائها و خلوص نظامها و نورها و حرارتها و ارتباطها و انضباطها.

و المراد الكواكب في العالم المادّىّ، فانّ تحوّل هذا العالم يلازم زوال النظم و حصول الاختلال فيه. و لا يصحّ أن يراد المعنى العامّ، أو النبات: فانّ النجوم الروحانيّة لا تنكدر و لا تختلّ بظهور عالم الآخرة، و أمّا النباتات و الأشجار فهي دائما في التحوّل و الاختلاف.

. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلٰا أُقْسِمُ بِمَوٰاقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ- 56/ 75 المواقع جمع الموقع و هو محلّ الوقوع و الحلول و النزول. و المراد النجوم الروحانيّة و النفوس السالكون الى جناب القدس و العالم اللاهوتىّ، و مواقعها هي المنازل في مسيرها و المقامات الّتى يصل السالكون اليها منزلا بعد منزل، و يشاهدون حقائق فيها.

و هذه مقامات رفيعة متعالية في مسير السير الى اللّه المتعال، و ليس للإنسان منازل ذات رفعة و عظمة و علوّ و شرف منها.

و في هذه المنازل يسبّح و ينزّه النفس الانسانىّ عن كلّ شوب و خلط، و يستعدّ للقاء الربّ، و يكون مظهرا للصفات العليا و الأسماء الحسنى، و يحصّل جلالا و عظمة من مبدأ العظمة.

فظهر لطف ذكر اسم العظيم في المورد، و هكذا توصيف القسم بها بأنّه لو تعلمون قسم عظيم- راجع السبح.

46

نجى

مصبا- نجا من الهلاك ينجو نجاة: خلص، و الاسم النجاء بالمدّ، و قد يقصر، فهو ناج، و المرأة ناجية، و بها سمّيت قبيلة من العرب، و يتعدّى بالهمزة و التضعيف فيقال: أنجيته و نجّيته، و ناجيته: ساررته، و الاسم النجوى، و تناجي القوم: ناجى بعضهم بعضا. و النجو: الخواء، و نجا الغائط نجوا من باب قتل:

خرج. و يسند الفعل الى الإنسان أيضا فيقال نجا الرجل إذا تغوّط. و استنجيت:

غسلت موضع النجو أو مسحته بحجر أو مدر.

مقا- نجو: أصلان يدلّ أحدهما على كشط و كشف. و الآخر- على ستر و إخفاء. فالأوّل- نجوت الجلد أنجوه: إذا كشطته. يقال: للغصون النجا، الواحدة نجاة. و نجا الإنسان ينجو نجاة، و نجاء في السرعة، و هو معنى الذهاب و الانكشاف من المكان. و ناقة ناجية و نجاة: سريعة. و من الباب و هو محمول على ما ذكرناه من النجاء: النجاة و النجوة من الأرض، و هي الّتى لا يعلوها سيل، كأنّه نجا من السيل. و من الباب النجو: السحاب، و الجمع النجاء، و هو من انكشافه لأنّه لا يثبت. و قولهم- استنجى فلان، كأنّ الإنسان إذا أراد قضاء حاجته أتى نجوة من الأرض تستره، كما قالوا تغوّط، أى أتى غائطا. و الأصل الآخر- النجو و النجوى: السرّ بين اثنين.

العين 6/ 186- نجا فلان من الشرّ ينجو نجاة، و نجا ينجو، في السرعة نجاء، فهو ناج. و النجاة: النجوة من الأرض، أى الارتفاع لا يعلوه الماء، و النجو:

ما خرج من البطن من ريح و غيرها، و النجو: استطلاق البطن، و قد نجا نجوا.

و النجو: كلام بين اثنين كالسرّ، تقول: ناجيتهم و تناجوا فيما بينهم، و كذلك انتجوا. و النجا: ما ألقيته عن نفسك من ثياب أو ما سلخته عن الشاة.

مفر- أصل النجاء: الانفصال من الشي‌ء، و منه نجا فلان من فلان.

و النجوة و النجاة: المكان المرتفع المنفصل بارتفاعه عمّا حوله، و نجوت قشر الشجرة‌

47

و جلد الشاة. و ناجيته: ساررته، و أصله أن تخلو به في نجوة من الأرض، و قيل أصله من النجاة و هو أن تعاونه على ما فيه خلاصه، أو أن تنجو بسرّك من أن يطلّع عليك.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التنحية و التخليص، أى تخليص في تنحية. و من مصاديقه: تخليص شخص من الهلاك و تنحيته عن ذلك المحيط.

و هكذا تخليصه عن أىّ حادثة. و تنحية الجلد أو اللباس عن البدن و حصول التخلّص. و التخلّص في المكان المرتفع عن جريان ماء أو ابتلاء آخر. و هكذا في تخلّص المعدة عن الامتلاء و تنحية ما في البطن من نجو أو ريح.

و من ذلك المعنى: النجوى و التناجي، حيث يلاحظ فيه التنحّى الى جانب و تخليص الباطن عمّا فيه من أمر مكتوم في القلب، و يقصد بهذا التناجي تخليص لنفسه و حصول خلاص له أو لغيره.

و أمّا اطلاق النجو على المكان المرتفع أو على ما خرج من البطن أو على السحاب: فباعتبار تحقّق التنحّى و التخلّص فيها أو بها.

. وَ قٰالَ الَّذِي نَجٰا مِنْهُمٰا- 12/ 45. قٰالَ لٰا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ- 28/ 25. وَ قٰالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نٰاجٍ مِنْهُمَا- 12/ 42. وَ يٰا قَوْمِ مٰا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجٰاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النّٰارِ- 40/ 41. فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا- 12/ 80 هذه المادّة لازمة. و الآية الاولى و الثالثة في مورد صاحب السجن ليوسف، و الخامسة في إخوة يوسف، و الثانية في موسى ع، و كذلك الرابعة خطابا الى قومه.

و تتعدّى بالهمزة و التضعيف-

48

. إِذْ أَنْجٰاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ- 14/ 6. فَلَمّٰا أَنْجٰاهُمْ إِذٰا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ- 10/ 23. قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ- 6/ 63. كَذٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنٰا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ- 10/ 103 يراد جعلهم ناجين، و صيغة الإفعال تدلّ على قيام الفعل بالفاعل و يكون النظر فيه الى جهة الصدور منه. و هذا الإنجاء من شئون الربوبيّة في موارد الاقتضاء و وجود المحلّ المناسب.

. فَلَمّٰا نَجّٰاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ- 17/ 67. نَجّٰانٰا مِنَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ- 23/ 28. فَنَجَّيْنٰاهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ- 10/ 73. ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنٰا وَ الَّذِينَ آمَنُوا- 10/ 103. وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ- 66/ 11 فالنظر في أمثال هذه الموارد الّتى يعبّر فيها بصيغة التفعيل: الى جهة وقوع الفعل و تعلّقه بالمفعول به.

فيراد تحقّق وقوع التنحية و التخليص لهم و فيهم عن الابتلاء.

. مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ .... أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَنٰاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ .... يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا تَنٰاجَيْتُمْ فَلٰا تَتَنٰاجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَنٰاجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ .... إِنَّمَا النَّجْوىٰ مِنَ الشَّيْطٰانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا- 58/ 7- 10 النَجوى مصدر كالدعوى بمعنى المكالمة سرّا في تنحية و تنجية. و النجوى في محيط المسلمين إنّما يقع من المخالفين و المنافقين، حيث إنّهم أسرّوا برامجهم و أخفوا تدابيرهم على خلاف مصالح المؤمنين، و هذا هو الّذى يكون على أساس الإثم و العدوان و العصيان.

49

و أمّا المؤمنون: فانّهم إذا احتاجوا الى تناج بينهم، فهو يتحقّق على برنامج البرّ و التقوى و في طريق الإسلام و خدمة المسلمين.

و التعبير بقوله- إلّا هو رابعهم: إشارة الى حضوره تعالى و اطلاعه و علمه على تناجيهم، و إن كان النجوى في منتهى السرّ و الخفاء.

و أمّا كون التناجي من الشيطان: فانّ مبدأ نجوى المخالفين و أساس تناجيهم إنّما هو من الأفكار الشيطانيّة و التدابير الظلمانيّة.

. إِذٰا نٰاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقَةً ذٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوٰاكُمْ صَدَقٰاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تٰابَ اللّٰهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلٰاةَ- 58/ 14 الصدقة: ما يعطى صحيحا تامّا و في سبيل اللّه و في خدمة الخلق و هو من مصاديق الصدق، و إعطاء الصدقة يوجب توجّها الى اللّه و عملا في سبيل اللّه و في سبيل خلقه و انصرافا عن التعلّق المادّىّ و انقطاعا الى الحقّ المتعال و حصول انعطاف و تليّن في القلب.

و هذا العمل يوجب تحقّق حالة توجّه و خلوص و صفاء و لينة و خشوع في القلب حين النجوى مع الرسول ص.

و أمّا المناجاة و التناجي: ففي صيغتهما دلالة على الامتداد، فانّ في النجوى مع الرسول (ص) يحصل امتداد ما.

و هذا التكليف مطلوب استحبابا، و فيه خيرة و طهارة لمن يريد النجوى.

و من هذا المعنى المناجاة مع اللّه عزّ و جلّ: فانّ العبد المناجى ينجّى نفسه عن التعلّقات الظاهريّة و يخلّص قلبه عمّا فيه من الاضطراب و التعلّق و ينقطع الى اللّه المتعال و يظهر بلسانه ما في سرّه، فانّ النجوى هو ظهور السرّ.

. أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوٰاهُمْ- 9/ 78. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمٰا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوىٰ- 17/ 47‌

50

فكلمة النجوى في الآية جمع نجىّ كقتيل و جريح و قتلى و جرحى.

و الأولى أن تكون مصدرا اطلق في مقام الوصف مبالغة، و يستوي فيه المفرد و الجمع، فكأنّهم مظهر النجوى و فيهم تجسّم مفهوم التناجي، فانّ برنامجهم في طول معيشتهم التباني و التدبير السوء على الرسول ص.

و يدلّ على هذا: التعبير به بعد قوله- و إذ يستمعون اليك. فانّ وجودهم في مقام الاستماع اليك مظهر النجوى، و ليس المنظور كونهم متناجين حين يستمعون اليك.

نحب

مقا- نحب: أصلان: أحدهما يدلّ على نذر و ما أشبهه من خطر أو إخطار شي‌ء. و الآخر على صوت من الأصوات. فالأوّل- النحب: النذر، و سار فلان على نحب، إذا جهد، فكأنّه خاطر على شي‌ء فجدّ. و قد كان التنحيب في العرب و هو كالمخاطرة، تقول: إن كان كذا فلك علىّ كذا و إلّا فلي عليك. و جاء في الإسلام بالنهى عنه. و منه ناحبته الى فلان، إذا حاكمته، و القياس فيهما واحد.

و كذا النحب: الموت، كأنّه نذر ينذره الإنسان يلزمه الوفاء به و لا بدّ له منه. و الأصل الآخر- النحيب: الباكي، و هو بكاؤه مع صوت و إعوال. و منه النحاب: سعال الإبل، و نحب البعير ينحب.

مصبا- نحب نحبا من باب ضرب: بكى، و الاسم النحيب. و نحب نحبا من باب قتل: نذر، و قضى نحبه: مات أو قتل في سبيل اللّه، و أصله الوفاء بالنذر.

العين 3/ 251- النحب: النذر- فمنهم من قضى نحبه- أى قتلوا في سبيل اللّه فأدركوا ما تمنّوا فذلك قضاء نحبهم، كأنّ المعنى ظفروا بحاجتهم.

و الانتحاب: صوت البكاء، و النحيب: البكاء. و ناحبته: حاكمته أو قاضيته الى رجل. و النحب: السير السريع.

51

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو جريان يقدّر على شخص و يلزم عليه.

و من مصاديقه: ما يوجب بالنذر و العهد. ما يلزم بالحكم و القضاء. ما يقدّر للشخص بتحقّق موت أو قتل. ما يمتدّ جريان الحياة مقدّرا. ما يقدّر من السير اللازم.

و جريان حادثة قاطعة يوجب بكاء و عويلا.

و بتناسب هذا الأصل تستعمل المادّة في معاني تجوّزا: كالمدّة، و الوقت، و المخاطرة، و الجهد، و السعال، و غيرها.

. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ- 33/ 23 أى قضى و أتمّ ما قدّر و الزم عليه، و هو المراد من- ما عاهدوا اللّه عليه.

و استعمال الكلمة في مورد المعاهدة يدلّ على الأصل الّذى ذكر، و هو مطلق ما يقدّر و يلزم على شخص، سواء كان بتقدير تكوينىّ كالموت، أو باختيار كالتعهّدات.

فتدلّ الآية الكريمة على أنّ المؤمن بعد إيمانه لازم له أن يعمل بموجب إيمانه و بيعته و التزامه و تعهّده: بما جاء به النبىّ (ص) و أمر به من الأحكام و الوظائف القلبيّة و العمليّة و اللسانيّة و الاستقامة فيها الى أن ينقضي زمان حياته و يدركه الموت.

نحت

مقا- نحت: كلمة تدلّ على نجر شي‌ء و تسويته بحديدة. و نحت النجّار الخشبة ينحتها نحتا. و النحيتة: الطبيعة، يريدون الحالة الّتى نحت عليها الإنسان، كالغريزة الّتى غرز عليها الإنسان، و ما سقط من المنحوت نحاته.

52

مصبا- نحت بيتا في الجبل من باب ضرب، و من باب نفع لغة، و بها قرء الحسن، و نحت الخشبة أيضا نحتا: نجرها، و الآلة المنحات.

العين 3/ 191- النحت: نحت النجّار الخشب ينحت، و ينحت لغة، و جمل نحيت: قد انتحتت مناسمه. و النحاتة: ما انتحتت من الشي‌ء من الخشب و نحوه. و تقول في النكاح: نحتها نحتا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو مطلق النحت (تراشيدن) و سبق في البرى: أنّ فيه معنى التنزيه و التسوية. و في البحر: إنّه التوسّع فيه تموّج و اضطراب، و شقّ الاذن في البحيرة باعتبار كثرة النتاج. و النجر هو تسوية الشي‌ء و إصلاحه. فالنحت مطلق شقّ مخصوص.

و من مصاديقه: نحت الجبل للسكنى و غيره. نحت الخشبة بنظر و غرض مخصوص كنحت النجّار. و نحت العود و الحجر في إصلاحهما.

و بهذا التناسب تطلق النحيتة على طبيعة أو صفة جعلت راسخة.

. وَ لَقَدْ كَذَّبَ أَصْحٰابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ .... وَ كٰانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً آمِنِينَ- 15/ 82. وَ إِلىٰ ثَمُودَ أَخٰاهُمْ صٰالِحاً قٰالَ .... وَ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهٰا قُصُوراً وَ تَنْحِتُونَ الْجِبٰالَ بُيُوتاً- 7/ 74. وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً فٰارِهِينَ- 26/ 149 الآية الاولى في أصحاب الحجر، و هم الّذين كانوا يسكنون في أراضى الشمال الغربىّ من الحجاز قريبا من تيماء، و كان منهم قوم ثمود. و الآيتان الآخرتان في قوم ثمود خاصّة- راجع- حجر و ثمود.

و الفره: هو الفرح الباطنىّ الملائم من دون اغتمام.

و البيوت في الجبال آمن و أحكم و أشدّ احتفاظا من الحوادث و البليّات،

53

و يصير الساكن فيها آمنا و فارها، إذا ضمّت اليها العمل بالزراعة و الفلاحة و تربية الأغنام و الأنعام.

هذا في الجهة الظاهريّة المادّيّة، و أمّا التأمين من الجهة الباطنيّة المعنويّة الحقيقيّة المستمرّة: فيحتاج الى ارتباط روحانىّ و توجّه الى الربّ المتعال، و هو الحافظ المحيط المالك المؤمن المهيمن يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء و بيده الخير و هو على كلّ شي‌ء قدير.

. وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرٰاهِيمَ .... قٰالَ أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ- 37/ 95 فانّ من الأصنام ما ينحتونها بأيديهم مع أنّ اللّه عزّ و جلّ هو الخالق لكلّ شي‌ء، و إنّهم و كلّ ما ينحت من مخلوق اللّه تعالى، و بل و عملهم أيضا إنّما يتحقّق في الخارج بحول من اللّه و قوّة منه.

نعم من توجّه الى خلق السماوات و الأرض و ما بينهما و إلى ما فيها من النظم و الإحكام: يهتدى الى مقام التوحيد، و يرى الكلّ من اللّه.

نحر

مقا- نحر: كلمة واحدة يتفرّع منها كلمات الباب، هي النحر للإنسان و غيره، و الجمع نحور. و النحر: البزل في النحر. و نحرت البعير نحرا، و الناحران:

عرقان في صدر الفرس. و انتحروا على الشي‌ء: تشاحّوا عليه حِرصا، كأنّ كلّ واحد منهم يريد نحر صاحبه. و يقال: النحيرة: آخر يوم من الشهر، لأنّه ينحر الّذى يدخل. و العالم بالشي‌ء المجرّب: نحرير، إنّه ينحر العلم نحرا، كقولك: قتلت هذا الشي‌ء علما.

مصبا- نحرت البهيمة نحرا من باب نفع، و منه عيد النحر. و المنحر:

موضع النحر من الحلق، و يكون مصدرا أيضا. و النحر: موضع القلادة من الصدر،

54

و الجمع نحور، و تطلق النحور على الصدور.

التهذيب 5/ 10- قال الليث: النحر: الصدر. و النحور: الصدور. و النحر:

ذبحك البعير تطعنه في منحره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر. و يوم النحر:

يوم الأضحى. و إذا استقبلت دار دارا: قيل: هذه تنحر تلك. و إذا انتصب الإنسان في صلاته فنهد، قيل قد نحر.

قع- (ناحر) ذبح، طعن.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو قطع في الحلقوم من الحيوان بذبح أو طعن. و المادّة مأخوذة من العبريّة.

و الذبح أعمّ من أن يكون من حيوان أو من غيره. و الشقّ أعمّ من أن يكون بانفصال و تفرّق أم لا و في حيوان أو غيره، و هو مطلق حصول انفراج في مادّىّ أو معنوىّ.

و أمّا مفاهيم- التشاحّ، النحيرة، استقبال الدار بدار: فمن التجوّز، فكأنّ فيها طعنا و ضربة على شي‌ء في قباله.

. إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ- 108/ 2 فالصلوة و النحر في نتيجة إعطاء الكوثر، و هو صيغة مبالغة و تدلّ على كلّ كثير من الخير و الصلاح مادّيّا أو معنويّا. و الصلاة هي الثناء الجميل المطلق من تحيّة و عبادة مخصوصة و غيرها.

فالصلوة وسيلة الارتباط مع اللّه عزّ و جلّ. و النحر ارتباط مع الخلق و خدمة لهم. و هذا الارتباط مع الخالق و الخلق أعظم توفيق و سعادة للعبد، و هو في نتيجة لطف و توجّه و فضل من اللّه تعالى.

ثمّ إنّ الآية الكريمة غير مخصوصة بالحجّ و نحر يوم الأضحى، فانّها أمر مطلق في إثر إعطاء الكوثر بإيجاد الارتباطين و تكميلهما و إبقائهما، و لا اختصاص‌

55

فيها بصلوة الطواف أو نحر الأضحى، كما يقال في بعض التفاسير، نعم إنّما من مصاديق الآية الكريمة.

كما أنّ الكوثر أيضا مطلق الخير الكثير من فضله مادّيّا دنيويّا أو معنويّا روحانيّا، و لا اختصاص فيه بمعنى مخصوص.

و لا يخفى أنّ هذين الارتباطين هما مجموع وظيفة الرسالة، فانّها عبارة عن كمال مقام السفر و السير من اللّه عزّ و جلّ الى الخلق، فانّ النبىّ هو واسطة بين الخلق و الخالق و الداعي لهم اليه.

نحس

مقا- نحس: أصل واحد يدلّ على خلاف السعد. و نحس هو فهو منحوس. و النحاس: الدخان لا لهب فيه. و النحاس من هذه الجواهر، كأنّه لمّا خالف الجواهر الشريفة كالذهب و الفضّة سمّى نحاسا، هذا على وجه الاحتمال.

و يقال: يوم نحس و يوم نحس. و قرئ- في أيّام نحسات و نحسات. و يحتمل أنّ النحاس: الأصل، على ما ذكره بعضهم. و لمّا كان أصلا لكثير من الجواهر، قيل لمبلغ أصل الشي‌ء نحاس.

العين 3/ 144- النحس: خلاف السعد، و جمعه النحوس، من النجوم و غيرها. يوم نحس: من جعله نعتا ثقّله، و من أضاف خفّف النحس. و النحاس:

ضرب من الصفر شديد الحمرة. و النحاس: الدخان الّذى لا لهب فيه. و النحاس:

مبلغ طبع و أصله.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انكدار فيه شدّة، و هو خلاف السعد، و السعد حالة تقتضي الصفاء و الخير و الصلاح.

56

و من مصاديقه: حالة النحوسة في الشي‌ء تمنع عن الخير و الصلاح.

و الدخان المظلم إذا كان بلا لهب و تشعّل و ضياء. و الصفر شديد الحمرة و الانكدار.

و الأصل و المادّة من الشي‌ء فيها إبهام.

و النحاس: على فعال و تدلّ الصيغة على مقدار معيّن باق من الشي‌ء.

كما في الرفات و الحطام و الجذاذ و الرذال، و كأنّ الصفر ما يتحصّل من انكدار في المعدن و يتجسّم بصورة الصفر شديد الحمرة.

. فَأَمّٰا عٰادٌ فَاسْتَكْبَرُوا .... فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّٰامٍ نَحِسٰاتٍ- 41/ 16 أى في أيّام منحوسة فيها انكدار و ابتلاء ليس فيها خير و صلاح.

. كَذَّبَتْ عٰادٌ فَكَيْفَ كٰانَ عَذٰابِي وَ نُذُرِ إِنّٰا أَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ- 54/ 19 الآية الاولى بصورة الوصف و بكسر الحاء على وزن الخشن صفة. و الثانية بصورة الاضافة و بسكون الحاء مصدرا بمعنى النحوسة و الظلمة و الانكدار. و هذا أولى من جعله صفة على صعب، فانّ المصدر يدلّ على مبالغة و تأكيد زائد.

و كلمة مستمرّ صفة للنحس، و الاستمرار بلحاظ كونه نازعا، أى مستمرّا الى أن ينزع الناس عن محيط حياتهم، فانّ النزع من الأصل يحتاج الى استمرار العذاب، و هذا بخلاف الآية الاولى، فانّ قوله لنذيقهم، لا يحتاج الى استمرار، بل يكفى فيه حدوث ما في وقت.

و لا يخفى أنّ السعادة و النحوسة في اليوم باعتبار الحوادث و العوارض و الوقائع الّتى تقع فيه، فانّ اليوم قطعة من الزمان، و الزمان من حيث هو أمر اعتبارىّ يعتبر من حركات السيّارات، و حصول نسبة بينها أو بين الوقائع.

فإذا كانت الوقائع و الحوادث المحيطة المؤثّرة في قطعة من الزمان على خير و صلاح و رحمة للناس: فيكون الزمان يوم سعد. و إلّا فيوم نحس أحاطه فيه الانكدار و الشرّ و الفساد.