أسس القضاء والشهادة

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
620 /
3

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا محمّد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد، فيقول المفتقر إلى رحمة ربّه جواد بن علي التبريزي غفر اللّه لهما:

لما فرغت من بحوث القضاء و الشهادات أردت أن أبرزها بصورة التأليف لتكون تذكرة لي و عسى أن تنفع غيري من رواد العلم و الفضيلة و الصالحين للتصدي لمنصب القضاء و فصل الخصومة.

و قد اخترت لعناوين الأبحاث كتاب الشرائع لحفظ تراثنا و امتيازها مع إيجازها بالاشتمال على جلّ المباحث و المسائل.

و أسأل اللّه سبحانه أن يوفّقني بإخراج سائر بحوثي بصورة التأليف و أن يجعلها ذخرا ليوم معادي يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ، انّه سميع مجيب.

المؤلف‌

4

[كتاب القضاء]

كتاب القضاء

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

في صفات القاضي و آدابه و كيفية الحكم و أحكام الدعاوي (1)

..........

____________

(1) قد جعل- (قدّس سرّه)- بحث القضاء أربعة أقسام، و عبّر عن كل قسم بالنظر:

النظر الأوّل: في صفات القاضي، أي الأمور المعتبرة في المتصدي للقضاء، ليجوز له قضاؤه تكليفا و وضعا، بمعنى نفوذه في حق المتخاصمين و غيرهما، و لا يخفى أنّ ما يعتبر في جواز قضائه تكليفا عليه إحرازها في نفسه، لأنّ القضاء فعله و لا يفيده إحراز غيره، و ما يعتبر في نفوذ قضائه على المتخاصمين إحرازها فيه لينفذ حكمه في حقّهما، و كذا غيرهما ممّن يريد ترتيب الأثر على قضائه.

النظر الثاني: في الآداب، يعني الأمور المطلوبة من القاضي أو الجائزة له.

النظر الثالث: في كيفية الحكم، يعني بيان الأمور التي على القاضي الاعتماد عليها في قضائه و ما يعتبر رعايته بالإضافة إلى المتخاصمين.

6

..........

____________

النظر الرابع: في أحكام الدعاوي، يعني الوظائف المقررة بمقتضى أدلّة الأحكام في موارد الاختلافات و المنازعات في الأموال و العقود و الإيقاعات و المواريث و الأولاد.

و ينبغي قبل الشروع في النظر الأوّل التعرض لمعنى القضاء و الحكم و بيان الفرق بينه و بين الفتوى، فنقول:

القضاء لغة يطلق على معان: منها الحكم كقوله سبحانه ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ (1) و فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ (2)، و منها الإنهاء و الإتمام كقوله سبحانه فَلَمّٰا قَضىٰ مُوسَى الْأَجَلَ (3) و أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ (4)، و منها الأمر كقوله سبحانه وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ (5) و منها الحتم فَلَمّٰا قَضَيْنٰا عَلَيْهِ الْمَوْتَ (6)، و منها الفعل و الخلق:

فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ (7) و يمكن إرجاع بعضها إلى بعض كارجاع الأمر إلى الحكم.

و كيف كان فالمراد بالقضاء في المقام هو إنشاء الحكم الجزئي لحصول الموضوع أو المتعلق لكلية المجعول في الشريعة بمفاد القضية الحقيقية، أو‌

____________

(1) النساء: 65.

(2) طه: 72.

(3) القصص: 29.

(4) القصص: 28.

(5) الإسراء: 23.

(6) سبأ: 14.

(7) فصلت: 12.

7

..........

____________

الحكم بعدم الحصول فيما إذا وقعت الخصومة و المنازعة في حصول أحدهما بين شخصين أو أشخاص، أو تعيين الحكم في واقعة خارجية بتطبيق الكبرى المقررة في الشرع على تلك الواقعة فيما إذا وقعت المخاصمة في حكم تلك الواقعة، إمّا لجهل المتخاصمين بتلك الكبرى الكلية المجعولة في الشرع أو اختلافهم في تلك الكبرى.

و قد يطلق الحكم على ما ذكر و على مطلق الحكم بحصول الموضوع فيما إذا وقعت الشبهة فيه بين الناس من غير مخاصمة كالحكم برؤية الهلال، كما يطلق أيضا على تعيين الوظيفة الفعلية على الناس في مورد أو موارد لرعاية المصلحة العامة الموجبة له، و يعبّر عن هذا القسم بالحكم الابتدائي.

و يحتمل أن يكون إطلاق القضاء على جميع ما ذكر بمعنى الحكم و يكون من تغليب المطلق على بعض أفراده، و يحتمل أنّ إطلاقه على الحكم في موارد المخاصمة بمعنى الإنهاء و الإتمام، فيكون إطلاقه على غيره بالعناية أو بمعنى مطلق الحكم، و لا ينافي ذلك ما يأتي من أنّ الأدلة الواردة في نفوذ القضاء و الحكم قاصرة عن شمولها لموارد غير المخاصمات، هذا كلّه في القضاء.

و أمّا الفتوى فهي تعيين الأحكام المجعولة في الشرع بنحو القضايا الحقيقية المستفادة من مداركها و تعيين ما يعتبر في موضوعاتها و متعلقاتها من القيود نفيا أو إثباتا.

و هل كما أنّ جواز الإفتاء لمن كان عدلا في دينه و عالما بالأحكام الشرعية من مداركها من قبيل الحكم و الموضوع كذلك جواز القضاء، أو أنّ جواز القضاء و الولاية عليه يحتاج إلى النصب عاما أو خاصا؟ ظاهر المشهور أنّ القضاء‌

8

..........

____________

منصب يعطى، كما هو مقتضى أخذهم الولاية في تعريفه. و أنّه ولاية الحكم، و لعلّ مرادهم انّ القضاء بالأصالة منصب للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الإمام- (عليه السلام)- و قيام الغير به يحتاج إلى نصب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو الإمام.

جاء في صحيحة سليمان بن خالد: «اتّقوا الحكومة فإنّها للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي» (1).

و في رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبي أو وصي نبي أو شقي» (2).

و في معتبرة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» (3).

و ظاهر هذه الروايات انّ ولاية القضاء للرجل المزبور اعطى من قبل الإمام- (عليه السلام)-، و مثلها مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فإنّ فيها:

«ينظران من كان منكم ممّن قد روى حدثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته حاكما» (4).

و لا ينافي ذلك ما عن المشهور أيضا بل لم ينقل الخلاف فيه من أنّ القضاء واجب، فإن انحصر القاضي بواحد تعيّن عليه القضاء، و كذا فيما إذا لم‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3: 7.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2: 7.

(3) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5: 4.

(4) المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

9

..........

____________

ينحصر بواحد و لكن لم يكف الواحد بحاجة البلد، و مع تعدده و الاكتفاء بواحد يكون القضاء واجبا كفائيا على حد سائر الواجبات الكفائية، و علّل ذلك بتوقف نظم البلاد و العدل بين الناس عليه و انّ الظلم من شيم النفوس فلا بدّ من حاكم ينتصف للمظلوم من ظالمة، و لأنّ القضاء داخل في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و الوجه في عدم المنافاة أنّه يجب على من شمله النصب العام القيام به بما ذكروا، بل يجب على الناس تحصيل ما به يعمّهم النصب العام بنحو الواجب الكفائي، نظير ما يذكر من وجوب التفقّه في الدين، و يمكن أن يستفاد ذلك من قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ (1)، حيث إنّ وجوب القيام بالقسط مقتضاه تحصيل ما يحتاج إليه في القيام بالقسط.

و لكن الاستدلال على نفوذ القضاء بالآية المزبورة، بل استفادة نفوذه من دليل وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، كما ترى، مع أنّ وجوب الحكم بعنوان الأمر بالمعروف و القيام بالقسط فيما إذا أحرز أنّ أحد المتخاصمين يعمل المنكر مع علمه بالمنكر أو يترك المعروف مع علمه به كما هو مقتضى عدم وجوب إرشاد الجاهل و الغافل في الموضوعات، أو أحرز أنّ أحد المتخاصمين يظلم الآخر كما هو مقتضى الأمر بالقيام بالقسط.

و على كلّ حال سواء كان القضاء ولاية معطاة أو كان جوازه من قبيل سائر الموضوعات و أحكامه، فلا ينبغي التأمل في نفوذ القضاء ممّن له أهليته، فإنّ‌

____________

(1) النساء: 135.

10

..........

____________

النفوذ مقتضى جعله حاكما أو قاضيا، و معنى نفوذه على المتخاصمين أنّ عليهما العمل به من ثبوت المدعى به أو عدم ثبوته أو سقوط الحق و عدم سقوطه، و على السائرين بمعنى جواز ترتيب الأثر و عدم جواز العمل على خلاف مقتضى ذلك القضاء حتى ما إذا كان القضاء في موارد نشأ الاختلاف من الحكم الواقعي الكلي.

و بهذا يظهر المراد من قولهم: إنّ الحكم لا ينقض بالفتوى و لكن الفتوى تنقض بالحكم، فإذا كان رأى أحد المتخاصمين اجتهادا أو تقليدا على خلاف قضاء القاضي تكون الواقعة الخاصة خارجة عن الفتوى المعتبرة في كلي تلك الواقعة، فيعمل في تلك الواقعة على طبق القضاء، و لا يجوز لقاض آخر نقض ذلك القضاء، حتى لو عدل القاضي المزبور عن فتواه فلا يجوز له نقض قضائه السابق بل يكون قضاؤه فيها خارجا عن الكبرى التي استنبطها عن الأدلّة لاحقا، و هذا مقتضى ما دلّ على نفوذ قضائه.

نعم، تأتي بعض الموارد في جواز النقض، كما يأتي أنّ القضاء لا يغيّر الواقع عمّا هو عليه، فمن أحرز بالوجدان أنّ ما قضى به على خلاف الواقع فعليه رعاية الواقع.

11

[النظر الأوّل: في الصفات]

النظر الأوّل:

في الصفات (1).

____________

(1) يقع الكلام في صفات القاضي بالإضافة إلى القاضي المنصوب و بالإضافة إلى قاضي التحكيم.

فإنّ القاضي على نحوين:

قاضي التحكيم، و هو أن يتراضيا- أي الخصمان- بنظر شخص في واقعتهما و قضائه و فصل الخصومة بينهما، و هذا القاضي يعتبر علمه بالقضاء و قوانينه في تلك الواقعة، و إلّا كان حكمه و قضائه فيها من غير علم فيكون ملعونا و مع قضائه فيها بالعلم يكون قضائه نافذا، و لكن لا يترتب على هذا الشخص شؤون القاضي المنصوب من إلزامه الخصم بالحضور مع طرح أحد الخصمين الدعوى عنده أو الإجبار على العمل بحكمه بعد قضائه.

و يشهد بنفوذ قضائه عليهما صحيحة الحلبي «قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشي‌ء فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط» (1).

فإنّ تجويز المراجعة إليه ظاهره نفوذ قضائه و حكمه، و ما في ذيلها اشارة‌

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8: 5.

12

..........

____________

إلى قاضي الجور المنصوب من قبل الولاة في عصره- (عليه السلام)-، و قد ذكروا- (عليهم السلام)- أنّ المرافعة إليهم إيمان بالجبت و الطاغوت.

و الثاني: القاضي المنصوب، و إنّما يتصور المنصوب بالنصب الخاص في زمان الغيبة إذا كان للمتصدي لأمر المسلمين و لو في بقعة من الأرض الولاية الشرعية للزعامة عليهم و حفظ بلادهم من كيد الأعداء و تحصيل الأمن لهم الموقوف على تعيين قاض أو قضاة فيها ممن شملهم النصب العام، و أمّا مجرّد النصب العام فقد تقدم استفادة إعطاء الولاية ممّا دلّ عليه بحيث يثبت لمن يعمّه النصب غير نفوذ قضائه مع تراضي المتخاصمين بالمحاكمة عنده من سائر الآثار كالتصدي لتنفيذ قضائه أو إلزام الخصم بالحضور للمرافعة مع رجوع المدعي إليه و غير ذلك مما يعد من شؤون القاضي كالحكم بثبوت موجب الحد على الشخص مشكل و ان لا يبعد الالتزام بأنّ من شمله النصب العام له ذلك لا لدلالة ما دل على النصب العام عليه بل للعلم بأنّ هذه الأمور ممّا لا بدّ من التصدي لها مع التمكن و المتيقن من المتصدي لها من شمله النصب العام.

و دعوى استفادة كل ذلك ممّا دلّ على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و القيام بالقسط و العدل لا يمكن المساعدة عليها، لأنّ أدلّة الأمر بالمعروف لا تقتضي نفوذ أصل القضاء على المتخاصمين، فضلا عن دلالتها على نفوذ غيره ممّا يترتب على نفوذ القضاء، بل لا يقتضي وجوب النظر في أمر المترافعين إلّا فيما إذا علم الشخص إجمالا، بأنّ أحد المترافعين يعمل المنكر مع علمه بأنّه منكر أو يترك المعروف الواجب عليه مع علمه به، فيجب النظر مع هذا العلم لا للقضاء، بل للقيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

13

و يشترط فيه البلوغ و كمال العقل و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و الذكورة (1).

____________

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في الاستدلال بالآية المباركة فإنّ الآية غايتها أنّها تعم القضاء، و أمّا نفوذه و المقدار النافذ من فعل القاضي بعد قضائه فليست ناظرة إليه، و بتعبير آخر لا يزيد شمولها للقضاء عن شمولها للشهادة، فكما لا دلالة لها على شرائط الشهادة و القيود المعتبرة في نفوذها كذلك في ناحية القضاء، و إلّا جاز لكل أحد تنفيذ قضاء القاضي و لو بالتصرف في أموال المدّعى عليه، بدعوى أنّ التنفيذ و لو بالتصرف فيها بعد قضاء القاضي بثبوت الدين مثلا قيام بالقسط، مع أنّ مقتضى ما دلّ على المنع عن التصرف في مال الغير بلا طيبة نفسه كون التصرّف المزبور جورا على المدعى عليه.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ نفوذ القضاء سواء فسّرت الولاية على القضاء به أم بغيره خلاف الأصل، حيث إنّ مقتضاه عدم الجعل فيحتاج إثبات النفوذ بمجرده أو مع جواز الإلزام بقضائه و تنفيذه إلى قيام الدليل عليه.

و قد تقدم أنّ الولاية على القضاء للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و وصيه- (عليه السلام)-، و في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبيّ» (1)، و في رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- «قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لشريح:

يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلّا نبي أو وصي نبي أو شقي» (2)،

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3: 7.

(2) المصدر نفسه: الحديث 2: 7.

14

..........

____________

و نحوها غيرها. و يخرج عن الأصل فيما إذا اجتمع للشخص صفات.

و قد تعرض الماتن- (قدّس سرّه)- أوّلا لما يكون اعتباره متفق عليه بين الأصحاب من البلوغ و كمال العقل و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و الذكورة، و تعرض ثانيا لما قيل أو يمكن أن يقال باعتباره كالعرفان بالكتابة و البصر و الحرية.

و لا يخفى أنّه لو بني على عدم وفاء الأدلة اللفظية لجعل الولاية على القضاء في غير موارد التحكيم، و استفيد لزوم التصدي للقضاء الابتدائي مما تقدم من الدليل على الحسبة حفظا للنظام و انتصافا للمظلوم من ظالمة، فلا يحتاج اعتبار الأوصاف إلى دليل خاص للزوم الاقتصار على القدر المتيقن إلّا أن يقوم دليل على عدم اعتبار وصف في مورد، و ادعى العلم أو الاطمئنان بعدم الفرق بين ذلك المورد و التصدي للقضاء كالامامة في الصلاة، حيث ورد فيها جواز امامة العبد و قبول شهادته، و كذا عدم اعتبار عرفان الكتابة و البصر فيهما، و لكن في التعدي منهما إلى القضاء تأمّل.

و كيف ما كان فلا ينبغي الاشكال و التردّد في اعتبار البلوغ و الذكورة في القاضي، سواء أ كان القاضي ابتدائيا أم قاضي تحكيم، لأنّه قد ورد في معتبرة سالم ابن مكرم و في صحيحة الحلبي المتقدمتين عنوان الرجل فلا يعم العنوان للصبي و المرأة.

و دعوى أنّ ذكر الرجل باعتبار أنّ الغالب في العالم بالقضاء هو الرجل مع كون قاضي التحكيم رجلا مفروض في السؤال في صحيحة الحلبي، فلا يدلّ على التقييد، و على الجملة ذكر الرجل أو فرضه في السؤال لا يدل على الاختصاص‌

15

..........

____________

و لا يمنع عن الأخذ بالإطلاق في مقبولة عمر بن حنظلة، حيث ذكر- (عليه السلام)- فيها: «ينظران إلى من كان منكم- إلخ»، فإنّها تعمّ من كان منهم بلا فرق بين الذكر و الأنثى.

لا يمكن المساعدة عليها، لا لضعف المقبولة سندا، كما بنينا عليه سابقا و عدلنا عنه فيما بعد، حيث إنّ عمر بن حنظلة من المعاريف الذين لم ينقل فيهم قدح، بل لانصرافها إلى الرجل أيضا لما علم من الشارع من إرادته الستر من المرأة و إرادته ترك مواجهتها مع الأجانب مهما أمكن، فلا يجعل لها ما يقتضي مواجهتها معهم فلم يرض الشارع بإمامتها للرجال، و قد ورد فيما رواه الصدوق بسنده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه في وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لعلي: «يا علي ليس على المرأة جمعة و لا جماعة- إلى أن قال:- و لا تولى القضاء، الحديث» (1).

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو وقعت المخاصمة بين امرأتين و جعلتا امرأة أخرى قاضي التحكيم بينهما لا يكون قضاؤها نافذا في حقهما.

و كذا لا ينبغي التأمّل في اعتبار كمال العقل و الإيمان حيث ورد التقييد في معتبرة سالم بن مكرم الجمال في قوله- (عليه السلام)-: «انظروا إلى رجل منكم»، و في المقبولة: «ينظران إلى من كان منكم»، و في صحيحة الحلبي فرض في السؤال كون الرجل المفروض قضائه من طائفة المتراضين، فلا يعمّ شي‌ء منها غير المؤمن من المخالف أو الكافر.

و ممّا ذكر يظهر أيضا وجه اعتبار العدالة، فإنّ الفاسق لا يليق بمنصب‌

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 2 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1: 6.

16

..........

____________

القضاء أو جعل قضائه نافذا بعد ما ذكر في صحيحة سليمان بن خالد و غيرها أنّ القضاء لا يحقّ للنبي أو وصي نبي، مع أنّه يظهر من مقبولة عمر بن حنظلة انّ اعتبار العدالة في القاضي كان مفروغا عنه في القاضي كفقاهته، حيث ذكر (سلام اللّه عليه) فيها مع اختلاف القاضيين الأخذ بالحكم الذي حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما.

أضف إلى ذلك أنّ الشارع إذا لم يجعل للفاسق الإمامة في الصلاة و لم يجعل شهادة الفاسق نافذة إلّا إذا دخلت في الإقرار على نفسه، فكيف يجعل النفوذ لقضاء الفاسق مع نهيه عن الرجوع إلى قضاة الجور حتى فيما كان قضاء الجائر حقا و على طبق موازين القضاء.

و أمّا الاستدلال على اعتبار العدالة في القاضي، فيمكن أن يقال في توجيهه بأنّ الشارع إذا نهى عن الركون إلى الظالمين بالاشتراك في ظلمهم أو تأييدهم و الرضا بظلمهم فلا يحتمل أن يعطي الولاية على القضاء للظالم و فيها ما يقتضي ركون الناس إليه.

و على الجملة لا يحتمل أن يكون القضاء المقصود من تشريعه و اعتباره التحفظ على حقوق الناس و استيفائها و الانتصاف للمظلوم من ظالمة بيد الفاسق، مع ما ورد فيه من أنّه ليس إلّا لنبي أو وصي، و على ذلك فقياس القضاء بالرواية حيث لا يعتبر في اعتبار الرواية عدالة راويها مع الفارق، بل مقتضى ما ذكر اعتبار طهارة المولد لما ذكر من عظم أمر القضاء و الشارع لم يشرع إمامة ولد الزنا فكيف يرضى بقضائه.

و كذا يعتبر في القاضي ابتدائيا أو تحكيميا كمال العقل، و يقتضي اعتباره‌

17

فلا ينعقد القضاء لصبي و لو مراهق و لا لكافر، لأنّه ليس أهلا للأمانة، و كذا الفاسق، و يدخل في ضمن العدالة اشتراط الأمانة و المحافظة على فعل الواجبات.

و لا ينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله، كما لا تصحّ إمامته و لا شهادته في الأشياء الجليلة.

و كذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى (1)، و لا يكفيه فتوى العلماء

____________

انصراف معتبرة أبي خديجة و غيرها عن المجنون و السفيه بملاحظة ما ورد من عظم القضاء و خطره، فإنّ ظاهرها بملاحظة ما ذكر الرجوع إلى رجل يكون بمقتضى علمه صالحا للقضاء، و المجنون و السفيه لا يناسبان القضاء خصوصا القاضي الابتدائي، حيث إنّ له استيفاء حقوق الناس المقتضي الولاية على التصرف في أموالهم مع توقف استيفائها عليه، و المجنون و السفيه لا ولاية لهما على مالهما فكيف بأموال الناس.

(1) يعتبر في القاضي كونه عالما بالقضاء، و ظاهر الماتن اعتبار كونه مستقلا بالفتوى، و لا يكفي مجرّد كونه راويا للفتوى، و لا يتحقق الاستقلال بها إلّا بالاجتهاد المطلق و كونه ضابطا، لأنّ العلم فعلا بالأحكام لا يتحقق مع غلبة النسيان، و لذا ذكر- (قدّس سرّه)-: و يدخل فيه- أي في اعتبار العلم- أن يكون ضابطا.

و ذكر في الجواهر في ذيل المتن: يعتبر في القاضي أن يكون مجتهدا مطلقا و لا يكفي التجزي و لا خلاف فيه، بل في المسالك الإجماع عليه بلا فرق بين حالتي الاختيار و الاضطرار.

ثم أورد على هذا الاعتبار بما حاصله: أنّه يظهر من بعض الآيات و الروايات جواز الحكم بالحق من كلّ مؤمن كان عالما بالاجتهاد كما ذكر أم بغيره، كقوله‌

18

و لا بدّ أن يكون عالما بجميع ما وليه، و يدخل فيه أن يكون ضابطا فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه، و هل يشترط علمه بالكتابة فيه تردد، نظرا إلى اختصاص النبي

____________

سبحانه وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (1)، و يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ (2) فإنّ من كون الرجل قيّما بالقسط حكمه في الواقعة بالحق و العدل، و قوله سبحانه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ (3)، فإنّ مفهومه أنّ الحكم بما أنزل اللّه ليس من الفسق بل أمر واجب، و كذا يستفاد ذلك من قوله- (عليه السلام)-: «رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة» (4).

و على الجملة مقتضى الروايات الكثيرة المتعاضدة أنّ كل من تعلّم أحكاما خاصة بطريق معتبر و حكم بها بين الناس يندرج حكمه في القسط و العدل و الحق و غيرها من العناوين الواردة في الكتاب المجيد، و ما في معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فتحاكموا إليه»، بناء على أنّ ذلك يعمّ غير المجتهد.

و الحاصل يمكن القول بأنّه يندرج في الحكم بالحق و العدل و القيام بالقسط تعلّم الأحكام بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح و الحكم بما تعلم بين الناس، فلا يعتبر في القضاء أصل الاجتهاد فضلا عن الاجتهاد المطلق.

و أجاب عن ذلك بأنّه يمكن أن يقال: يستفاد من الروايات اعتبار أمر آخر في جواز القضاء و الحكم بين الناس زائدا على العلم بالأحكام و هو النصب‌

____________

(1) النساء: 58.

(2) النساء: 135.

(3) المائدة: 47.

(4) الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6: 11.

19

(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالرئاسة العامة مع خلوّه في أوّل أمره من الكتابة و الأقرب اشتراط ذلك لما يضطر إليه من الأمور التي لا تتيسر لغير النبي بدون الكتابة.

____________

من قبل الإمام- (عليه السلام)-، و استشهد على اعتباره بصحيحة سليمان بن خالد و خبر إسحاق بن عمّار المتقدمتين، و على ذلك يقيّد إطلاق جواز الحكم بالحق و العدل و القسط بما إذا كان ذلك بالنصب، و قد ورد هذا النصب في مقبولة عمر بن حنظلة و معتبرة أبي خديجة بناء على ارادة الاجتهاد منها، كما هو ظاهر المقبولة، أو يحمل القيام بالقسط و الحكم بالحق في الآيات و الروايات المشار إليها بالقيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المجرّدين عن القضاء و فصل الخصومة كما هو المراد في المقام.

و ناقش في الجواب المزبور بأنّه لو كان النصب معتبرا أمكن دعوى تحقّقه بالإضافة إلى كل مؤمن يعلم من أحكامهم- (عليهم السلام)- ما يقضي به في الواقعة سواء أ كان بالاجتهاد أم بالتقليد الصحيح، كما تدل عليه رواية جميل عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- «قال: سمعته يقول: يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم و متعلّم و غثاء، فنحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء» (1)، حيث إنّ ظاهرها تساوي الشيعة العالمين بالأحكام سواء أ كان تعلّمهم بالمشافهة أم بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح، كما يستفاد ذلك من خبر عبد اللّه بن طلحة عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أيضا الوارد في السارق الذي قتلته المرأة التي دخل بيتها ليسرق و فجر بها بالإكراه و قتل ابنها، حيث أمر الإمام- (عليه السلام)- السائل بالقضاء في الواقعة بما أجاب (2).

و النهي أو الإنكار عن القضاء أو على القضاء يرجع إلى المعرضين في‌

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5: 8.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8: 5.

20

و لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط، و في انعقاد قضاء

____________

القضاء عن التمسك بحبلهم و أحكامهم- (عليهم السلام)- و الأخذ بآرائهم و قياساتهم و غير ذلك من الباطل الذي لفّقوه من عندهم و استغنوا بذلك عن تتبّع أحكام الأئمّة- (عليهم السلام)-، و استشهد لذلك بصحيحة الحلبي المتقدمة: «قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ربّما كان بين رجلين من أصحابنا المنازعة في الشي‌ء فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط» (1).

و لو سلم عدم دلالة النصوص على نصب كل شيعي عالم بأحكامهم كما ذكر فلا أقل من عدم الدلالة على عدم النصب.

بل لو تأمّل المتأمل في القضاة الذين كانوا زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمر الناس بالترافع إليهم لوجد جلّهم قاصرين عن مرتبة الاجتهاد و كان قضاؤهم و حكمهم بما سمعوا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فالالتزام بقصور من تعلّم جملة من أحكامهم مشافهة أو اجتهادا أو بتقليد صحيح عن منصب القضاء خلاف الآيات و الروايات المشار إليها، و نصب خصوص المجتهد زمان الغيبة بناء على ظهور المعتبرة و المقبولة فيه لا ينافي نصب غيره للقضاء أيضا، فيكون نصب المجتهد بالنصب العام على وجه يكون للإمام- (عليه السلام)- من الرئاسة العامة للتصرف بالقضاء و غيره من الولايات و من تلك الولايات نصب القاضي، فيجوز للمجتهد نصب مقلّده للقضاء بفتواه في المنازعات المرفوعة إليه و لا تكون هذه الرئاسة لغيره.

و المتحصل أنّ اشتراط الاجتهاد في القاضي الموجب لعدم جواز القضاء لغيره من العالم بالأحكام بالتقليد الصحيح كاشتراط البصر و الكتابة و الحرية‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 23 من أبواب قصاص النفس، الحديث 2: 45.

21

الأعمى تردد، أظهره أنّه لا ينعقد لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم و تعذر ذلك مع

____________

و نحو ذلك يناسب الاستحسان و القياس و نحوهما ممّا ذكره العامة و لا يناسب الروايات المنقولة إلينا عن الأئمة- (عليهم السلام)-، و دعوى الإجماع في المسألة لا يمكن المساعدة عليها حيث حكى في التنقيح عن المبسوط بأنّ في المسألة أقوالا ثلاثة:

منها جواز تصدي العامي للقضاء، بحيث أن يستفتي المجتهد ثم يقضي و إذا كان جواز التصدي من العامي قبل تعلّمه قولا فكيف يدعى عدم الجواز لمن تصدى للقضاء بعد الاستفتاء و تعلّم جملة من الأحكام بحيث يقضي في الواقعة بما يعلمه! و ذكر- (قدّس سرّه)- في آخر كلامه: و لو سلم اعتبار النصب أو غيره من الشرائط ممّا ذكروه في القاضي من الكتابة و البصر و نحو ذلك فلا وجه لاعتبارها في جواز الإفتاء، حيث إنّ الفتوى بالاجتهاد الصحيح حكم بما أنزل اللّه و العدل و القسط فيجوز و يجب الأخذ بها بعد كونها مندرجة في العدل و الحكم بما أنزل اللّه و القيام بالقسط و لا يحتاج إلى النصب كما هو مقتضى جوازها و وجوب الأخذ بها فيكون شروط القضاء غير شرط الفتوى، نعم يمكن استفادة اعتبار الفتوى من دليل جواز القضاء فإنّ الحكم الخاص الذي طبق على واقعة و يعبّر عنه بالقضاء إذا كان حقا و عدلا و قسطا كانت الكبرى المنطبقة عليها حقّا و عدلا و تلك الكبرى تعتبر- هذا ملخص كلامه الطويل العريض في المقام.

أقول: أمّا قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ (1)، ظاهره و لا أقل من المحتمل كون المراد من القيام بالقسط هي الشهادة بالحق و عدم العدول عنه، و يؤيده قوله سبحانه في سورة‌

____________

(1) النساء: 135.

22

العمى إلّا فيما يقل، و هل يشترط الحرية؟ قال في المبسوط: نعم، و الأقرب أنّه

____________

المائدة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ (1)، و على تقدير كون المراد القيمومة بالقسط في كل مقام حتى عند القيام بالقضاء بين الناس، بأن يكون شهداء للّه خبرا بعد خبر فليس لها دلالة على نفوذ القضاء من كل شخص، لعدم كونها في مقام بيان شرائط القاضي، بل في مقام بيان العدل و الحق في كل الأمور و منها القضاء، كما أنّ الأمر بكون الناس شهداء للّه لا يقتضي قبول الشهادة في كل مقام عن كل شخص كما إذا كانت على الغير و لم يكن عادلا.

و بتعبير آخر شمول قوله سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ للقضاء بين الناس، مثل قوله سبحانه وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (2) في مقام اعتبار القسط في الحكم، و أمّا الأمور المعتبرة في الحاكم فلا نظر له إلى ذلك، فلا يمكن التمسك بشي‌ء منهما في دفع احتمال بعض الأمور المحتمل اعتبارها في الحاكم كالاجتهاد و كونه رجلا، لاحظ قوله سبحانه إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (3) فإنّه ليس في مقام بيان الأمور المعتبرة في المطلق، و لو شك في اعتبار كون المطلق زوجا أو يصحّ طلاق الولي أيضا فلا يمكن التمسك به في إثبات صحّة طلاق الولي.

و ممّا ذكرنا يظهر ما عن بعض الأصحاب- (قدّس سرّه)- من رفع اليد عن إطلاق الآيات بما ورد في نفوذ القضاء من كون القاضي راويا للحديث و الناظر في الحلال و الحرام و العالم بقضاياهم من العناوين التي لا تصدق على العامي و لو مع تعلّمه عددا من القضايا من مجتهده لا يمكن المساعدة عليه.

____________

(1) المائدة: 8.

(2) النساء: 58.

(3) الطلاق: 1.

23

ليس شرطا.

____________

و الحاصل انّ الكلام في المقام في شرائط القاضي بحيث ينفذ حكمه لا في شرائط حلية إبراز الحكم الشرعي و الحق في الواقعة، و لذا لا يمكن التمسك في المقام أيضا بقوله سبحانه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ (1) فإنّ مفهومه أنّه لا محذور تكليفا على الشخص إذا كان حكمه بما أنزل اللّه، و أمّا ما يعتبر في نفوذ ذلك الحكم فلا تعرض فيه لذلك، و نظير ذلك ما ورد في رجل قضى بالحق و هو يعلم.

نعم ربّما يستدل على عدم اعتبار الاجتهاد و لو بنحو التجزي في قاضي التحكيم بالإطلاق في صحيحة الحلبي «قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: ربّما كان بين رجلين من أصحابنا المنازعة في الشي‌ء فيتراضيان برجل منّا فقال: ليس هو ذاك- الحديث». بعد تقييدها بكون الرجل عادلا يعلم القضاء في تلك الواقعة و لو تقليدا، أخذا بما دلّ على عدم نفوذ الفاسق و عدم جواز القضاء مع الجهل بالحق.

و لكن قد تقدم أنّ مدلول مقبولة عمر بن حنظلة و معتبرة سالم بن مكرم يناسب القضاء بنحو التحكيم، حيث إنّ الأمر بتوافق الخصمين في الرجوع إلى من ذكر فيهما و الرضا بحكمه مقتضاه ذلك و لو كان المراد القاضي الابتدائي لكان تعيين المراجعة إليه بيد المدعي، لما يأتي من أنّ تعيين القاضي حق للمدعي و المدعى عليه ملزم بالاستجابة عند رجوع المدعي إلى القاضي الابتدائي، خصوصا بملاحظة ما ورد في ذيل المقبولة من فرض تعيين كل من المتخاصمين رجلا و تراضيهما بكونهما ناظرين في منازعتهما، و لو كان القضاء ابتدائيا لكان الحكم هو الذي عيّنه المدعي، و ينفذ حكمه على المتخاصمين.

____________

(1) المائدة: 47.

24

[و هنا مسائل]

و هنا مسائل:

[الأولى: يشترط في ثبوت الولاية اذن الإمام أو من فوّض إليه الإمام]

الأولى: يشترط في ثبوت الولاية اذن الإمام (1) أو من فوّض إليه الإمام، و لو استقضى أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته، نعم لو تراضى خصمان بواحد من

____________

أضف إلى ذلك أنّ المقبولة و المعتبرة لم يفرض فيهما زمان الغيبة، بل المتيقن من الأمر فيهما بالمراجعة إلى من وصفه- (عليه السلام)- زمان حضوره، و من الظاهر أنّ في ذلك الزمان لم يكن القضاء من أصحابه- (عليه السلام)- كالقضاء ممّن له شؤون القاضي من استيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض، أو حقوق اللّه من العقوبات لأنّ هذا الاستيفاء يتوقف على القدرة و السيطرة التي كانت بيد المخالفين، و لا تحصل للشخص إلّا أن يكون بيده ولاية البلاد و امارتها أو بكونه منصوبا بالنصب الخاص من قبل من يكون كذلك، اللهم إلّا أن يقال: إنّ عدم التمكن من العمل بمقتضى الولاية لا ينافي ثبوت الولاية.

هذا كله بالإضافة إلى اشتراط الاجتهاد و عدمه في القاضي، و أمّا اعتبار سائر الأمور من عرفانه الكتابة و البصر و الحرية أو غير ذلك فقد تقدم أنّ مقتضى الإطلاق في دليل نفوذ القضاء عدم اعتبار شي‌ء منها، فيكفي في القاضي البصيرة و لا يلزم البصر و كذا في غيره.

(1) ظاهر كلامه- (قدّس سرّه)- أن نصب الإمام- (عليه السلام)- أو من فوّض إليه أمر النصب شرط في نفوذ القضاء من القاضي الابتدائي فلا ينفذ القضاء من غير المجاز إلّا بنحو التحكيم، و يعتبر في قاضي التحكيم الشرائط المعتبرة في القاضي الابتدائي و منها الاجتهاد كما تقدم.

ثمّ ذكر- (قدّس سرّه)- أنّ مع عدم الإمام ينفذ قضاء الفقيه الجامع‌

25

الرعية و ترافعا إليه فحكم بينهما لزمهما الحكم و لا يشترط رضاهما بعد الحكم، و يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام و يعمّ الجواز كل الأحكام

____________

لشرائط الفتوى من فقهاء أهل البيت- (سلام اللّه عليهم أجمعين)-، و تمسّك في ذلك بقول أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في معتبرة أبي خديجة: «فاجعلوه قاضيا فانّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه».

أقول: إن كان المراد بالإذن الإذن الخاص، فيمكن الفرق بين قاضي التحكيم و القاضي الابتدائي بأنّه ليس في قاضي التحكيم الاذن الخاص، و لذا لا ينفذ حكمه إلّا مع تراضي الخصمين بكونه حاكما في منازعتهما، إلّا أنّه يرد عليه أنّه كيف يمكن القاضي الابتدائي مع عدم الإمام- (عليه السلام).

فان قيل: انّه لا يعتبر مع عدم حضور الإمام- (عليه السلام)- الاذن الخاص في القاضي الابتدائي، فيقال: إن كان المستند لعدم اعتباره معتبرة أبي خديجة و رواية عمر بن حنظلة و غيرهما فهي تعم زمان حضور الإمام- (عليه السلام)- بل ذلك الزمان مقطوع من مدلولها.

و على الجملة: نفوذ القضاء بلا اذن خاص في زمان غيبة الإمام- (عليه السلام)- خاصة خارج عن مدلول تلك الاخبار، إلّا أن يراد من عدم الإمام عدم التمكن من الرجوع إليه، سواء أ كان زمان الحضور أم زمان الغيبة.

و إن كان المراد بالإذن الأعم من الاذن الخاص، كما هو المعروف في كلمات الأصحاب فكيف يتصور قاضي التحكيم مع اعتبار الاجتهاد فيه كالقاضي الابتدائي. و الحاصل لم يظهر لي ما يجمع شمل كلام الماتن في المقام.

و أيضا إن أراد ممّا ذكره- (قدّس سرّه)- من جواز القضاء بنحو التحكيم في جميع الأحكام تمام المرافعات و المنازعات، فهو و إن أراد استيفاء حقوق الناس‌

26

و مع عدم الإمام ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى، لقول أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: «فاجعلوه قاضيا فإنّي جعلته قاضيا

____________

بعضهم من بعض لاستيفاء حقوق الناس و حقوق اللّه من العقوبات الشرعية، فمن المعلوم أنّه ليس في البين ما يدل على جواز ذلك لمن يجوز له القضاء بنحو التحكيم، بل غاية ما يستفاد من صحيحة الحلبي المتقدمة نفوذ قضائه في المنازعات و المرافعات، بل استفادة العموم من معتبرة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة أيضا مشكل.

نعم لا يبعد أن يقتضي دليل الحسبة التصدي للقضاء بنحو القاضي المنصوب الخاص، و استيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض، و اجراء الحدود و التعزيرات على مرتكبي موجباتهما، حفظا لحقوق الناس و نظام البلاد، و كون من له القضاء هو المتيقن ممّن تقتضي خطابات الحدود و التعزيرات اجرائهما على المرتكبين.

ثمّ إنّه يكفي في القاضي في واقعة علمه بحكمها، و لو بنحو التجزي في الاجتهاد، فلا يعتبر الاجتهاد المطلق، لصدق ما ورد في معتبرة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة عليه، فإنّ العلم بالأحكام المتعارف في ذلك الزمان و عرفانه بها و النظر فيها كان بوصول الخطابات الشرعية إلى الشخص و عرفانه مداليلها بمقدار يعتدّ بها، و هذا أقل مراتب الاجتهاد، و نصب القاضي في زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو في زمان علي- (عليه السلام)- قد وقع لهذا النحو من العالم، و استظهار جواز القضاء لمن تعبّد بفهم الغير من تلك الخطابات و الروايات و ان صدق عليه أنّه تعلم الأحكام من ذلك الغير مشكل جدا، لانصرافهما إلى ما إذا كان التعلم بنحو المعهود في ذلك الزمان.

بل في البين أمر آخر و هو أنّه إذا فرض مع عدم حضور الإمام- (عليه السلام)-

27

فتحاكموا إليه»، و لو عدل و الحال هذه إلى قضاة الجور كان مخطئا (1).

____________

الولاية الشرعية بتنظيم أمر البلاد و التحفظ عليها للفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى، أو من نصبه إدخالا لأمر تنظيم أمور البلاد و التحفظ عليها في أمور الحسبة، فالتصدي للقضاء و سائر شؤون القضاء و استيفاء الحقوق و العقوبات الشرعية بلا استيذان من ذلك القائم بأمر نظام البلاد و التحفظ بها فيما إذا أوجب ذلك موجبا لبعض الاختلال فيها و ضعف القوة المركزية لحوزة الإسلام، التي تصدى لها الفقيه الجامع لشرائط الفتوى أو المنصوب و المجاز من قبله مشكل إلّا بنحو قضاء التحكيم، حيث لو قيل باستفادة القضاء الابتدائي من المقبولة و معتبرة أبي خديجة فلا ينبغي التأمّل في أنّ المفروض من مدلولهما غير هذا الفرض، مع أنّ الأصل عدم نفوذ القضاء فلا بدّ في الخروج عنه من ثبوت الدليل عليه.

نعم إذا كان القائم بأمر تنظيمها و التحفظ عليها ملحقا بحكّام الجور يكون أمر القضاء في المنازعات داخلا في مداليل الروايات المشار إليها.

(1) لا خلاف في عدم جواز الترافع إلى قضاة الجور مع التمكن من الرجوع إلى من هو أهل للقضاء و استيفاء حقه بحكمه.

و يقال و كذا المراجعة إلى مطلق من ليس أهلا للقضاء، و يشهد لذلك مثل معتبرة أبي خديجة المتقدمة، فإنّ عدم الجواز مقتضى التحذير الوارد فيها من قوله- (عليه السلام)-: «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور»، و نحوها غيرها.

و لكن يمكن دعوى أنّ التحذير المزبور لا يعمّ مطلق من لا يكون أهلا للقضاء، بل مثل القضاة في ذلك العصر ممن كانوا من أصحاب الصولة و السيطرة و مستقلين في قضاياهم و لو بالقياسات و الاستحسانات تاركين قضايا أهل بيت العصمة- (عليهم السلام).

28

..........

____________

و على ذلك فلا يكون في المراجعة إلى غير أهله من العالم بقضاياهم- (عليهم السلام)- مع فقده بعض الأمور المعتبرة في القاضي إلّا الحكم الوضعي و هو عدم نفوذ قضائه، فلا يحلّ له المال فيما إذا لم يحرز بحجّة معتبرة من الخارج أنّه حقّه، بخلاف ما إذا أحرز ذلك، فلا يكون عليه في أخذه أيّ محذور.

و قيل بحرمة اعانة الغير على ارتكاب الحرام فيحرم المراجعة إليه، يعني إلى غير الأهل للقضاء لأنّ القضاء من غير الأهل محرم، و المراجعة إليه من إعانته على ارتكابه المحرم.

و لكن ذكرنا في المكاسب المحرمة أنّ في حرمة مجرد اعانة الغير على ارتكابه الحرام من غير كونه داخلا في عنوان الإعانة على الظلم على الغير و من غير كونه تعاونا على الإثم و العدوان تأمّلا، و أيضا في حرمة قضاء غير الأهل مع علمه بحكم الواقعة مع التزامه بعدم نفوذ قضائه تأمّل، و إنّما لا يكون قضاؤه جائزا وضعا، نعم القضاء من غير علم محرّم لأنّه من الافتراء و الكذب على الشارع.

و كيف ما كان فلو توقّف استنقاذ حقه المعلوم و المحرز على المراجعة إلى قاضي الجور أو من ليس أهلا للقضاء فيجوز كما هو ظاهر الماتن- (قدّس سرّه)- و غيره، و الوجه في ذلك انّ التحذير في معتبرة أبي خديجة و غيرها منصرف إلى صورة إمكان فصل الخصومة بالمراجعة إلى من كان أهلا له و لو بنحو التحكيم، و لو فرض الإطلاق و عدم الانصراف يكون الجواز مقتضى قاعدة نفي الضرر الحاكمة على المحرمات، و منها المراجعة إلى أهل الجور أو حرمة الإعانة على إثم الغير و ارتكابه الحرام.

ثمّ إنّ المذكور في كلمات جماعة من الأصحاب، بل المشهور عندهم كما قيل أنّه إن أخذ حقّه بالمراجعة إلى غير الأهل للقضاء في فرض حرمة المراجعة إليه‌

29

..........

____________

لا يحلّ له ذلك الحق و إن كان ثابتا في الواقع.

و قد ورد ذلك في معتبرة عمر بن حنظلة التي وصفوها بالمقبولة لعمل الأصحاب بهذا الحكم الوارد فيها، و عبارة عدة من الأصحاب كعبارة الماتن خالية عن ذكر ذلك. و ناقش بعضهم في الرواية بضعف السند لعدم ثبوت توثيق لعمر ابن حنظلة، و لكن ذكرنا أنّ الرجل من المعاريف، و لم يرد في حقه قدح.

نعم لا موجب لعدم الحل فيما إذا كان مورد المخاصمة عينا و كان الشخص محرزا أنها ماله، فإنّ مقتضى كونها ماله جواز تصرفه فيها و الحق الوارد فيها ينصرف إلى الدين، و الدين و ان يتعيّن في المال الخارجي بإعطاء المديون بقصد الوفاء، و هذا القصد حاصل في فرض الرواية، لكن عدم حلّ هذا للشخص لعدم علمه باستحقاقه واقعا، كما هو المفروض في المعتبرة من كون مورد السؤال فيها الشبهة الحكمية.

و من هنا لو كان الحق الوارد فيها ما يعمّ العين فلا بأس بالالتزام بعدم الحل، لما ذكرنا أنّ المفروض فيها الشبهة الحكمية، و مع عدم نفوذ قضاء القاضي لا سبيل للشخص إلى إحراز حقه ليجوز له بحسب الحكم الظاهري.

و بتعبير آخر المفروض في المعتبرة اختلافهما في الدين و الميراث، فالأوّل يختص بغير العين و الثاني يعم العين و الدين، و يلتزم بأنّ الشخص فيما إذا لم يحرز استحقاقه إلّا بطريق القضاء غير النافذ فلا يجوز له التصرف و لو كان محقا في الواقع في موارد الدين و العين، و لو سلّم أنّ الرواية تعم العين و الدين حتى ما إذا كان الاختلاف فيهما لاختلاف الموضوع لا الحكم الكلي، فيلتزم بعدم الحل لكنه عدم الحل في خصوص المراجعة إلى المفروض فيها من السلطان الجائر و القاضي المنصوب من قبله.

30

[الثانية: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه، و ربّما وجب]

الثانية: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه (1)، و ربّما وجب و وجوبه على الكفاية، و إذا علم الإمام أنّ بلدا خال من قاض لزم أن يبعث

____________

(1) ذكر الماتن- (قدّس سرّه)- استحباب تولي القضاء لمن يثق بنفسه و يجد لنفسها شرائط القضاء، و قد يجب كفاية، و يظهر من آخر كلامه أنّ وجوبه في موارده من جهة وجوب الأمر بالمعروف، و كأنّ حكم القاضي بين المتخاصمين داخل في عنوان الأمر بالمعروف فيجب حيث قال: و لو لم يعلم الإمام من يكون له شرائط القاضي مع انحصار واجدها به وجب أن يعرّف نفسه طلبا لنصب الإمام، لأنّ القضاء من الأمر بالمعروف.

و فيه ما تقدم من أنّ وجوب القضاء لا يرتبط بمسألة وجوب الأمر بالمعروف، كيف و قد لا يكون من يلزم بالدين على صاحبه لإثباته ذلك الدين بالبينة معروفا واقعا لخطأ البينة، أو لأنّ المنكر قد أدى الدين، و لكن لعدم البينة له على الأداء أنكر الدين إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا يجب فيها إرشاد الجاهل بها أو المعتقد بخلافها.

و كيف كان فالمذكور في كلام جماعة من الأصحاب أنّ القضاء مستحب عيني و واجب كفائي.

و يورد على ذلك بأنّ الاستحباب التعييني و إن يجتمع مع الوجوب التخييري كما في كفارة شهر رمضان حيث يجب عتق الرقبة تخييرا مع كونه مستحبا تعيينا، حيث انّ الوجوب في موارد التخييري يتعلق بالجامع بين الخصال و لو كان ذلك الجامع أمرا انتزاعيا اعتباريا كعنوان أحدها فلا يتعلّق الوجوب بعتق‌

31

له و يأثم أهل البلد بالاتفاق على منعه و يحلّ قتالهم طلبا للإجابة، و لو وجد من هو بالشرائط فامتنع لم يجبر مع وجود مثله، و لو ألزمه الإمام. قال في الخلاف: لم يكن له الامتناع لأنّ ما يلزم به الإمام واجب، و نحن نمنع الإلزام إذ الإمام لا يلزم بما ليس

____________

الرقبة، بل يتعلّق بالجامع و يكون العتق مصداقا له، فلا منع في كون تطبيق الواجب عليه مستحبا تعيينا، و أمّا في موارد الوجوب الكفائي فاجتماع الوجوب الكفائي في فعل مع كون ذلك الفعل مستحبا عينيا غير ممكن، لأنّ التكليف في موارد الوجوب الكفائي يتوجه إلى كل واحد من المتعددين، غاية الأمر التكليف المتوجه إلى كل منهم مغيّى بعدم حصول الفعل من الآخرين، حيث انّ توجه التكليف و البعث إلى الجامع من غير أن يتوجه إلى الأشخاص غير معقول، فإنّ الجامع لا يقبل الانبعاث و الانزجار و لا يقاس بالأحكام الوضعية مثل ملكية الزكاة للفقير و سهم السادة للهاشمي الفقير.

و على ذلك فمع توجه التكليف الوجوبي إلى فعل الشخص، و لو مع كونه مغيّى بعدم حصول الفعل من الآخر، كيف يكون ذلك الفعل مستحبا لذلك الشخص، خصوصا بملاحظة أنّ الاستحباب أيضا يكون كفائيا لسقوطه بحصول الفعل من الآخرين.

و قد نقل في الجواهر في الجمع بين الاستحباب العيني و الوجوب الكفائي بعض الوجوه، ككون الوجوب الكفائي قبل قيام الغير بشؤون القضاء في الواقعة و الاستحباب النفسي ممن يثق بنفسه يتعلّق بالقضاء في تلك الواقعة بعد تصدي الغير و قيامه بمقدمات القضاء فيها.

و ناقش فيه بأنّهم لم يقيّدوا الاستحباب بما بعد سقوط الوجوب الكفائي‌

32

لازما، أمّا لو لم يوجد غيره تعيّن هو و لزمه الإجابة، و لو لم يعلم به الإمام وجب أن يعرّف نفسه لأنّ القضاء من باب الأمر بالمعروف. و هل يجوز أن يبذل مالا ليلي القضاء؟ قيل: لا لأنّه كالرشوة.

____________

و قيام الغير بشؤون القضاء في واقعة، مع أنّ الوجوب الكفائي لا يسقط بمجرّد قيام الغير بمقدمات الفعل أو تهيئة نفسه للإتيان به، و ذكر أنّ الأولى أن يقال: إن التولي للقضاء عن الإمام- (عليه السلام)- مستحب نفسي لمن يثق من نفسه و لا يجب على غير الإمام- (عليه السلام)- التولي على ما تقدم من الروايات و في بعضها من أنّ القضاء لنبي أو وصي نبي، نعم ربّما يجب التولي إذا كان مقدمة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بحيث يكون الشخص مع تولي القضاء متمكّنا منهما كما يجب فيما أمر الإمام- (عليه السلام)- بالتولي، و لعل ما ذكر المصنّف- ره- يرجع إلى ذلك، انتهى.

أقول: يمكن أن يقال إنّ تولي القضاء بجعل نفسه في معرض المرافعة إليه مع شمول الاذن و النصب له و إن كان واجبا كفائيا مع عدم الانحصار، و عينيا مع الانحصار، حفظا للنظام و حسما للمخاصمة و المنازعة بين الناس الموجبة لانعدام الأمن و التشاجر الموجب لضياع الحقوق، إلّا أنّ وجوب القضاء في كل واقعة ترفع إليه غير واجب فيما إذا أمكن عرض الصلح على المترافعين أو ترغيب مدعي الحق في العفو و الإغماض، حتى على تقدير حقه واقعا، و في مثل ذلك إذا اطمئن من نفسه بإيصال الحق إلى صاحبه بالقضاء فيها يكون القضاء مستحبا لما فيه اعانة و سعي في قضاء حاجة المؤمن و نحو إيصال الحق إلى صاحبه.

33

[الثالثة: إذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة]

الثالثة: إذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة فيهما، فإن قلّد الأفضل جاز، و هل يجوز العدول إلى المفضول فيه تردد، و الوجه الجواز (1) لأنّ خلله ينجبر بنظر الإمام.

____________

(1) ذكر- (قدّس سرّه)- إذا كان اثنان بشرائط القاضي، و لكن اختص أحدهما بالفضيلة، يعني بالأعلميّة في مسائل القضاء، فلو نصب الإمام الأفضل جاز، و هل يجوز له ترك الأفضل و نصب المفضول، فيه تردد، و لكن الأظهر جوازه، لأنّ الخلل الحاصل بترك نصب الأفضل ينجبر بكون الإمام ناظرا إلى قضاء المفضول.

و أورد عليه في الجواهر إنّه قد لا يكون الإمام- (عليه السلام)- قريبا ليطلع على حكم المفضول في الوقائع المرفوعة إليه، و إنّ أصل فرض المسألة خال عن الثمرة، حيث إنّ الإمام- (عليه السلام)- أعلم بما يفعل مع حضوره و العمدة التكلّم في نواب الغيبة الذين بيدهم القضاء في الوقائع، و أنّه هل يجوز المرافعة إلى المفضول منهم في القضاء أو الفتوى و لو مع العلم باختلاف الفاضل مع المفضول في القضاء أو الفتوى و لو إجمالا؟ فاختار الجواز أخذا بالإطلاق في أدلّة النصب العام من قوله- (عليه السلام)- «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا»، فإنّه- (عليه السلام)- لم يقل انظروا إلى الأفضل منكم، و إذا كان قضاء المفضول مع وجود الأفضل نافذا فلازمه اعتبار فتواه في كلّي تلك الواقعة، لأنّ الحكم الكلّي يكون من الحق و القسط و ما أنزل اللّه، فيستفاد جواز تقليد المفضول من جواز المحاكمة إليه، أضف إلى ذلك السيرة المستمرة من المتشرعة، فإنّها كانت جارية على الرجوع في الوقائع المبتلى بها إلى نواب الإمام- (عليه السلام)- مع العلم باختلافهم في مراتب الفضل.

34

..........

____________

لا يقال: لا يمكن التخيير بين الأفضل و المفضول مع العلم باختلافهما، كيف قد ورد في بعض الروايات تعيّن حكم الفاضل و ترجيحه على حكم غيره.

فإنّه يقال: ان ما أشير إليه في بعض الروايات ناظر إلى ما إذا اتفق المتخاصمين على المراجعة إلى الفاضل و المفضول دفعة، فاختلفا في حكم الواقعة فإنّه في هذا الفرض لا يمكن التخيير و لا ترتفع المخاصمة، فلا بد من ترجيح أحدهما، و لذا ذكر فيها أنّه مع فقد الترجيح يتوقف حتى يلقى الإمام- (عليه السلام)-، و لا ينافي ذلك التخيير ابتداء في رفع أصل المخاصمة بين الرجوع إلى الفاضل أو المفضول، بل التأمّل في أدلّة النصب و منها صدر المقبولة يقضي تجويز الرجوع إلى كل منهما و نفوذ قضائه.

أقول: أمّا مسألة الرجوع إلى الأعلم في مقام الاستفتاء فهي خارجة عن البحث في المقام، و قد تقدم أنّه لا ملازمة بين نفوذ قضاء المفضول و اعتبار فتواه، و الكلام في المقام في نفوذ قضائه مع وجود الفاضل، و الأظهر بحسب معتبرة أبي مريم و معتبرة عمر بن حنظلة جواز الرجوع إلى كل منهما، و لكن بما أنّ نفوذ القضاء و اعتباره كنفوذ الفتوى و اعتبارها طريقيّ فلا إطلاق لهما بالإضافة إلى صورة العلم باختلاف الفاضل و المفضول في القضاء في الواقعة التي يراد رفعها إلى القضاء، و بتعبير آخر لا يدخل هذا الفرض في مدلول معتبرة أبي مريم و صدر معتبرة عمر ابن حنظلة.

نعم يستظهر من ذيل الثانية اعتبار قضاء الأعلم، حيث لا يحتمل الفرق بين اعتبار قضائه بعد المراجعة إليه مع المراجعة إلى المفضول و بين الاتفاق‌

35

..........

____________

على المراجعة إلى الأعلم خاصة من الابتداء. بل مقتضى ما تقدم من لزوم التصدي للقضاء حفظا للنظام و استيفاء لحقوق بعض الرعية على البعض الآخر المستكشف منه نفوذ القضاء أيضا نفوذ قضاء الفاضل مع إحراز اختلاف قضائه مع المفضول.

بل لو قيل باعتبار النصب الخاص فيما كان في بقعة من الأرض زعامة إسلامية بحيث يمكن إحراز الولاية الشرعية للمتصدي لها فالمتعين عليه نصب الفاضل إذا كان في نصبه كفاية، لأنّ نفوذ نصبه بالإضافة إلى الأفضل محرز و غيره مشكوك.

و ربّما يدل عليه ما في العهد المعروف إلى مالك الأشتر من قوله- (عليه السلام)-:

«اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك» (1)، و لكن المراد ليس هو الأفضل المطلق بل الأفضل الموجود في البلد و ما حوله بحيث يمكن لعامة الناس في ذلك البلد أو ما حوله من الرجوع إليه، فإنّ اعتبار الرجوع إلى الأفضل المطلق نظير تقليد الأعلم غير محتمل، حيث لا تتيسّر لجميع الناس المرافعة إليه بخلاف أخذ الفتوى، فإنّه يمكن الأخذ بالرجوع إلى رواة الفتوى أو الرجوع إلى رسالة الأعلم.

نعم لا يبعد أن يكون الأمر في القضاء أيضا كذلك فيما إذا كان اختلاف المترافعين و منازعتهما ناشئة عن جهلهما بالحكم الشرعي الثابت للواقعة التي ابتليا بها، حيث إنّه ترتفع منازعتهما برجوعهما إلى فتوى الأعلم من غير حاجة إلى القضاء.

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 9: 163.

36

[الرابعة: إذا اذن له الإمام في الاستخلاف جاز]

الرابعة: إذا اذن له الإمام في الاستخلاف جاز و لو منع لم يجز، و مع إطلاق التولية إن كان هناك امارة تدلّ على الاذن مثل سعة الولاية التي لا تضبطها اليد الواحدة جاز الاستنابة و إلّا فلا، استنادا إلى أن القضاء موقوف على الاذن (1).

____________

(1) ذكر- (قدّس سرّه)- انّه لو أذن الامام- (عليه السلام)- لمنصوبه الخاص في الاستخلاف للقضاء جاز له استخلاف من يجوز له القضاء مع نصبه و لو منع عن الاستخلاف لم يجز، و مع إطلاق توليته القضاء و تفويضه إليه فإن كان في البين قرينة تقتضي الاذن في الاستخلاف، كما لو كان البلد وسيعا لا يتيسّر فيه القضاء بوحدة جاز الاستخلاف، و مع عدم القرينة فلا يجوز لأنّ القضاء من غير الإمام- (عليه السلام)- موقوف على اذنه- (عليه السلام)- و قد تحقق بالإضافة إلى المنصوب دون من يستخلفه.

أقول: المهم في المقام التكلم في زمان الغيبة و انّ المنصوب للقضاء بالنصب العام يجوز له أن يستنيب غيره بالقضاء بالتوكيل، فيما إذا لم يكن من ينوب عنه داخلا في النصب العام كأن يوكّل المجتهد مقلّده البصير في أمر القضاء أن يقضي بفتاواه في الوقائع التي ترفع إليه، بأن يطبق على تلك الوقائع فتاواه التي ذكرها في رسالته أو كتابه، فيحكم بمقتضاها.

فقد ذكر في الجواهر جواز ذلك و نقله عن المحكي عن الفاضل القمي و قال: لا بأس بذلك لو لم يكن إجماع على خلافه كما لهجت بدعواه السنة المعاصرين و بعض من تقدّمهم، و قال: لا يرد على ذلك باختصاص النصب العام بالمجتهد، فكيف يكون قضاء غيره نافذا، فإنّ اختصاص النصب العام للمجتهد يقتضي عدم نفوذ حكم غيره مستقلا، لا عدم نفوذ حكمه و لو كان بالتوكيل عن المنصوب، فانّ للمجتهد الولاية على القضاء نظير ما كان للإمام- (عليه السلام)- على‌

37

..........

____________

ما هو ظاهر رواية عمر بن حنظلة و كما كان للإمام- (عليه السلام)- الاستنابة للقضاء بقضاياه- (عليه السلام)- كذلك للمجتهد الاستنابة و تولية الحكم بفتاواه التي هي عدل و قسط و حكم بما أنزل اللّه، انتهى.

و لا يخفى أنّ غاية ما يستفاد من النصب العام أنّ للعالم بقضاياهم أن يقضي في الوقائع التي ترفع إليه، و أمّا أن له التوكيل بأنّ يوكّل الغير في القضاء فيها فلا.

و بتعبير آخر: ان مقتضى جعل شخص حاكما أو قاضيا كما هو مقتضى معتبرة أبي خديجة و مقبولة عمر بن حنظلة هو قيام مبدء القضاء و الحكم بذلك الشخص لا الأعم من قيامه به و بمن هو من قبله، إلّا أن يثبت أنّ القضاء نظير البيع و النكاح و الطلاق من الأمور التي تستند إلى الشخص بالتسبيب و الوكالة، كما أنّه لم يحرز أنّه من الأفعال التي تستند عرفا إلى غير المباشر أيضا، كما في الحلق و الذبح و التصدّق.

و ليس فيما ورد بمشروعية الوكالة عموم يدخل فيه القضاء. و التمسّك في مشروعية التوكيل في القضاء بمثل رواية معاوية بن وهب و جابر بن يزيد غير صحيح، فإنّها واردة في بيان حكم آخر، و هو استمرار الوكالة في أمر إلى زمان وصول العزل إلى الوكيل بعد مشروعية الوكالة في ذلك الأمر.

و على الجملة: الثابت هو أنّ قضاء المجتهد قضاؤه- (عليه السلام)- و أمّا أنّ قضاء وكيل المجتهد قضاؤه- (عليه السلام)- فهذا غير ظاهر، و مقتضى الأصل عدم النفوذ.

هذا كلّه إذا وكّل المجتهد مقلّده، و أمّا إذا وكّل مجتهدا آخر لا يجوز لذلك المجتهد الاستقلال بالقضاء، كما إذا كان مفضولا و معه الأفضل في البلد‌

38

..........

____________

فالأمر أيضا كذلك، بل الأمر فيه أشكل فإنّه و إن وكّله في القضاء بعلمه فالمفروض أنّ القضاء عنه بعلمه غير نافذ في الواقعة، و إن وكّله في القضاء بفتوى الموكّل فالمفروض أنّ ذلك المجتهد لا يرى فتواه حكم اللّه و الحق و العدل فكيف يكون قضاؤه بالحق و العدل و بما أنزل اللّه.

و أجاب عن ذلك السيد اليزدي- (قدّس سرّه)- بأنّ دليل اعتبار ظن المجتهد على حدّ سواء بالإضافة إلى المجتهدين، و لكن لم يظهر وجه صحيح لذلك الجواب، فإنّ مقتضاه أن يترك ما استفاده من الأدلة و الأخذ في الواقعة بفتوى الغير، و كيف يمكن لمجتهد أن يترك مقتضى خطاب الشرع بنظره و يتعبّد بما يراه مقتضى خلاف ظاهره.

ثمّ إنّه قد يقال: إذا اقتضت المصلحة تولية القضاء لغير الواجد لشرائط القاضي كغير العالم أو غير العادل فللإمام- (عليه السلام)- توليته، و يستدلّ على ذلك بنصب شريح المعروف بفقده شرائطه، و انّ الاضطرار إلى فعل كما يرفع حرمته كذلك الاضطرار إلى ترك رعاية شرط يرفع اشتراطه، و على ذلك فالاضطرار إلى قضاء العالم بالحكم من غير اجتهاد أو من غير عدالة يوجب جواز المرافعة إليه، بل نفوذ قضائه و جواز نصبه.

أقول: الاضطرار، تارة: يلاحظ بالإضافة إلى وليّ الرعية حيث لا يكون له خيار إلّا نصب من لا يكون واجدا للأوصاف المشروطة، كما قيل وقوع ذلك في نصب شريح، و أخرى: بالإضافة إلى الرعية حيث يضطرّون إلى المرافعة إلى قضاء غير الواجد لشرائط القاضي. و ثالثة: يلاحظ بالإضافة إلى نفس القاضي حيث يرى نفسه فاقدا لبعض شرائط القاضي كالعدالة أو الاجتهاد، و لكن يرى‌

39

..........

____________

حاجة الرعية إلى قضائه لعدم كون الواجد لشرائط القضاء بمقدار الكفاية لحاجة الناس أو عدم تصدّي الواجد لشرائطه للقضاء، عذرا أو من غير عذر.

فإن كان الاضطرار بالإضافة إلى وليّ المسلمين فلا ينبغي التأمّل في أنّه يجوز له الاذن لغير الواجد بالقضاء بالحق في الوقائع المرفوعة إليها، لأنّ الاذن في القضاء في نفسه و ان كان غير جائز لغير الواجد، إلّا أنّ طروّ الاضطرار إلى الاذن و النصب يجوّزه، كما يجوزه نفي الحرج أو الضرر الحرمة الثابتة في فعل لولا طرو هذه العناوين، و يقال من هذا القبيل اضطرار علي- (عليه السلام)- إلى النصب في قضية الحكمين. و لكن لا يترتب على هذا النصب حكم وضعي، و بتعبير آخر يكون نصبه هذا من قبيل التقية في بيان الحكم أو القضاء، و لعل نصب شريح كان من هذا القبيل، و لذا اشترط- (عليه السلام)- أن لا ينفذ قضائه حتى يعرضه عليه، و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: «لما ولّى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه (1).

نعم لو كان النصب بمعنى إلزام ولي المسلمين الرعية بالعمل بقضاء ذلك الفاقد و ترتيب الأثر عليه لطرو المصلحة الموجبة لذلك، فلا بأس بالإلزام بترتيب أثر القضاء الصحيح عليه، إلّا مع العلم بخطئه، أو مع العلم بصوابه، كما ربّما يلتزم بذلك بالإضافة إلى قضاء القاضي من أهل الخلاف بالإضافة إلى ثبوت هلال ذي الحجة، و يمكن استظهار ذلك مما ورد في شأن شريح في قضية درع طلحة.

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 6.

40

..........

____________

و لعل اشتراط أن لا ينفذ حكمه حتى يعرضه عليه- (عليه السلام)- لإحراز كونه على الحق، و هذا يدخل في الحكم الولائي بالإضافة إلى الرعية و بالإضافة إلى الولي من الحكم الشرعي في نصبه و أمر الرعية باتباع قضائه، حيث إنّ جواز النصب و جواز الأمر بالاتباع فيما إذا لم يعلم خطأ قضائه أو علم كونه على الموازين من الحكم الشرعي المترتب على ولاية الزعامة على الرعية، فيما كانت شرعية كما في الإمام- (عليه السلام).

و أمّا اضطرار المترافعين إلى المرافعة إلى فاقد الأوصاف المعتبرة في القاضي، فقد تقدم الكلام فيه في المراجعة إلى حكّام الجور و قضائهم من أنّه إذا أحرز حقّه و توقف استنقاذه على الترافع إلى غير الواجد للأوصاف فلا بأس لارتفاع الحرمة بأدلّة نفي الضرر و نفي الحرج و للاضطرار، و لا يقتضي شي‌ء من ذلك اعتبار قضاء الفاقد لشرائط القضاء، حيث مقتضى الأدلّة الرافعة نفي التكليف الثابت لولاها لا إثبات الحكم الوضعي.

و على الجملة فالأوصاف المعتبرة في القاضي لا يدخل في فعل المكلّف ليضطرّ إليه فعلا أو تركا، و إنّما فعله المرافعة إلى فاقد الوصف و الرجوع إليه لو كان محرما يرتفع حرمته، و لكن لا يثبت نفوذ قضائه.

و أمّا اضطرار غير الواجد لأوصاف القاضي إلى القضاء فلا يتصور اضطراره إلى قضائه، فإنّ تولي القضاء مشروط بصفات و على غير الواجد تحصيل تلك الصفات مع تمكنه من تحصيلها ليقضي بين الناس، و مع عدم تمكنه فلا تكليف بالإضافة إلى القضاء، نعم يمكن تصوير إكراهه على القضاء، و معه يجوز له القضاء تكليفا، و لكن لا يثبت لقضائه نفوذ.

41

[الخامسة: إذا ولي من لا يتعين عليه القضاء]

الخامسة: إذا ولي من لا يتعين عليه القضاء فإن كان له كفاية من ماله فالأفضل أن لا يطلب الرزق من بيت المال و لو طلب جاز (1) لأنّه من المصالح، و إن تعيّن عليه القضاء و لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق و إن كان له كفاية قيل: لا يجوز له أخذ الرزق لأنّه يؤدي فرضا.

____________

(1) ذكر- (قدّس سرّه)- أنّه إذا لم يتعين على الشخص تولّي القضاء كما إذا كان التولي واجبا كفائيا و تولى القضاء و كان له مال يكفي لمؤنته، فالأفضل أن لا يأخذ الرزق من بيت المال المجتمع من الزكوات و الخراج و المقاسمة و جزية الرؤوس و نحوها، و لعل وجه كونه أفضل توفير بيت المال و تيسير ولي المسلمين، حيث إنّ الامتناع عن الارتزاق منها إعانته على مهامّه من صرف المال على سائر مصالح المسلمين، و لو طلب الرزق و الحال هذه جاز لأنّ صرفها على القضاة من صرفها على مصالح المسلمين.

و ذكر في الجواهر أنّ في جواز المطالبة إشكال، و هو أنّه مع وجوب تولي القضاء و لو بنحو الواجب الكفائي لا يجوز له الامتناع عن التولي، و مع عدم الجواز كيف يجوز له المطالبة بالمال، هذا لو لم نقل بكون القضاء تعبديا و إلّا يجي‌ء في الطلب اشكال آخر و هو أنّ العبادة فعل العبد ليتقرب به إلى اللّه سبحانه و مع أخذ العوض يلزم الجمع بين العوض و المعوض، هذا إذا كان الوجوب كفائيا، و أمّا إذا تولى القضاء لعدم الآخر أو أمر الإمام- (عليه السلام)- بالتولي فيجوز أخذ الرزق مع حاجته لقيامه بمصلحة المسلمين و نظام النوع، و أمّا إذا لم يكن محتاجا فلا يجوز على قول لأنّ القضاء في الفرض متعيّن عليه.

أقول: أمّا أخذ الرزق من بيت المال فالأظهر جوازه، سواء أ كان له مال يكفي لمؤنته أم لا، لأنّ بيت المال معدّ للصرف على مصالح المسلمين، و إذا كان في إعطاء ولي المسلمين القاضي من بيت المال و لو مع عدم فقره ما يوجب‌

42

امّا لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و الوجه التفصيل، فمع عدم التعين و حصول الضرورة قيل يجوز و الأولى المنع و لو اختلّ أحد الشرطين لم يجز.

____________

اهتمامه و سعيه في أمر القضاء جاز له الإعطاء، كما جاز للقاضي الطلب و الأخذ.

و لا يقال: قد ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «سئل أبو عبد اللّه- (عليه السلام)- عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت» (1).

فإنّه يقال: مع أنّ ظاهرها العوض على القضاء، حيث لو كان المراد مجرد الارتزاق لاكتفى السائل بقوله عن قاض بين قريتين يأخذ الرزق من السلطان، فهي منصرفة إلى قضاة الجور المعروفين في ذلك الزمان المنهي عن المراجعة إليهم من الأعوان الظلمة.

و الحاصل ارتزاق القاضي و الإعطاء من بيت المال له من صرفه على مصالح المسلمين، خصوصا مع حاجته و لو للتوفير على عياله أو تأمين الأمور المرتبة على قضائه، و قد ورد في العهد المعروف إلى مالك الأشتر: «و أكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيح علّته و تقلّ معه حاجته إلى الناس» (2).

و أمّا أخذ الأجرة على القضاء فقد ذكرنا في بحث أخذ الأجرة على الواجبات أنّ مجرد وجوب الفعل و لو كان تعبّديا لا يوجب عدم جواز أخذ الأجرة عليه، لأنّ العبادة لا توجب كون الفعل مملوكا لفاعله أو للّه سبحانه بملك اعتباري ليلزم من أخذ الأجرة عليه الجمع بين العوض و المعوض، و يكفي في قصد التقرّب المعتبر فيه انّه لو لم يكن أمر الشارع به لما كان يأتي به حتى مع إعطاء الأجرة عليه، بل الموجب لفساد أخذ الأجرة أحد أمرين: أحدهما: أن يكون إيجابه على المكلّف بأن يأتي به مجانا، الثاني: عدم المالية لذلك الفعل، سواء‌

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1: 162.

(2) المصدر نفسه: الحديث 9: 163.

43

امّا الشاهد فلا يجوز له أخذ الأجرة، لتعيّن الإقامة عليه مع التمكّن، و يجوز للمؤذن و القاسم و كاتب القاضي و المترجم و صاحب الديوان و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال لأنّه من المصالح، و كذا من يكيل للناس و يزن، و من يعلّم القرآن و الآداب.

____________

أ كان واجبا أم مندوبا، بحيث يكون أخذ العوض عليه من أكل المال بالباطل.

و ربّما يقال: إنّه يستفاد عدم المالية للقضاء شرعا و إيجابه على واجد الأوصاف مجانا من صحيحة عمّار بن مروان قال: «قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

كل شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت، و السحت أنواع كثيرة، منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة و منها أجور القضاة و أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر و الربا بعد البينة فأمّا الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم جلّ اسمه و برسوله» (1).

و أجيب بأنّها ناظرة إلى ذلك الزمان من القضاة المتصدين للقضاء من قبل الظلمة، و إنّ أجورهم داخلة في ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، كما يؤيّدها تكرار لفظة منها الظاهرة في التبعيض، مع رجوع الضمير إلى الموصول لا إلى الأنواع.

أقول: لم تظهر قرينة على أنّ الألف و اللام في القضاة للعهد و تكرار لفظة منها لا يدلّ على شي‌ء لو لم يكن تأنيث الضمير قرينة على عوده إلى الأنواع، مضافا إلى أنّ القضاء في واقعة كالإفتاء فيها في عدم المالية، فالأحوط ترك أخذ العوض من المتخاصمين. بل مطلقا، و إن كان العهد المعروف يشير إلى جواز الأوّل و الاكتفاء بالارتزاق، حيث إنّ ما في العهد لا يخرج إلى حد الظهور في أخذ العوض، فإنّه يمكن أن يكون السؤال لكتابة القضاء، و لو كان الكاتب هو القاضي و مثل الكتابة ليس داخلا في القضاء الواجب، كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل: ج 12 الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12: 64.

44

[السادسة: تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة]

السادسة: تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة (1)، و كذا يثبت

____________

(1) الظاهر انّ المراد من ولاية القاضي نصبه الخاص للقضاء و مراده من الاستفاضة شهرة خبر نصبه، بحيث يحصل منه الاطمئنان و الوثوق و سكون النفس غالبا، و لو لم يكن في بعض الموارد لبعض الجهات كذلك و الثبوت بالشياع كذلك لا يختص بالولاية على القضاء، بل يثبت بالاستفاضة غيرها أيضا مما جرت السيرة حتى عند المتشرعة على الاعتماد عليها فيها من نسب الشخص، ككونه ابن فلان أو أخا لفلان من غير فرق من جهة الأب أو الأم و الملك المطلق ككون هذه الدار لزيد أو المزرعة لفلان، نعم خصوصية الملك ككونه بالشراء أو المصالحة أو الهبة و نحوها لا تثبت بالشياع.

و من الاستفاضة المعتبرة الشياع في موت شخص أو نكاحه من فلانة، أو كون الملك وقفا و كون العبد معتقا و نحو ذلك مما قيل في ضابطها كل ما يعسر عليه إقامة البينة، و الوجه في تفسير الاستفاضة في كلام الماتن بذلك أنّه لو كان المراد بالاستفاضة الشياع المفيد للعلم و اليقين فعلا لما يكون اعتباره مختصا بالأمور المذكورة كما هو ظاهر المتن و غيره.

و في مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- «قال: سألته عن البيّنة إذا أقيمت على الحق أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» (1).

و في رواية الفقيه: الأنساب بدل المواريث (2)، و لعل المراد منهما واحد،

____________

(1) الوسائل: ج 18 الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1: 213.

(2) الفقيه 3: 9، الرقم: 29.

45

بالاستفاضة: النسب و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف و العتق، و لو لم

____________

حيث إنّ المراد من المواريث موجب الإرث، أي النسب و المراد بظاهر الحكم الشياع الموجب للاطمئنان و سكون النفس غالبا، و إن لم يكن في بعض الموارد لوجود مقتضى الشك كذلك.

و لعلّ المراد من ظاهر الحكم في عدالة الشهود و عدم السؤال عن باطنه، مع أنّ القاضي يفتش عن حال الشهود، و يسأل المدعي عليه عن الجارح لهم هو أنّه يكفي في عدالة الشخص إحراز حسن ظاهره و إحراز عدم القادح في ذلك الحسن، و لا يعتبر التفتيش و السؤال عن باطن أمره، و في بعض نسخ التهذيب الأخذ بظاهر الحال بدل ظاهر الحكم.

و ذكر صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)- أنّ المراد منهما واحد لكون المراد بظاهر الحكم شيوع النسبة بين المحمول و موضوعه، و إنّ النسبة بينهما فيما كانت شائعة عند الناس، بحيث ينسبون الحكم إلى ذلك الموضوع كما يقال هذه الدار وقف، أو أنّ فلانا ابن خالد يجوز الحكم بذلك الشياع في الأمور المتقدمة، و يحتمل أن يكون المراد بظاهر الحكم في الشهادات الأمور المربوطة بالشهادة كعدالة الشاهد و فسقه.

و استشهد لذلك بصحيحة حريز الواردة في ذم أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- ابنه إسماعيل في دفعه مالا إلى من كان يريد السفر إلى اليمن ليشتري له بضاعة مع الشياع عند الناس بأنّ المدفوع إليه شارب الخمر و انّه ليس أهلا للأمانة (1)، حيث إنّ الصحيحة ظاهرة في اعتبار الشياع في إحراز فسق الشخص و حسن حاله فيكون العبرة بنفس الشياع لا بما يحصل منه من العلم أو الظن المتاخم أو مطلق الظن.

____________

(1) الوسائل: ج 13 الباب 6 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث 1: 230.

46

يستفض أمّا لبعد موضع ولايته عن موضع عقد القضاء له أو لغيره من

____________

بل يظهر من الصحيحة اعتبار الشياع في كل أمر و لو لم يكن من فسق شخص أو عدله أو الأمور المتقدمة، لأنّ سياق الصحيحة و هو الأمر بتصديق المؤمنين يأبى عن حملها على خصوص شياع الفسق لشخص و انحصار تصديق المؤمنين به، و اقتصارهم بالأمور المتقدمة في ذكر اعتبار الشياع ليس لعدم اعتباره في غيرها مع حصوله، بل لأنّ تحقق الشياع في غيرها أمر نادر، كيف و قد صرّحوا بثبوت رؤية الهلال و غيرها بالشياع، و على ذلك فيجوز للقاضي الحكم في الواقعة المرفوعة إليه بالشياع و ظاهر الحكم عند الناس، و لا ينافي ذلك ما ورد في أنّ القضاء يكون بالبيّنات دون غيرها و ذلك فإنّ ما دلّ على عدم اعتبار غير البيّنة و اليمين في القضاء بالإطلاق فيرفع اليد عنه في موارد الشياع لقيام الدليل على اعتباره.

و يحتمل أن يكون حصر القضاء بالبينات بملاحظة الغالب، حيث إنّ تحقق الشياع في الحكم في غالب الموضوعات أمر نادر، كما لو كان المراد من شياع الحكم أن يكون الناس على إذعان بالنسبة لا ان يكون الشياع في خبر النسبة بأن اشتهر أنّه قيل انّ زيدا شارب الخمر و خبر إسماعيل يشير إلى أنّ المراد هو شياع التصديق، فإنّ المناسب للأمر بتصديق المؤمنين التصديق بما هم فيه على تصديق و إذعان، انتهى.

أقول: قد تقدم انّ الشياع الموجب للعلم ليس مورد المناقشة في الاعتبار فإنّ العلم الوجداني معتبر من أي سبب حصل، و الكلام في الشياع غير الموجب للعلم، فهل هو موضوع للاعتبار في بعض الأمور كما هو ظاهر الماتن أو أنّه معتبر في كل الأمور كما هو ظاهر كلام صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)

و الأظهر عدم اعتبار الشياع بنفسه فإنّ مرسلة يونس مع ضعفها سندا‌

47

الأسباب، أشهد الإمام أو من نصبه الإمام على ولايته شاهدين بصورة ما عهد

____________

و عدم انطباق ما ورد فيها على الأمور التي ذكرها الماتن و غيره لا دلالة لها على اعتبار الشياع، فإنّه من المحتمل أن يكون المراد بظاهر الحكم في الولايات المعاملة مع المتصدي لها معاملة الولي الشرعي من جواز المعاملة كما تقدم في جواز شراء الخراج و المقاسمة و الالتزام بطاعتهم طاعة الرعية على ما كان في ذلك الزمان لرعاية التقية و لو مداراة، و في النكاح و المواريث و الذبائح إسلام الشخص باعترافه بالشهادتين، و في الشهادات ما تقدم في ثبوت عدالة الشاهد.

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال سألته عن الإيمان فقال: الإيمان ما كان في القلب و الإسلام ما كان عليه التناكح و المواريث و تحقن به الدماء، و أمّا صحيحة حريز فلو لم يكن فيها الاستشهاد بالآية لكانت في دعوى دلالتها على اعتبار الشيوع في ثبوت الشي‌ء وجه، و لكن بملاحظته لا تكون لها دلالة على أزيد من الترغيب في تصديق الناس تحفظا على الواقع و احتياطا فيه، لا تصديقهم في ثبوته حتى بالإضافة إلى أثر يكون ترتيبه على خلاف الاحتياط، كما هو المراد من ثبوت الشي‌ء و اعتبار الامارة.

و بتعبير آخر: ليس المدعى أنّ المراد من الإيمان للمؤمنين خصوص تصديق الناس فيما ينفعهم و لا يضرّهم المعبّر عنه بالتصديق الأخلاقي بأن لا ينسب الكذب إليهم، كما في مورد نزول الآية حيث صدّق النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) النمّام على إنكاره نميمته مع تصديقه اللّه سبحانه فيما أوحى إليه في أمر النمام فإنّ ارادة خصوصه ينافي مورد الصحيحة، حيث إنّ موردها ترتيب أثر شارب الخمر على من يذكره الناس بشرب الخمر، فالجمع بين الصحيحة و ما ورد في مورد الآية هو أنّ المراد من تصديق المؤمنين التحفّظ في مورد اخبارهم على الأخلاق و الواقع و إنّ هذا من المرغوبات الشرعية.

48

إليه (1) و سيّرهما معه ليشهدا له بالولاية، و لا يجب على أهل الولاية قبول دعواه مع عدم البينة و إن شهدت له الأمارات ما لم يحصل اليقين.

____________

و المتحصّل أنّه لا إطلاق في البين يقتضي اعتبار مجرّد الشياع في ثبوت كل شي‌ء ما لم يوجب العلم أو الوثوق و الاطمئنان، نعم الموجب للاطمئنان لا يكون موجبا للحكم و القضاء في المرافعات و موجبات الحدود أخذا بما دلّ على اعتبار البيّنة في مدرك القضاء و ما ورد في ثبوت موجبات الحد على ما يأتي في باب الشهادات، و أيضا قد ورد في بعض الموارد أو قامت السيرة على اعتبار الشياع فيها حتى و لو لم يكن مفيدا للوثوق و الاطمئنان كشيوع نسب شخص و ثبوت حسن الظاهر له الكاشف عن عدالته، و لكن لم يظهر وجه لكون نصب القاضي منها، سواء كان المراد النصب الخاص أم ما هو الدخيل في النصب العام من اجتهاده و فقاهته.

(1) ذكر- (قدّس سرّه)- أنّه لو لم يكن نصبه مستفيضا لبعد موضع تولّيه القضاء عن موضع عقد القضاء له، يعني النصب، أو لجهة أخرى أشهد الإمام أو من بيده أمر نصبه بإطلاقه أو تقييده و الاشتراط فيه بشاهدين و يرسلهما معه إلى موضع تولّيه ليشهدا له بالنصب، و لا عبرة في ثبوت النصب بغير شهادة العدلين من سائر الأمارات الظنّية، حيث لم يثبت اعتبار غير شهادتهما.

و ذكر في الجواهر أنّ هذا بناء على عدم الحاجة في اعتبار البيّنة إلى حكم الحاكم على طبقها، و أمّا بناء على اعتبار الحكم فيحتاج ثبوت ولايته على حكم الحاكم سواء أ كان حاكم بلد آخر أم الحاكم الذي في ذلك الموضع فيما إذا كان عزله معلقا على أن تثبت ولاية القاضي المرسل.

أقول: الظاهر عدم الحاجة في اعتبار البيّنة إلى حكم الحاكم في غير‌

49

[السابعة: يجوز نصب قاضيين في البلد الواحد لكل منهما جهة على انفراده]

السابعة: يجوز نصب قاضيين في البلد الواحد (1) لكل منهما جهة على انفراده و هل يجوز التشريك بينها في الجهة الواحدة؟ قيل بالمنع حسما لمادة اختلاف

____________

الحقوق المحتاجة إلى المرافعة و غير الحدود، لما ذكر على اعتبارها من الدليل، نعم عزل القاضي معلقا على حدوث أمر معين كتعليق نصبه صحيح، فإنّ العزل و النصب يتبعان نظر ولي المسلمين في التحفظ بصلاحهم و أمن بلادهم، و عليه فيجوز لولي المسلمين نصب القاضي في البلد بالإضافة إلى الواقعة المرفوعة إليها، معلقا على ما إذا كان حكمه في الواقعة موافقا مع سائر القضاء في سائر البلاد بحسب كلي تلك الواقعة، و هذا علاج لتشتت القضاء في الوقائع التي تتحد في نوعها في الحكم، حفظا لنظام القضاء فيها.

(1) ذكر- (قدّس سرّه)- أنّه يجوز لولي المسلمين نصب قاضيين في بلد واحد فيما كان نصب كل منهما في جهة غير ما ينصب الآخر لتلك الجهة، بأن نصب أحدهما للقضاء في الحقوق المالية و الآخر في الدماء و الفروج، و أمّا فيما كان نصبهما في الجهة الواحدة على الاستقلال أو أن يقضي كل منهما في كل الجهات و القضايا على نحو الاستقلال. كما هو الحال في النصب العام، فقيل بعدم الجواز، لأنّ مع النصب كذلك يمكن أن يختار أحد المترافعين غير ما يختاره الآخر، فيكون منشأ للنزاع و الاختلاف، و لكن الوجه الجواز، لأنّ كلّا من القاضيين ينوب عن ولي المسلمين، في القضاء، و النيابة تتبع اختيار المنوب عنه، نظير توكيل المالك اثنين في بيع ماله بحيث يكون لكل منهما بيعه.

و ذكر في الجواهر في ذيل ذلك أنّ مع تنازعهما في اختيار القاضي يقدم من سبق إليه أحد المتخاصمين، و مع التقارن يرجعان في التعيين إلى القرعة، و ذكر أيضا جواز نصب المتعدد و جواز نصب المتعدد أيضا للقضاء في الوقائع بنحو الاشتراك و الاجتماع، كما قواه العلّامة و ولده، و لكن منع عنه بعضهم لعدم‌

50

الغريمين في الاختيار، و الوجه الجواز لأنّ القضاء نيابة تتبع اختيار المنوب.

____________

الدليل على التشريك حتى في الوكالة و سائر الولايات و يمكن أن يقال ان التشريك في الوصاية و الوكالة هو عدم نفوذ تصرّف أحدهما بدون رضا الآخر لا أن يكون لكل منهما نصف الولاية أو الوكالة، ففي المقام أيضا يمكن التشريك في الحكم بهذا المعنى، لا أن يكون كل من القاضيين بمنزلة نصف القاضي، و يترتب على التشريك بمعنى عدم النفوذ بدون رضى الآخر أنّه لو مات أحد الوصيين يكون تصرّف الآخر نافذا، و لا يحتاج إلى ضم الحاكم شخصا آخر مكان الميت بناء على أنّ المراد من التشريك شرط رضى الآخر مع إمكانه.

ثمّ أشار- (قدّس سرّه)- إلى ما قد يقال في المقام من أنّه كيف لا يجوز التشريك بمعنى إعطاء الولاية لاثنين مجتمعين مع أنّه قد وقع مثل هذا التشريك في الولاية العامّة التي هي فوق الولايات، كما في قضية موسى و هارون- على نبينا و آله و عليهما الصلاة و السلام-، و أجاب بأنّ منصب النبوة كان لموسى و المراد من تشريك هارون إعطاء المنصب له، و لذا أفرد التصريح بهذا المنصب له في بعض الآيات، و على ما تقدم فإن اختلفا في الحكم وقف الحكم و إلّا نفذا، انتهى.

أقول: لو توقف نفوذ الحكم على النصب الخاص فيمكن كون نصب كلّ من الاثنين أو الأكثر بنحو الإطلاق و الاستقلال، كما يمكن كونه على تقدير و على نحو الاشتراك في إصدار الحكم أو يوافق كل منهما على نظر الآخر قبل إصدار أحدهما الحكم.

و أمّا بالنظر إلى النصب العام فلا ينبغي التأمّل في أن مقتضى ما تقدم نفوذ القضاء ممّن ترافعا عنده، و كان على الأوصاف المعتبرة المتقدمة سواء تعدد من على الأوصاف في البلد أم لا، و العمدة أن مع تعدد القاضي و نفوذ الحكم من‌

51

..........

____________

كل منهم فهل يكون اختيار القاضي للمدّعي أو من سبق إليه أحد المتخاصمين يتعين قضائه أو يرجع إلى القرعة إلّا إذا اتّفقا بواحد؟

ذكر في المستند أنّه إذا كان هناك مجتهدان و أكثر، بحيث يجوز الرجوع إلى كل منهما أو منهم فمن اختاره المدّعى للمرافعة إليه يكون له القضاء في الواقعة، و يجب على خصمه الإجابة لذلك القاضي، و على ذلك الإجماع و لأن المدّعي هو المطالب بالحق و لا حق للمنكر ابتداء.

و أجاب عن ذلك في ملحقات العروة بأن للمنكر أيضا حق الجواب كما أنّ له أن يسبق إلى حاكم فيطلب منه تخليصه عن دعوى المدّعي، و مقتضى القاعدة مع عدم أعلمية أحد الحاكمين القرعة، إلّا إذا ثبت الإجماع على تقديم مختار المدعي، و ذكر في العروة أنّ اختيار الحاكم بيد المدّعي إلّا إذا كان مختار الآخر أعلم، بل الأحوط الرجوع إلى الأعلم مطلقا.

أقول: ليس في البين ما يدل على ثبوت حقّ للمنكر قبل رجوع المدعي إلى قاض و المطالبة بحقّه بطرح دعواه و كذا بعد رجوعه إليه، و ما ذكر من أنّ للمنكر حق الجواب، فإن أريد لزوم الجواب بالإقرار أو بالإنكار أو بغيرهما فهذا ليس حقا له بل حكم يترتب على رجوع المدعي إلى القاضي و طرح دعواه عنده و مطالبة القاضي الخصم بالجواب عن دعوى المدعي.

و أمّا الحق في تخليص نفسه عن دعوى المدّعى فلا نعرف له مدركا، فإنّ المسقط لدعوى المدعي حلف المنكر و ما دام لم يطالب المدعي القاضي بالحكم لا يكون للقاضي تحليفه أو للمنكر التبرع بالحلف، بمعنى أنّه لو حلف كذلك لا يسقط حق الدعوى، كما يأتي على ما يقال.

نعم هذا إذا كان المدعي مطالبا بالحقّ عن خصمه، و إمّا إذا كانت‌

52

..........

____________

دعواه سقوط حقّ كان لخصمه سابقا فلا يبعد أن يكون لخصمه المنكر لسقوط حقه طرح المطالبة بحقه عند قاض، فيلزم على مدعي السقوط الحضور و إثبات دعوى السقوط. و على الجملة مقتضى مطالبة المنكر للسقوط بحقه إحضار المدعي عند أي قاض راجع إليه لاستيفاء حقّه، لكن هذا لا ينافي تعين اختيار مدعي السقوط.

و المتحصل أنّه إذا كان القضاء في موارد الاختلاف في الموضوعات الخارجية فاختيار القاضي بيد المدّعي سواء أ كان مختاره أعلم أم لا، فإنّ مقتضى إطلاق دليل نفوذ القضاء عدم اعتبار كون القاضي أعلم، كما تقدم في التكلم في معتبرة سالم بن مكرم و مقبولة عمر بن حنظلة بناء على عدم انصرافهما إلى قاضي التحكيم. و بما أنّ للمدّعي إثبات دعواه بأي طريق شرعي و لا يطالب منه خصوص طريق كما هو الحال في كل من يتصدى لإثبات أمر فله إثبات دعواه و لو بقضاء من لا يوافق عليه خصمه.

و هذا فيما إذا كانت دعوى المدعى ثبوت الحق، أمّا إذا كانت دعواه السقوط فاختيار القاضي أيضا بيد المدعي للسقوط لما تقدم، و لا ينافيه جواز مراجعة المنكر إلى قاض لاستيفاء حقه فيما إذا ترك المدعي المرافعة إلى قاض، هذا كله في الاختلاف في الموضوعات الخارجية.

أمّا إذا كان اختلافهما في الحكم الكلّي للواقعة فيجري أيضا ما ذكر في الاختلاف في الموضوعات، فيما إذا توقف إنهاء المخاصمة على القضاء، كما إذا كانت المنازعة بين مجتهدين مختلفين في الرأي أو بين مقلديهما، و لا يبعد تقييد مختار المدعى في الفرض، بما إذا كان أعلم، و أمّا إذا لم يتوقف إنهاؤها على القضاء‌