التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج13

- حسن المصطفوي المزيد...
220 /
7

الجزء الثالث عشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المدخل

الحمد للّه الّذى هدانا لهذا المشروع الجليل و وفّقنا للسلوك فيه، و الصلوة و السّلام على أشرف رسله الّذى بعثه ليعلّم الكتاب و الحكمة على عباده، و على آله الأوصياء الأطهار و خيرته من خلقه.

و بعد: فهذا الجزء الثالث عشر من كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم، و يحتوى حرف الواو، و أسأله أن يوفّقنى في إتمامه، و أن يجعله ذخرا لي في يوم لا ينفع مال و لا بنون.

اللّهمّ لك الحمد و لك المنّة، و منك التوفيق و النصر، و لا حول و لا قوّة إلّا بك، إنّك خير معين.

ربّ اشرح لي صدري و يسّر لي أمرى.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

حرف الواو

وأد

مقا- وأد: كلمة تدلّ على إثقال شي‌ء بشي‌ء. يقال للإبل إذا مشت بثقلها: لها وئيد. و الموءودة من هذا، لأنّها تدفن حيّة، فهي تثقل بالتراب الّذى يعلوها. وأدها يئدها و أدا.

صحا- و أدبنته يئدها، و هي موءودة: أى دفنها في القبر و هي حيّة، و كانت كندة تئد البنات. و الوئيد: الصوت الشديد. و مشا مشيا وئيدا، أى على تؤدة. و اتّأد في مشيه و توأد، و هو افتعل و تفعّل، و أصل اتّأد واو، و اتّئد في أمرك:

تثبّت.

لسا- الوأد و الوئيد: الصوت العالي الشديد، كصوت الحائط إذا سقط و نحوه. الوئيد: شدّة الوطء على الأرض يسمع كالدوىّ من بعد. و وأد الموءودة، وأدها الوائد يئدها فهو وائد. و توأّدت عليه الأرض، إذا غيّبته و ذهبت به. و التؤدة ساكنة و تفتح: التأنّى و التمهّل و الرزانة. قال الأزهرىّ: و أمّا التؤدة بمعنى التأنّى في الأمر: فأصلها وأدة مثل التكأة أصلها وكأة. و قد اتّأد يتّئد: إذا تأنّى في الأمر.

10

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التثقّل مادّيّا أو معنويّا.

و من مصاديق الأصل: الإثقال، التأنّى و التمهّل تثقّل في العمل، و الصوت الشديد بكونه ثقيلا على السمع.

و بينها و بين موادّ- ودأ، أود، دوء، أيد،: اشتقاق أكبر.

و قد اختلطت مفاهيم الموادّ في كتب اللغة، و منها قولهم: توأّدت عليه الأرض، إذا غيّبت، و هكذا توأدت.

فمفهوم التغييب و المواراة: إنّما هو للودأ، و لا يدلّ عليه الوأد.

. وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ- 81/ 8 الموءودة: من الوأد بمعنى المثقلة و هي الّتى أثقلها شي‌ء، و التأنيث بلحاظ النفس، و المراد كلّ نفس يعدّ ثقيلا و يتوهّم كونه مزاحما في معيشتهم و منافيا لشخصيّتهم و عنوانهم من جهة المعنى، سواء كان ذلك الفرد من البنات لهم أو من نفوس اخرى يتوهّم مزاحمتها.

فانّ الرزق بيد اللّه تعالى:

. وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّٰاكُمْ- 17/ 31 و هكذا العنوان و الشخصيّة و العزّة الدنيويّة، مع كونها اعتباريّة لا حقيقة لها:

. أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً- 4/ 139 و التعبير بالموءودة دون الوئيد: إشارة الى هذا المعنى، فانّ كونها ثقيلة في حياتهم و عيشهم على ما يتوهّمون، فهي ثقيلة بنظرهم لا في الحقيقة و الواقع، فليست هذه النفوس ثقيلة حتّى يذكرن بهذا العنوان.

فقتلها من أعظم مصاديق القتل للنفوس: لكونها في كفالتهم و تحت ولايتهم، و الأرض تتحمّل بثقالتها، و اللّه يرزقها و يرزق أولياءها.

11

مضافا الى أنّ هذا القتل يكشف عن الكفر التامّ عقيدة و عملا، فهو متوغّل في المادّيّات و الهوى الباطل، و ليس له من الشرف أثر.

وءل

مصبا- وأل الى اللّه يئل من باب وعد: التجأ، و باسم الفاعل سمّى.

و وأل: رجع، و الموئل: المرجع.

مقا- وأل: كلمة تدلّ على تجمّع و التجاء، يقال استوألت الإبل:

اجتمعت. و الموئل: الملجأ، من وأل يئل. و الوألة: البنّة من البعر المتجمّع.

العين 8/ 367- الموئل: الملجأ، تقول: وألت اليه، أى لجأت، فأنا أئل و لا. و الوألة: أبعار الغنم قد اختلطت بأبوالها في مرابضها. و المواءلة: ملاوذة الطائر بشي‌ء مخافة الصقر. و الوائل: اللاجئ، فإذا جمعت قلت أوائل، تصير الواو الاولى همزة كراهية التقاء الواوين.

لسا- وأل اليه وألا و وءولا و وئيلا، و واءل مواءلة و وئالا: لجأ. و واءل منه: طلب النجاة. و واءل الى المكان: بادر. و قد وأل يئل فهو وائل: إذا التجأ الى موضع و نجا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التجاء و تخلّص عن ابتلاء. و هي قريبة من مادّتى اللجأ و النجو.

و يلاحظ في النجو: مفهوم التخلّص من الابتلاء بعد وقوعه.

و في اللجأ: مفهوم الاعتصام بشي‌ء لحفظ النفس.

و في العوذ: التجاء و اعتصام من شرّ مواجه.

و في المفرّ: حركة مدبرة للتخلّص عن ابتلاء.

12

و في المهرب: الحركة السريعة.

و في المناص: تنحىّ عن شرّ و ابتلاء فرارا منه.

. وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤٰاخِذُهُمْ بِمٰا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذٰابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا- 18/ 58 أى لا يجدون أبدا في ذلك اليوم الموعد ملجأ يلتجئون اليه و يتخلّصون عن العذاب المواجه لهم.

و ذكر اسم الغفور و ذى الرحمة: إشارة الى سبق رحمته غضبه، فانّ الإمهال لهم رحمة منه تعالى و إدامة رحمة، لعلّهم يتنبّهوا و ينيبوا الى ربّهم و يستغفروا عن ذنوبهم قبل بلوغ الموعد للعذاب.

و التعبير بكلمة ذى الرحمة دون الرحيم: إشارة الى أنّه تعالى صاحب الرحمة المطلقة و لا صاحب لها غيره في موردهم.

و أمّا انتفاء الموئل في يوم الموعد: فانّه تعالى مالك يوم الدين و بيده قاطبة الأمور، و لا يملك أحد يومئذ شيئا لا ظاهرا و لا باطنا.

وبر

مقا- وبر: كلمات لا تنقاس، بل هي منفردة. فالوَبَر: معروف. و الوبر:

دابّة. و بنات أوبر: شبه الكم‌ء الصغار. و ما بالدار وابر، أى أحد.

مصبا- الوبر للبعير كالصوف للغنم، و هو في الأصل مصدر من باب تعب، و بعير وبر: كثير الوبر. و ناقة و برة. و الجمع أوبار مثل سبب و أسباب.

و الوبر: دويبة نحو السنّور غبراء اللون كحلاء لا ذنب لها، و الجمع وبار مثل سهم و سهام. و قال ابن الأعرابىّ: الذكر وبر، و الأنثى وبره. و قيل هي من جنس بنات عرس.

لسا- الوبر: صوف الإبل و الأرانب و نحوها، و الجمع أوبار. و كذلك وبر‌

13

السمّور و الثعالب و الفنك، الواحدة و برة.

أسا- بعير وبر و أوبر، و ناقة و برة و وبراء: كثيرة الوبر. و وبّرت الأرنب توبيرا: و هو أن تمشى على وبر قوائمها لئلّا يقصّ أثرها. و من المجاز: وبّر فلان أمره توبيرا: إذا عمّاه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يكون كالصوف للإبل و نظيره.

و تستعمل استعارة في معاني متناسبة.

. وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ .... وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ- 16/ 80 الأصواف كما في الأغنام. و الأوبار كما في الآبال. و الأشعار كما في الأمعُز. يتّخذ منها لباسا و أثاثا في البيت. و الأثاث: ما يتهيّأ و يعمل في تأمين المعاش و الحياة. و المتاع: ما يتمتّع به من لباس و غيره.

و الأوبار وقعت بعد الأصواف و قبل الأشعار: حفظا الى ترتيب الاستفادة و التمتّع منها كمّا و كيفا.

و قوله: الى حين، إشارة الى كون التمتّع منها كسائر التمتّعات الدنيويّة، ليس بدائمىّ، لأنّ الأنعام و أجزاءها كالإنسان في معرض الزوال و الفناء، فالإنسان لازم له أن يتوجّه الى أنّ التمتّع المادّىّ لا يصلح أن يعتمد عليه، و إنّما الباقي المعتمد عليه هو التمتّع الروحانىّ.

وبق

مقا- وبق: كلمتان: يقال لكلّ شي‌ء حال بين شيئين موبق. و الكلمة الاخرى- وبق: هلك. و أوبقه اللّه. و يقال: الموبق: الموعد.

14

مصبا- وبق يبق من باب وعد وبوقا: هلك. و الموبق: مثل مسجد من الوبوق. و يتعدّى بالهمزة فيقال: أو بقتة، و هو يرتكب الموبقات، أى المعاصي، و هي اسم فاعل.

لسا- وبق الرجل يبق وبقا و وبوقا، و وبق يوبق وبقا، و استوبق: هلك.

و أوبقه أيضا: ذلّله. و وبق في دينه: إذا نشب فيه. و قد أوبقه: حبسه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يكون سببا للهلاك و الفناء. و من مصاديقه: الموعد إذا كان سببا للهلاكة. و هكذا المعاصي الّتى أوجبت اختلال نظم المعيشة المنجرّة الى الفناء. و هكذا الدين الّذى يوجب مضيقة شديدة.

و هكذا الحبس الشديد.

و قد سبق في هلك و فنى و محو: ما يرتبط بالموضوع.

. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمٰا كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ- 42/ 34 اى يوجد لهم موجبات الهلاكة و يوردهنّ في معرضها بسبب ما كسبت أيديهم و في جزاء أعمالهم السيّئة، مع أنّه تعالى يعفو عن كثير من خطاياهم الجزئيّة أو القلبيّة المنويّة أو المشتبهة أو ما يتعلّق بحقوقه تعالى.

و في التعبير في المقام بالإيباق دون الإهلاك و الإفناء: لطف آخر و إغماض و عفو، لعلّهم يتنبّهوا و ينيبوا الى ربّهم.

. وَ يَوْمَ يَقُولُ نٰادُوا شُرَكٰائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَ جَعَلْنٰا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً- 18/ 52 أى جعلنا بينهم (بين المنادين و الشركاء المدعوين) في رابطة الدعوة و التوجّه الى هؤلاء المدعّوين: محلّا تتجلّى فيه الهلاكة و الفناء و الذلّة و الضيق و الظلمة و الشدّة و الابتلاء و العذاب و الاحتباس الموجبة الى الهلاك.

فتظهر لهم باطن توجّههم و حقيقة دعوتهم و نتيجة اشراكهم. و على هذا يذكر‌

15

بعد الآية الكريمة قوله:

. وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النّٰارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوٰاقِعُوهٰا وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْهٰا مَصْرِفاً.

فينزلون في هذا المحلّ المَوبِق أى محلّ نزول الهلاكة، و يشاهدون نتيجة أعمالهم و يذوقون و بال أمرهم.

و هذه الآية تؤيّد ما ذكرنا من مفهوم الكلمة: حيث عبّر بقوله:

. وَ رَأَى الْمُجْرِمُونَ النّٰارَ.

دون التعبير بدخول النار.

و لا يخفى أنّ المادّة قريبة لفظا و معنى من موادّ الوقب و القوب و البوق.

وبل

مصبا- وبلت السماء وبلا من باب وعد و وبولا: اشتدّ مطرها، و كان الأصل و بل مطر السماء، فحذف للعلم به، و لهذا يقال للمطر وابل. و الوبيل:

الوخيم وزنا و معنى. و الوبال من وبل المرتع وبالا و وبالة بمعنى وخم، سواء كان المرعى رطبا أو يابسا. و لمّا كان عاقبة المرعى الوخيم الى شرّ: قيل في سوء العاقبة. وبال، و العمل السيّئ وبال على صاحبه. يقال: وبل الشي‌ء إذا اشتدّ، فهو وبيل، و استوبلت الغنم: تمارضت من وبال مرتعها.

مقا- وبل: أصل يدلّ على شدّة في شي‌ء و تجمّع. الوبل و الوابل المطر الشديد. و و بلة الشي‌ء: ثقله. و منه يقال: شي‌ء وبيل أى وخيم. و استوبلت البلد، إذا لم يوافقك و إن كنت محبّا. و الوبيل: الضرب الشديد. و الوبيل: الرجل الثقيل في أمر يتولّاه لا يصلحه. و الموبل: الأمعز الشديد. و الوبيل: خشبة القصّار الّتى يدقّ بها الثياب. و الوبيل: الحزمة من الحطب.

مفر- الوبل: المطر الثقيل القطار، و لمراعاة الثقل: قيل للأمر الّذى يخاف ضرره: وبال.

16

لسا- الوبل و الوابل: المطر الشديد الضخم القطر. و أرض موبولة من الوابل. الليث: سحاب وابل، و المطر هو الوبل. و في الحديث: فألّف اللّه بين السحاب فابلنا، أى مطرنا وبلا، و هو المطر الكثير القطر، و الهمزة فيه بدل من الواو، مثل وكّد و أكّد. و الوبال في الأصل: الثقل و المكروه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو شدّة في ثقالة مادّيّة أو معنويّة. و من مصاديقه: المطر الشديد الثقيل. و السحاب الثقيل الغليظ. و المرتع الوبيل فيه غلظة و كثافة. و خشب و بيل شديد ثقيل. و أمر وبيل غليظ مكروه شديد فيه ضرر. و وبال العمل ثقالته المتحصّلة منه و نتيجته الشديدة المكروهة. و هكذا.

و لا يخفى أنّ المادّة في اللغة العبريّة و السريانيّة أيضا (وابل) بمعنى السوق الشديد، و المطر الشديد.

. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذٰاقُوا وَبٰالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ- 59/ 15. أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذٰاقُوا وَبٰالَ أَمْرِهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ- 64/ 5. وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهٰا .... فَذٰاقَتْ وَبٰالَ أَمْرِهٰا وَ كٰانَ عٰاقِبَةُ أَمْرِهٰا خُسْراً- 65/ 9. وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ .... لِيَذُوقَ وَبٰالَ أَمْرِهِ- 5/ 95 الوبال و الوبالة مصدر من وبل بالضم، كالكرامة و الشرافة و الوخامة و الثقالة. و الذوق: إحساس نموذج مختصر من خصوصيّات شي‌ء بأىّ حاسّة كان جسمانىّ أو روحانىّ. و التعبير بالذوق: فانّ هذا الوبال و ذوقه يكون في الدنيا، و على هذا عقّب بقوله:

. وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ.*

و لا يخفى أنّ الثقالة الشديدة للأمر عملا أو عقيدة: يكون من عوارض‌

17

ذلك الأمر، و ليس من قبيل العذاب و الجزاء، و هو يكون مقدّما على الجزاء في الدنيا أو في الآخرة، و لا يناسب كونه جزاء مستقلّا لأمر منكر، حيث أنّ الثقالة لا بدّ و أن يكون عارضا لموضوع.

. فَعَصىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنٰاهُ أَخْذاً وَبِيلًا- 73/ 16 الوبيل فعيل من الوبال بمعنى ما يكون شديدا ثقيلا، فهو صفة عارض للأخذ. و هذا يدلّ على كون مفهوم المادّة من الأعراض.

. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوٰانٍ عَلَيْهِ تُرٰابٌ فَأَصٰابَهُ وٰابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً .... كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصٰابَهٰا وٰابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهٰا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهٰا وٰابِلٌ فَطَلٌّ- 2/ 265 الوابل فاعل من الوبال: بمعنى ما يصدر عنه الشدة و الثقالة و هو يدلّ على الحدوث، كما أنّ الوبيل يدلّ على الثبوت.

و من مصاديق الوابل: المطر الشديد الضخم القطار، فانّ الشدّة و الثقالة في كلّ شي‌ء بحسبه. و تعيين أحد المصاديق بدلالة القرائن الكلاميّة و المقاميّة عليه، كما في هذه الآية الكريمة.

و الصفوان: فعلان، و هو ما يتصف بالصفا و يشتدّ هذا المعنى فيه، و اشتداده شدّة خلوصه و استحكامه. و الصلد: الصلب الّذى لا ينمو منه أثر و لا ينبت شيئا. و التراب من الترب و هو الخضوع و المسكنة.

و الضمير في قوله- فمثله: راجع الى الّذى ينفق و هو المنفق المفهوم من قوله لا تبطلوا صدقاتكم، فهو كصفوان على سطحه تراب، باطنه صلب و صلد، و ظاهره تراب و خضوع يقبل أن ينبت نباتا و ينتج خضرا، ثم يصيبه وابل فيه شدّة و جريان و سوق من مطر أو سيل من الماء، فيتركه على حالته الأوّليّة الصُلبيّة، فلا ينتج شيئا و لا يؤثّر فيه شي‌ء.

و لا يناسب إرجاع الضمير الى (المنفق رئاء الناس)، فانّه مثل للمنفق المبطل و متمّم لأصل الموضوع. و يدلّ عليه ذكر الفاء للدلالة على نتيجة أصل‌

18

البحث و الموضوع. مضافا الى أنّ المرائى لا عمل له من الأوّل حتّى يبطل ثانيا بالوابل، فانّه عمل في شرك، و نيّته فاسدة من الأصل.

وتد

مقا- وتد: كلمة واحدة، هي الوتد، يقال: وتده، وتد وتدك. و يقال وتد أيضا. و وتد الاذن: الّذى في باطنها كأنّه وتد.

مصبا- الوتد: في لغة الحجاز و هي الفصحى، و جمعه أوتاد، و فتح التاء لغة، و أهل نجد يسكنون التاء فيدغمون بعد القلب فيبقى ودّ. وتدت الوتد أتده وتدا من باب وعد: اثبتّه بحائط أو بالأرض، و أوتدته، لغة.

التهذيب 14/ 148- وتد: يجمع الوتد أوتادا. و يقال: تد الوتد يا واتد، و الوتد موتود. و يقال: للوتد ودّ، كأنّهم أرادوا أن يقولوا ودد. و فيه لغتان: وتد و وتد. و يقال: وتد واتد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: إدخال شي‌ء في محلّ و إحكامه فيه، كإدخال مسمار أو خشب أو حجر في محلّ مع الإحكام و الشدّ. و مفهوم الإثبات من لوازم الأصل.

و هو من باب ضرب كالوعد، و يشتق منه كما في الوعد، فيقال: وتد يتد وتدا وتدة وتد كعد، و أوتد يوتد إيتادا. و الواتد كالواعد، و الموتود كالموعود، و الوتد في الأصل صفة كالخشن و يطلق على شي‌ء كالمسمار و غيره يدخل في محلّ و يحكم و يشدّ فيه.

. أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهٰاداً وَ الْجِبٰالَ أَوْتٰاداً- 78/ 7 المهد: جعل محلّ مهيّأ و موطّأ للسكونة و الاستراحة، و مثله المهاد. و كون‌

19

الجبال أوتادا: عبارة عن إدخالها و إحكامها و تثبيتها في الأرض بحيث تكون كالجزء منها. و هذا تتميم لتهيّؤ الأرض للاستراحة و الاستفادة منها، من جهة تصفية الهواء و تأمين الماء و حفظ الاعتدال في حركة الأرض.

و التعبير بالمهاد دون المهد: فانّ الألف يدلّ على استمرار و إدامة. و هذا المعنى يناسب استعداد الأرض للاستراحة فيها.

. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ عٰادٌ وَ فِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتٰادِ- 38/ 12 الأوتاد جمع الوتد: ما ينصب و يحكم و يشدّ في الأرض، من أبنية محكمة مثبتة منصوبة فيها كالمسمار الثابت، سواء كان من فلّزّ أو حجر أو خشب أو غيرها، و بصورة بيت أو منارة أو جدار أو علامة أو غيرها.

و هذا تنبيه على أنّ الإنسان إذا اعتمد على هذه الأمور المثبتة في الأرض و ظنّ أنّها موجبة لخلوده و دوام استقراره و استمرار حياته و التذاذه و تمايلاته الدنيويّة:

فهو في انحراف فكر و في ضعف تعقّل شديد.

. أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَ تَتَّخِذُونَ مَصٰانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ- 26/ 129 فالخلود للنفس إنّما يحصل بالتقوى من التمايلات و بالارتباط باللّه عزّ و جلّ و تثبيت مقامه عنده و بالفناء في عظمته و البقاء في نوره.

. كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ- 55/ 27‌

وتر

مقا- وتر: باب لم تجئ كلمة على قياس واحد، بل هي مفردات لا تتشابه. فالوتيرة: غرّة الفرس مستديرة. و الوتيرة: شي‌ء يتعلّم عليه الطعن.

و الوتيرة: المداومة على الشي‌ء، يقال: هو على وتيرة. و الوتر: الذحل، يقال: وترته أتره وترا. و الوتر و الوتر: الفرد. و وتر القوس: معروف، يقال: وترتها و أوترتها.

و الوترة: طرف الأنف. أمّا المواترة في الأشياء: لا تكون إلّا وقعت بينهما فترة،

20

و إلّا فهي مداركة.

مصبا- الوتر: للقوس، جمعه أوتار مثل سبب و أسباب، و أوترت القوس:

شددت وترها. و وترة الأنف: حجاب ما بين المنخرين. و الوتيرة: لغة فيها.

و الوتيرة: الطريقة، و هو على وتيرة واحدة، و ليس في عمله وتيرة أى فترة. و الوتيرة:

المداومة على الشي‌ء، و هي مأخوذة من التواتر، و هو التتابع، يقال: تواترت الخيل، إذا جاءت يتبع بعضها بعضا. و منه جاءوا تترى، أى متتابعين وترا بعد وتر. و الوتر:

الفرد. و قرئ في السبعة: و الشفع و الوتر، بالكسر على لغة الحجاز و تميم، و بالفتح في لغة غيرهم. و يقال: وترت العدد وترا: من باب وعد أفردته، و أوترته مثله.

و وترت زيدا حقّه: نقصته.

لسا- الوتر و الوتر: الفرد، أو ما لم يتشفّع من العدد. و أهل الحجاز يسمّون الفرد الوتر، و أهل نجد يكسرون الواو. و الوَتر و الوِتر و الوتيره: الظلم في الذحل، و قيل هو الذحل عامّة. (الذحل: الثأر) و قد وترته وترا وترة، و كلّ من أدركته بمكروه فقد وترته. و الموتور: الّذى قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. قال يونس: أهل العالية يقولون: الوتر في العدد. و الوتر في الذحل. و تترى: التاء مبدلة من الواو، و منهم من لا يصرف و يجعل ألفها للتأنيث بمنزلة ألف سكرى، و الوتر: شرعة القوس و معلّقها، و الجمع أوتار.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- يتر زه كمان، بند طنبور.

فرهنگ تطبيقى- آرامى- يتر اطناب.

فرهنگ تطبيقى- آرامى- يتر يكتا و تنها، عدد طاق.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- ياتر يكتا و تنها، عدد طاق.

فرهنگ تطبيقى- سرياني- ايتار يكتا و تنها، عدد طاق.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التفرّد (تنها بودن) في قبال التشفّع.

21

و سبق أنّ الشفع هو إلحاق شي‌ء أو قوّة بآخر لغرض مطلوب.

و من مصاديقه: العدد الفرد. الحجاب بين المنخرين. الذحل بمعنى الثأر. و الموتور و هو الّذى قتل له قتيل و لم يدرك بدمه، فيبقى فردا لا شفع له يطلب ثأره و يعينه. كلّ من أدركته بمكروه فأفردته و هو موتور. و من أفردته بظلم أو إفزاع أو غيره. و الطريقة المتفرّدة.

فلا بدّ من تحقّق مفهوم التفرّد و فقدان التشفّع.

و أمّا مفاهيم- النقص و الضعف و الوحشة: فمن آثار الأصل.

و أمّا مفهوم شرعة القوس: فمأخوذ من العبريّة و السريانيّة.

. وَ الْفَجْرِ وَ لَيٰالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَسْرِ- 89/ 3 الفجر: انشقاق شي‌ء حتّى يخرج و يظهر شي‌ء، كما في انفجار الماء.

و الليل: ما يقابل النهار، و هو الزمان الممتدّ من الطلوع الى الغروب. و السرى: هو السير سرّا و في خفاء.

و في هذه الآيات الكريمة: إشارة الى سلوك الإنسان الى كماله و بلوغه الى أقصى المقامات و أرفع الدرجات الروحانيّة:

1- الفجر: هذا إشارة الى انشقاق من عالم المادّة الصرفة، و حصول نموذج من حقيقة الانسانيّة، بالتنبّه و التوجّه الى عالمه و حقيقته و كماله.

2- ليال عشر: فيتوجّه الى تربية النفس و الى المجاهدة بالانصراف عن التمايلات الدنيويّة و جلواتها و جذباتها و شهواتها الحيوانيّة، في الخلوات الفارغة و الليالي، و ينقطع عن الاستيناس المادّىّ، و يستأنس بالحضور و الخشوع و التوجّه في الليالي الخالية عن الموانع و الأغيار و العلائق.

و العشر فيه دلالة على الكثرة، حيث إنّه فوق مرتبة الآحاد، و اشرب فيه معنى الانس و الصحبة و المعاشرة. و تدوم هذه العشرة الى أن يتحقق معنى الارتباط و يتثبت التوجّه و الانقطاع و الخشوع في القلب.

3- و الشفع: فيحصل للسالك في أثر هذا التوجّه و الانقطاع و الخشوع في‌

22

الخلوات، مقام ارتباط برفع الموانع و الحجب الباطنيّة، فيستفيض من الأنوار الروحانيّة و تتجلّى له الفيوضات الغيبيّة، و يستمدّ من نور الحقّ في كشف الحقائق و الاهتداء الى المعارف اللاهوتيّة، و يتشفّع و يتقوّى في تكميل نفسه و في السير الى الحقّ المتعال و الوصول اليه.

4- و الوتر: فبالتمسّك بأنوار الحقّ و بالاهتداء بها يصل الى مقام التوحيد الكامل، و يشاهد الحقّ الأحدىّ، و يحصل له حقيقة مقام الإخلاص بنفي الصفات، و يرى اللّه عزّ و جلّ بالبصيرة الروحانيّة و يشاهد فردا مطلقا محيطا لا نهاية في نوره و لا حدّ له و هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكلّ شي‌ء عليم.

5- و الليل إذا يسر: و في هذه المرتبة يتحقّق الخلوص التامّ و التوجّه و الانقطاع الكامل و التثبّت الحقّ، و يحصل الجريان في استمرار الليل و هو حالة الفراغ و التجرّد و الخلوص عن العلائق و الأمور الدنيويّة، فيشتغل في إدامة تلك الحالة بالعمل بوظائفه الإلهيّة و الخدمات الدينيّة.

و التعبير بمادّة السرى: إشارة الى روحانيّة هذا الجريان و كونه معنويّا.

و هذا قرينة على أنّ المراد من الليل: هو المفهوم الروحانىّ، من الفراغ و الخلوّ و الانقطاع و التبتّل التامّ.

و يؤيّد هذا التفسير في صدر الآية: الآية الأخيرة في السورة حيث يقول اللّه عزّ و جلّ:

. يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي.

فان هذه الآية نتيجة ما يذكر في السورة و ملحقة بما يبتدء به السورة، و هذا جار في أغلب السور من القرآن الكريم.

. فَلٰا تَهِنُوا وَ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللّٰهُ مَعَكُمْ وَ لَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ- 47/ 35.

و تدعوا جمع بتقدير أن الناصبة، و الجملة حاليّة. و لن يتركم من الوتر‌

23

بمعنى الإفراد. و أعمالكم بدل من الضمير. أى لن يجعلكم و أعمالكم وترا، و التعبير بالبدليّة: إشارة الى أنّ اللّه تعالى لن يفردكم و أعمالكم.

فانّ المقصود بذاته في البدليّة هو البدل ثمّ المبدل منه.

و يؤيّد المعنى قوله تعالى قبلها:

. فَأَحْبَطَ أَعْمٰالَهُمْ* .... وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ أَعْمٰالَكُمْ .... وَ سَيُحْبِطُ أَعْمٰالَهُمْ .... وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ .... فَلَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَهُمْ.*

و يقول تعالى بعد الآية:

. يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لٰا يَسْئَلْكُمْ أَمْوٰالَكُمْ .... وَ يُخْرِجْ أَضْغٰانَكُمْ.

فانّ هذه الأمور تدور حول الوتريّة و التشفيع.

فظهر أنّ التفسير بالنقص أو التضييع أو غيرهما: على خلاف الحقّ.

. ثُمَّ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا تَتْرٰا كُلَّ مٰا جٰاءَ أُمَّةً رَسُولُهٰا كَذَّبُوهُ- 23/ 44 التترى كالتقوى اسم مصدر، و الأصل الوترى و الوقرى. بمعنى ما يتحصّل من التفرّد و الاتّقاء. و المعنى أرسلنا رُسُلنا بصورة التَفرّد، أى فردا فردا و متتابعة في كلّ أمّة رسولا، حتّى يتبيّن الحقّ و يهتدى الخلق و يتمّ الحجّة عليهم، لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة.

وتن

مقا- وتن: كلمة تدلّ على ثبات و ملازمة. واتن الأمر: لازمه. و ماء واتن: دائم. و منه الوتين. عرق ملازم للقلب يسقيه.

صحا- الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. و قد وتنته: إذا أصبت وتينه. و الواتن: الشي‌ء الدائم الثابت في مكانه: يقال: وتن الماء و غيره وتونا وتنة: دام و لم ينقطع. و الواتن: الماء المعين الدائم الّذى لا يذهب.

و المواتنة: الملازمة في قلّة التفرّق.

24

لسا- وتن بالمكان: ثبت و أقام به. الليث: الواتن و الواثن: لغتان، و هو الشي‌ء المقيم الدائم الراكد في مكانه.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- يتن ثابت، دائم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يلازم شيئا آخر و يتثبّت في مقامه.

و من مصاديقه: ملازمة الإنسان لأمر و برنامج معيّن، و ملازمة الماء في محلّ و تثبتّه فيه. و ملازمة العرق الأصيل في جريان الدم وريدا أو شريدا لحياة الإنسان و تثبتّه ما دام الحياة.

و بين المادّة و موادّ الوتد و الوطن و الوطد: اشتقاق أكبر.

. وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنٰا بَعْضَ الْأَقٰاوِيلِ لَأَخَذْنٰا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنٰا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمٰا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حٰاجِزِينَ- 69/ 46 القول: إبراز ما في القلب بأىّ وسيلة كان. و التقوّل يدلّ على اختيار قول و إظهاره على اللّه تعالى من عند نفسه تكلّفا. و الوتين: مطلق ما يلازم الإنسان في إدامة حياته، و هو في الخارج ينطبق على العرق الأصيل الثابت من جهاز دوران الدم و الموجب لضربات القلب و تحرّكه.

و أمّا التفسير بعروق مختلفة و اختلاف الأقوال فيه: فهو ضعيف و خارج عن تحقيق المعنى الحقّ و عن حقيقة اللغة.

و الآية الكريمة تدلّ على مغضوبيّة شديدة في التقوّل على اللّه بأىّ قول و نسبته اليه تعالى، و لمّا كان التقوّل في مورد رسول اللّه (ص) يجازى بقطع الوتين فكيف حال أفراد آخرين، إذا حكموا بغير ما أنزل اللّه عزّ و جلّ.

و الآية توضحها قوله تعالى:

. وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوىٰ- 53/ 3‌

25

وثق

مقا- وثق: كلمة تدلّ على عقد و إحكام. و وثقت الشي‌ء: أحكمته.

و الميثاق: العهد المحكم. و هو ثقة. و قد وثقت به.

مصبا- وثق الشي‌ء بالضمّ وثاقة: قوى و ثبت، فهو وثيق: ثابت محكم.

و أوثقته: جعلته وثيقا. و وثقت به أثق بكسرهما ثقة و وثوقا: ائتمنته. و هو وهم وهنّ ثقة، لأنّه مصدر، و قد يجمع في الذكور و الإناث فيقال ثقات، كما قيل عدات.

و الوثاق: القيد و الحبل و نحوه، بفتح الواو و كسرها. و الموثق و الميثاق: العهد، و جمع الأوّل مواثق، و جمع الثاني مواثيق، و ربّما قيل مياثيق على لفظ الواحد.

العين 5/ 202- وثقت بفلان أثق به ثقة، و أنا واثق به، و هو موثوق به.

و الوثيق: المحكم. و الوثيقة في الأمر: إحكامه و الأخذ بالثقة، و الجمع وثائق.

و الميثاق: من المواثقة و المعاهدة و منه الموثق، تقول: واثقته باللّه لأفعلنّ كذا.

لسا- الثقة: مصدر قولك وثق به يثق وثاقة: ائتمنه. و أرض وثيقة: كثيرة العشب موثوق بها. و الوثاقة: مصدر الشي‌ء الوثيق المحكم، و الفعل اللازم يوثق وثاقة. و الوثاق اسم الإيثاق، تقول: أوثقته إيثاقا و وثاقا، و الحبل أو الشي‌ء الّذى يوثق به وثاق، و الجمع وثق، بمنزلة الرباط و الربط. و أوثقه في الوثاق، أى شدّه.

و الموثق و الميثاق: العهد.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ائتمان في إحكام. و من مصاديقه:

تثبّت شي‌ء مع إحكام. و كون أمر في ائتمان تامّ. و العهد المحكم. و القيد إذا أوجب أمنا شديدا.

و المادّة لازمة، و تتعدّى بحرف الجرّ أو بالهمزة أو التضعيف.

و الميثاق كمفتاح: ما يوجب حصول ائتمان مع إحكام، كما في التعهّد.

26

و الموثق كمجلس: اسم مكان، أى موضوع يقع فيه الوثوق و الائتمان.

فالموثق: ميثاق يتقيّد بتحقّقه متعلّقا بموضوع و مورد خاص، و هذا آكد و أشدّ إحكاما من الميثاق، حيث يشفّع تعهّدهم بموضوع آخر و يقوّى به من اللّه.

و أمّا الوثاق بالفتح: كالسلام، اسم مصدر، و يدلّ على ما يتحصّل من المصدر و هو الثقة و الإيثاق. و أما بالكسر: فهو مصدر من المواثقة.

. حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً- 47/ 4. فَيَوْمَئِذٍ لٰا يُعَذِّبُ عَذٰابَهُ أَحَدٌ وَ لٰا يُوثِقُ وَثٰاقَهُ أَحَدٌ- 89/ 26 أى فاجعلوا الحالة الحاصلة من الإيثاق شديدة و مورد ائتمان و إحكام.

و الوثاق في الآية الثانية يقابل العذاب، في المعنى، و هما اسم مصدر من كلمتي الإيثاق و التعذيب المذكورتان في الآية.

و الضميران يرجعان الى الإنسان في:

. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسٰانُ.

و المعنى: إنّ الحالة الحاصلة من التعذيب و الإيثاق، و هي العذاب و الوثاق، لا تصدر من أحد و لا يوجبها أحد غير نفسه الذي يقول: يا ليتني قدّمت لحياتي.

و يومئذ يتذكّر الإنسان بأنّ ما له من الحالة المواجهة الموجودة، نتيجة ما قدّمه من الأعمال و النيّات السيّئة، و ليس مرتبطا بأحد غيره.

و الايثاق إفعال: و يدلّ على جهة الصدور من الفاعل، كما أنّ المواثقة مفاعلة، و يدلّ على الاستمرار، يقول تعالى:

. وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثٰاقَهُ الَّذِي وٰاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا- 5/ 7 أى عاهدكم كرارا و مستمرّا بوسيلة الأنبياء و العقل، فسمعتم و قبلتم و آمنتم.

. وَ إِنْ كٰانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثٰاقٌ فَدِيَةٌ- 4/ 92‌

27

. وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلّٰا عَلىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثٰاقٌ- 8/ 72 أى تعاهد محكم و ائتمان بينكم، فلا يجوز نقض الميثاق من أىّ جانب.

و الميثاق من جانب الناس في قبال اللّه تعالى: فكما في:

. وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ لٰا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّٰهَ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً- 2/ 83. وَ مِنَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنّٰا نَصٰارىٰ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَهُمْ- 5/ 14 يراد تحقق الائتمان المحكم و التعهّد الأكيد من جانب الناس للّه تعالى، و هذا التعهّد إمّا في قبال الأنبياء، أو تعهّد عقلىّ بتفهيم اللّه.

و الميثاق من جانب الأنبياء في قبال اللّه تعالى: فكما في:

. وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثٰاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ- 33/ 7. وَ إِذْ أَخَذَ اللّٰهُ مِيثٰاقَ النَّبِيِّينَ لَمٰا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتٰابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ- 3/ 81 و قد أخذ اللّه من الأنبياء تعهّدا وثيقا بالتكوين، ثمّ بالتربية و الحالات و المقامات القلبيّة و بحصول حقيقة الخضوع و العبوديّة، حتّى تستقيموا في العمل بوظائف الرسالة و التبليغ، ثمّ الأمر التشريعىّ بالتثبّت في العبوديّة و التسليم، و إبلاغ ما يوحى اليه من الأحكام:

. اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ...،

. يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ ...

. قٰالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّٰى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللّٰهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلّٰا أَنْ يُحٰاطَ بِكُمْ فَلَمّٰا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ- 12/ 66 المَوثق: أمر يقع في مورد ائتمان و إحكام و يوجب وثوقا و طمأنينة. و في قوله: من اللّه: إشارة الى كون هذا الموثق من جانب اللّه تعالى و في رابطته حتّى يكون تعالى واسطة بيننا و بينكم. و على هذا قال بعد الموثق: اللّه على ما نقول‌

28

وكيل، فهو الوكيل في هذا التعهّد.

و أمّا الوثقى: فالكلمة مؤنّثة الأوثق كالأفضل و الفضلى، و تدلّ على أشدّ في الوثاقة. كما في:

. وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ- 31/ 22. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىٰ- 2/ 256 و لا يخفى أنّ التمسّك باللّه تعالى و الايمان به و إيجاد الارتباط به: أشدّ استمساك بالعروة الوثقى و لا انفصام لها بأىّ وجه.

وثن

مصبا- الوثن: الصنم سواء كان من خشب أو حجر أو غيره، و الجمع وثن، مثل أسد و اسد، و أوثان، و ينسب اليه من يتديّن بعبادته على لفظه، فيقال رجل وثنىّ، و قوم وثنيّون، و امرأة وثنيّة، و نساء وثنيّات.

مقا- وثن: كلمة واحدة هي الوثن واحد الأوثان: حجارة كانت تعبد، و أصلها قولهم استوثن الشي‌ء: قوى. و أوثن فلان الحمل: كثّره. و أوثنت له: أعطيته جزيلا.

لسا- الوثن و الواثن: المقيم الراكد الثابت الدائم، و قد وثن. قال ابن الأعرابىّ: وثن بالمكان. الليث: الواثن و الواتن لغتان، و هو الشي‌ء المقيم الراكد في مكانه. و الوثنة: الكفرة، و الموثونة: المرأة الذليلة. و امرأة موثونة، إذا كانت أديبة و إن لم تكن حسناء. و الوثن: الصنم ما كان، و قيل: الصنم الصغير.

ابن الأثير: الفرق بين الوثن و الصنم: أنّ الوثن كلّ ما له جثّة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب و الحجارة، كصورة الآدمي تعمل و تُنصب فتُعبد. و الصنم الصورة بلا جثّة. و منهم من لم يفرّق بينهما.

29

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو الراكد الثابت في مكان. و بهذا الاعتبار قد أطلقت على الصنم الراكد في مكان معيّن يتوجّه اليه.

و سبق في الصنم: إنّه ما يتّخذ معبودا و يكون له عنوان و عظمة. و الوثن:

ما يكون صغيرا أو حقيرا.

و قد استعملت المادّة في موارد يراد بها التحقير.

و من مصاديق الأصل: الاستيثان بمعنى التقوىّ فكأنّه يطلب لنفسه تثبّتا و تجمّعا في مقامه. و المرأة الذليلة المحدودة الراكدة فهي موثونة. و الإيثان جعل شي‌ء متثبّتا بكثرة الإعطاء أو الحمل.

و بينها و بين موادّ الوثج و الوتن و الوثم: اشتقاق أكبر.

. إِنَّمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْثٰاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً- 29/ 17. قٰالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْثٰاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا- 29/ 25 الخلق: إيجاد شي‌ء على كيفيّة مخصوصة. و الإفك: قلب شي‌ء و صرفه عن وجهه الحقيقىّ. و اتّخاذ الوثن أكبر إفك و أعظم صرف حقيقة عن وجهها.

و التعبير بقوله تعالى: من دون اللّه: إشارة الى ضعف هذا الاتّخاذ و بطلانه، فانّ اللّه عزّ و جلّ هو الحقّ المطلق البيّن لا ريب فيه:

. ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ مٰا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبٰاطِلُ- 31/ 30 و ذكر الأوثان في قبال اللّه تعالى: دلالة على تحقيرها و محدوديّتها.

. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ- 22/ 30 الرجس: الأمر المكروه غير المناسب و القبيح شديدا عند العقل. و الزور:

عدول عن الحقّ مع تسوية الظاهر كما في الرياء.

أى فاجتنبوا الرجس الناشئ عن الأوثان، من جهة عبادتها و التوجّه اليها‌

30

و اتّخاذها آلهة من دون اللّه و الانصراف عن الحقّ المطلق.

و هذا من مصاديق الزور، فانّ اتّخاذ الأوثان آلهة و عبادتها، من أعظم مصاديق مفهوم الزور، و من صرف الحقّ عن وجهه، و هو عدول عن الحقيقة الحقّة المطلقة الوحيدة، باسم العبادة الصوريّة.

و لا يخفى أنّ نتيجة هذا الاتّخاذ: هو توقّف الإنسان عن السير الى الكمال، بل نزوله و انحطاطه و سقوطه عن مرحلة الانسانيّة الى الجماديّة و المادّيّة الصرفة، فانّ عابد الوثن غاية مقصده و نهاية منظوره: هي الوصول الى مرتبة معبوده، و البلوغ الى قرب مطلوبه.

فعابد الوثن يكون محروما عن أىّ روحانيّة و حقيقة و معرفة و كمال و صفة معنويّة انسانيّة، و أىّ رجس اشدّ من هذا الخسران العظيم.

وجب

مقا- وجب: أصل واحد يدلّ على سقوط الشي‌ء و وقوعه، ثمّ يتفرّع.

و وجب البيع وجوبا: حقّ و وقع. و وجب الميّت: سقط، و القتيل واجب. و وجب الحائط: سقط، وجبة. و الوجيبة: أن توجب البيع، في أن تأخذ منه بعضا في كلّ يوم، فإذا فرغ قيل: استوفى وجيبته. و يقولون: الوجب: الجبان، سمّى به لأنّه كالساقط. و من الباب: الموجّب من النوق: الّتى ينعقد اللِبَأ في ضَرعها.

مصبا- وجب البيع و الحقّ يجب وجوبا و وجبة: لزم و ثبت. و وجبت الشمس وجوبا: غربت. و وجب الحائط و نحوه وجبة: سقط. و وجب القلب وجبا و وجيبا: رجف. و استوجبه: استحقّه. و أوجبت البيع فوجب. و أوجبت السرقة القطع، فالموجب: السبب، و الموجب: المسبّب.

العين 6/ 193- وجب الشي‌ء وجوبا، و أوجبه و وجّبه. و وجبت الشمس وجبا: غابت، و سمعت لها وجبة، أى وقعة، مثل شي‌ء يقع على الأرض.

31

و الموجّب من الدوابّ: الّذى يفزع من كلّ شي‌ء، و يقال: الوجّاب. و قوله جلّ و عزّ:

. فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا.

يقال معناه- خرجت أنفسها، و يقال: سقطت لجنوبها. و الموجبات:

الكبائر من الذنوب الّتى يوجب اللّه بها النار. و وجّب البعير توجيبا، أى بَرك و سقط.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ثبوت مع لزوم. و القيدان ملحوظان في الأصل. فإطلاق المادّة على مفاهيم- السقوط و الوقوع و الحقّ و الغروب و الجبن:

يكون من مصاديق الأصل إذا لوحظ فيه التثبّت و اللزوم. و إلّا فيكون تجوّزا.

و بهذا الاعتبار: يستعمل الواجب في الأحكام الشرعيّة، على الحكم الثابت اللازم المفروض، في مقابل سائر الأحكام. و في علم الكلام، على الوجود الحقّ لذاته و في ذاته في مقابل الوجود الممكن.

. وَ الْبُدْنَ جَعَلْنٰاهٰا لَكُمْ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ لَكُمْ فِيهٰا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهٰا صَوٰافَّ فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا- 22/ 36 البدن جمع بدنة محرّكة: الجمل أو البقر المهداة للذبح في الحجّ، و الجنب: هو ما يلي الشي‌ء من غير انفصال، أى الخارج الملاصق.

و سقوط الجُنوب من البدن و ثبوتها و سكونها في الأرض: يدلّ على سقوط الروح الحيوانىّ و زوال القوّة و القدرة و الحياة الباطنيّة.

و في التعبير بالجنوب لطف و إشارة الى أنّ أطراف البدنة، كالشى‌ء الخارج الملاصق بها، و هي واقعة تحت حفظ الروح الحيوانىّ و القدرة الباطنيّة القلبيّة، و بزوال تلك القدرة و الحياة المركزيّة: تزول الحياة و النظم و القوام عن الجوانب الخارجيّة المحسوسة.

32

فهذا التعبير أحسن و ألطف من التعبير بالأطراف الدالّة على الأجزاء الداخليّة في منتهى الشي‌ء، فانّ الأجزاء المتّصلة في أطراف الشي‌ء: تكون منفصلة و خارجة في ذلك المقام عن إدارة الروح و تدبيره، فلا يصدق عليها الأطراف، الّا باعتبار ما سبق.

وجد

مقا- وجد: يدلّ على أصل واحد، و هو الشي‌ء يلفيه. و وجدت الضالّة وجدانا.

العين 6/ 169- الوجد: من الحزن. و الموجدة: من الغضب. و الوجدان و الجدة: من قولك وجدت الشي‌ء، أى أصبته.

مصبا- وجدته أجده وجدانا بالكسر و وجودا. و في لغة لبنى عامر: يجده بالضمّ، و لا نظير له في باب المثال، و وجه سقوط الواو على الأصل. و وجدت الضالّة أجدها وجدانا أيضا. و وجدت في المال وجدانا بالضمّ، و الكسر لغة، وجدة أيضا. و أنا واجد للشي‌ء: قادر عليه، و هو موجود: مقدور عليه. و وجدت عليه موجدة: غضبت. و وجدت به في الحزن وجدانا بالفتح. و الوجود خلاف العدم، و أوجد اللّه الشي‌ء من العدم فوجد، فهو موجود، من النوادر، مثل أجنّه اللّه فجنّ، فهو مجنون.

مفر- الوجود أضرب: وجود بإحدى الحواسّ الخمس، نحو وجدت زيدا، و وجدت طعمه، و وجدت صوته، و وجدت خشونته. و وجود بقوّة الشهوة، نحو وجدت الشبع. و وجود بقوّة الغضب، كوجود الحزن و السخط. و وجود بالعقل أو بواسطة العقل، كمعرفة اللّه تعالى و معرفة النبوّة، و ما ينسب الى اللّه تعالى من الوجود: فبمعنى العلم المجرّد. و كذلك المعدوم يقال على هذه الأوجه. فأمّا وجود اللّه تعالى للأشياء: فبوجه أعلى من كلّ هذا. و يُعبّر عن التمكّن من الشي‌ء‌

33

بالوجود، و قوله: من وجدكم، أى تمكّنكم و قدر غناكم. و يعبّر عن الغنى بالوجدان و الجدة.

الفروق 72- الفرق بين الإدراك و الوجدان: أنّ الوجدان في أصل اللغة لما ضاع أو لما يجرى مجرى الضائع، يقال: نشدت الضالّة، إذا طلبتها نشدانا، فإذا وجدتها قلت: وجدتها وجدانا، و الإدراك قد يكون لما يسبقك، ألا ترى أنّك تقول وجدت الضالّة و لا تقول أدركت الضالّة، و إنّما يقال أدركت الرجل، إذا سبقك ثمّ اتّبعته فلحقته.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إدراك شي‌ء على حالة حادثة. و يذكر الفعل في جملة أفعال القلوب الّتى تنصب اسمين. و قريب منه لفظ الإلفاء، كما في مقا.

فيلاحظ في الأصل قيدان: الإدراك، و حصول حالة حادثة.

و من مصاديق الأصل: إدراك الحزن إذا استعمل باللام. و إدراك الغضب في نفسه إذا استعمل بحرف على الدالّ على الاستعلاء. و الإصابة إذا كان القيدان ملحوظين. و هكذا مفهوم العلم و الإحساس و التعقّل. و إذا لم يلاحظ القيدان فيكون تجوّزا.

ثمّ إنّ مفهوم الأصل يقتضى وجود مفعولين، حتّى يدرك شي‌ء على حالة مخصوصة. و قد يحذف المفعولان أو أحدهما عند وجود قرينة، (و حذف ما يعلم جائز) كما في قولنا- وجدت الضالّة، وجدت عليه، وجدت له و به: فانّ المعنى- أدركت الضالّة حاضرة، و أدركت نفسي غضوبا عليه. و أدركت نفسي حزينا له.

إلّا إذا أريد معنى مجازىّ لا يحتاج الى وجود مفعولين.

و الإيجاد: جعل شي‌ء واجدا و مدركا، فهو موجود بالنسبة الى الموجد، أى‌

34

موجد، و واجد بالنسبة الى شي‌ء يدركه.

فالإيجاد في العرف بمعنى التكوين و جعل شي‌ء موجودا، كما أنّ الوجود في العرف و في اصطلاح المتكلّمين: هو الكائن و المتكوّن.

فظهر أنّ المعنى الحقيقىّ لكلمة الوجود: هو الإدراك على حالة، و إطلاقه على مفهوم الكائن و الكينونة المطلقة: تجوّز. و على هذا لم يستعمل لفظ الوجود في رابطة الربّ المتعال، بل لم تستعمل هذه المادّة في القرآن المجيد إلّا في المعنى الّذى ذكرناه، و هذا يدلّ على أنّ الأصل في المادّة هو الّذى قلناه، فانّ الاستعمال في كلامه تعالى دليل الحقيقة.

و قد استعملت المادّة في القرآن الكريم منتسبة الى اللّه المتعال: كما في:

. أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدىٰ وَ وَجَدَكَ عٰائِلًا فَأَغْنىٰ- 93/ 6. وَ مٰا وَجَدْنٰا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنٰا أَكْثَرَهُمْ لَفٰاسِقِينَ- 7/ 102 فهذه الكلمات مستعملة في رابطة الربّ المتعال و منتسبة اليه عزّ و جلّ، و لا يصحّ تفسيرها إلّا على الأصل الّذى ذكرناه من الإدراك على حالة.

و تستعمل أيضا منتسبة الى الناس: كما في:

. فَوَجَدَ فِيهٰا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلٰانِ هٰذٰا مِنْ شِيعَتِهِ- 28/ 15. فَوَجَدٰا عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا آتَيْنٰاهُ- 18/ 65. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ- 27/ 23. فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- 9/ 5. وَ مَنْ يُضْلِلِ اللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا*- 4/ 88 فيراد إدراكهم أمرا على حالة جديدة حادثة.

فالمادّة في جميع موارد استعمالها مستعملة في الحقيقة المذكورة، و أمّا المعاني غيرها فمجازيّة أو مستحدثة.

و قد سبق في ظلم و غيره: أنّ اللّه عزّ و جلّ هو النور الحقّ، و اطلاق الوجود‌

35

عليه تعالى غير مناسب، فانّ مفهوم الوجود بمعناه الأصيل عبارة عن الإدراك بشي‌ء على حالة حادثة، و هو بالفارسيّة بمعنى- يافتن چيزى تازه باشد نه بمعنى هستى و بودن.

مضافا الى أنّ مفهوم الوجود المصطلح و العرفىّ: إنّما هو من العوارض العامّة للشي‌ء، و يقابله العدم، فيقال إنّ الشي‌ء موجود أو معدوم، و إنّ للشي‌ء وجودا أو عدما، فالوجود إنّما يعرض للذات من حيث هو. و هو كالشيئيّة و الذاتيّة و غيرها من الأعراض العامّة.

و نعم ما قال الحكيم المتألّه الشيخ السهروردي: إنّ الوجود أمر اعتبارىّ، و ليس ذاتيّا لشي‌ء.

و هذا قول حقّ، فانّ الهويّة و الذات إذا تحقّقت في الخارج: فيقال إنّها موجودة و قد وجدت، فالوجود هنالك انتزاعىّ و اعتبارىّ.

و قد سبق في النور: إنّ اللّه عزّ و جلّ نور مطلق غير محدود و لا تناهى فيه، و هويّة نوره روحانيّة صرفة مجرّدة لا حدّ فيها في ذاتها و لذاتها.

و لمّا كان اللّه تعالى هو الحقّ المطلق و الثابت بذاته و في ذاته: يصحّ أن ينتزع منه مفهوم اعتبارىّ و هو الوجود. فالوجود عنوان انتزاعىّ و عرض من الأعراض العامّة، كالشى‌ء و غيره.

. اللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ.

راجع النور.

و أوضح تعبير عن مقام نوريّته: ما في الجوشن الكبير عن الامام السجّاد (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) في الفصل السابع و الأربعين منه: يا نور النور يا منوّر النور يا خالق النور يا مدبّر النور يا مقدّر النور يا نور كلّ نور يا نورا قبل كلّ نور يا نورا بعد كلّ نور يا نورا فوق كلّ نور يا نورا ليس كمثله نور.

و هذا يصرّح بأنّه تعالى نور غير متناه و هو مبدأ الأنوار و الإفاضات و كلّ نور في أىّ مرتبة إنّما يتجلّى منه و هو الأوّل و الآخر و الظاهر و الباطن و هو المحيط‌

36

القيّوم على كلّ مخلوق.

و لا يخفى أنّ مبدأ القول بمفهوم الوجود: هو سهولة التفاهم به، و صعوبة الوصول الى حقيقة النور و فهم النور الحقّ بذاته، و لعلّ مرادهم في حاقّ النظر من الوجود هو النور.

و ممّا يجب أن يتوجّه اليه: أنّ التكوين و الخلق من اللّه عزّ و جلّ، ليس كما نتصوّر في أذهاننا و نرى في الخارج من معاني الإيجاد و الصنع و تهيئة المقدّمات من الميل و التصميم و الارادة كما سبق في النور و الرود، يقول تعالى:

. إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- 36/ 82 فخلقه تعالى هو إفاضة النور التكوينىّ، و لا يحتاج الى تصوّر أو حصول تمايل أو تصميم أو تقدير في التكوين كما في المخلوق.

و تكوينه قريب من التجلّىّ الإرادىّ المنبعث من الصفات الذاتيّة غير المتناهيّة، من العلم المحيط و القدرة التامّة و الارادة النافذة، كما روى عنهم (عليهم السلام): إنّ اللّه خلق الأشياء بالمشيّة.

و كما أنّ مفهوم الوجود فيه تعالى: أمر اعتبارىّ انتزاعىّ، كذلك في المخلوقات و الممكنات، فانّ تحقّقها و تكوّنها في الخارج بتجلّي النور و بسطه:

ينتزع منه الوجود في قبال العدم.

و الهويّة الحقّة للموجودات: هي النور و الفيض التكوينىّ المتجلّى المنبسط في الخارج بأمر منه تعالى و إرادة نافذة تامّة. و قد أوضحنا هذا الأمر في باب 38 من شرح الأحاديث الصعبة الرضويّة.

و أمّا الوجد بالضمّ كالغسل: فهو اسم مصدر بمعنى ما يتحصّل من الوجدان، و يفسّر بمعنى التمكّن و الغنى-. أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لٰا تُضآرُّوهُنَّ- 65/ 6 أى ما يتحصّل لكم من التمكّن.

37

وجس

مقا- وجس: كلمة تدلّ على إحساس بشي‌ء و تسمّع له. توجسّ الشي‌ء:

أحسّ به فتسمّع له. و ممّا شذّ عن هذا، و هو من الكلام المشكل: قولهم- لا أفعله سجيس الأوجس: الدهر. و ما ذقت عنده أوجس، أى شيئا من الطعام.

صحا- الوجس: الصوت الخفىّ. و في حديث الحسن في الرجل يجامع المرأة و الأخرى تسمّع، قال: كانوا يكرهون الوجس. و الوجس: أيضا: فزعة القلب.

و الواجس: الهاجس. و أوجس في نفسه خيفة، أى أضمر، و كذلك التوجّس.

و التوجّس أيضا: التسمّع الى الصوت الخفىّ.

العين 6/ 161- الوجس: فزعة القلب، يقال: أوجس القلب فزعا.

و توجّست الأذن إذا سمعت فزعا. و الوجس: الصوت الخفىّ. و الأوجس: الدهر.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إحساس خفىّ في القلب. و بهذه المناسبة تستعمل في التسمّع، و الإضمار، و الصوت الخفىّ، و فزعة القلب، و التذوّق القليل.

فلا بدّ في الأصل من تحقّق القيدين، و إلّا فيكون تجوّزا.

و الفرق بين الوجس و الهجس: أنّ الهجس هو وقوع و خطور شي‌ء في القلب. فيلاحظ فيه جانب الشي‌ء الواقع الخاطر. دون الوجس فانّ الملحوظ و المنظور فيه طرف الاحساس به.

و أمّا الأوجس بمعنى الدهر: فانّ الدهر له تحرّك في نفسه و جريان في باطنه على وفق التقدير الإلهىّ، و هو يؤثّر في الأمور الجارية و لا يتأثّر من شي‌ء واقع تحت حكومته. و الأوجس كالأبيض صفة مشبهة بمعنى ما يتّصف بالتحرّك الخفىّ و التسمّع الباطنىّ.

38

و الوجس لازم، و الإيجاس متعدّ. و التوجّس تفعّل: و يدلّ على اختيار الوجس و الأخذ به و المطاوعة.

. لَقَدْ جٰاءَتْ رُسُلُنٰا إِبْرٰاهِيمَ بِالْبُشْرىٰ قٰالُوا سَلٰاماً قٰالَ سَلٰامٌ فَمٰا لَبِثَ أَنْ جٰاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمّٰا رَأىٰ أَيْدِيَهُمْ لٰا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قٰالُوا لٰا تَخَفْ إِنّٰا أُرْسِلْنٰا إِلىٰ قَوْمِ لُوطٍ- 11/ 70. هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرٰاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ .... فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قٰالُوا لٰا تَخَفْ وَ بَشَّرُوهُ بِغُلٰامٍ عَلِيمٍ .... قٰالَ فَمٰا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قٰالُوا إِنّٰا أُرْسِلْنٰا إِلىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ- 51/ 28. فَإِذٰا حِبٰالُهُمْ وَ عِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسىٰ قُلْنٰا لٰا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلىٰ- 20/ 67 و ينبغي التنبيه على امور:

1- الإيجاس من إبراهيم (عليه السلام) و من موسى (عليه السلام) كان إحساسا خفيّا في قلبهما، و غير متظاهرين به.

2- الخيفة الباطنيّة من إبراهيم بعد التوجّه الى المرسلين، كانت بلحاظ رسالتهم هل هو في رابطة قومه أو أمر آخر، و على هذا قالوا إنّا أرسلنا الى قوم لوط مجرمين.

و أمّا خيفة موسى بعد رؤية سحرهم، كانت بلحاظ تأثير السحر على أصحابه و برنامج رسالته، فخوطب بأنّه المتفوّق الأعلى، و هم المغلوبون.

3- السحر كما سبق: هو الصرف للأبصار أو القلوب عمّا هو واقع و حقّ الى خلافه، سواء كان بوسائل و أسباب مخفيّة أو بسرعة الحركة و اليد. و على هذا عبّر في المورد بكلمة التخييل، فانّ السحر لا حقيقة له.

4- الابتداء بالسلام و البشارة و النزول بصورة الضيف: كانت للإشارة الى الأمن و السلامة له و لقومه، حتّى لا يتوحّش، و لمّا كان إبراهيم (عليه السلام) كثير الحبّ للضيف: منعه عن التوجّه الى خصوصيّات أحوالهم، إلى أن رأى منهم‌

39

حركات غير متعارفة و مخالفة للبشريّة.

5- هذه الآيات الكريمة فيها دلالة على استقلال خارجىّ للرسل و الملائكة، خلافا لبعض من المتفلسفين القاصرين عن المعرفة، حيث يرون أنّ الملك ليس له وجود استقلالىّ خارجىّ، بل المراد هو القوى الداخليّة الروحانيّة في وجود الإنسان، و هذا الرأى قريب من المادّيّة.

و سخافة هذا النظر يردّه ما هو المشاهد لأهل الشهود و البصيرة من أهل الإيمان و المعرفة الكاملة، و ما في كلمات أهل البيت المحيطين بالعوالم الروحانيّة ممّا وراء عالم الحسّ و المادّة.

و التعبيرات في الآيتين من كلام اللّه عزّ و جلّ: أكبر دليل قاطع للمقصود و المطلوب، و اللّه يهدى المستهدى الى الحقّ الواقع.

و من التعبيرات الصريحة: قوله تعالى:

. جٰاءَتْ رُسُلُنٰا* ...،. ضَيْفِ إِبْرٰاهِيمَ* ...،. قٰالُوا سَلٰاماً* ...،. جٰاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ...،. رَأىٰ أَيْدِيَهُمْ لٰا تَصِلُ ...،. أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً* ...،. فَمٰا خَطْبُكُمْ* ...،. إِنّٰا أُرْسِلْنٰا إِلىٰ قَوْمِ لُوطٍ.

و هل يصحّ للإنسان المحدود الضعيف المحجوب، أن يدّعى إحاطته بالعوالم المخلوقة، و يعتقد بعلمه الناقص المحدود، و ينكر ما وراء ما يرى من عالم المادّة و لوازمها، و ما هذا العالم و العلم به إلّا كحبّة في فلاة وسيعة.

نعوذ باللّه من قصور الفهم و المعرفة، و من جهالة القلب و الظلمة، و من الغرور و المحجوبيّة.

. وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا.

وجف

العين 6/ 190- الوجف: سرعة السير. وجف يجف وجيفا، و أوجفه‌

40

راكبُه. و يقال: راكب البعير يوضع، و راكب الفرس يوجف.

مصبا- وجف يجف وجيفا: اضطرب، و قلب واجف، و وجف الفرس و البعير وجيفا: عدا. و أوجفته، إذا أعديته، و هو العنق في السير. و قولهم- ما حصل بإيجاف، أى بإعمال الخيل و الركاب في تحصيله. (العنق: ضرب من السير فسيح سريع).

لسا- الوجف: سرعة السير. و أوجف الذكر بلسانه: حرّكه. و أوجفه راكبه. و ناقة ميجاف: كثيرة الوجيف. و وجف الشي‌ء: إذا اضطرب. و وجف القلب وجيفا: خفق، و قلب واجف: شديد الاضطراب. فما أوجفتم عليه، أى ما أعملتم. و يقال: استوجف الحبّ فؤاده، إذا ذهب به.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو حركة خارجة عن الاعتدال. و هذا المعنى يختلف باختلاف الموضوعات:

ففي السير بالمركب فرسا أو بعيرا أو غيرهما: إنّما يحصل بالسرعة. و في القلب بالاضطراب و التحرّك الشديد و هو الخفقان، و في الذكر بتحريك سريع في اللسان. و في الفؤاد بخروجه عن الاعتدال و الحالة الطبيعيّة. و يتعدّى بالهمزة فيقال: أوجفته.

. وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ- 59/ 6 سبق أنّ الفي‌ء: هو التحنّى بعد التجبّر، و يراد ما جعله اللّه تعالى من أموالهم مقهورا و منخضعا بعد كونه خارجا عن يده و قدرته. و كلمة ما موصولة و مبتدئة. و الجملة (ما أوجفتم) بعد هذه الجملة خبرية منفيّة، أى الأموال الّتى تصير مقهورة تحت تسلّط رسول اللّه: هي الّتى لم توجف عليها بخيل و ركاب، بل إذا كانت بجريان طبيعىّ و تحرّك معتدل.

41

و هذا التفيّؤ إنّما يتحصّل بتسليط اللّه تعالى. فالحكومة و السلطة و الاختيار فيها للرسول، فيقسّمها بين المستحقّين بأىّ نحو يشاء.

. يَوْمَ تَرْجُفُ الرّٰاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرّٰادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وٰاجِفَةٌ أَبْصٰارُهٰا خٰاشِعَةٌ- 79/ 8 قلوب واجفة اى خارجة عن الجريان الطبيعىّ بحصول التحرّك الشديد فيها و الاضطراب و الخفقان. و هذا هو أثر التزلزل الشديد في الخارج، فانّ الرجف و الوجف بينهما اشتقاق أكبر. و الخشوع هو حالة اللينة و الضعة و الانقياد. و هذه الحالة للأبصار و الاسماع إنّما تحصل بعد تحقّق الخشوع في القلوب. كما أنّ الوجف في القلب المادّىّ الظاهرىّ إنّما يتحصّل بالوجف في القلب الروحانىّ الباطنىّ المتعلّق بالقلب البدنىّ، و هو الروح الحاكم النافذ في الإنسان بواسطة القلب.

و أمّا التعبير بالرجف في مورد اليوم، و بالوجف في القلب: فانّ الرجف شدّة في الزلزلة، و هو يناسب تحرّك الجريان و اضطراب الأمور و حدوث حدّة و شدّة في ذلك اليوم، و هو يوم جزاء و ابتلاء.

و هذه الرجفة تؤثّر في القلوب اضطرابا و خروجا عن الجريان الطبيعىّ، و هذا هو معنى الوجف، و هو أخفّ من الرجف.

وجل

مصبا- وجل وجلا فهو وجل، و الأنثى وجلة، من باب تعب: إذا خاف.

و يتعدّى بالهمزة.

صحا- الوجل: الخوف، تقول: منه وجل وجلا و موجلا بالفتح، و هذا موجلة بالكسر للموضع. و في المستقبل منه أربع لغات- يوجل، يأجل، ييجل، ييجل بكسر الياء. و كذلك فيما أشبهه من باب المثال إذا كان لازما. فمن قال‌

42

يأجل جعل الواو ألفا لفتحة ما قبلها، و من قال ييجل فهي على لغة بنى أسد، فانّهم يقولون: أنا إيجل، و نحن نيجل، و أنت تيجل، كلّها بالكسر. و إنّما يكسرون الياء في ييجل لتقوّىّ إحدى الياءين بالأخرى.

لسا- الوجل: الفزع و الخوف. و تقول: إنّنى لأوجل، و رجل أوجل و وجل.

و الأنثى وجلة، و لا يقال وجلاء.

الفروق 202- الفرق بين الخوف و الوجل: أنّ الوجل خلاف الطمأنينة.

وجل الرجل يوجل وجلا، إذا قلق و لم يطمئنّ. و يقال أنا من هذا على وجل، و من ذلك على طمأنينة. و لا يقال: على خوف في هذا الموضع. و خاف متعدّ، و وجل غير متعدّ.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انزعاج و قلق في الباطن، أى حصول حالة تحرّك و اضطراب في القلب يوجب سلب الطمأنينة في النفس و انخفاضها.

و أمّا مفهوم الخوف و الفزع: فمن آثار الأصل.

و الفرق بين المادّة و بين موادّ الخوف و الرهبة و الدهشة و الخشية و الفزع و الحزن و الحذر و الوحشة.

أنّ الخوف: حالة تأثّر و اضطراب من مواجهة ضرر مشكوك متوقّع.

و الرهبة: حالة استمرار الخوف، و هي في قبال الرغبة.

و الدهشة: حالة حيرة و اضطراب و تردّد في الظاهر.

و الخشية: خوف في مقابل عظمة و علوّ مقام.

و الفزع: خوف شديد مع اضطراب من ضرر فجأة.

و الحزن: غمّ من فوات أمر في السابق.

و الحذر: التوقّى من الضرر مظنونا أو مقطوعا.

و الوحشة: في مقابل الأنس.

43

راجع الخوف، و سائر الموادّ المذكورة.

. وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرٰاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقٰالُوا سَلٰاماً قٰالَ إِنّٰا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قٰالُوا لٰا تَوْجَلْ إِنّٰا نُبَشِّرُكَ بِغُلٰامٍ عَلِيمٍ- 15/ 52 عبّر في هذه الآية الكريمة بالوجل و هو حصول حالة انزعاج و قلق في القلب، و في الآية السابقة في ذيل مادّة الوجس به و هو الإحساس الخفىّ في القلب، و قيّدت المادّة هناك بالخيفة: فانّ إظهار الخيفة في الآيات السابقة بمناسبة مشاهدة امور خارقة، كعدم وصول أيديهم الى الطعام، و السعى في الحبال و العصىّ. بخلاف هذه الآية الكريمة: فإظهار الوجل كان في المرتبة الاولى بعد رؤيتهم و قبل مشاهدة امور خارقة منهم، فكان المناسب التعبير بالوجل، و هو أخفّ من إحساس الخوف- راجع الوجس.

. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ- 8/ 2. وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ الصّٰابِرِينَ عَلىٰ مٰا أَصٰابَهُمْ- 22/ 35 أى إذا سمعوا ذكرا من اللّه عزّ و جلّ انزعجت قلوبهم و قلقت، و خرجت عن حالة السكون و الانخفاض، إحساسا للزوم العمل بوظائف العبوديّة و الطاعة في قبال مقام العظمة و الربوبيّة.

و الإخبات هو النزول في محلّ مطمئنّ منخفض و محيط متّسع ثابت بعيد عن الاضطراب و التزلزل، و هذا المعنى يرادف الايمان من جهة النتيجة، فانّه نزول في الأمن و السكون و رفع الاضطراب و الوحشة.

و أمّا التعبير في الآية الاولى بالمؤمنين، و في الثانية بالمخبتين: فانّ الاولى في مورد الاطاعة و الايمان:

. وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

و الثانية في مورد التوجّه الى إله واحد و الإسلام و الانقياد التامّ و رفع‌

44

الخصومة و الخلاف:

. فَإِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ.

و هذا المعنى يلازم الإخبات و اختيار مقام سلم بعيد عن الخصومة، و هذا لا يتحقّق إلّا بالانقياد و الخضوع و المطاوعة تحت حكم اللّه الحقّ المتعال.

. وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلىٰ رَبِّهِمْ رٰاجِعُونَ- 23/ 60 الإيتاء متعدّ من الإتيان و هو المجي‌ء بسهولة و في حالة طبيعيّة. أى يُظهرون عقيدة و تعهّدا و أخلاقا و أعمالا و آدابا و سلوكا، كانوا قد أظهروها من قبل.

و المراد الاستقامة في البرنامج و التعهّد السابق و عدم الاضطراب و التزلزل و التحوّل و الانحراف عنها.

و هذا التثبّت و الاستقرار يقتضى مزيد التوجّه الى عظمة اللّه تعالى و ربوبيّته، و لزوم العمل بوظائف العبوديّة، و الاعتقاد بالرجوع الى اللّه المتعال و الى عالم الآخرة و يوم اللقاء، و هذا المعنى يلازم قلقا و انزعاجا.

فظهر أنّ المادّة ليست بمعنى الخوف، و لا يناسب في الآيات الكريمة أن يوضع الخوف مقام الوجل، فانّه لا معنى لحصول الخوف للعبد المؤمن و المخبت عند ذكر اللّه عزّ و جلّ، و كذلك عند مشاهدة الضيف النازل من سنخ الملائكة، أو عند إيتاء ما آتوا و في حال استقامتهم.

نعم مفهوم الخوف يشابه الوجل في أنه أيضا يوجب قلقا و اضطرابا، فيكون استعمال الوجل في مورد الخوف استعارة.

45

[وجه]

فتوجّه اليها. و الوجهة قيل مثل الوجه، و قيل كلّ مكان استقبلته، و تحذف الواو فيقال جهة مثل عدة. و هو أحسن القوم وجها: قيل معناه أحسنهم حالا. و شركة الوجوه: أصلها شركة بالوجوه، فحذفت الباء ثمّ أضيفت مثل شركة الأبدان، لأنّهم بذلوا وجوههم في البيع و الشراء. و بذلوا جاههم، و الجاه مقلوب من الوجه. و قوله تعالى: فثمّ وجه اللّه أى جهته الّتى أمركم بها. و الوجه: ما يتوجّه اليه الإنسان من عمل و غيره. و قولهم الوجه أن يكون كذا: جاز أن يكون من هذا، و جاز أن يكون بمعنى القوىّ الظاهر، أخذا من قولهم قدمت وجوه القوم أى ساداتهم. و تجاه الشي‌ء وزان غراب: ما يواجهه، و أصله وجاه، و يقال وجاه.

مقا- وجه: أصل واحد يدلّ على مقابلة لشي‌ء. و الوجه: مستقبل لكلّ شي‌ء. يقال وجه الرجل و غيره. و ربّما عبّر عن الذات بالوجه، و تقول: وجهى اليك. و واجهت فلانا: جعلت وجهى تلقاء وجهه. و من الباب قولهم: هو وجيه بيّن الجاه. و الوجهة: كلّ موضع استقبلته. و التوجيه: أن تحفر تحت القثّاءة أو البطّيخة ثمّ تضجعها. و توجّه الشيخ: ولّى و أدبر، كأنّه أقبل بوجهه على الآخر.

العين 4/ 66- الجاه: المنزلة عند السلطان، و تصغيره: جويهة. و رجل وجيه: ذو جاه. الوجه: مستقبل كلّ شي‌ء. و الجهة: النحو، يقال: أخذت جهة كذا، أى نحوه.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يتوجّه اليه من شي‌ء، و فيه أيضا معنى مواجهة. و من مصاديقه: ما يتوجّه اليه من ذات أو عمل، و مستقبل الشي‌ء الّذى يتوجّه اليه، و كذلك الحالة المخصوصة الجالبة للتوجّه، و المنزلة و الرتبة و الجاه الّتى توجب توجّها، و الجهة و الجانب و المكان يتوجّه اليها.

و التوجيه: جعل شي‌ء مورد توجّه لشخص أو لشي‌ء، و منه حفر محلّ لإضجاع بطّيخة أو غيرها، أو لإمالة التوجّه الى جهة اخرى بالإدبار.

46

و المواجهة: فيه استمرار التوجّه.

فالوجه كفلس: ما يتوجّه اليه، و هذا المعنى في كلّ شي‌ء بحسبه:

ففي الإنسان: كما في:

. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهٰا وَ قٰالَتْ- 51/ 29. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ*- 4/ 43. إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ- 5/ 6. وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا- 16/ 58 يراد الوجه الظاهرىّ المحسوس للإنسان، و هو العضو المخصوص الّذى يتوجّه اليه عند اللقاء و المكالمة و المخاطبة، و هذا من أظهر مصاديق الوجه و أتمّها، و على هذا ينصرف اليه اللفظ عند الإطلاق.

و في الإنسان فيما وراء المادّة: كما في:

. أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذٰابِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ- 29/ 24. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ .... وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ- 3/ 106 يراد الوجوه من الأبدان الاخرويّة اللطيفة.

و في الإنسان بلحاظ الروحانيّة: كما في:

. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ- 75/ 23. وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ .... سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ- 48/ 29 فانّ حالة النضارة و البُسور و سِيمة السجود و العبوديّة: من الأمور الروحانيّة المدركة بالبصيرة الباطنيّة في خلال الوجوه الظاهريّة.

و قد يكون النظر و التوجّه الى الشي‌ء بلحاظ ذاته، فيكون ذاته وجها يتوجّه اليه: كما في:

. بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ- 2/ 112‌

47

. وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ- 4/ 125. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ- 7/ 29 فالمراد من الوجه في هذه الآيات الكريمة: النفس و الذات باعتبار كونه مورد توجّه للّه تعالى، فانّ النفس لا يستطيع أن يكون موفّقا للتسليم و الإقامة لنفسه في عبادة اللّه عزّ و جلّ، إلّا أن يكون مورد عناية و توجّه و لطف منه تعالى.

و هذا المعنى لطف التعبير بكلمة الوجه دون النفس و غيره، فانّ النظر الى جهة هذه الرابطة، و الى تحقّق التسليم و الإمامة في مورد الاقتضاء و وجود التوجّه و العناية، لا مطلقا.

مضافا الى ما قلنا من أنّ في المادّة معنى مواجهة من جانب الوجه أيضا، ففيها دلالة على التوجّه اليه و على تحقّق مواجهة منه أيضا.

و قد يكون التوجّه اليه بلحاظ كونه وجها للّه تعالى: كما في:

. ذٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ- 30/ 38. كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلٰالِ وَ الْإِكْرٰامِ- 55/ 27. لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ كُلُّ شَيْ‌ءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ- 28/ 88. وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ- 30/ 39 قلنا إنّ الوجه في كلّ شي‌ء بحسبه، فالوجه في الروحانيّات و في اللّه المتعال: عبارة عن وجهة تكون مورد توجه اليه بالقلب و تقع في مقام مواجهة، و تكون مرآة للنظر اليه و فانية فيه، و لا يشاهد فيها إلّا تجلّى صفاته و مقاماته، سواء كانت أعمالا خالصة له، أو موجودات فانية فيه و باقية به، أو صفات جماليّة أو كماليّة له تعالى.

فالآية الاولى في مورد العمل (إيتاء ذى القربى و المسكين). و الثانية- في رابطة مطلق الوجهة الإلهية، و كذلك الثالثة. و الرابعة كالأولى في مورد العمل الخالص للّه تعالى.

و سبق أنّ الهلاكة عبارة عن انقضاء الحياة و سقوطها. و الفناء زوال ما به‌

48

قوام الشي‌ء. و الانعدام أخصّ منهما و هو في قبال الإيجاد، فيكون عبارة عن زوال ذات الشي‌ء بالكليّة- راجع فنى.

ثمّ إنّ ما كان وجها للّه عزّ و جلّ و مظهرا لصفاته العليا: فهو باق أبدىّ لا يعتريه الفناء و الهلاكة، فانّه فان في اللّه تعالى، و انمحت آثار الأنانيّة عن وجوده، و لم يبق في نفسه شي‌ء من التشخّص إلّا نور اللّه، فهو المرآة و الوجه و الاسم له تعالى.

و قد يستعمل الوجه في موارد الموضوعات الخارجيّة: كما في:

. آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهٰارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ- 3/ 72. ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا- 5/ 108 يراد ظاهر النهار و الشهادة، و على ما يتوجّه اليه فيهما من غير تحريف و ستر.

و أمّا الوجيه: فهو فعيل بمعنى من اتّصف بكونه ذا وجه و وجاهة و مورد توجّه للناس أو للّه تعالى في جهة ظاهريّة أو روحانيّة.

. اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ- 3/ 45. فَبَرَّأَهُ اللّٰهُ مِمّٰا قٰالُوا وَ كٰانَ عِنْدَ اللّٰهِ وَجِيهاً- 33/ 69‌

وحد

مقا- وحد: أصل واحد يدلّ على الانفراد. من ذلك الوحدة، و هو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله. و لقيت القوم موحد موحد، و لقيته وحده، و لا يضاف إلّا في قولهم: نسيج وحده، أى لا ينسج غيره لنفاسته، و هو مثل. و الواحد:

المنفرد.

مصبا- وحد يحد حدة من باب وعد: انفرد بنفسه، فهو وحد، و كسر الحاء لغة. و وحد و حادة و وحدة فهو وحيد كذلك. و كلّ شي‌ء على حدة، أى متميّز عن‌

49

غيره، و جاء زيد وحده. قال سيبويه: إنّه معرفة أقيم مقام المصدر و يقوم مقام الحال، و بنو تميم يعربونه باعراب الاسم الأوّل، و زعم يونس: إنّ وحده بمنزلة عنده. و الواحد مفتتح العدد، و يكون بمعنى جزء من الشي‌ء، فالرجل واحد من القوم، أى فرد من أفرادهم، و الجمع وحدان. و أحد أصله وحد، و يقع على الذكر و الأنثى- لستنّ كأحد من النساء. و يكون بمعنى شي‌ء. و يكون مرادفا لواحد في موضعين سماعا: أحدهما- وصف اسم الباري تعالى، فيقال هو الواحد و هو الأحد، لاختصاصه بالأحديّة، و لهذا لا ينعت به غير اللّه تعالى. و الموضع الثاني- أسماء العدد للغلبة و كثرة الاستعمال، فيقال: أحد و عشرون، و واحد و عشرون. و في غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال، بأنّ الأحد لنفى ما يذكر معه فلا يستعمل إلّا في الجحد لما فيه من العموم، نحو ما قام أحد، أو ما قام أحد الثلاثة مضافا.

العين 3/ 280- الوحد: المنفرد، رجل وحد و ثور وحد. و الرجل الوحد:

الّذى لا يعرف له أصل، و الوحد خفيف: حدة كلّ شي‌ء. و الوحد: منصوب في كلّ شي‌ء، لأنّه يجرى مجرى المصدر خارجا من الوصف. و كلّ شي‌ء على حدة:

بائن من آخر. و لا يقال غير أحد و إحدى في أحد عشر و إحدى عشرة، و يقال واحد و عشرون و واحدة و عشرون. و إذا حملوا الأحد على الفاعل اجرى مجرى الثاني و الثالث، و قالوا: هذا حادي عشرهم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو انفراد في ذات أو صفة. و سبق في فرد:

إنّه انفراد من جهة المقارن في قبال الزوج.

و قلنا في أحد: إنّ بين مادّتى أحد و وحد اشتقاق أكبر، و ليس الأحد مقلوبا من الوحد، بل كلّ واحد منهما صيغة مستقلّة.

و يؤيّد هذا المعنى: استعمال المادّتين بمعنى الانفراد في وحد، و العدد‌

50

في أحد، في العبريّة و السريانيّة و غيرهما- كما في فرهنگ تطبيقى.

فالمادّة غير متعديّة و بمعنى الانفراد في ذات أو صفة، و هذا المعنى ينطبق على موارد مختلفة، من اللّه العزيز، و من الأمور الروحانيّة، و من الموضوعات فيما وراء عالم المادّة، و من الموضوعات الماديّة، و من الأعمال و الأمور الخارجيّة.

ففي مورد اللّه المتعال: كما في:

. أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ- 12/ 39. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّٰهِ الْوٰاحِدِ الْقَهّٰارِ- 40/ 16. وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلَّا اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ- 38/ 65 فاللّه عزّ و جلّ هو المنفرد في ذاته و صفاته حقّا، و هذا المعنى يختصّ به تعالى و لا شريك له من جهة الذات و لا في صفاته، فانّه نور غير متناه لا حدّ له بوجه ذاتا و صفة، و هو الذات المطلق الأزلىّ الأبدىّ بذاته الغنىّ في ذاته الحىّ المطلق القيّوم.

فالواحد و الوحيد و الأحد: من أسمائه الحسنى. و النظر في الواحد: الى قيام الانفراد به. و في الوحيد: الى الاتّصاف و الثبوت. و في الأحد: الى الفرديّة الخالصة و من حيث هي، أى الأحديّة الّتى لا عدد غيرها.

و قد ذكرنا تفصيلا حقيقة الأحديّة في باب 33 من كتاب الأحاديث الصعبة الرضويّة.

و يذكر بعد اسم الواحد اسم القهّار: و القهر عبارة عن إعمال القدرة و الغلبة في مقام العمل و الإجراء، فالقهّار هو الّذى يجرى قدرته و تفوّقه و غلبته على جميع خلقه، و هو الحاكم النافذ على الإطلاق.

و لمّا كان مفهوم الوحدة فيه توهّم الضعف: يشار بالقهّاريّة الى أنّه تعالى متفوّق و غالب على جميع الخلق، و هو القاهر النافذ المطلق.

ثمّ إنّ الواحد بمناسبة كلمة اللّه قد ذكر معرّفا باللام، فانّه علم. و هذا بخلاف ذكره مع كلمة إلاه، فيذكر تابعه نكرة: كما في:

51

. وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلّٰا إِلٰهٌ وٰاحِدٌ- 5/ 73. لٰا تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمٰا هُوَ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ- 16/ 51. أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً- 38/ 5 و الإلاه في الأصل مصدر بمعنى العبادة مع التحيّر، ثمّ جعل اسما بالغلبة على ما يعبد من الأصنام أو غيرها حقا أو باطلا.

و أمّا ذكر الواحد في موارد الموضوعات الماديّة: فكما في:

. وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ- 2/ 61. لٰا تَدْخُلُوا مِنْ بٰابٍ وٰاحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوٰابٍ مُتَفَرِّقَةٍ- 12/ 67. وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجٰاوِرٰاتٌ وَ جَنّٰاتٌ .... يُسْقىٰ بِمٰاءٍ وٰاحِدٍ- 13/ 4 يراد التفرّد من جهة الذات و الصفات في هذه الموضوعات.

و أمّا ذكره في موضوعات ممّا وراء المادّة: كما في:

. فَإِنَّمٰا هِيَ زَجْرَةٌ وٰاحِدَةٌ فَإِذٰا هُمْ بِالسّٰاهِرَةِ- 79/ 13. فَإِنَّمٰا هِيَ زَجْرَةٌ وٰاحِدَةٌ فَإِذٰا هُمْ يَنْظُرُونَ- 37/ 19. فَإِذٰا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وٰاحِدَةٌ- 69/ 13 الزجر: هو المنع عن عمل بواسطة كلام و بيان، و من مصاديقه الصيحة الشديدة، و الخطاب ذو حدة في مقام إيجاد تحوّل. و السهر: هو فقدان النوم و الغفلة مع توجّه بالليل.

و التوصيف بالوحدة: يشير الى شدّة و نفوذ تامّ في الزجرة و الصيحة و النفخة بحيث تكفى واحدة منها في مقام تحصيل الغرض.

. يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا وَ بَثَّ مِنْهُمٰا رِجٰالًا كَثِيراً وَ نِسٰاءً- 4/ 1. وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ- 6/ 98. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا- 39/ 6 النفس: تشخّص من جهة الذات و ترفّع، أى الفرد المتشخّص المطلق،

52

مادّيّا أو روحانيّا. و الزوج: من يكون له جريان خاصّ معادلا و مقارنا لفرد آخر، و كلّ من المتعادلين زوج.

هذه الآيات الكريمة ناظرة الى جهة الخلق المادّىّ و التكوين الظاهرىّ، و المجموع المركّب من الروح و البدن، و هو المتبادر من كلمة الشخص.

و ليس النظر فيها الى الجهة الروحانيّة، و يؤيّده القرائن الموجودة في الآيات، كالزوج و الخلق و البثّ و غيرها.

و تدلّ على هذا أيضا الآيات الكريمة:

. كٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ .... وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ- 2/ 213. وَ مٰا كٰانَ النّٰاسُ إِلّٰا أُمَّةً وٰاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا- 10/ 19 فانّهم كانوا من نفس واحدة أبوهم آدم و امّهم حوّاء، لا اختلاف بينهم في الشكل الظاهر و لا في الصفات النوعيّة، و كانوا منفردة من جهة الذات و الصفات.

وحش

مصبا- الوحش: ما لا يستأنس من دوابّ البرّ، و جمعه وحوش. و كلّ شي‌ء يستوحش عن الناس فهو وحش و وحشىّ، كأنّ الياء للتأكيد. و قال الفارابىّ:

الوحش جمع وحشىّ و منه الوحشة بين الناس، و هي الانقطاع و بعد القلوب عن المودّات. و يقال: إذا أقبل الليل استأنس كلّ وحشىّ و استوحش كلّ إنسىّ.

و أوحش المكان و توحّش: خلا من الإنس. و الوحشىّ من كلّ دابّة: الجانب الأيمن. قال أئمّة العرب: الوحشىّ من جميع الحيوان غير الإنسان الجانب الأيمن، و هو لا يركب منه الراكب و لا يحلب منه الحالب. و الإنسىّ الجانب الآخر و هو الأيسر. (و يقال وجوه اخر).

مقا- وحش: كلمة تدلّ على خلاف الانس. توحّش: فارق الأنيس.

53

و الوحش: خلاف الإنس. و أرض موحشة، من الوحش. و وحشىّ القوس: ظهرها.

و إنسيّها: ما أقبل عليك. و وحشىّ الدابّة في قول الأصمعىّ: الجانب الّذى يركب منه الراكب و يحتلب الحالب، فانّما خوفه منه. و الإنسىّ: الجانب الآخر.

العين 3/ 262- وحش: الوحش كلّ ما لا يستأنس من دوابّ البرّ، فهو وحشىّ، تقول: هذا حمار وحش، و حمار وحشىّ. و يقال للجائع قد توحّش: أى خلا بطنه. و يقال للمحتمى لشرب الدواء: قد توحّش. و للمكان إذا ذهب عنه الإنس: قد أوحش.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو التوحّش و البُعد عن الانس، فهو في قبال الانس. و الانس و الوحش يختلفان في الموضوعات، ففي كلّ شي‌ء بحسبه.

ففي الحيوان ببعده عن الاستيناس بالبشر. و في البطن بخلّوّه عن الطعام.

و في المكان بخلوّه عن السكنة. و في الجانب الأيمن من الحيوان بالنسبة الى الراكب و الحالب لتوجّههما الى الجانب الأيسر و توحّشهما عن الجانب الأيمن.

و في الجانب الأيسر منه بالنسبة الى الحيوان نفسه فانّ توجّهه الى الأيمن بالطبيعة و انصرافه عن الأيسر.

و يطلق على فرد من الإنسان، إذا استوحش عن الناس، أو بعد عن المودّات و الارتباطات القلبيّة، أو تنزّل عن الأخلاق الاجتماعيّة و هم رذال الناس.

. وَ إِذَا الْجِبٰالُ سُيِّرَتْ وَ إِذَا الْعِشٰارُ عُطِّلَتْ وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَ إِذَا الْبِحٰارُ سُجِّرَتْ- 81/ 5 العشار مصدر من المعاشرة. و الوحوش جمع الوحش و هو مصدر في الأصل و يطلق على ما يستوحش و لا يستأنس. و الحشر بمعنى البعث و السوق ثمّ الجمع.

و السجر: الهيجان و الفيضان من الامتلاء.

الوحوش: يراد أفراد من الإنسان انقطعوا عن حقيقة الانسانيّة و بعدوا عن‌

54

سعادة خليقتهم و فارقوا برنامج حياتهم الروحانيّة.

و لا يصحّ التفسير بالحيوانات و الوحوش: فانّها لم تخلق للبعث و النشور، و لا تكلّف بتكاليف إلهيّة حتّى ترى آثار أعمال عملت، و ليس لها استعداد بلوغ الى كمال فوق مرتبة الحيوانيّة. و قال تعالى:

. وَ الْأَنْعٰامَ خَلَقَهٰا لَكُمْ فِيهٰا دِفْ‌ءٌ وَ مَنٰافِعُ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ وَ لَكُمْ فِيهٰا جَمٰالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ وَ تَحْمِلُ أَثْقٰالَكُمْ .... وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً- 16/ 5. وَ مِنَ الْأَنْعٰامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ- 6/ 142. وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعٰامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهٰا وَ لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ- 23/ 21. وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهٰا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقٰامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ- 16/ 80 فتدلّ هذه الآيات الكريمة على أنّ الأنعام خلقت لانتفاع الإنسان منها و من لحومها و جلودها و أصوافها و أشعارها و زينتها و حملها و فرشها و ألبانها، و من منافع كثيرة تنتفعون منها.

و هذه المعاني تنافى استقلال وجودها و احترام نفوسها في قبال الإنسان، و تدلّ على أنّها غير مكلّفة و لا مسؤوليّة لها و عليها، و ليست حياتها إلّا لإدامة التعيّش الحيوانىّ المادّىّ.

فظهر أنّ الحيوانات بأنواعها برّيّة و بحريّة إنّما خلقت للعيش في الحياة المادّيّة، و ليس لها في ذواتها استعداد التوجّه الى الروحانيّة و الطاعة و العبوديّة و إخلاص النيّة في الأعمال.

ففي الآية الكريمة السابقة أشير الى محكوميّة القوى المادّيّة الظاهريّة، و حكومة نفوذ القدرة الحقّة التامّة الإلهيّة، ففي كلّ منها بتناسب موضوعها، كالسير في الموجودات العظيمة، و التعطّل في المعاشرة، و التجمّع في الأفراد الّتى نفروا‌

55

و انقطعوا عن الحقّ و عن لقاء الربّ، و الهيجان في البحار.

وحى

مقا- وحى: أصل يدلّ على إلقاء علم في إخفاء أو غيره الى غيرك.

فالوحى: الإشارة. و الوحى: الكتاب و الرسالة. و كلّ ما ألقيته الى غيرك حتّى علمه فهو وحى كيف كان. و أوحى اللّه تعالى و وحى. و كلّ ما في باب الوحى فراجع الى هذا الأصل الّذى ذكرناه. و الوحيّ: السريع. و الوحى: الصوت.

مصبا- الوحى: الإشارة و الرسالة و الكتابة. و هو مصدر وحى اليه يحي من باب وعد. و أوحى اليه مثله، و جمعه وحىّ على فعول. و بعض العرب يقول: وحيت اليه و وحيت له و أوحيت اليه و له، ثمّ غلب استعمال الوحى فيما يلقى الى الأنبياء من عند اللّه تعالى. و لغة القرآن الفاشية: أوحى. و الوحى: السرعة يمدّ و يقصر.

و موت وحيّ: سريع وزنا و معنى. و زكاة وحيّة، أى سريعة. و يقال: وحيت الذبيحة أحيها من باب وعد: ذبحتها ذبحا وحيّا. و وحّى الدواء الموت توحية: عجّله.

و أوحاه مثله. و استوحيت فلانا: استصرخته.

العين 3/ 320- وحى يحي وحيا: كتب. و أوحى اليه: بعثه، ألهمه.

و أوحى الى قومه: أشار. و الوحى: السرعة.

مفر- أصل الوحى: الإشارة السريعة. و لتضمّن السرعة قيل أمر وحيّ.

و ذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز و التعريض، و قد يكون بصوت مجرّد عن التركيب، و باشارة ببعض الجوارح، و بالكتابة. و قوله- و إنّ الشياطين ليوحون الى أوليائهم: فذلك بالوسواس، المشار اليه بقوله:

. مِنْ شَرِّ الْوَسْوٰاسِ الْخَنّٰاسِ.

و الوحى أضرب: إمّا برسول مشاهد ترى ذاته و يسمع كلامه كتبليغ جبرئيل (عليه السلام) للنبىّ في صورة معيّنة، و إمّا بسماع كلام من غير معاينة‌

56

كسماع موسى ع، و إمّا بإلقاء في الروع كما ذكر (عليه السلام): إنّ روح القدس نفث في روعي، و إمّا بإلهام نحو و أوحينا الى امّ موسى أن أرضعيه، و إمّا بتسخير نحو و أوحى ربّك الى النحل، أو بمنام. فالوحى عامّ في جميع أنواعه،. وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا نُوحِي إِلَيْهِ- 21/ 25‌

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو إلقاء أمر في باطن غيره، سواء كان الإلقاء بالتكوين أو بإيراد في القلب، و سواء كان الأمر علما أو إيمانا أو نورا أو وسوسة أو غيرها، و سواء كان إنسانا أو ملكا أو غيرهما، و سواء كان بواسطة أو بغير واسطة، و يفيد العلم و اليقين.

و سبق في الإلهام (لهم) إنّه عبارة عن إلقاء من جانب اللّه في باطن و من دون وساطة، و أكثر استعماله في المعنويّات، و هو مطلق و أعمّ.

1- فالوحى في التكوين: كما في:

. يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحىٰ لَهٰا- 99/ 5. فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحىٰ فِي كُلِّ سَمٰاءٍ أَمْرَهٰا- 41/ 12 هذا في رابطة أمورها داخليّة و خارجيّة.

2- و بالنسبة الى الحيوان: كما في:

. وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً- 16/ 68 و هذا النحو من الوحى أيضا تكوينىّ.

3- و في الملائكة: كما في:

. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلٰائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ- 8/ 12 فالوحى الى الملائكة إلقاء علم و معرفة في ذواتهم الصافية الطاهرة.

و التعبير في الملائكة بالايحاء و في الكفّار بالإلقاء: فانّ في الوحى‌