الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء - ج2

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
442 /
1

الجزء الثاني

الصوم في‌

الشريعة الإسلامية الغرّاء‌

الجزء الثاني‌

تأليف: العلامة الفقيه آية الله الشيخ جعفر السبحاني‌

2

سبحاني تبريزى، جعفر 1308، اقتباس‌كننده.

الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ تأليف جعفر السبحاني. قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1420 ق./ 1378.

ج. (ج. 1) ISBN: 9646243681

فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

منبع اصلى كتاب حاضر عروة الوثقى نوشته محمد كاظم اليزدى است.

عربى.

كتابنامه.

ج. 2 (1421 ق./ 1379) 2) ISBN: 9646243940

20000 ريال: (ج ..

1. روزه. 2. روزه. فلسفه. الف. يزدى، محمد كاظم بن عبد العظيم، 1247؟ 1338؟ ق. العروة الوثقى. ب. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.

9 ص 2 س/ 1/ 188 BP 354/ 297

كتابخانه ملّى ايران 7812911 م‌

اسم الكتاب: الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء ج/ 2‌

المؤلف: العلّامة الفقيه جعفر السبحاني‌

الطبعة: الأُولى‌

المطبعة: اعتماد قم‌

الجزء: الثاني‌

التاريخ: 1421 ه‍. ق‌

الكمية: 1500 نسخة‌

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الصفّ و الإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

3

الصوم‌

في الشريعة الإسلامية الغرّاء‌

4

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، عيبة علمه، و مستودع سرّه، و حفظة سُننه.

اما بعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم «الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء» يبحث فيه عن شرائط وجوب الصوم، و من رُخِّص له الافطار، و طرق ثبوت هلال رمضان، و أحكام قضاء الصوم و شروطه، وصوم الكفّارة و أقسامها، و أقسام الصوم: الواجب، المكروه، المندوب، و المحظور.

ثمّ يعقبه كتاب الاعتكاف الّذي نال شهرة واسعة و أحكامه.

فارجو من الله سبحانه أن يكون الكتاب مفيداً للطالب، و منيراً له الدرب، و مصباحاً لبُغاة الفقه، و قد سرنا في هذا الكتاب على نهج كتاب «العُروة الوُثقى» لفقيه الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي (قدس الله سرّه).

المؤلّف‌

5

[تتمة كتاب الصوم]

[الفصل العاشر في شرائط وجوب الصوم]

الفصل العاشر في شرائط وجوب الصوم

[و هي أُمور]

و هي أُمور:

[الأوّل و الثاني: البلوغ و العقل]

الأوّل و الثاني: البلوغ و العقل فلا يجب على الصبيّ و المجنون، إلّا أن يكملا قبل طلوع الفجر، دون ما إذا كملا بعده، فإنّه لا يجب عليهما و إن لم يأتيا بالمفطر، بل و إن نوى الصبيّ الصوم ندباً، لكن الأحوط مع عدم إتيان المفطر الإتمام و القضاء إذا كان الصوم واجباً معيّناً. و لا فرق في الجنون بين الإطباقيّ و الأدواري إذا كان يحصل في النهار و لو في جزء منه، و أمّا لو كان دور جنونه في اللّيل بحيث يُفيق قبل الفجر فيجب عليه. (1)

____________

(1) إنّ النسبة بين شرط الصحّة، و الوجوب عموم و خصوص من وجه، فالبلوغ شرط الوجوب دون الصحّة، و الإسلام شرط الصحّة دون الوجوب، و العقل شرط للصحّة و الوجوب، و لذلك ذكر العقل في كلا الفصلين، إذا عرفت ذلك فاعلم انّ هنا فروعاً ستة:

الأوّل: حكم الصبي و المجنون.

الثاني: إذا بلغ أو أفاق قبل الفجر.

الثالث: إذا بلغ الصبي بعد الفجر و أفطر قبل البلوغ.

الرابع: تلك الصورة و لكنّه لم يفطر إلى أن بلغ.

6

..........

____________

الخامس: تلك الصورة و لكنّه نوى الصوم ندباً.

السادس: لا فرق في الجنون بين الإطباقي و الأدواري إذا كان في جزء من النهار دون ما إذا كان في جزء من الليل.

فلنتناول الجميع بالبحث.

أمّا الأوّل، فلا يجب الصوم على الصبي و المجنون، بالإجماع، و هو من ضروريات الفقه، مضافاً إلى قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ». (1)

و أمّا الثاني، أعني: إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون قبل الفجر، فيجب الصوم عليهما، لكونهما بالغين عاقلين حين التكليف.

و أمّا الثالث: أي إذا بلغ بعد الفجر و قد أفطر قبل البلوغ، فلا يجب عليه الصوم، لعدم التبعيض في الصوم؛ و أمّا وجوب الصوم على ذي العطاش، فليس هو من التبعيض في الصوم في شي‌ء، بل هو من قبيل استثناء مفطر واحد على حد الضرورة طول اليوم مع لزوم الاجتناب عن سائر المفطرات، و سيوافيك تفصيله.

و أمّا الرابع: أي إذا بلغ بعد الفجر و لم يفطر إلى حين البلوغ، فقد أفتى الماتن بعدم وجوب الصوم عليه. خلافاً لابن حمزة حيث حكم بالوجوب، قال: «الصبي إن لم يفطر و بلغ صام واجباً». (2)

و مال إليه السيد الحكيم و قال: «و في عدم الوجوب تأمّل».

و احتاط السيد الشاهرودي و قال: «و لا ينبغي ترك الاحتياط في صورة عدم الإتيان بالمفطر و إن لم ينو الصوم ندباً».

____________

(1) الوسائل: 1، الباب الرابع من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 4.

(2) الوسيلة: 147.

7

..........

____________

و على كلّ تقدير، فالظاهر ما عليه الماتن، و هو انّ الصوم الواجب عبارة عن نية الصوم من الفجر إلى المغرب، و المفروض عدمه، قال سبحانه: (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ). (1)

و الاكتفاء ببعض اليوم في بعض الصور، كما إذا حضر قبل الزوال، أو برأ المريض قبله، لدليل خاص في الأوّل، و تنقيح المناط في الثاني على إشكال سيأتي.

نعم، الاحتياط حسن حيث نحتمل قيام صوم بعض الأجزاء مكان الجميع، كما في المسافر القادم قبل الزوال.

و أمّا الخامس، أعني: إذا نوى الصبي الصوم من الفجر و بلغ أثناء النهار، فذهب الشيخ الطوسي إلى وجوب الإمساك، قال: «فإن كان الصبي نوى الصوم من أوّله وجب عليه الإمساك، و إن كان المريض نوى ذلك لا يصحّ، لأنّ صوم المريض لا يصحّ عندنا». (2)

و نقل العلّامة في «المختلف» عدم الوجوب عن ابن الجنيد و ابن إدريس، و اختاره هو أيضاً كالماتن.

وجه الوجوب انّه كان مخاطباً بالصوم من أوّل الفجر بناء على أنّ عباداته شرعية، و لكنّه لمّا كان يفقد شرط الوجوب كان الخطاب استحبابياً، و لما تحقّق الشرط في أثناء النهار انقلب الخطاب الندبي إلى الخطاب الوجوبي قهراً، و أمّا حديث «رفع القلم» فالمرفوع هو الحكم الإلزامي لا الندبي، فلا ينافي الخطاب الاستحبابي.

يلاحظ عليه: أنّ الصوم الملفّق من المندوب و الواجب على خلاف القاعدة، فهو‌

____________

(1) البقرة: 187.

(2) الخلاف: 2، كتاب الصوم، المسألة 57.

8

..........

____________

إمّا مندوب أو واجب، و الملفّق رهن دليل، و القول بانقلاب الأمر الندبي إلى الأمر الوجوبي نفس المدّعى فصار أشبه بالمصادرة، و تصوّر انّ الصوم بعد البلوغ يوصف بالوجوب تماماً، غير صحيح، لأنّ الصوم الواجب عبارة عن صوم من كان بالغاً وقت تعلّق الخطاب الوجوبي، أعني: عند طلوع الفجر، لا البالغ بعد تعلّق الخطاب الندبي، و الاجتزاء بالإمساك المباح الملفّق مع الإمساك الواجب في المسافر القادم من السفر خرج بالدليل.

و إلى ما ذكرنا ينظر كلام العلّامة في «المختلف» من أنّ الصوم عبادة لا تقبل التجزئة، و هو في أوّل النهار لم يكن مكلّفاً فلا يقع التكليف به في باقيه. (1)

نقد دليل آخر للقائلين بالوجوب

ثمّ إنّ القائلين بالوجوب استنبطوا حكم المقام من حكم صبي صلّى آخر الوقت و قد بلغ أثناءه، حيث يجب عليه الاستمرار في الصلاة.

أقول: إنّ للمسألة صوراً أربع نتناولها بالبحث و إن كان بعضها خارجاً عن مصب النزاع.

الصورة الأُولى: إذا صلّى في الوقت و هو غير بالغ، ثمّ بلغ بعد الفراغ في نفس الوقت، فالظاهر صحّة صلاته و إجزاؤها عن الواجب، لأنّ صلاتي الواجب و المندوب متّحدتان في الماهية، و قد انطبق على المأتي به عنوان الصلاة، و انعقد الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المكلّف.

مضافاً إلى أنّ الخطاب في قوله: (أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ ...) (2)، منصرف إلى من لم يصل صلاة شرعية.

____________

(1) المختلف: 3/ 514، كتاب الصوم.

(2) الإسراء: 78.

9

..........

____________

الصورة الثانية: لو صلّى في سعة الوقت و بلغ في أثنائه، فهو مخيّر بين القطع و الاستئناف، و بين الإكمال و الاجتزاء بها لوحدة الطبيعة و انطباق عنوان الصلاة عليه، و انعقاد الإجماع على عدم وجوب أزيد من صلاة واحدة على المكلّف، مضافاً إلى الانصراف الذي تقدم في الآية.

فإن قلت: فهل ينقلب الأمر الندبي إلى الأمر الوجوبي إذا حاول الإكمال و استمر في الصلاة؟

قلت: لا دليل عليه، و الاكتفاء بهذه الصلاة لأجل حصول الملاك لعدم الفرق بين إكمالها أو قطعها و استئنافها.

الصورة الثالثة: إذا صلّى في ضيق الوقت و بلغ أثناءه على وجه لو قطع أمكن له إدراك ركعة في الوقت، و بما انّه متمكن من الصلاة الأدائية و لو تنزيلًا يكون مكلّفاً بالصلاة على وجه الوجوب، و مع ذلك لا يكون مخيّراً بين الاستئناف و الإكمال، بل يتعين الثاني لقصور شمول الخطاب في قوله «من أدرك ركعة من الوقت، فقد أدرك الوقت جميعاً». (1) للتعجيز الاختياري، بل هو خاص للعاجز بلا اختيار.

و بعبارة أُخرى: الحكم لا يثبت موضوعه، فلو كان إدراك الركعة سبباً لإدراك جميع الوقت امتناناً، فهو لا يدل على تأخير الصلاة عمداً إلى أن لا يبقى منه إلّا مقدار ركعة معلومة.

فإن قلت: فعلى هذا لا يكون الحديث شاملًا لحال هذا المصلّي لما قلنا من أنّ الحكم لا يثبت موضوعه، فلا يصحّ له أن يقطع صلاته حتى يدخل تحت قوله: «من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت جميعاً»، فعند ذلك من أين علمنا وجوب الاستمرار عليه؟

قلت: الخطاب و إن لم يكن شاملًا له بلسانه، لكنّه شامل له بملاكه للعلم بعدم‌

____________

(1) تاج الأُصول: 1/ 146، كتاب الصلاة.

10

..........

____________

الفرق بين مكلّف قام من النوم و قد أدرك ركعة من الوقت، و حين بلغ قُبيل الركعة الأخيرة من الصلاة؛ فكل أدرك من الوقت ركعة.

الصورة الرابعة: لو بلغ و هو في الركعة الرابعة من صلاة العصر فلا دليل على وجوب الإتمام، لأنّها إنّما تجب على البالغ المدرك لأربع ركعات في الوقت، إدراكاً تحقيقياً أو تنزيلياً، و المفروض انتفاؤهما.

و بما ذكرنا علم حكم مسألتنا، أعني: إذا بلغ الصائم أثناء النهار، فهو من قبيل الصورة الرابعة من صور الصلاة، لاشتراكهما في عدم إمكان الإتيان بجميع المأمور به و هو بالغ. أمّا الصلاة فلأنّه بلغ و لم يبق من الوقت حتى ركعة، و أمّا الصوم فلأنّه بلغ و قد مضى من النهار شي‌ء، و الخطاب إنّما يتوجه إذا أمكن له الإتيان بالصوم الكامل تحقيقاً أو تنزيلًا و هو بالغ، و المفروض عدمه.

أمّا تحقيقاً فواضح، و أمّا تنزيلًا فلأنّه لم يرد في الصوم انّ من أدرك و بلغ قبل الزوال فقد أدرك الصوم جميعاً.

تنبيه

إنّ عبارة الماتن لا تخلو من إشكال، حيث قال: «و لكن الأحوط مع عدم الإتيان بالمفطر الإتمام و القضاء».

وجه الإشكال: انّه لا وجه لإيجاب القضاء بعد الإتمام، و الصحيح أن يقول: و الأحوط الإتمام، و القضاء إذا لم يفعل.

و أمّا السادس من الفروع، فهو إذا صادف جنونه الأدواري جزءاً من النهار لا يجب عليه الصوم إلى الغروب، لأنّه مجنون و لو آناً ما، و لا يصحّ تكليفه، و قد عرفت أنّ الصوم لا يقبل التبعّض.

11

[الثالث: عدم الإغماء]

الثالث: عدم الإغماء فلا يجب معه الصوم و لو حصل في جزء من النهار. نعم لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه. (1)

____________

(1) اختلفت كلمتهم في اشتراط وجوب الصوم «بعدم الإغماء»، فالظاهر من المفيد في المقنعة و الشيخ في الخلاف عدم اشتراطه به.

قال المفيد: فان استهلّ الشهر عليه و هو يعقل، فنوى صيامه و عزم عليه ثمّ أُغمي عليه، و قد صام شيئاً منه أو لم يصم، ثمّ أفاق بعد ذلك، فلا قضاء عليه، لأنّه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء الفرض. (1)

و قال الشيخ الطوسي: إذا نوى الصوم من الليل، فأصبح مغمى عليه يوماً أو يومين أو ما زاد عليه، كان صومه صحيحاً. (2)

و ذهب العلّامة في «المنتهى» إلى الاشتراط، قائلًا: بأنّه بزوال عقله يسقط التكليف عنه وجوباً و ندباً، فلا يصحّ منه الصوم مع سقوطه.

أقول: للمسألة صور:

الصورة الأُولى: إذا أُغمي عليه تمام اليوم، فقد تضافرت الروايات على عدم وجوب القضاء. (3)

و على ذلك لا ثمرة في اشتراط وجوب الصوم بعدم الإغماء و عدمه بعد تضافر الروايات على عدم القضاء.

الصورة الثانية: إذا نوى الصيام ثمّ أُغمي عليه (سواء صام شيئاً من النهار أو لم يصم) ثمّ أفاق، فهل يجب الإتمام عليه أو لا؟

____________

(1) المقنعة: 352، باب حكم المغمى عليه.

(2) الخلاف: 2/ 198، كتاب الصوم، المسألة 51.

(3) الوسائل: 7، الباب 24 من أبواب من يصحّ منه الصوم.

12

[الرابع: عدم المرض الّذي يتضرّر معه الصائم]

الرابع: عدم المرض الّذي يتضرّر معه الصائم، و لو برئ بعد الزوال و لم يفطر لم يجب عليه النيّة و الإتمام، و أمّا لو برئ قبله و لم يتناول مفطراً فالأحوط أن ينوي و يصوم، و إن كان الأقوى عدم وجوبه. (1)

____________

الصورة الثالثة: إذا أُغمي عليه قبل الفجر و صحا قبل الزوال، فهل يجب عليه تجديد النية؟ و بما انّه لم يرد نص في هاتين الصورتين، فالحكم بالوجوب و عدمه مبنيّ على لحوق تلك الصورة بالنوم. لأنّه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء فرض الصيام، أو بالجنون للفرق بينه و بين النوم، فانّ الثاني طارئ طبيعي يعدُّ من قبيل تعطيل الحواس، بخلاف الإغماء ففيه زوال العقل على اختلاف مراتبه.

نعم مال السيد الاصفهاني في «الوسيلة» إلى القول بالوجوب، و قال: «نعم الصحة مع سبق النية منهما لا يخلو من قوّة». (1)

الصورة الرابعة: لو أُغمي عليه قبل الفجر و لم ينو حتى صحا بعد الزوال لا يجب الإتمام لفوات محل النية.

(1) أقول: في المقام فروع:

أ: عدم المرض الذي يضرّه الصوم، من شرائط الوجوب.

ب: لو لم يُفطر و برئ بعد الزوال لم تجب عليه النية و الإتمام.

ج: تلك الصورة و لكن برئ قبل الزوال.

فلنتناول تلك الفروع بالبحث.

أمّا الأوّل، فلتضافر النصوص على الشرطية، مضافاً إلى الذكر الحكيم قال سبحانه: (فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ). (2)

____________

(1) وسيلة النجاة: 169، فصل القول في شرائط صحّة الصوم و وجوبه.

(2) البقرة: 184.

13

..........

____________

نعم المانع المرض الذي يضرّه الصوم لا ما لا يضرّه، لمناسبة الموضوع و الحكم، مضافاً إلى الإشارة إليه في بعض النصوص من قوله: «ذلك إليه هو أعلم بنفسه». (1) و قوله أيضاً: «فإن وجد ضعفاً فليفطر». 2 و قوله: «إذا رمدت عيناه رمداً شديداً، فقد حلّ له الإفطار». 3

و أمّا الثاني: إذا لم يفطر و برئ بعد الزوال، فلا يجب عليه الإتمام لفوات محل النية.

و أمّا الثالث: إذا لم يفطر و برئ قبل الزوال، فهل يجب عليه الإتمام أو لا؟ فيه قولان:

أ: عدم الوجوب و عليه الشيخ في الخلاف، قال: و إن كان المريض نوى ذلك لا يصحّ، لأنّ صوم المريض لا يصحّ عندنا. 4 و عليه الماتن.

و نقل المحدّث البحراني في «الحدائق» الوجوبَ عن المفيد، و المحقّق في «المعتبر» و العلّامة في «المنتهى»، و «التذكرة»، و صاحب المدارك في مداركه، و قوّاه أكثر المعلّقين من المشايخ كالسيد البروجردي و الشاهرودي، لكن للمسألة صورتان:

الأُولى: فيما إذا كان مريضاً و زعم انّ الصوم يضرّه فلم ينو و لم يكن كذلك في الواقع، فلا شك أنّه يجب عليه الإمساك حينما برئ، فهو أشبه بالجاهل الذي علم في أثناء النهار انّه من رمضان، لأنّه كان محكوماً في الواقع بالإمساك غير انّ الجهل كان عذراً، فإذا ارتفع العذر يكون الحكم فعلياً، و قد ذكر الفقهاء فيما إذا زعم المسافر انّ المسافة مسافة شرعية يجب فيها القصر و الإفطار، فتبيّن خلاف ذلك، فتجب عليه النيّة و يُضمّ الإمساك الفاقد للنية بالإمساك الواجد له.

ثمّ لو تم الدليل على إلحاق هذه الصورة بالمسافر القادم أو الجاهل بكون المسافة‌

____________

(1) 1 و 2 و 3 الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 2، 6.

(2) 4 الخلاف: 2/ 203، المسألة 57.

14

[الخامس: الخلوّ من الحيض و النفاس]

الخامس: الخلوّ من الحيض و النفاس، فلا يجب معهما، و إن كان حصولهما في جزء من النهار. (1)

[السادس: الحضر]

السادس: الحضر فلا يجب على المسافر الّذي يجب عليه قصر الصلاة بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشراً و المتردّد ثلاثين يوماً و المكاري و نحوه و العاصي بسفره، فإنّه يجب عليه التمام، إذ المدار في تقصير الصوم على تقصير الصلاة، فكلّ سفر يوجب قصر الصلاة يوجب قصر الصوم و بالعكس. (2)

____________

شرعية، فهو، و إلّا فيمسك و يقضي.

الثانية: إذا كان مريضاً و كان الصوم مضرّاً في الواقع لكنّه برئ في أثناء النهار، و صار الإمساك إلى الغروب غير مضرّ في الواقع، فوقع الكلام في وجوب الإمساك و صحّة صومه و عدمهما الظاهر هو الثاني، لأنّ المفروض انّه كان مريضاً يضرّه إلى أوائل النهار، و معه لا يكون محكوماً بالصوم، لما عرفت من أنّ الصوم الواجب عبارة عمّا إذا كتب الإمساك على الشخص من أوّل الفجر إلى نهاية اليوم و المفروض انّه ليس كذلك، و أقصى ما عند القائل بوجوب الإمساك و الصحّة هو ادّعاء الأولوية من أنّ المريض أعذر من المسافر، فإذا صحّ فيه إذا نوى قبل الزوال فليكن المريض كذلك، لكنّه ضعيف لعدم العلم بالمناط، و معه يكون ادّعاء الأولوية غير صحيح.

(1) المسألة من ضروريات الفقه، و قد مضى دليله عند البحث في شرائط صحّة الصوم.

(2) دلّت الروايات على الملازمة بين القصر و الإتمام، و هي ضابطة كلّية إلّا ما خرج بالدليل، كالمسافر بعد الزوال حيث يقصر و لا يفطر، و سيأتي في المسألة الثانية موارد الاستثناء.

15

[مسائل في شرائط وجوب الصوم]

[المسألة 1: إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر]

المسألة 1: إذا كان حاضراً فخرج إلى السفر فإن كان قبل الزوال وجب عليه الإفطار، و إن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه، و إذا كان مسافراً و حضر بلده أو بلداً يعزم على الإقامة فيه عشرة أيّام، فإن كان قبل الزوال و لم يتناول المفطر وجب عليه الصوم، و إن كان بعده أو تناول فلا، و إن استحبّ له الإمساك بقيّة النهار. (1)

____________

(1) لا شكّ انّ المسافر في تمام الوقت يجب عليه الإفطار على الشروط المقررة، إنّما الكلام فيما إذا كان مسافراً في بعض الوقت، و هو على قسمين:

فتارة يكون حاضراً و يطرأ عليه السفر، و أُخرى على العكس.

أمّا القسم الأوّل، فقد تقدّم البحث فيه في الفصل السابق (شرائط صحّة الصوم: الشرط الخامس) و بقي الكلام في القسم الثاني، أعني: من كان مسافراً فطرأ عليه الحضر، و هو القدوم قبل الزوال فيصوم بشرط عدم تناول مفطر.

و أمّا إذا قدم بعد الزوال، فلا يجب عليه الإمساك سواء تناول المفطر أو لا و إن كان مستحباً.

أمّا إذا قدم من السفر قبل الزوال و لم يتناول المفطر، فيجب عليه الصوم لجملة من الروايات الصحيحة و الموثقة:

1. موثقة أبي بصير، قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان؟ فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس، فعليه صيام ذلك اليوم و يعتدّ به». (1)

2. معتبرة سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئاً قبل الزوال؟ قال: «يصوم». 2

و المراد من أحمد بن محمد الذي روى عنه «سهل» هو البزنطي الذي مات سنة‌

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 4.

16

..........

____________

221 ه‍، و ليس المراد منه البرقي، لأنّه توفّي عام 274 ه‍، فلا يروي عنه سهل لتعاصره معه، بل تقدّم رتبته عليه.

3. معتبرة محمد بن عيسى، عن يونس في حديث قال: في المسافر يدخل أهله، و هو جنب قبل الزوال و لم يكن أكل فعليه أن يتم صومه و لا قضاء عليه، يعني: إذا كانت جنابته من احتلام. (1)

و المراد من يونس هو يونس بن عبد الرحمن، و الراوي عنه هو محمد بن عيسى العبيد الذي ضعّفه ابن الوليد و استثناه من أسانيد كتاب نوادر الحكمة، و قال: ما تفرّد به محمد بن عيسى من كتب يونس و حديثه لا يعتمد عليه.

و لكن وثّقه أُستاذ النجاشي ابن نوح، و الفضل بن شاذان، و نقل النجاشي أنّ أصحابنا ينكرون هذا القول (التضعيف)، و يقولون: «من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى». (2)

مضافاً إلى أنّ الصدوق روى نفس الرواية باسناده عن يونس بن عبد الرحمن عن موسى بن جعفر، و ليس في اسناده محمد بن عيسى العبيد.

ثمّ إنّ المراد من قوله «و يدخل أهله» أي يريد أن يدخل أهله، كما في قوله سبحانه: (إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ). (3)

4. موثقة علي بن السندي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ إلى أن قال: إن قدم بعد زوال الشمس أفطر و لا يأكل ظاهراً، و إن قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم إن شاء. (4)

____________

(1) الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

(2) رجال النجاشي: 2/ 218، برقم 897.

(3) المائدة: 6.

(4) الوسائل: الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.

17

..........

____________

و المراد من علي بن السندي، هو علي بن إسماعيل السندي؛ قال الكشي: قال نصر بن الصباح: علي بن إسماعيل ثقة، و هو علي بن السندي.

و يمكن استنباط وثاقته أنّه ورد في أسانيد نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى، و لم يستثنه ابن الوليد عنها.

و ربّما يبدو من بعض الروايات انّ الميزان هو الدخول قبل الفجر فيجب عليه الصوم، و إلّا فإن دخل بعد الفجر فهو بالخيار بين الصوم و الإفطار، و هذه الروايات عبارة عن صحيحي محمد بن مسلم و معتبر رفاعة بن موسى.

أمّا الاوليان، فقد روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «فإذا دخل أرضاً قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها، فعليه صوم ذلك اليوم؛ و إن دخل بعد طلوع الفجر، فلا صيام عليه و إن شاء صام». (1)

و في رواية أُخرى له، قال: «إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله، فهو بالخيار إن شاء صام، و إن شاء أفطر». 2

و هذه الرواية تتضمن أحد الشقين ممّا ورد في الرواية الأُولى، أعني: من كان خارج البلد و قد طلع الفجر ففيه الخيار، و أمّا إذا دخل البلد قبل طلوع الفجر، فهو يصوم بلا إشكال.

أقول: الظاهر انّ المراد من الخيار هو كونه مخيّراً خارج البلد، بمعنى أنّ من علم انّه يصل البلد قبل الزوال و قد طلع الفجر و هو خارج البلد، فهو بالخيار إن شاء أفطر قبل الدخول، و إن شاء أمسك حتى يدخل فيصوم، فليس الخيار بعد دخول البلد و إنّما هو قبل دخوله.

و هذا النوع من التأويل قريب بالنظر إلى الروايات الصريحة، و منه يظهر حال‌

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3.

18

..........

____________

رواية رفاعة بن موسى. (1)

هذا كلّه إذا قدم قبل الزوال و لم يتناول شيئاً، و أمّا إذا قدم بعد الزوال فإن أكل شيئاً فلا كلام في وجوب القضاء عليه و الإمساك تأدّباً (2)، و أمّا إذا دخل بعد الزوال و لم يتناول، فعليه القضاء لزوال وقت النية بشهادة ما مرّ من الروايات الصحاح التي كانت تركّز على شرطية الدخول قبل الزوال، إنّما الكلام في استحباب الإمساك.

الإمساك التأدبيّ

أفتى الماتن باستحباب الإمساك لمن أفطر في الطريق و دخل قبل الزوال، و من دخل بعد الزوال مطلقاً سواء أفطر أم لم يفطر.

و قد ورد النص في الصورة الأُولى، ففي موثّق سماعة قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل؟ قال: «لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئاً، و لا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل». (3)

و أمّا الصورة الثانية، أي الدخول بعد الزوال، فيدل على استحباب الإمساك فيما إذا أكل، إطلاق صحيح يونس، قال: في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان، و قد أكل قبل الدخول؟ قال: «يكفّ عن الأكل بقية يومه و عليه القضاء». 4 فانّ قوله: «يدخل أهله في شهر رمضان» مطلق يعم ما إذا دخل بعد الزوال، لكن أكل في الطريق.

بقي الكلام فيما إذا دخل بعده و لم يأكل، فيمكن استفادة استحباب الإمساك بطريق الأولوية، لأنّه إذا استحب الإمساك لمن أكل، فيكون من لم يأكل أولى بذلك‌

____________

(1) الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

(2) لاحظ الوسائل: الجزء 7، الباب 7، من أبواب من يصحّ منه الصوم.

(3) 3 و 4 الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 و 2.

19

و الظاهر أنّ المناط كون الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حدّ الترخّص و كذا في الرجوع المناط دخول البلد لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع قبل الزوال و الخروج عن حدّ الترخّص بعده و كذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخّص قبل الزوال و الدخول في المنزل بعده. (1)

____________

البتة، لكونه أقرب إلى الصائم من الأكل.

(1) لماّ ذهب الماتن في كتاب صلاة المسافر إلى أنّ مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت من البلدان الصغار، و آخر المحل في البلدان الكبار الخارقة للعادة، و جعل الميزان في الخارج عن البلد، هو الشروع في السفر قبل الزوال أو بعده، ليعمّ البلدان الصغيرة و الكبيرة، فانّ الشروع في الأوّل بالخروج عن البلد، و في الثانية بالخروج عن آخر المحلّة.

و يرد عليه: انّه جعل المناط في الرجوع، الدخول في البلد مع أنّه لا يتم إلّا في البلاد الصغيرة لا الكبيرة، بل انّ المناط فيها على مذهبه هو الدخول في المحلة، فالتعبيران في الدخول و الخروج غير متوازنين، و لكن الحقّ انّ المناط في الصغيرة و الكبيرة واحد بشرط أن تكون المحلات فيها متصلة بعضها مع بعض يصدق عليها اسم واحد، و هذا المناط المشترك عبارة عن الخروج عن البلد أو الدخول فيه.

و الدليل على ذلك أمران:

الأوّل: انّ مبدأ التحديد في جميع الأزمنة هو سور المدينة، فيقال بين بغداد و الحلة كذا فرسخ، و المقياس للمبدإ و المنتهى هو سور المدينتين، و لذلك ينصبون علائم الطريق في مدخل المدينة لا في داخلها.

الثاني: انّ المتبادر من الأحاديث الواردة هو كون المبدأ آخر المدينة، قال الصادق (عليه السلام): «و لقد سافر رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى ذي خشب و هو مسيرة يوم من المدينة‌

20

..........

____________

يكون إليها بريدان: أربعة و عشرون ميلًا فقصّر و أفطر، فصار سنّة». (1)

فلو كان المقياس هو الخروج عن منزله أو آخر المحلّة لما كان الحديث مقياساً عامّاً مع أنّ الإمام بصدد بيان الضابطة العامة، و لا تتحقّق إلّا بجعل المبدأ آخر البلد الذي يشترك فيه جميع أهل البلدة من دون فرق بين كون المسافر قاطناً وسط المدينة أو أطرافها.

و مثلها رواية أبي ولّاد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء. (2)

فإنّ المتبادر انّ المبدأ لمحاسبة عشرين فرسخاً هو مرسى السفن، و من الواضح انّ مراسي السفن تبتعد عن المنازل و المحلات بفواصل كبيرة.

هذا موجز ما ذكرناه في كتاب «ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر». (3)

و الحاصل: انّ على المختار في صلاة المسافر من عدم الفرق بين الصغير و الكبير، إذا كانت المحلات متصلة، واقعة تحت عنوان و اسم واحد، فالميزان هو الخروج عن البلد، لا آخر المحلة، بل يمكن أن يقال أنّه لا يصدق اسم المسافر إلّا لمن ترك بلده من غير فرق بين الكبير و الصغير.

و على كلّ تقدير فالميزان هو الخروج عن البلد أو آخر المحل قبل الزوال أو بعده، لا الخروج عن حدّ الترخّص، إذ يصدق عليه عنوان المسافر و إن لم يصل إلى حد الترخّص، نعم ذلك الحد، تحديد لحكم المسافر من جهة القصر و الإفطار، فلا يجوزان‌

____________

(1) الوسائل: 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

(2) الوسائل: 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(3) انظر ص 3530.

21

[المسألة 2: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الإفطار، لكن يستثنى من ذلك موارد]

المسألة 2: قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم و قصرها و الإفطار، لكن يستثنى من ذلك موارد: أحدها: الأماكن الأربعة، فإنّ المسافر يتخيّر فيها بين القصر و التمام في الصلاة، و في الصوم يتعيّن الإفطار. الثاني: ما مرّ من الخارج إلى السفر بعد الزوال، فانّه يتعيّن عليه البقاء على الصوم مع أنّه يقصر في الصلاة.

الثالث: ما مرّ من الراجع من سفره، فإنّه إن رجع بعد الزوال يجب عليه الإتمام، مع أنّه يتعيّن عليه الإفطار. (1)

____________

إلّا بعد الوصول إلى النقطة التي لا يرى فيها آثار البلد و لا يسمع أذانه.

و منه يعلم حال الرجوع إلى البلد، فالميزان في صدق الدخول قبل الزوال أو بعده هو الخروج عن كونه مسافراً و هو فرع الوصول إلى البلد، لا الوصول إلى حد الترخّص و إن لم يصل إليه، كما إذا وصل إلى نقطة يرى آثار البلد أو يسمع أذانه مع وجود المسافة بينه و بين البلد. فلو وصل إلى حد الترخّص قبل الزوال و وصل إلى نفس البلد، بعده فيفطر.

و الحاصل حدّ الترخّص ليس مبدأ للمسافة و إنّما هو تحديد لحكم الإفطار و التقصير، بمعنى انّ صدق عنوان المسافر لا يكفي في التقصير و الإفطار ما لم يصل إلى حد الترخّص، فهو مبدأ للحكم بالإفطار و التقصير و ليس مبدأً لمحاسبة المسافة.

نعم، الاحتياط حسن كما ذكره الماتن، و هو الجمع بين الصوم و القضاء، فمن خرج عن البلد قبل الزوال و عن حدّ الترخّص بعده يحتاط بالجمع، كما أنّ من تجاوز حدّ الترخّص عند الإياب قبل الزوال و دخل البلد بعده يجمع بين الصوم و القضاء.

(1) انّ هذه الموارد الثلاثة يفطر فيها المسافر و يتم صلاته.

أمّا الأوّل: فلاختصاص ما دلّ على جواز الإتمام بالصلاة دون الصوم، و قد سأل الراوي على ما في بعض الروايات عن الصلاة و الصوم في الحرمين، فأجاب الإمام‌

22

[المسألة 3: إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخّص]

المسألة 3: إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار إلّا بعد الوصول إلى حدّ الترخّص، و قد مرّ سابقاً وجوب الكفّارة عليه إن أفطر قبله. (1)

[المسألة 4: يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان]

المسألة 4: يجوز السفر اختياراً في شهر رمضان، بل و لو كان للفرار من الصوم كما مرّ، و أمّا غيره من الواجب المعيّن فالأقوى عدم جوازه إلّا مع الضرورة كما أنّه لو كان مسافراً وجب عليه الإقامة لإتيانه مع الإمكان. (2)

____________

بخصوص الصلاة، قال: «أتمها و لو صلاة واحدة». (1)

و أمّا الثاني و الثالث: فيصوم الخارج بعد الزوال و يفطر القادم بعده لما دلّ عليه من الروايات الماضية.

و أمّا الصلاة فهي تفارق الصوم بدليل خاص. و هو انّ العبرة في التقصير و الإتمام هو وقت أدائها لا وقت وجوبها. و عليه يقصر الخارج بعد الزوال، لأنّه في حال الأداء مسافر، و يتمُّ القادم بعد الزوال، لأنّه في حال الأداء حاضر.

و ليعلم أنّ التفكيك بين الصلاة و الصوم لا ينحصر بالموارد الثلاثة، بل هناك موارد أُخرى يجب الصوم، و لكنّه يقصر الصلاة. (2)

(1) مضى الكلام في ذلك في الفصل السادس المسألة 11 و يدلّ عليه ما دلّ على الملازمة بين الإتمام و الصيام، و القصر و الإفطار، و بما انّه لا يجوز التقصير قبل الوصول إلى حد الترخّص، فلا يجوز الإفطار إلّا كذلك.

نعم ما دلّ على شرطية الوصول إلى حدّ الترخّص إنّما ورد في مورد الصلاة لكن قاعدة الملازمة أوجبت مشاركة الصيام مع الصوم في ذلك الحكم.

(2) المسألة تشتمل على فرعين، و قد مرّ الكلام في الفرع الأوّل و هو جواز السفر في‌

____________

(1) الوسائل: 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.

(2) انظر الجزء الأوّل من هذا الكتاب، ص 408.

23

..........

____________

شهر رمضان للفرار عن الصوم و لا نعود إليه، و سيوافيك في المستقبل أنّ كراهة السفر مختص بما قبل الثالث و العشرين من شهر رمضان.

بقي الكلام في الفرع الثاني و هو حكم السفر في الواجب المعيّن، فهل يجوز السفر اختياراً و بلا ضرورة أو لا؟ و على فرض عدم الجواز تجب عليه الإقامة لو كان في السفر.

ثمّ إنّ الواجب المعيّن ينقسم إلى واجب بالنذر، كما إذا نذر صوم أيّام البيض؛ و إلى آخر واجب لأجل ضيق الوقت، كما إذا كان عليه قضاء صوم رمضان و لم يصم حتى ضاق الوقت؛ و إلى ثالث واجب لتقييد الصوم بيوم معين في عقد الإجارة، كما إذا قال: استأجرك على صيام يوم عرفة، فهل يجوز له السفر أو لا؟ فلنأخذ كلّ واحد بالبحث.

الصوم الواجب المعيّن بالنذر

إنّ للصوم الواجب بالنذر صوراً ثلاث:

1. أن يتعلّق النذر بالصوم مشروطاً بالحضور أو عدم السفر، أي إذا كنت حاضراً أو لم أُسافر.

2. أن يتعلّق النذر بكلا الأمرين: الصوم و الإقامة.

3. أن يتعلّق النذر بالصوم من غير تعليق بالحضور غير انّه علم من الخارج انّ صحّة الصوم مشروطة بالحضور.

أمّا الأُولى، فلا كلام في جواز السفر و عدم وجوب الحضور في الوطن أو قصد الإقامة في السفر.

كما لا كلام في حرمة السفر في الصورة الثانية، بل يجب عليه تحصيل العمل‌

24

..........

____________

بالنذر بالحضور في البلد أو قصد الإقامة في السفر.

إنّما الكلام في الصورة الثالثة، فهل يجب تحصيل الحضور أو لا؟ و المسألة معنونة في كتاب النذر.

قال المحقّق: لو نذر يوماً معيّناً فاتّفق له السفر أفطر و قضاه، و كذا لو مرض و حاضت المرأة أو نفست. (1)

و عن المدارك: أمّا وجوب الإفطار فلا ريب فيه، و أمّا وجوب القضاء فمقطوع في كلام الأصحاب. (2)

فيقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة الأُولى، و أُخرى في مقتضى النصوص الواردة.

أمّا الأُولى: فلا شكّ انّ الحضور شرط لوجوب الصوم، كما هو شرط لصحته.

و بعبارة أُخرى: الحضور مقدّمة وجوبية و مقدّمة وجودية. قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ) (3)، و قد ذكرنا سابقاً انّ الآية بصدد بيان واجب الحاضر و واجب المسافر و المريض، و انّ واجب الأوّل هو الصوم، و واجب الثاني و الثالث هو الصيام في أيّام أُخر، و كأنّه لم يكتب له إلّا الصيام بعد شهر رمضان، و انّ إطلاق القضاء عليه مع عدم وجوب الصوم فهو لأجل فوت الملاك.

لكن دليل الوفاء بالنذر مطلق غير مشروط بالحضور، قال تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (4)، فإطلاق الوفاء بالنذر يقتضي‌

____________

(1) المختصر النافع 246، ط مصر.

(2) و كان عليه أن يتكلم حول جواز السفر، و لكنّه تلقّاه أمراً مسلّماً فتكلم في حكم الإفطار.

(3) البقرة: 185.

(4) الحج: 29.

25

..........

____________

وجوب الوفاء بالنذر و تحصيل شرطه، و هو الحضور و عدم السفر.

و على ذلك فمقتضى الإطلاق هو حرمة السفر و وجوب الإقامة إذا كان مسافراً.

هذا ما يستفاد من كلام بعض المحقّقين. (1)

و لكنّ هنا إشكالين:

الأوّل: انّ المهم في المقام وجود الإطلاق في صيغة الناذر و إلّا فلا يفيد إطلاق الآية، فلو كان نذر الناذر منصرفاً إلى صورة الحضور الاتّفاقي، فلا يكون إطلاق الآية دليلًا على لزوم الحضور، أو دليلًا على وجوب الإقامة في السفر.

و بعبارة أُخرى: قوله سبحانه: (وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) كبرى كلّية لا يحتج بها إلّا إذا كان نذر الناذر مطلقاً غير منصرف إلى صورة الحضور، و لا مشكوك الانصراف، و إلّا فإذا كان إنشاء الناذر مختصاً بحال الحضور، أو منصرفاً إليه، أو شككنا في الإطلاق، فلا يمكن أن يحتج بالكبرى على لزوم الحضور في الصغرى، فاللازم هو التحقيق في جانب الصغرى و تعيين حدود دلالة صيغة النذر حسب القرائن الحافّة بها. و بما انّ أكثر الناس غافلون عن شرطية الحضور في صحة الصوم، يكون منصرف إنشائهم هو اجتماع الشرائط على وجه الاتفاق لا تحصيلها، فالواجب على المحقّق التركيز على مقدار إنشاء الناذر مكان التركيز على إطلاق الآية.

و بذلك يمكن أن يقال انّ مقتضى القاعدة الأُولى حسب أغلبية حال الناذرين شرطية الحضور لوجوب الوفاء بالنذر، على خلاف ما اختاره.

هذا كلّه حول القاعدة الأُولى، و أمّا القاعدة الثانية فمقتضاها عدم وجوب الحضور و تحصيله فتكون موافقة لما هو مقتضى القاعدة الأُولى حسب ما استفدناه من إنشاء الناذرين، و هناك روايات ثلاث نذكرها واحدة تلو الأُخرى:

____________

(1) مستند العروة الوثقى: 2/ 29

26

..........

____________

1. صحيح علي بن مهزيار في حديث: كتب إليه بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟!

فكتب (عليه السلام) و قرأته: «لا تتركه إلّا من علّة، و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض، إلّا أن تكون نويت ذلك. و إن كنت أفطرت منه من غير علّة، فتصدّق بقدر كلّ يوم على سبعة مساكين. نسأل اللّه التوفيق لما يحب و يرضى». (1)

و مجهولية «بندار» أو كونه مهملًا لا يضرُّ بصحة الحديث، لأنّ العبرة بقراءة ابن مهزيار خط الإمام، و المتبادر من الحديث انّه نذر صوم يوم السبت من كلّ اسبوع و قد صادف ذلك اليومُ أحد العيدين، أو سافر. فأجاب الإمام قائلًا: «... و ليس عليك صومه في سفر ...».

نعم الحديث ساكت عن القضاء، و لكن الأمر بالتصدّق على سبعة مساكين دليل على وجوبه، لأنّ الكفارة فرع وجوب القضاء، و قد مرّ عند البحث في كفّارة حنث النذر انّ الصحيح عشرة مساكين.

2. موثقة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أُمي كانت جعلت عليها نذراً إن ردّ اللّه عليها بعض ولدها من شي‌ء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة، فأشكل علينا لمكان النذر، أ تصوم أو تفطر؟ فقال: «لا تصوم، قد وضع اللّه عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها»، قلت: فما ترى إذا هي رجعت إلى المنزل أ تقضيه؟ قال: «لا»، قلت: أ فتترك ذلك؟ قال: «لا، لأنّي أخاف أن ترى في الذي نذرت فيه ما تكره». (2)

____________

(1) الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.

(2) الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

27

..........

____________

و نقله صاحب الوسائل في كتاب النذر (1) عن الكافي بالسند التالي، و هو «صحيح: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة، غير انّه لم يذكر اسم الإمام الذي روي عنه الحديث.

3. روى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن عبد اللّه بن جندب، قال: سأل عبّاد بن ميمون و أنا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً و أراد الخروج إلى مكة؟ فقال عبد اللّه بن جندب: سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه انّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذراً صوماً، فحضرته نيّته في زيارة أبي عبد اللّه؟ قال: «يخرج و لا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك». (2)

و نقله الشيخ عن الكليني على النحو الذي مرّ. (3)

و قد نقله صاحب الوسائل (4) بتصرّف غير يسير حيث:

أ: توسط أبو جميلة بين عبد اللّه بن جبلة، و إسحاق بن عمار، مع أنّه ليس منه أثر في الكافي و التهذيب.

ب: انّ الوارد في الكافي و التهذيب (سمعت من رواه عن أبي عبد اللّه) و في نسخة الوسائل: (سمعت من زرارة).

ج: انّ المسئول لسؤال عبّاد بن ميمون غير مذكور في الكتابين، و على ما في الوسائل فالمسئول هو أبو عبد اللّه حيث قال: سأل أبا عبد اللّه عباد بن ميمون، و لكنّه غير صحيح، إذ لو كان المسئول هو الإمام لما أجاب عبد اللّه بن جندب، كلّ ذلك‌

____________

(1) الوسائل: 16، الباب 13 من أبواب النذر و العهد، الحديث 2.

(2) الكافي: 7/ 457، الحديث 16.

(3) التهذيب: 8/ 422، باب النذور، الحديث 16.

(4) الوسائل: 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.

28

..........

____________

يعرب عن طروء الخطأ إلى نسخ الوسائل أو إلى نسخة الشيخ الحر العاملي؛ و لكن الظاهر هو الأوّل، لأنّه نقله في كتاب النذر بصورة نقيّة عن هذه الأخطاء. (1)

ثمّ إنّ المشار إليه في قوله: «و أنا حاضر» هو إسحاق بن عمار؛ و حاصل الحديث: انّ عباد بن ميمون سأل عبد اللّه بن جندب، و كان عمار حاضراً في المجلس، فأجاب عبد اللّه بن جندب بما سمعه ممّن رواه عن أبي عبد اللّه؛ و حاصل الجواب: انّه يسافر و لا يصوم في الطريق و إذا رجع قضى.

و الحديث يوجب القضاء خلافاً لما مرّ. نعم في السند يحيى بن المبارك، و هو من أصحاب الرضا (عليه السلام)، و له سبع و سبعون رواية في الكتب الأربعة، و ممّن ورد اسمه في أسانيد تفسير القمي.

و لذلك قال السيد الخوئي: لم تثبت وثاقة يحيى بن المبارك على المشهور. (2) و التقييد بقوله: على المشهور، إشارة إلى أنّ الرواية صحيحة على مبناه، لورودها في أسانيد التفسير المذكور.

نعم الحديث مرسل، لأنّه لم يسم من رواه عن أبي عبد اللّه، و لذلك يكون الحديث معاضداً لما سبق.

و لعلّ هذه الأحاديث المتفقة على جواز السفر لأجل انّ إنشاء الناذر لم يكن مطلقاً بل ناظراً إلى بعض الظروف و منصرفاً إلى ما اتفق له الحضور، و الشك في سعة الإنشاء و ضيقه يكفي في الحكم بجواز السفر.

بقي الكلام في موردين:

1. إذا كان عليه صوم قضاء رمضان و قد ضاق الوقت، فهل يجوز له السفر أو‌

____________

(1) الوسائل: 16، الباب 13 من أبواب النذر، الحديث 1.

(2) مستند العروة: 2/ 40.

29

[المسألة 5: الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن تمضي ثلاثة و عشرون يوماً إلّا في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه.]

المسألة 5: الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن تمضي ثلاثة و عشرون يوماً إلّا في حجّ أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه. (1)

____________

لا؟ الظاهر لا، و ذلك لأنّ الحضور شرط الوجوب في صيام رمضان، دون القضاء و إن كان شرطاً لصحته، و ليس هناك ما يدل على شرطية الحضور في مورد القضاء، فإطلاق دليله الدال على عدم جواز تأخيره و انّه موجب للعصيان بدليل تعلّق الكفارة لدى التأخير، دليل لزوم إحراز شرط الصحة، أعني: الحضور، اللّهمّ إلّا إذا قلنا بإلغاء الخصوصية و عطف القضاء على الأداء في عامة الأحكام.

2. لو كان أجيراً لشخص و لصيام يوم معين، فهل يجوز له السفر أو لا؟ الظاهر لا، لإطلاق صيغة الإجارة و عدم كونها مشروطة بالحضور و قد ملك الموجر، الصوم في ذمة الأجير على وجه الإطلاق، فليس له تضييع حق الناس بالسفر بما دل على جواز السفر في شهر رمضان أو اليوم المعيّن للصيام، فالصوم فيها حق إلهيّ رخّص سبحانه السفر، بخلاف المقام فهو من مقولة حق الناس، فلا يمكن الاستشهاد بما في المورد الأوّل، على الثاني.

(1) قد مضى الكلام في كراهة السفر في شهر رمضان في الفصل السادس، المسألة 25. و قد استثني منها موردان:

1. السفر بعد مضي ثلاثة و عشرين يوماً.

2. السفر لغايات مهمة كالحج و العمرة أو حاجات فائقة.

أمّا الأوّل: فقد ورد في مرسل علي بن أسباط، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا دخل شهر رمضان فللّه فيه شرط، قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلّا في حج إلى أن قال: فإذا مضت ليلة ثلاث و عشرون، فليخرج حيث شاء. (1) و الاعتماد عليه مع إرساله في رفع‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

30

[المسألة 6: يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار، التملّي من الطعام و الشراب]

المسألة 6: يكره للمسافر في شهر رمضان بل كلّ من يجوز له الإفطار، التملّي من الطعام و الشراب و كذا يكره له الجماع في النهار، بل الأحوط تركه و إن

____________

الكراهة تأمّل.

و أمّا الثاني، فقد ورد الاستثناء في عدّة من الروايات:

1. ففي خبر أبي بصير، (1) و مرسلة علي بن أسباط، 2 استثناء الخروج إلى مكة، أو غزو في سبيل اللّه، أو مال تخاف هلاكه، أو أخ تخاف من هلاكه.

2. و في موثقة الحسين بن المختار استثناء الخروج للحج، أو العمرة، أو مال تخاف عليه الفوت، أو لزرع يحين حصاده. 3 فجاء الخروج للحصاد مكان الخروج إلى نجاة أخ يخاف هلاكه.

3. و في صحيح الحلبي: استثناء الحاجة الشديدة، أو الخوف على المال. 4

4. و في مرسلة المقنع استثناء تشييع الأخ المؤمن. 5

و الظاهر انّ ما جاء في هذه الروايات من باب المثال و الميزان هو أحد الأمرين، إمّا لكونه أهم من الصوم في شهر رمضان، كالخروج إلى الجهاد، أو لكونه حاجة تفوت بالتأخير و إن لم يكن أهم.

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3. و في سند الصدوق إلى أبي بصير: علي بن حمزة البطائني، و لذا عبّرنا عنه بالخبر، و الحديث 6.

(2) 3 الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8. الحسين بن المختار واقفي ثقة.

(3) 4 الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1. و طريق الصدوق إلى الحلبي صحيح.

(4) 5 الوسائل: الجزء 7، الباب 3، من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

31

كان الأقوى جوازه. (1)

____________

(1) امّا كراهة التملّي، فلصحيح ابن سنان، حيث جاء في ذيله: «و إنّي إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلّا القوت، و ما أشرب كل الري». (1) و مورد الحديث و إن كان هو المسافر، لكن المفهوم من مجموع الحديث انّ السبب هو حرمة شهر رمضان و لا خصوصية للمسافر لذلك قال الماتن: بل كلّ من يجوز له الإفطار.

أمّا كراهة الجماع فالمشهور بين الأصحاب هو الكراهة إلّا الشيخ في النهاية قال: لا يجوز للمسافر أن يجامع النساء نهاراً إلّا عند الحاجة، و لا ينبغي أن يمتلئ من الطعام و الشراب. (2)

و نقل العلّامة عن ابن الجنيد و ابن إدريس الكراهة، و عن أبي الصلاح الحرمة ما لم يخف فساداً في الدين، ثمّ قال: الأقرب عندي الكراهة. (3)

و التتبّع في كلمات الأصحاب قديماً و حديثاً يكشف عن كون الكراهة هو المشهور بينهم قبل الشيخ و بعده، أمّا الأوّل قال الكليني: الفضل عندي أن يوقِّر الرجل شهر رمضان و يمسك عن النساء في السفر بالنهار، إلّا أن يكون تغلبه الشهوة و يخاف على نفسه. (4)

و قال الصدوق: النهي عن الجماع للمنصرف من السفر إنّما هو نهي كراهة لا نهي تحريم. و أكثر الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت تدلّ على الجواز، و هو يكشف عن كون الجواز هو المشهور بين أصحاب الأئمّة، و هو يدل على أنّه مذهب الأئمّة،

____________

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.

(2) النهاية و نكتها: 1/ 45.

(3) مختلف الشيعة: 3/ 478477.

(4) الكافي: 4/ 135.

32

..........

____________

فانّ مذهبهم يعلم بنقل شيعتهم و أتباعهم، كما أنّ مذهب أبي حنيفة يعلم من نقل أتباعه، و لذلك عدّ المحقّق الجواز أشبه بأُصول المذهب و قواعده. (1)

و ما يدلّ على الجواز يناهز سبع روايات بين صحيح و غيره.

ففي صحيح عمر بن يزيد (أي عمر بن محمد بن يزيد الثقة، و كلّما أطلق فهو المراد، دون عمر بن يزيد الصيقل الذي ترجمه النجاشي و لم يوثّقه) سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء؟ قال: «نعم». (2)

و موثق محمد بن مسلم (لوجود عثمان بن عيسى شيخ الواقفة في سنده) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر، بعد العصر من شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أ يواقعها؟ قال: «لا بأس به» 3 و لاحظ غيرهما.

و يعارضهما روايتان صحيحتان:

إحداهما عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان، فلا يقرب النساء بالنهار في شهر رمضان، فانّ ذلك محرّم». 4

و الأُخرى عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له أ فله أن يصيب منها بالنهار؟ فقال: «سبحان اللّه أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان، إنّ له في الليل سبحاً طويلًا» قلت: أ ليس له أن يأكل و يشرب و يقصّر؟ قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى قد رخّص المسافر في الإفطار، و التقصير‌

____________

(1) الجواهر: 17/ 156.

(2) 2 و 3 الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 101. و لاحظ الأحاديث 1، 3، 4، 7، 9.

(3) 4 الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 8.

33

..........

____________

رحمة و تخفيفاً لموضع التعب و النصب و وعث السفر و لم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، و أوجب عليه قضاء الصيام، و لم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة، إذا آب من سفره» ثمّ قال: «و السنّة لا تقاس». (1) و أمّا روايته الأُخرى فهي متحدة مع هذا.

أمّا صحيحة محمد بن مسلم، فهو ظاهر في التحريم و حملها على الكراهة بعيد جداً، نعم صحيحة ابن سنان قابلة للحمل عليها حيث قال: «أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان» و لا ينافيه ردّ الإمام استدلال الراوي حيث قال: الجماع بالأكل و الشرب فقال: «و السنّة لا تقاس»، إذ يحتمل أن يكون الردّ لغاية إبطال ما تخيّله الراوي من نفي الكراهة عن الجماع كنفيها عن الأكل و الشرب، فلم يبق إلّا صحيحة ابن مسلم مع أنّها معارضة بنفس ما روي عنه كما عرفت، و يكفي في شذوذها إعراض الأصحاب عنها في الأعصار المعاصرة للأئمة و بعدها، فالكراهة هي الأقرب.

____________

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 5.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

[الفصل الحادي عشر في من وردت الرخصة في إفطارهم]

الفصل الحادي عشر في من وردت الرخصة في إفطارهم

وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص بل قد يجب

[الأوّل و الثاني: الشيخ و الشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم أو كان حرجاً و مشقّة]

الأوّل و الثاني: الشيخ و الشيخة إذا تعذّر عليهما الصوم أو كان حرجاً و مشقّة فيجوز لهما الإفطار، لكن يجب عليهما في صورة المشقّة، بل في صورة التعذّر أيضاً، التكفير بدل كلّ يوم بمدّ من طعام و الأحْوط مدّان و الأفضل كونهما من حنطة، و الأقوى وجوب القضاء عليهما لو تمكّنا بعد ذلك. (1)

____________

(1) تتضمن المسألة فروعاً:

1. هل الإفطار لهما رخصة أو عزيمة؟

2. وجوب التكفير في صورتي التعذّر و المشقة.

3. كفاية المد و الأفضل المدّان، كما أنّ الأفضل أن يكون من حنطة.

4. وجوب القضاء إذا تمكن بعد ذلك.

و لنتاول كلّ واحد بالبحث.

1. هل الإفطار عزيمة أو رخصة؟

هل يتخيّر معها المكلّف بين الإفطار و الفدية، أو الصوم؟ محل الكلام فيما إذا‌

36

..........

____________

كان الصوم أمراً شاقّاً عليهما لا متعذراً على نحو يكونان عاجزين عنه، إذ لا كلام في هذه الصورة في تعيّن الفدية للعجز عن الصوم. لو قلنا بها فيها، كما سيوافيك:

إنّ دراسة الآيات الواردة حول الصوم في سورة البقرة تثبت أنّ الإفطار عزيمة لا رخصة، و مجموعها لا يتجاوز عن ثلاث آيات:

1. قال سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). (1)

2. (أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ). (2)

3. (شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). (3)

فلنشرح هذه الآيات واحدة تلو الأُخرى.

أمّا الآية الأُولى، فجاءت تخاطب المؤمنين و تفرض عليهم وجوب الصوم (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ)، و تصرّح بأنّه ليس أمراً بديعاً، بل كان مكتوباً على الأُمم السابقة (كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، و تُبيّن انّ الغاية من هذه الفريضة هي التحلّي بالتقوى.

____________

(1) البقرة: 183.

(2) البقرة: 184.

(3) البقرة: 185

37

..........

____________

و أمّا الآية الثانية، فتتشكل من أربع فقرات بعد بيان انّ الواجب لا يتجاوز عن كونه أيّاماً معدودات.

الأُولى: (فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ).

الثانية: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ).

الثالثة: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).

الرابعة: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

و جاءت الفقرات الثلاث الأُول بصيغة الغائب بخلاف الأخيرة فجاءت بصيغة الخطاب.

فالفقرة الأُولى تصرح بأنّ الواجب على الصنفين هو الصيام في أيّام أُخر، و كأنّه لم يُكتب عليهم الصيام في شهر رمضان، بل كتب في تلك الأيّام، كما هو صريح قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ).

و على ذلك فالمكلّف يُصنَّف إلى حاضر و مسافر و مريض، فالحاضر وظيفته الصوم في شهر رمضان، و الآخران واجبهما الصيام في أيام أُخر.

نعم ربّما يقدّر بعد قوله: (وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ) لفظة «فافطر» (1) إشعاراً بأنّه يمكن للمسافر الصوم في شهر رمضان، لكن لو أفطر وجب عليه القضاء في أيام أُخر.

و لكن التقدير على خلاف الظاهر أوّلًا، و إنّما لتصحيح فتوى أهل السنة ثانياً حيث يجوّزون الصوم للمسافر في شهر رمضان، بل الحقّ انّ المتبادر هو انّ المفروض من أوّل الأمر هو الصوم في أيّام أُخر.

____________

(1) تفسير الجلالين في تفسير الآية و غيره من سائر التفاسير.

38

..........

____________

و أمّا الفقرة الثانية، فهي أيضاً جاءت بصيغة الغائب تفرض على الذين يطيقون الصوم فدية طعام مسكين، فيقع الكلام في مفاد هذه الفقرة.

فقوله تعالى: (يُطِيقُونَهُ) بمعنى من يقدر على الصوم بجهد و مشقة و ببذل جميع طاقاته، و ليس بمعنى الاستطاعة و القدرة كما ربما يتوهم.

قال ابن منظور: الطوق، الطاقة، أي أقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه. (1)

و في النهاية عند تفسير شعر عامر بن فهيرة:

كل امرئ مجاهد بطوقه و الثور يحمي أنفه بروقه‌

قال: أي أقصى غايته، و هو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه. (2)

و من هنا يعلم أنّ تفسير تلك الفقرة بغير هذا الوجه على خلاف الظاهر، حيث فسّرت بوجوه غير تامّة، نذكر منها اثنين.

الأوّل: انّه سبحانه خيّر المطيقين من الناس كلّهم بين أن يصوموا و لا يكفِّروا و بين أن يفطروا و يكفِّروا عن كلّ يوم بإطعام مسكين، لأنّهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثمّ نسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).

يلاحظ عليه أوّلًا: بأنّ تفسير (يطيقون) بالمستطيعين و القادرين على الصوم خلاف ظاهر اللغة كما عرفت. و إن وافقهم الطبرسي في تفسيره، حيث قال: أطاقه: إذا قوي عليه، فلو صحّ هذا الاستعمال فهو استعمال غير ذائع، و إنّما الشائع هو ما ذكرنا أي من يقدر لكن ببذل جهد و مشقة كبيرة يلحقه في نظر العرف بالعاجز و إن لم يكن‌

____________

(1) لسان العرب: 8/ 225، مادة طوق.

(2) النهاية: 3/ 144، مادة طوق.

39

..........

____________

عاجزاً عقلًا.

و ثانياً: أنّ هذا التفسير أشبه بالتفسير بالرأي، فلا يصحّ الاعتماد عليه إلّا إذا وجد عليه شاهد من الكتاب و السنة. و لم نعثر على دليل يؤيد ذلك.

و ثالثاً: أنّ الناظر في الآيات يقف على أنّها كسبيكة واحدة نزلت مرة واحدة لغايات تشريعية من دون أن يكون هناك ناسخ و منسوخ، أو تناف و مخالفة، و لازم القول بالنسخ وجود فاصل زماني بين المنسوخ و الناسخ و هو ينافي ظهور الآيات بنزولها دفعة واحدة.

رابعاً: لو كانت هذه الفقرة ناظرة إلى عامة المسلمين القادرين، لما كان هناك وجه للعدول عن الخطاب إلى الغيبة حيث نرى أنّه سبحانه عند ما يحكم على المؤمنين قاطبة يخاطبهم بقوله: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ)، فلو كان هذا الحكم في هذه الفقرة حكماً شمولياً لكلّ المستطيعين، لكان الأُولى صياغة الحكم في قالب الخطاب، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ تلك الفقرة ترجع إلى صنف خاص و هم المتحمّلون للصوم بجهد و مشقة، فيكون هذا الصنف كالمسافر و المريض، صنفاً خاصاً يصلح لبيان الحكم في صيغة الغائب.

الثاني: انّ تلك الفقرة ناظرة إلى الذين أفطروا بلا عذر ثمّ عجزوا، و يؤيد ذلك رواية شاذة مرسلة.

روى ابن بكير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ) قال: «الذين كانوا يطيقون الصوم و أصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك، فعليهم لكلّ يوم مد». (1)

و هذا التفسير يشاطر التفسير السابق في كونه خلاف ظاهر الآية، لحاجتها إلى‌

____________

(1) الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

40

..........

____________

تقدير «افطروا».

فالتفسير الصحيح هو ما قدّمناه، و يؤيده روايات عديدة، منها:

1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمد». (1)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان؟ قال: «يتصدق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين». 2

و بذلك تبيّن انّ ظاهر الآية هو العزيمة حيث إنّ ظاهرها انّ المكتوب على المطيقين هو الفدية لا غير، نظير ما ذكرنا في المريض و المسافر.

و أمّا الروايات فأكثرها أو جميعها بصدد بيان الفدية، و ليست بصدد بيان كونها عزيمة أو رخصة. و مع ذلك تصحّ استفادة العزيمة و تعيّن الدية بالبيان التالي: انّ قوله: «يتصدّق كلّ يوم بما يجزي من طعام مسكين» في صحيحة ابن سنان، أو قوله: «و يتصدق كلّ واحد منهما في كلّ يوم بمُدّ من طعام» في صحيح محمد بن مسلم، ظاهر في كون التصدّق واجباً تعيينياً لا تخييرياً، إذ لو كان كذلك كان عليه أن يأتي بالعِدْل الآخر، فالسكوت مع كونه في مقام البيان آية كونه تعيينياً مع أنّه لم يرد في رواية ضعيفة فضلًا عن غيرها انّه مخيّر بين الأمرين.

و بذلك لا يمكن الاعتماد على ظهور قوله في الرواية الأُولى: «لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان»، لأنّه ورد في محل توهم الحظر، فالهدف رفع ذلك التوهّم، أي لا يحرم الإفطار، و أمّا كونه واجباً أو رخصة فخارج عن مصب الكلام.

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 و 5. و لاحظ الأحاديث: 2، 3، 4، 7، 8، 9، 10، 11، 12 من ذلك الباب.

41

..........

____________

نعم ذهب جماعة منهم المحدّث البحراني و الماتن إلى التخيير، قال في الحدائق: إنّ المراد من الآية هو من أمكنه الصوم بمشقة، فانّه قد جوّز له الإفطار و الفدية. (1) و قد عرفت مدلول الآية.

و أمّا الفقرة الثالثة، أي قوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)، فهو بمعنى انّ من زاد في الفدية فهو خير له، فلو زاد في الإطعام على مسكين واحد أو أطعم المسكين الواحد أكثر من الواجب فهو خير، و التطوع من الطوع بمعنى الانقياد، و المقصود من قوله: «خيراً» ما يقارب معنى المال، مثل قوله سبحانه: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ). (2)

و من غريب القول تفسير تلك الفقرة بالصوم، و هو كما ترى لا صلة لها به.

و أمّا الفقرة الرابعة، أعني قوله: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، فقد وقعت ذريعة لطائفتين:

الأُولى: من قال بأنّ الإفطار رخصة للمطيق.

الثانية: من قال بأنّ الإفطار رخصة للمسافر.

و لكن الإمعان فيها يثبت أنّها تتعلّق بالآية الأُولى، أعني قوله سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ)، و الشاهد على ذلك ورودهما بصيغة الخطاب في كلا المقامين. فالفقرة ناظرة إلى أنّ التشريع الماضي بعامة خصوصياته خير لكم أيّها المؤمنون، فلو قلنا بأنّ الحاضر يصوم، و المريض و المسافر يصومان في أيّام أُخر، و المطيق ليس عليه صوم كلّ هذا من أجل خيركم و سعادتكم.

فلو كانت الفقرة الرابعة راجعة إلى المطيق أو المسافر و المريض، لكان الأنسب‌

____________

(1) الحدائق: 13/ 421.

(2) البقرة: 180.

42

..........

____________

أن ترد الفقرة بصيغة الغائب، و الحال انّها جاءت بصيغة الخطاب مشعرة بأنّها تخاطب عامة المسلمين لا صنفاً خاصاً.

هذا كلّه حول الآية الثانية، و أمّا الآية الثالثة فتتشكّل من الفقرات التالية:

أ: (شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ) تريد الآية بيان تخصيص تلك الأيام بفريضة الصوم، و انّه شهر نزل فيه القرآن الذي فيه هدى للناس و آيات بيّنات واضحات فيها من الهداية و الفرقان بين الحقّ و الباطل.

(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ) أعاد سبحانه ذكر ما سبقه في الآية الثانية ردّاً على المتزمّتين الذين يظنون انّ الإفطار غير جائز بحال، و لقد صدّق الخَبَرَ الخُبْرُ.

روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه، أنّ رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام؟ فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة». (1)

ج: (يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، و هو بيان لحكمة رفع الصيام عن الأصناف الثلاثة الذين أمروا بالإفطار، و تلك الحكمة طلب يسر الحياة لهم و دفع العسر عنهم من غير فرق بين المريض و المسافر و من يشقّ عليه الصيام.

و ربما يستظهر منه بأنّ الإفطار رخصة حتى قال بعض المفسرين الشيعة بأنّه لو لا الروايات الصحيحة عن أهل البيت (عليهم السلام) عن جدّهم رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لجزمنا بأنّ الإفطار‌

____________

(1) شرح صحيح مسلم للنووي: 7/ 232.

43

..........

____________

في السفر رخصة لا عزيمة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الإرادة في الآية إرادة تشريعية، و معنى ذلك انّ المشروع هو الميسور لا المعسور، و معه كيف يكون الصوم المعسور مشروعاً؟ كيف، و قد قال سبحانه: (وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (2)، فالمجعول هو الحكم الذي ليس فيه حرج و ما على خلافه فليس بمجعول أي بمشروع.

د: (وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، و هي راجعة إلى لزوم القضاء للمريض و المسافر، أي انّ الموضوع منهما هو حكم الصيام في شهر رمضان، و أمّا القضاء بعدد الأيام المعدودات فلا و قد عرفت معنى القضاء في المقام.

ه‍: (وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، الفقرة غاية لوجوب عقد الصيام، و اللّه سبحانه يطلب من عباده تكبيره في مقابل هدايتهم حتى يكونوا شاكرين لنعمه.

تمّ الكلام في الفرع الأوّل.

2. وجوب الفدية و عمومه للعاجز و المطيق

اتّفقت كلمتهم على وجوب الفدية، إلّا ما يحكى عن أبي الصلاح حيث اختار القول بالاستحباب، و عليه فلا يجب عليه الفدية كما لا يجب عليه الصوم. (3) و هو قول شاذّ، مخالف لصريح الآية من جعل الفدية على ذمة المطيقين حيث يقول: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ) حيث تحكي عن ثبوتها عليهم، و ما ربّما يستدل على‌

____________

(1) الكافي: 1/ 285.

(2) الحج: 78.

(3) عبارته في الكافي: 182 هكذا.

44

..........

____________

قوله برواية إبراهيم الكوفي، فسيوافيك توضيحها عن قريب.

ثمّ اختلفوا بعد ما اتفقوا على وجوب الفدية في وجوبها على خصوص المطيق، أو عمومها له و للعاجز. الأشهر هو الثاني.

ذهب ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد، و ابن بابويه في رسالته، و الصدوق في المقنع، و الشيخ في النهاية و المبسوط و الاقتصاد، و ابن البراج، خلافاً للمفيد و السيد المرتضى و أبي الصلاح و سلّار و ابن إدريس، و العلّامة في مختلفه. (1)

و قد استدلّ على القول بالاختصاص بوجوه:

1. مقتضى الأصل هو البراءة و عدم الوجوب، و على القائل به إقامة الدليل عليه.

2. انّ الكفّارة إمّا بدل عن واجب، أو مسقطة لذنب صدر عن المكلف، و كلاهما منفيان. (2)

يلاحظ عليه: أنّ سبب إيجابها أعم منهما، إذ يمكن أن يكون سببه هو فوت المصلحة منهما، فتتدارك بالفدية.

3. قوله سبحانه (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ)، حيث دلّ بمفهومه على سقوط الفدية عن العاجز الذي لا يطيقه أصلًا.

يلاحظ عليه: أنّ المفهوم في الآية أشبه بمفهوم اللقب، فانّ جعل الوجوب على المطيق لا يكون دليلًا على عدم وجوبه للعاجز.

و المهم في الاستدلال هو أصل البراءة كما مرّ.

و أمّا القول بالوجوب، فليس له دليل سوى توهّم وجود إطلاقات تعم كلا‌

____________

(1) لاحظ الأقوال في المختلف: 3/ 542.

(2) المختلف: 3/ 543.

45

..........

____________

الصنفين، و هو موضع تأمّل، فانّ العناوين الواردة فيها لا تتجاوز عمّا يلي:

1. «الشيخ الكبير» كما في حديثي محمد بن مسلم، (1) و حديث رفاعة. 2

2. «الشيخ الكبير و العجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم» كما في حديث عبد الملك بن عتبة 3 الهاشمي. و الظاهر انّ الضعف قيد لكليهما لا لخصوص العجوز، بقرينة صحيح بن سنان، عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان، 4 و صحيح الحلبي. 5

3. «الشيخ الكبير الذي لا يستطيع أو لا يقدر» كما في مرسلة العياشي، 6 و معتبر أبي بصير، 7 و خبره الآخر، 8 و لا يبعد أن يكون المراد من القسم الثالث هو غير القادر عرفاً لا عقلًا، فيتحد مع القسم الثاني، إذ من البعيد أن يركز الحديث على العاجز، دون المطيق بجهد و مشقة، فتعيّن أن يكون المراد هو المطيق بمشقة، و لا جامع بين العاجز القادر ليستعمل فيه.

و بذينك القسمين يقيد القسم الأوّل الذي كان الموضوع فيه هو الشيخ الكبير بوجه مطلق.

بقي الكلام في حديث إبراهيم الكرخي الذي رواها الشيخ في التهذيب عن سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه و لا يمكنه الركوع و السجود؟ فقال: «ليؤم برأسه إيماء» إلى أن قال: قلت فالصيام؟ قال: «إذا كان في ذلك الحد، فقد وضع اللّه عنه، فإن كانت له مقدرة فصدقة مدّ عن طعام بدل‌

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 3، 8.

(2) 3 و 4 و 5 الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 5، 9.

(3) 6 و 7 و 8 الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7، 11، 12.

46

..........

____________

كلّ يوم أحب إلى، و إن لم تكن له يسار ذلك فلا شي‌ء عليه». (1)

أمّا السند، ففيه الطيالسي التميمي؛ فقد عنونه النجاشي في رجاله، و الشيخ أيضاً في رجاله من أصحاب الكاظم و لم يوثقاه. (2)

و امّا إبراهيم الكرخي، فهو ثقة عندنا، لكونه من مشايخ ابن أبي عمير و صفوان، له روايات في الكتب الأربعة.

و أمّا المتن فالرواية ظاهرة في العاجز دون المطيق، بقرينة قوله: «و لا يمكنه الركوع و السجود»، فلا مانع من الالتزام باستحباب الفدية في حقّه إذا كان له يسار، و لعله لأجل إدراك فضيلة شهر رمضان.

و بذلك يعلم أنّ الاستدلال بها على استحباب الفدية على المطيق في غير محله، لأنّ الموضوع هو العاجز، لا المطيق.

نعم لو قلنا بأنّ المراد هو المطيق بقرينة قوله «لضعفه»، فلا محيص من حمل «افعل» التفضيل على معنى لا ينافي الوجوب مثل قول يوسف (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ). (3)

أي السجن محبوب دون الآخر، و مثله المقام و هو انّ الفدية محبوبة دون تركها.

3. الواجب مدّ لا مدّان

المشهور أنّ الواجب هو مدّ من طعام، ذهب إليه ابن عقيل و ابن الجنيد و ابنا‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 10.

(2) رجال النجاشي: رقم 911؛ رجال الشيخ برقم 26.

(3) يوسف: 33.

47

..........

____________

بابويه و السيد المرتضى و سلّار و ابن إدريس. خلافاً للشيخ في المبسوط و ابن البراج في المهذب، و الطبرسي في المجمع، حيث قالوا بأنّ الواجب مدّان، فإن لم يتمكّن فمدّ واحد. (1)

و لكن الأقوى هو القول الأوّل، و ذلك لأنّه سبحانه يقول (فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ)، و الفدية بمعنى البدل و العوض، و قوله (طَعٰامُ مِسْكِينٍ) عطف تفسير لها، و المراد قدر ما يأكله في موعد، بل يوم واحد، و هو يعادل مدّاً في أغلب الأفراد.

و أمّا الروايات، فهي على أصناف ثلاثة:

أ: ما يُفسِّر قوله سبحانه: (طَعٰامُ مِسْكِينٍ) بمدّ، كما هو الحال في مرسلة ابن بكير و المروي عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى. (2)

ب: ما يدل على وجوب مدّ واحد، و عليه أكثر روايات الباب. (3)

ج: ما يدل على وجوب مدّين من طعام، و هو المروي عن أبي عبد اللّه بطريق محمد بن مسلم. (4)

و قد روى محمد بن مسلم مدّاً واحداً عن أبي جعفر كما مرّ، و على ذلك لا يمكن توحيد الروايتين، بزعم انّ الخطأ نشأ من جانب الرواة، لأنّه إنّما يتم إذا روى عن إمام واحد، و لكنّه نقله عن إمامين، فلا محيص من حمل المدّين على الاستحباب؛ و أمّا حمل المدّ الواحد على العاجز عن المدين، فهو جمع تبرّعي.

____________

(1) المختلف: 3/ 545؛ مجمع البيان: 1/ 274.

(2) الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6، 12.

(3) الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1، 4، 6، 10.

(4) الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

48

..........

____________

جنس الطعام‌

لقد ورد في القرآن قوله سبحانه: (طَعٰامُ مِسْكِينٍ)، و قد مرّ منا (1) انّ الطعام ما يُتغذى من الحنطة و غيره، و هو في العرف اسم لما يؤكل كالشراب لما يُشرب، و مقتضى الإطلاق كفاية كلّ ما يؤكل عادة غداءً و عشاءً.

نعم ورد التقييد بالحنطة في رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي، و قد مرّ انّه لم يوثق.

4. وجوب القضاء إذا تمكّن

هل يجب القضاء لو تمكّنا من القضاء قبل حلول رمضان الآتي؟ ادّعى العلّامة في «المختلف» الإجماع على عدم الوجوب. (2)

و مع ذلك يقول المحقّق في «الشرائع»: ثمّ إن أمكن القضاء وجب. و علّله في الجواهر بعموم من فاتته فريضة. (3)

يلاحظ عليه: عدم صدق الفوت وجوباً و ملاكاً.

أمّا الأوّل فلما عرفت من عدم وجوبه عليه بل الواجب هو الفدية، و أمّا الملاك فلأنّه يُتدارك أو يحتمل تداركه بالفدية.

أضف إلى ذلك انّه يمكن استفادة عدم الوجوب من الوجهين التاليين:

أ: التصريح بعدم القضاء في صحيحة محمد بن مسلم. (4)

____________

(1) لاحظ الجزء الأوّل، الفصل السادس، المسألة 24.

(2) المختلف: 3/ 545.

(3) الجواهر: 17/ 147.

(4) الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

49

[الثالث: من به داء العطش]

الثالث: من به داء العطش فإنّه يفطر، سواء كان بحيث لا يقدر على الصبر، أو كان فيه مشقّة، و يجب عليه التصدّق بمدّ، و الأحوط مدّان، من غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال أم لا، و الأحوط، بل الأقوى، وجوب القضاء عليه إذا تمكّن بعد ذلك، كما أنّ الأحوط أن يقتصر على مقدار الضرورة. (1)

____________

ب: انّه ورد في صحيحة الحلبي و ابن سنان أنّ الفدية تجزي عن الصوم.

ففي صحيحة الحلبي يتصدق بما يجزي عنه (أي عن الصوم) طعام مسكين لكلّ يوم (1)، فقوله: (طَعٰامُ مِسْكِينٍ) فاعل الفعل يجزي، فكأنّ الفدية تقوم مقام الصوم.

و مثلها صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: يتصدّق كلّ يوم بما يجزي [عنه] من طعام مسكين. 2

فقوله: من طعام مسكين بيان لفاعل الفعل، و الظاهر سقوط كلمة «عنه»، و ظاهر الروايتين كفاية الفدية عن الصوم، فلا يبقى مجال للقضاء.

(1) انّ من به داء العطش أي ذو العطاش (بضم العين)، و هو داء لا يروي صاحبه، محكوم بأحكام أربعة:

أ: يفطر في صورتي العجز و المشقة.

ب: يتصدّق بمدّ و الأحوط مدّان.

ج: وجوب القضاء عند التمكّن.

د: الأحوط الاقتصار في الشرب على قدر الضرورة.

أمّا الأوّل، فالعاجز خارج عن محطّ البحث لعدم القدرة كخروجه عن قوله: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ)، فالأولى التركيز على صورة المشقة، و جواز‌

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: 7، الباب 15 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 9، 5.

50

..........

____________

إفطاره مورد اتفاق، لقوله سبحانه: (لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا) (1)، و قوله سبحانه: (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ). (2)

من غير فرق بين من يرجى برؤه و بين من لا يرجى، لأنّ الملاك هو المشقة و برؤه و عدم برئه في المستقبل غير دخيل في الحكم.

أمّا الثاني، أي وجوب الكفّارة، فقد اتّفقت كلمتهم على وجوبها فيمن لا يرجى بُرؤه، و لم يخالف فيه أحد إلّا ما نقل عن سلّار.

نعم إنّما الاختلاف فيمن يرجى برؤه و يتوقع زواله.

فمن قائل بأنّه داخل في قوله سبحانه: (فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ) فحكم عليه بوجوب القضاء دون الفدية، كما هو حال كلّ مريض. و هو خيرة المفيد و السيد المرتضى و ابن إدريس و العلّامة في المختلف. (3)

إلى آخر قال بأنّه داخل في قوله: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) فحكم عليه بالفدية، و أمّا القضاء فسيوافيك.

و الحقّ هو القول الثاني، و ذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: انّ المراد من المريض المحكوم بالإفطار، من يضرّه الصوم فيوجب طولَ برئه أو شدّة مرضه، و الصوم بالنسبة إلى داء العطاش ليس كذلك و إنّما هو يوجب المشقة عليه، لأنّه يسكن بشرب الماء، و الصوم يخالفه، فلذلك يكون خارجاً عن عنوان المريض.

____________

(1) البقرة: 287.

(2) الحج: 78.

(3) مختلف الشيعة: 3/ 548547.