أسس التقوى لنيل جنة المأوى

- الشيخ علي بن محمد رضا كاشف الغطاء المزيد...
151 /
1

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله و صحبه الطيبين الطاهرين و بعد، فيقول المفتقر إلى اللّه تعالى علي ابن المرحوم الشيخ محمد رضا ابن المغفور له الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء.

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و عليه نتوكل و به نستعين

الحمد لله الذي لا يحيط به نعت و لا يحده وصف و لا يحويه خطاب و لا يبلغ كنهه إطناب نحمده حمداً لا يحصيه عد و لا ينتهي أمده إلى حد على ما أولانا من مننه المتتابعة و اسبغ علينا من نعمه الظاهرة و الباطنة و نصلي و نسلم على أبواب الرحمة و مصابيح الهدى و العروة الوثقى أمناء البلاد و الحجج على العباد محمد خاتم النبيين و آله و صحبه البررة الميامين و بعد جهد و عناية و قد ساعدني التوفيق الإلهي و اللطف الرباني ببركة من لذنا بجواره الحجة الدامغة و النبأ العظيم و البلاغ المبين أبي الأئمة و نجاة الأمة علي بن أبي طالب (ع) أن أكتب رسالة مشتملة على أمهات المسائل الشرعية و مهماتها قد أوضحت بها الفرائض الإلهية و شرحت فيها النواميس الدينية راجياً من اللّه تعالى أن أصيب بها الواقع لأنال الأجرين و داعياً منه تعالى أن يفوز العامل بها في النشأتين و قد سميتها (بأسس التقوى لنيل جنة المأوى) و قد رتبتها على مقدمة و مطالب و خاتمة أما المقدمة فهي تشتمل على أمور سبعة:

الأمر الأول: في شروط التكليف و طرق معرفتها

إن التكليف الشرعي إنما يثبت على الإنسان بشروط ثلاثة:

القدرة و العقل و البلوغ فإذا حصلت هذه الشروط وجب عليه الفحص فان علم بالتكليف أو قامت الحجة المعتبرة عنده عليه و ليس فيه حرج عليه استحق الثواب بموافقته و العقاب على مخالفته و ان لم يعلم به لا إجمالا و لا تفصيلًا و لم تقم الحجة المعتبرة عنده عليه كان معذوراً في عدم الإتيان به.

و تعرف القدرة بالتمكن من فعل الشي‌ء و تركه و كونه تحت اختياره وجوداً و عدماً.

و يعرف العقل بالتميز بين مضار الأشياء و منافعها و صالحها و فاسدها و معرفة خواصها و آثارها و استنتاج غائبها من حاضرها و طلب فوائدها من مقدماتها.

و يعرف البلوغ في الصبي بخروج اللحية أو نبات الشعر الخشن على العانة التي حول الذكر و لا اعتبار بالزغب و الشعر الضعيف و هكذا يعرف بالاحتلام أو بالقدرة على المواقعة و الإنزال أو إكمال خمس عشرة سنة هلالية.

2

و يعرف البلوغ في الصبية بالحيض أو الحمل أو بالاحتلام أو الاستعداد لقبول الفحل أو بإكمال تسع سنين هلالية.

الأمر الثاني: في ان المكلف إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً و طريق معرفة اجتهاد المجتهد و أخذ المسائل منه

انه لا يجوز للإنسان فعل عبادة أو معاملة من دون استناد إلى دليل شرعي و إلا كان من المتسامحين و المتجرين و من أتى بذلك مدخلًا له في الشريعة كان من العاصين و لا شك عندنا انه من الفاسقين و من هذا الباب اخذ الأحكام من الأدلة مع عدم الأهلية و القابلية فلا بد أن يكون المكلف في غير الأمور اليقينية له إما مجتهداً عارفاً بأخذ الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية على أسس صحيحة أو محتاطاً مع العلم بطرق الاحتياط و عدم وقوعه في الخلاف أو مقلدا لمجتهد جامع للشرائط و الصفات. و يعرف اجتهاد المجتهد و جامعيته للشرائط و الصفات بالبينة الشرعية أو بالعلم الوجداني من أي سبب كان من شياع أو مخالطة أو اطلاع على مؤلفاته و كتبه أو اختباره في بعض المسائل الفقهية أو نحو ذلك. و أما طريق أخذ المسائل من المجتهد فهو أما بالعلم الوجداني أو بالسماع منه أو بالبينة الشرعية أو بإخبار العدل الواحد الموثوق به أو من رسالته العملية مع الأمن من الغلط أو الخطأ فيها كأن كانت مصححة أو ممضى العمل بها منه.

و ينبغي التنبيه على أمور:

(أحدها) انه للمكلف أن يحتاط أو يجتهد أو يقلد عند العمل بالحكم الشرعي و يجوز له أن يعمل بقطعه و يقينه و لا يجوز له أن يتبع هواه و خياله و نزعة نفسه و شهواته.

(ثانيها) لو عمل الجاهل بدون أن يحتاط أو يجتهد أو يقلد و كان عمله مطابقاً للواقع أجزأه. و إذا انكشف له انه خلاف الواقع وجب عليه الإعادة أو القضاء. و إذا شك في صحته بعد انتهاء العمل أو خروج وقته بنى على صحته.

(ثالثها) إذا علم المكلف بفوات قسم من الواجبات عليه و لكنه لا يدري بمقدارها أتى بالقدر المتيقن منه نظير من علم بأنه لم يصلّ أو انه صلى صلاة فيها مخالفة للواقع و لكنه لا يدري انها كانت خمس سنين أو ثلاث سنين كان عليه الإتيان بالقدر المتيقن اعني قضاء ثلاث سنين.

(رابعها) إذا عرض للجاهل الشك في أثناء عمله فان أمكنه الاحتياط احتاط كما لو شك في وجوب القنوت عليه و لم يحتمل انه مفسد لصلاته فانه يحتاط بإتيانه للقنوت. و ان لم يمكنه الاحتياط فالأولى له إتمام عمله برجاء الواقع و يرجع لمرجعه بعد ذلك لمعرفة الواقع.

(خامسها) يجوز العمل بالاحتياط لمن يتيقن أو قام عنده الدليل المعتبر على انه مبرئ للذمة أو قلد من يجوز له العمل به.

(سادسها) الاحتياط من المجتهد إذا كان معه الفتوى منه سواء كان مسبوقا بها أو ملحوقاً بها لم يجب العمل به و كان للعامي العمل بالفتوى. و إذا كان بدون فتوى جاز للمقلد العمل به أو الرجوع لغيره.

3

و أما إذا كان بنحو الفتوى كما إذا أفتى له باجتناب الإناءين المعلوم إجمالا بنجاسة أحدهما فلا يجوز الرجوع لغيره فيها.

(سابعها) تقليد المجتهد عبارة عن الاستناد و الاعتماد على قول المجتهد في مقام العمل بالحكم الشرعي.

(ثامنها) أن المجتهد الذي يصح تقليده و المرجعية العامة له الأولى فيه أن يكون جامعاً لأمور الرجولية و الاجتهاد المطلق و العقل و البلوغ و العدالة و كونه امامياً أثني عشرياً طاهر المولد حيّاً ضابطاً كاتباً متكلماً سامعاً مبصراً متبصراً حراً ورعاً فيه الأهلية و القابلية و الكفاءة التامة لتدبير شئون المسلمين و مهتماً بأمورهم بحيث يصح لان تلقى على عاتقه مقاليد الحكم و المرجعية الدينية و الرئاسة العامة و التولي للأمور الدينية و الدنيوية.

(تاسعها) تثبت جامعية الشخص لشرائط صحة تقليده بأمور:

الأول- بالعلم الحاصل من المعاشرة أو من الشياع أو من الاختبار أو غير ذلك من الأسباب الموجبة للعلم فان القطع حجة من أي سبب كان.

الثاني- بشهادة العدلين.

الثالث- بحكم الحاكم الجامع للشرائط.

(عاشرها) يصح البقاء على تقليد الميت برجوعه للحي في ذلك و على الحي أن يبين له مقدار ما يبقى عليه من فتاوى الميت.

الأمر الثالث: في أول الواجبات على الإنسان

انه أول ما يجب على العبد المكلف تحصيل اليقين و الاعتقاد بأصول بمعنى التدين بها الإيمان و لا يكفي في ذلك الظن أو الحدس و لا يجزي التقليد أو التخمين و هي خمسة التوحيد و النبوة و المعاد الجسماني و العدل و الإمامة و تخص الثلاثة الأولى باسم أصول الدين و بأصول الإسلام و تحصيل اليقين بهذه الخمسة من أهم التكاليف الشرعية و هو مقدم على جميع الواجبات الدينية و لا تجب معرفتها بالطرق التي ذكرها الفلاسفة و حررها المتكلمون من دور و تسلسل و ترتيب صغرى و كبرى.

التوحيد

بل يكفي في معرفة (توحيده) تعالى و نفي الشريك عنه و ما يتبعها من معرفة الصفات الإيجابية و السلبية النظر إلى هذا الكون بعظمته التي لا تحد وسعته التي لا تتناهى و ما فيه من العوالم العلوية و الأنواع السفلية ذات الصنع المحكم و التقدير المتقن قد تمشت على أسس منظمة و قوانين ثابتة و حدود معينة على طول المدة و بعد الزمن دون أن يعتريها الفساد أو يختل فيها النظام فان في ذلك دلالة واضحة و حجة ساطعة على وحدانية خالقها في ربو بيته و نفي الشريك له في ملكوتيته لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا. نعم هي و اللّه آيات باهرة و دلائل واضحة مزيلة لغشاوة بصائر الناظرين و حجة موقظة لقلوب الغافلين و برهان ساطع على وحدانية رب العالمين: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي

4

تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و كيف لا تكون آيات على وجود الخالق و اتصافه بالوحدانية. و براهين على تحليه بأبهى الصفات الكمالية و تجليه بأعظم النعوت الجمالية و الجلالية فانا لو نظرنا إلى مخلوق منها و هو الإنسان و تدرجه في هذه الحياة من ماء مهين مستقره في ظلمات الأرحام إلى علقة حمراء في احفظ مغرس و اتقن مغرس ثمّ انتقاله من طور إلى طور في أحسن حراسة و اكمل عناية حتى إذا صار خلقاً عجيباً و صنعاً بديعاً في جوٍ هادئ و عيش هني‌ء و بلغ من لبثه مداه و استغنى عن موطنه و مرساه خرج من تلك الظلمات بين أحضان أبويه و تحت رعاية والديه إلى أن تشتد قواه و يستغني بنفسه عمن سواه فليت شعري هل يعقل أن يكون هذا كله بلا صانع حكيم و عالم قدير و مدبر بصير فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ.

هذا و يمكن إثبات اكثر الصفات بصريح الآيات و متواتر الروايات بعد إثبات الواجب و عدله إلا أنه يجزي العبد معرفة أنه تعالى جامع لصفات الكمال و منزه عن صفات النقصان و لو بنحو الإجمال.

النبوة

و يكفي في النبوة معرفة ان الرسول من قبل اللّه إلينا بلا واسطة من البشر لتبليغ الأحكام الشرعية و التكاليف الإلهية هو محمد (ص) بن عبد اللّه بن عبد المطلب لدعواه النبوة مع ظهور المعجزات الباهرة على يده و صدور الآيات البينة منه و كيف لا و لدينا اليوم كتاب اللّه حجة بالغة على ممر الدهور و معجزة دامغة على مدى الأزمان و العصور و فرقاناً أخرس البلغاء و قرآناً إلهياً عجزت عن معارضته الفصحاء إلى غير ذلك من جريان الماء من أصابعه عند عطش القوم- و إخباره بموت النجاشي يوم موته- و إنبائه بقتل الفئة الباغية لعمار بن ياسر. و انشقاق القمر له عند ما طلب أهل مكة أن يريهم معجزة تدل على رسالته و نبوته. و تضليل الغمام و تسبيح الحصى، و تكليم الموتى و البهائم و نحو ذلك من المعجزات التي أحصتها كتب السير و رويت متواترة في صحيح الأثر و يكفي دليلا على عصمته (ص) انه لو جاز عليه السهو و الخطأ و النسيان و العصيان لم يحصل الوثوق بصحة قوله و لا تطمئن النفوس بصدقه فتنتفي فائدة بعثه و صح لنا العذر عند مخالفة أمره و نهيه و لا يجب معرفة نسب النبي (ص) و لا أزواجه و لا أولاده و كمية عمره و مكان ميلاده.

المعاد الجسماني

و يكفي في المعاد الجسماني العلم بأنه تعالى يعيد الأبدان إلى حياتها بعد موتها و يرجع الأجسام إلى هيئتها الأولى بعد تفرق أجزائها فكأن الناس نيام قد انتبهوا من رقدتهم و غائبون قد آبوا من رجعتهم إذ لو لا ذلك لضاع جزاء المحسنين و ذهب حق المظلومين و استوى حال المطيع و العاصي و المحسن و المسي‌ء و الظالم و لم تبق ثمرة لإرسال الأنبياء و لم يحسن الوعد و الوعيد و لا الترغيب و التهديد و لا تحقق الثواب و العقاب و لزم الكذب على اللّه حيث أخبر‌

5

بالمعاد. و هذه الثلاثة أصول الدين و الإسلام فمن أنكر واحداً منها أو شك فيه و لم يكن متديناً به كان من الكافرين و مستحقاً للعذاب في يوم الدين.

الإمامة

و يكفي في الإمامة معرفة أن الرئاسة العامة على جميع المكلفين في أمور الدنيا و الدين نيابة عن النبي (ص) بعد موته تكون للأئمة الاثني عشر (ع) إماما بعد إمام معصومين عن الخطأ و الخطيئة متقدمين على أهل زمانهم بالفضل و الفضيلة منزهين عن كل نقص و رذيلة حيث يجب على اللّه تعالى من باب اللطف على عباده أن يخلق لهم شخصاً تركن له النفوس و لا تشمئز منه الطباع و تطمئن به القلوب و يرشدهم إلى طريق الهدى و يردعهم عن طريق الغي و الردي و إلا لضل كما ضلوا و لزل كما زلوا و ان يكون ظاهرا بينهم يأمرهم و ينهاهم إلا أن يختفى لشوكة الظالمين و سطوة الجائرين كما اتفق لعيسى و بولس و إدريس كيف لا و الناس بعد الرسول لا يمكنهم حفظ الأحكام و لا استفادتها من القرآن لما فيه من المتشابه الذي لا يدرى مبينه و مجمل لا يعرف تفصيله و عام لا يعلم مخصصه و منسوخ لا يميز ناسخه فهم محتاجون لشخص حافظ لها لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحاط بها علماً كي يرجع إليه عند اشتباه الأمر و عدم معرفة الحكم هذا من جهة و من جهة أخرى ان البشر لما كانت طبائعهم متباينة و أهواؤهم مختلفة و عقولهم متفاوتة مع شدة احتياج بعضهم لبعض في أمر المعاش و شئون الحياة فلا بد لهم من شخص يردعهم عما فيه الفساد و يرشدهم لما فيه الصلاح و الإصلاح و إلا لوقعوا في هرج و مرج و شغب و سغب و عند ذا يؤول العالم إلى الخراب و يحل به الفساد و الدمار قال جدي كاشف الغطاء ما حاصله انه كيف يجعل اللّه للبدن حاكماً يدبره و هو القلب و يدع العالم الإنساني بلا رئيس يدبره أم كيف يوجب اللّه نصب الوصي على الميت لئلا تختل المواريث و تضيع الحقوق و لا ينصب لهذه الخلائق من يدبر أمرهم و يصلح شأنهم و كيف يوصي النبي (ص) بجزئيات أمواله و كيفية تجهيزه و غسله و تكفينه و الصلوة عليه و دفنه و يدع هذا الأمر العظيم فوضى بينهم و مهمل عندهم. ألا و إن في الآيات الباهرات ما يدل على خلافة علي (ع) بعد الرسول ما فيه الكفاية و ان في الأخبار المتواترة على إمامته ما فيه غنى و قناعة فمن ذلك قوله تعالى: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ و قوله تعالى: إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ و قد اعترف المفسرون بأن المراد بالذين آمنوا و بالصادقين و بالهادي هو علي بن أبي طالب (ع) و روي عن الخوارزمي في المناقب عن البصري انه كان يقرأ هذه الآية في سورة الحجرات (هذا صراط علي مستقيم) بإضافة صراط إلى علي و بقول معناه هذا صراط علي بن أبي طالب و دينه مستقيم فاتبعوه و لا يخفى ان الاعتبار يساعد على هذه القراءة فانه لو قرأ السراط بالتنوين و (على) حرف جر داخل على ياء المتكلم يلزم أن يكون السراط على اللّه تعالى مع ان السراط يكون إلى اللّه تعالى لا عليه تعالى و لذا التزم بعض المفسرين التأويل فيها و التجأ بعضهم إلى قراءتها (علي) بالضم من العلو و هو أيضا غير وجيه لأن السراط لا يوصف بالعلو بحسب العرف و المحاورة و انما يوصف بالاستواء و الاستقامة. و أما الأخبار فلا يمكن حصرها كخبر الغدير و حديث الطائر المشوي و خبر الخلافة و حديث المنزلة و غير ذلك من الأخبار المروية من عدة طرق بلغت حد التواتر المفيد لليقين لمن اطلع‌

6

عليها (و أما باقي الأئمة (ع)) فهم الحسن (ع) ثمّ أخوه الحسين ثمّ ابنه علي زين العابدين ثمّ ابنه محمد الباقر ثمّ ابنه جعفر الصادق ثمّ ابنه موسى الكاظم ثمّ ابنه علي الرضا ثمّ ابنه محمد الجواد ثمّ ابنه علي الهادي ثمّ ابنه الحسن العسكري ثمّ ابنه الحجة المنتظر الذي اسمه اسم النبي و هو الحجة علينا في هذا العصر استتر خوفاً من أمراء الجور و لا زال و لا يزال حيّاً إلى أن يأذن اللّه بالخروج و الظهور له فتمتلئ به الأرض عدلًا و قسطاً بعد ما ملئت ظلماً و جورا فهم العترة الطاهرة الذين امرنا اللّه تعالى باتباعهم و التمسك بهم لنص كل سابق منهم على اللاحق مع ظهور المعاجز الباهرة و الآيات البينة منهم. و يكفي في إثبات إمامتهم ما روي بطرق صحيحة معتبرة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنه قال لما أنزل اللّه تبارك و تعالى على نبيه (ص): يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قلت يا رسول اللّه عرفنا اللّه فأطعناه و عرفناك فأطعناك فمن أولي الأمر الذين أمرنا اللّه بإطاعتهم قال هم خلفائي يا جابر و أئمة المسلمين من بعدي أولهم أخي علي ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي و ستدركه يا جابر فإذا أدركته فأقرأه مني السلام ثمّ جعفر بن محمد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمد بن علي ثمّ علي بن محمد ثمّ الحسن بن علي ثمّ محمد بن الحسن يملأ الأرض قسطاً و عدلا كما ملئت جوراً و ظلماً. و كفى دليلًا على ذلك ما رواه أكابر علماء السنة كجمال الدين في روضة الأحباب فانه روى الحديث المتقدم عن جابر. و كالحمويني في فرائد السمطين قال قدم يهودي يقال له نعثل على النبي (ص) ليسلم على يده فسأل اليهودي النبي عن وصيه بعده فقال له (ص) ان وصي علي بن أبي طالب و بعده الحسن و بعده الحسين و تتلوه تسعة أئمة من صلبه فقال اليهودي سمهم لي يا محمد فقال (ص) إذا مضى الحسين فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه جعفر فإذا مضى جعفر فابنه موسى فإذا مضى موسى فابنه على فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه علي فإذا مضى علي فابنه الحسن فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي طوبى لمن احبهم و تبعهم و الويل لمن أبغضهم و خالفهم. و كصاحب ينابيع المودة فانه نقل عن صاحب المناقب أن النبي (ص) عند ما سأله جندل عن أوصيائه الذين يستمسك بهم من بعده قال (ص) أوصيائي اثنا عشر فقال جندل سمهم فقال (ص) أولهم سيد الأوصياء أبو الأئمة علي ثمّ ابناه الحسن و الحسين فاستمسك بهم و لا يغرنك جهل الجاهلين فإذا انقضت مدة الحسين فالإمام ابنه علي و يلقب بزين العابدين فبعده ابنه محمد فبعده ابنه جعفر فبعده ابنه موسى فبعده ابنه علي فبعده ابنه محمد فبعده ابنه علي فبعده ابنه الحسن فبعده ابنه محمد يدعى بالمهدي فيغيب ثمّ يخرج يملأ الأرض قسطاً و عدلًا كما ملئت جوراً و ظلما طوبى للمقيمين على محبتهم أولئك الذين وصفهم اللّه في كتابه و قال هدى للمتقين، و كموفق بن أحمد الخوارزمي المعروف بأخطب خوارزم في كتابه المسمى بالفضائل فانه روى عن رسول اللّه (ص) انه قال لما اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جل جلاله قال يا محمد اني خلقتك و خلقت علياً و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولد الحسين من نوري و عرضت ولايتكم على أهل السموات و الأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين و من جحدها كان عندي من الكافرين يا محمد تحب أن تراهم فقلت نعم يا رب فقال التفت إلى يمين العرش فنظرت فإذا علي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي و محمد و جعفر و موسى و علي و محمد و علي و الحسن و الحجة ابن الحسن قائما‌

7

في وسطهم كأنه كوكب دري بينهم فقال يا محمد هؤلاء حججي على عبادي و هم أولياؤهم. و كصاحب كفاية الطالب فانه نقل عنه الحديث المتقدم للشيخ يوسف البحراني في كشكوله عن رسالة يوحنا: و كفى شاهداً على ذلك ما رواه أكابر علماء السنة و ثقاتهم كأحمد بن حنبل في مسنده و أبو الفرج المعافا بن زكريا البغدادي شيخ البخاري و عبد اللّه بن الضحاك بن مندة ان النبي (ص) قال للحسين هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم: و روى الخوارزمي و أبو بكر الراهبي و الحمويني و غيرهم من رواة أهل السنة أن النبي (ص) قال للحسين أنت سيد و ابن سيد أبو السادة أنت إمام ابن إمام أبو الأئمة أنت حجة ابن حجة أبو الحجج التسعة من صلبك تاسعهم قائمهم. و روى الزمخشري و هو من أكابر علماء العامة أن النبي (ص) قال فاطمة مهجة قلبي و الائمة من ولدها أمناء ربي و حبل ممدود بينه و بين خلقه من اعتصم به نجا و من تخلف عنه هوى: و يرشدك إلى ذلك ما رواه ثقاة العامة كمسلم في صحيحه و أحمد في مسنده و الحاكم في مستدركه و السيوطي في جامعه و ابن المغازلي في مناقبه و ابن عساكر في كتابه و الحمويني في فرائده و صاحب جمع الفرائد و الطبراني و الثعلبي و غيرهم من مشاهير الرواة ان رسول اللّه (ص) قال مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها هلك و قد روى الثقات من أهل السنة كابن حنبل في مسنده و الثعلبي في تفسيره و أبى داود في سننه و الترمذي في صحيحه و البزار في مسنده و عبد اللّه في زيادات المسند و موفق بن احمد الخوارزمي في الفضائل و ابن ماجة و ابن المغازلي و محمد الكنجي في كفاية الطالب و الطبراني و أبو نعيم في الحلية و إسحاق بن راهويه انه قال النبي (ص) إني تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي و في الصواعق المحرقة لابن حجر و هو من أكابر علماء الشافعية و محدثيهم ان هذا الحديث رواه نيف و عشرون صحابياً. و روى أبو نعيم في الحلية و محمد بن يوسف الشافعي الكنجي في كفاية الطالب و ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة و غيرهم من مشاهير علماء أهل السنة و محدثيهم انه قال رسول اللّه (ص) من سره أن يحي حياتي و يموت مماتي فليوال عليا من بعدي و ليقتد بالأئمة من بعده فانهم عترتي خلقوا من فاضل طينتي فويل للمكذبين من أمتي لا أنالهم اللّه شفاعتي (1) و يرشدك إلى ذلك ما رواه مشاهير علماء أهل السنة و محدثيهم كالبخاري في صحيحه و كالحميدي في الجمع بين الصحيحين أن رسول اللّه (ص) قال يكون بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش و روى مسلم في صحيحه و الحميدي في الجمع بين الصحيحين و أبو داود في سننه و غيرهم من رواة أهل السنة أن رسول اللّه (ص) قال لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة و يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش و روى الحمويني في فرائد السمطين أن رسول اللّه (ص) قال إن خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي اثنا عشر أولهم علي و آخرهم ولدي المهدي. و أنت إذا نظرت بعين الإنصاف إلى هذه الأحاديث الدالة على كون الخلفاء أثنى عشر خصوصاً الأخير منها و رأيت أنه لا يمكن حملها على الخلفاء من‌

____________

(1) إن قلت أن هذه الأخبار لا تثبت المراد أعني إمامة الحسن و الحسين و أولاده التسعة لعدم كونهم من عترة النبي و من أهل بيته قلنا كفى شاهداً على كونهم عترة النبي و من أهل بيته ما ورد ان المهدي المنتظر من ولد فاطمة و من أهل بيت النبي و عترته فانه قد روى محمد الكنجي الشافعي في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان و ابن ماجة في سننه و أبو داود في سننه أن رسول اللّه (ص) قال المهدي من ولد فاطمة. روى مسلم و أبو داود و ابن ماجة و النسائي و الكنجي و البيهقي أن رسول اللّه قال المهدي من عترتي. و روى الحاكم في صحيحه أن النبي (ص) قال يبعث اللّه رجلًا من عترتي أهل بيتي و روى ابن ماجة في سننه و أبو نعيم الحافظ في مناقب المهدي منا أهل البيت و كيف يعتريك الشك في ذلك و الحال ان عترة الرجل ذريته و أولاد فاطمة من ذرية النبي لأنهم أولاد بنته و في القرآن المجيد حجة واضحة تشهد بصحة هذه الدعوى حيث عد اللّه في سورة (الأنعام) عيسى من ذرية نوح و هو لا اتصال له به إلا من جهة أمه مريم.

8

أصحابه بعده لقلتهم عن الاثني عشر و لا يمكن حملها على خلفاء بني أمية أو بني العباس لكونهم اكثر من العدد المذكور فعند ذلك يحصل لك الجزم بان المراد منها هو أئمتنا الاثنى عشر لا غيرهم لعدم صحة حملها على إرادة غيرهم.

العدل

و يكفي في (العدل) معرفة أن اللّه منزه عن ارتكاب القبيح فلا يجور على عباده و لا يظلم منهم أحدا لغناه عن فعل القبيح و قوته على إتيان الحسن و لجمعه لصفات الكمال على انه لو جاز عليه الظلم لم يبق لنا الوثوق بوعده و وعيده و لا الاعتماد على إطاعة أمره و نهيه و كيف لا يكون اعدل العادلين مع ان من كان له أدنى بصيرة لا يرضى أن ينسب إليه الظلم فكيف بمن هو رب الأرباب و من إليه المرجع و المآب.

الأمر الرابع: لزوم تعلم الواجبات

يجب تعلم أجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدماتها ليحصل له العلم بالبراءة إذ لولاه لاحتمل نقصان العمل المأمور به أو وجود المانع فيه نعم يكفي العلم الإجمالي باشتمال المأتي به على الشروط و عدم الموانع و ان لم يعلم أن كل ما يأتي به له دخل فيه أم لا و من هذا الباب وجوب تعلم مسائل الشك و السهو فانه إنما يجب تعلمها إذا لم يحصل له الجزم بإتيان المأمور به بدون التعلم و لم يمكنه الاحتياط أما إذا كان يحصل له الجزم بدون تعلمها أو أمكنه الاحتياط فلا يجب عليه التعلم إلا بعنوان ثانوي يوجب تعلمه. و أما المعاملات فهي صحيحة لو طابقت الواقع إلا انه يجب عليه أن يتعلم ما يحتاج إليه منها لأن لا يقع في المحرمات كالربا و كالبيع الفاسد نعم لو علم بنحو الإجمال صحة المعاملة التي يحتاجها لم يلزم عليه العلم التفصيلي.

الأمر الخامس: في حكم المكلف إذا عرض عليه الشك في أثناء عمله

انه لو عرض على المكلف العامي شي‌ء في أثناء عمله أوجب شكه فلا يخلو أما أن يحتمل انه مبطل لعمله كما لو خرج منه مذي أو وذي في أثناء الصلاة و تخيل انه مبطل للعمل أو لا يحتمل ذلك كأن عرض له بعض الأشياء التي يعلم انها ليست بمبطلة للعمل كما لو أعاد البسملة في الصلاة سهواً و لا يعلم الوظيفة و العلاج و على كلا الوجهين أما أن يكون قاصراً في ترك التعلم أو مقصّراً فإن كان قاصراً و احتمل فساد العمل جاز له رفع اليد عن العمل كما يجوز له إتمامه برجاء الواقع إذا كان عبادياً ثمّ عند التمكن يرجع لمجتهده يستوضح منه الحال فإن كان عمله مطابقاً لفتواه أجزأه و إلا أعاده و ان كان مقصراً وجب عليه المضي في العمل حيث كان العمل مما يحتمل انه يحرم قطعه و إبطاله فهو مؤاخذ بالإبطال على تقدير كونه إبطالًا محرماً كما هو القاعدة في كل جهل لم يكن معذوراً فيه و أما الوجه الثاني بقسميه فيحرم فيه الإبطال إذا كان العمل مما يحتمل انه يحرم إبطاله و إلا فلا.

9

الأمر السادس: فيما يجب على المكلف عند بلوغه

يجب على المكلف المستكمل لشرائط التكليف عند بلوغه أن يأتي بجميع التكاليف التي تثبت للعبد بمجرد حصول أسبابها إذا كانت تلك الأسباب قد حصلت منه قبل البلوغ فلو مسّ ميتا قبل بلوغه وجب عليه الغسل بعد بلوغه و لو أصابت النجاسة يده قبل البلوغ وجب عليه تطهيرها بعده و لو سرق أو غصب أو أتلف شيئاً في صباه وجب عليه تفريغ ذمته منه كما انه يجب عليه الختان و ملاحظة جميع ما جرى منه من المعاملات من الأخذ و العطاء و البيع و الشراء و نحوها فما كان منه غير مطابق للواقع فرغ ذمته منه و إلا فلا.

الأمر السابع: في التوبة و شروطها

ان التوبة و هي الندم على ارتكاب الذنب السابق و العزم على ترك المعاودة إليه واجبة بحكم العقل و النقل أما العقل فلأنها دافعة للضرر الذي هو العقاب الأخروي و دفع الضرر واجب بحكم العقل و أما النقل فلقوله تعالى: وَ تُوبُوا إِلَى اللّٰهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ و قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ ثمّ التوبة تارة تكون عن ذنب يتعلق به تعالى لا غير فان أمكن تداركه كترك الصلاة و الحج و الزكاة فلا بد في التوبة من تداركه و التخلص منه و ان لم يكن تداركه كشرب الخمر فهذا يكفي في التوبة عنه الندم عليه و العزم على عدم العود إليه و تارة تكون التوبة عن ذنب يتعلق بحق إنسان فان كان أخذ مالًا وجب رده لمالكه أو لوارثه و ان لم يتمكن راجع فيه الحاكم الشرعي و ان كان الذنب قصاصاً وجب أن يسلم نفسه للمجني عليه أو لوارثه ليقتص منه أو يسلم له الدية. و إن كان الذنب إضلال الغير في الدين أو الفتوى وجب إرشاده و إعلامه بالخطإ.

المطالب

أما مطالب الرسالة فأربعة الأول في العبادات و الكلام فيها في عشرة مقاصد الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الاعتكاف و الحج و العمرة و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قد تسمى هذه العشرة بفروع الدين و لا تقبل إلا بالولاية لأهل البيت (ع).

المقصد الأول: في كتاب الطهارة

إن الطهارة من الأقذار و النظافة من الأوساخ من ضروريات الحياة و عليها تتركز سعادة الفرد في مبدئه و منتهاه إذ بإزالة الادناس تحط أثقال النجاسة عن النفوس و بذهاب القذارة تتمتع الأرواح بخفة الأبدان و يتبع ذلك أن ترفل الأمة بأروقة الصحة و تهنأ بأبراد العافية و قد ندب لها الشرع المبين حيث قال اللّه تعالى في محكم كتابه العزيز: فِيهِ رِجٰالٌ

10

يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ و في الحديث النبوي الشريف (

بني الدين على النظافة و ان الطهور نصف الإيمان

) و عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) (

تنظفوا بالماء من الريحة المنتنة فان اللّه يبغض من عباده القاذورة

) و في الحديث الشريف عن رسول اللّه (ص) انه قال لأنس (

يا أنس أكثر من الطهور يزد اللّه في عمرك فان استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل فأنت إذا مت على طهارة مت شهيداً

) و عن على بن ساباط قال سمعت أبا الحسن (ع) يقول أربعة من أخلاق الأنبياء: التطيب و التنظيف و حلق الجسد بالنورة و كثرة الاطروقة.

الماء

لما كان أهم ما يقع به التطهير هو الماء لذا بدأنا الكلام به و هو أما مطلق: و هو ما يصدق عليه اسم الماء بلا تجوز و لا قرينة.

و مضاف و هو بخلافه كالمعتصر من الأجسام كماء العنب أو الممزوج بها مزجاً يسلبه الإطلاق كماء المرق و المضاف ليس بمطهر من الحدث و لا الخبث و ينجس جميعه بملاقاته للنجاسة قل أو كثر إلا إذا كان جارياً من العالي إلى السافل فإن السافل لو أصاب النجاسة لا ينجس العالي منه و هكذا لو كان يخرج بشدة من الأسفل إلى الأعلى أو يجري بشدة من المساوي إلى مساويه لا ينجس إلا ما لاقى النجاسة فقط.

الماء المطلق

الماء المطلق هو طاهر بنفسه و مطهر من الحدث و الخبث و يتنجس بجميع أنواعه و أقسامه إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بملاقاة النجاسة تغيراً حسياً كما انه يطهر جميع أنواعه و أقسامه إذا زال تغيره المذكور بالماء المعتصم كالكر و المطر و لا يلزمه المزج و لا فرق بين أنحاء الاتصال إلا إذا كان الماء المعتصم به أسفل و الماء المتنجس أعلى يجري عليه فانه لا يطهر بهذا الاتصال الماء المتنجس الأعلى.

الماء الجاري

و الماء المطلق على أقسام منها الماء الجاري و هو السائل عن نبع على الأرض و ما بحكمه و هو كل ما كان له مادة متصلة به و لا ينجس كثيره و لا قليله بملاقاة النجاسة إلا إذا غيرت أحد أوصافه الثلاثة. لونه أو طعمه أو ريحه بشرط اتصاله بالمادة فلو انقطع اتصاله بالمادة كان حكمه حكم الراكد قليله ينجس بمجرد الملاقاة للنجاسة و كثيره البالغ حد الكر لا ينجس بذلك إلا إذا غيرت النجاسة أحد أوصافه و لو تنجس الماء الجاري بتغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاة النجاسة فهو يطهر بزوال التغيير و لو من نفسه ما دام متصلًا بالمادة.

ماء الحمام و ماء الحنفيات

و منها ماء الحمام و هو بمنزلة الجاري يطهر بعضه بعضاً إذا كان له مادة و منه الموجود في الحياض الصغار المتصلة بالخزانة البالغة قدر الكر فانه لا تنجس بملاقاة النجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاتها. و مثله ماء الحنفيات المستعملة هذا اليوم في البيوت و المحلات العامة فانه طاهر مطهر إلا إذا غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة و هكذا ماء الحياض أو الأواني المتصل بماء الحنفية فإن حكمه حكم الجاري.

11

ماء المطر

و منها ماء المطر و هو الجاري من السماء بحد يصدق عليه المطر عرفاً سواء جرى على وجه الأرض أو من الميزاب أم لا و لا ينجس حال نزوله مطلقاً قليلًا كان أو كثيراً ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاة النجاسة.

ماء البئر

و منها ماء البئر النابع عن مادة دون العاري عن النبع و دون المجتمع فيه المياه من المطر و غيره وسمي بئراً و هو بمنزلة الجاري عاصم معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة إلا بالتغير المذكور سواء كان بقدر الكر أو اقل و إذا تنجس بالتغير المذكور ثمّ زال تغيره و لو من قبل نفسه طهر لأن له مادة و لا يحكم بنجاسته بمجرد قربه من البالوعة.

الكر

و منها الماء البالغ كراً و هو طاهر مطهر لا ينجس هو و لا أي طرف منه بملاقاة النجاسة إلا إذا غيرت أحد أوصافه المذكورة و لا يطهر إذا زال تغيره من نفسه و لو بتصفيق الرياح أو بوقوع أجسام طاهرة موجبة لزوال تغيره و إنما يطهر إذا اتصل بماء كر أو بأحد المياه المتقدمة مع زوال تغيره بالنجاسة.

و الكر ألف و مائتا رطل بالعراقي. و الرطل مائة و ثلاثون درهماً و الدرهم ستة دوانق و الدانق ثمان حبات من أوسط حب الشعير و هو بحسب العيار الاسلامبول اثنتا عشر وزنة و أربع حقق و نصف حقة و بحسب البقالي عبارة عن ثلاث وزنات و نصف و أربع حقق إلا أوقية و بحسب العطاري إحدى عشر وزنة و تسع حقق.

و لا فرق في الاكتفاء بهذا الوزن بين خفيف الماء و ثقيله و لا بين الصافي و الخليط بغيره من الطين و نحوه إلا إذا كان خليطاً غير معتاد بحيث كان فرداً من الماء غير متعارف. أما مساحته فهي ثلاث أشبار و نصف عرضاً في ثلاث أشبار و نصف عمقاً فيكون المجموع اثنين و أربعين شبراً و سبعة أثمان الشبر بشبر مستوي الخلقة.

الماء القليل

و منها الماء القليل الذي لم يبلغ الكر و لم يتصل بالمادة و ينجس جميعه و لو بملاقاة طرفه للنجاسة فإذا لاقى طرفه العالي النجاسة تنجس السافل أيضا و بالعكس. و يستثنى من ذلك أمور منها إذا كان الماء القليل جارياً من الأعلى إلى الأسفل فان الأعلى لا ينجس بملاقاة الأسفل أو كان جارياً بدفع و قوة فان طرفه المدفوع نحوه إذا لاقى نجاسة لا ينجس الطرف الآخر منه و منها ماء الاستنجاء المستجمع للشرائط فانه طاهر كما سيجي‌ء إن شاء اللّه و منها الماء المتخلف على المحل المغسول بعد الغسل أو العصر فانه طاهر كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

الماء المستعمل في رفع الحدث و الخبث

الماء سواء كان كثيراً أو قليلًا المستعمل في الوضوء واجباً كان أو مندوباً طاهر مطهر من الخبث و من الحدث الأصغر و الأكبر و هكذا المستعمل في كل غسل طاهر سواء كان على وجه القربة كغسل اليد من الطعام أو عنه أو لم يكن كغسل البدن الطاهر أو غسل الثوب الطاهر أو الآنية الطاهرة من الأوساخ و هكذا المستعمل في الأغسال المندوبة أو الواجبة إذا لم‌

12

يكن على البدن نجاسة و إلا تنجس الماء إذا كان قليلًا دون ما إذا كان كراً و لا فرق في ذلك بين غسل الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة و مس الميت و الغسل الذي وجب بنذر و نحوه نعم الماء المستعمل في غسل الأموات إذا كان قليلًا لا يصح استعماله لنجاسته.

و أما الماء المستعمل لرفع الخبث فإن تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة فلا إشكال في نجاسته و عدم رفعه للحدث سواء كان كثيراً معتصماً أو لا و ان لم يتغير أحد الأوصاف الثلاثة فلا يخلو أما أن يكون كثيراً معتصماً فلا إشكال في طهارته و رفعه للحدث و الخبث و إن كان قليلًا و لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة فالمستعمل منه لإزالة النجاسة نجس فإذا أصاب شيئاً و كان فيه عين النجاسة كان حكمه حكم المتنجس بها و إن لم يكن فيه عين النجاسة اكتفي بتطهيره بغسله مرة واحدة و أما المستعمل لطهارة المحل بعد إزالة النجاسة فهو ليس بنجس فإذا أصاب غير محل النجاسة لم يتنجس به و المتخلف منه في محل النجاسة طاهر فلو غسل الإنسان أحد أجزاء بدنه ثمّ تقاطر من الغسلة المطهرة قطرات على بدنه أو ثوبه لم يتنجس و هكذا لو كان طرف الباب الأعلى نجس فما يصيب أسفل الباب من الغسلة المطهرة لا يوجب نجاسته.

و أما الماء المستعمل في الاستنجاء من البول و الغائط فالمعتصم منه كالجاري و الكر طاهر مطهر من الحدث و الخبث ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة و أما القليل منه فهو طاهر بالنسبة إلى المستنجي و غيره و تطهر اليد بتبعه و إن كان مزيلًا لعين النجاسة و لا فرق بين ما كان ماء استنجاء الصبي أو المجنون أو بين غيرهما و لا بين سبق الماء إلى المحل و بين سبق اليد ما لم يتحقق الاعراض بحيث تعد نجاسة اليد نجاسة خارجية و لا بين أن يخرج مع ما يستنجي منه أو بعده بعض الأجسام الطاهرة كالوذي و الحصى و الدود و نحوها أو لم يخرج معه شي‌ء و لا بين تعدي النجاسة عن المحل المعتاد و بين غيره ما لم يخرج عن صدق اسم الاستنجاء عليه عرفاً من دون تسامح و لا بين المسلوس و المبطون و غيره و لا بين ما كان من المخرج الطبيعي و بين غيره إذا صدق على غسله اسم الاستنجاء عرفاً كما إذا صار معتاداً. هذا كله بشرط عدم تغيره بأحد أوصاف النجاسة و بشرط عدم تنجس المحل أو الماء بنجاسة أخرى كالدم و المني و نحوهما و بشرط عدم بقاء عين ما يستنجي منه حساً في ماء الاستنجاء بعد الانفصال كأن يكون موضع التخلي غير موضع الاستنجاء كما في حسنة الأحول (أخرج من الخلاء فاستنجي) و بشرط عدم نجاسة الأرض التي استنجى فيها.

الاسآر

أسئار الحيوانات كلها طاهرة ما عدا سؤر نجس العين كالكلب و الخنزير و يكره سؤر كل ما لا يؤكل لحمه ما عدا المؤمن و الهرة و في مضمرة سماعة (هل يشرب سؤر شي‌ء من الدواب أو يتوضأ منه قال (ع) أما الإبل و الغنم و البقر فلا بأس) و الحائض يكره استعمال سؤرها في الوضوء إذا كانت غير مأمونة من مباشرة النجاسات. هذا كله إذا خلا موضع الملاقاة عن النجاسة و إلا كان السؤر نجساً مطلقاً.

النجاسات

و قبل الخوض فيها نذكر ما روي عن أبي عبد اللّه (ع) فيما يخصها تبركاً ففي المحكى عن الاختصاص عن محمد بن عبد اللّه عن بعض أصحابه قال قلت لأبي عبد اللّه (ع) لم حرم اللّه الخمر و الميتة و الدم و لحم الخنزير فقال ان اللّه تبارك و تعالى لم يحرم ذلك على‌

13

عباده و أحل لهم ما سواه من رغبة منه فيما حرم عليهم و لا رهبة مما احل لهم و لكنه خلق الخلق و علم ما تقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فاحل لهم و أباحه تفضلًا منه عليهم لمصلحتهم و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم ثمّ أباحه للمضطر و احل له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمر أن ينال منه بقدر البلغة لا غير. ثمّ قال (ع) أما الميتة فانه لا يدنو منها أحد و لا يأكل منها إلا ضعف بدنه و نحل جسمه و ذهبت قوته و انقطع نسله و لا يموت إلا فجأة. و أما الدم فانه يورث أكله الماء الأصفر و يبخر الفم و ينتن الريح و يسي‌ء الخلق و يورث الكلب و القسوة للقلب و قلة الرأفة و الرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده و والديه و لا يؤمن على حميمه و على من صحبه. و أما لحم الخنزير فان اللّه مسخ قوماً في صور شتى شبه الخنزير و القرد و الدب. و أما الخمر فانه حرمها لفعلها و فسادها و قال ان مدمن الخمر كعابد وثن تورثه الارتعاش و تذهب بقوته و تهدم مروءته و تحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء و ركوب الزنا و لا يأمن إذا سكر أن يثب على محارمه. و إليك‌

أعيان النجاسات.

البول و الغائط

(الأول و الثاني) من النجاسات البول و العذرة سواء كانا خارجين من الموضع المعتاد أم لا من كل حيوان نجس العين أو كان غير مأكول اللحم كالإنسان و غيره صغيراً كان أو كبيرا برياً أو بحرياً و لا فرق في حرمة أكله بين أن تكون بالأصالة أو بالعرض كالجلال و موطأ الإنسان لكن بشرط ان يكون ذا نفس سائله و المراد بالنفس (السائلة) الدم الذي يجتمع في العروق و يخرج إذا قطع منها بقوة و دفع و يقابله ما لا نفس له سائلة كالسمك و هو ما يخرج دمه عند القطع رشحاً و يستثنى من ذلك بول الطيور و خرؤها و ان كانت غير مأكولة اللحم حتى الخفاش منها فانهما طاهران و هكذا الحيوان الذي يحرم أكله لداء قد صار فيه كما لو أصاب الشاة داء يوجب سمية لحمها بحيث يهلك من أكله فانه و ان صار مما يحرم أكله قطعاً إلا انه لا يحكم عليه بنجاسة بوله و عذرته و مثله ما حرم أكله بغصب أو نذر أو عهد و أما البول و الغائط مما يؤكل لحمه فطاهران حتى الحمار و البغل و الخيل و الدجاج و هكذا تكون طاهرة فضلات كل حيوان ليس له نفس كالوزغة و السمك المحرم.

و لو شك في شي‌ء انه بول أو عذرة أو غيرهما من الأشياء الطاهرة كما لو رأى بللًا على الأرض و لم يدرِ انه بول أو ماء فهو طاهر. و مثله ما لو رأى بولًا أو عذرة و شك في انها من حيوان مأكول اللحم أو من حيوان محرم اللحم فهو أيضا طاهر كما إذا لم يعلم ان هذا البول بول إنسان أو حمار، و مثله ما إذا شك في بول أو عذرة من انها من ذي النفس السائلة أم لا كما لو شك في ان هذه الفضلة فضلة فأرة أو خنفساء فإنها طاهرة أيضا و مثله ما لو تردد الحيوان بين كونه مأكول اللحم أم لا كما لو تردد الحيوان بين كونه غنماً أو خنزيراً لبعض العوارض الخارجية كظلمة أو جهل فإن بوله أو خرأه طاهر. و مثله ما لو تردد بين كونه ذا نفس سائلة أم لا كالحية التي لا يعلم انها لها نفس سائلة أم لا.

المني

(الثالث) من النجاسات المني من كل حيوان ذي نفس سائلة آدمياً كان أو غيره حلالا كان أكله أو حراماً ذكراً كان أو أنثى و يلحق به البلل المشتبه قبل الاستبراء كما سيجي‌ء إن شاء اللّه. و أما مني ما لا نفس له سائلة فهو طاهر و أما المذي. و الودي. و الوذي الذي لم يخالطه دم. و رطوبة الفرج. و الدبر و القي و البلغم فهي طاهرة إلا إذا كانت من نجس العين.

14

المذي و الودي و الوذي

و المذي: الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة أو التقبيل أو النظر بلا دفق أو فتور و هو في النساء اكثر من الرجال و في الحديث ان المذي ما يخرج قبل المني.

و الودي: هو ماء ثخين ابيض يخرج من الذكر بعد البول، و الوذي: هو الماء الخارج عقيب إنزال المني و في الحديث هو ما يخرج من الأدواء بالدال المهملة جمع داء و هو المرض و الجميع طاهرة كما تقدم.

و لو خرج منه بلل و شك في انه مني أم لا فان كان بدفق و شهوة و فتور فهو مني ان كان الشخص الخارج منه صحيحاً. و إن كان مريضاً أو امرأة كفت الشهوة و هي الهيجان المستتبع لحركة أعضاء التناسل نحو العمل الذي يعقبه عادة الفتور و ليس هو مجرد الشوق الشديد نعم يستثنى من هذا صورة ما إذا كان الرجل المجنب بالإنزال قد اغتسل قبل أن يستبرى‌ء بالبول فان البلل الخارج منه المشتبه يحكم عليه بأنه مني و أما المرأة فلا يحكم على البلل الخارج منها بعد الغسل قبل أن تستبرئ بأنه مني. هذا كله إذا علم الحال اما مع جهل الحال بان كان البلل لم يعلم انه حال خروجه جامعاً للصفات المذكورة أم لا فان تردد بين المني و البول فهو نجس و عليه غسل الجنابة و الوضوء للصلاة إن لم يعلم الحالة السابقة و له أن يكتفي مطلقاً بالغسل الواحد للكون على الطهارة و ان تردد بين البول و المني و شي‌ء طاهر كالمذي فلا شي‌ء عليه إذا كان قد استبرأ.

الدم

(الرابع) من النجاسات الدم من كل حيوان نجس العين أو ذي نفس سائلة حل اكله أو حرم صغيراً كان أو كبيراً قليلًا كان أو كثيراً برياً أو بحرياً أو طائراً عدا المتخلف في الذبيحة المذكاة. و الدم المتكون في كل حيوان كذلك نجس كالعلقة. و كذا الدم المتكون لا في حيوان كدم البيضة للحيوان المذكور و أما دم ما لا نفس له سائلة كالسمك و البراغيث و البق فهو طاهر. و أما الدم المتخلف في الذبيحة المذكاة فهو طاهر بشرط خروج ما تعارف خروجه من مثلها و بشرط ان يكون متخلفاً في ذبيحة مأكول اللحم كالمعز و الضأن و الإبل و البقر دون غير مأكول اللحم كالسبع و نحوه و بشرط أن يكون متخلفاً في الجزء المحلل اكله منها دون المحرم كالطحال و بشرط أن لا يخالطه شي‌ء من الدم المسفوح بالرجوع إليه بعد الخروج كما لو كان رأس الحيوان في مكان مرتفع يوجب رجوع الدم الخارج إليه و اختلاطه بالمتخلف أو جذب المذبوح نفسه جذبا موجبا لرجوع الدم الخارج منه إلى باطنه على خلاف العادة و بشرط ان يغسل الدم المسفوح منها و المنحر و يد الذابح و آلته لئلا تلاقي المتخلف فتنجسه.

و ليس من الدم المتخلف في الذبيحة دم الجنين الذي يكون في بطنها و كانت ذكاته بذكاتها و انما دمه محكوم بالنجاسة.

و لو شك في مائع انه دم أو غيره من الأجسام الطاهرة بنى على طهارته و لو علم بأنه دم و شك في انه من ذي النفس السائلة أم من غيرها مما لا نفس له كما لو رأى دماً في ثوبه و شك انه من الرعاف أو البق أو البرغوث فهو أيضا محكوم بالطهارة و مثله ما لو شك في الدم من جهة الشك في الحيوان المعلوم حقيقته في انه من ذي نفس سائلة أم لا كالحية و التمساح إذا شك في دمهما كذلك و منه يظهر طهارة ما يخرج من الجروح و الدماميل من‌

15

المائع الأصفر إذا شك في انه دم أم لا و مثله في الطهارة ما إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في انها دم أو قيح.

الميتة

(الخامس) من النجاسات الميتة سواء كانت بالقتل أو حتف الأنف أو الذبح على وجه غير شرعي من حيوان نجس العين أو طاهرها بشرط ان يكون من ذي النفس السائلة بريا كان أو بحريا مأكول اللحم أو لا حتى الإنسان قبل تغسيله سواء كان قبل برده أو بعده إلا إذا اغتسل قبل موته برجم أو قود أو نحوهما و مثله الشهيد بين يدي النبي (ص) أو الإمام (ع) أو نائبه بل كل من قتل في سبيل اللّه في كل جهاد بحق و لو في حال الغيبة كما لو دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام فان جميع ذلك طاهر لا يجب التطهير بمسه بخلاف المقتول في حرب قطاع الطريق أو عن ماله أو عرضه فانه ليس بعد جهادا و محاماة عن الدين فيكون حكمه حكم ميتة الإنسان و في حكم المغسل بعد الموت من حيث الطهارة الميمم بعد الغسل أو المحرم المغسل أو الذي غسله الكافر عند فقد المماثل أو الذي غسل بلا مزج الخليطين لتعذرهما أو اقتصر فيه عن الأقل من الغسلات الثلاث لأعواز الماء و لا يطهر شي‌ء من بدن الميت مما حل فيه الروح إلا بعد إكمال غسله فلو مسه قبل إكمال غسله وجب عليه الغسل (بالضم). و الميتة النجسة من الإنسان و غيره حالها كحال سائر النجاسات لا يتنجس ملاقيها إلا برطوبة مسرية.

أجزاء الحيوان

و كلما ينجس من صنوف الحيوان بموته فما انقطع عن جسده و انفصل عنه و كان مما تحله الحياة فهو نجس حيّاً كان ذلك الحيوان المقطوع منه أم ميتاً كما لو قطع من الإنسان أو سائر الحيوانات يده أو رجله دمن الأجزاء غير المعقد بها المبانة من الحي التي تعد من فضلات البدن و أوساخه كالبثور و الثالوث و ما يعلو الجراحات و الدماميل و غيرها عند البرء و ما يحصل في الأظفار و ما يتطاير من القشور عند الحك و ما يعلو على الشفة و نحو ذلك فان جميع ذلك طاهر. و مثلها الأعضاء إذا يبست عند اتصالها بالبدن ثمّ انفصلت بعد ان برأ محلها فإنها ليست بنجسة و مثلها التي خرجت منها الروح كأعضاء المفلوج و بعض أعضاء من كان في حال النزع فما دام متصلة بالبدن فهي من توابعه تكون طاهرة ما دام البدن حيّاً و تنجس بموته أو بالانفصال عنه إذا لم تعد من فضلات البدن. و أما ما كان من أجزاء الحيوان مما لم تحله الحياة كالعظم و الشعر و القرن و السن و المنقار و الظفر و الحافر و الظلف و الصوف و الوبر و الريش فهو طاهر سواء كان الحيوان المفصول عنه حيا أو ميتا. نعم ما كان منها ملاقٍ للميتة برطوبة مسرية يغسل منه موضع الملاقاة لتنجسه بها. و أما ما خرج من ميتة الحيوان مما لا يعد من أجزائه و أعضائه فهو طاهر كالبيض من الدجاجة الميتة إذا اكتست القشر الغليظ و كالانفحة من بطن الجدي الميت. و كاللبن الذي يحلب من الشاة الميتة كل ذلك فيما إذا كان الحيوان ليس بنجس العين و إلا فجميع ذلك نجس منه.

السقط و الجنين

أما السقط و الجنين فان كان قبل ولوج الروح فهو طاهر عيناً يتنجس بملاقاة النجاسة كما لو خرج من بطن أمه و أمه ميتة. و عليه فالسقط من الإنسان قبل ولوج الروح فيه لا يوجب‌

16

مسه الغسل على الماس و لا يجب التطهير عليه إذا لم يكن متنجساً و هكذا السقط من الحيوان نعم السقط بعد ولوج الروح فيه إذا مات فهو ميتة فيكون حكمه حكمها.

ميتة ما لا نفس له

و أما ميتة ما لا نفس له سائلة حتى الوزغ و العقرب نعم يستحب استحباباً مؤكداً التجنب عما وقعا فيه فقد ورد في الوزغ انه لا ينتفع بما يقع فيه و في العقرب بإراقة الماء الذي ماتت فيه و يمكن استفادة استحباب التجنب عن كل ما وقع فيه ميتة طاهرة ثبت استحباب النزح لها لو وقعت في ماء البئر.

هذا و لو شك في شي‌ء انه من أجزاء الحيوان أم أجنبي عن الحيوان كما لو تردد شي‌ء بين انه لحم حيوان أو مطاط فهو طاهر و كذا لو علم انه من أجزائه و شك في انه من ذي النفس السائلة أم لا كما لو تردد الجلد بين كونه من ذي النفس السائلة أم لا فهو طاهر و عليه فما يؤخذ من بلاد الكفر إذا احتمل فيه انه من غير ذي النفس السائلة فهو طاهر.

الكلب و الخنزير

(السادس و السابع) من النجاسات الكلب و الخنزير البريان دون البحريين فان البريين نجسان عيناً و لا فرق في الكلب بين كونه كلب صيد أو ماشية أو الحائط أو غيرها كما لا فرق بين أجزاء الكلب و الخنزير في النجاسة بين ما تحله الحياة و بين غيرها فكما ان لحم الكلب نجس فهكذا شعره و عظمه و ظفره كما انه لا فرق بين أجزائهما حال اتصالها بهما أم حال انفصالها عنهما و هكذا رطوبتهما و فضلاتهما. و لو شك في حيوان انه منهما أو من الحيوانات الطاهرة فهو طاهر.

و قد اثبت الفن ان في لحم الخنزير دودة لا يتجاوز طولها 3 ملمترات تقيم في عضلات هذا الحيوان فعند ما يأكل الإنسان لحم الخنزير و تهضمه معدته يخرج منه هذا الدود ثمّ يتزاوج و تبيض كل أنثى مئات البيض ثمّ ينمو هذا البيض إلى ديدان صغيرة تخترق جدران الأمعاء و تذهب إلى عضلات جسم الإنسان خاصة عضلات الصدر و الظهر و الرقبة و عند ذا يبتلي الإنسان بسوء الهضم و فقدان الشهية و الغثيان و القي‌ء و الإسهال ثمّ يشعر المريض بآلام مبرحة في العضلات و يعسر منه التنفس و يخشن الصوت و تصطك الأسنان بحيث يعسر تحريكها و تجمد العينان و يتشنج الذراعان و الساقان و يصاب المريض بحمى يصحبها عرق غزير ثمّ تسوء حالة المريض و يموت بين الأسبوع الرابع أو السادس.

المسكرات

(الثامن) من النجاسات الخمر و كل شراب مسكر فالعصير المتخذ من الكرم. و النقيع المتخذ من الزبيب. و البتع المتخذ من العسل. و المزر المتخذ من الشعير. و النبيذ المتخذ من التمر و نحوها من الاشربة المسكرة نجسة منجسة قد أمر الشارع بالتجنب عنها لأنها أم الويلات و الإحن و الإضرار و المحن و مصدر الأمراض المزمنة و الآلام المرهقة قد عم بلاؤها المال و النسب و شمل وبالها العرض و الشرف طالما أقامت فتناً خرساء عمياء فرقت بها شمل الأحبة و الأصدقاء و حولت بها نفوس الأخلاء إلى أشد الأعداء أقفرت و أفقرت بفعلها الدار و الديار و التهبت بنارها الدرهم و الدينار و كثيراً ما أصيب عشاقها من جرائها بعسر الهضم المزمن نتيجة لما تحدثه فيهم من النزلات المعدية و المعوية و يصاب الكبد منها بتشحم غير قابل للعلاج و بخراجات تزداد بزيادة المشروبات و يصاب القلب بالسكتات القلبية و المخ بالضمور بسبب‌

17

تأثر أوعيته الدموية و خلاياه و تورم بعض أعضائه مما ينتهي بالجنون غالباً هذا من ناحية تأثيرها على صحة البدن و أما تأثيرها على النسل فقد دلت التجارب انها طالما سببت العقم و ولدت في الأولاد البلاهة و نقصان العقل و تشويه الخلقة خصوصاً الذين ببدء الحمل بهم وقت ان يكون الأب و الأم تحت تأثير المسكر هذا قطرة من بحر نتائجها السيئة و سوء نتائجها و لكل قاعدة شذوذ و الشاذ لا يبني عليه الحكم و لا يجعل مقياساً للعمل.

المرجع في الاسكار

و لما كان الميزان في عروض النجاسة للمسكرات المشروبة هو الاسكار فلا بد من بيان ما هو المرجع فيه فتقول ان المرجع في الاسكار هو العرف كسائر الموضوعات العرفية و عند الشك يعمل فيه بمقتضى الأصول كما في نظائره من الموضوعات العرفية التي أخذت في الأحكام الشرعية و لم يحددها الشارع المقدس و قد يعرف الاسكار بأنه حالة تبعث على نقص العقل و ضعفه حتى تعطله عن تميز الأمور الحسنة عن القبيحة مع نشوة النفس و زهوها و قيل ان السكر يشبه الجنون و الإغماء يشبه النوم كما ان المدار فيه على المتعارف من الأمزجة فالذي اعتاد على المسكر حتى اصبح لا يؤثر فيه أو لمرض في مزاجه يكون حكم المسكر ثابتاً له تحريماً و نجاسة و هكذا ما اسكر كثيره فقليله و ان لم يسكر نجس حرام شربه.

السبيرتو

ان ما تعارف التعقيم به في هذه الأيام من السبيرتو طاهر و عليه فالعطور الممزوجة بالسبيرتو طاهرة و هكذا القلونية و التنريود نعم لو مزج مائع بأحد المشروبات المسكرة كالخمر كان متنجساً بامتزاجه بذلك المشروب و مع الشك فالحكم هو الطهارة.

المسكرات الجامدة

ان المسكرات الجامدة كالبنج و الحشيشة و الأفيون كما ينقل عن بعضهم طاهرة و لو عرض للخمر أو سائر الأشربة المسكرة الجمود لم تخرج عن حكم النجاسة. و لو شك في مائع انه مسكر أم لا فهو طاهر كما لو وقع على ثوبك مائع و ترددت في انه خمر أم لا فهو طاهر و هكذا لو أخذت شيئاً من شارب الخمر و شككت انه أصابه الخمر أم لا فهو طاهر.

العصير العنبي

أما العصير العنبي و هو الماء الخارج من العنب بنفسه أو بعصر أو دق تنقيع أو غير ذلك فهو طاهر و ليس بحرام شربه قبل غليانه. و حد الغليان هو القلب بأن يصير أعلاه أسفله و أسفله أعلاه. و بعد الغليان بنفسه أو بالنار أو بالشمس أو غير ذلك لا يتنجس و لكن يحرم استعماله إلى ان يذهب ثلثاه بالنار أو بالشمس أو بالهواء أو غير ذلك أو يصير خلا و بعد ذهاب ثلثيه أو صيرورته خلا يحل استعماله نعم لو حدث فيه وصف الاسكار بأي حال كان اتصف بالنجاسة كما يتصف بالحرمة.

و لو مزج العصير العنبي بغيره و غلى فان استهلك العصير جاز استعماله لانتفاء الحرمة المحكوم بها على العصير بانتفاء موضوعها و ان لم يستهلك فبالغليان يحرم حتى يذهب ثلثاه.

و لو اغلى العنب من غير أن يخرج منه مائه لم يحرم إلا إذا طرأ عليه الاسكار.

18

و لو شك في تحقق الغليان للعصير جاز استعماله و هكذا لو شك في عروض الاسكار له فانه لم يحكم بنجاسته.

العصير الزبيبي و غيره

و أما عصير الزبيب و التمر و الحصرم و باقي الفواكه كالماء المتخذ من السفرجل و التفاح و الرمان و غيرها فان الجميع طاهر سواء كان قبل غليانه أو بعده ما لم يعرض عليه عارض الاسكار. و عليه فلو القي الزبيب في شي‌ء من المطبوخات حتى غلى و تفرق لم ينجس و لم يحرم استعماله.

الفقاع

(التاسع) من النجاسات الفقاع و هو الشراب المتخذ من الشعير و منه البيرة المعروفة و منه المزر المعروف بالبوزة و قد ورد فيه انه الخمر بعينها و كيف لا يأمر الشارع بالاجتناب عنه و أضراره لا تحصى و أقلها صرعة للرأس و إيذاءة للمعدة و تأثيره على العصب و إفساده للطعام و توليده للنفخ. و ليس منه ماء الشعير الذي يستعمله الأطباء في علاج الأمراض الناشئة من الحرارة و اليبوسة.

و لو شك في شي‌ء انه فقاع أو مائع طاهر فهو محكوم بالطهارة.

الكافر

(العاشر) من النجاسات الكافر سواء كان منكراً للألوهية أو مشركاً بها و لا فرق في النجاسة بين أجزائه التي تحلها الحياة و التي لا تحلها الحياة كالشعر و الظفر و نحوهما و بين الجزء المتصل به و المنفصل عنه حال كفره و يلحق به في النجاسة الغلاة و النواصب. ففي الحديث ان اللّه لم يخلق خلقاً انجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه.

و من شك في كفره فهو طاهر نعم الآثار المرتبة على إسلامه لا تثبت له كحل ذبيحته و تملكه للمسلم و هكذا الآثار المرتبة على كفره لا تثبت له كاستنقاصه واخذ الجزية عليه و إباحة أمواله. هذا كله إذا لم تكن إمارة شرعية تعين ذلك و ليس له حالة سابقة من إسلام أو كفر و إلا فيحكم بمقتضى الإمارة و على طبق الحالة السابقة.

عرق الإبل الجلالة

(الحادي عشر) من النجاسات عرق الإبل الجلالة دون غيره من باقي الحيوانات الجلالة كما ان جسم الإبل الجلالة و سائر فضلاته طاهرة ما عدا البول و العذرة و الحاصل ان الحيوانات الجلالة يحرم أكل لحمها و أما هي فطاهرة و سائر فضلاتها طاهرة ما عدا البول و الغائط و انما يستثنى من ذلك عرق الإبل الجلالة فقط فانه نجس و أما لعابها و سؤرها و نحو ذلك فهو طاهر.

و الجلالة هي التي تتبع عذرة الإنسان في أكلها و كان أغلب علفها منها حتى ظهر النتن في لحمها و لبنها و عرقها دون التغذي بغيرها من النجاسات و المتنجسات و لو بملاقاة العذرة فلا يجري على المتغذي بملاقي العذرة حكم الجلالة.

ما الحق بالنجاسات و هو ليس بنجس

قد عد جملة من الفقهاء من النجاسات عرق الجنب من الحرام و الحق طهارته كعرق الجنب من الحلال سواء كان الجنب رجلًا أو امرأة و سواء كانت الجنابة من زنا أو لواط أو‌

19

وطئ بهيمة أو حائض أو كانت حرمة الجنابة من جهة الصوم أو الاستمناء باليد نعم لو كان الموطأ أو الواطئ نجساً عيناً كالمشرك أو الميتة كان العرق المتصل بهما نجساً. (و منها) لبن الصبية فقد قيل بنجاسته دون لبن الصبي و لكن الظاهر طهارته.

(و منها) الدود المتولد من العذرة و الميتة أو غيرهما من النجاسات فقد ذهب بعض الفقهاء إلى نجاسته و لكن الظاهر طهارته و في خبر علي ابن جعفر (ع) انه سال أخاه (ع) عن الدود يقع من الكنيف على الثوب يصلى فيه قال (ع) لا باس إلا ان ترى فيه أثرا فتغسله.

(و منها) القي: فقد نقل عن بعض علمائنا نجاسته و لكن الظاهر طهارته و قد سأل أبو عبد اللّه (ع) عن القي يصيب الثوب و لا يغسل قال (ع) لا باس.

(و منها) الحديد فانه قد نسب لبعض نجاسته حتى ان بعضهم يتجنب أكل البطيخ و نحوه إذا قطع بالحديد و لكن الظاهر طهارته نعم يستحب مسح الرأس أو الأظافر بالماء بعد حلقه أو قصها بالحديد.

و قد ورد ما طهرت كف فيها خاتم حديد. و في آخر ما طهر اللّه يداً فيها حلقة حديد.

(و منها) بول الخيل و البغال و الحمير فقد ذهب بعض فقهائنا إلى نجاسته و لكن الظاهر هو طهارته.

الممسوخ من الحيوانات

و قد عد بعض الفقهاء من جملة النجاسات الحيوانات الممسوخة و هي التي حول اللّه صورتها التي كانت عليها إلى صورة اقبح من الأولى و يكون المراد بالممسوخ لهاهنا الحيوانات التي على صورة الممسوخة الأصلية و إلا فهي لم تبق أكثر من ثلاثة أيام بناء على المحكي عن الصدوق مرسلا في كتابه من لا يحضره الفقيه و هي حسب ما ذكره بعض الفقهاء الضب و الفارة و القرد و الخنزير و الفيل و الذئب و الأرنب و الوطواط و الجريث و العقرب و الوزغ و الزنبور و الطاووس و الخفاش و الزمير و المارماهي و الوبر و الورس و الدعموص و العنكبوت و القنفذ و سهيل و الزهرة و هما دابتان من دواب البحر و ينسب لجدي كاشف الغطاء انه زاد الكلب و الحية و العظاية و البعوض و القملة و العيفيقا و الخنفساء. و الحق أنها طاهرة ما عدا الكلب و الخنزير.

أحكام النجاسات

(منها) ان كل ما تقدم من النجاسات إذا لاقى جسماً طاهراً برطوبة مسرية و لو في أحدهما تنجس موضع الملاقاة من ذلك الجسم الطاهر دون ما إذا كانا جافين فانه لا يتنجس الطاهر بملاقاة النجس. و أما إذا لاقاه مائع غير معتصم كالماء القليل أو المضاف فانه ينجس جميعه بملاقاته للنجاسة و يستثنى من ذلك العالي الجاري على السافل كماء الميزاب و السافل الجاري نحو العالي كالفوارة بل و المساوي الجاري بدفع نحو مساويه فانه لا ينجس إلا موضع الملاقاة و ما يجري منه.

و يستفاد مما ذكرناه أمور (إحداها) ان التراب المتنجس اليابس إذا أصاب الثوب أو الفرش أو البدن كما لو أطاره الريح عليه لم يتنجس و كفى نفضه عنه و لا يضر احتمال بقاء شي‌ء منه بعد زوال القدر المتيقن منه.

(ثانيها) ان الإناء أو الإبريق و نحوها إذا وضعا على الأرض النجسة و كان في أسفله ثقب يخرج منه الماء فان كان الماء يجري على الأرض فلا ينجس ما في الإناء و الإبريق و ان‌

20

كان واقفاً و متصلًا بما في الإبريق و الإناء تنجس ما فيهما (ثالثها) لو جمد المائع كما لو جمد الدهن أو الماء اختصت النجاسة بموضع الملاقاة نظير الثوب المرطوب و الأرض المرطوبة فان لا ينجس منهما إلا موضع الملاقاة. و لو شك في رطوبة الملاقي للنجس كثوب إذا شك في رطوبته أو علم بوجودها و شك في سرايتها أو علم بكونها مسرية سابقاً و شك في ذلك لاحقا حكم بالطهارة. و منه يظهر حكم الحشرات كالذبابة الواقعة على النجاسة إذا شك في وجود الرطوبة المسرية فيها عند وقوعها على البدن أو الثوب أو الفرش فانه يحكم بطهارة الجميع.

(و منها) ان كل متنجس حتى لو كانت عين النجاسة قد زالت عنه بالمسح و لم يبق فيه شي‌ء منها و حتى لو كان متنجساً بالمتنجس ينجس ملاقيه على نحو ما ذكرناه في تنجيس النجاسة لملاقيها لكن لا يجري عليه أحكام النجاسة التي تنجس بها فلو تنجس الثوب بملاقاته للثوب المتنجس بالبول لا يجب فيه تعدد الغسل و هكذا لو تنجس الماء بملاقاته للإناء المتنجس بالولوغ لم يكن يجب فيه التعفر.

(و منها) انه يجب إزالة النجاسة قليلها أو كثيرها عن الثوب و البدن حتى ما لا تحله الحياة منه كالشعر للصلاة الواجبة أو المندوبة بل كل ما يتستر به كالكر باس و الجلود و اللحاف و الحصير إذا تستر بها للصلاة بل كل ما يلبسه المصلي فانه يجب أن لا يكون نجساً و لا متنجساً و يستثنى من ذلك أمور:

(أحدها) اللباس الذي لا تتم به الصلاة وحده كالقلنسوة و العرقجين و الجوراب و التكة و الخلخال فانه لو كانت متنجسة حال الصلاة لم تبطل الصلاة بها. نعم إذا كانت مأخوذة من نجس العين أو من الميتة لم تصح الصلاة بها فلو فرض ان القلنسوة التي لبسها في الصلاة كانت من جلد الميتة أو من شعر الكلب أو الخنزير لم يجز الصلاة فيها لأن الأدلة إنما دلت على استثناء خصوص الملبوس المتنجس الذي لا تتم به الصلاة دون الملبوس النجس فيبقى تحت الأدلة المانعة من الصلاة في اللباس النجس.

(ثانيها) المحمول النجس كالقارورة التي فيها البول و كالجلد الميتة يجعل بيتا للساعة أو للنظارة فانه يجوز حمله في الصلاة و عليه فسير الساعة اليدوية إذا كان محكوما عليه بكونه من الميتة فلا يجوز لبسه في الصلاة و انما يجوز حمله. و هكذا يجوز حمل المتنجس في الصلاة كالثوب المتنجس إذا كان حاملا له في الصلاة لا لابسا له و هكذا السكين المتنجسة و الدراهم المتنجسة فانه يجوز حملها في الصلاة و لا تبطل الصلاة بها و هكذا القلنسوة و الجوراب إذا كانت متنجسة فانه يجوز حملها في الصلاة كما يجوز لبسها فيها لعدم الدليل على المنع من ذلك كله و هكذا يجوز للمرأة أن تصل شعرها بشعر غيرها على كراهة.

(ثالثها) دم الفروج و الجروح و الدماميل قليلها و كثيرها فانه يجوز فيه الصلاة لمن أصيب بها سواء كان الدم على بدنه أو على ثوبه و لا يجب عليه ان يغسلهما أو يبدل ثوباً بثوب آخر و لا يلزم التحفظ من الزيادة و التعدي و ان تيسر بتعصيب أو نحوه حتى تبرأ. و لا فرق في ذلك بين أن تكون الإزالة فيها تحرج عليه أم متيسرة له. كما لا فرق بين ان يتعدى الدم في البدن أو الثوب موضع الجرح و القرحة أو لم يتعدّه ففي الخبر: (يصلي و ان كانت الدماء تسيل). كما لا فرق بين القروح و الجروح الظاهرية و الباطنية. و عليه فيكون دم الأسنان عند قلعها و دم الفصد و دم الشقوق التي توجد في حلقة الدبر و دم البواسير و النواسير من الدماء المعفو عنها و ان سألت إلى الظاهر نعم ورد في دم الرعاف إذا أصاب الرجل و هو في الصلاة انه ينفتل فيغسل انفه و يعود في صلاته كما ورد في دم البكارة انها تغتسل و تصلي. كما لا فرق‌

21

بين عدم اختلاط الدم المذكور بأجسام طاهرة أو اختلاطه بها مما تعارف اختلاط الجروح و القروح بها كالأدوية التي توضع للجروح و القروح و العرق من الأجسام المختلط به. كما لا فرق بين أن يكون الجرح و القرح بتعمد من نفسه أو بمباشرة غيره أو بعارض سماوي. و لو خرج دم من الباطن و لم يحرز انه من جرح أو قرح لم يحكم بالعفو عنه.

و كما يعفى عن الدم كذلك يعفى عن القيح المتنجس الخارج مع الدم المذكور. هذا كله قبل البرء أما بعده فيجب إزالة الدم و القيح المتنجس و لا تصح الصلاة فيهما إلا إذا كان الدم أقل من الدرهم كما سيجي‌ء إن شاء اللّه‌

كما ان ما ذكرناه من العفو عن دم القروح و الجروح إذا لم تصبهم نجاسة أخرى كالبول و الخمر و إلا لم يعف عنها قليلة كانت أو كثيرة لأن المعفو عنه هو النجاسة الدموية فقط.

(رابعها) الدم الذي هو اقل من الدرهم سعة لا وزناً فانه يجوز فيه الصلاة سواء كان على الثوب أو البدن سواء كان الثوب ملبوساً أو محمولًا و سواء كان الدم مجتمعاً أو متفرقاً و سواء كان من دم الإنسان نفسه أو من دم غيره إنسانا كان أو حيواناً أو غيره كدم البيضة و سواء تلطخ أحد وجهي الثوب بالدم أو كلا وجهيه و المدار على أوسعهما. نعم يستثنى من ذلك دم غير مأكول اللحم و دم نجس العين كالكلب و الخنزير و الكافر و الميتة و دم الحيض و حكي الإجماع على استثناء دم الاستحاضة و النفاس.

و المراد بالدرهم هو الدرهم الوافي و القدر المتيقن هو ما كان بمقدار عقد الوسطى الأعلى.

و لو زال عين الدم الذي هو أقل من الدرهم و بقي أثره فالعفو عنه في الصلاة ثابت.

و لو أصاب الدم نجاسة أخرى كما لو أصابه البول فلا يعفى عنه في الصلاة حتى لو كان دون الدرهم.

و لو تنجس مائع بالدم و أصاب البدن أو الثوب منه ما هو اقل من الدرهم عفي عنه. و هكذا لو وقع مائع طاهر في الدم و استهلك فيه بحيث لم يخرج الدم عن مسماه لم يتغير حكم الدم في العفو عما قل عن الدرهم. و لو كان الدم الذي هو في الثوب أو البدن مترددا بين كونه مما عفي عنه أو مما لم يعف عنه كدم الحيض جاز الصلاة فيه. و كذا لو كان مترددا بين كونه اقل من درهم أو اكثر لعوارض خارجية كأن كان الدم متفرقاً أو خطاً مستقيماً فإن علم بالحالة السابقة من الكثرة و القلة بنى عليها و إلا فيبني على العفو عنه إذا لم يكن أحد أطراف المعلوم بالإجمال و إلا لم يجز له الصلاة فيه.

(خامسها) ثوب المرأة التي لها قميص واحد و لها مولود يبول عليها فانه يجوز لها أن تصلي في قميصها المذكور بشرط أن تغسله في اليوم مرة.

(سادسها) يعفى عن النجاسة التي على الثوب المضطر إليه بدنه حال الاضطرار لأن الضرورات تبيح المحذورات.

(سابعها) يعفى عن النجاسة للمبطون و المسلوس و المستحاضة على تفصيل سيأتي ان شاء اللّه في محله.

(و منها) انه لو رأى نجاسة في ثوب الغير أو على بدن الغير لا يجب عليه إعلامه بها. ففي صحيحة محمد بن مسلم قال سألته (ع) عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً و هو يصلي قال (ع) لا يؤذيه حتى ينصرف. بل يجوز أن يبيع أو يعطي المتنجس بدون الإعلام بأنه متنجس‌

22

إذا لم تكن المنفعة المقصودة منه مشروطة الطهارة فالدهن المتنجس أو العجين المتنجس إذا باعه أو وهبه يخبر بتنجسه. و أما لو أراد بيع الفرش المتنجس أو الكتاب أو الثوب المتنجس فلا يجب الإعلام بالنجاسة. ففي المحكي عن كتاب قرب الإسناد قال سألت الصادق (ع) عن رجل أعار رجلا ثوباً فصلى فيه و هو لا يصلي فيه قال (ع): لا يعلمه. قلت: فإن أعلمه قال يعيد.

(و منها) وجوب حفظ المساجد عن النجاسات بمعنى حرمة تلويثها بالنجاسة و وجوب إزالتها عنها بجميع أجزائها من أرضها و سقفها و جدرانها و أبوابها و شبابيكها و كل ما عد من أجزائها وجوباً كفائياً فوريا فورية عرفية.

(و منها) وجوب إزالة النجاسة عن الأواني في مقام استعمالها بما هو مشروط بالطهارة كالأكل و الشرب و الغسل و الوضوء إذا استلزم استعمالها تنجس المأكول و المشروب و الماء الذي فيها.

(و منها) حرمة أكل و شرب النجس و المتنجس. نعم لا بأس بذلك للأطفال إذا لم يكن مضراً لهم و إلا يجب على الولي أن يردعهم عنها كما يحرم سقيهم المسكرات.

(و منها) إنه يجب إزالة النجاسة للطواف واجباً كان أو مندوباً. نعم يعفى من ذلك ما عفي من النجاسات في الصلاة.

(و منها) وجوب إزالة النجاسة عن مكان سجود الجبهة في الصلاة دون باقي الأعضاء إلا إذا كانت النجاسة تسري لبدنه أو ثوبه.

(و منها) إن النجاسة و هكذا الطهارة تثبت بالعلم الوجداني و بالاستصحاب و بالبينة و بإخبار الواحد إذا كان خبره يورث الوثوق و الاطمئنان و بإخبار ذي اليد إلا في العصير إذا أخبر ذو اليد انه طبخ و ذهب ثلثاه و كان ظاهر الحال يخالفه فانه لا يقبل قوله.

(و منها) إن النجاسة إذا تعددت فإن تساوت في الحكم تداخل مقتضاها و ان اختلفت في الحكم كانت الطهارة تابعة لأكثرها أثراً فمثلًا لو أصاب الثوب مني و دم كان الواجب بعد الإزالة لعينهما هو الغسل مرة واحدة و لو أصابه بول و مني كان الواجب في مقام تطهير الثوب هو الغسل مرتان لأن البول يقتضي ذلك.

المطهرات

الماء

(الأول منها) هو الماء المطلق دون المضاف و يشترط في التطهير به سواء كان كثيراً أو قليلًا أمور:

(أحدها) وصول الماء إلى المحل الذي وصلت إليه النجاسة من ظاهر المتنجس أو باطنه. فلو كان الماء لا يصل إلى باطن المتنجس كالذهب و الفضة و الرصاص إذا تنجست عند ذوبانها ثمّ انجمدت فانه يغسلها لا يطهر إلا ظاهرها دون باطنها.

(ثانيها) زوال عين النجاسة حتى لو غسل المتنجس عدة غسلات و كانت عين النجاسة باقية لم يطهر ذلك المتنجس. نعم بقاء أثر النجاسة كالريح و الطعم و اللون لا يمنع من الطهارة بالغسل. فالمتنجس بالدم إذا بقي لون الدم فيه لا يمنع من تطهيره بالغسل و هكذا بقاء رائحة الميتة بل لا يضر حتى بقاء خشونة المحل إذا كانت عين النجاسة قد زالت.

(ثالثها) بقاء المتنجس على حقيقته التي هو عليها إذ لو خرج عن حقيقته بالتطهير لم يكن التطهير له بل لغيره فمثلا إذا كان الطين أو السكر أو القند متنجساً بنجاسة ممتزجة‌

23

بجميع أجزائه فإن طهارته إنما تكون بالغسل له بالماء على نحو يصل الماء لجميع الأجزاء المتنجسة و حينئذ تذهب حقيقة الطين و السكر و القند لانتشار أجزائها في الماء و اختلاطها به و عنده لم يكن هذا الغسل غسلًا و تطهيراً لها لانتفاء الموضوع نظير استهلاك البول في الماء الكثير فانه ليس بتطهير للبول.

(رابعها) عدم صيرورة الماء مضافاً فلو كان المتنجس عند غسله و تطهيره يصير الماء مضافاً لم يطهر بهذا الماء فلو كان المتنجس عند إلقائه في الكر يصير ماء الكر مضافاً لم يطهر بهذا الماء و هكذا لو صار عند صب الماء عليه مضافاً. نعم لو صار بعد الغسل به مضافاً طهر به.

(خامسها) أن لا يتغير أوصاف الماء الثلاثة اللون و الطعم و الرائحة بنجاسة المتنجس عند غسله و تطهيره بالماء، فلو تغير الماء بنجاسة المتنجس قبل انتهاء الغسل به لم يطهر بهذا الماء و لا يكفي عدم تغير الماء قبل ملاقاة المتنجس بل لا بد من عدم تغيره إلى حين تحقق الغسل به. نعم لو تغير الماء بالمتنجس دون نجاسته أو تغير بالنجاسة بعد تحقق الغسل به لم يضر ذلك بطهارة المتنجس.

(سادسها) طهارة الماء المستعمل في التطهير قبل الغسل به.

(سابعها) التعفير في الولوغ فانه شرط للتطهير سواء كان بالقليل أو المعتصم. و يختص (التطهير بالماء القليل) بشروط زائدة على هذه المذكورات فانه لا بد فيه مع الشروط المذكورة أمور:

(أحدها) الغسل بالماء دون الصب بعد إزالة عين النجاسة: و الغسل يختلف بحسب اختلاف الموارد، ففي بعض الموارد يحتاج تحققه إلى عصر المغسول و في بعضها إلى كبسه أو تغميزه أو فركه أو دقه أو تثقيله و نحو ذلك مما يوجب صدق الغسل عرفاً، و الميزان هو صدق الغسل بأي نحو كان دون الصب. و لو فرض في مورد صدق الغسل بالصب كفى.

و الحاصل انه من المواضيع العرفية يتبع في تحققها نظر العرف و يستثنى من ذلك بول الصبي قبل أن يأكل الطعام سواء أصاب البدن أو الثوب و أبوال ما لا يؤكل لحمه إذا أصابت البدن فانه يكفي الصب عليها و إن فرض أن الغسل لا يصدق عليه كما سيجي‌ء إن شاء اللّه، هذا إذا كان التطهير بالماء القليل و أما إذا كان بالماء المعتصم كالكر و المطر فلا يعتبر في التطهير به الغسل بل يكفي استيلاء الماء على المتنجس بعد إزالة عين النجاسة و إن لم يصدق الغسل.

(ثانيها) ورود الماء على المتنجس فلو ألقي المتنجس على الماء القليل لم يطهر به. نعم في التطهير بالمعتصم كالمطر و الكر لا يعتبر فيه ذلك.

(ثالثها) تعدد الغسل أو الصب و هو معتبر في التطهير من البول و تطهير الأواني بالماء القليل بعد إزالة عين النجاسة فقط، أما في باقي النجاسات و في غير الأواني من المتنجسات و في التطهير بالماء المعتصم فلا يجب تعدد الغسل في التطهير بعد إزالة عين النجاسة.

(رابعها) إزالة الغسالة المزيلة لعين النجاسة بالعصر و نحوه و لو بالتجفيف بحيث لم يبق منها إلا الذي لم يعتد به عرفاً كالباقي بعد العصر و الباقي على البدن بعد إزالة النجاسة عنه بالماء فانه لا يضر بالتطهير بالماء القليل و أما في الماء المعتصم فلا يعتبر ذلك.

24

التطهير من البول

يعتبر في التطهير من البول بالماء القليل إذا أصاب الثوب أو كل ما يرسب فيه البول كالفرش و نحوه الغسل مرتين و إذا أصاب البدن أو كل ما لا يرسب فيه البول كالحجر الأملس الصلب الصب مرتين و لا فرق في ذلك بين بول الإنسان أو غيره من أبوال ما لا يؤكل لحمه. نعم بول الصبي قبل أن يأكل الطعام يكفي الصب عليه بالماء مرة واحدة سواء أصاب البدن أو الثوب أو نحوهما و يستثنى من ذلك كله الأواني فان لها حكم خاص سيجي‌ء إن شاء اللّه عن قريب كما إن الاستنجاء من البول يجي‌ء الكلام فيه إن شاء اللّه عن قريب.

و الظاهر أن ما ذكرناه إنما هو بعد زوال عين النجاسة بالجفاف أو الماء أو غير ذلك. و الغسل أو الصب المزيل للعين لا يحسب منها و ماؤه نجس بخلاف الواقع بعده من الغسل أو الصب فهو طاهر كما تقدم إن الغسلة المزيلة نجسة و المطهرة طاهرة. و لا يقوم مقام الغسلتين أو الصبتين استمرار صب الماء، و أما التطهير بالماء المعتصم كالكر و المطر فلا يعتبر فيه ذلك بل يكفي فيه استيلاء الماء على موضع النجاسة بعد إزالة عينها.

التطهير من سائر النجاسات

و سائر النجاسات ما عدا البول يكفي في التطهير منها بعد إزالة عينها بأي نحو كان الغسل مرة واحدة في الماء القليل و في الماء المعتصم يكفي بعد إزالة عينها استيلاء الماء عليها ما عدا الأواني فان لها حكماً خاصاً سيجي‌ء إن شاء اللّه عن قريب، و هكذا المتنجس بالمتنجس بها فان حكمه حكم المتنجس بسائر النجاسات.

تطهير الأواني

يعتبر في تطهير الأواني المتنجسة بالماء القليل غسلها بالماء ثلاث مرات بعد إزالة عين النجاسة عنها بأي نحو كان و الغسلة المزيلة للعين لا تحسب منها، و يستثنى من ذلك أمران:

(أحدهما) الإناء الذي ولغ فيه الكلب فانه لا يطهر إلا بغسله بالتراب مرة ثمّ بالماء مرتين و يلحق بالولوغ لطع الكلب للإناء و لا يلحق بذلك عرق الكلب و لا سائر رطوباته و لا إدخال أعضائه في الإناء بل حكم ذلك حكم سائر النجاسات إذا أصابت الإناء كما لا يلحق بالإناء باقي الأشياء التي تتنجس به بل حكمها حكم المتنجس بسائر النجاسات من الغسل مرة. و يجزي الغسل بالتراب و لو بواسطة الآلة كما لو كان رأس الإناء ضيقاً. و لا يجب التكرار لو ولغ فيه عدة كلاب قبل التطهير.

(ثانيها) الإناء المتنجس بشرب الخنزير منه و الإناء الذي مات الجرذ فيه فانه يعتبر في تطهيرهما غسل الإناء سبعاً. و أما إناء الخمر و إن كان ورد في تطهيره الدلك باليد مع غسله ثلاث مرات لكن الظاهر أن المراد بالدلك إزالة عين النجاسة فيكون حكمه حكم المتنجس بسائر النجاسات و لا خصوصية له عليها. هذا كله في تطهير الأواني بالماء القليل، أما تطهيرها بالماء المعتصم فيكفي فيه استيلاء الماء عليها مرة واحدة فيما عدا ولوغ الكلب فانه لا بد من الغسل بالتراب أول مرة ثمّ غسله في الماء المعتصم مرة واحدة.

25

تطهير العجين و نحوه

إذا أصاب ظاهر العجين نجاسة دون باطنه فانه يطهر بعد إزالة عين النجاسة عنه بصب الماء عليه أو استيلاء الماء المعتصم عليه. و أما إذا تنجس باطنه كما لو عجن بماء متنجس فيمكن تطهيره بأن يخبز أو يجفف نفس العجين و يوضع في الماء المعتصم كالكر و نحوه حتى يعلم وصول الماء إلى سائر الأجزاء المتنجسة. و في مرسلة الصدوق قال دخل أبو جعفر (ع) الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه فقال (ع): تكون معك لآكلها إذا خرجت فلما خرج قال (ع) للمملوك: أين اللقمة؟ قال أكلتها يا ابن رسول اللّه (ص). فقال (ع) انها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة فاذهب فأنت حر فاني أكره أن استخدم رجلا من أهل الجنة.

المائعات المتنجسة

هي كما عرفت لا تطهر و إذا استهلكت بالماء المعتصم خرجت عن الإضافة و صارت ماءً مطلقاً و معه تنتفي حقيقتها. نعم لو أمكن إخراجها بعد ذلك منه كانت طاهرة كما يقال في ماء الحصرم إذ استهلك في كر فانه بعد غليانه يبقى ماء الحصرم و حينئذ فيكون طاهراً، و هكذا الدهن المتنجس إذا وضع في ماء يبلغ كراً و قد غلى فيخلط الدهن به حال غليانه فإن الدهن بعد برودة الماء يجمد و يكون طاهراً ما لم يخرج الماء عن الإطلاق.

تطهير الذهب و الفضة

و هكذا علم حال الذهب و الفضة و الأواني الفرفورية أو الزجاجية فانها إن تنجس ظاهرها أمكن تطهيرها بالماء القليل و الكثير و إن تنجس ظاهرها و باطنها كما لو صنعت من مادة متنجسة كان ظاهرها يطهر بالماء القليل أو الكثير دون باطنها لعدم وصول الماء إليه فلو زال ظاهرها كأن كثر استعماله و ظهر من باطنها المتنجس شي‌ء وجب تطهيره.

تطهير الأرض

و هكذا يعلم حال الأرض المتنجسة و الخزف و الآجر و الترب التي يسجد عليها و الحبوب كالحنطة و الشعير و السمسم المتنجسة فان النجاسة إن كانت لم تنفذ إلى باطنها ازيل عينها وصب عليها الماء و قد طهرت حتى الأرض لان ماء الغسالة المطهرة كما عرفت طاهر. نعم إزالة عين النجاسة يكون بغير الماء إذا كان الماء ينفذ فيها لان ماء الغسالة المزيل للعين نجس كما عرفت، و إن كانت النجاسة قد نفذت لباطنها فلا بد من تطهيرها من استيلاء الماء المعتصم كالكر و الجاري على أجزائها المتنجسة بحيث يصل إليها دون أن يخرج عن الإطلاق و لو بوضعها مدة في الماء المعتصم. و منه يعلم حال الصابون إلا انه يخفف الأمر فيه إنه لو تنجس بعد صيرورته صابوناً لم تصل النجاسة إلى باطنه كما ذكر لي ذلك بعض الأفاضل و لا اقل من الشك و هو كاف في المقام.

تطهير اللحوم و نحوها

أما اللحوم و الشحوم و اللبن الرائب و الجبن إن تنجس ظاهرها فيكفي غسل ظاهرها و لا تمنع الدسومة التي عليها من التطهير فانها كالدسومة الّتي علي بدن الإنسان و لو تنجس ظاهرها و باطنها فمقتضى ما ذكرناه هو عدم الطهارة ما لم يعلم بوصول الماء المطهر لباطنها كأن توضع في الماء المعتصم حتى ينفذ في أعماقها. نعم يمكن أن يمنع من وصول‌

26

النجاسة لباطن اللحم و الشحم حتى لو طبخ في متنجس و إنما البخار و الحرارة هي التي تطبخ باطنه و يكفينا في هذا المقام الشك و حينئذ يمكن تطهيره فيمكن تطهيره بالماء القليل بصبه و قد ورد عن أبي عبد اللّه (ع) ان أمير المؤمنين (ع) سأل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأرة قال: يراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل.

تطهير الثوب المصبوغ

و مما ذكرنا يعلم حال الثوب المصبوغ بالمائع المتنجس فان الصبغ إن لم يكن له جرم و إنما هو لون فقط كان حكم الثوب حكم الثوب المتنجس بالنجاسة و إن كان له جرم فلا بد في تطهيره من حصول العلم بنفوذ الماء إلى جميع أجزائه على نحو لا يوجب خروج الماء عن الإطلاق إلى الإضافة و هكذا حال الصبغ على البدن إذا كان متنجساً كالحناء و نحوها مما يصبغ الشعر به فانه بعد إزالة جرمه و إن بقي لونه يطهر البدن منه بالماء.

تطهير الملح و السكر

و هكذا يعلم حال السكر و القند و الملح فانه لا يطهر حتى بالكثير إذ أنه لا ينفذ إليه الماء إلا و صار مضافاً فيكون الماء حال التطهير به مضافاً و قد عرفت انه لا بد و ان يكون مطلقاً. إلا إذا تنجس ظاهره و أمكن إزالة عين النجاسة منه.

فائدة مهمة

انه قد ظهر مما قدمناه انه بعد إزالة عين النجاسة عن المتنجس سواء كان البدن أو الثوب أو الفرش أو الإناء أو غير ذلك فعند غسله و تطهيره إذا أصاب الماء ما اتصل بالمحل المتنجس أو المحل المنفصل عنه أو المحل المنضم إليه لم يتنجس به لأن ماء الغسالة المطهرة كما تقدم منا ليس بنجس فلو كان زنده متنجساً و بعد إزالة عين النجاسة عنه صب عليه الماء و أصاب كفه لم يتنجس كفه. و عليه فما تعارف هذه الأيام في غسل الكأس و القدح بعد إزالة عين النجاسة من أن يوضع فيه الماء ثمّ توضع اليد على أعلاه ثمّ الماء فيه و هكذا بصنع ثلاث مرات فالمتقاطر منه على الإنسان و الذي أصاب اليد ليس بنجس.

التطهير بالاستنجاء

و هو تطهير مخرج البول أو الغائط. و يعتبر في تطهير مخرج البول أن يكون غسله بالماء دون غيره و يكفي في الغسلة الواحدة المزيلة لعين النجاسة. و لا فرق بين مخرج البول للذكر أو الأنثى أو الخنثى و بين المخرج الطبيعي و غيره و المعتاد و غيره. و لا يجب دلك مخرج البول عند تطهيره إلا إذا صار مع البول شي‌ء لا يزول إلا بالدلك كالمذي. و مع الشك في صيرورة مثل ذلك مع البول يبنى على عدمه. و أما تطهير مخرج الغائط فيكفي فيه الغسل بالماء لما ظهر منه إذا تلوث بالغائط عند خروجه منه دون باطنه فانه لا يجب غسله بإدخال الأصابع في الدبر. و يكفي الغسلة الواحدة الموجبة لنقاء المحل من الغائط و لا يضر بقاء الرائحة أو اللون بعد نقاء المخرج بالماء. و عليه فما تعارف في هذه الأيام في الفنادق الحديثة من إيجاد مقعد يخرج منه الماء بقوة منقية لمخرج الغائط يكون مطهراً للمخرج. و يجزي في خصوص التطهير من الغائط دون البول الأحجار المزيلة لعين النجاسة بشروط:

27

(أحدها) أن لا تكون الأحجار أقل من ثلاثة و ان زالت عين النجاسة بأقل من ذلك و لا يكفي استعمال الحجر الواحد من ثلاث جهات من غير فرق بين استيعاب الأحجار للمحل في كل مسح و بين توزيع المسحات على أجزاء المحل:

(ثانيها) إن لا يتعدى الغائط عن المخرج على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء.

(ثالثها) أن تزداد الأحجار على الثلاثة إذا لم تذهب عين الغائط بالثلاثة حتى تزول العين.

(رابعها) أن لا تكون الأحجار متنجسة و يمسح بالموضع المتنجس منها.

(خامسها) أن لا تكون في الحجر رطوبة مسرية و إلا لتنجست تلك الرطوبة و يكون ما يستنجي به متنجساً.

(سادسها) أن لا يكون مع الغائط نجاسة أخرى كأن خرج معه دم أو أصابه من الخارج نجاسة كالبول. و يقوم مقام الأحجار بالشروط المذكورة غيرها من الأجسام الطاهرة القالعة للنجاسة كالكرسف و الخزف و الخرق ففي صحيحة زرارة ان علي بن الحسين (ع) كان يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغتسل و يستثنى من ذلك الروث و العظم و الأعيان النجسة و الأجسام الصقيلة التي لها صيقلة و ملامسة تمنع من قلع النجاسة بها الذي هو شرط التطهير. و عليه فيصح الاستنجاء من الغائط بالكاغد المزيل لعين النجاسة بشروط الستة المذكورة. نعم لا يجوز الاستنجاء بالأجسام التي لها حرمة تمنع من الاستهانة بها.

و يلحق في المقام مطلبان الأول في التخلي و الثاني في الاستبراء:

التخلي

و يجب في التخلي أن يجلس المتخلي بحيث لا يرى عورته إنسان و لو لظلمة أو بعد عن الناس أو عدم الناظر و يستثنى من ذلك الزوج بالنسبة لزوجته و للزوجة بالنسبة لزوجها و المملوكة بالنسبة لمالكها إذا كان يجوز له وطؤها و المحللة بالنسبة إلى المحلل له و الطفل غير المميز و المضطر سواء كان في حال التخلي أو غيره. و العورة في الرجل هي الدبر و القضيب و البيضتين، و في المرأة هي الدبر و الفرج.

و هكذا يحرم عند التخلي استقبال القبلة و استدبارها في الأبنية و الصحارى و لا يحرم ذلك عند الاستنجاء. و المراد بالاستقبال و بالاستدبار هو المعنى العرفي لاستقبال البدن و استدباره لا الاستقبال و الاستدبار بالعورة فقط.

كيفية الاستبراء و فائدته

و فائدة الاستبراء بعد البول صحياً هو عدم تخلف البول في المجرى إذ تخلفه فيه ينتج أمراضا مرهقة و التهابات مزمنة بل له نوع تأثير على النسل حيث يختلط بالمني فيفسد الرحم و يؤثر على جهازه و انتاجه. و فائدته الشرعية هي عدم جريان حكم البول على الرطوبة المشتبهة الخارجة من المجرى بعد البول و الأفضل فيه أن يخرط بالوسطى من يده اليسرى من المقعد إلى أصل الذكر أعني الانثيين ثلاثاً و يعصر من اصل الذكر إلى طرفه ثلاثا ثمّ ينتره ثلاثاً. و لا يعتبر في التنحنح. و الصبر قبله هنيئة و إذا شك من لم يستبرء أنه خرجت منه رطوبة مشتبهة أم لا بنى على عدم الخروج و إن ظن الخروج. و ليس على المرأة الاستبراء. و القول بأنها تستبرئ عرضاً أو تصبر قليلا و تتنحنح و تعصر فرجها عرضاً لا دليل عليه و الرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة و عدم الناقضية للوضوء.

28

تطهير الميت

قد عرفت إن الإنسان إذا مات تنجس و لكن تغسيله ثلاث مرات الأولى بماء مصاحب للسدر و الثانية بماء مصاحب للكافور إلا إذا كان محرماً فلا يجعل فيه و الثالثة بماء القراح كغسل الجنابة موجب لتطهيره و عدم نجاسته على تفصيل سيجي‌ء إن شاء اللّه في مبحث الاغسال و تقدم قسم منه في مبحث الميتة.

الشمس

(الثاني من المطهرات) الشمس و إنما هي تطهر الأرض بتوابعها من الرمل و الحصى و التراب و المعدن و تطهر الأبنية بتوابعها كالجداران و الآجر و الشبابيك و الجص و القير و الطين و تطهر النباتات و الأشجار بتوابعها كالأوراق و الأثمار و الأزهار، لكن كل ذلك ما دامت تابعة لمواضيعها المذكورة فإذا انفصلت عنها لم تطهر بها و تطهر الحصر و البواري و كل ما لا تجري العادة بنقله كالظروف المثبتة في الأرض. و لا فرق في التطهير بالشمس بين البول و سائر النجاسات و لكن يشترط في التطهير بها أمران:

(أحدهما) زوال عين النجاسة منها و لذا لا تطهر الشمس المجزرة و لا الكنيف لوجود عين النجاسة فيها.

(ثانيهما) أن يحصل التجفيف عن النجاسة بإشراق الشمس عليها و لو بفعل المكلف بأن يرش الماء على موضع النجاسة. و بعبارة أوضح لا بد من رطوبة المحل ليستند ذهاب النجاسة إلى إشراقها و أصابتها فلو جف قبل الإشراق ثمّ أشرقت الشمس عليه لم يطهر كما لو جف ما تحت الظل و إن استند إلى حرارة الشمس لم يطهر. و هكذا لو وضع حصير على حصير أو حجر على حجر و كانا متنجسين لم يطهر بالشمس إلا ما أصابته منهما دون الآخر. نعم إذا كانت رطوبة النجاسة التي أصابت الأرض أو الحصير و نحوهما قد أثرت في الباطن و جف الظاهر و الباطن بإشراق الشمس على الظاهر طهر الظاهر و الباطن جميعاً. كما انه يكفي في مطهرية الشمس استناد الجفاف إليها عرفاً فلا يقدح مدخلية الريح أو حرارة الهواء فيه بحسب الدقة العقلية إذا كان يصدق عرفاً استناد التجفيف إلى إشراق الشمس.

الاستحالة

(الثالث من المطهرات) الاستحالة إلى الطاهر و هي الانتقال من حقيقة إلى حقيقة أخرى لا مجرد طريان اسم آخر بل كلما انتقل النجس أو المتنجس إلى موضوع آخر عند العرف بحيث يكون في نظرهم انه تبدل إلى موضوع مغاير له لا انه تبدل حال من حالاته أو صفة من صفاته. إلا انه قد تقدمت الإشارة إلى ان عد مثل ذلك من المطهرات مبنى على التسامح، و كيف كان فالبول و الغائط بل و سائر الأعيان النجسة إذا استحالت إلى بخار أو دخان أو رماد كان طاهرا و هكذا الماء النجس إذا استحال بولًا أو لبناً أو عرقاً أو لعابا لحيوان مأكول اللحم يكون طاهراً. و من هذا الباب صيرورة الغائط و البول و الدم و الغذاء النجس جزءا من البقول أو الأثمار أو الحبوب فانها تكون طاهرة. و هكذا لو استحالت العذرة دوداً فإن الدود يكون طاهراً. و مثل ذلك الكلب و الخنزير و سائر الأعيان النجسة إذا وقعت في التراب أو الملح فاستحالت ترابا أو ملحا فانه يكون طاهرا. نعم لو كانت رطوبة مسرية تعدت نجاستها إلى الملح أو التراب الذي وقعت فيه بخلاف ما إذا لم تكن رطوبة مسرية كان الجميع طاهراً، و مع الشك في وجود الرطوبة المسرية فالأصل الطهارة للشك في عروض النجاسة على التراب أو‌

29

الملح. و لا فرق في ذلك بين الأعيان النجسة و بين المتنجسة و لو شك في ان المستحيل إليه حقيقة أخرى عند العرف أم لا يحكم أيضا بالطهارة كما لو شك في ان صيرورة الخشب المتنجس فحماً من قبيل تبدل الموضوع إلى موضوع آخر عند العرف أو من قبيل تبدل الحالات و الصفات فانه يحكم بالطهارة أيضا.

الانقلاب

(الرابع من المطهرات) الانقلاب و الفرق بينه و بين الاستحالة هو ان التبدل فيها إنما يكون تبدلًا بالحقيقة كصيرورة الخشب رماداً بخلاف الانقلاب فان التبدل فيه إنما يكون بالوصف أو الحال مع بقاء الموضوع و كيف كان فالانقلاب إنما يطهر الخمر بل سائر المسكرات المائعة إذا انقلبت خلًا بنفسها أو بالعلاج بشرط عدم تنجسها بنجاسة أخرى كأن وقع عليه دم أو نحوه. و متى طهرت بانقلابها خلًا يتبعها في الطهارة إناؤها و الآلات المصاحبة لها المتصلة بها حال الانقلاب دون المنفصلة عنها في هذا الحين و هكذا يطهر الانقلاب سائر الأجسام التي جعلت في المسكرات بانقلابها خلًا كالملح و الخل التي تجعل في الخمر لقلبه خلًا. و لو نقص المسكر عن الإناء بعد كونه مملوءاً به فانقلب المسكر خلًا طهر الجزء الأعلى من الإناء و لا يجب ثقب الإناء من أسفله لإخراج الخل. و لو استهلك الخمر في الخل تنجس الجميع و على هذا تنزل رواية أبي بصير عنه (ع) عن الخمر يجعل خلًا قال (ع) لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يغلبها. و لو شك في الانقلاب يحكم بالنجاسة.

ذهاب الثلثين

(الخامس من المطهرات) ذهاب الثلثين و هو إنما يكون مطهراً للعصير العنبي عند ما يكون مسكراً. و لا فرق في ذهاب الثلثين بالنار أو بالشمس أو بغير ذلك كما لا فرق بين ذهاب ثلثيه بالمساحة أو الكيل أو الوزن و مع الاختلاف تقدم المساحة و كما يطهر العصير المسكر بذهاب ثلثيه كذلك يطهر بتبعه انائه الذي ذهب فيه ثلثاه و الآلات التي يزاولها العامل حال ذهاب ثلثيه. و لو شك في اسكار العصير بنى على عدمه. و لو شك في ذهاب الثلثين بنى على عدمه.

الانتقال

(السادس من المطهرات) الانتقال و هو قريب من الاستحالة فانه عبارة عن حلول النجس في محل آخر حكم الشارع بطهارته عند نسبته لذلك المحل و يعتبر فيه صدق النسبة إلى ذلك المحل الآخر على سبيل الحقيقة فلو شك في صدق النسبة بعد الانتقال كما إذا دخل شي‌ء من النجاسات في بطون بعض الحيوانات المأكولة اللحم و لم يستقر فيها حتى يعلم صدق نسبته إليها لم يحكم بالطهارة كما لو شرب الحيوان الدم و لم يستقر في جوفه حتى ذبح و اخرج منه كان الدم باقيا على نجاسته لعدم إحراز صدق نسبته إليه و لهذا كان دم العلق بعد مصه من الإنسان نجس بخلاف دم البق و البرغوث و القمل و الحر مس و أشباهها. و لا فرق بعد صدق النسبة حقيقة بين الحيوان و بين غيره و لا بين الدم من النجاسات و بين غيره فلو شرب الشجر أو النباتات متنجسا طهر لصدق النسبة للشجر و النبات حقيقة و التحقيق إن الانتقال إذا لم يرجع إلى تبدل الموضوع عند العرف لم يكن مطهراً و أما دم البق و البرغوث فهما طاهران لورود الأخبار بذلك. و لعل من ذلك نقل عين الميت أو يده أو نحو ذلك إلى الحي.

30

الإسلام

(السابع من المطهرات) الإسلام و هو موجب لطهارة الكافر سواء كان اصليا أو مرتداً ملياً أو فطرياً. و يكفي في إسلامه إظهاره للشهادتين إذا لم يعلم و يقطع بمخالفته لاعتقاده و عقيدته. و يطهر أيضا ما يتبعه من بصاقه و عرقه و دمعة عينه و نحو ذلك.

التبعية

(الثامن من المطهرات) التبعية و هي إنما تكون في الأشياء التي لا تنفك عن المطهر (بالفتح) حال تطهيره بحيث يكون حكم الشارع بالطهارة للمتبوع مقتضياً لطهارتها و ليس منها تبعية أولاد الكفار لآبائهم في الطهارة إذا اسلموا و انما طهارتهم لإسلامهم بإسلام آبائهم نظير أولاد المسلمين فتكون طهارتهم بالإسلام كنجاستهم بالكفر. نعم منها تبعية ظروف المسكرات و آلاتها للمسكرات في الطهارة إذا انقلبت خلًا بشرط كونها متصلة بالمتبوع حال الانقلاب و غير متنجسة بنجاسة أخرى و مثلها تبعية اليد المباشرة للغسل و آلة الدق فيما لا يعصر و الغسالة الباقية بعد العصر فإنها تطهر تبعاً لطهارة المغسول و قد أشرنا إلى جملة من الأشياء التي تطهر بالتبع و سنشير إن شاء اللّه إلى جملة أخرى منها عند البحث عن متبوعها.

الزوال

(التاسع من المطهرات) الزوال و هو يكون مطهرا في موارد ثلاثة:

(إحداها) الحيوانات الصامتة فان زوال عين النجاسة عن الحيوانات الصامتة مطلقاً ما ظهر منها و ما بطن مطهر لها فلو زال عين النجاسة عنها بأي نحو كان صار موضع النجاسة طاهرا. فالهرة إذا أكلت النجس أو المتنجس ثمّ زال أثره عن فمها طهر فمها. و هكذا منقار الدجاجة بل حتى الحيوانات المتكونة في النجاسات كالجعل و نبات وردان و الدود فإذا زال عنها عين النجاسة كانت طاهرة. و لذا لو وقع الحيوان غير مأكول اللحم في المائعات و خرج منها حيّاً لا يحكم بنجاسته مع العلم بان مخرجه قد تنجس بالبول أو العذرة أو المني و ان جسمه قد تنجس بدم الولادة. و لو شك في أن عين النجاسة أو المتنجس زالت عن الحيوان أم لا بنى على زوالها و كان محكوما بالطهارة و لا وجه لاستصحاب النجاسة.

(ثانيها) باطن الإنسان فان زوال عين النجاسة عن باطنه مطهر له و ان كانت الرطوبة الملاقية لعين النجاسة موجودة و لا فرق في جميع ما ذكرناه بين ورود النجاسة عليه من الخارج أو من الداخل.

(ثالثها) زوال التغيير عن الجاري و البئر و المطر و غيرها مما تقدم في مبحث المياه فإن زوال التغير عنها موجب لطهارتها فراجع ذلك و في عد هذا من المطهرات مبني على المساحة.

الاستبراء

(العاشر من المطهرات) استبراء الحيوان الجلال فانه مطهر لعرقه النجس و لبوله و لخروجه و موجب لحلية أكله. و المراد بالحيوان الجلال الذي هو قابل للطهارة و حلية الآكل بالاستبراء هو خصوص الحيوان المأكول اللحم ذي النفس السائلة المتغذي بعذرة الإنسان تغذية توجب صدق الجلال عليه عرفاً دون المتغذي بغيرها من النجاسات و المتنجسات فانه لا يحرم أكله إلا إذا صار من الخبائث و دون نجس العين فانه بالاستبراء لا يطهر. و الاستبراء الموجب لطهارة الحيوان الجلال و حلية أكله يختلف باختلاف الحيوانات فالناقة تحبس و تغذي‌

31

أربعين يوماً و البقرة عشرين و الشاة عشرة أيام و البطة خمسة أيام و الدجاجة ثلاثة أيام و في غيرها تحبس و تغذي حتى يزول وصف الجلل عنها و سيجي‌ء إن شاء اللّه زيادة توضيح و فروع في كتاب الأطعمة و الاشربة. و يكون الاستبراء علامة للطهارة فيما لو كان بالخرطات بعد البول أو فيما كان بالبول بعد خروج المني فانه يكون إمارة على طهارة ما يخرج بعده من الرطوبة المشتبه على تفصيل تقدم في الاستبراء من البول و سيجي‌ء إن شاء اللّه في الاستبراء من المني.

الغيبة

(الحادي عشر من المطهرات) غيبة الإنسان المسلم المكلف العالم بالنجاسة فانها توجب طهارة بدن الإنسان و ما يتعلق به من الثياب و الفرش و الظروف و نحوها مع احتمال طرو الطهارة عند غيبته أما إذا لم يحتمل التطهير في حقه أو احتمل و لكن اخبر ببقاء النجاسة أو كان لم يعلم بالنجاسة فيحكم عليه بالنجاسة. و أما إذا اخبر بالتطهير أو صدر منه فعل يقتضي التطهير عند نفسه كالصلاة فيحكم عليه بالطهارة و لا يخفى ان عد الغيبة من المطهرات من باب المسامحة حيث انها من الطرق المثبتة لها و الكاشفة عنها.

الأرض

(الثاني عشر من المطهرات) الأرض و هي مطهرة لمخرج الغائط بالاستنجاء بالحجر منها. و مطهرة لميتة الإنسان بالتيمم بها. و الإناء الولوغ بغسله بترابها مع غسله مرتين بالماء كما تقدم تفصيل ذلك كله. و مطهرة لباطن القدم و الخف بل كل ما يتعارف المشي به كالقبقاب و النعل بل كل ما يستعان به على المشي عند العرف كالعكازة و عصى الأعمى و نعل الدابة و خشبة الاقطع و ركبته و فخذ المقعد و يدي من يمشي على يديه و عجلات وسائط النقل. و الباطن هو ما تستره الأرض حال الاعتماد عليها. و يلحق به حواشيه و حافاته التي يتعارف إصابة النجاسة لها حال المشي فهي تطهر بالأرض كالباطن. و لا فرق في تطهير ذلك بالأرض بين مسحه بها أو بالمشي عليها كما لا فرق بين أن يكون تنجسه بالنجاسة الحاصلة بالمشي على الأرض أو الحاصلة من غيره كما لو خرج من باطن رجله دم، كما لا فرق في الأرض بين التراب و الحجر و الرمل و بين المبلطة بالإسمنت و الجص و النورة و القير نعم لا يكفي المشي على الفرش و الحصير و البواري و الزرع مما لا بعد من أجزاء الأرض. و هكذا لا فرق بين الأرض المتنجسة و بين الطهارة فان المشي و المسح بكل منهما موجب للطهارة ما لم تسر نجاسة أخرى منها لباطن الممسوح بها و المشي به عليها. كما لا فرق في حصول الطهارة بالمشي أو المسح بين أن يكون في باطن القدم رطوبة قد جفت بالمشي أم لم تكن رطوبة نعم يشترط في الطهارة بالأرض أمور (أحدها) جفاف الأرض بنحو لا توجد فيها رطوبة مسرية فانه لو كانت فيها رطوبة غير مسرية لم تكن مضرة. و إذا شك في جفافها لا يحكم بكونها مطهرة إلا إذا علم بان الحالة السابقة على هذه الحال كانت جافة فتستصحب (ثانيها) زوال عين النجاسة حتى لا يبقى من أجزاء النجاسة الأجزاء التي تزول عادة بالمشي أو بالمسح و لا يضر بقاء الأجزاء التي يتعذر زوالها عادة لو فرض وجود مثل هذه الأجزاء كما لا يضر بقاء الرائحة و لا كدورة اللون و لا الرطوبة الخالصة من الأجزاء المذكورة و لا الأجزاء الأرضية التي تلصق بحسب العادة بالنعل عند المشي على الأرض أو‌

32

المسح بها و لا يعتبر زوال عين النجاسة بالمشي أو المسح بل لو كانت قد زالت قبل ذلك أو لم يكن لها جرم كالبول و الماء المتنجس ثمّ حصل المشي أو المسح كفى ذلك في حصول التطهير (ثالثها) عدم تنجس الأرض بنجاسة مسرية لباطن الممسوح بها و المشي به عليها.

الخروج

(الثالث عشر من المطهرات) الخروج و المطهر منه على أقسام ثلاثة (أحدها) هو خروج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف فانه مطهر لما بقي في جوفها على القول بان الدم في الباطن نجس و الا فيكون الخروج مانعاً من تنجسه (ثانيها) خروج المقادير المنصوصة من البئر لوقوع النجاسات فيها على القول بنجاستها بها (ثالثها) خروج ماء الغسالة فانه مطهر للباقي منها لو كان نجساً.

الشهادة

(الرابع عشر من المطهرات) الشهادة و هي مطهرة لميتة الإنسان فقد تقدم ان الشهادة بين يدي النبي (ص) و الإمام (ع) أو نائبة بل كل من قتل في سبيل اللّه في كل جهاد بحق و لو في حال الغيبة كما لو دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام فان الشهادة في جميع ذلك موجبة لطهارة الشهيد.

الوضوء

و هو مستحب في نفسه فيصح الإتيان به قربة إلى اللّه تعالى و في الحديث عن إمامنا الرضا (ع): أمر بالوضوء و بدأ به قبل ليكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبار في مناجاته إياه مطيعاً له فيما أمره نقيا من الادناس و النجاسة. مع ما فيه من ذهاب الكسل و طرد النعاس و تزكية الفؤاد. و وجب ذلك على الوجه و اليدين و الرأس و الرجلين لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه و يظهر ما وجب فيه الوضوء. انه بوجهه يسجد و يخضع. و بيده يسأل و يرغب و يتبتل و يرهب و برأسه يستقبل في ركوعه و سجوده. و برجليه يقوم و يقعد و وجب الغسل على الوجه و اليدين و المسح على الرأس و الرجلين لأن العبادة العظمى إنما هي الركوع و السجود و هما إنما يكونان الركوع و السجود بالوجه و اليدين لا بالرأس و الرجلين. و إن الخلق لا يطيقون في كل وقت غسل الرأس و الرجلين يشتد ذلك عليهم في البرد و السفر و المرض. و غسل الوجه و اليدين أخف من غسل الرأس و الرجلين و إنما وضعت الفرائض على قدر اقل الناس طاقة من أهل الصحة ثمّ عم فيها القوي و الضعيف. و ان الرأس و الرجلين ليس هما في كل وقت باديين و ظاهرين كالوجه و اليدين لموضع العمامة و الخفين. و وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة و من النوم دون سائر الأشياء لأن الطرفين هما طريق النجاسة و ليس للإنسان طريق تصيبه النجاسة من نفسه إلا منهما فأمروا بالطهارة عند ما تصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم و أما النوم فان النائم إذا غلب عليه النوم استرخى و يفتح كل شي‌ء منه. و لم يأمروا بالغسل من هذه النجاسة كما أُمِروا بالغسل من الجنابة لأن هذا شي‌ء دائم غير ممكن للخلق الاغتسال منه مما يصيب ذلك و لا يكلف اللّه نفساً إلا وسعها و الجنابة ليس هي أمرا دائماً و انما هي شهوة يصيبها إذا أراد و يمكنه تعجيلها و تأخيرها للأيام. الحديث و التعرض للوضوء يقع في‌

مباحث ثلاثة

الأول في كيفيته الثاني في موجباته الثالث فيما يجب له.

33

المبحث الأول كيفية الوضوء و ما يعتبر فيها

النية

و لا بد في كيفية و كمية الوضوء من أمور (الأول منها) النية و لا يخرج العبد من عهدة التكليف بالوضوء بمجرد إتيانه بأفعاله بدونها بخلاف الطهارة الخبيثة فانها لا يعتبر في صحتها ذلك. و يكفي في تحققها أن يقصد المكلف في نفسه الإتيان بالوضوء بداعي التقرب إلى اللّه تعالى و إن كان غير ملتفت إلى ذلك تفصيلًا بل يجزيه انه لو سئل عن داعي عمله و الدافع له نحوه لأجاب بأنه التقرب إلى اللّه و يلزم فيها تعيين العمل. و يكفي فيه انه لو سئل عنه لأجاب بأنه الوضوء لا اللعب أو التنظيف و يلزم حصولها قبل الشروع في أفعال الوضوء بحيث تكون الأفعال قد وقعت عنها كما يلزم استدامتها إلى انتهاء الوضوء بحيث لا ينتقل في أثناء عمله إلى نية الخلاف أو التردد في العمل. و لو نوى الخلاف في الأثناء ثمّ ارتدع عن قصده قبل أن تفوته الموالاة فأتم الوضوء كان مجزياً له. و لا يجب في النية إخطارها في الذهن و لا إحضار صورة العمل فيه. كما لا يجب فيها قصد رفع الحدث أو استباحة الصلاة أو نحوها مما هو مشروط بالطهارة. و لا يجب نية الوجوب و لا الندب و لا نية وجههما و لا قصد الغاية التي من أجلها أمر بالوضوء. و لا يجب التلفظ بالنية و النطق بها. و لا يضر قصد ترجيح بعض أفراد الوضوء على بعض بعد إتيان اصل الوضوء بداعي القربة و امتثال الأمر فله أن يختار الوضوء بالماء المسخن و المكان الحار و الوقت الخاص و الكيفية الخاصة لاستلذاذه بها بعد قصده بنفس الوضوء التقرب إلى اللّه تعالى كما لا يضر لو قصد أثرا مباحاً مرتباً على الوضوء بقصد التقرب كقضاء حوائجه و طول عمره، و الحاصل أن هنا أقساماً ثلاثة (الأول) أن تكون الضمائم إلى قصد القربة مباحة كالتنظيف و التبريد و التسخين و له صور أربع (الأولى) أن يكون الداعي إلى اصل العمل هو التقرب و امتثال الأمر و لكن رجح بعض الأفراد على بعض لغايات و أغراض مباحة فيكون المقصود بالأصالة هو القربة و المقصود بالتبع هو خصوصية الفرد الذي اختاره المكلف و هذه الصورة لا إشكال في صحتها (الثانية) عكس ذلك بان يكون المقصود بالأصالة هو الغرض الدنيوي و القربة مقصودة بالتبع كأن يأتي بالوضوء للتنظيف ثمّ بقصد القربة تبعاً له و هذه لا إشكال في فسادها (الثالثة) أن يكون قاصداً لمجموعها ابتداء بحيث يكون كل منهما جزء علة حتى انه لو انفرد أحدهما على الآخر لم يقدم على العمل فان كانت الضميمة أتى بها بقصد القربة فلا إشكال في صحة العمل و إن لم يأتِ بها بقصد القربة فالأكثر على بطلان العمل و لكن الحق هو صحة العمل لانه أيضا قد حصل به القرب لله تعالى و هذا المقدار كافٍ في تحقق العبادية و لا دليل على وجوب تجرد النية عن الضمائم إذا لم تكن محرمة كما حققناه و بهذا صح زيارة الحسين (ع) لمن قصد الزيارة و التنزه و صح الحج الاستحبابي و التنزه و صح الحج الاستحبابي ممن يحج مرة ثانية بقصد التنزه أو التجارة مع القربة و إن كان قد وجهنا ذلك بتوجيه آخر و هو ان المقدمات و المكث يقصد بها ذلك دون نفس الزيارة و الحج (الرابعة) أن يكون كل منهما علة يترتب عليها الفعل لو فرض انتفاء الآخر بحيث لو لم يكن أحدهما لاقدم على العمل بداعي الآخر كما لو فرض ان بدنه قذر و عليه غسل الجنابة فان الأمر بالغسل مع تنظيف بدنه كل منهما علة لإتيان الغسل بحيث لو فرض عدم قذارة بدنه لأتى بالغسل من جهة الجنابة كما لو فرض عدم الجنابة لأتى بالغسل من جهة القذارة و الظاهر خلافا لبعضهم هو صحة العمل (القسم الثاني) و هو ما يكون الضمائم من قبيل‌

34

الأمور الراجحة شرعاً كتعليم الغير للوضوء و من هذا الباب قصد الإمام بإظهار تكبيرة الإحرام إعلام القوم و ضم الصائم إلى نية القربة بصومه قصد الحمية و ضم معطي الصدقة إلى قصد القربة إعطاء الغير لها و هذا أيضا يتصور فيه تلك الصور الأربع و الحكم فيها كالحكم في القسم الأول. (القسم الثالث) و هو ما تكون الضمائم من قبيل الأمور المحرمة كالرياء فانه قد ورد فيه (اتقوا اللّه في الرياء فانه الشرك بالله. ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء يا فاجر يا كافر يا غادر يا خاسر حبط عملك و بطل أجرك فلا خلاص لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له) و الحاصل انه لا ريب في إبطال الرياء للعمل إذا كان علة مستقلة أو جزء علة أو كان مع قصد القربة كل منهما علة لو لا الآخر كما لا ريب في صحة العبادة إذا لم يقصد شي‌ء من ذلك و لكن يسره أن رآه الناس مشتغلًا بهذه العبادة ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال (سألته عن الرجل يعمل الشي‌ء من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك قال لا بأس ما من أحد إلا و هو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك) كما لا ريب لو أتى ببعض أجزاء الوضوء رياءً ثمّ تداركه بأن أعاد ذلك الجزء بنية القربة لم يبطل الوضوء إذا لم يلزم فوات الموالاة.

غسل الوجه

(الثاني من الأمور) المعتبرة في الوضوء غسل الوجه و هو منتهى منابت الشعر في مقدم الرأس إلى الذقن طولًا و ما دارت عليه الوسطى و الإبهام عرضاً. و ما خرج عن ذلك ليس من الوجه المطلوب غسله نعم يغسل مقدار يسيرُ منه من باب المقدمة. و لا عبر بالانزع و الأصلع و الاغم و لا بطويل الأصابع و لا بقصيرها بل يرجع كل منهم إلى أمثاله في ذلك الوجه من مستوي الخلقة بمعنى يلاحظ ما يناسب الوجه من الأصابع حتى يكون بينهما نسبة كنسبة ما بينهما في مستوي الخلقة فيغسل ما يغسله. و يجب أن لا يكون حاجب على وجه يمنع من غسله فلو كان على شعر عينيه كحل له جرم أو على حاجبيه صبغ له جرم وجب إزالته. و لا يجب الفحص عن الحاجب بل مجرد احتمال عدمه كاف في صحة غسل وجهه نعم لو شك في حاجبية الموجود وجب تحصيل اليقين برفع حاجبيته كالسوار على المرأة و الخاتم في يد الإنسان. و يكفي في غسل الوجه الغسل من الأعلى بإجراء الماء عليه و لو بواسطة اليد مبتدئاً من منابت الشعر و منتهياً إلى طرف الذقن و لهذا جاز أن يغمس الوجه في الماء ناوياً غسله من الأعلى إلى الأسفل و ان لم يمر يده عليه. و لا يجب في غسل الوجه غسل النزعتين و هما البياضان المكتنفان بالناصية على الجبينين و هكذا لا يجب غسل الصدغين و لا بياض الأذنين و هو البياض الذي بين العذار و الأذن و لا يجب غسل فاضل اللحية عن الوجه فشعرها الخارج عن حد الوجه طولا أو عرضاً لا يجب غسله في الوضوء كما لا يجب تخليل ما أحاط به شعر اللحية من الوجه خفيفة كانت اللحية أو كثيفة و لا أهداب العين و لا الشارب و لا الحاجب و لا العنفقة بل يكفي غسل ظاهرها بإجراء الماء عليه و لا يجب ايصال الماء إلى ما تحتها، و هكذا لا يجب غسل الباطن عرفاً كباطن المنخرين و العينين و الشفتين.

غسل اليدين

(الثالث من الأمور) المعتبرة في الوضوء غسل اليدين و كل ما عد من أجزائهما و توابعهما كالإصبع الزائد و الشعر و اللحم الزائد و يجب أن يكون غسلهما من المرفقين إلى أطراف الأصابع مقدماً اليمنى على اليسرى كما هو المتعارف بين الناس فلو نكس أو لم يدخل‌

35

المرفق في الغسل أو قدم اليسرى أعاد الغسل الباطل لليد إذا لم تفت الموالاة و الا بطل وضوؤه و لا يجب غسل بواطن الأظافر و لا غسل غوامض الجروح و القروح و هكذا كل ما عد من البواطن فانه لا يجب غسله إلا إذا صارت من الظواهر و لو قطعت اليد مما دون المرفق وجب غسل الباقي من المرفق حتى الموضع الذي ظهر بالقطع و ان قطعت مما فوق المرفق سقط غسلها. و لو كان له يد زائدة وجب غسلها و يجب إزالة الحواجز المائعة لوصول الماء إلى بشرة اليد أو أظافرها فلا يصح الوضوء بالأصباغ التي لها جرم كالإصباغ المتعارفة في هذا اليوم للأظافر حيث أنها تمنع من وصول الماء لسطح الأظافر عند الوضوء نعم لا بأس بالإصباغ التي ليس لها جرم كلون الحناء و نحوها كما لا يضر طول الأظافر في صحة الوضوء إلا انه يجب غسلها تبعاً لليدين و لا يضر الوسخ الموجود بينها و بين الجلد إذا كان من البواطن و أما ما ينجمد من القيح أو الدواء على الجروح و القروح فان عد من الفضلات و الأوساخ لا من الأجزاء لليد و أمكن أزالتها وجب ان حجزت عن وصول الماء و لم يكن يصدق معها غسل البشرة و إلا فلا يجب و هكذا الأوساخ ان حجزت عن وصول الماء و لم يصدق معها غسل البشرة و أمكن إزالتها وجب و إلا فلا.

مسح الرأس

(الرابع من الأمور) المعتبرة في الوضوء مسح مقدم الرأس. و هو ربعه الملاصق للجبهة و لا يجزي غسله كما لا يجزي المسح على العمامة و القناع و غيرها من الحواجز و لو كانت رقيقة. و يكفي في المسح المذكور صدق مسماه عرفاً بأن يسمى في العرف مسحاً باليد على شي‌ء من مقدم الرأس من دون فرق بين الرجل و المرأة. و يجب أن يكون المسح بفضل ما بقي في اليد من ماء الوضوء و ان لم يكن الغسل بها كما لو غسل للوضوء وجهه و يديه بالغمس أو بالوقوف تحت الميزاب و يجب أيضاً أن يكون بالكف سواء كان براحتها أو بأصابعها و سواء كان باليمنى أو اليسرى و مع عدم الكف يمسح بما بقي بعد قطعها. و يصح المسح و لو كان على الرأس رطوبة أو بلل أو عرق أو غيرها من الأوساخ و الادهان إذا لم تمنع من صدق المسح عليه عرفاً على سبيل الحقيقة كما ان وجود الماء الكثير على اليد من الوضوء لا يمنع من المسح بها على الرأس. و يجوز مسح الرأس من الأعلى إلى قصاص الشعر أو بالعكس كما يجوز طولًا و عرضاً كما يجوز على بشرة مقدم الرأس و على الشعر النابت عليها و أما الشعر غير النابت عليها فلا يجزي المسح عليه و لو كان متدلياً عليها كما لا يجزي المسح على ما كان متدليا من الشعر على الجبهة و ان كان نابتا عليها و الميزان في المقام هو صدق المسح على مقدم الرأس.

مسح القدمين

(الخامس من الأمور) المعتبرة في الوضوء مسح ظاهر القدمين إلى الكعبين دون باطنهما و صفحتيهما ببقية نداوة الوضوء في الكفين. و الكعب هو العظم البارز في ظهر القدم و يسمى بقبة القدم و عليه يقع شراك النعل العربي غالباً. و حد المسح بحسب الطول من أطراف الأصابع إلى كعب القدم و بحسب العرض لا حد له بل يكفي مسماه. و يعتبر في المسح عدم الحائل من خف و غيره إلا للتقية أو الضرورة كثلج يخاف على رجليه منه. و شعر القدم ليس من الحائل فيصح المسح عليه و لا يجب تخليله و إيصال نداوة الوضوء إلى البشرة. كما يعتبر في المسح أيضا حصول تأثر القدم بنداوة اليد الماسحة و لا تضر كثرة النداوة فيها كما لا يضر‌

36

وجود الرطوبة في القدم إذا لم تكن مانعة من صدق المسح بنداوة الوضوء في اليد. و يجوز مسح القدمين منكوساً بان يمسح من الكعب إلى رءوس الأصابع كما يجوز مسحهما معا دفعة واحدة أو يقدم اليمنى على اليسرى أو اليسرى على اليمنى كما يجوز الاكتفاء بمسح يد واحدة لهما أو مسح اليمنى باليد اليمنى و اليسرى باليد اليسرى أو مسح اليمنى باليد اليسرى و اليسرى باليد اليمنى و إن قطع بعض موضع المسح و بقي بعضه وجب المسح على الباقي و إذا قطع موضع المسح بأجمعه سقط المسح عن القدم و لا يسقط الوضوء عن المكلف.

الترتيب

(السادس من الأمور) المعتبرة في الوضوء الترتيب في أفعال الوضوء فأول ما يبدأ بغسل الوجه و بعده اليد اليمنى و بعدها اليد اليسرى و بعدها بمسح مقدم الرأس و بعده يمسح ظاهر القدمين و لا يقدم بعضها على بعض فلو خالف بطل الوضوء و لو جهلًا أو نسياناً. نعم لو أتى بشي‌ء من أفعال الوضوء دون ما هو مقدم عليه أعاده مع ما هو مقدم عليه فلو غسل اليمنى دون أن يغسل الوجه غسل الوجه و أعاد غسل اليمنى و لو غسل اليسرى دون اليمنى غسل اليمنى و أعاد غسل اليسرى و هكذا الكلام فيما لو مسح الرجلين دون الرأس أعاد ما فعله بعد فعل ما هو مقدم عليه بل لو غسل الذراعين و مسح الرأس و الرجلين دون أن يغسل الوجه غسل الوجه و أعاد الجميع. و أما لو أتى بشي‌ء من أفعال الوضوء بعد ما هو متأخر عنها أعاد ما قدمه من الأفعال دون ما أخره منها كما لو أتى بغسل الوجه بعد أن غسل اليمنى فقط و لا يجب أن يعيد غسل الوجه و هكذا إذا بدأ بيساره قبل يمينه و مسح رأسه و رجليه ثمّ التفت إلى ذلك أعاد غسل يساره و مسح رأسه و رجليه دون أن يعيد غسل يمينه و على هذا فقس الباقي إلا انه لا بد فيما ذكرناه من بقاء الموالاة بين أفعال الوضوء إذ لو كانت الموالاة غير محفوظة كان اللازم إعادة الوضوء من الأول و لا فرق في جميع ما تقدم بالنسبة إلى مخالفة الترتيب بين العضو و بين بعضه فمن ترك شيئا من الوجه إلى أن غسل يمينه ثمّ التفت إلى ذلك أعاد غسل وجهه و يمينه. و قد عرفت فيما سبق أنه لا ترتيب بين مسح الرجلين فان شاء قدم اليمنى على اليسرى و إن شاء العكس و إن شاء مسحهما دفعة واحدة و هكذا لا ترتيب في أجزاء العضو و إنما المعتبر صدق الغسل له من الأعلى إلى الأسفل عرفاً.

الموالاة

(السابع من الأمور) المعتبرة في الوضوء الموالاة و هي وصل أفعال الوضوء بعضها ببعض بحيث لا يؤخر بعضها عن بعض إلى أن يجف ما تقدم عليه فإن فرّق في الأفعال و جف ما سبق أعاد الوضوء و ان لم يجف بنى عليه و أكمل وضوءه. و لو حصل الجفاف لا من جهة التأخير بل من جهة حرارة مزاجه أو الهواء اليابس أو حرارة المكان لم يبطل وضوؤه إذا كان بين الأفعال متابعة و اتصال عرفي. و الحاصل ان الموالاة تحصل بأحد أمرين أما بعدم الجفاف أو بالمتابعة و الاتصال العرفي الموجب لصدق وحدة العمل عند العرف فإذا حصل أحد هذين الأمرين فقد حصلت الموالاة المعتبرة في الوضوء. و الجفاف المبطل للوضوء هو جفاف جميع الأعضاء المتقدمة لا خصوص العضو الذي يليه ما هو فيه. و عليه فلا يبطل الوضوء تأخير غسل اليسرى إلى أن جفت اليمنى و لكن الوجه لم يجف كما لا يبطله جفاف بعض أجزاء الأعضاء السابقة كما لو جف بعض الوجه و اليمنى عند تأخيره لغسل اليسرى. و لا فرق في اعتبار الموالاة بين الغسل و المسح.

37

المباشرة

(الثامن من الأمور) المعتبرة في الوضوء المباشرة بأن يأتي بأفعال الوضوء بنفسه و لا يصح أن يتولاها عنه غيره فلا يصح أن يغسل وجهه أو يديه شخص آخر و لا أن يستعين بالغير في مسح رأسه أو رجليه. و يجوز أن يتولى مقدمات الأفعال غيره كان يسخن له الماء و يقدم له الإناء أو يصب على كفه الماء ليغسل به وجهه ففي صحيحة أبي عبيدة (وضأت أبا جعفر (ع) و قد بال و استنجى ثمّ صببت عليه كفاً فغسل به وجهه و كفّاً غسل به ذراعه الأيسر ثمّ مسح بفضل الندى رأسه و رجليه) هذا كله في صورة الاختيار و أما في صورة الاضطرار فيتولى الغير غسل وجه المتوضئ و يديه و في المسح يأخذ يد المتوضئ و يمسح بها رأسه و رجليه و يكون الغير بمنزلة الآلة التي يستعان بها على ذلك فيجوز أن يكون صبيا أو مجنوناً أو حيواناً معلمًا. و النية تكون على المتوضئ لا على الغير الذي تولى وضوءه و المراد بالاضطرار في المقام ما يعم الحرج و العسر فلو تمكن من غمس العضو في الماء لم يجز تولية غسله و لو توقف على أجرة وجب دفعها إلا مع الإجحاف بماله فانه من الحرج.

صفات الماء المستعمل في الوضوء

(التاسع من الأمور) المعتبرة في الوضوء أن يكون الماء المتوضأ به جامعاً للصفات الآتية (الأولى) الإطلاق فلا يصح الوضوء بالماء المضاف كماء الورد و غيره و ما روي عن أبي الحسن (ع) من نفي البأس بالتوضؤ بماء الورد. لعله (بكسر الواو) أو المراد به الماء الموضوع فيه الأزهار بحيث لم يخرج عن الإطلاق فانه لا إشكال في جواز الوضوء به (الثانية) الطهارة فلا يصح الوضوء بالماء المتنجس (الثالثة) أن لا يكون مستعملا في رفع الخبث حتى المستعمل في الاستنجاء فانه لا يصح الوضوء به. و لا فرق في ذلك بأجمعه بين صورة الانحصار و بين عدمه و لا بين صورة الجهل و السهو و النسيان و العمد فإن الوضوء في ذلك كله باطل إذا كان الماء أقل من كر و إلا فلا إذا لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة (الرابعة) إباحة استعمال الماء فلا يصح بالماء المغصوب أو الماء الذي كان استعماله مضراً به ضرراً محرماً أو كان يخاف الضرر المذكور باستعماله أو كان الماء في آنية مغصوبة أو آنية ذهب أو فضة لا يمكن التوضؤ منها إلا بارتماس الأعضاء فيها على وجه يتحقق بفعله فيها غسل العضو و التصرف فيها فان الوضوء في جميع ذلك باطل إلا إذا كان ناسياً أو جاهلًا بموضوع الغصب و الضرر أو بحكمه و هو الحرمة عن قصور لا أن يكون جهله بالحكم عن تقصير. و أما مع الحرج في استعمال الماء أو لزوم استعماله لأمر محرم أو مزاحمة استعماله بواجب آخر فالوضوء صحيح و إن كان الفرض هو التيمم و قد حكي الإجماع على وجوب التيمم في صورة ما لو كان على بدنه نجاسة و معه ماء يكفيه لإزالتها أو للوضوء و لا يكفي لمجموعها. و يكفي في إحراز رضا المالك الإذن السابق منه أو الفحوى أو شاهد حال قطعي و لا يلزم الرضا الفعلي بل يكفي العلم بأنه لو التفت المالك إلى تصرفه بالماء لرضي به. و يجوز الوضوء و الغسل من الأنهار الكبار و إن لم يعلم رضا المالكين لها إلا إذا منعوا من ذلك. و لا فرق في اعتبار الإباحة في استعمال الماء بين صورة الانحصار و عدمه.

إباحة المكان

(العاشر من الأمور) المعتبرة في الوضوء إباحة المكان بمعنى الفراغ الشاغل للجسم حتى الهواء و الفضاء المحيط به من فوقه فلو كان هذا مباحاً له صح وضوؤه و إن كان‌

38

الموضع الذي يستقر عليه مغصوباً و من هنا يتضح صحة الوضوء على البساط المغصوب المفروش في ملكه أو الوضوء بنعال مغصوب مع كون الفراغ الذي شغله مباحاً. و الأراضي الوسيعة يجوز الوضوء فيها و ان لم يعلم رضى مالكيها. و لا يبطل الوضوء أو الصلاة وقوعهما تحت الخيمة المغصوبة لأنه ليس تصرفاً فيها و ان كان الجلوس تحتها للوقاية من الحر أو البرد. و هكذا الاستضاءة بالضوء المغصوب.

سعة الوقت

(الحادي عشر من الأمور) المعتبرة في الوضوء كون الوقت متسعاً للوضوء و الصلاة إذا كان إتيانه لأجل تلك الصلاة كأن يقصد امتثال الأمر المتعلق بالوضوء من حيث الأمر بهذه الصلاة أو لاستباحة هذه الصلاة فلو قصد ذلك بوضوئه مع ضيق الوقت بطل وضوؤه. نعم لو توضأ و الحال هذه لغاية أخرى أو بقصد القربة صح وضوؤه.

وضوء ذوي الأعذار

و قد يسمى بالوضوء الاضطراري و هو على أقسام (منها) وضوء التقية و كيفيته أن يكون على طبق مذهب المتقى منه (و منها) وضوء المسلوس و المبطون و سيجي‌ء إن شاء اللّه الكلام فيه (و منها) وضوء الاقطع و هو من قطعت بعض أعضاء وضوئه أو أحد أعضاء وضوئه فانه يسقط الحكم بالنسبة للمقطوع من العضو (و منها) وضوء ذي الجبيرة أو مطلق الحاجب و كيفيته ان من كان على أحد أعضاء وضوئه جبيرة: و هي الألواح و نحوها مما يشد على العظام المكسورة فان أمكنه معها غسل البشرة في مواضع الغسل و مسحها في مواضع المسح بلا مشقة من ضرر أو خوفه أو ألم أو عسر وجب ذلك. و إن لم يمكنه ذلك فان كانت الجبيرة على العضو الذي يجب مسحه في الوضوء كالرجلين و لم يكن مقدار منه خالياً عنها بحيث يصح المسح عليه وحده وجب المسح عليها و لا يصح تكرار الماء أو وضع المحل في إناء الماء أو صبه عليه لإيصال الماء إلى البشرة بل اللازم هو مسح الجبيرة في موضع المسح إلا إذا كان في موضع المسح مقدار من الواجب بلا جبيرة فانه يجب المسح عليه بمقدار الواجب كما لو كانت الجبيرة على إبهام رجله فانه يمسح من أطراف باقي أصابعه بالمقدار الواجب مسحه. و إن كانت الجبيرة على العضو الذي يجب غسله فان أمكن بلا مشقة ايصال الماء إلى البشرة بوضع موضع الجبر من العضو في الماء حتى يصل إلى الجلد وجب ذلك و إلا أجزأ المسح على الجبيرة ففي الحديث عن أمير المؤمنين (ع) قال سألت رسول اللّه (ص) عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها و كيف يغتسل إذا أجنب قال يجزيه المسح بالماء عليها في الجنابة و الوضوء قلت فان كان في برد يخاف على نفسه إذا افرغ الماء على جسده فقرأ رسول اللّه (ص): لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً. و يشترط طهارة الجبيرة و عدم غصبيتها و لا يضر نجاسة باطنها أو غصبيته و لو كان ظاهرها نجساً طهرها أو جعل بدلها أو وضع عليها خرقة طاهرة على وجه تعد عرفاً من أجزاء الجبيرة فانه أيضا نحو تطهير للجبيرة ان لم يكن في ذلك مشقة و حرج عليه و إلا كان حكمه التيمم. و لو كانت غصباً و لا يمكنه استرضاء المالك و لا إبدالها و لا وضع خرقة عليها تعد جزءا من الجبيرة انتقل حكمه إلى التيمم و لا بد من استيعابها بالمسح إن كانت في الأعضاء التي تغسل و لا يجب استيعاب الثقوب و الخيوط و الطرائف. و يكفي المسح بامرار اليد عليها‌

39

بأجمعها حال كون اليد مبتلة مرة واحدة من غير أعمال جد و جهد. و لا يلزم المسح عليها بنداوة الوضوء إذا كانت في مواضع الغسل بل إن شاء بها أو شاء بغيرها. و أما إذا كانت في مواضع المسح وجب أن يكون المسح عليها بنداوة الوضوء لا بماء جديد. و هكذا لا يلزم غسل الخط المحيط بالجبيرة إذا كان فيه مشقة و حرج كما لا يلزم مسحه. و لو زادت الجبيرة عن موضع العلة بالمقدار المتعارف كفى المسح عليها. و لو زادت على المتعارف فان أمكن بلا مشقة غسل البشرة في مواضع الغسل أو مسحها في مواضع المسح فهو المتعين و إلا أجزأ المسح عليها. و لا فرق فيما ذكرنا بين كون الجبيرة على تمام العضو أو على بعضه و لا بين كونها على جميع أعضاء الوضوء أو بعضها فان حكمه المسح عليها و لا ينتقل فرضه إلى التيمم كما لا فرق فيما ذكرنا بين الوضوءات الواجبة و بين المستحبة كما لا فرق فيما ذكرنا بين الوضوء و الغسل و التيمم فإذا كان عليه الغسل أو التيمم مسح على جبائره كما في الوضوء كما يدل على ذلك إطلاق رواية كليب الاسدي عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة قال إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل. و يلحق بالجبيرة مطلق الحاجب الذي وضع على البدن للعلاج و يتعذر إزالته أو يتعسر كالمرارة التي توضع على الإصبع أو اللطوخ أو الضماد أو الخرق التي يضمد بها الجروح أو غير ذلك مما يجعل على الكسر أو الجرح أو القرحة أو الحريق أو الوجع أو الرض أو الخلع و هكذا يلحق بها كل ما التصق بالجرح و نحوه من خرقة أو قطن أو كاغد أو نحوها بل يلحق بالجبيرة كل ما التصق بأعضاء الوضوء و لو لغير العلاج كالقير إذا التصق بأعضاء الوضوء و تعسر إزالته. و لو شق عليه مسح الجبيرة أو الحاجب أو بعض مواضع الوضوء لنجاسته أو تضرره بالماء أو خوفه أو غير ذلك كما في صورة وجع العين وجب عليه التيمم و لا يجوز له الاقتصار على غسل ما حول العضو و أما الجروح و القروح و الكسور بل كل داء في العضو كان مكشوفاً ليس عليه جبيرة و لا غيرها فان كان من الغوامض الملحقة بالبواطن غسل ما حولها في موضع الغسل و مسح حولها على مواضع المسح إن لم يكن في ذلك مشقة عليه و الا كان فرضه التيمم. و إن لم يكن من الغوامض و كان يخاف الضرر أو كان عليه حرج و مشقة في إصابة الماء له كان فرضه التيمم.

المبحث الثاني في موجبات الوضوء

وفد يعبر عنها بأسباب الوضوء و قد يعبر عنها بنواقضه و قد يعبر عنها بالإحداث الموجبة له و مرادهم بها ما يوجب الوضوء وحده لا غير و أما الذي يوجبه مع غيره فسيجي‌ء الكلام فبها في مبحث الاغسال و هي خمسة أمور:

(أحدها) خروج البول من الإنسان سواء خرج من الموضع المعتاد له أم لا و سواء انسد الموضع الطبيعي له أو لا و سواء قل أو كثر و سواء خرج منه بنفسه أو بالواسطة كما إذا أخرجته الآلة و لو خرج من القبل شي‌ء غير البول كالمذي و الوذي و الودي و الحصى و القيح و الدم عدا الدماء الثلاثة فان لها حكماً خاصاً لم يوجب الوضوء إلا إذا كان مستصحباً للبول فانه يوجب الوضوء لا بنفسه بل بواسطة ما استصحبه من البول و هكذا لو خرج بول الأغلف من الغلفة دون الحشفة لم يوجب الوضوء. و لو شك في خروج البول منه بنى على عدمه إلا إذا خرج منه بلل مشتبه قبل الاستبراء فانه موجب للوضوء.

(ثانيها) خروج الغائط من الإنسان مطلقاً سواء كان من الموضع المعتاد أو من غيره انسد الموضع المعتاد أم لا و لا فرق بين أن يكون خروجه بنفسه أو بالواسطة فلو ادخل خشبة‌

40

في استه فاخرج بها شيئاً من الغائط انتقض وضوؤه نعم لا بد أن ينفصل الغائط من مخرجه دون ما إذا برز و هو متصل بالمقعد غير منفصل عنها كما يتفق في بعض أهل البواسير حيث قد تخرج مقعدتهم و ربما كان فيها شي‌ء من الغائط فيعود إلى الباطن بعودها و أما لو تدلى عن المقعدة ثمّ أرجعه بطل وضوؤه لصدق الخروج عليه بخلاف الأول و الميزان هو صدق خروج الغائط و مع الشك فالأصل عدمه. و لو خرج من دبر الإنسان حصى أو حباً أو نوى أو دماً أو دوداً أو ماء الاحتقان أو نحوها لم يبطل وضوؤه لخروج ذلك الشي‌ء من الغائط معها و أما إذا خرجت و عليها رطوبة محضة ليست من الغائط فلا يبطل وضوؤه و مع الشك بنى على العدم.

(ثالثها) خروج الريح المعروف من الإنسان فلو ادخل في الدبر ريحاً ثمّ خرج لم يوجب الوضوء و لا فرق في إيجابه للوضوء بين خروجه من الدبر أو من غيره و سواء كان له صوت أو رائحة أو لا. و لو شك في خروجه بنى على عدمه.

(رابعها) كلما أوجب زوال العقل كالنوم و الجنون و الإغماء و السكر فإذا أوجبت هذه الأمور ذهاب العقل فقد أوجبت الوضوء و لا فرق في إيجاب ذلك للوضوء بين عروضه للشخص قاعداً أو قائماً أو على أي حال كائنا. و مع الشك في عروضه بنى على عدمه و لذا لا توجب الخفقة أو الخفقتان الوضوء ما لم يتيقن بالنوم و هكذا لا يوجبه الذهول أو الفرح أو الغفلة أو البهت ما لم تبلغ حد ذهاب العقل.

(خامسها) الاستحاضة و سيجي‌ء إن شاء اللّه تفصيل الكلام فيها في موجبات الغسل و لا يوجب الوضوء وحده ما عدا هذه الخمسة فلا يوجبه القي و لا النخامة و لا الرعاف و لا تقليم ظفر و لا حلق شعر و لا القيلة و لا الملاعبة و لا مس القبل و لا مس الدبر و لا مس الكلب و لا أكل ما مسته النار و لا إنشاد الشعر الكثير الباطل و لا كلام الفحش و لا الكذب و لا الغيبة و لا قتل البق أو البرغوث أو الذباب و لا نتف الإبط و لا مصافحة الكافر و لا نسيان الاستنجاء و لا الضحك في الصلاة و لا التحليل إذا أدمى و ان كان في بعضها يستحب الوضوء.

اجتماع موجبات الوضوء

و لو اجتمع على المكلف موجبات الوضوء يجزيه وضوء واحد سواء كانت متحدة النوع كأن نام عدة مرات أو بال عدة مرات أو مختلفة النوع كأن نام وبال و تغوط و سواء حصلت منه دفعة واحدة كأن بال و تغوط في زمان واحد أو تدريجاً فانه في جميع الحالات يكفيه وضوء واحد ينوي به القربى إلى اللّه تعالى و لا يتعدد الوضوء بتعددها.

المبحث الثالث في ما يجب له الوضوء

و المراد به هو ما كان الوضوء شرطاً لصحته شرعاً أو شرطاً لجوازه شرعاً و هو أمور أربعة:

(الأول) الصلاة فان الطهارة شرط فيها سواء كانت يومية أو غيرها فريضة أو نافلة تماماً أو قصراً قضاء أو أداء نعم لا يلزم الوضوء في الصلاة على الجنائز و لا في سجدتي السهو و لا في سجود التلاوة و لا في سجود الشكر و يلحق بالصلاة أجزاؤها المنسية فيجب لها الوضوء كما يجب للصلاة ففي الصحيح يقضي ذلك بعينه. و في (موثقة الساباطي) في الرجل ينسى سجدة فذكرها بعد ما قام و ركع قال (ع) يمضي في صلاته و لا يسجد حتى يسلم فإذا سلم سجد مثل ما فاته.

41

(الثاني) الطواف الذي هو فريضة فانه يعتبر في صحته الطهارة دون المندوب ففي صحيح محمد بن مسلم قال أحدهما (ع) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور قال (ع) يتوضأ و يعيد طوافه و ان كان تطوعاً توضأ و صلى ركعتين.

(الثالث) مس كتابة القرآن الشريف فانه لا يجوز مسها الا للمطهرين سواء كانت مجتمعة أو متفرقة و سواء كتبت بالحروف العربية أو غيرها من الحروف كالسريانية و الكوفية و سواء كانت على القراطيس أو على غيرها من الصخور و الدراهم و الدنانير و نحوها. و يجوز للصبيان و المجانين مس كتابة القرآن بلا طهارة كما يجوز كذلك مس تفسيره و كتابة ترجمته بلغة أخرى كما يجوز أيضا مس الكلمات المشتركة بين القرآن الشريف و غيره إذا كتبت لا بقصد القرآن و إلا حرم مسها بدون طهارة. و أما باقي الكتب المنزلة كالتوراة و الإنجيل فيجوز مسها.

(الرابع) الإقامة للصلاة فانه يشترط فيها الطهارة فلا تصح بدونها دون الأذان فانه يصح من المحدث و لا بد ان نلحق بمباحث الوضوء فوائد تتميماً للحاجة و إليك ببيانها:

ما يستحب في الوضوء

ان ما يستحب إتيانه في الوضوء أمور كثيرة من جملتها التسمية عند وضع اليد في الماء أو صبه عليها و المضمضة و الاستياك بأي شي‌ء كان و لو بالإصبع و الاستنشاق ثلاثاً و قراءة الأدعية المأثورة و ان يبدأ الرجل بظاهر الذراع و المرأة بباطنه و قراءة سورة القدر.

ما يستحب له الوضوء

ان الوضوء مستحب بنفسه فيصح الإتيان به قربة إلى اللّه تعالى من دون توصل لغاية من الغايات. نعم يتأكد استحبابه إذا أتى به لغاية من غاياته و هي كثيرة و منها دخول المساجد و صلاة الأموات و سجود الشكر و النوم و ورود المسافر على أهله و دخول الزوج على الزوجة أو الزوجة على الزوج و مقاربة الحامل و الكون على الطهارة و أكل الجنب و شربه.

ما يكره في الوضوء

من جملتها الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة و من الآنية المفضضة أو التي فيها التماثيل و بماء البئر إذا وقعت فيه نجاسة و لم ينزح المقدم منه و قد ورد النهي عن الوضوء بالماء الذي تسخنه الشمس معللًا ذلك بأنه يورث البرص كما قد ورد النهي عن الوضوء بالماء الآجن أي الذي قد تغير لونه و طعمه.

ما يكره له الوضوء

و المراد بالكراهة هي الكراهة التي توجد في سائر العبادات و الوضوء الذي يؤتى به بقصد استباحة الأمور المكروهة كالوضوء الذي جي‌ء به لاستباحة الصلاة المكروهة فانه إذا أتى به لذلك كان الوضوء مكروهاً بكراهتها.

ما يحرم في الوضوء

قد تقدم بعض ما يحرم في الوضوء أو أتى به بقصد المشروعية و منه الغسلة الثالثة فقد ورد انها بدعة فيأثم الآتي بها لو أتى بها بقصد المشروعية أما لو لم يقصد بها المشروعية فلا أثم عليه و لكنه يبطل وضوءه لو مسح بمائها لأنه ليس ببلة الوضوء. و هكذا الكلام في تكرار‌

42

المسح إلا انه لو كرره لم يبطل وضوؤه لصدق المسح ببلة ماء الوضوء نعم لا بأس بصب الماء على مواضع الغسل ثلاثا أو اكثر لأجل تحقق الغسل أو تكرار المسح احتياطاً.

ما يحرم له الوضوء

و هو كل ما قصد به استباحة أمر لم يجعله الشارع لذلك كما لو قصد بوضوئه استباحة الصلاة التي كان وقتها مضيقاً بحيث لا يسع الوقت لها مع الوضوء. و منه ما لو قصد بالوضوء امرأً محرماً كمن قصد بوضوئه الرياء المحرم أو توضأ لاستباحة لعب القمار.

أحكام الوضوء

يجوز الاكتفاء بالوضوء الواحد لغايات متعددة بأن يصلي به صلاة الواجبة و المندوبة و يمس كتابة القرآن و غير ذلك من الغابات التي يكون واجباً لها أو مستحباً و لا يشترط في ترتبها عليه أن يلاحظ علية كل غاية له و التوصل به إليها لا تفصيلا و لا إجمالًا بل لو قصد واحدة ترتب الباقي عليه كما لو قصد بوضوئه دخول المسجد أو مس القرآن فانه يصح له بهذا الوضوء ان يقيم و يصلي و يطوف و يدخل على زوجته بل لو قصد به غاية خاصة ثمّ عدل عن إيقاعها صح أن يترتب الباقي عليه فلو قصد بوضوئه مس كتابة القرآن ثمّ بعد الوضوء عدل عنها صح له الدخول في الصلاة و الطواف و المساجد و غير ذلك من الغايات نعم في صورة النذر للوضوء لغاية خاصة يجب في سقوط النذر أن يأتي بالوضوء لتلك الغاية فلو نذر أن يتوضأ لقراءة القرآن وجب في إسقاط هذا النذر الإتيان بالوضوء لقراءة القرآن لان المنذور كان هو ذلك و يترتب عليه باقي الغايات و بهذا ظهر أن الوضوء بنية التجديد أو الاحتياط إذا انكشف فساد الوضوء الأول يباح به جميع الغايات كما ظهر ان الوضوء إذا كان واجبا لدخول وقت الصلاة و توضأ لغاية من الغايات المندوبة يكون وضوؤه صحيحاً و هكذا لو توضأ قبل الوقت قاصداً القربة لله تعالى أو أحد غايات الوضوء ثمّ دخل الوقت يكون وضوؤه صحيحاً و كذا لو توضأ بنية الندب ثمّ دخل الوقت و نوى الوجوب ببقية الأجزاء صح وضوؤه نعم وضوء الحائض للذكر و وضوء الجنب للنوم و الجماع و الأكل و الشرب و وضوء ماس الميت لجماع أهله لا يستباح به الغايات التي يمنع منها الحيض و الجنابة و مس الميت كالصلاة و مس كتابة القرآن إلا انه لو انكشف ان كل واحد منهم ليس بجنب و لا بماس للميت و لا بحائض و إنما كان محدثاً بالحدث الأصغر يكون وضوؤه يباح به جميع الغايات و لا يلزم عليه إعادته لدخول الصلاة و مس الكتابة و الطواف و نحوها.

الشكوك في الوضوء

و في حكمها الظن غير المعتبر شرعاً والوهم أما الظن المعتبر شرعا فهو في حكم اليقين و هي على أقسام:

(منها) الشك في الطهارة من الوضوء من جهة احتمال وقوع الحدث بعدها كأن شك بعد ما توضأ في انه نام أو خرج منه ريح أو بول أو نحو ذلك من موجبات الوضوء أم لا و حكمه يبني على بقاء الطهارة. نعم لو كان ظنه بالحدث من الظنون المعتبرة أو كان شكه في بقاء الطهارة من جهة خروج رطوبة مشتبه بالبول و لم يكن مستبرءا من البول بنى على الحدث‌

(و منها) الشك في الطهارة بعد اليقين بالحدث أو الظن المعتبر بالحدث أو الشك في الطهارة و الحدث دون أن يعلم أيهما اسبق و لم يعلم تأريخ حدوث أحدهما أو علم تأريخ الحدث وجب عليه التطهير لما كانت الطهارة شرطاً له لاستصحاب الحدث في الأول و الثالث‌

43

و الرجوع لقاعدة الاشتغال في الثاني بعد تعارض الاستصحابين فيه لو كانا جاريين. نعم لو علم تاريخ حدوث الوضوء بنى على الطهارة.

(و منها) الشك في فعل من أفعال الوضوء و قد تجاوز محله و هو في حال الوضوء و مقتضاه الإتيان بما شك فيه ثمّ بما بعده فلو شك في غسل وجهه و هو في حال غسل اليسرى غسل وجهه ثمّ يده اليمنى ثمّ اليسرى و يتم وضوؤه. و أما لو شك في شرط من شرائط الوضوء بعد تجاوز محله و هو في حال الوضوء فيمضي في وضوئه و لا يعتني بشكه فلو شك عند غسل اليسرى في الموالاة بين غسل الوجه و بين اليد اليمنى أو الترتيب بينهما أو شك في النية بقاء عند فعلها فلا يعتني بشكه و مضى في وضوئه و هكذا إذا شك في طهارة العضو أو الماء أو إضافته بعد انتقاله للعضو الآخر لا يعتني بشكه بالنسبة لما تقدم من الأفعال و أما بالنسبة إلى ما يأتي من الأفعال فيجب عليه إحراز طهارة العضو و الماء و عدم إضافته أما باليقين أو بالظن المعتبر أو بالأصل و بهذا يجمع بين صحيحة زرارة و موثقة ابن أبي يعفور بجعل الأولى مخصصة للثانية.

(و منها) الشك في حدوث شي‌ء من نواقض الوضوء كالنوم و الريح فانه قد تقدم لا يعتني بشكه لو كان بعد الوضوء و هكذا لا يعتني بشكه فيها لو كان في أثناء الوضوء.

(و منها) الشك في شي‌ء من أفعال الوضوء سواء كان من أجزائه أو شرائطه بعد الفراغ من الوضوء فانه لا يعتني بشكه و يبني على صحة وضوءه سواء تبدل وضعه أم لا فلو توضأ و هو جالس و شك في الوضوء بعد أن فرغ منه قبل أن يتحرك من محله فلا يعتني بشكه لأنه قد فرغ من حال التوضي و دخل في حال غيرها. و لو شك في أحد أفعال الوضوء و غفل عن كونه شاكاً فيه حتى فرغ من الوضوء أعاد وضوءه أما لو شك فيه ثمّ بعد الفراغ شك في انه أتى بالمشكوك في محله أم لا لم يعد وضوءه و لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون شكه في الفراغ من دون سبب سابق أو نشأ من سبب سابق مقارن للفعل بحيث لو كان ملتفتاً إليه حال الفعل لكان شاكاً فيه كما لو قطع بأنه لم يحرك خاتمه عند غسل يده للوضوء بعد الفراغ و لكنه احتمل وصول الماء للبشرة التي تحته أو التفت بعد الفراغ إلى وجود شي‌ء مشكوك الحاجبية فان وضوءه صحيح و لا يجب عليه إعادته. و منه يظهر انه لو كان على أحد أعضاء وضوئه نجاسة و بعد الوضوء شك في انه طهره و توضأ أم لا بنى على صحة وضوئه و بقاء نجاسة العضو فيطهر كل ما لاقاه برطوبة أو لاقاها الماء الذي غسل موضع النجاسة به. و هكذا لو علم بنجاسة الماء ثمّ بعد وضوئه منه شك في انه طهر بالاتصال بالكر و نحوه ثمّ توضأ منه أم لا بنى على صحة وضوئه و نجاسة الماء فيغسل كل ما لاقاه ذلك الماء و يجري هذا الحكم في وضوء ذوي الأعذار أيضا فلو شك في مسح الجبيرة بعد فراغه من الوضوء كان وضوؤه صحيحا و لا يجب عليه إعادته. (و منها) شك من كثر شكه في الوضوء فانه لا يعتني بشكه سواء تعلق شكه في الأجزاء أو الشرائط أو الموانع و سواء كان حال الإتيان بالوضوء أو بعد الفراغ من الوضوء و سواء كان حال اشتغال بالمشكوك فيه أو بعد تجاوز محله فانه في جميع هذه الحالات لا يعتني بشكه أصلا إذ يرجع على التحقيق للوسوسة التي طالما عبثت بالعقول و أفسدت الأفكار و المعتقدات و هي و ان كانت قد تنشا من ضعف المعدة تارة و من ضعف الأعصاب أخرى إلا أنها قد يجعلها الشيطان وسيلة لذهاب الإيمان من معدنه و تحليق طائره عن و كره و قد ذكر لها الأطباء أنواعا من العلاجات إلا أن علاجها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فقد قال اللّه تعالى في‌

44

محكم كتابه: وَ إِمّٰا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطٰانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. و قد روي عن الصادق (ع) أن النبي (ص) قال لمن شكا إليه كثرة الوسوسة حتى لا يعقل ما صلى من زيادة أو نقصان:

إذا دخلت في صلاتك فاطعن فخذك اليسرى بإصبعك الأيمن المسبحة ثمّ قل بسم اللّه و بالله توكلت على اللّه أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فانك تطرده عنك

. و في رواية أخرى إذا أحسست به فتعوذ بالله منه و اتفل على يسارك ثلاثاً و عن الصادق (ع) مر بيدك على صدرك و قل بسم اللّه و بالله محمد رسول اللّه و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم امسح عني ما أحذر يقول ذلك ثلاثا بعد أن يمر يده على بطنه فانه تعالى يذهب الوسوسة. و عن ابن عباس انه شكا إليه بعضهم الوسوسة و قال إذا وجدت في قلبك شيئاً فقل هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شي‌ء عليم.

مبحث الغسل

الغسل بضم الغين و سكون السين اسم مصدر و بفتحها مصدر (غَسَلَ يَغسِل) إذا طهر الشي‌ء بالماء و أزال وسخه، و الفرق بين المصدر و اسمه ان اسم المصدر هو الدال على نفس الحدث مع عدم نسبته لفاعله فهو يدل على نفس الماهية في حد ذاتها بقطع النظر عن صدورها عن الفاعل. و المصدر هو الدال على الحدث باعتبار صدوره عن فاعله و انتسابه إليه. و في عرف الشرع أو المتشرعة نقل (الغسل) بضم الغين إلى أفعال مخصوصة بشرائط مخصوصة فلا يسمى عندهم غسل اليد بالغسل (بالضم) و انما يسمى بالغسل بفتحها.

فائدة الغسل

اثبت العلم ان لغسل البدن بالماء فوائد جليلة و منافع عظيمة فهو ينشط به الدورة الدموية. و تقوى به القوى الجسدية و العقلية. و يزيد الشهوة للطعام و تحسن به عملية الهضم و التنفس للمسام و يزيل الإفرازات الجلدية كالعرق و المواد الدهنية التي يكون ببقائها تلتصق الأقذار بالجسد و يتمركز الغبار على الجلد و ينسج هباء الألبسة على البشرة و لو لا أزالتها لكانت حياة الإنسان عرضة لأهم الأخطار و الإضرار لما يحدث بسبب بقائها من قشور جلدية تمنع من إفراز العرق من البدن و تحجب من تنفس المسام في الجسد.

و قد دلت التجارب العلمية ان الجلد إذا طلي بمادة تمنع من خروج إفرازاته و انسدت بها مسامه مات الإنسان كما يموت إذا منع منه الهواء فان الجلد يقوم بمساعدة الرئتين في التنفس إذا لم تنسد مسامه أضف إلى ذلك ما ينتج من بقاء الأوساخ على الجلد من التخديش و الحك و الالتهابات و البثور و الروائح الكريهة باختمار الأوساخ فيه كما أثبتت التجربة ان الغسل يخفف درجة الحرارة في الأبدان و تقوى به الأعصاب في الأجسام إلى غير ذلك من آثار الاغسال العظيمة و محاسنها الجليلة و لذا قد أوجبه الشارع الأعظم في عدة مواطن و ندب إليه في كثير من المواضع، و إليك الكلام فيها و اللّه الموفق للصواب.

الغسل الواجب

الغسل مستحب بنفسه فيصح أن يأتي به قربة إلى اللّه تعالى و لكنه قد يجب على الحي نفسه بأسباب ستة: الجنابة و الحيض و بعض أقسام الاستحاضة و النفاس و مس الأموات بعد بردهم بالموت و قبل تطهيرهم بالغسل و النذر كأن نذر الغسل للجمعة أو للعيدين و نحو ذلك‌

45

و يجب على الحي لغيره كغسل الأموات و يتأكد استحبابه في موارد كثيرة سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى الإشارة إليها.

غسل الجنابة

الجنابة بفتح الجيم لغة البعد و نقلت في عرف الشرع أو المتشرعة إلى نزول المني أو ما بحكمه كإدخال الحشفة في الفرج بلا إنزال من باب نقل اسم السبب للمسبب لانه بهما يحصل البعد عن العبادة و المراد في السنة الفقهاء برفع الجنابة هو رفع أثرها و هو البعد المذكور الحاصل بسببها.

[تحصل الجنابة بأمرين]

الأمر الأول الموجب للجنابة

ثمّ ان الجنابة تحصل عند الشرع بأمرين (أحدهما) نزول المني من الرجل إلى خارج البدن سواء كان من الموضع الذي يعتاد خروجه منه أو من غيره و سواء كان بالوطي أو بغيره و سواء كان قليلا أو كثيراً و سواء كان بالاختيار أو بدونه و سواء كان عند النوم أو بدونه و سواء كان مع الشهوة و الدفق و الفتور أو بدونها و في حكمه البلل المشتبه الخارج بعد غسل الجنابة مع عدم الاستبراء بالبول فلو خرج مني الرجل من غيره كما لو خرج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها لم يجب عليها الغسل و انما يجب عليها التطهير للموضع الذي أصابه. و هكذا لو تحرك المني من محله و لم يخرج لم يجب الغسل و أما المرأة لو أمنت فالظاهر استحباب الغسل عليها مؤكداً و تطهر ما أصابه منها.

الشك في الجنابة

إذا شك الإنسان في جنابته لم يجب عليه الغسل و لا يحكم بجنابته كما لو رأى المني على ثوبه أو فراشه و نحو ذلك و احتمل انه من غيره أو من جنابة سابقة قد اغتسل لها أو احتمل انه جامع و لم يغتسل أو رأى شيئا على بدنه أو ما يخصه و احتمل انه ليس بمني فانه في جميع ذلك لا يجب عليه الغسل و لا يحكم بجنابته و كذا لو احتمل بأنه جامع و أمنى ثمّ استيقظ و لم يرَ شيئا على بدنه فانه ليس عليه الغسل و لا يحكم بجنابته و لو رأى المني على بدنه و قطع بأنه خارج منه و لكنه شك في انه من جنابة سابقة على غسله باقية بعد غسله أو أنها جنابة جديدة وجب عليه الغسل للجنابة لانه يعلم إجمالا أما بفساد غسله من الجنابة السابقة أو وجوب غسل جديد عليه و لو رأى المني على ثوبه أو فراشه و علم انه من جنابته و لكنه شك في أنها كانت من جنابته التي اغتسل منها أو جنابة حدثت بعد الغسل فليس عليه الغسل و هو محكوم بالطهارة من الحدث الأكبر. و أما بعده فان جهل تاريخ الغسل و الجنابة اغتسل للجنابة بنية الاحتياط و توضأ بنية الاحتياط للصلاة و يمكنه ان يكتفي بغسلة واحدة قربة إلى اللّه تعالى للكون على الطهارة و أما لو علم تأريخ أحدهما بنى عليه و رتب الآثار عليه و أما الصلاة الواقعة منه في الأثناء فان كان الشك المذكور حصل بعدها فلا يجب عليه أعادتها و يستثنى من ذلك أمور:

(أحدها) إذا كان شكه في الجنابة مسبوقاً بالعلم بها بأن كان يعلم بأنه أجنب و شك في الاغتسال منها فانه يحكم بجنابته و ان كانت الصلاة الواقعة بين جنابته و بين شكه المذكور صحيحة بأن كان الشك المذكور حدث بعد الصلاة (ثانيها) إذا خرج منه البلل المشتبه بعد غسل الجنابة مع عدم استبرائه منها بالبول فانه يحكم بجنابته (ثالثها) إذا كان البلل قد خرج منه بشهوة و دفق و فتور جسد حتى لو كان احمراً أو اصفراً كما لو اكثر من التفخيذ فانه يحكم بجنابته إذا كان صحيح الجسم و أما إذا كان مريضاً فيحكم بجنابته إذا خرج منه البلل بشهوة و عليه فلو‌

46

تجرد البلل المشتبه عن الشهوة و الفتور في الرجل الصحيح لم يكن البلل جنابة. و لو تجرد البلل المشتبه في الرجل المريض عن الشهوة لم يجب الغسل. و أما المرأة فيحكم بكون النازل منها منيّاً إذا نزل بشهوة لكنك قد عرفت عدم وجوب الغسل عليها و لكن عليها ان تطهر ما أصابه.

(رابعها) البلل الخارج بعد الاحتلام فانه ان كان المحتلم صحيحاً يحكم بجنابته ان كان البلل المذكور كثيراً. و أما ان كان قليلًا لم يحكم بجنابته و لو خرج البلل المشتبه بعد الاحتلام و لكنه كان خروجه بعد الانتباه من النوم و لم يكن بشهوة و دفق و فتور الجسد فهو ليس بجنابة. هذا إذا كان المحتلم صحيحاً و أما إذا كان مريضاً فيحكم بجنابته حتى لو كان البلل الخارج قليلا و حتى لو خرج بعد الانتباه من النوم.

الأمر الثاني الموجب للجنابة

(الأمر الثاني الموجب للجنابة) الجماع و ان لم ينزل قبلًا أو دبراً للمرأة و هو يتحقق بإدخال الحشفة في القبل أو الدبر بحيث تغيب فيه فانه بذلك يجب الغسل على الرجل و المرأة و يكون كل منهما يترتب عليه أحكام الجنابة فلو وضع ذكره على قُبل المرأة أو دبرها لم يجب عليه و لا على المرأة الغسل إذا لم يتحقق الإدخال. و مقطوع الحشفة إذا أدخل آلته وجب عليه و على المرأة الغسل. كما ان من قطعت بعض حشفته إذا ادخل باقيها بحيث تكون قد غابت في الفرج وجب الغسل. و لا فرق في وجوب الغسل على الواطي بين كونه صغيراً أو كبيراً عاقلًا أو مجنوناً. مختاراً أو مكرهاً ادخل تمام الذكر أو بعضه بحيث تغيب الحشفة ادخله ملفوفاً بخرقة أو مطاط أو نحوهما أو غير ملفوف. و لا فرق في وجوب الغسل على المرأة الموطوءة بين ان تكون حية أو ميتة صغيرة أو كبيرة مكرهة أو مختارة مجنونة أو عاقلة فانه يجب الغسل عليها. نعم الصبي و الصبية و المجنون و المجنونة يجب الغسل عليهم إذا اجتمعت فيهم شرائط التكليف هذا في الجماع للمرأة.

و أما الوطء للغلام بالإدخال في دبره فمع خروج المني من الواطئ أو الموطوء يجب الغسل على الخارج منه و أما مع عدم خروج المني من أحدهما فيجب الغسل على من أمنى و على من لم يخرج منه المني الاحتياط بالجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان قبل الوطء محدث بالحدث الأصغر و أما إذا كان محدث بالحدث الأكبر فيكفيه الغسل. و أما ان كان قبل الوطء غير محدث لا بالأصغر و لا بالأكبر بان كان متطهراً منهما فبعد الوطء الاحوط هو الغسل فقط و هكذا إذا وطئ البهيمة فانه مع خروج المني يجب عليه الغسل و مع عدم خروجه فالاحوط الجمع بين الغسل و الوضوء إذا كان قبل الوطء محدثاً بالحدث الأصغر و أما إذا كان محدث بالحدث الأكبر فالاحوط عليه هو الغسل و أما ان كان طاهراً قبل الوطء فبعد الوطء الاحوط عليه الغسل فقط و يمكن ان يكتفي في جميع الصور بغسل واحد يأتي به للكون على الطهارة لما قررناه من كفاية الغسل عن الوضوء الواجب.

أحكام الجنابة

(الأول) انه يحرم على المجنب قراءة آية السجدة من كل واحدة من سور العزائم و هي أربعة: سورة اقرأ و سورة النجم و سورة حم تنزيل من الرحمن المسماة بسورة السجدة أو. و سورة الم تنزيل الكتاب المسماة بسورة السجدة أيضا.

(الثاني) الاحوط للمجنب عدم مس كتابة المصحف الشريف و اسم اللّه تعالى و سائر أسمائه و صفاته المختصة به و أسماء الأنبياء (ص) و الأئمة (ع) المختصة بهم و أما غير المختصة فكذلك إذا قصد باستعمالها ذاتهم‌

47

الشريفة.

(الثالث) يحرم على المجنب وضع شي‌ء في المساجد و يجوز له أخذ شي‌ء منها كما يحرم عليه الجلوس في المساجد و المكث فيها و يجوز له اجتيازها بالدخول من باب و الخروج من أخرى إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص) فانه يحرم عليه ذلك. و الاحوط عدم دخوله المشاهد المشرفة.

(الرابع) إذا زالت آثار المسجدية زالت أحكامها فيجوز للمجنب المكث فيها و هكذا فيما شك في كونه جزءاً للمسجد لم يرتب عليه آثار المسجدية.

(الخامس) انه يجوز للإنسان أن يأتي أهله و ان لم يجد الماء و كان الوقت للصلاة قد دخل فيصح منه التيمم و لا كذلك الوضوء فلا يجوز للمكلف أن يبطل وضوءه باختيار إذا كان الوقت قد دخل و لم يجد الماء‌

(السادس) انه تحرم الصلاة على المجنب واجبة كانت أو مستحبة أداءً أو قضاءً و هكذا تحرم عليه صلاة الاحتياط. و الاحوط عدم إتيان سجدتي السهو مع الجنابة. نعم لا تضر الجنابة في صلاة الأموات و لا في سجود السهو و كيف كان فعلى المجنب لو أراد الصلاة أو صلاة الاحتياط أو سجدتي السهو الغسل و ان لم يتمكن فيتيمم.

(السابع) حرمة الطواف. (الثامن) حرمة الصوم عليه و سيجي‌ء إن شاء اللّه بيان ذلك في كتاب الصوم.

ما يكره للمجنب

يكره للمجنب أمور (منها) الآكل و الشرب حتى يتوضأ و لا اقل من أن يغسل يديه و يتمضمض و يستنشق و يغسل وجهه فانه يخاف عليه من البرص و الفقر لو لم يفعل ذلك و (منها) قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن الشريف و (منها) مس المصحف عدا كتابته و (منها) النوم على الجنابة دون أن يغتسل أو يتوضأ أو يتيمم عند عدم وجدان الماء و (منها) أن يختضب و هو جنب أو يجنب و هو مختضب و في بعض الأخبار ان الحناء إذا أخذت مأخذها لا يكره أن يجامع. و في المروي عن مجالس الصدوق و خصاله و كره أن يغشى الرجل المرأة و قد احتلم يغتسل من احتلامه الذي رأى فان فعل و خرج الولد مجنوناً فلا يلومن إلا نفسه.

كيفية الغسل

و لغسل الجنابة كيفيتان (إحداهما) و تسمى بالترتيب و الأولى فيها و الاحوط أن يبدأ بغسل الرأس مع الرقبة ثمّ غسل الجانب الأيمن مع الرقبة و السرة و العورة قبلًا و دبراً ثمّ غسل الجانب الأيسر مع الرقبة و السرة و العورة قبلًا و دبراً أيضا ناوياً بذلك كله تحصيل الغسل المطلوب لله تعالى تقرباً لله تعالى و لو خالف في ذلك بأن قدم غسل الأيمن على غسل الرأس أعاد غسل الأيمن و هكذا لو قدم غسل الأيسر على الأيمن فالاحوط إعادة غسل الأيسر و لا يلزم على المجنب أن يبدأ بغسل العضو من أعلاه إلى أسفله بل يجوز أن يغسله منكوساً فله في غسل رأسه أن يبدأ بغسلة من أي مكان كان من أسفله أو وسطه أو أعلاه نعم الاحوط أن يؤخر غسل الرقبة عن غسل الرأس. و هكذا في غسل الجانب الأيمن أو الأيسر فان له أن يبدأ في كل منهما من الأسفل أو الأوسط أو الأعلى. و لا يجب على المجنب الموالاة بين غسل الأعضاء فله أن يؤخر غسل جانبه الأيمن عن غسل رأسه بعد جفافه بمدة من الزمن و له كذلك أن يؤخر غسل جانبه الأيسر بعد جفاف الأيمن بمدة من الزمن. نعم عليه أن يكمل غسله عند أداء ما يتوقف على الطهارة من الجنابة كالصلاة و الطواف و نحوهما.

48

و لو ارتمس في الماء ناوياً به غسل العضو صح كأن ارتمس في الماء ناوياً غسل رأسه صح و هكذا يصح ذلك في كل من الجانبين. و لو كان في الماء ثمّ أخذ كفاً من الماء و غسل رأسه و رقبته ثمّ ارتمس في الماء ناوياً غسل جانبه الأيمن ثمّ ارتمس ناوياً غسل جانبه الأيسر أجزأه ذلك و كان غسلًا ترتيبياً كما أن له أن يغط رأسه في الماء إلى رقبته ناوياً به غسل رأسه ثمّ يغط بدنه إلى شحمي أذنيه و يحرك بدنه ناوياً غسل جانبه الأيمن ثمّ يحرك بدنه ناوياً غسل جانبه الأيسر فانه يصح منه ذلك الغسل ترتيباً و يصح ذلك حتى لو كان في ماء اقل من الكر و أما صاحب الجبيرة أو الحاجب الذي يعسر زواله فانه يجزيه المسح عليها أو عليه كما تقدم سابقاً. (الكيفية الثانية) لغسل الجنابة الارتماس في الماء و هو عبارة عن تغطية بدنه بأجمعه في الماء و لو تدريجاً بأن يرمس كل عضو عضو في الماء حتى يستولي الماء على جميع بدنه و يكون ابتداء الغسل رمس أول عضو منه و آخر الغسل هو رمس العضو الذي به يستولي الماء على جميع بدنه. و عليه فابتداء النية للغسل الارتماسي من رمس أول عضو منه في الماء و انتهائها برمس آخر عضو منه الذي يتحقق به رمس جميع البدن في الماء. و لا يضر في الغسل أن يقع في أثنائه تخليل الماء لبشرة العضو التي لم يصل إليها الماء كما لا يضر بالغسل التصاق باطن القدم على ارض قعر الماء نعم الواجب هو تغطية سطح الماء لبدنه بعد أن أوصل الماء لظاهر بشرة كل جزء منه بحيث لو تبين بعد خروجه من الماء عدم وصول الماء لبعض البشرة أعاد الغسل مرة ثانية. و لا يضر في الارتماس كون الماء المرتمس فيه اقل من كر و لا يكون الغسل ارتماسياً بالوقوف تحت ماء المطر الغزير أو تحت الدوش الكبير و ان استوعب البدن و لو كان تحت الماء و أراد الغسل الارتماسي حرك بدنه للغسل تحت الماء بحيث يصدق عليه عرفاً انه قد صدر منه الغسل الارتماسي و صاحب الجبيرة أو الحاجب الذي يعسر زواله يكفيه الارتماس.

ما يعتبر في غسل الجنابة

يعتبر في غسل الجنابة سواء كان ارتماسيا أو ترتيبياً أمور (الأول) نية التقرب به لله تعالى من ابتداء الغسل إلى منتهاه بان تكون مرتكزة في نفسه و لا يلزم استحضارها لكنه لو التفت لرأى نفسه انه قاصد القربة بغسله هذا لله تعالى و قد تقدم في نية الوضوء سابقاً ما ينفعك هنا.

(الثاني) إيصال الماء لبشرة البدن بإزالة الحواجز و الموانع و تخليل الشعر و نحوه إذا منع وصول الماء إلى البشرة. و لا يجب الفحص عن الحاجب بل مجرد احتمال عدمه كاف في صحة الغسل.

نعم لو شك في حاجبية الموجود كالسوار على المرأة و الخاتم في يد الإنسان وجب تحصيل اليقين برفع حاجبيته و الاحوط غسل الشعر على البدن مع بشرته النابت عليها و لا يجب غسل البواطن كباطن الأنف و نحوه.

و الاحوط غسل ما شك في كونه من الظواهر أو من البواطن و ان كان الحق عدم وجوب غسله لكونه من قبيل دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و الغسل و الوضوء و التيمم هي المطلوبة لا ان المطلوب أمر معنوي و هذه محصلاته. و أما صاحب الجبيرة أو صاحب الحاجب الذي يعسر زواله فيجزيه المسح عليها أو عليه كما تقدم سابقاً.

49

(الثالث) الاحوط في صحة الغسل تطهير المحل من النجاسة حين غسله و لا يجب تطهير البدن من النجاسة قبل الشروع في الغسل بل يجوز له أن يطهر كل عضو قبل غسله و لا يضر بصحة الغسل تنجس المحل بعد غسله. فلو تنجس رأسه بعد غسله بالغسل الترتيبي لا يعيد غسل رأسه بل يمضي في غسله.

(الرابع) يشترط في الماء الذي يغتسل به ما يشترط في ماء الوضوء من الإطلاق و الطهارة. و عدم الضرر في استعماله ضرراً موقعاً في التهلكة و إذا حصل له الخوف من ذلك صح تيممه بدل الغسل. و إباحة الماء و إباحة الإناء الذي يقع فيه الغسل كالحوض الذي يرتمس فيه أو يغسل فيه غسلًا ترتيبياً بحيث يتحد التصرف في الإناء مع فعل الغسل. و عدم استعمال الماء في رفع الخبث إذا كان اقل من كر كما تقدم في الماء المستعمل في الوضوء.

(الخامس) سعة الوقت للغسل و الصلاة. و لو شك في سعة الوقت بل و حتى لو خاف فوته كان عليه الغسل للاستصحاب.

نعم في صورة ما إذا لم يكن عنده الماء و خاف فوت الوقت لو طلب الماء كان عليه التيمم لصحيحة زرارة.

(السادس) إباحة المكان الذي يغتسل فيه إذا اتحد التصرف في المكان مع فعل الغسل.

(السابع) المباشرة للغسل بنفسه لا بواسطة الغير كما تقدم في الوضوء الا عند الاضطرار أو الحرج فانه يجوز أن يتولى غيره غسله.

أحكام غسل الجنابة

(أحدها) ان غسل الجنابة يجزي عن الوضوء فلا يجب معه الوضوء لا قبله و لا بعده. بل الظاهر ان كل غسل الواجب منه و المندوب كغسل الجمعة يجزي عن الوضوء.

(ثانيها) ان الغسل الترتيبي قد يتعين بأمر عارض يقتضي تعينه كما في الصوم و كما إذا لم يرض مالك الماء بالارتماس فيه و نحو ذلك كما ان الارتماسي قد يتعين بأمر عارض كما في ضيق الوقت أو عدم رضاء صاحب الماء بالغسل الترتيبي فيه و نحو ذلك.

(ثالثها) الماء القليل يجوز أن يغتسل فيه ارتماساً و ترتيباً و أن يتوضأ منه بعد الاغتسال فيه كل ذلك ما لم يتنجس بإصابته للنجاسة كالمني و نحوه.

(رابعها) لو شك في وقوع الغسل منه بنى على عدم وقوعه منه. و لو علم بوقوعه منه و بعد الفراغ منه شك في وقوعه على الوجه الصحيح بنى على صحته. و إذا شك في وقوع غسل رأسه أو في شرط من شرائطه و قد دخل في غسل غيره أو شك في وقوع غسل الشق الأيمن أو في شرط من شرائطه و قد دخل في غيره بنى على وقوعه و صحته بل و لو شك في غسل الأيسر و قد دخل في غيره و كان من عادته أن لا يرتكب ذلك الغير إلا بعد أن يوقع غسل الطرف الأيسر على نحو الصحة بنى على وقوعه و صحته كما إذا كان من عادته لبس ثيابه النظيفة بعده. و أما لو شك في أحدها قبل الدخول في غيره أتى به.

ثمّ انه لو شك في وقوع الغسل منه بعد ان صلى بنى على صحة صلاته و اغتسل للصلاة الأخرى و لو شك في أثناء الصلاة في وقوع الغسل منه فالاحوط إتمام صلاته ثمّ يغتسل ثمّ يعيد صلاته و ان كان الظاهر انه يتم صلاته و يغتسل للصلاة الآتية لأن الحق ان الشرط للصلاة هو نفس الغسل أو نفس الوضوء و الشك في أحدهما في أثناء الصلاة شك بعد تجاوز المحل لهما من قبيل الشك في الشرط المتقدم نعم لو كان الشرط هو الطهارة و قلنا انها‌

50

أمر معنوي مسبب عن الغسل و الوضوء لا انها عبارة عن نفس الغسل و الوضوء كان عليه إعادة الصلاة لأن الشك فيهما يكون شكا في محله لا بعد تجاوز محله.

(خامسها) انه لو اغتسل باعتقاد سعة الوقت ثمّ ظهر له ضيقه و ان وظيفته التيمم فان كان قصد بالغسل التقرب لله تعالى من جهة مطلوبيته المطلقة صح منه الغسل و أما لو قصد امتثال المطلوبية الغيرية للغسل بحيث لو لم تكن هذه المطلوبية الغيرية لم يفعل الغسل كان الغسل باطلًا. و لو تيمم باعتقاد ضيق الوقت فبان سعته أعاد صلاته لعدم مشروعية التيمم. نعم في صورة ما إذا لم يكن عنده الماء و خاف فوت الوقت بطلب الماء كان عليه التيمم و لا إعادة عليه لو ظهر الخلاف لأن مشروعية التيمم هو خوف فوت الوقت كان متحققا.

(سادسها) انه لو احدث أثناء غسل الجنابة بالحدث الأصغر أتم الغسل و لا يجب عليه إعادته كما انه لا يجب عليه أن يتوضأ لما يشترط فيه الطهارة كالصلاة و نحوها إلا إذا احدث بعد الغسل. و أما إذا احدث في أثناء غسل الجنابة بحدث الجنابة استأنف الغسل و هكذا كل حدث تخلل أثناء رافعه و أما إذا احدث في أثنائه بحدث اكبر غير الجنابة جاز له رفع اليد عن الغسل الذي بيده و يأتي بغسل جديد لهما كما سيجي‌ء في الأمر السابع من كيفية النية للاغسال المتعددة و لا يحتاج إلى الوضوء لما عرفت من كفاية الغسل الواجب و المستحب عنه.

(سابعها) ان غسل الجنابة يجزي عن غيره من الاغسال الواجبة و المستحبة كما يجزي عن الوضوء فلو اغتسل للجنابة ناوياً لغسله عن لجنابة أجزأه غسله عن غسل الجمعة و عن غسل مس الميت و رؤية المصلوب و عن كل غسل ثبت في حقه واجباً كان أو مستحباً و كذا المرأة لو اغتسلت للجنابة ناوية لغسلها عن الجنابة أجزأها عن غسل حيضها و نفاسها و جمعتها و عن كل غسل واجب أو مستحب بل يجوز لمن اجتمع عليه اغسال متعددة سواء كانت جميعها مستحبة أو بعضها مستحبة أن يغتسل غسلًا واحداً ينويه لكل واحد منها تفصيلًا كأن ينوي ان غسله هذا للجنابة و للجمعة و لمس الميت و غير ذلك و يجوز له ان ينوي لكل واحد منها إجمالا كأن ينوي ان هذا غسله لما تحقق في حقه من الأسباب التي تقتضي الغسل على إجمالها من دون تشخيص لها. و هكذا يجوز له ان ينوي بغسله رفع الحدث عنه أو استباحة ما يشترط فيه الطهارة عن الحدث كالصلاة. و كذا يجوز ان ينويه قربة إلى اللّه تعالى فانه يجزي عن الجميع و لا يلزم عليه ان ينويه عن الجنابة كما انه يجزي غسله المذكور عن الوضوء و ان لم تكن عليه جنابة فيما ثبت عليه من الاغسال لما عرفت من كفاية الغسل الواجب و المستحب عن الوضوء.

(ثامنها) انه إذا كانت عليه جنابات متعددة أجزأه غسل واحد عنها ينويه عنها تفصيلًا أو إجمالا بل لو نواه عن الأخيرة أيضا يجزيه عن الباقي.

(تاسعها) إذا علم ان عليه اغسالًا واجبة إجمالا يجزيه ان يأتي بغسل واحد ينويه عما في ذمته من الاغسال و ان لم يعينها.

مستحبات غسل الجنابة

(أحدها) الاستبراء للرجل بالبول سواء أنزل أو أجنب بالاحتلام أو بالإدخال و ان لم ينزل و ذلك بأن يبول قبل الغسل فانه إن لم يبل و خرج منه بلل مشتبه بالمني وجب عليه إعادة الغسل و لا يجب عليه إعادة الصلاة الصادرة منه بعد الغسل و قبل خروج البلل. و لو خرج من المرأة بلل مشتبه تحتمل غير البول و المني لم يجب عليها الغسل و هو طاهر لأصالة الطهارة و إذا علمت ان الخارج منها مني أو بول بان تردد بينهما غسلت ما أصاب بدنها منه. و حكي‌