التحقيق في كلمات القرآن الكريم - ج14

- حسن المصطفوي المزيد...
283 /
221

الجزء الرابع عشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الّذى بيده أزمّة الامور كلّها، و بقضائه و تقديره و توفيقه عزّ و جلّ مجاريها، و ما تسقط من ورقة إلّا باذن منه تعالى. و الصلوة و السّلام على سيّد الرسل خاتم النبيّين محمّد و آله الأطهار.

و بعد: فقد وفقّنى اللّه تبارك و تعالى فى إتمام الأجزاء الثلاثة عشر من كتاب التحقيق فى كلمات القرآن الكريم، و هذا هو الجزء الرابع عشر منه، و يحتوى على حرف الياء، و هو آخر الكتاب.

و لمّا كان تأليف الكتاب و تحريره من دون مسودّة و تجديد نظر، و ذلك بضيق المجال فى جولان هذا البحر العميق، فأرجو من فضله و كرمه أن يوفّقنى فى هذا المشروع، إنّه خير موفّق و هو الهادى الى الحقّ و الصواب.

222

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

223

حرف الياء

يأس

مصبا- يئس من الشى‌ء ييأس من باب تعب، فهو يائس، و الشى‌ء ميئوس منه، و المصدر اليأس، و يجوز قلب الفعل دون المصدر، فيقال: أيس منه، و كسر المضارع لغة. و يقال: يئست المرأة إذا عقمت، فهى يائس كما يقال حائض و طامث، فان لم يذكر الموصوف: قلت يائسة. و أيأسها اللّه إياسا وزان كتاب، و به سمّى، و أصله بسكون الياء و مدّ الهمزة وزان إيمان. و قد يستعمل الإياس مصدرا للثلاثىّ لتقارب المعنى، أو لأنّ الرباعىّ يتضمّن الثلاثىّ، كما فى قوله تعالى:

. وَ اللّٰهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبٰاتاً.

و يأتى يئس بمعنى علم فى لغة النخع، و عليه قوله تعالى:

. أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا.

مقا- يأس: كلمتان: إحداهما اليأس: قطع الرجاء. و يقال إنّه ليست ياء فى صدر كلمة بعدها همزة إلّا هذه. يقال منه: يئس ييأس و ييئس. و الكلمة الاخرى: ألم تيأس، أى ألم تعلم:

. أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا.

224

مفر- اليأس: إنتفاء الطمع، يقال: يئس و استيأس مثل عجب و استعجب و سخر و استسخر. و قوله:

. أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا.

لم يريدوا أنّ اليأس موضوع فى كلامهم للعلم، و إنّما قصد أنّ يأس الّذين آمنوا، يقتضى أن يحصل بعد العلم بانتفاء ذلك، فاذا ثبوت يأسهم يقتضى ثبوت حصول علمهم.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو ما يقابل الطمع. و قلنا فى القنط: إنّ القنوط هو اليأس الشديد، و يدلّ على الشدّة: كون حرفى القاف و الطاء من حروف الجهر و الشدّة و الضغط و الاستعلاء، بخلاف السين و الياء فى اليأس. و يدل على هذا ذكر القنوط بعد اليأس، كما فى:

. وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ- 41/ 49 و فى اليأس: انقطاع التوقّع و الانتظار عن أمر. كما أنّ الرجاء و الطمع:

توقّع و انتظار لحصول مقصود.

. وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ- 65/ 4. أُولٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي- 29/ 23. وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ- 12/ 87 أى انقطعوا عن الانتظار و التوقّع لحصول الرحمة و الروح، كما أنّ القواعد من النساء ينقطعن عن انتظار المحيض- راجع الروح.

. وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنّٰا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنٰاهٰا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ- 9/ 11. لٰا يَسْأَمُ الْإِنْسٰانُ مِنْ دُعٰاءِ الْخَيْرِ وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ- 41/ 49. وَ إِذٰا أَنْعَمْنٰا عَلَى الْإِنْسٰانِ أَعْرَضَ وَ نَأىٰ بِجٰانِبِهِ وَ إِذٰا مَسَّهُ الشَّرُّ كٰانَ يَؤُساً- 17/ 83‌

225

فالانسان باقتضاء جريان حياته الجسمانيّة و برنامج اموره المادّيّة: لا يطلب إلّا لذائذ ملائمة لها، و لا يتمايل إلّا الى مشتهيات نفسانيّة، فهو فى محيط الرحمة و النعمة و السعة: يتوغّل فى الهوى و تمايلاته الدنيويّة، و يديم مسيره فى العيش و الشهوات الحيوانيّة، غافلا عن الحياة الروحانيّة و الالتذاذات المعنويّة.

و إذا وقع فى محيط مضيقة و ابتلاء: كان قنوطا عن مسيره و آيسا عن حياته الحيوانىّ المادّىّ و كفورا بالحقّ و السعادة الروحانيّة، فانّه لا يريد إلّا هذه الحياة الدنيا.

. لٰا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمٰا يَئِسَ الْكُفّٰارُ مِنْ أَصْحٰابِ الْقُبُورِ- 60/ 13. إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ- 12/ 87 فالغضب يقابل الرحمة و الروح، و إذا خرج العبد عن محيط الرحمة و لم يكن مشمولا لرحمة الحقّ و لطفه و توجّهه الخاصّ: فيكون مغضوبا عليه قهرا، فانّ انقطاع الرحمة و الروح هو المغضوبيّة و المضيقة.

و اليأس نتيجة التوغّل فى الحياة المادّيّة و الانقطاع عن محيط الرحمة و الروحانيّة، فانّ الانسان حينئذ لا يتوقّع و لا يحصل له انتظار الوصول الى مقصد ممّا وراء عالم المادّة و التمايلات الدنيويّة.

. الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلٰا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي- 5/ 3 أى قد يئسوا من النفوذ و التصرّف و الحكومة فى دينكم، حيث إنّهم شاهدوا سعة حكومتكم و قوّة اقتداركم و نفوذ أمركم، و قد أكمل اللّه عزّ و جلّ دينكم و هو الخضوع تحت برنامج روحانىّ إلهىّ، و أتمم جميع الوسائل و الشرائط اللازمة، فلا تخشوهم بعد.

فظهر أنّ الأصل فى المادّة: هو انقطاع التوقّع و الانتظار عن شى‌ء، و أمّا العلم فهو من آثار الأصل، فانّ الانقطاع عن شى‌ء: يلازم حصول تصميم قاطع فى‌

226

طريق برنامجه المقصود له.

يَبِسَ

مصبا- يبس من باب تعب، و فى لغة بكسرتين من باب حسب، إذا جفّ بعد رطوبته، فهو يابس، و شى‌ء يبس ساكن الباء: بمعنى يابس أيضا، و حطب يبس، و يقال هو جمع يابس مثل صاحب و صحب. و مكان يبس بفتحتين:

إذا كان فيه ماء فذهب. و قال الأزهرىّ: طريق يبس: لا ندوَّة فيه و لا بلل. و اليبس نقيض الرطوبة. و اليبيس من النبات ما يبس، فعيل بمعنى فاعل.

مقا- يبس: أصل صحيح يدلّ على جفاف، يقال: يبس الشى‌ء ييبس و ييبس. و اليبس: يابس النبت. قال ابن السكّيت: هو جمع يابس. و اليبس:

المكان يفارقه الماء فييبس. و يقال: يبست الأرض: ذهب ماؤها و نداها.

و أيبست: كثر يبسها. و قال الشيبانى: امرأة يبس، إذا لم تنل خيرا.

لسا- اليبس بالضمّ: نقيض الرطوبة، و هو مصدر قولك يبس الشى‌ء ييبس و ييبس، الأوّل بالكسر نادر، يبسا و يبسا و هو يابس، و الجمع يبّس. و اليبس بالفتح: اليابس. يقال: حطب يبس. قال ابن سيده: اليبس و اليبس إسمان للجميع. و تيبيس الشى‌ء: تجفيفه، و قد يبّسته فاتّبس، و هو متّبس و شى‌ء يبوس كيابس.

العين 7/ 314- اليبس: نقيض الرطوبة و اللين، يقال هذا لكلّ شى‌ء كانت له الندوّة و الرطوبة خلقة. و يقال: لما كان ذلك فيه عرضا: جفّ. و طريق يبس: لا ندوّة فيه. و اليبيس: الكلأ الكثير اليابس. و أرض موبسة: أيبسها اللّه.

و الشعر اليابس: أردؤه و لا يرى فيه سحج (قشر وحكّ) و لا دهن. وجه يابس: قليل الخير. و إيبس: اسكت.

227

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو الجفاف فى مورد الرطوبة و الندوّة، مادّيّا أو معنويّا. و الجفاف يستعمل فى الموضوعات المادّيّة، و على هذا يكون اليبس فيه شديدا، و لا نظر فيه الى الحالة السابقة من كونها مرطوبة أم لا.

و أمّا النضب: فهو الغور و انقضاء الماء بنزح أو غيره. و النشف: هو الحالة الحاصلة بعد انقضاء النضب، أى ولوج الماء فى داخل شى‌ء بالتدريج حتّى يحصل اليبس فيه.

فاليبس المعنوىّ: كما فى قولهم- وجه يابس و يد يابس، بمعنى ظاهر صلب، و يد لا خير فيه أو قليل الخير و العطاء.

و اليبس المادّىّ: كما فى:

. أَفْتِنٰا فِي سَبْعِ بَقَرٰاتٍ .... وَ سَبْعَ سُنْبُلٰاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يٰابِسٰاتٍ*- 12/ 46. أَنْ أَسْرِ بِعِبٰادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً- 20/ 77 فالسنبلات اليابسة كانت فى الأصل رطبة خضرة، كما أنّ الطريق اليابس فى محيط البحر كان فى الأصل مرطوبا، بل من قطعات البحر، ثمّ صار بضرب العصا و باذن اللّه العزيز، طريقا يبسا.

و اليبس كالحسن و اليبيس كالشريف و اليبس كالخشن و اليبوس كالذلول: صفات مشبهة و تدلّ على ثبوت الاتّصاف، كما أنّ اليابس يدلّ على حدوث الاتّصاف.

و قد عبّر فى السنبل اليابس بصيغة الفاعل، و فى الطريق اليبس بصيغة الصفة المشبهة: إشارة الى أنّ الرطوبة و الخضارة فى السنبل يتوجّه اليها و هى المقصودة المنظورة فى جفافه. بخلاف طريق البحر إذا ظهر يبسا بارادة اللّه المتعال، فكأنّه قد تكوّن من ابتداء ظهوره و تكوّنه بالأمر بصفة اليبس، و هو غير مسبوق بالرطوبة و الندوّة، بل وجد تكوينا على هذه الصفة، و إن كان فى ظاهر‌

228

الأمر كونه مسبوقا على البحريّة.

و فى صيغة فعل بفتحتين: إشارة الى هذا التكوّن الحادث الجديد، و هو كالطريق الطبيعىّ، فانّ الفتحة حركة فيها انفراج و انفتاح طبعا، و هى أخفّ الحركات، لا تميل الى سفل و لا انضمام فيها.

. وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ .... وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ- 6/ 59 المفاتح جمع المفتح و هو اسم آلة، بمعنى ما يتوسّل و يتوصّل به الى الفتوحات الغيبيّة، و به تفتح أبواب الغيب المغلقة، فانّ أبواب العلوم الغيبيّة مغلقة لأهل عوالم المادّة، بل أبواب علوم كلّ مرتبة عالية مغلقة فى قبال أهل المرتبة السافلة.

فالغيب فى مقابل الشهود و الحضور، و كلّ مرتبة من الموجودات لها حضور و غيب بمناسبة دائرة وجوده، و محدوديّة قواه، وسعة نور بصيرته، و قوّة شهوده، و اقتضاء مقامه.

و المراد من المفاتح الّتى عنده: هى الصفات الثبوتيّة المتجلّية من الحياة غير المحدودة بحدّ و غير المتناهية بنهاية، و هى العلم و القدرة و الارادة و الأزليّة و الأبديّة، و هذه الصفات هى مفاتح الغيب الّتى بها ينفتح أبواب العلم بالغيب و الشهود و الإحاطة به.

و جملة:

. وَ يَعْلَمُ مٰا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ.

إشارة الى إحاطة علمه بالعوالم المادّيّة المحسوسة أيضا. و قوله تعالى:

. وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ.

إشارة الى إحاطة علمه بالجزئيّات.

و السقوط: نزول شى‌ء دفعة و بلا اختيار. و الورق: ما يتفرّع و يتبسّط من شى‌ء لغرض مقصود. و أشار فى التمثيل بسقوط الورقة: فانّ الورقة فى حال‌

229

السقوط و النزول القهرىّ و بزوال الطراوة و الخضارة عنها: من أخفى الأشياء، و لا يليق أن يتوجّه اليها، و قد يعبّر عن أردء الأمتعة بالسقط، و الساقطة: اللئيم الدنى‌ء.

. وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ.

عطف على الورقة، حتّى يدلّ على أمرين: الأوّل على كون الحبّة فى سقوطها، فانّ السقوط مطلق النزول الدفعىّ أىّ شى‌ء كان و من أىّ محلّ و مقام، كنزول الكسفة من السماء، و سقوط البشر عن مقام السعة و الرحمة، و سقوط الرطب عن النخلة.

و الثانى- على وقوع النكرة فى مقام النفى، المشعر بالعموم. مضافا الى أنّ الحبّة أخفى و أضعف و أحقر من الورقة المتبسّطة، و لا سيّما إذا كانت فى محيط ظلمانىّ من الأرض.

. وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ.

هذا أيضا نفى نكرة فى سياق النفى، و هذان الموضوعان يعمّان كلّ ما يكون ساقطا فى عالم المادّة و الحسّ من صغير أو كبير، جمادا كان أو نباتا أو حيوانا.

و ضبطها فى الكتاب أدقّ و أثبت و أحفظ من إحاطة العلم. فالحبّة و كلّ رطب و يابس: و إن كانت فى غاية الخفاء و الحقارة، فانّها مضبوطة فى صفحة علمه تعالى و محفوظة عنده عزّ و جلّ.

و أمّا تقديم الرطب: فانّ الماء و الرطوبة أصل، كما قال تعالى:

. وَ جَعَلْنٰا مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَيٍّ أَ فَلٰا يُؤْمِنُونَ- 21/ 30‌

يُتْم

مقا- اليتم فى الناس من قبل الأب، و فى سائر الحيوان من جهة الامّ.

و يقولون لكلّ منفرد يتيم، حتّى قالوا: بيت من الشعر يتيم.

230

مصبا- يتم ييتم من بابى تعب و قرب يتما بضمّ الياء و فتحها. لكنّ اليتم فى الناس من قبل الأب، فيقال صغير يتيم، و الجمع أيتام و يتامى و صغيرة يتيمة، جمعها يتامى. و فى غير الناس من قبل الأمّ. و أيتمت المرأة إيتاما فهى مؤتم:

صار أولادها يتامى. فان مات الأبوان فالصغير لطيم. و إن ماتت امّه فقط فهو عجىّ. و درّة يتيمة أى لا نظير لها. و من هنا اطلق اليتيم على كلّ فرد يعزّ نظيره.

لسا- اليتم: الانفراد، عن يعقوب (ابن السكّيت). و اليتيم: الفرد. و اليتم و اليتم: فقدان الأب. و لا يقال لمن فقد الامّ من الناس يتيم، و لكن منقطع، قال ابن خالويه: ينبغى أن يكون اليتم فى الطير من قبل الأب و الامّ، لأنّهما كليهما يزقّان (إطعام بالمنقار) فراخها. الليث: اليتيم الّذى مات أبوه فهو يتيم حتّى يبلغ، فاذا بلغ زال عنه اسم اليتم. و أصل اليتم بالضمّ و الفتح: الانفراد. و قيل الغفلة.

و الانثى يتيمة. الأصمعىّ: اليتيم: الرملة المنفردة، و كلّ منفرد و منفردة عند العرب:

يتيم و يتيمة.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو انقطاع عمّا يتعلّق به و انفراد فى ضعف.

و من أهمّ مصاديق الأصل: اليتم بفقدان الأب المربّى المدبّر المدير لمعيشته و اموره، ثمّ الامّ إذا كانت فى موقعيّة الأب موثّرا فى إدارة اموره، ثمّ فقدان المعلّم المربّى، و فقدان من كان مؤثّرا و مفيدا فى معيشته و حياته.

و بهذا اللحاظ يطلق فى الحيوان على الامّ، حيث إنّ المدبّر و الفعّال فى امور حياة الحيوان هو الأمّ فى الأغلب.

ثمّ يطلق على كلّ فرد منفرد فى نفسه و منقطع عن أقرانه فى اعتلاء أو تسفّل، كما فى الدرّة المتفوّقة الغالية، فهى يتيمة.

. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلٰا تَقْهَرْ- 93/ 3. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً

231

- 4/ 10. كَلّٰا بَلْ لٰا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَ لٰا تَحَاضُّونَ عَلىٰ طَعٰامِ الْمِسْكِينِ- 89/ 17. أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ- 107/ 2. أَوْ إِطْعٰامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذٰا مَقْرَبَةٍ- 90/ 15 فهذه الآيات الكريمة تدلّ على انقطاع و انفراد فى اليتيم، فيحتاج الى إعانة و تقوية و عطوفة و إطعام و إكرام، حتّى ينجبر بهذه الامور ضعفه و تفردّه و انقطاعه.

فانّ مجرّد فقدان الأب لا يقتضى استحقاق إكرام أو إطعام. و أيضا إنّ قيد الانتهاء الى البلوغ: يؤيّد الأصل فى المادّة، كما قال تعالى:

. وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ*- 6/ 152 و إن كان الظاهر كون القيد متعلّقا بالحكم و هو النهى عن القرب بمال اليتيم، لا بالموضوع و هو اليتيم.

يثرب

راجع مادّة ثرب.

و فى التهذيب 10/ 78- لا تثريب عليكم. قال الزجّاج: لا إفساد عليكم.

و قيل لا تعداد للذنوب عليكم و لا توبيخ. ثرّب فلان على فلان، إذا بكّته و عدّد عليه ذنوبه. يقال: ثرب و ثرّب و أثرب، إذا وبّخ. و روى عن النبىّ (ص): إنّه نهى أن يقال للمدينة يثرب، و سمّاها طيبة. كأنّه كره ذكر الثرب.

معجم البلدان- مدينة يثرب: قال المنجّمون: طول المدينة من جهة المغرب ستّون درجة و نصف. و عرضها عشرون. فهى فى مقدار نصف مكّة، و لها نخيل كثيرة و مياه، و نخيلهم و زروعهم تسقى من الآبار عليها العبيد، و للمدينة سور و المسجد فى نحو وسطها، و قبر النبىّ (ص) فى شرقىّ المسجد، و هو بيت مرتفع‌

232

ليس بينه و بين سقف المسجد إلّا فرجة، و هو مسدود لا باب له. و بقيع الغرقد خارج المدينة من شرقيّها. و احد جبل فى شمال المدينة. و أمّا المسافات: فانّ من المدينة الى مكّة نحو عشرين مرحلة. و من الكوفة الى المدينة نحو عشرين مرحلة.

و مثله من الرقّة و من دمشق و من فلسطين.

معرفة القبلة للبُغايرى- المدينة الطيّبة: فى طول 39 درجة و 59 دقيقة.

و فى عرض 24 درجة و 57 دقيقة.

و التحقيق

أنّ بلدة المدينة المنورّة أوّل بلدة شريفة مكرّمة بعد مكّة المطهرّة المحرّمة، فانّ الاسلام نشأ و انتشر منها، و فيها قبر رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و قبور الأئمّة الأربعة الطاهرة، و قبر بنت رسول اللّه سيّدة نساء العالمين، و قبور أرحام النبىّ (ص) و أزواجه و أصحابه (عليهم السلام).

و سبق فى ثرب: أنّ يثرب اسم رجل من العمالقة و هو الّذى بنى هذه المدينة فسمّيت باسمه، و هو فى الأصل فعل بمعنى يوبّخ، و الظاهر أنّ منشأ هذه التسمية هو الباعث فى نهى النبىّ (ص) عن هذا الاسم.

و أمّا طول البلد و عرضه: فقريبة ممّا فى معرفة القبلة.

يقول فى قاموس الأعلام للسامى بالتركيّة: مدينة الرسول المسمّاة بيثرب واقعة فى شمالىّ مكّة فى 340 كيلومترا، طولها الشرقىّ فى 3/ 37. و عرضها الشمالىّ فى 20/ 25.

و أمّا المرحلة بين المدينة و مكّة: فكلّ مرحلة عبارة عن مسير فى يوم، و المعمول فى الأغلب كونه أربعة أو ما يقاربها، فراسخ، فينطبق مقدار عشرين مرحلة: على ثمانين فرسخا تقريبا.

و فى الخريطة الرسميّة من المملكة السعوديّة: أنّ المسافة فيما بين مكّة و المدينة تعادل 460 كيلومترا.

233

. وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنٰافِقُونَ .... وَ إِذْ قٰالَتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ يٰا أَهْلَ يَثْرِبَ لٰا مُقٰامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ- 33/ 13 الآيات الكريمة نازلة فى جريان غزوة الخندق و بنى قريظة، و هذا الجريان يسمّى بغزوة الأحزاب أيضا، و هو واقع فى سنة خمس هجرىّ.

و فى التعبير بكلمة أهل يثرب: إشارة الى وقوعهم فى مورد التعبير و التوبيخ من جانب المنافقين.

إمتاع الأسماع 215- ثمّ كانت غزوة الخندق، و تسمّى الأحزاب، و هى الغزاة الّتى ابتلى اللّه سبحانه فيها عباده المؤمنين و زلزلهم، و ثبّت الايمان فى قلوب أوليائه، و أظهر ما كان يبطنه أهل النفاق و فضحهم و قرّعهم، ثمّ أنزل نصره و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده و أعزّ جنده و ردّ الكفرة بغيظهم.

و كان من خبرها: أنّ رسول اللّه (ص) عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذى القعدة سنة خمس.

يأجوج

العين 6/ 198- أجّ: أجّت النار تؤجّ أجيجا، و أجّجتها تأجيجا. و ائتجّ الحرّ: اشتدّت أجّة الصيف. و الاجاج: الماء المرّ الملح، قال تعالى:

. وَ هٰذٰا مِلْحٌ أُجٰاجٌ*- 25/ 53 و هو الشديد الملوحة و المرارة، مثل ماء البحر. و يأجوج و مأجوج، يقرأ بالهمزة و بغير الهمز، و من لم يهمز قال: هو مأخوذ من يجّ و مجّ، على بناء فاعول.

فرهنگ تطبيقى- (ماجوج) سرزمين يأجوج- عبرى.

فرهنگ تطبيقى- (ماجوج، جوج)- سريانى، در قصّۀ سريانى سكندر.

234

و التحقيق

أنّ هذه اللغة كما سبق فى مأجوج، مأخوذة من اللغة العبريّة، و لا يبعد الاشتقاق و التناسب بينها و بين مادّة أجّ بمعنى شدّة التوقّد، لشدّة خشونة و صلابة فيهم.

و كانوا ساكنين فى الشمال الشرقىّ من الصين فيما وراء السدّ، و لهم جمعيّة كثيرة من أهل الطغيان و العدوان.

. قٰالُوا يٰا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ- 18/ 94. حَتّٰى إِذٰا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ- 21/ 96 راجع مأجوج، و قد مرّ البحث عنهم و عن ذى القرنين و السدّ.

يد

مقا- يد: أصل بناء اليد للانسان و غيره، و يستعار فى المنّة، فيقال: له عليه يد، و يجمع على الأيادى و اليدىّ. و اليد: القوّة، و يجمع على الأيدى. و تصغير اليد يديّه.

و جمع ناس يد الانسان على الأيادى. و يديت على الرجل: مننت عليه. و يديته: ضربت يده.

مصبا- اليد: مؤنّثة، و هى من المنكب الى أطراف الأصابع، و لامها محذوفة و هى ياء، و الأصل يدى، قيل بفتح الدال و قيل بسكونها. و اليد: النعمة و الاحسان، تسمية بذلك لأنّها تتناول الأمر غالبا، و جمع القلّة أيد، و الكثرة الأيادى و اليدىّ. و يده عليه أى سلطانه، و الأمر بيد فلان أى فى تصرّفه. و قوله تعالى:

. حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ- 9/ 29 أى عن قدرة عليهم. و أعطى بيده إذا انقاد و استسلم. و قيل معنى الآية من‌

235

هذا. و الدار فى يد فلان، أى فى ملكه. و القوم يد على غيرهم، أى مجتمعون متّفقون. و بعته يدا بيد، أى حاضرا بحاضر، و التقدير فى حال كونه مادّا يده بالعوض و فى حال كونى مادّا يدى بالمعوّض.

العين 8/ 101- يدى: اليد معروفة. و يد النعمة هى السابغة، و هذه الضيعة فى يد فلان، أى فى ملكه، و لا يقولون: فى أيدى فلان، و لكن يقولون: بين يدى، لكلّ شى‌ء، و كقولهم: يثور الرهج بين يدى المطر، و قال تعالى:

. بَيْنَ يَدَيْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ.

و ذهب القوم أيدى سبا، و أيادى سبا، أى متفرّقين فى كلّ وجه، و كذلك الريح و غيره. و النسبة الى اليد يدىّ على النقصان، و الى الأب أبوىّ، لأنّهم يقولون: يدان فلا تظهر الياء، و يقولون: أبوان باظهار الواو. و يقولون: هم يد واحد على من سواهم، إذا كان أمرهم واحدا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو القوّة المجرية، سواء كان الإجراء فى خير أو شرّ، و سواء كانت مادّيّة أو معنويّة.

و من مصاديقه فى الامور الخيريّة: كما فى:

. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ- 2/ 237. وَ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرٰاةِ- 5/ 46 و فى الامور المربوطة بالشرّ و الفساد: كما فى:

. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مٰا أَنَا بِبٰاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ- 5/ 28. فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ- 2/ 79. أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ- 5/ 33 و فى موارد ينتسب الى اللّه عزّ و جلّ: كما فى:

. قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ- 3/ 73‌

236

. بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ- 3/ 26. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ- 23/ 88. وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيٰاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ- 25/ 48 و فيما وراء المادّة من الروحانيّين: كما فى:

. فَلَمّٰا رَأىٰ أَيْدِيَهُمْ لٰا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ- 11/ 70. وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ الظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلٰائِكَةُ بٰاسِطُوا أَيْدِيهِمْ- 6/ 93 و المعنى الجامع بين هذه الموارد: هو مظهر القوّة المجرية، و هذا المعنى تختلف خصوصيّاته باختلاف الموضوعات و باقتضاء الموارد و تناسبها، ففى مقام الربّ تعالى: بظهور الإرادة و القدرة فى أمر، بحيث يكون ذلك الأمر تحت إرادته و قدرته و سلطانه.

و فى مقام الروحانيّين ممّا وراء عالم المادّة: بظهور قوّة و قدرة مخصوصة لهم باقتضاء ذواتهم و وظائفهم المعيّنة لكلّ منهم.

و فى مرتبة الحيوان و الانسان: باظهار قدرة و قوّة و عمل بواسطة اليد منهم و شبهها، و اليد فيهم مظهر القوّة و القدرة.

و فى ذلك المورد لا تختصّ اليد بموارد الخير، بل تستعمل فيها و فى مورد الشرّ و الضرر. و هكذا فى موارد المعنويّات و الروحانيّات.

و بغفلة عن هذه الحقيقة، قال قوم باثبات اليد الجسمانيّة للّه تعالى سبحانه، و قال قوم بما يلازم الجسمانيّة و المحدوديّة، كما فى قول اليهود:

. وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ- 5/ 64 قلنا إنّ اليد من اللّه عزّ و جلّ: ظهور الارادة و القدرة، و جريان صفة القدرة تحت برنامج الارادة، و هذا معنى قوله تعالى:

. يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ.

237

فانّ الاختيار من لوازم القدرة، و إلّا يكون العامل مضطرّا و مجبورا.

و الإرادة كما سبق فى الرود: عبارة عن انتفاء مطلق الحدّ عن وجوده تعالى، فانّ انتفاء الحدّ المطلق عبارة اخرى عن انتفاء الكراهة و الجبر، فاذا انتفى الحدّ و الكراهة: يثبت الطلب و الارادة و الاختيار، أى اختيار ما هو الأصلح و طلب ما هو الخير و الصلاح.

فظهر أنّ المغلوليّة فى مقام إجراء القدرة و اختيار ما هو الخير: يلازم المحدوديّة و الجبر و الكراهة. و هذا المعنى منتف عن مقام الالوهيّة.

. إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ- 48/ 10 فانّ الرسالة الحقّة الخالصة إنّما تتحقّق بالفناء الكامل و انقطاع التوجّه و الانصراف التامّ عن النفس، بحيث لا يرى نفسه و لا يعمل لنفسه، و لا يتكلّم إلّا بما قد أمر به، و هو المأمور بابلاغ ما كلّف به.

فالرسول فى الحقيقة نازل منزلة المرسل و واقع فى مقامه، و لا يرى فيه قولا و عملا إلّا ما يريد المرسل و يختاره، فالموافقة و المبايعة و التسليم للرسول:

تسليم و مبايعة لمرسله.

و لازم أن يتوجّه كلّ أحد بأنّ يد اللّه فوق الأيدى، فانّ القدرة و الإرادة الجارية المتجلّية من اللّه عزّ و جلّ حاكمة و نافذة و قاهرة على أىّ قوة و قدرة ظاهرة من العبيد.

فلازم للعبيد أن يطيعوا اللّه و يبايعوه و يسلّموا اليه، و يبايعوا رسوله و يطيعوه، و لا يركنوا الى ما لهم من القوّة و القدرة الصوريّة.

و بهذا الأصل فى المادّة يعلم أنّ اليد من جهة المصداق الحقيقىّ: هو مجموع الجارحة من ابتداء الأصابع الى المنكب، و هذا هو المتبادر عند الاطلاق ما لم توجد قرينة تدلّ على مقدار معيّن منه.

و يدلّ على هذا الاطلاق: أنّ مجموع هذا العضو هو مظهر القوّة و القدرة،

238

لا مقدار محدود منه، و هذه الجارحة تتحرّك عند العمل، و تظهر القوّة و إجراء الفعل بمجموع هذا العضو.

و هذا المعنى يستكشف من الآيات:

. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مٰا أَنَا بِبٰاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ- 5/ 28. مٰا قَدَّمَتْ يَدٰاهُ*- 18/ 57. وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ- 34/ 12. أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهٰا- 7/ 195. وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ- 48/ 24. يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ*- 2/ 255. إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ- 5/ 11 فانّ بسط اليد و بطشها و فعّاليّتها و كفّها و مفهوم ما بين اليدين: إنّما تكون هذه الامور بعنوان الجارحة و مجموع اليد لا بجزء منها.

و إذا اريد منها جزء مخصوص محدود: فتذكر قرينة معيّنة: كما فى:

. وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضٰاءَ- 27/ 12. وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذٰا هِيَ بَيْضٰاءُ لِلنّٰاظِرِينَ*- 7/ 108. يَوْمَ يَعَضُّ الظّٰالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ- 25/ 27. إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ- 5/ 6. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ- 5/ 6. وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ- 9/ 67. وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا- 5/ 38. فَلَمّٰا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ- 12/ 31 و القرينة قد تكون حاليّة أو مقاميّة، و لا اختصاص لها بالمقاليّة.

و أمّا شهادة الأيدى و تكلّمها يوم القيامة: كما فى:

. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا

239

يَكْسِبُونَ- 36/ 65. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ- 24/ 24 قلنا فى الختم: إنّه ما يقابل الفتح و البدء، أى البلوغ الى الآخر و النهاية و هو الاكمال و التتميم للشى‌ء. و الشهود: علم بحضور عند المعلوم و معاينة المعلوم و الإحاطة به. و التكليم: إبراز الكلام فى مقابل المخاطب، و إبراز الكلام و إظهاره و تبيينه يختلف باختلاف العوالم و مقامات المتكلّم و المخاطب و باقتضاء مراتب الفهم و الألسنة و اللغات، بكلام لفظىّ أو معنوىّ أو القاء روحانىّ. و اليد قلنا إنّها عبارة عن مظهر للقوّة المجرية، و هذا فى كلّ موضوع بحسبه.

و لا يخفى أنّ هذا البدن المادّىّ آلة للعمل و وسيلة فى إجراء النيّة و المقصود، كسائر الآلات الظاهريّة و الوسائل المتداولة، و هو دائما فى تحوّل و تغيّر، من قوّة الى ضعف، و من صحّة الى مرض، و من صغر الى كبر، و من شباب إلى هرم و نزول و سقوط و تحليل قوى بدنيّة، الى أن ينتهى الى الفوت التامّ و الموت و ترك البدن و قواه بالكليّة.

و هذا هو المراد من قوله تعالى:

. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ.

فيبلغ الفمّ و كذلك ما يتعلّق به من اللسان و مخارج الفم و تموّج الهواء و غيرها، الى نهاية مسيره و كمال وجوده الخاصّ، فيختم جريان حياته.

فحينئذ يتبدّل بدنه المادّىّ الى بدن برزخىّ لطيف، فيكون هذا البدن البرزخىّ هو الآلة و المظهر لما فى السريرة و المجرى لما يقصده، و به يعمل و يتكلّم و يرى و يتحرّك بسرعة و لطف و دقّة، و هو ممّا وراء عالم المادّة و كذلك قواه و أعماله.

فالحاكم الأصيل و الوجود المستقلّ بنفسه: هو الروح الانسانىّ، و هو الباقى الثابت الأصيل الفعّال فى عالم الروح و الجبروت بنفسه، و فى عوالم المادّة و البرزخ بوسيلة البدن المادّىّ و البرزخىّ.

240

و كما أنّ اليد فى البدن المادّىّ آلة فى إجراء العمل و مظهر للقوّة الكامنة فى النفس: كذلك اليد البرزخىّ المناسب فى البدن البرزخىّ.

فيعلم أنّ بختم تلك الأفواه و الأيدى، يظهر بدن برزخيّ لطيف، و هو يستخدم أعضاءه و قواه بتناسب عالمه، و يظهر أنّ المتكلّم الأصيل هو الروح، و هو يتكلّم فى كلّ عالم بحسبه و باقتضاء خصوصيّات محيطه.

و لا يذهب عليك أنّ المراد من الأفواه و الأيدى و الأرجل: هذه الأعضاء المادّيّة الموجودة، فانّها مختومة عليها بالموت.

راجع مادّة شهد.

و أمّا مفاهيم المنّة و النعمة و الملك و الاحسان و التصرّف: فمن مصاديق الأصل باختلاف موارد إجراء القوّة.

و أمّا الأيد: فقد سبق أنّ الأصل فيه هو القوّة مع الحفظ، فبينها و بين مادّة اليد اشتقاق أكبر. و قد اختلطت المادّتان فى بعض كتب اللغة، لتقارب اللفظ و المعنى.

يس

مجمع البيان- قيل: يس معناه يا انسان، عن ابن عبّاس و أكثر المفسّرين.

و قيل معناه يا محمّد، عن سعيد بن جبير و محمّد بن الحنفيّه. و قيل معناه يا سيّد الأوّلين و الآخرين. و قيل: هو اسم النبىّ (ص)، عن علىّ (ع) و أبى جعفر (ع).

و التحقيق

أنّ الحروف المقطّعة فى أوائل السور من المتشابهات بالنسبة الينا، لأنّها من الرموز المكنونة لا يعلمها إلّا اللّه عزّ و جلّ و رسوله الّذى نزل عليه الكتاب.

و لا يبعد أن يكون لفظ يس، إشارة الى الرسول، فانّ الحرف الوسط من‌

241

الرسول هو السين، و قد سمّى النبىّ (ص) به بهذه المناسبة، مضافا الى أنّ حرف السين متساويا الزبر و البيّنة، فانّ الزبر و هو المكتوب من الحرف عدده ستّون، و البيّنة منه و هو الزائد فى التلفّظ (ين) أيضا عدده ستّون، فيتساوى الظاهر المكتوب منه، مع الباطن الملفوظ من جهة الزيادة فيه.

و هذا المعنى يناسب وجود النبىّ الأكرم المعتدل التامّ ظاهرا و باطنا.

و أيضا: إنّ السين هو الحرف الخامس عشر من دائرة ابجد العبريّة، و عدده بالأبجد ستّون، و ربع الستّون 15 يوافق مرتبة الحرف فى الدائرة، و هاتان الخصوصيّتان مخصوصتان بهذا الحرف.

ثمّ إنّ السورة المباركة تذكر فيها مباحث كثيرة و آيات شريفة متتالية فى رابطة الرسول و تابعيه و مخالفيه، فيقول تعالى:

. يس، وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ .... لِتُنْذِرَ قَوْماً مٰا أُنْذِرَ آبٰاؤُهُمْ .... وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحٰابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جٰاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنٰا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمٰا ... الآية.

و تذكر أيضا كلمات مبحوث عنها، و فيها السين أو الياء، كالسدّ، و السواء، و المسّ، و السرف، و السعى، و السؤال، و السمع، و السلخ، و غيرها. و كاليد، و يا للخطاب، و الياء للغيبة فى صيغ المضارع، و الآية، الويل، و اليوم، و غيرها.

يسر

مصبا- اليسار بالفتح: الجهة، و اليسرة بالفتح أيضا مثله. و قعد يمنة و يسرة و يمينا و يسارا و عن اليمين و عن اليسار و اليمنى و اليسرى و الميمنة و الميسرة، بمعنى. و ياسر: أخذ يسارا، فهو مياسر وزان قاتل فهو مقاتل، و الأمر منه ياسر، و ربّما قيل: تياسر فهو متياسر. و اليسار أيضا العضو و اليسرى مثله. قال ابن قتيبة:

اليمين و اليسار مفتوحتان، و العامّة تكسرهما. و اليسار بالفتح لا غير: الغنى و الثروة،

242

مذكّر، به سمّى. و أيسر: صار ذا يسار. و الميسرة بضمّ السين و فتحها، و الميسور، و اليسر بضمّ السين و سكونها: ضدّ العسر. و فى التنزيل:

. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً.

فطابق بينهما، و يسر الشى‌ء: قلّ، فهو يسير. و يسر الأمر ييسر يسرا من باب تعب، و يسر يسرا من باب قرب، فهو يسير: أى سهل، و يسّره اللّه فتيسّر و استيسر بمعنى. و الميسر: مثال مسجد، قمار العرب بالأزلام. يقال منه: يسر الرجل من باب وعد، فهو ياسر، و به سمّىّ.

مقا- يسر: أصلان يدلّ أحدهما على انفتاح شى‌ء و خفّته، و الآخر على عضو من الأعضاء. فالأوّل- اليسر: ضدّ العسر. و اليسرات: القوائم الخفاف، و يقال: فرس حسن التيسور، أى حسن نقل القوائم. و من الباب: يسّرت الغنم، إذا كثر لبنها و نسلها. و يقال: رجل يسر و يسر، أى حسن الانقياد. و اليسار: الغنى.

و من الباب: الأيسار: القوم يجتمعون على الميسر، واحدهم يسر. و الميسر: القمار.

و الكلمة الاخرى: اليسار لليد. يقال تياسروا، إذا أخذوا ذات اليسار، و ياسروا، هو أجود.

العين 7/ 295- يسر: يقال: إنّه ليسر: خفيف، و يسر: أى ليّن الانقياد، سريع المتابعة، يوصف به الانسان و الفرس. و اليسار: اليد اليسرى. و الياسر كاليامن، و الميسرة كالميمنة. و اليسر: اليسار، أى الغنى و السعة. و الأيسار: الّذين يجتمعون على الجزور فى الميسر، الواحد يسر.

تفسير الكشّاف آيه 2/ 219- و الميسر: القمار، مصدر من يسر كالموعد و المرجع، يقال: يسرته إذا قمرته، و اشتقاقه من اليسر، لأنّه أخذ مال الرجل بيسر و سهولة من غير كدّ و لا تعب، أو من اليسار، لأنّه سلب يساره. و كانت لهم عشرة أقداح و هى الأزلام و الأقلام و الفذّ و التوأم و الرقيب و غيرها، لكلّ واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها و يجزّءونها عشرة أجزاء، ثمّ يدخل اليد فيخرج باسم رجل رجل قدح منها، فيأخذ النصيب الموسوم له ذلك القدح.

243

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو سهولة فى سعة، و يقابلها العسر و هو كما سبق عبارة عن شدّة و صعوبة فى مضيقة.

و من آثار الأصل: الخفّة، الانفتاح، الغنى، الانقياد، اللينة، سرعة فى المتابعة، و حسن الجريان و السير، كلّ فى مورد.

و أمّا بمعنى العضو الياسر أو الجهة اليسار: فبمناسبة حصول تهيّؤ و مساهلة و سعة فى الأمر فى قبال جهة اليمين و اليد اليمنى.

و أمّا الميسر بمعنى القمار: فهو كما فى الكشّاف، بمناسبة سهولة و سعة فى جريان أخذ المال فى مدّة محدودة بدون تعب و مشقّة.

و يدلّ على الأصل تقابل اليسر و العسر فى القرآن المجيد: كما فى:

. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً- 94/ 5. سَيَجْعَلُ اللّٰهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً- 65/ 7. يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ- 2/ 185 و الكلمتان تطلقان على الامور الروحانيّة و المادّيّة، و يظهر من الآيات الكريمة: أنّ اللّه عزّ و جلّ لا يريد لعباده فى حياتهم مادّيّة أو روحانيّة، و فى جريان عيشهم إلّا يسرا و رخاءا و سعة، و لا يريد بهم عسرا و شدّة و مضيقة بحال.

هذا إذا لم يريدوا فى جريان معاشهم الدنيوىّ أو فى عيشهم الروحانىّ عسرا و مضيقة و ضلالا و عدوانا. و أمّا إذا اتّبعوا الهوى و الشيطان، و سلكوا فى طريق الغوى و الطغيان و أداموا فى الخلاف و العصيان: فانّ اللّه تعالى يقطع عنهم رأفته و لطفه و رحمته، كما قال:

. وَ أَمّٰا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنىٰ وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرىٰ- 92/ 10. أُولٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيراً- 33/ 19. وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰاناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ

244

يَسِيراً- 4/ 30 فانّ اللّه عزّ و جلّ يجازى من عادى اللّه و عادى رسوله و عادى خلقه الضعفاء، و أضاع حقوقهم و انقطع عنهم بالاستكبار و الظلم و الاستغناء، فمجازاتهم و أخذهم فى نهاية السهولة للّه تعالى، و هو فى سعة و انطلاق من القدرة.

ثمّ إنّه تعالى قد صرّح بتسهيلات وافية فى موارد مخصوصة بالنسبة الى عباده، لطفا منه و رحمة و فضلا، من جهة إتمام النعمة لهم:

1- تيسير القرآن حتّى يهتدوا بهداه و يسترشدوا بارشاده و يجدوا مطلوبهم من الحقّ و السعادة و الفلاح فى عيشهم دنيويّا و اخرويّا: كما فى:

. وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*- 54/ 17 2- تيسير القرآن من حيث هو و من جهة عذوبة الألفاظ و فصاحة الكلام و إحكام اللغات و رعاية الحقائق فى الألفاظ و المعانى و حسن الجريان فى مقام التكلّم و القراءة: كما فى:

. فَإِنَّمٰا يَسَّرْنٰاهُ بِلِسٰانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا- 19/ 97 3- تيسير السبيل الّذى يسلكه الانسان الى الوصول بسعادة و فلاح، و البلوغ الى كماله و روحانيّته، و ذلك التسهيل بتكوينه على نورانيّة بالعقل و القوى الروحانيّة، و بارسال أنبياء مبعوثين لهدايتهم، و بانزال كتب و أسفار سماويّة لإرشادهم، و بايجاد وسائل اخر تبيّن مصالحهم و مفاسدهم و خيرهم و ضررهم: كما فى:

. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ- 80/ 20 4- تيسير السلوك برفع الموانع و إيجاد المقتضيات فى المرتبة الثانية، لأهل التقوى و المجاهدة و الطاعة و الصدق: كما فى:

. فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اتَّقىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ- 92/ 7. وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً- 65/ 4. وَ أَمّٰا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَلَهُ جَزٰاءً الْحُسْنىٰ وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنٰا يُسْراً

245

- 18/ 88 5- تيسير و تسهيل فى التكاليف و الطاعات الدينيّة، لطفا منه و رحمة و عطوفة: كما فى:

. فَتٰابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ- 73/ 20. فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ- 2/ 196. وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ- 2/ 280 فنفى فى هذه الموارد العسر و الحرج، فيسقط التكليف عند مواجهته بالعسر و الشدّة، و يلاحظ اليسر و مقدار السهولة.

. وَ الذّٰارِيٰاتِ ذَرْواً فَالْحٰامِلٰاتِ وِقْراً فَالْجٰارِيٰاتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّمٰاتِ أَمْراً- 51/ 4 سبق فى قسم: أنّ المراد النفوس السالكين من الأولياء و الصالحين و الأنبياء و الملائكة المقرّبين الحاملين للمعارف الإلهيّة و الفيوضات الربّانيّة، ثمّ جريانهم و سيرهم فى نشرها و تقسيمها.

و هكذا تشمل الآية الكريمة موضوعات و سيّارات منيرة تحمل نورا و حرارة و تعطى فيوضات و بركات فى عوالمها.

و هذا اليسر و السهولة فى جريانها: بواسطة نظام تامّ و مقرّرات ثابتة و ضوابط معيّنة، و انقيادها لهذه المقرّرات التكوينيّة و التشريعيّة، و خضوعها فى قبال وظائفها المعيّنة فيما تيسّر لها، بوجود الشرائط و الوسائل و المقتضيّات اللازمة فى مواردها.

. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا- 2/ 219. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ- 5/ 90‌

246

سبق أنّ الخمر كلّ مسكر يغطّى العقل و القوى المدركة من أىّ مادّة تؤخذ. و النصب: كصعب كلّ ما ينصب علامة يتوجّه اليه و يكون مقصودا فى الجملة. و الزلم: القدح و هو السهم يستعمل فى القمار. و قلنا إنّ الميسر من اليسر مصدر ميمىّ كالموعد، أو اسم مكان بمعنى مورد اليسر و محلّ فيه اليسر.

و الميسر أتمّ وسيلة و أشدّ موضوع فى استحصال الفائدة و الغنيمة و الربح، فى زمان محدود قصير، بعمل سهل يسير تفريحىّ.

و هذه المنافع و إن كانت كثيرة فى بعض الموارد، إلّا أنّها تلازم مضرّة لطرف آخر بل و قد توجب خسارة تامّة و سقوطا كاملا فى حياته و فى حياة عائلته، مضافا الى فقدان الرضا و الوفاق بينهما، بل حصول عداوة و بغض و اختلاف شديد.

و هذه الحالة توجب انكدارا و ظلمة فى القلب، و تذهب بالمحبّة و الصفا و الخلوص و التوجّه الى الحقّ و الى اللّه المتعال و الى ذكره.

اليسع

المعارف 52- و كان اليسع تلميذ إلياس، فدعا له الياس، فنبّأه اللّه بعده، و أيّده بمثل روح إلياس.

تاريخ الطبرى 1/ 239- إلياس بن ياسين بن فنحاس بن العيزار بن هارون بن عمران. ثمّ إنّه أوى ليلة الى امرأة من بنى اسرائيل لها ابن يقال له أليسع بن اخطوب به ضرّ، فآوته و أخفت أمره، فدعا إلياس لابنها فعوفى من الضرّ الّذى كان به، و اتّبع أليسع إلياس فآمن به و صدّقه و لزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، و كان إلياس قد أسنّ و كبر، و كان أليسع غلاما شابّا.

البدء و التاريخ 3/ 100- أليسع بن اخطوب و كان تلميذ الياس فنبّأه اللّه بعده، و قد يقال: إنّ أليسع هو ذو الكفل، و قيل هو الخضر، و قيل هو ابن العجوز.

و فى كتاب أبى حذيفة: أنّ ذا الكفل هو أليسع بن اخطوب تلميذ إلياس، و ليس هو‌

247

أليسع الّذى ذكره اللّه فى القرآن.

فرهنگ تطبيقى- عبرى: (إليشاع) از أنبياء بنى اسرائيل.

فرهنگ تطبيقى- سريانى: إليشع. يونانى- إليسا، إليساى.

و التحقيق

أنّ هذه الكلمة عبريّة، و استعملت فى السريانيّة و اليونانيّة أيضا قريبة منها.

و قد سبق فى أليسع بحوث حولها و فى خصوصيّاتها فراجعه.

. وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ وَ إِلْيٰاسَ كُلٌّ مِنَ الصّٰالِحِينَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلًّا فَضَّلْنٰا عَلَى الْعٰالَمِينَ- 6/ 86. وَ اذْكُرْ إِسْمٰاعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ ذَا الْكِفْلِ وَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْيٰارِ- 38/ 48 قلنا فى إلياس: إنّ أمثال هذه الآيات الكريمة، لا تلاحظ فيها خصوصيّة زمانيّة من جهة التقدّم و التأخّر فى التعبير، و الأغلب فى تلك الموارد: النظر الى اشتراكهم فى خصوصيّة مذكورة فى الآية.

ففى الآية الاولى: يستفاد منها أنّ أليسع النبىّ فى رديف إسماعيل و يونس و لوط فى خصوصيّة فضيلتهم على العالمين. و فى الآية الثانية: يستفاد منها أنّ أليسع فى رديف إسماعيل و ذى الكفل فى جهة كونهم من الأخيار. فهو من الأنبياء المفضّلين على العالمين و من الأخيار. و لا يخفى أنّ كلمة أليسع معرّب إليشاع، و الهمزة فى أولها قد شبهّت بهمزة الوصل فى أل التعريف، ففتحت الهمزة و حذفت فى الوصل.

ثمّ إنّه عاش فى القرن السابع قبل الميلاد تقريبا.

248

يوسف

قاموس الكتاب المقدّس- يوسف: سيزيد. أوّل مولود من راحيل، و كان يعتقد بأنّ اللّه تعالى سيهب له ولدا آخر، و على هذا سمّاه بيوسف. و توفّى فى سنّ 110، و حنّط جسده فى مصر و طلّى بالأطلية الدافعة للهواء و الماء، و نقل على حسب وصيّته الى كنعان، الى أن دفنوه بجنب أجداده.

المعارف 41- و كان بين دخول يوسف مصر الى أن دخلها موسى بن عمران اربعمائة سنة، و عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثا و عشرين سنة. و فى التوراة: إنّه عاش مائة و عشر سنين. و ولد ليوسف إبنان: إفرائم و هو جدّ يوشع بن نون بن إفرائم. و الآخر ميشا. فولد لميشا ابن يقال له موسى، فتنبّأ قبل موسى بن عمران، و زعم أهل التوراة إنّه هو الّذى طلب الخضر.

المروج 1/ 27- و كان أحبّ ولد يعقوب اليه يوسف، فحسده إخوته على ذلك، و قبض اللّه يوسف بمصر و له مائة و عشرون سنة و جعل فى تابوت من الرخام و سدّ بالرصاص و طلّى بالأطلية الدافعة للهواء و الماء، و طرح فى نيل مصر نحو مدينة منف و هناك مسجده. و قيل إنّ يوسف أوصى أن يحمل فيدفن عند قبر ابيه يعقوب فى مسجد إبراهيم (عليه السلام).

تاريخ ابن الوردى 1/ 16- و ولد ليعقوب يوسف و ليعقوب إحدى و تسعون سنة، و فارقه و عمره ثمانى عشر سنة، و افترقا إحدى و عشرين سنة، و اجتمعا بمصر و عمر يعقوب مائة و ثلاثون سنة، و بقيا مجتمعين سبع عشر سنة، فعمر يوسف لمّا توفّى يعقوب ستّ و خمسون سنة، و عاش يوسف مائة و عشر سنين، فمولد يوسف لمضىّ مائتين و إحدى و خمسين من مولد ابراهيم، و وفاته لمضىّ ثلثمائة و إحدى و ستّين من مولد ابراهيم، و تكون وفاة يوسف قبل مولد موسى بأربع سنين محقّقا.

و توفّى بمصر و دفن بها، حتّى كان من موسى و فرعون ما كان، فلمّا سار موسى ببنى إسرائيل الى التيه: نبش يوسف و حمله معه الى التيه، حتّى مات موسى، فلمّا‌

249

قدم يوشع ببنى إسرائيل الى الشام دفنه بالقرب من نابلس، و قيل عند الخليل.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- يوسف، يهوسف كسيكه مى‌افزايد.

فرهنگ تطبيقى- سريانى- ياوسف كسيكه مى‌افزايد.

و التحقيق

أنّ القرآن الكريم ينطق بالصراحة بموضوعات مهمّة و مسائل دقيقة فى حياة يوسف النبىّ العزيز الطاهر، لئلّا يشتبه على أحد ما ابهم من مجارى اموره و حياته، و نحن نشير إجمالا الى كليّات منها ليعتبر المعتبر و يتّعظ بها المؤمن المستفيد.

1- إنّه ابن يعقوب النبىّ ابن اسحق النبىّ ابن ابراهيم خليل اللّه، و امّه راحيل اخت ليّا زوجة يعقوب قبل راحيل، و أخوه من راحيل بنيامين، و يوسف أحبّ اولاد يعقوب له، و إنّهم كانوا اثنى عشر إخوة و هم آباء الأسباط الاثنى عشر من بنى اسرائيل يعقوب:

. إِذْ قٰالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يٰا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً- 12/ 4 2- إنّ اللّه تعالى إجتبيه و أتمّ نعمته عليه، و علّمه من تأويل الأحاديث، و من الحقائق و المعارف الّتى هى بواطن العلوم، و اليها تأويل الظواهر من العلوم و الأحاديث المتداولة بين الناس:

. وَ كَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحٰادِيثِ- 12/ 6 3- إنّه من الأنبياء المكرّمين، و كان عاملا بما يؤمر به، و داعيا الى اللّه عزّ و جلّ و الى توحيده و عبادته، و لعلّه من زمان دخل السجن، فكان متوجّها الى اللّه تعالى و متوكّلا عليه و مفوّضا اليه، و داعيا اليه بمقدار إمكانه و عند الاقتضاء قولا و عملا:

. وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمٰا أَتَمَّهٰا عَلىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ- 12/ 6‌

250

. وَ لَمّٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنٰاهُ حُكْماً وَ عِلْماً- 12/ 22. وَ تِلْكَ حُجَّتُنٰا آتَيْنٰاهٰا إِبْرٰاهِيمَ .... وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ وَ كَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ- 6/ 84. وَ لَقَدْ جٰاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنٰاتِ فَمٰا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّٰا جٰاءَكُمْ بِهِ حَتّٰى إِذٰا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللّٰهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا- 40/ 34 و لا يخفى أنّ تعليم التأويل، و إتمام النعمة كما أتمّها على ابراهيم و اسحق، و إيتاء الحكم القاطع و العلم الحقّ من اللّه، و إيتاء الحجّة القاطعة فى قبال المخالفين كما اوتى ابراهيم، و ذكره فى عداد من جزاه اللّه من الأنبياء المحسنين، و إيتاء البيّنات و اعتراف الناس برسالته و التأسّف من رحلته و اليأس عن بعث رسول مثله: تصريح كامل فى نبوّته و رسالته.

4- و من كلماته المذكورة فى كتاب اللّه عزّ و جلّ، فى أعلى مقامات المعارف و الحكم الإلهيّة:

. قٰالَ مَعٰاذَ اللّٰهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوٰايَ إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الظّٰالِمُونَ- 12/ 23. قٰالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلّٰا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجٰاهِلِينَ- 12/ 33. وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبٰائِي إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ مٰا كٰانَ لَنٰا أَنْ نُشْرِكَ بِاللّٰهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ذٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ عَلَيْنٰا وَ عَلَى النّٰاسِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لٰا يَشْكُرُونَ يٰا صٰاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبٰابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّٰا أَسْمٰاءً سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ- 12/ 38. إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللّٰهَ لٰا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ- 12/ 90. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمٰا يَشٰاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ- 12/ 100. فٰاطِرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصّٰالِحِينَ- 12/ 101‌

251

و توضيح هذه الكلمات الشريفة و تحقيقها يحتاج الى بسط المقال فى كتاب وسيع مشروح.

5- صبره و استقامته فى اللّه تعالى و فى العمل بوظائفه الإلهيّة، و تحمّله على أىّ أذى قولا و عملا، بحيث لا يرى منه اضطراب و أقلّ تزلزل و وحشة و انحراف عن الحقّ:

. وَ جٰاؤُ عَلىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ- 12/ 18. فَأَدْلىٰ دَلْوَهُ قٰالَ يٰا بُشْرىٰ هٰذٰا غُلٰامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضٰاعَةً- 12/ 19. وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ- 12/ 20. وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوٰابَ وَ قٰالَتْ هَيْتَ لَكَ- 12/ 23. ثُمَّ بَدٰا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا رَأَوُا الْآيٰاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّٰى حِينٍ- 12/ 35 فلم ترو فى هذه الموارد الصعبة، و فى قبال هذه الابتلاءات و الشدائد، كلمة تدلّ على اضطراب و تزلزل فى باطنه.

نعم إنّه كان على فطرة طاهرة و استعداد عال و صدر منشرح و قلب معصوم و نيّة خالصة، خلق على ذاتيّات روحانيّة، و اصطفاه اللّه من خلقه لمقام النبوّة، و هذا معنى قوله عزّ و جلّ:

. كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشٰاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا الْمُخْلَصِينَ- 12/ 24 و جريان امور يوسف (عليه السلام) مذكور فى التكوين من أصحاح السابع و الثلاثين- فراجعه. و فى التكوين العبرىّ عبّر عنه بكلمة- يوسف.

و يذكر فى ذيل كلمة يعقوب: ما يتعلّق به.

يعقوب

التكوين 28- فدعا اسحق يعقوب و باركه و أوصاه و قال له: لا تأخذ زوجة‌

252

من بنات كنعان، قم اذهب الى فدّان أرام الى بيت بتوئيل أبى امّك و خذ زوجة من هناك من بنات لابان أخى امّك، و اللّه القدير يباركك و يجعلك مثمرا و يكثّرك، فتكون جمهورا من الشعوب و يعطيك بركة إبراهيم لك و لنسلك معك، لترث أرض غربتك.

و فى 29- ثمّ قال لابان ليعقوب أخبرنى ما اجرتك؟ و كان للابان ابنتان اسم الكبرى ليئة، و اسم الصغرى راحيل، و كانت عينا ليئة ضعيفتين. و أمّا راحيل فكانت حسنة الصورة و حسنة المنظر، و أحبّ يعقوب راحيل، فقال: أخدمك سبع سنين براحيل ابنتك الصغرى.

و فى 30- و ذكر اللّه راحيل و سمع لها اللّه و فتح رحمها، فحبلت و ولدت إبنا، فقالت قد نزع اللّه عارى، و دعت اسمه يوسف قائلة: يزيدنى الربّ ابنا آخر.

و فى 35- و كان بنو يعقوب اثنى عشر: بنو ليئة: رأوبين و شمعون و لاوى و يهوذا و يسّاكر و زبولون. و ابنا راحيل: يوسف و بنيامين. و ابنا بلهة جارية راحيل:

دان و نفتالي. و إبنا زلفة جارية ليئة: جاد و أشير.

و فى 25/ 24- فلمّا كملت أيّامها (رفقة زوجة اسحق بنت بتوئيل و اخت لابان) لتلد، إذا فى بطنها توأمان: فخرج الأوّل أحمر كلّه كفروة شعر فدعوا اسمه عيسو، و بعد ذلك خرج أخوه و يده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب، و كان اسحق ابن ستّين سنة.

المعارف 39- و يعقوب هو اسرائيل الّذى ولد الأسباط كلّهم. و كان اسحاق أمره أن لا ينكح إمرأة من الكنعانيّين، و أن ينكح إمرأة من بنات خاله لابان، و كان الناس يومئذ يزوّجون و يجمعون بين الاختين الى أن بعث اللّه موسى.

ثمّ فارق يعقوب خاله، و عاد حتّى نازل أخاه عيصو، و عاش فى أرض مصر سبع عشرة سنة، و كان عمره مائة و سبعا و أربعين سنة، و دفن عند قبر إبراهيم (صلوات اللّه عليهما).

253

و التحقيق

أنّ الكلمة مأخوذة من مادّة العقب عبريّا و عربيّا، و هو إبن إسحق بن إبراهيم الخليل، و هو ملقّب باسرائيل، و سبق فى ذيل هذه المادّة اجمال ما يتعلّق به فراجعه.

و نذكر إجمالا كلّيّات ممّا ورد فى القرآن الكريم فى حقّه:

1- مقام نبوّته: فقال تعالى:

. وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ جَعَلْنٰا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَ الْكِتٰابَ- 29/ 27. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ مٰا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنٰا نَبِيًّا- 19/ 49 2- نزول الوحى اليه: قال تعالى:

. وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ وَ عِيسىٰ وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ- 4/ 163. وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ نٰافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنٰا صٰالِحِينَ وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرٰاتِ- 21/ 72 3- نزول الأحكام و الدين اليه: قال تعالى:

. قُولُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْنٰا وَ مٰا أُنْزِلَ إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبٰاطِ وَ مٰا أُوتِيَ مُوسىٰ- 2/ 136 4- تفضيله على العالمين: قال تعالى:

. وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنٰا وَ نُوحاً هَدَيْنٰا مِنْ قَبْلُ .... وَ كلًّا فَضَّلْنٰا عَلَى الْعٰالَمِينَ- 6/ 84. وَ اذْكُرْ عِبٰادَنٰا إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ .... وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنٰا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيٰارِ- 38/ 45 5- إتمام النعمة على آله من جانب اللّه: قال تعالى:

254

. وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمٰا أَتَمَّهٰا عَلىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ- 12/ 6 و إتمام النعمة على والد يعقوب و جدّه و آله: يدلّ على شموله يعقوب، و أمّا عدم التصريح بذكره فانّ الكلام من يعقوب (ع)، و هذا المعنى كان مسلّما مقطوعا عند المخاطب و هو ابنه يوسف، فلم يكن حاجة الى ذكره، بل كان ذكره غير مستحسن.

6- و من كلماته التامّة فى المعارف:

. إِنَّ الشَّيْطٰانَ لِلْإِنْسٰانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ- 12/ 5. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللّٰهُ الْمُسْتَعٰانُ- 12/ 18. فَاللّٰهُ خَيْرٌ حٰافِظاً وَ هُوَ أَرْحَمُ الرّٰاحِمِينَ- 12/ 64. اللّٰهُ عَلىٰ مٰا نَقُولُ وَكِيلٌ*- 12/ 66. وَ مٰا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّٰهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ- 12/ 67. إِنَّمٰا أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللّٰهِ- 12/ 86. وَ لٰا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ- 12/ 87. إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ- 12/ 96 7- تحمّله الشدائد و صبره عليها: قال تعالى:

. إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخٰافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غٰافِلُونَ- 12/ 13. قٰالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ*- 12/ 13. قٰالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلّٰا كَمٰا أَمِنْتُكُمْ عَلىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ- 12/ 64. قٰالَ يٰا أَسَفىٰ عَلىٰ يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْنٰاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ- 12/ 84‌

255

8- علمه إجمالا بالوقايع بتعليم اللّه عزّ و جلّ: قال تعالى:

. وَ كَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحٰادِيثِ- 12/ 6. بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ*- 12/ 18. وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمٰا عَلَّمْنٰاهُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لٰا يَعْلَمُونَ- 12/ 68. عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً- 12/ 83. وَ أَعْلَمُ مِنَ اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ*- 12/ 86. قٰالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لٰا أَنْ تُفَنِّدُونِ- 12/ 94. أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ- 12/ 96 هذه الوجوه الثمانية كما شاهدتها مذكورة بالصراحة فى القرآن المجيد، و تدلّ على عظمة مقام يعقوب النبىّ (ص) و جلالته المعنويّة و نبوّته و صفاته الروحانيّة.

و فى قبال هذه الآيات الكريمة: ترى فى التكوين فى الأبواب المذكورة مطالب موهونة ضعيفة، بل مخالفة الحقّ و الحقيقة.

يعوق

. وَ قٰالُوا لٰا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لٰا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لٰا سُوٰاعاً وَ لٰا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً- 71/ 23 البيضاوى: قيل: هى أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم و نوح (عليهما السلام)، فلمّا ماتوا صوّروا تبرّكا بهم، فلمّا طال الزمان عبدوا، و قد انتقلت الى العرب، و كان ودّ لكلب، و سواع لهملان، و يغوث لمذحج، و يعوق لمراد، و نسر لحمير. و منع صرفهما للعلميّة و العجمة. و قرأ نافع ودّا بالضمّ.

لسا- عوق: رجل عوق: لا خير عنده. و عاقه عن الشى‌ء يعوقه عوقا: صرفه و حبسه، و منه التعويق. و يعوق: اسم صنم كان لكنانة عن الزجّاج. و قيل: كان لقوم نوح. و قيل: كان رجلا من صالحى زمانه قبل نوح، فلمّا مات جزع عليه قومه‌

256

فأتاهم الشيطان فى صورة إنسان، فقال: امثّله لكم فى محرابكم حتّى تروه كلّما صلّيتم، ففعلوا ذلك.

و كذلك يغوث: اسم صنم أيضا كان لقوم نوح، و الياء فيهما زائدة، أى فى يعوق و يغوث.

الأصنام 10- و اتّخذت مذحج و أهل جرش يغوث. و اتّخذت خيوان يعوق، فكانت بقرية لهم يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين ممّا يلى مكّة.

و فى ص 57- يعوق: فكانت بقرية يقال لها خيوان، تعبده همدان و من والاها من أرض اليمن.

و التحقيق

أنّ هذه الأصنام كانت مورد توجّه و عبادة فيما بين قوم نوح، كما هو المصرّح به فى الآية الكريمة من سورة نوح.

و أمّا اللغات فكانت قريبة من العربيّة و العبريّة، و لعلّ أصل كلمة يعوق قبل تحوّله الى العربيّة أيضا كان بمعنى الصرف و المنع، و كانوا متوجّهين الى هذا الصنم باعتقادهم أنّه كان يصرفهم عن الانحراف و الابتلاء و يحفظهم عن الحوادث. كما أنّ توجّههم الى يغوث بلحاظ الاستغاثة.

و لا سبيل لنا الى التحقيق أزيد من هذا المقدار.

يغوث:

الاشتقاق 96- يغوث: الصنم المذكور فى القرآن فأظنّ أنّ اشتقاقه من غاث يغوث غوثا، فاستعملوا مصدره و تركوا تصريفه، إلّا انّهم لم يقولوا إلّا أغاثنى، و لم يجى‌ء فى الشعر الفصيح، و قد سمّوا غوثا و غويثا و غياثا.

و فى ص 153- و يغوث: صنم معروف، كان أصله يغوث، فقلبوا حركة‌

257

الواو على الغين.

الأصنام 57- و أجابته مذحج. فدفع الى أنعم بن عمر و المرادىّ يغوث، و كان بأكمة باليمن، يقال لها مذحج، تعبده مذحج و من والاها.

و فى 54- و كان عمرو بن لحىّ كاهنا، و كان قد غلب على مكّة، و كان له رئيّ من الجنّ، فقال له: إيت ضفّ جدّة تجد فيها أصناما معدّة، فأوردها تهامة، ثمّ ادع العرب الى عبادتها تجاب. فأتى شطّ جدّة فاستثارها ثمّ حملها حتّى ورد تهامة، و حضر الحجّ فدعا العرب الى عبادتها قاطبة، فاجابه عوف، فدفع اليه ودّا، فحمله الى وادى القرى فأقرّه بدومة الجندل.

و التحقيق

أنّ الكلمة كما قلنا فى يعوق معربّة من لغة عبريّة أو ما يقربها، و كانت مستعملة فى زمان نوح (عليه السلام)، كما تدلّ عليه الآية الكريمة، و لعلّها كانت بمعنى الاستغاثة لاستغاثة القوم منها فى ابتلاءاتهم.

يقول فى تفسير الكشّاف فى ذيل آية 71/ 23:

. قٰالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي .... وَ قٰالُوا لٰا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لٰا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لٰا سُوٰاعاً وَ لٰا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً.

هذه المسمّيات كانت أكبر أصنامهم عندهم، فخصّوها بعد قولهم لا تذرنّ آلهتكم، و قد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح الى العرب، فكان ودّ لكلب و سواع لهمدان و يغوث لمذحج و يعوق لمراد و نسر لحمير.

ثمّ إنّ يغوث و يعوق غير منصرفين للعلميّة و وزن الفعل، و هذه الكلمات عربيّة أو معرّبة، و ليست بأعجميّة حتّى توجب صرف الانصراف فى كلمة سواع.

و أمّا الودّ و النسر: ففيهما مضافا الى العربيّة: سكون و سطهما مع كونهما فى ثلاثة أحرف.

258

ياقوت

تنسوخ نامه للخواجه نصير- ياقوت: معادن أنواع الياقوت فى شرق الهند قريبا من جزيرة سرنديب، و أشرف أنواعه الأحمر الشفّاف الخالص، و يوجد منه ألوان اخر من الرمّانى و البنفسجىّ و المعصفر و غيرها. و الياقوت من أشرف الجواهر طبعا و متانة و صلابة و بقاءا و قيمة، و له مقاومة فى قبال الحرارة و النار، و له آثار و خواصّ طبّيّة.

مفردات المخزن- ياقوت: من الأحجار النفيسة المعدنيّة و هو عظيم القدر و القيمة، و له أصناف من جهة اللون، و أفضلها الأحمر الشفّاف الصافى الخالص، و هو أصلب من جميع الأحجار إلّا الألماس، و الرائحة الكريهة و الدهن و العرق تؤثّر فى لونها، و يتكوّن من الكبريت و الزيبق الصافى.

فرهنگ تطبيقى- آرامى- ياقينتين فرهنگ تطبيقى- سريانى- ياقونتا ياقوت فرهنگ تطبيقى- يونانى- ياكيندوس‌

و التحقيق

أنّ الكلمة مأخوذة من اليونانيّة و السريانيّة، و قد يبحث فى الطبيعيّات و علوم معرفة الأرض عن مادّتها و أنواعها و معادنها و كيفيّة تكوّنها و خواصّها، فليراجع اليها.

. فِيهِنَّ قٰاصِرٰاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لٰا جَانٌّ .... كَأَنَّهُنَّ الْيٰاقُوتُ وَ الْمَرْجٰانُ- 55/ 58 قلنا إنّ المرجان هو اللؤلؤ و الصدف. و يلاحظ فى تشبيه القاصرات بالياقوت جهة اللون الجالب و الصفاء و اللمعان و الثبات و الصلابة. و الاستقامة و الحسن. و فى تشبيهها بالمرجان جهة المحفوظيّة و اللطف و البهاء و اللمعان‌

259

و التربية.

و جمع الضمير فى فيهنّ: باعتبار وجود جنّات بتعداد النفوس الخائفين، فانّ كلمة جنّتان ذكرت بالتنكير: أى لكلّ من الخائفين جنّتان.

و هذه القاصرات موجودة فى تلك الجنّات، و غير مخصوصة بالجنّتين، و على هذا قد ذكرت القاصرات أيضا منكّرة.

و المراد من القاصرات: النفوس الزكيّة الطاهرة المحدودة من جهة الوظائف و الأعمال و الطاعات و التوجّهات. أو الأنوار الروحانيّة و التجليّات و الاشراقات الإلهيّة المحدودة، بتناسب محدوديّة أفراد الخائفين و بمقتضى مقاماتهم و حالاتهم، راجع الطرف.

و على أىّ حال، لابدّ من أن تكون القاصرات فيما وراء عوالم المادّة من أجسام لطيفة متناسبة بتلك العوالم اللطيفة، أو من الروحانيات المجرّدة، كالتجليّات و الاشراقات الإلهيّة.

يقطين

لسا- القرع: حمل اليقطين، الواحدة قرعة، و كان النبىّ (ص) يحبّ القرع. و أكثر ما تسميه العرب: الدبّاء، و قلّ من يستعمل القرع. و المقرعة: منبته.

العين 1/ 155- و القرع: حمل اليقطين، الواحدة قرعة.

إحياء التذكرة- 508- قرع، دبّاء، يقطين: أصل كلمة قرع تشبيها له بالقراع بالنسبة للون جلده، و هى طاردة للديدان و للدودة الوحيدة. و طبيخ القرع سهل الهضم يناسب ضعاف المعده و الناقهين من الأمراض الشديدة.

مفردات المخزن- قرع: ثمر شجر يسمّى باليقطين، و هو مبرّد و مرطّب و مفتّح للسدد و مدرّ و مليّن و يزيل اليرقان و الحمّى الحادّة، و يناسب المحرورين، و ينفع من الصفراء.

260

زبان خوراكيها- كدو: يفيد كثيرا فى معالجة مرض القند، و فى هزال البدن، و فى ضعف الكبد، و فى آلام الرأس، و فى سمن فى البدن و الدم، و فى إزالة الصفرا.

مجمع البيان-. وَ أَنْبَتْنٰا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ- 37/ 146 و اليقطين كلّ شجرة تبقى من الشتاء الى الصيف ليس لها ساق، و هو يفعيل من قطن بالمكان، إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة راسخ.

فرهنگ تطبيقى- يقطين- قيقايون- بوتۀ كدو- الكلمة كانت فى الأصل عبريّة، و عرّبت بتغيير فى الشكل.

و التحقيق

أنّ الكلمة مأخوذة من اللغة العبريّة أو ما يشابهها، و هى معرّبة، و تعدّ من الكلمات العربيّة و تستعمل فى ألسنتهم فصيحة، و معناها: كلّ ما لا ساق له من النباتات و يفترش على وجه الأرض، و غلب استعماله على القرع بأقسامه و أنواعه.

و اليقطين ينصرف اطلاقه أوّلا على نبات القرع، كما أنّ القرع منصرف أوّلا على ما يحمله من ثمره.

. وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ .... فَنَبَذْنٰاهُ بِالْعَرٰاءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ وَ أَنْبَتْنٰا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ- 37/ 146 و سيأتى فى يونس ما يتعلّق به و بجريان اموره.

و أمّا خصوصيّة اليقطين من بين سائر الأشجار: فانّ أوراقة عريضة كبيرة يمكن أن يستفاد منها فى مقام الستر و اللبس. و ثمره مليّن و منقّى و سهل الهضم و مقوّى لضعاف المعده و الناقهين، و هو ينمو كثيرا و يثمر وافرا و لا سيّما فى مكان يقرب من الماء و الشمس.

261

يقظ

مصبا- اليقظ: بكسر القاف، الحذر و الفطن، و الجمع أيقاظ، و يقظ يقظا من باب تعب، و يقظة و يقاظة: خلاف نام، و كذلك إذا تنبّه للأمور. و أيقظته و استيقظ و تيقّظ، و رجل يقظان و امرأة يقظى.

العين 5/ 200- استيقظ فلان و أيقظته، فهو يقظان، و قوم أيقاظ، و نساء يقاظى. و اليقظة: نقيض النوم.

التهذيب 9/ 260- قال الليث: اليقظة نقيض النوم، و الفعل استيقظ، و أيقظته أنا، و النعت يقظان. ابن السكّيت فى باب فعل و فعل: رجل يقظ و يقظ، أى كان كثير التيقّظ، و مثله عجل و عجل و طمع و طمع و فطَن و فطِن. و قال الليث:

يقال للّذى يثير التراب: قد يقظه و أيقظه. قلت: لا أحفظ يقظ و أيقظ بهذا المعنى، و أحسبه تصحيفا، صوابه يقّظ التراب ييقّظ تيقظا، إذا فرّقه. و قد تيقّظ للأمر، إذا تنبّه له.

لسا- يقظ: اليقظة: نقيض النوم. و قد تكرّر فى الحديث ذكر اليقظة و الاستيقاظ، و هو الانتباه من النوم، و أيقظته من نومه: أى نبّهته فتيقّظ، و هو يقظان.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو الانتباه و التوجّه أعمّ من أن يكون بزوال الموت و النوم كلّا، أو فى الجملة بحيث يتوجّه الى الحوادث و المكالمات، كما فى حالة بين النوم و اليقظة. و يدلّ عليه أنّه قد استعمل فى القرآن المجيد فى قبال مادّة الرقود، و هو بمعنى مطلق استقرار و استراحة بعنوان نوم.

و من لوازم الأصل: التحذّر و التفطّن و التحرّك فى الجملة و لو فى نفسه، كما أنّ الرقود هو استقرار و استراحة بدنا و فكرا.

. وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقٰاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذٰاتَ الْيَمِينِ وَ ذٰاتَ الشِّمٰالِ وَ كَلْبُهُمْ

262

بٰاسِطٌ ذِرٰاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرٰاراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً- 18/ 18 الحسب: الإشراف بقصد الاطّلاع و الاختبار. و الأيقاظ جمع اليقظ بكسر القاف و ضمّها: الّذين كانوا على توجّه و تنبّه على أنفسهم و على الخارج. و الرقود جمع راقد: الّذين استقرّوا فى محلّ بعنوان الاستراحة المطلقة كما فى النائمين إذا لم يبق لهم توجّه و تنبّه و لا يدركهم الموت حتّى يئسوا من الحياة.

و هذا الجريان على خلاف الجريان الطبيعىّ من ضوابط النوم و الاستراحة و إدامة الحياة المادّىّ و شرائطه اللازمة مادّة و مدّة و زمانا و مكانا.

و قد صرّح اللّه تعالى فى كتابه الكريم بأنّهم التجؤوا الى الكهف و غلبهم فيها الرقاد و النوم و بقوا على هذه الحالة الى مدّة ثلاثمائة و تسع سنين، مع أنّ بعثهم و قيامهم و انتباههم بعد هذه المدّة الطويلة كان فى نظرهم مدّة يوم أو بعض يوم، حيث لم يشاهدوا فى أبدانهم و فيما يتعلّق بهم أثرا من طول الاقامة فى الكهف بغير طعام و شراب.

ثمّ إنّ الآيات الكريمة تشعر باثبات الحشر و النشر و البعث و القيامة، حيث يقول تعالى:

. أَعْثَرْنٰا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السّٰاعَةَ لٰا رَيْبَ فِيهٰا- 18/ 21 و لا تدلّ على إدامة الحياة و البقاء أزيد من هذا المقدار من السنين فى الكهف.

راجع الرقم و الكهف، و سبق فيهما مطالب مربوطة بالمورد.

و سبق فى النوم ما يرتبط بأسباب حصول النوم، فراجعه.

يقن

مقا- يقن: اليقن و اليقين: زوال الشكّ يقال: يقنت، و استيقنت،

263

و أيقنت.

مصبا- اليقين: العلم الحاصل عن نظر و استدلال، و لهذا لا يسمّى علم اللّه يقينا. و يقن الأمر ييقن يقنا من باب تعب: إذا ثبت و وضح، فهو يقين فعيل بمعنى فاعل، و يستعمل متعدّيا أيضا بنفسه و بالباء، فيقال: يقنته و يقنت به و أيقنت به، و تيقّنته و استيقنته أى علمته.

الفروق 63- الفرق بين العلم و اليقين: أنّ العلم هو اعتقاد الشى‌ء على ما هو به على سبيل الثقة. و اليقين هو سكون النفس و ثلج الصدر بما علم. و لهذا لا يجوز أن يوصف اللّه تعالى باليقين. و يقال: ثلج اليقين و برد اليقين. و لا يقال:

ثلج العلم و برد العلم. و قيل: الموقن: العالم بالشى‌ء بعد حيرة الشكّ. و الشاهد أنّهم يجعلونه ضدّ الشكّ، فيقولون: شكّ و يقين. و قلّما يقال شك و علم. فاليقين ما يزيل الشكّ دون غيره من أضداد العلوم.

كلّيات- اليقين: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع. و قيل: عبارة عن العلم المستقرّ فى القلب لثبوته من سبب متعيّن له بحيث لا يقبل الانهدام، من يقن الماء فى الحوض إذا استقرّ ودام. و اليقينيّات ستّ: أوّلها- الأوّليّات و تسمّى البديهيّات. ثانيها- المشاهدات الباطنيّة و تسمّى وجدانيّات. و ثالثها- التجربيّات. و رابعها- المتواترات. و خامسها- الحدسيّات و هى ما يجزم به العقل لترتيب دون ترتيب التّجربيّات مع القرائن. و سادسها- المحسوسات.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو العلم الثابت فى النفس بحيث لا يقبل الشكّ و فيه سكون للنفس و طمأنينة.

و سبق فى العلم: الفرق بينه و بين ما يرادفه فراجعه.

و فى- فرهنگ تطبيقى: إنّ المادّة قد اخذت من اليونانيّة و الآراميّة، و الأصل- إيگون، إيقونا.

264

فاليقين فعيل و هو العلم الثابت و فيه سكون للنفس و طمأنينة له: كما فى:

. وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ- 15/ 99. وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ- 56/ 95. وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكٰافِرِينَ وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ- 69/ 51. كَلّٰا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ الْيَقِينِ- 102/ 5. وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّٰى أَتٰانَا الْيَقِينُ- 74/ 47 قلنا إنّ اليقين هو العلم المتّصف بالتثبّت و الاطمينان، و هذا المعنى مطلق، فإذا اريد منه مفهوم اليقين على نحو الاطلاق: فيقال إنّه علم يقين اى علم فى مرتبة اليقين. و إذا لوحظ فيه قيد نقطة المركزيّة الّتى منها تجرى الآثار و ينبع التصميم و القاطعيّة و العلم: فيقال إنّه عين اليقين، فكأنّه مركز لنشوء اليقين و تحقّقه. و إذا لوحظ فيه حاقّ اليقين و ثباته و طمأنينته من حيث هو و بذاته و فى ذاته: فيقال: انّه حقّ اليقين. و هذا هو أقوى مرتبة من مراتب اليقين.

ففى الآية الاولى عبّر باليقين المطلق: فانّ النظر الى حصول مطلق اليقين بالعبادة، و هو يختلف باختلاف الأفراد و عباداتهم.

و هكذا فى الآية الخامسة: فانّ اليقين الحاصل فى موضوع يوم الدين بعد التكذيب تختلف مراتبه باختلاف الحالات و المشاهدات.

و فى الرابعة: عبّر بعين اليقين بعد حصول علم اليقين، فيشار الى المرتبة الاولى ثمّ الى الثانية من اليقين.

و فى الثانية و الثالثة: يعبّر بحقّ اليقين، و هو المرتبة الثالثة الكاملة الثابتة التامّة من اليقين، حيث إنّهم يشاهدون عوالم الآخرة و يدركون آثارها فى أنفسهم و يتأثّرون منها، حيث إنّ الحسرة و حرارة الجحيم تنفذ فى أبدانهم و أنفسهم و ترسخ فيها.

و أمّا اليقين الحاصل من العبوديّة: فانّ حقيقة العبوديّة عبارة عن التذلّل‌

265

التامّ فى قبال عظمة المولى حتّى تنتفى الأنانيّة و يطابق التكوين، و هذه العبوديّة لابدّ أن تتحقّق فى جميع الحركات و الأعمال و الحالات بحيث لا يرى منه عمل إلّا فى رضا مولاه و فى جهته.

فحينئذ يرتفع أىّ شى‌ء يكون حائلا و حاجبا و فاصلا بينه و بين مولاه، و يتحقّق حالة الشهود و اللقاء و اليقين.

و أمّا الإيقان: فهو إفعال و يدلّ على قيام الحدث بالفاعل و يكون النظر فيه الى نسبته أوّلا الى الفاعل ثمّ الى المفعول.

. قَدْ بَيَّنَّا الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ- 2/ 118. أَنَّ النّٰاسَ كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا لٰا يُوقِنُونَ- 27/ 82. وَ فِي الْأَرْضِ آيٰاتٌ لِلْمُوقِنِينَ- 51/ 20. رَبَّنٰا أَبْصَرْنٰا وَ سَمِعْنٰا فَارْجِعْنٰا نَعْمَلْ صٰالِحاً إِنّٰا مُوقِنُونَ- 32/ 12 فيلاحظ فى هذه الأفعال جهة نسبة الفعل الى الفاعل و قيامه به.

فالنظر فيها الى هذه الجهة، لا الى جهة التعلّق و الوقوع.

و أمّا الاستيقان: فهو استفعال و يدلّ على ميل و طلب لحصول فعل، كما فى الطلب و التمايل الى حصول اليقين.

. وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا- 27/ 14. وَ إِذٰا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَ السّٰاعَةُ لٰا رَيْبَ فِيهٰا قُلْتُمْ مٰا نَدْرِي مَا السّٰاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلّٰا ظَنًّا وَ مٰا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ- 45/ 32 يراد الطلب و التمايل الى تحصيل اليقين إثباتا أو نفيا.

يمّ

مصبا- اليمام: الحمام الوحشىّ، الواحدة يمامة. و اليمّ: البحر. و يممته:

قصدته، و تيمّمته: تقصّدته، و تيمّمت تيمّما و تأمّمت أيضا. قال ابن السكّيت فى-

266

فتيمّموا صعيدا طيّبا، أى اقصدوا الصعيد الطيّب، ثمّ كثر استعمال هذه الكلمة حتّى صار التيمّم فى عرف الشرع عبارة عن استعمال التراب على هيئة مخصوصة، و يممّت المريض فتيمّم، و الأصل يمّمته بالتراب.

مقا- يمّ: كلمة تدلّ على قصد الشى‌ء و تعمّده. قال الخليل يقال:

تيمّمت فلانا بسهمى و رمحى: إذا قصدته من دون من سواه، و من قال فى- يمّمته الرمح شزرا ثمّ قلت له: أمّمته فقد أخطأ، لأنّه قال شزرا، و لا يكون الشزر إلّا من ناحية، و هو لم يقصد به أمامه فيقول أمّمته. قال الشيبانىّ: رجل ميمّم، إذا كان يظفر بكلّ ما طلب، و هذا كأنّه يقصد بالخير. و يمّ الرجل فهو ميموم: إذا وقع فى اليمّ فغرق.

العين 8/ 430- أمّ فلان، أى قصد. و التيمّم: يجرى مجرى التوخّى (القصد و التوجّه). يقال: تيمّم أمرا حسنا، و تيمّم اطيب ما عندك فأطعمناه. و لا تيمّموا الخبيث منه، أى لا تتوخّوا أردأ ما عندكم فتتصّدقوا به. و التيمّم بالصعيد منه، و المعنى: أن تتوخّوا أطيب الصعيد، فصار التيمّم فى أفواه العامّة فعلا للمسح بالصعيد، حتّى أنّهم يقولون: تيمّم بالتراب، و تيمّم بالثوب، أى بغبار الثوب.

و تقول: أممت و يممت.

لسا- الأمّ: القصد، أمّه يؤمّه أمّا، إذا قصده، و أمّمه و أتمّه و تأمّمه و يمّه و تيمّمه، الأخيرتان على البدل، و يمّمته و تيمّمته: قصدته. و تيمّمت الصعيد، و أصله التعمّد و التوخّى من قولهم تيمّمتك و تأمّمتك.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- يام- بحر و دريا.

فرهنگ تطبيقى- آرامى، سريانى- ياما- بحر و دريا.

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو قصد شى‌ء من مقابله، كما أنّ القصد عبارة عن التوجّه الى إقدام فى عمل، و هو بعد تحقّق أصل الارادة و قبل العمل.

267

قال فى الفروق 102- الفرق بين التيمّم و الارادة: أنّ أصل التيمّم التأمّم، و هو قصد الشى‌ء من أمام، و لهذا لا يوصف اللّه به، لأنّه لا يجوز أن يوصف بانّه يقصد الشى‌ء من أمامه أو ورائه، و المتيمّم: القاصد ما فى أمامه. ثمّ كثر حتّى استعمل فى غير ذلك.

و سبق فى أمّ: أنّه قصد مع توجّه مخصوص اليه. و لمّا كانت الهمزة فيها صفات شدّة و نبر و حدّة، فتدلّ مادّة الأمّ على توجّه مخصوص فيه شدّة و رفعة. و هذا بخلاف الياء، ففيه صفات رخاوة و خفاء و لينة، فيدلّ اليمّ على توجّه الى مقابل محدودا.

و أمّا اليمّ بمعنى البحر: فهو مأخوذ من العبريّة و السريانيّة. مضافا الى كونه مورد توجّه عن مسافة بعيدة، و لا سيّما للاستفادة منه، من جهة مائه و لحومه و سائر منافعه البحريّة.

و أمّا التيمّم بمعنى المسح من التراب: فهو اصطلاح فقهىّ، قد اخذ من الآيات الكريمة:

. أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ*- 4/ 43، و 5/ 6 و المراد من الكلمة فى الآيتين: مطلق القصد الى قبال الصعيد، ثم يقول تعالى:

. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ.

فظهر لطف التعبير بالمادّة فى المورد، دون مادّة القصد و الأمّ و غيرها:

فانّ النظر الى القصد بشى‌ء فقط مع المقابلة به، و ليس الصعيد مقصودا بذاته، أو مورد توجّه مخصوص اليه.

و هكذا فى قوله تعالى:

. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ- 2/ 267‌

268

أى لا تقصدوا فى مقام الانفاق مقابلة أشياء خبيثة حتّى تنفقوا منها، فالقصد و المقابلة و القرب الى الخبيث مذموم فى ذلك المقام، الى أن ينتهى الى الانفاق منه.

و أمّا اليمّ بمعنى البحر: فيلاحظ فيه جهة التعمّق و الجريان. كما أنّ البحر يلاحظ فيه جهة التوسّع و الكثرة، و على هذا يستعمل البحر فى قبال البرّ الوسيع، و يناسبه جريان الفلك فيه.

. فَانْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنٰاهُمْ فِي الْيَمِّ- 7/ 136. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مٰا غَشِيَهُمْ- 20/ 78. فَأَخَذْنٰاهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنٰاهُمْ فِي الْيَمِّ*- 28/ 40. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّٰابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ- 20/ 39 ففى مورد اليمّ يصحّ وقوع الغرق فيه، و كذلك الجريان. بخلاف مقابلته مع البرّ، أو جريان الفلك فيه. فلا يناسب استعمال اليمّ فى مقابل البرّ، بأن يقال: و يعلم ما فى البرّ و اليمّ. أو يقال: و الفلك الّتى تجرى فى اليمّ.

يمن

مقا- يمن: كلمات من قياس واحد. فاليمين يمين اليد. و يقال:

اليمين: القوّة. و اليمن: البركة، و هو ميمون. و اليمين: الحلف، و كلّ ذلك من اليد اليمنى. و سمّى الحلف يمينا، لأنّ المتحالفين كأنّ أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه.

مصبا- اليمين: الجهة، و الجارحة، و قالوا لليمين اليمنى، و هى مؤنّثة، و جمعها أيمن و أيمان. و يمين الحلف انثى، و تجمع على أيمن و أيمان أيضا.

و اليمين: القوّة و الشدّة. و اليمن: البركة، يقال: يمن الرجل على قومه و لقومه بالبناء للمفعول، فهو ميمون. و يمنه اللّه ييمنه يمنا من باب قتل: إذا جعله مباركا،

269

و تيمّنت به، مثل تبرّكت وزنا و معنى. و يامن فلان و ياسر: أخذ ذات اليمين و ذات الشمال. و الأمر يامن بأصحابك، أى خذبهم يمنة. و اليمن: إقليم، سمّى بذلك لأنّه عن يمين الكعبة، و اليمان بزيادة الألف، و النسبة اليه يمنىّ و يمانىّ و اليمان مقتصرا على الألف. والأيمن خلاف الأيسر، و هو جانب اليمين أو من فى ذلك الجانب. و أيمن اسم استعمل فى القسم و التزم رفعه كما التزم رفع لعمر اللّه، و همزته عند البصريّين وصل، و أشتقاقه عندهم من اليمن و هو البركة. و عند الكوفيّين قطع لأنّه جمع يمين عندهم، و قد يختصر منه فيقال و ايم اللّه بحذف الهمزة و النون. ثمّ اختصر ثانيا فقيل: م اللّه بضمّ الميم و كسرها.

العين 8/ 386- يمن- يمن الرجل فهو ميمون. و الميمّن: الّذى أتى باليمن و البركة. و اليمين: اليد اليمنى، و الأيمان جماعته و أيمن. و أخذنا يمنا و يسرا، و هم اليامنون و الياسرون. و أيمن: وضع للقسم، فاذا لقيته الألف و اللام سقطت النون، مثل أيم الحقّ.

لسا- اليمن: البركة. و اليمن: خلاف الشؤم و ضدّه. يقال: يمنهم فهو يا من. ابن سيده: يمن الرجل يمنا و يمن و تيمّن به و استيمن، و إنّه لميمون عليهم.

و يقال: فلان يتيمّن برأيه أى يتبرّك به. و جمع الميمون ميامين. و الميمنة: اليمن، و أصحاب الميمنة أى أصحاب اليمن على أنفسهم، أى كانوا ميامين على أنفسهم غير مشائيم. و جمع الميمنة ميامن. و اليمين: يمين الانسان و غيره. و التيمّن:

الابتداء فى الأفعال باليد اليمنى و الرجل اليمنى و الجانب الأيمن. و اليمين: القوّة و القدرة. و اليمين: الحلف و القسم. و أيمن: اسم وضع للقسم.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- يمناه جانب و طرف راست.

فرهنگ تطبيقى- عبرى- يمانى دست و طرف راست.

فرهنگ تطبيقى- سريانى- يامين دست و طرف راست.

فرهنگ تطبيقى- سريانى- يامينا سوگند.

270

و التحقيق

أنّ الأصل الواحد فى المادّة: هو قوّة فى خير مع زيادة، و هذا فى قبال الشؤم و هو ضعف و ضعة فى شرّ.

فاستعمال المادّة فى مطلق القوّة أو الخير أو البركة أو الزيادة: يكون تجوّزا، و لا بدّ من لحاظ القيود الثلاثة. و المادّة قريبة من مفهوم البركة، فانّه على ما سبق عبارة عن الفيض و الخير و الزيادة.

و أمّا مفهوما الجانب اليمين و الحلف: فمأخوذان من العبريّة و السريانيّة، كما نقلناهما. مضافا الى تناسب فيما بينهما و بين الأصل، فانّ اليد اليمنى فيها قوّة و زيادة قدرة و حركة الى جانب العمل و الفعّاليّة، بخلاف اليسرى.

و هكذا الحلف: فانّ فيه تشديدا و تقوية و مزيد اعتبار فى الأمر.

فلا يبعد أن نقول: إنّ اطلاق المادّة ينصرف الى الأصل فى جميع مشتقّاتها و موارد استعمالها، إلّا أن تقوم قرينة مقاميّة أو مقاليّة على إرادة المفهومين، كما فى مقابلة موادّ الشمال و غيره.

. ثُمَّ كٰانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا هُمْ أَصْحٰابُ الْمَشْأَمَةِ- 91/ 18. وَ كُنْتُمْ أَزْوٰاجاً ثَلٰاثَةً فَأَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السّٰابِقُونَ- 56/ 8 الميمنة: مصدر ميمىّ و يدلّ على زيادة و استمرار فى اليمن، كما مرّ فى المشأمة، و يراد الّذين فى قوّة ذاتيّة فى أنفسهم فى سبيل الخير مع زيادة. و يقابله المشأمة، و أصحاب المشأمة هم الّذين يعيشون فى ضعف و ضعة و هم على برنامج شرّ، و قد كفروا بالآيات الإلهيّة و خالفوا سبيل الحقّ و السعادة، كما أنّ أصحاب الميمنة هم الّذين آمنوا باللّه الحقّ و تواصوا بالصبر و الاستقامة فى سبيله.

و لا يخفى أنّ القوّة و اليمن الحقيقىّ للانسان إنّما تتحقّق إذا تعلّقت بنفسه‌