البنك اللاربوي في الإسلام

- المزيد...
251 /
4

[المقدمات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و أفضل الصلاة على أشرف الخلق محمد و آله الطاهرين.

5

موقفنا من الاطروحة

أودّ لدى محاولة التخطيط لأطروحة البنك اللاربوي أن أشير إلى نقطة أساسية في هذه المحاولة، و هي: أننا يجب أن نميز بصورة جوهرية بين الموقفين التاليين:

أ- موقف من يريد أن يخطط لبنك لا ربوي ضمن تخطيط شامل للمجتمع، أي بعد ان يكون قد تسلم زمام القيادة الشاملة لكل مرافق المجتمع، فهو يضع للبنك أطروحته الإسلامية كجزء من صورة إسلامية كاملة و شاملة للمجتمع كله.

ب- و موقف من يريد أن يخطط لإنشاء بنك لا ربوي بصورة مستقلة عن سائر جوانب المجتمع، أي مع افتراض استمرار الواقع الفاسد و الإطار الاجتماعي اللاسلامي للمجتمع، و بقاء المؤسسات الربوية الأخرى من بنوك و غيرها، و تفشي النظام الرأسمالي مضمونا و روحا في الحياة الاقتصادية و الحياة الفكرية و الخلقية للناس.

ان هذين الموقفين يختلفان اختلافا أساسيا. إذ على مستوى الموقف الأول يطبّق حكم الإسلام بتحريم الربا على البنك ضمن تطبيق شامل للنظام الإسلامي كله، و بذلك يؤتي تحريم الربا في‌

6

مجال التطبيق كل ثماره المرجوّة، و لا يخلق مضاعفات، و يساهم مع باقي أجزاء النظام الإسلامي في تحقيق الأهداف الرئيسية التي يتوخّاها الإسلام في تنظيمه الاجتماعي.

و قد قلنا في كتاب «اقتصادنا» إن النظام الإسلامي كلّ مترابط الأجزاء، و تطبيق كل جزء يهيى‌ء إمكانيات النجاح للجزء الآخر في مجال التطبيق، و يساعده على أداء دوره الإسلامي المرسوم.

و أما على مستوى الموقف الثاني؛ فإن تحريم الربا سوف يطبّق على بنك خاص بينما يبقى غير مطبق على سائر المؤسسات النقدية و المالية الأخرى، و يبقى كثير من جوانب النظام الإسلامي معطلا في واقع الحياة. و هذه التجزئة في مقام التطبيق سوف لن تسمح للتطبيق الجزئي المحدود لفكرة تحريم الربا أن يؤتي كل ثماره، و يحقق نفس الأهداف و المكاسب التي بإمكانه أن يحققها لو وضع ضمن تطبيق شامل للنظام الإسلامي كله.

و لكنّ هذا لا يشكّل عذرا عن التطبيق الشرعي حيث يمكن.

لأن كل حكم من أحكام الإسلام واجب التطبيق على أي حال، سواء طبّقت الأحكام الأخرى أم لا. و تطبيق كل حكم يقرّب المجتمع نحو إمكانية التطبيق الشامل للشريعة المقدسة.

و هكذا نعرف أن الشخص الذي يتاح له الموقف الأول يمكنه أن يصوغ أطروحة البنك اللاربوي بشكل ينطبق على أحكام الشريعة الإسلامية نصا و روحا، و يساهم في تحقيق الأهداف‌

7

الرئيسية التي يتوخّاها الاقتصاد الإسلامي، من توازن اجتماعي، و عدالة في التوزيع، و غير ذلك، و لا يمنى بتناقض بين أطروحة البنك اللاربوي، و باقي جوانب المجتمع. ذلك لأن الموقف الأول يعني أن تنظّم كل جوانب المجتمع على أساس الإسلام، و مع وحدة الأساس للتنظيم الاجتماعي في كل المجالات لا يبقى مجال للتناقض أو نشوء المضاعفات. إلا تلك المضاعفات التي قد تنشأ عن ضغوط المجتمعات الأخرى الربوية التي تعايش المجتمع الإسلامي.

و على العكس من ذلك من فرض عليه الموقف الثاني. لأنه موقف ضيق بطبيعته إذ تفرض عليه الأرضية و الإطار بصورة مسبقة، و هذا يجعل أطروحة البنك اللاربوي غير مرنة و لا حرة في اتخاذ أفضل صيغة لها من الناحية الإسلامية، بل إنها مضطرة إلى اتخاذ صيغة صالحة للعيش و الحركة ضمن ذلك الإطار و الأرضية، و قادرة على معاصرة البنوك الأخرى التي تواصل نشاطها الربوي حتى بعد قيام البنك اللاربوي المزمع إيجاده.

8

سياسة الاطروحة المقترحة

و حديثنا الآن عن أطروحة البنك اللاربوي المقترحة يجب أن يكون بروح الموقف الثاني؛ لأن المفترض بقاء الواقع كما هو من سائر نواحيه. الاقتصادية، و الاجتماعية، و الفكرية، و السياسية، و لو كنا نعالج الموضوع بروح الموقف الأول لكان لنا حديث غير هذا الحديث.

و روح الموقف الثاني تفرض علينا أن نفتّش عن صيغة شرعية معقولة للبنك اللاربوي، و لكي تكون الصيغة المقترحة كذلك يجب أن تتوفر فيها عناصر ثلاثة:

الأول: أن لا يكون البنك المقترح مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية.

الثاني: أن يكون البنك قادرا على التحرك و النجاح في الجو الفاسد للواقع المعاش أي أن لا تخلق صيغته الإسلامية فيه تعقيدا و تناقضا شديدا مع واقع المؤسسات الربوية الرأسمالية و جوّها الاجتماعي العام بالدرجة التي تشلّه عن الحركة و الحياة.

نقول هذا فعلا، بينما لم يكن هذا التناقض الشديد ليشكل خطرا على البنك اللاربوي لو أتيح لنا الموقف الأول، إذ نستأصل حينئذ كل المؤسسات الربوية و نجتثّ كل جذورها الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية. و هكذا نعرف أن الصعوبة لا تكمن في إعطاء صيغة إسلامية لا ربوية للبنك، بل في إعطائه هذه‌

9

الصيغة مع افتراض أن يعيش ضمن الواقع الفاسد و مؤسساته المختلفة.

الثالث: أن تمكّن الصيغة الإسلامية البنك اللاربوي لا من النجاح كمؤسسة تجارية تتوخّى الربح فحسب، بل لا بد للبنك اللاربوي هذا أن يكون قادرا ضمن تلك الصيغة على النجاح بوصفه بنكا، أي أن يؤدي في الحياة الاقتصادية نفس الدور الذي تقوم به البنوك فعلا، من تجميع رءوس الأموال العاطلة و دفعها الى مجال الاستثمار و التوظيف على أيدي الأكفاء من رجال الأعمال، و تمويل القطاعات التجارية و الصناعية و القطاعات الأخرى بما تحتاجه من المال، و تكثير وسائل الدفع التي تعوّض عن العملة و تساهم في اتساع حركة التبادل و نشاطها من شيكات (صكوك) و غيرها.

و إضافة إلى ذلك، لا بد للبنك لكي ينجح باعتباره بنكا في بلد من البلاد النامية أن يؤدي دورا طليعيا في تنمية اقتصاد البلد الذي يشكّل البنك جهازا من أجهزته المالية الحساسة، و أن يساهم مساهمة فعالة في تطوير الصناعة في ذلك البلد و دفعها إلى الامام.

نستخلص من ذلك، أن سياسة البنك اللاربوي المقترح يجب أن توضع على ثلاثة أسس:

أولا: أن لا يخالف أحكام الشريعة المقدسة.

ثانيا: أن يكون قادرا على الحركة و النجاح ضمن إطار الواقع المعاش بوصفه مؤسسة تجارية تتوخى الربح.

10

ثالثا: أن تمكّنه صيغته الإسلامية من النجاح بوصفه بنكا، و من ممارسة الدور الذي تتطلبه الحياة الاقتصادية و الصناعية و التجارية من البنوك، و ما تتطلبه ظروف الاقتصاد النامي و الصناعة الناشئة من ضرورة التدعيم و التطوير.

و على ضوء هذه السياسة، سوف نتحدث عن الأطروحة المقترحة للبنك دون أن نتقيّد بحصر نشاط البنك المقترح في نطاق الدائرة التقليدية لنشاطات البنوك التجارية (بنوك الخصم و الودائع)، أو الدائرة التقليدية لنشاطات بنوك التخصص (بنوك العمّال)، أو أي دائرة اخرى محدودة من هذا القبيل، بل إننا سوف نفكر في أي نشاط يمكن أن يقوم به البنك، إذا كان منسجما مع الأسس الثلاثة المتقدمة، سواء كان هذا النشاط من اختصاص هذه الدائرة أو تلك.

11

المعالم الاساسية للسياسة المصرفية الجديدة

يمكننا أن نلخص المعالم الرئيسية للسياسة المصرفية الجديدة التي تحدد بموجب الأسس المتقدمة فيما يلي:

أولا: الاتّجاه إلى إبراز عنصر العمل البشري في النشاطات المصرفية بوصفه مصدر دخل، و الاتجاه عكسيا إلى الحد من دخل رأس المال.

فبينما البنك الربوي يمارس عمله بوصفه شخصية رأسمالية، و يركز على دخله بهذا الوصف، يتجه البنك اللاربوي إلى التأكيد على صفته كعامل، و يركز على دخله المستمد من هذا الوصف.

و يتمثل هذا الاتجاه، من ناحية، في تأكيد البنك اللاربوي على العمولة بوصفها أجرة عمل و اهتمامه بتوسيع نطاق دخله القائم على أساس العمولات. و من ناحية أخرى، في تعففه عن فائدة القرض بوصفها أجرة رأس المال و الممثلة لسلطانه الربوي.

و ثانيا: الاتجاه إلى الاحتفاظ مهما أمكن بروح الوساطة في الدور الذي يمارسه البنك بين المودعين و المستثمرين، و صياغة موقفه القانوني منهم بصورة تجسّد الوساطة.

و بالرغم من أن الظروف الربوية القاهرة التي تحيط بالبنك اللاربوي تمنعه في كثير من الأحيان من تجسيد الاتجاهات التي‌

12

يتبناها تجسيدا كاملا، إلا انها لا تمنعه على أي حال من التعبير عنها بشكل من الأشكال. و بذلك يحمل البنك اللاربوي على أقل تقدير بذرة التغيير الإسلامي الشامل في نظام الصيرفة، و يهيأ للمسلمين الانفتاح على أطروحة تسير في خطة هذا التغيير و لو على المستوي النظري أحيانا. هذا، إلى جانب ما يكسبه البنك اللاربوي من شرف الالتزام فعلا بأحكام الشريعة الإسلامية و التقيّد بحدود اللّه تعالى.

و ثالثا: استعداد البنك اللاربوي لتحمل أعباء التجربة الجديدة في سبيل إشاعة الروح الإسلامية في نظام البنك اللاربوي، و استعداده للتضحية بشي‌ء من الربح، أو المخاطرة حين يتطلب إنجاح الأطروحة شيئا من ذلك. لأن مؤسسي البنك اللاربوي إذا كانوا يريدون ان يقدموا أطروحة جديدة للعالم يجسّدون فيها بعض قيم الرسالة الإسلامية و روحها العظيمة. فلا بد أن يتحلّوا إلى جانب روحهم التجارية بروح رسالية و دوافع عقائدية تجعلهم يحسون دائما بأن العمل الذي يمارسونه ليس مجرد عمل تجاري لأجل الربح فحسب، بل هو إضافة إلى ذلك، لا بدلا عن ذلك، أسلوب من أساليب الجهاد في حمل أعباء الرسالة و الأعداد لاستنقاذ الأمة من أوضاع الكفر و أنظمته. و كل جهاد يتطلب التضحية و يفرض على المجاهد البذل و العطاء.

فالبنك اللاربوي بحكم إقدامه على هذا العمل الرسالي الضخم في عالم يزخر بالربا يجب أن يتجه إلى دراسة أرباحه لا بلغة‌

13

الأرقام المادية فحسب، بل يدخل في أرباحه المكاسب العظيمة التي يحققها بعمله بأشرف رسالات السماء على الأرض. و هو أولى بتحمل أعباء التجربة و التضحية ببعض الأرباح من المودعين أو المستثمرين الذين لم يعيشوا الدوافع الرسالية للبنك، و لم يرتفعوا إلى مستوى الهمّ الكبير الذي دفع أصحاب فكره البنك اللاربوي إلى تقديم أطروحتهم الجديدة إلى العالم.

و رابعا: البحث عن متنفس للبنك اللاربوي يستطيع عن طريقه أن يمارس عمله الفريد النبيل في الاقتراض بلا فائدة، في عالم يسوده نظام الربا و القروض بفوائد من أقصاه إلى أقصاه.

و تقوم الفكرة في هذا التنفس على تمييز البنك اللاربوي في تعامله بين الجهات التي صنعت ذلك الوضع الشاذّ الربوي في العالم و غيرها.

فبينما يحجم البنك اللاربوي عن إقراض الأشخاص و الهيآت بفائدة تعفّفا عن الربا يسمح لنفسه أن يودع بفائدة في بنوك أشخاص لا يؤمنون بالإسلام، أو بنوك حكومات لا تطبق الإسلام.

فالبنك، كمقرض لا يأخذ فائدة من المقترض، و لكنه كمودع في تلك البنوك يمكنه أن يأخذ الفائدة. و المبرر الواقعي لذلك هو أن الوضع الفعلي لهذه البنوك هو المسؤول عن الحرج الذي يلقاه البنك المؤمن في ممارسة نظامه اللاربوي.

14

و التخريج الفقهي لذلك يقوم على أساس عدة أحكام على رأسها الرأي الفقهي القائل بجواز التعامل مع الكافر غير الذمي بالربا و أخذ الزيادة منه، و هو قول يتفق عليه علماء المذهب الإمامي، و يذهب إليه غيرهم من علماء المسلمين أيضا كإمام المذهب الحنفي.

15

نظام البنك اللاربوي

16

سوف يقع حديثنا عن نظام البنك اللاربوي في فصلين:

أحدهما: في النقطة الرئيسية في البحث و هي طريقة إنقاذ البنك المزمع إنشاؤه من التعامل بالربا، و الذي يتمثل لدى البنوك القائمة فعلا بصورة رئيسية في الإيداع لدى البنك بفائدة و الاقتراض منه بفائدة، و الذي يعبر عن المصدر الرئيسي للتناقض بين تلك البنوك و بين أحكام الإسلام.

و طريقة إنقاذ البنك من التعامل بالربا، و القضاء على أساس التناقض بينه و بين أحكام الإسلام يتم بتقديم أطروحة تنظم علاقاته بالمودعين و المستثمرين على أساس جديد يختلف عن نظام الإيداع بفائدة و الإقراض بفائدة (1).

____________

(1) راجع لأجل التوسع علميا في التخريجات الفقهية للفائدة الربوية و تحويلها إلى كسب محلل، الملحق رقم (1) في آخر الكتاب.

17

و الفصل الآخر نستعرض فيه الوظائف الأساسية التي تمارسها البنوك القائمة فعلا و ما تشتمل عليه من خدمات و تسهيلات و استثمارات، و ندرسها في ضوء الأطروحة السابقة، لنعرف حكم الشريعة الإسلامية بشأنها، و موقف البنك اللاربوي من مختلف تلك النشاطات (1).

____________

(1) لم نتّبع في تصنيف البحث المنهج الأكثر شيوعا الذي ينوع البحث إلى دراسة مصادر أموال البنك أولا، و دراسة استعمالاته لتلك الأموال ثانيا، لأن هذا المنهج ينسجم مع وضع البنك الربوي و طبيعة نشاطه، و لا ينسجم مع أطروحة البنك اللاربوي التي نحاول تقديمها، إذ في البنك الربوي يمكن أن تدرس طريقة حصوله على الودائع الثابتة في نطاق البحث عن مصادر أموال البنك، و تدرس طريقة استعماله لتلك الودائع في التسليف و الإقراض في نطاق البحث عن استعمالات البنك لأمواله، لأن حصول البنك الربوي على الوديعة الثابتة و استعماله لها في مجال الإقراض عمليتان مستقلتان يمكن دراستها تباعا.

و أما في البنك اللاربوي فلا يمكن فصل هذين الأمرين أحدهما عن الآخر، لأن حصول البنك اللاربوي على الوديعة الثابتة و استعماله لها يمثلان معا جزأين من عملية واحدة و هي: المضاربة، فلا بد من دراسة الضاربة بكل عناصرها، و لا تصح تجزئتها و تفكيك بعض جوانبها عن بعض.

و هذا ما جعلنا نؤثر تصنيف البحث بالطريقة التي اتبعناها لنبرز في الفصل الأول عملية المضاربة بكامل جوانبها المترابطة و إن أدى ذلك إلى دمج الحديث عن بعض استعمالات البنك بالحديث عن مصادر أمواله في فصل واحد.

و هكذا. ندرس في الفصل الأول الأطروحة المقترحة التي تنبغي أن تقع، و ندرس في الفصل الثاني الواقع القائم للبنوك و ما يضم من نشاطات على ضوء تلك الأطروحة.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

الفصل الأول الاطروحة الجديدة لتنظيم علاقات البنك بالمودعين و المستثمرين

تتكون الموارد المالية للبنك عادة من رأس المال الممتلك للبنك (أي رأس المال المدفوع مضافا إليه الأرباح المتراكمة غير الموزعة) و من الودائع التي يحصل عليها و يتمثل فيها الجزء الأكبر من موارده.

و تنصب أهم نشاطات البنك الربوي على الاقتراض بفائدة أو بدون فائدة (فان قبوله للودائع الثابتة اقتراض بفائدة، و قبوله للودائع المتحركة اقتراض بدون فائدة كما سيأتي) ثم الإقراض بفائدة أكبر. و يتكون دخله الربوي من الفائدة التي يتقاضاها- في حالة اقتراضه بدون فائدة- أو من الفارق بين الفائدتين في الحالة الثانية.

و يستمد البنك الربوي أهميته في الحياة الاقتصادية من كونه قوة قادرة على تجميع رءوس الأموال العاطلة بإغراء الفائدة التي يعطيها للمودعين و دفعها الى مجال الاستثمار باسم قروض لرجال الأعمال و مختلف المشاريع التي تحتاج الى تمويل.

و على هذا الضوء نعرف أن العلاقة التي يمارسها البنك مع المودعين من ناحية، و مع المستثمرين من ناحية أخرى، هي علاقة وسيط بين رأس المال و العمل إذا نظرنا الى طبيعتها الاقتصادية. و اما إذا نظرنا الى طبيعتها القانونية أي إلى الصياغة القانونية لتلك العلاقة في المجتمع الرأسمالي نرى أن القانون‌

21

صاغها عن طريق تجزئتها الى علاقتين قانونيتين مستقلتين:

إحداهما: علاقة البنك بالمودعين بوصفه مدينا و بوصفهم دائنين، و الأخرى: علاقة البنك مع رجال الأعمال المستثمرين الذين يلجأون الى البنك للحصول على المبالغ التي يحتاجونها من النقود، و في هذه العلاقة يحتل البنك مركز الدائن، و رجال الأعمال مركز المدين.

و معنى هذا أن البنك لم يعد في الإطار القانوني مجرد وسيط بين رأس المال و العمل، أي بين المودعين و المستثمرين، بل أصبح طرفا أصيلا في علاقتين قانونيتين، و انعدمت بحكم ذلك أي علاقة قانونية بين رأس المال و العمل بين المودعين و المستثمرين، فأصحاب الودائع ليس لهم أي ارتباط قانوني برجال الأعمال و إنما هم مرتبطون بالبنك ارتباط دائن بمدين، كما ان رجال الأعمال المستثمرين غير مرتبطين بأحد سوى البنك بالذات الذي يدخلون معه في علاقة مدين بدائن.

و البنك بوصفه مدينا للمودعين يدفع إليهم الفائدة إذا لم تكن ودائعهم تحت الطلب، و باعتباره دائنا للمستثمرين يتسلم منهم فائدة أكبر. و بذلك يرتبط نظام الإيداع و الإقراض بالربا المحرم في الإسلام.

و الفكرة الأساسية التي أحاول عرضها لتطوير البنك على أساس إسلامي يصونه من التعاطي بالربا ترتكز على تصنيف الودائع التي. يتسلمها الى ودائع ثابتة و أخرى متحركة (جارية)، ففي الودائع الثابتة ترفض الصياغة القانونية الآنفة الذكر بعلاقة‌

22

البنك بالمودعين و المستثمرين، و تعطى بدلا عنها صياغة قانونية أخرى تنشأ بموجبها علاقة قانونية مباشرة بين المودعين و المستثمرين و يمارس البنك ضمنها دوره كوسيط بين الطرفين، و بذلك تصبح الصياغة القانونية لعلاقة البنك بالمودعين و المستثمرين أكثر انطباقا على واقع تلك العلاقة.

فكما إذا نظرنا الى واقع هذه العلاقة بصورة مجردة عن أي طابع قانوني نجد انها لا تخرج عن معنى الوساطة يقوم بها البنك لإيصال رءوس الأموال التي تتطلب مستثمرا الى المستثمرين الذين يطلبون رأس مال يستثمرونه. كذلك حين ننظر إلى علاقة البنك بالطرفين في إطار الصياغة القانونية المقترحة التي تنشأ فيها الصلة بين المودعين و المستثمرين مباشرة، فإنها لا تبتعد ضمن هذه الصياغة عن وضعها الطبيعي كوساطة يمارسها البنك بين رأس المال و العمل.

هذا في مجال الودائع الثابتة، و اما الودائع المتحركة (الجارية) فلها وضع آخر في الأطروحة المقترحة يأتي الحديث عنه بعد ذلك.

و سوف نتناول أولا تنظيم علاقات البنك بالمودعين للودائع الثابتة و المستثمرين، و نوضح كيف تصاغ بشكل تنشأ فيه الصلة مباشرة بين المودعين و المستثمرين و يمارس البنك اللاربوي دور الوسيط بين الطرفين، ثم نتكلم عن تنظيم علاقات البنك بأصحاب الودائع المتحركة. و لكن قبل البدء بذلك لا بد أن نحدد ما نقصده من الودائع الثابتة و المتحركة.

23

تقسيم الودائع الى ثابتة و متحركة

الودائع الثابتة، (الودائع لأمد) عبارة عن المبالغ التي يودعها أصحابها في البنك بقصد الحصول على دخل عن هذا الطريق يتمثل فيما يتقاضونه من الفوائد، و هؤلاء قد يستهدفون استثمار أموالهم عن هذا الطريق باستمرار، و قد يقدمون على هذا الاستثمار مؤقتا بانتظار فرصة مناسبة للتشغيل.

و الودائع المتحركة، (الودائع تحت الطلب التي تكوّن الحساب الجاري) هي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بقصد أن تكون حاضرة التداول و السحب عليها لحظة الحاجة، وفق متطلبات العمل التجاري، أو حاجات المودع كمستهلك.

و لا يتقاضى هؤلاء عادة فائدة من البنوك على هذه الودائع، كما انها تكون تحت الطلب دائما، بمعنى ان البنك يلتزم بدفعها متى ما طولب بذلك، خلافا للودائع الثابتة، فان أصحابها يتقاضون فوائد عليها و لا يلتزم البنك بدفعها فورا متى طولب بذلك.

و هناك قسم ثالث من الودائع، تلتقي فيه خصائص القسمين السابقين و هو ودائع التوفير التي يودعها الموفرون في البنك و ينشؤون بذلك حسابا في دفتر خاص واجب الترقيم عند كل سحب أو إيداع. و تلتقي ودائع التوفير مع الودائع المتحركة في‌

24

إمكان السحب منها متى شاء المودع، خلافا للودائع الثابتة التي لا يلتزم البنك بوضعها تحت الطلب دائما. كما ان ودائع التوفير تلتقي مع الودائع الثابتة فيما تفرضه البنوك الربوية من فوائد للموفرين كما تفرضها لأصحاب الودائع الثابتة.

و نظرا الى ان البنك يسمح للموفر بالسحب من حسابه متى شاء، و رغبة منه في إغرائه بعدم السحب مهما أمكن، يكتفي بتقييد فائدة لحساب العميل الموفر على أساس أدنى رصيد في حساب التوفير خلال الشهر.

و إذا أردنا أن نقسم الودائع تقسيما يشمل ودائع التوفير أيضا أمكن ان نقرر: أن الودائع إما ودائع تحت الطلب، أو ودائع لأمد. و القسم الأول هو الودائع المتحركة (الحساب الجاري)، و القسم الثاني ينقسم بدوره الى: ودائع ثابتة، و ودائع توفير. و لكنا الآن سوف نتحدث بصورة رئيسية عن القسمين الأساسيين و هما: الودائع الثابتة، و الودائع المتحركة، و في ختام الحديث عن الودائع الثابتة سوف ندرس موقف البنك اللاربوي من ودائع التوفير و أوجه الفرق بينه و بين موقفه من الودائع الثابتة.

25

تنظيم علاقات البنك في مجال الودائع الثابتة

أن عملية إيداع هذه الودائع الثابتة لدى البنك- أي إقراضها للبنك- و عملية تقديمها من قبل البنك لرجال الأعمال المستثمرين يمكن دمجهما في علاقة واحدة تسمى في مصطلحات الفقه الإسلامي ب‍ «المضاربة».

مفهوم المضاربة في الفقه الإسلامي:

و المضاربة يختلف مفهومها في الفقه الإسلامي عن مصطلحها في الاقتصاد الحديث. فهي في الفقه الإسلامي: عقد خاص بين مالك رأس المال و المستثمر على إنشاء تجارة يكون رأسمالها من الأول و العمل على الآخر، و يحددان حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية، فإن ربح المشروع تقاسما الربح وفقا للنسبة المتفق عليها، و إن ظل رأس المال كما هو لم يزد و لم ينقص لم يكن لصاحب المال إلا رأس ماله، و ليس للعامل شي‌ء. و ان خسر المشروع وضاع جزء من رأس المال أو كله تحمل صاحب المال الخسارة، و لا يجوز تحميل العامل المستثمر و جعله ضامنا لرأس المال الا بأن تتحول العملية الى إقراض من صاحب رأس المال للعامل، و حينئذ لا يستحق صاحب رأس المال شيئا من الربح. (1)

____________

(1) لاحظ الملحق رقم (2) في آخر الكتاب للتوسع في فهم هذا الحكم من الناحية الفقهية و الاستدلالية.

26

هذه هي الصورة العامة للمضاربة في الفقه الإسلامي.

أعضاء المضاربة المقترحة:

و لكي نقيم العلاقات في البنك اللاربوي على أساس المضاربة بالنسبة إلى الودائع الثابتة يجب ان نتصور الأعضاء المشتركين في هذه المضاربة و نوعية الشروط و الالتزامات و الحقوق لكل واحد منهم.

إن الأعضاء المشتركين في المضاربة ثلاثة:

1- المودع بوصفه صاحب المال و نطلق عليه اسم (المضارب) 2- المستثمر بوصفه عاملا و نطلق عليه اسم (العامل أو المضارب) 3- البنك بوصفه وسيطا بين الطرفين و وكيلا عن صاحب المال في الاتفاق مع العامل.

و لكي نعرف النظام الذي يتبعه البنك في المضاربة بالودائع الثابتة لا بدّ ان نشرح الشروط التي يجب توفرها في أعضاء المضاربة ثم نحدد حقوق كل واحد منهم.

شروط الأعضاء

إن البنك بوصفه الوسيط بين رأس المال و العمل لا يقوم بدوره هذا في الوساطة و التوكل عن صاحب المال إلا في حالة توفر شروط معينة في المودع و في العامل المستثمر.

27

الشروط المفروضة على المودع:

يشترط البنك في توكله عن المضارب أي المودع و استثمار وديعته عن طريق المضاربة ما يلي:

1- أن يلتزم المودع بملزم شرعي بإبقاء وديعته مدة لا تقل عن ستة أشهر تحت تصرف البنك، فاذا لم يوافق المودع على ذلك لم يسمح له بالاشتراك في عقود المضاربة، و لم يقبل البنك التوكل عنه في هذا المجال.

2- أن يقر المودع و يوافق على الصيغة التي يقترحها البنك للمضاربة و الشروط التي يتبنى إدراجها في تلك الصيغة.

3- أن يفتح المودع وديعة ثابتة حسابا جاريا مع البنك و هذا الشرط قابل للتغيير تبعا لظروف الاستثمار و حاجة البنك الى الودائع ليضارب بها، فقد يرفع هذا الشرط عند الحاجة الى ودائع ثابتة للمضاربة ليكون ذلك مشجعا على استقدام مودعين جدد.

و لا يعتبر بعد ذلك حجم معين في الوديعة الثابتة التي تدخل مجال المضاربة بل يمكن قبولها و لو بلغت من الضالة إلى درجة لا تتيح إنشاء مضاربة مستقلة على أساسها، لأن البنك لا يربط كل وديعة بمضاربة مستقلة، و انما تمتزج كل وديعة بغيرها في بحر الودائع الثابتة، و تنصب عقود المضاربة على مجموعات من هذا البحر، فلا مانع من ضالة حجم الوديعة الثابتة التي يتقدم بها المودع.

28

الشروط المفروضة على المستثمر:

و أما شروط التوسط بالنسبة للمضارب أي العامل المستثمر التي لا يقدم البنك بدونها على التوسط بينه و بين المودعين و الاتفاق معه على المضاربة بعمولة فهي:

1- أن يكون أمينا، و أن يشهد على أمانته و وثاقته شخصان يعرفهما البنك.

2- أن تحصل للبنك القناعة الكافية بكفاءة المستثمر و قدرته على استثمار الأموال التي سيأخذها من البنك في مجال قليل المخاطرة، أو على الأقل يتوقع البنك فرصة طيبة في ذلك المجال، و أن تكون للمستثمر خبرة سابقة في المجال الذي سيستثمر المال فيه.

3- أن تكون العملية التي يريد العامل استثمار المال فيها محددة و مفهومة لدى البنك بحيث يستطيع البنك أن يقدر نتائجها و يدرس احتمالاتها.

4- يفضل من كان له سبق تعامل مع البنك و سابقة حسنة، على غيره.

5- أن يخضع للشروط التي يمليها البنك عليه في العرض، و هي:

أ- الشروط التي تتعلق بتقسيم الأرباح وفقا لما يأتي بعد لحظات.

ب- أن تكون جميع الأعمال المالية للمستثمر المتصلة بذلك الاستثمار الخاص بواسطة البنك، بأن‌

29

يفتح فيه الحساب الجاري للمضاربة و يودع فيه ودائعها المتحركة.

ج‍- أن يلتزم بسجلات دقيقة و مضبوطة في حدود استثمار مال المضاربة (و قد يمكن إلزامه بأن تكون قانونية و ذلك بشهادة محاسب قانوني) (1).

د- أن يفتح البنك إضبارة لكل عملية مضاربة يرفق فيها كل ما يتعلق بتلك العملية من‌

____________

(1) و هذا لا يعني بطبيعة الحال أن البنك اللاربوى يمسك عن التعامل مع التجار و الصناع الذين لا يمسكون حسابات و لا يعرفون بالتحديد مقدار ارباحهم السنوية، و الذين يشكلون في الدول المتخلفة عادة أكثريّة رجال الأعمال من التجار و الصناع، بل ان البنك اللاربوى يتعامل مع هؤلاء في مضاربات خاصة و محدودة، من قبيل أن يتقدم أحدهم إلى البنك طالبا تمويله على أساس المضاربة بمبلغ محدد من المال لشراء صفقة معينة من الحنطة و تصريفها خلال الموسم، فيتفق معه البنك على ذلك و يلزمه باتخاذ سجلات دقيقة و مضبوطة في حدود تلك الصفقة التي وقعت المضاربة عليها، و إن لم يكن لدى العميل سجلات مضبوطة بالنسبة إلى مجموع عمله التجارى.

هذا في حالة اتفاق الشخص مع البنك على المضاربة بصفقة تجارية محددة، و أما في حالة إنشاء الشخص لمحل تجاري على أساس المضاربة فلا بدّ أن يكون العمل في المحل التجارى كله على أساس السجلات المضبوطة.

و أما الإلزام بمحاسب قانوني فهو ممكن فيما إذا كان العامل المضارب شركة ذات مسؤولية محدودة أو مساهمة أو تاجرا كبيرا. و أما في صغار التجار و الصناع الذين ينشؤون محلات تجارية صغيرة على أساس المضاربة مع البنك اللاربوى أو يتفق معهم البنك على صفقات معينة محددة فبإمكان البنك أن يعين محاسبا قانونيا أو أكثر لسجلات مجموع تلك المضاربات و يقتطع أجوره من مجموع أرباحها حسب النسبة قبل التوزيع.

30

مخابرات تبدأ بعقد المضاربة الموقع عليه من قبل العامل، و يشترط على العامل أن يزود البنك بجميع المعلومات عن سير دورة حياة عملية المضاربة من ساعة تنفيذ عقد المضاربة، أي من ساعة شراء المادة المتفق عليها، و ما شاكل ذلك، حتى انتهاء العقد، و تشمل هذه المعلومات تقلبات الأسعار الواقعة فعلا و المحتملة من قبل العميل، و أسعار البيع التي تقل عن أسعار الشراء.

و طريقة الاتصال بالبنك و تزويده بهذه المعلومات يحددها البنك نفسه، و باستطاعته أن يهيأ استمارات لهذا الغرض، على أن يكون للعميل الحق في الاتصال التلفوني إذا كان ذلك ضروريا.

و هناك شروط خاصة بالعمل نفسه و ظروفه، تختلف من عمل إلى آخر، لا يمكن تحديدها بصيغة عامة.

و لدى توفر شروط التوكل بالنسبة إلى المودع و المستثمر يقوم البنك بدوره كوسيط في المضاربة بعد أن يدرس ربحيّة المشروع الذي تقدم العامل طالبا تمويله عن طريق المضاربة على ضوء مختلف الظروف الموضوعية.

و على البنك أن يسعى جاهدا لتوفير المضاربة الناجحة، و لا يجوز له تأجيل استثمار الودائع الثابتة التي يتسلمها و لا التماهل في تهيئة الفرصة المناسبة للمضاربة الناجحة بها بقصد توفير سيولة نقدية في خزانته، أو إيثارا لاستثمار أمواله الخاصة على أموال المودعين.

31

حقوق الأعضاء

حقوق المودع:

العضو الأول يتمثل في أصحاب الودائع، أي المجموع الكلى للمودعين لتلك الودائع، بمعنى أن كل وديعة تظل محتفظة بملكية صاحبها لها و لا تنتقل ملكيتها إلى البنك عن طريق القرض كما يقع في البنوك الربوية، غير أن الودائع لا يبقى بعضها منعزلا عن بعض بل يستعمل البنك بإذن أصحاب الودائع الإجراء الشرعي الذي يجعل مجموع الودائع ملكا مشاعا لمجموع المودعين و يكون لكل مودع من هذا المجموع بمقدار نسبة وديعته إلى مجموع الودائع. و بذلك يصبح صاحب المال في عقد المضاربة هو المجموع الكلى للمودعين الذي يمثّل البنك إرادته بوصفه وكيلا عنهم كما سيأتي. و أي وديعة ثابتة ترد إلى البنك تدخل في بحر الودائع الثابتة الذي يشتمل على المجموع الكلى لتلك الودائع.

و لدى تحديد حقوق المودعين لهذه الودائع الذين يمثلون العضو الأول في المضاربة يجب أن تحدد هذه الحقوق بالشكل الذي ينسجم مع الإسلام و يحافظ على الدوافع التي تدفع أصحاب الودائع فعلا إلى إيداع أموالهم، لأننا إذا لم نحتفظ بهذه الدوافع فسوف ينصرف أصحاب الودائع عن الإيداع لدى البنك اللاربوي و يتجهون إلى البنوك الربوية.

32

و إذا درسنا الدافع الذي يدفع المودعين نجد أنه مكون من العناصر التالية:

أ- كون الوديعة مضمونة، فإن البنوك الربوية تضمن الوديعة لصاحبها بوصفها قرضا.

ب- الدخل الذي يدفعه البنك الربوي لصاحب الوديعة الثابتة باسم الفائدة.

ج‍- قدرة المودع على استرجاع الوديعة أو السحب عليها في نهاية الأجل الذي يحدد.

1- ضمان الوديعة:

أما العنصر الأول فيمكننا أن نحتفظ به لصاحب الوديعة في البنك اللاربوي بضمان ماله لا عن طريقة اقتراض البنك للوديعة كما يقع في البنوك الربوية و لا عن طريق فرض الضمان على المستثمر، لأنه يمثل دور العامل في عقد المضاربة، و لا يجوز شرعا فرض الضمان عليه، بل يقوم البنك نفسه بضمان الوديعة و التعهد بقيمتها الكاملة للمودع في حالة خسارة المشروع، و ليس في ذلك مانع شرعي، لأن مالا يجوز هو أن يضمن العامل رأس المال، و هنا نفترض أن البنك هو الذي يضمن لأصحاب الودائع نقودهم، و هو لم يدخل العملية بوصفه عاملا في عقد المضاربة لكي يحرم فرض الضمان عليه. بل بوصفه وسيطا بين العامل و رأس المال فهو إذن جهة ثالثة يمكنها أن تتبرع لصاحب المال‌

33

بضمان ماله (1)، و يقرر البنك هذا الضمان على نفسه بطريقة تلزمه شرعا بذلك (2)، فيتوفر بذلك للمودعين العنصر الأول من عناصر الدافع الذي يدفعهم إلى الإيداع.

2- الدخل:

و أما العنصر الثاني و هو الدخل الثابت الذي يتقاضاه المودعون من البنك الربوي باسم الفائدة، فنعوّض عنه في أطروحة البنك اللاربوي بوضع نسبة مئوية معينة من الربح للمودعين بوصفهم أصحاب المال في عقد المضاربة، فإن لصاحب المال في عقود المضاربة نسبة مئوية من الربح يتفق عليها في العقد بينه و بين العامل.

و يرتبط دخل المودعين على هذا الأساس بنتائج المشروع الذي يمارسه عامل المضاربة، فإن ربح المشروع كانت لهم نسبتهم المقررة من الربح، و إن لم يربح لم يكن لهم شي‌ء، خلافا للفائدة التي تدفعها البنوك الربوية إلى المودعين بقطع النظر عن نتائج المشروع التي استغلت الأموال المودعة فيه، غير أن احتمال عدم الربح بشكل مطلق يعتبر في أكثر الظروف احتمالا ضعيفا، و قد يصبح مجرد احتمال نظري، لأن وديعة كل فرد لن ترتبط بمفردها بمضاربة مستقلة لكي يتوقف ربح صاحبها على نتائج تلك المضاربة المحدودة. بل إنها سوف تمتزج بغيرها من الأموال النقدية في بحر الودائع الثابتة، و يدخل المودع كمضارب في جميع المضاربات التي يعقدها البنك على مجاميع مختلفة من ذلك‌

____________

(1) لاحظ للتوسع في ذلك من الناحية الفقهية الملحق رقم (2).

(2) لاحظ للتوسع في ذلك من الناحية الفقهية الملحق رقم (2).

34

البحر، و تكون حصته من المضاربة في كل عقد بنسبة وديعته إلى مجموع الودائع الثابتة. و على هذا، فيتوقف احتمال عدم الربح على ان لا تربح جميع المضاربات التي أنشأها البنك و المشاريع التي ارتبط بها على أساس المضاربة، إذ في حالة ربح بعضها يوزع ذلك الربح على الجميع بالنسب بعد تغطية ما قد يتفق من خسائر.

و أرى، بحكم الظروف الموضوعية التي تحيط بالبنك اللاربوي، أن لا تقل النسبة المائوية من الربح التي تخصص للمودعين عن الفائدة التي يتقاضاها المودع في البنك الربوي، لأنها إذا قلّت عن الفائدة انصرف المودعون عن إيداع أموالهم في هذا البنك إلى البنوك الربوية التي تدفع الفائدة. و على هذا الأساس أقترح أن تحدد- منذ البدء- فكره تقريبية عن نسبة الربح إلى رأس المال وفقا لظروف العمل التجاري في كل ظرف و يفترض للمودعين نسبة معينة من الربح لا تقل نسبتها إلى رأس المال- أي الوديعة- عن نسبة الفائدة إليه. فعلى سبيل المثال إذا كان المجموع الكلى للودائع قد بلغ مائة ألف دينار و كانت الفكرة التقريبة عن نسبة الربح إلى رأس المال المستثمر طيلة عام كامل هي 20%؛ أي أن ربح الماءة ألف في نهاية العام 20 ألف دينار و افترضنا أن الفائدة التي تدفعها البنوك الربوية هي 5% أي أنها تدفع خمسة آلاف دينار فائدة على وديعة تبلغ مائة ألف دينار، فيجب أن لا تقل النسبة المائوية التي تقرر في البنك اللاربوي للمودعين عن 25% من الربح لكي لا تنقص عن سعر الفائدة.

35

و أضيف إلى هذا أن النسبة المائوية المعاطاة للمودعين من الربح يجب أن تزيد شيئا ما على سعر الفائدة لكي يساوي عرض البنك اللاربوي عروض البنوك الربوية في قوة الإغراء و الجذب لرؤوس الأموال، و ذلك لأن الفائدة حتى إذا تساوت بموجب التقديرات التقريبة مع النسبة المقررة للمودع من الربح يظل للفائدة الربوية إغراؤها الخاص على أساس أن البنك الربوي يدفعها على أي حال، بينما البنك اللاربوي لا يرى المودع مستحقا لشي‌ء في حالة عدم الربح. و تداركا لذلك يجب أن يزاد في النسبة المائوية للربح بدرجة تصبح أكثر من الفائدة.

أما قدر هذه الزيادة فتحدده درجة احتمال عدم الربح التي د تختلف من ظرف لآخر (1) فكلما تناقصت درجة احتمال‌

____________

(1) لا نريد باحتمال عدم الربح أن لا تربح كافة المشاريع نهائيا لأن هذا الاحتمال قد لا يكون الا نظريا، لأن الربح المطلق موجود لكل وديعة على أى حال، و إنما هنالك احتمال أن تقل النسبة المقررة للمودع من الربح عن الفائدة الربوية، إما نتيجة لظروف موضوعية عامة لعمليات الاستثمار أوجدت هبوط أرباحها، و إما لأن البنك لم يستطع أن يوظف كامل حجم الوديعة، فيبقى جزء منه غير مستثمر، و بالتالى ينقص مجموع الربح عما كان مقدرا.

فهناك إذن مخاطرتان: مخاطرة ناتجة عن الظرف العام للاستثمار، و مخاطرة ناتجة عن عدم التوظيف الكامل للوديعة من ناحية الحجم أو المدة، و حين أخذ هاتين المخاطرتين بعين الاعتبار و تقييمها بالطريقة المنوّه عنها أعلاه فكون حصة المودع من الربح عندئذ مساوية للمعادلة الآتية:

الفائدة+ الفائدة مخاطرة عدم الحصول على ربح كاف نتيجة للظرف العام+ الفائدة مخاطرة عدم التوظيف الكامل حصة المودع.

36

عدم الربح تناقصت الزيادة، و العكس صحيح أيضا، فإذا فرضنا أن سعر الفائدة في السوق هو 5% و أن احتمال عدم الربح هو 10% فإن الزيادة ستكون: معدل سعر الفائدة احتمال عدم الربح الناتج عن المضاربة أي 100/ 5 100/ 10 220/ 1، و يكون مجموع المعطى للمودع 100/ 5+ 100/ 2 1000/ 55 من حجم الوديعة.

و نترجم هذه النسبة إلى «النسبة إلى الربح» المتحقق نتيجة للمضاربة، و ذلك كما يلي في هذا المثال: لو فرضنا أن نسبة الربح المتوقع هو 20% من رأس المال و أن رأس المال هو 1000 دينار كان هذا يعني أن الربح سيكون 200 دينارا، بينما الربح المستحق للمودع بموجب النسبة السابقة هو 55 دينارا، و عليه تكون النسبة المائوية لحصة المودع من الربح تساوي:

200/ 55 100 5 ر 27% أو 1000/ 275 من الربح.

قبل دخول الوديعة مجال الاستثمار:

و بالرغم من أنا وفرنا للمودع حصة من الربح تساوي أو تقارب في إغرائها الفائدة التي تعرضها البنوك الربوية على المودعين فيها، فإن هناك فارقا يبقى بين المودع في البنك الربوي و بين المودع في البنك اللاربوي، و هو أن الأول يبدأ استثماره لماله منذ اليوم الأول إذ تحسب له فوائد الوديعة من حين إيداعها، بينما لا يحصل الثاني على النسبة المائوية من الربح الا من حين استثمار وديعته و دخولها في مجال عقد المضاربة و ظهور الربح،

37

أي ان كل وديعة تمرّ عادة بفترة زمنية لا يحسب لها خلال هذه الفترة أي دخل، لا على أساس الفائدة و لا على أساس الشركة في الربح، و هي الفترة المتخللة بين إيداع الوديعة و الوقت المفروض لدخولها مجال الاستثمار.

و سوف نعالج هذه النقطة فيما بعد عند ما ندرس كيفية تقسيم الأرباح بين البنك و المودعين، و تحديد حصة كل وديعة من مجموع المضاربات.

3- قدرة المودع على سحب الوديعة:

من الواضح ان المودع للوديعة في البنك الربوي قادر على سحبها في آجال معينة، و يجب ان تعطى فرصة من هذا القبيل بشكل من الإشكال في البنك اللاربوي بالرغم من ان هذا البنك يواجه صعوبة كبيرة بهذا الصدد على أساس ان ودائعه تتحول الى مشاريع تجارية و صناعية لا الى مجرد قروض قصيرة الأجل.

و لكن يمكن للبنك اللاربوي على أي حال ان يحدد نهاية كل ستة أشهر من بداية استثمار الوديعة كأجل يمكن للمودع عند حلوله سحب وديعته و فسخ عقد المضاربة، و يشترط عليه القبول بدفع قيمة وديعته نقدا لا بشكلها المادي المستثمر فعلا في المشروع التجاري مثلا.

و إعطاء فرصة السحب للمودع في نهاية كل ستة أشهر تؤخذ فيه الأمور التالية بعين الاعتبار:

أ- ليس من المفروض أن يحل الأجل الذي يخوّل للمودع‌

38

سحب قيمة وديعته بالنسبة الى جميع الودائع الثابتة بل يمكن ان تحل آجال الودائع في أوقات مختلفة.

ب- المفروض في الحالات الاعتيادية أن لا يواجه البنك حين حلول الآجال المتعاقبة طلبا على قيمة الودائع من أصحابها إلا بنسبة ضئيلة قد لا تبلغ عشر المجموع الكلي للودائع الثابتة.

ج‍- إن الوديعة التي يسحبها صاحبها في الأجل المحدد لم تدخل كلها في مشروع استثمار واحد لكي يكون سحب قيمته منه مؤديا إلى تضعضعه، و إنما ذابت كل وديعة ثابتة في بحر الودائع الثابتة التي استثمرت في مشاريع عديدة. و على هذا فسوف يساهم في تحمل عب‌ء سحب الوديعة جميع تلك المشاريع بنسبة تركيبها د- يفرض البنك على المشاريع التي تم استثمار الودائع الثابتة فيها الالتزام بدرجة من السيولة النقدية في أوقات محددة من كل عام، و ذلك بالنسبة للمشاريع التي لا تتصف بموسمية خاصة في إعمالها.

أما المشاريع التي تتصف بالموسمية فان البنك يحدد الأوقات التي تتوفر عادة مثل هذه السيولة فيها، و يشترط على تلك المشاريع أن تودع نقودها في حساب جار لا يقل رصيده الدائم عن المبلغ المحدد و المشترط من قبل البنك في تلك الفترة بالذات. و يقوم البنك‌

39

بعد ذلك بتوزيع عب‌ء توفير السيولة على بقية المشاريع و المضاربات التي لا تتصف بالموسمية و يقسم هذا العب‌ء حسب الأوقات و الفترات التي لم تغطها سيولة المشاريع الموسمية (1).

و كل مشروع من مشاريع الاستثمار إذا رسم سياسته على هذا الأساس الذي يشترطه عليه البنك أمكنه الحصول على درجة من السيولة النقدية في وقت معين من كل عام.

ه‍- البنك لا يضطر إلى السحب من نفس رءوس أموال المشاريع القائمة فعلا على أساس المضاربة، بل يمكنه إذا واجه طلبا من شخص على وديعته الثابتة أن يدفع إليه قيمة الوديعة من السائل النقدي الذي يحتفظ به في خزائنه، و الذي يتألف:

أولا: من الجزء الذي لم يتمكن بعد من استثماره من الودائع الثابتة.

____________

(1) و يمكن استبدال هذه النقطة التي تقوم على أساس التمييز بين المشاريع الرسمية و غيرها بإلزام المؤسسة التي تتعامل مع البنك اللاربوى على أساس المضاربة بالاحتفاظ بنسبة معينة من القرض على شكل نقدى في البنك اللاربوى في كل الأحوال كحد أدنى، بدون تميز بين المشاريع المؤسسة و غيرها، و لا بين وقت و آخر. و يشابه هذا ما يطلق عليه في البنوك التجارية الأميركية اسم: (الأرصدة المعوضة) و هذا بالفعل ما اقترحه الأستاذ الفاضل الدكتور خليل الشماع حينما قام مشكورا بدراسة أطروحة البنك اللاربوى.

40

ثانيا: من الودائع المتحركة التي يمكن للبنك أن يحتفظ دائما بجزء منها كاحتياط لتغطية طلبات السحب على الودائع الثابتة.

ثالثا: من الجزء الذي يحافظ البنك على سيولته من رأس ماله الأصلي لكي يساهم في تغطية تلك الطلبات.

و في حالة سداده الوديعة من الودائع الثابتة فإن ذلك لن يغيّر أمر توزيع الأرباح شيئا، و انما يحدث التغيير فيما إذا كان قد سدد الوديعة المسحوبة من الودائع المتحركة أو من رأس ماله الأصلي. فإن البنك سيستحق هو بمواصلة المضاربة و حلوله محل المضارب السابق الأرباح التي تعود للمبلغ المستثمر من يوم حلوله محل الساحب، و تعامل أموال البنك المستثمرة في المضاربة على نفس الأساس الذي تعامل فيه الودائع الثابتة كما سنرى في توزيع الأرباح.

و يتلخص من كل ما تقدم: أننا استطعنا أن نجنب المودع الكسب على أساس الربا المحرم و في نفس الوقت احتفظنا له بالعناصر التي يتكون منها دافعه نحو الإيداع، و هي: الضمان، و الدخل، و إمكان السحب في أجل محدد.

و الآن ننتقل إلى العضو الثاني في المضاربة و هو البنك نفسه.

41

حقوق البنك

إن العضو الثاني يتمثل في البنك و هو في الواقع ليس عضوا اساسيا في عقد المضاربة، لأنه ليس هو صاحب المال و لا صاحب العمل اي المستثمر، و انما يتركز دوره في الوساطة بين الطرفين، فبدلا عن ان يذهب رجال الأعمال إلى المودعين يفتشون عنهم واحدا بعد آخر و يحاولون الاتفاق معهم يقوم البنك بتجميع أموال هؤلاء المودعين و يتيح لرجال الأعمال ان يراجعوه و يتفقوا معه مباشرة على استثمار اي مبلغ تتوفر القرائن على إمكان استثماره بشكل ناجح، و هذه الوساطة التي يمارسها البنك تعتبر خدمة محترمة يقدمها البنك لرجال الأعمال و من حقه ان يطلب مكافأة عليها على أساس الجعالة.

و الجعالة التي يتقاضاها البنك كمكافأة على عمله و وساطته تتمثل في أمرين:

الأول: أجر ثابت على العمل يمكن ان يفرض مساويا لمقدار التفاوت بين سعر الفائدة التي يعطيها البنك الربوي و سعر الفائدة التي يتقاضاها، مطروحا منها زيادة حصة المودع من الربح على سعر فائدة الوديعة:

و هذا المقدار بقطع النظر عن الطرح منه هو الذي يمثل الإيراد الإجمالي الربوي للبنوك، فان إيرادها الربوي يتمثل في الفارق‌

42

بين الفائدة التي تدفعها للمودع و الفائدة التي تتقاضاها لدى تسليف الودائع.

غير أن البنك اللاربوي الذي نبحث عن صيغته الإسلامية لا يكفي ان يحصل على هذا القدر، لأن هذا البنك يختلف عن البنوك الربوية في نقطة جوهرية هي ان ضمان رأس المال المتكون من الودائع يقع على عهدته هو بينما لا تتحمل البنوك الربوية شيئا من الخسارة في نهاية الشوط و انما الذي يتحملها رجل الأعمال المقترض من البنك، و لهذا يجب أن يزيد الجعل الذي يتقاضاه البنك لقاء عمله على المقدار الذي يحصل عليه البنك الربوي من التفاوت بين سعر الفائدتين كما سنرى.

الثاني: (أي العنصر الثاني من الجعالة المفروضة للبنك) ان يكون للبنك زائدا على ذلك الأجر الثابت جعالة مرنة على العامل المستثمر (1) تتمثل في إعطاء البنك الحق في نسبة معنية من حصة العامل في الربح و يمكن ان تقدر هذه النسبة بطريقة تقريبية‌

____________

(1) أو على المالك المضارب بتعبير فقهي أصح، لأن المالك المضارب (المودع) هو المالك في الأصل للربح كله فيمكن للبنك أن يلزمه بشرط شرعي، مثلا بأن يتنازل عن نسبة معينة من أرباحه عند ظهورها، و عدم كون مقدار النسبة محددا لا يضر بصحة الشرط. و كما يمكن هذا يمكن أيضا من الناحية النظرية فقهيا ان يفرض كون حصة العامل من الربح مشتملة على تلك النسبة التي يتوقعها البنك و يلزم البنك حينئذ العامل بملزم شرعي بالتنازل عن تلك النسبة من حصته عند ظهور الأرباح. و لأجل التوسع في تحقيق ذلك من الناحية الفقهية راجع الملحق رقم (3) في آخر الكتاب.

43

تجعلها مساوية للفرق الذي ينعكس في السوقين النقدي الربوي و التجاري بين أجرة رأس المال المضمون و أجرة رأس المال المخاطر به، فإن رأس المال المضمون تتمثل أجرته في الأسواق الربوية في مقدار الفائدة التي يتقاضاها البنك الربوي من مؤسسات الأعمال التي تقترض منه، و رأس المال المخاطر به تتمثل أجرته في الأسواق التجارية في النسبة المائوية التي تعطى عادة لرأس المال إذا اتفق صاحبه مع عامل يستثمره على أساس المضاربة، و في العادة تكون النسبة المائوية التي تعطى لرأس المال في حالة المخاطرة بدرجة يتوقع لها ان تكون أكبر من الفائدة التي يتقاضاها رأس المال المضمون عن طريق القرض.

و هذا الفارق بين الأجرتين يجعل للبنك كجعالة على عمله و وساطته.

و هذان الأمران اللذان يتكون منهما الجعل الذي يتقاضاه البنك من المستثمرين لقاء عمله و وساطته يمكن توضيحهما بدرجة أكبر و ذلك بالبيان الآتي:

إن في الأسواق التي تتاجر برأس المال حدا أدنى لأجر رأس المال المضمون قيمة و دخلا، و هذا الحد الأدنى هو ما يدفعه البنك الربوي من فوائد للمودعين الذين يضمنون بإيداعهم لنقودهم فيه قيمة المال و دخلا ثابتا باسم الفائدة. و هناك حد أعلى لأجر رأس المال المضمون قيمة و دخلا و هو ما يدفعه رجال الأعمال من‌

44

فوائد الى البنك الذي يسلفهم ما يحتاجون اليه من نقود مضمونة عليهم قيمة و دخلا.

و هناك قسم ثالث و هو رأس المال الذي يضمن قيمة لا دخلا و مثاله الودائع في البنك اللاربوي من وجهة نظر المودعين فإنه رأس مال مضمون لهم قيمة نظرا الى تعهد البنك بتدارك الخسارة متى وقعت و لكنه غير مضمون الدخل لأن دخل المودع مرتبط بربح المشاريع التي أنشأها البنك على أساس المضاربة و قد لا تربح تلك المشاريع أو لا تحقق الحد الأدنى المفروض من الربح و هو ما يساوي سعر الفائدة.

و أجرة رأس مال من هذا القبيل تتمثل في نسبة مئوية من الربح يقدر ان تعبر عن مقدار أكبر من الحد الأدنى لأجر رأس المال المضمون قيمة و دخلا بمقدار حاصل قسمة نسبة الفائدة على درجة احتمال عدم الربح.

و هناك قسم رابع و هو رأس المال الذي يخاطر به قيمة و دخلا كما إذا دفع شخص نقودا الى آخر ليتجر بها على أساس المضاربة بمفهومها الإسلامي دون ان يضمن له أحد نقوده فهو هنا مخاطر بقيمة النقود إذ قد يخسر و مخاطر بالدخل إذ قد لا يربح.

و مكافأة رأس المال هذا الذي يتحمل المخاطرة بالقيمة و الدخل معا يجب ان تكون أكبر من مكافأة رءوس الأموال السابقة، أي نسبة مئوية من الربح يقدر ان تكون أكبر من أجور رءوس الأموال المضمونة.

45

و نحن هنا حين نفترض أجر رأس المال المضمون لا نتحدث عن النظرية الإسلامية في الأجور التي لا ترى لرأس المال النقدي أجرا يستحقه الدائن على المدين، و انما نتحدث عن أجور رأس المال في الأسواق النقدية الربوية لأن هذه الأسواق سوف تفرض أجورها في الوسط التجاري و يضطر البنك اللاربوي إلى أخذها بعين الاعتبار في تقدير الدخول اللاربوية التي يخطط لها.

و على هذا الأساس، إذا درسنا الوديعة التي يتسلمها البنك اللاربوي في ضوء تلك الأجور وجدنا أنها من وجهة نظر العامل المستثمر الذي يحاول الحصول عليها عن طريق البنك اللاربوي رأس مال مخاطر به قيمة و دخلا، لأن المستثمر ليس ضامنا لقيمة رأس المال و لا لدخل معيّن في حالة عدم الربح، (هذا إذا استثنينا الأجر الثابت الذي يتقاضاه البنك على اي حال) إذ أن المخاطر بقيمة رأس المال هو البنك الذي ضمن رأس المال للمودع و المخاطر بالدخل هو المودع نفسه الذي كان بإمكانه أن يحصل على دخل ثابت عن طريق البنوك الربوية فآثر المخاطرة بالدخل بإقامة دخله على أساس الشركة في الربح، فيجب ان يكلف العامل المستثمر بدفع مكافأة تتناسب مع رأس المال المخاطر به قيمة و دخلا ناقصا سعر المخاطرة بالجزء الذي يتقاضاه البنك من تلك المكافأة كأجر ثابت.

و هذه المكافأة يستثني منها مقدار الحد الأدنى لأجرة رأس المال المضمون قيمة و دخلا زائدا قيمة المخاطرة بالدخل فيعطى للمودع، و الباقي يكون من حق البنك اللاربوي.

46

و جميع المكافأة التي يكلف رجل الأعمال المستثمر بدفعها و توزع بعد ذلك بين المودع و البنك تقتطع من الربح و ترتبط به، فحيث لا ربح لا يكلف رجل الأعمال بشي‌ء منها سوى الأجر الثابت الذي يتقاضاه البنك اللاربوي كجعالة على عمله و هو محدد تقريبا بمقدار الفرق بين سعر الفائدة التي يدفعها البنك الربوي قيمة المخاطرة بالدخل و بين سعر الفائدة التي تتقاضاها البنوك الربوية.

و هذا الأجر الثابت الذي يدفعه المستثمر الى البنك يحسب له حسابه منذ البدء، عند تحديد النسبة من الربح التي سوف تقتطع من العامل المستثمر و توزع بين المودع و البنك، فإن هذه النسبة يجب أن لا تمتص كل المكافأة التي يحضى بها عادة رأس المال المخاطر به قيمة و دخلا في الأسواق التجارية، لأنها لو امتصت كل تلك المكافأة و لنفرضها 70%؛ فمعنى هذا أن رجل الأعمال المستثمر سوف يكلّف بأكثر من أجرة رأس المال المخاطر به قيمة و دخلا، لأنه سوف يدفع تلك النسبة كاملة زائدا الأجر الثابت. فلا بد إذن ان يحسب للأجر الثابت حسابه لدى تقدير النسبة المقتطعة من ربح مضاربة العامل المستثمر منذ البدء، فتخفض هذه النسبة بدرجة يقدر أنها لا تقل عن مقدار الأجر الثابت.

و يجب ان يكون واضحا أن الجعالة المرنة التي من حق البنك اللاربوي الحصول عليها زائدا على الأجر الثابت لقاء مخاطرته‌

47

بضمان رأس المال لا يلزم أن تتجسد في نسبة محددة بشكل واحد في كل المشاريع التي تنشئها مضاربات البنك اللاربوي. بل ممكن للبنك في كل مضاربة ان يتفق مع العامل المستثمر على النسبة التي تحددها طبيعة تلك المضاربة و درجة المخاطرة المتمثلة فيها، لأن المخاطرة تختلف من قطاع اقتصادي لآخر و من مؤسسة لأخرى.

و على هذا الأساس فالبنك اللاربوي يقوم بتقسيم الأرباح التي تظهر في كل مضاربة وفقا للاتفاق الذي توصل اليه مع العامل في عقد المضاربة و الذي قد يختلف من مضاربة إلى أخرى، فيقتطع من الأرباح ما زاد على الحصة المقررة للعامل في المضاربة الخاصة التي قامت بينها، و هذا المقتطع من أرباح مختلف المضاربات هو المجموع الكلي للربح الذي يجب ان يوزع بين البنك و المودعين وفقا للطريقة التي سوف نعرضها بعد قليل لكيفية توزيع الأرباح.

مضاربة البنك برأس المال الأصلي أو بالودائع المتحركة:

يمكن للبنك أن يدخل إلى مجال الاستثمار على أساس المضاربة الأموال التي تعتبر ملكا خاصا به الى جانب الودائع الثابتة التي يعتبر البنك وكيلا عليها من قبل مودعيها. و هذه الأموال التي يملكها البنك و يمكنه ان يستثمرها على أساس المضاربة هي:

أولا: الجزء الذي يخصصه للاستثمار عن طريق المضاربة من رأس ماله الأصلي.

48

و ثانيا: الجزء الذي يقدر البنك بخبرته الخاصة إمكانية سحبه من الودائع المتحركة و إدخاله مجال الاستثمار، فإن الودائع المتحركة يتقبلها البنك بوصفها قروضا كما سيأتي و هي على هذا الأساس تعتبر ملكا للبنك، و يمكن للبنك ان يحدد القدر الضروري لتوفير السيولة النقدية اللازمة لحركة الحسابات الجارية و تسهيلاتها، و يستعمل من الفائض عن ذلك في مجال الاستثمار.

و في حالة استثمار البنك لأمواله الخاصة من هذين النوعين يصبح هو المضارب بوصفه المالك لرأس المال و يتمثل حقه حينئذ في حصة من الربح تساوي الحدّ الأعلى لأجرة رأس المال المضمون+ قيمة المخاطرة برأس المال و لا يتقاضى البنك أجرا ثابتا على إنشاء عقد المضاربة على ماله.

و البنك ملزم أمام المودعين للودائع الثابتة بأن يوظف ودائعهم و يعطيها الأولوية في الاستثمار على أمواله الخاصة فلا يحق له أن يستثمر أمواله الخاصة من رأس مال و ودائع متحركة إلا إذا لم تسد الودائع الثابتة حاجة المضاربة.

حقوق العامل المستثمر:

و العضو الثالث في عقد المضاربة يتمثل في المستثمر الذي يقوم بدور العامل في هذا العقد و يتفق البنك معه بوصفه وكيلا عن المودعين على شروط العقد.

49

و العامل المستثمر على أساس المضاربة يعتبر هو صاحب الحق المطلق في الربح بعد اقتطاع حقوق البنك و المودع، كما يعتبر المقترض الذي يتعامل مع البنك الربوي هو صاحب الحق المطلق في الربح بعد اقتطاع الفائدة التي يتقاضاها البنك الربوي منه، فالدافع لرجل الأعمال المقترض إلى الاتفاق مع البنك اللاربوي على أساس المضاربة هو الدافع له إلى الاتفاق مع البنك الربوي على أساس التسليف و الاقتراض و هو الحصول على الربح.

و إذا قارنا بين الحقوق التي يجب ان يؤديها عميل البنك اللاربوي و الحقوق التي يجب ان يؤديها عميل البنك الربوي نجد ان الفائدة التي يدفعها المستثمر المقترض الى البنك الربوي تساوي مجموع ما يدفعه العامل المضارب الى البنك اللاربوي من أجر ثابت للبنك و نسبة مئوية من الربح للمودع.

و لكن البنك اللاربوي له زيادة على ذلك حصة من الربح الذي يحققه عامل المضاربة تساوي مقدار التفاوت بين أجرة رأس المال المضمون و أجرة رأس المال المخاطر بقيمته كما تقدم.

و عميل البنك اللاربوي يدفع هذه الزيادة في مقابل ما وفّره له البنك من ضمان لرأس المال و تحمل لتبعات الخسارة، و هذا يعني أن البنك سيضيف إلى مجموع الودائع الأصيلة الثابتة كل نقص يحدث في رءوس الأموال المضارب بها من هذا الجانب.

50

خطر تلاعب المستثمرين:

و في ضوء النظام السابق يتضح أن دخل المودع و الجزء الأكبر من دخل البنك يرتبط بربح المشروع، كما أن واقع سير المشروع هو الذي يحدد أثر الضمان الذي يلتزم البنك بموجبه للمودع بقيمة الوديعة، فأي خسارة في رأس مال المشروع تكلف البنك أن يتحمل اعباءها أمام المودع. و هذا يعني أن نتائج المشروع و ربحه و خسارته ذات أثر خطير على وضع البنك و وضع المودعين، و لهذا يحرص البنك دائما على أن لا ينشئ مضاربة إلا بعد أن يعرف نوع العملية التي يستثمر بها المال و يدرس جميع ظروفها و احتمالات ربحها و نجاحها و كمية الربح المقدر، كما أنه يحرص على أن لا يتفق مع شخص على المضاربة إلا بعد التأكد من خبرته و قدرته على العمل التجاري الذي يريد ممارسته.

و لكن هذا كله لا يمنع المستثمر من التلاعب و إخفاء الربح أو ادعاء الخسارة لكي يلقي التبعة على البنك و يتهرب من دفع حقوق الوساطة و حقوق المضارب (المودع).

و الضمانات التي يتخذها البنك ضد هذا التلاعب يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولا: التأكد مسبقا من أمانة العامل المستثمر كما مر في شروط التوكل بالنسبة إلى المستثمر. و يمكن للبنك إنشاء شعبة خاصة تعنى بذلك، و بجمع المعلومات و الحقائق بهذا الصدد.

51

ثانيا: أن البنك يملك- كما مر بنا في تلك الشروط أيضا- فكره كاملة عن حدود العمل الذي سوف يمارسه المستثمر و نوع الصفقة التي ضاربه على أساسها، و معرفة البنك بذلك تتيح له أن يدرس ظروف المشروع و احتمالات الربح و النجاح. الأمر الذي يساعده على اكتشاف حقيقة سير المشروع و كشف التلاعب إذا حاول العامل المستثمر شيئا من ذلك.

ثالثا: ان البنك يلزم المستثمر كما تقدم بتزويده بكافة المعلومات عن الأسعار و تقلباتها و كذلك يلزم المستثمر باخباره بأسعار البيع التي تقل عن سعر الشراء أو لا تحقق ربحا معقولا قياسا بأسعار السوق السائدة و يدعم كل ذلك بمبرراته للبيع بهذه الأسعار.

و إلى جانب ذلك لا بد للبنك اللاربوي أن ينشى‌ء- كغيره من البنوك- شعبة تسمى ب‍ «شعبة البحوث الاقتصادية» أو بأي اسم آخر، مهمتها التحري عن أسعار السوق و عن ظروف الاستثمار، و تجمع هذه الشعبة كافة المعلومات عن الحياة الاقتصادية و التنبؤات بفرص العمل المربح في المستقبل، و كذلك التنبؤ بمستقبل الصناعة و التجارة و ما شاكل ذلك.

و بذلك سوف تتوفر للبنك معلومات كافية يستطيع على ضوئها أن يحدد مقدما ما يترتب من نتائج لأكبر عدد ممكن من المضاربات التي قام بها، كما أن هذه المعلومات ستعينه كثيرا في دراسة المضاربات التي ينوي القيام بها المستثمرون المتقدمون اليه بطلباتهم.

52

هذا كله يجعل المستثمر تقريبا عاجزا عن ادعاء الخسارة دون أن يحيط البنك علما بها قبل وقوعها الأمر الذي يمكن البنك من دراسة ظروفها و التأكد من صحتها. هذا في المضاربات التي تقوم على أساس صفقات تجارية معينة.

و أما المضاربة التي تقوم على أساس إنشاء مشروع تجاري مستقل قائم بذاته، أو الاشتراك في إنشائه، فيمكن للبنك في مثل ذلك أن يساهم في الإشراف المباشر على المشروع عن طريق ممثل له في إدارة ذلك المشروع.

رابعا: يحدد البنك منذ البدء قرائن موضوعية معينة و يحصر وسائل إثبات الربح و الخسارة بها، و على رأس تلك القرائن السجلات المضبوطة التي يلزم البنك عميله المستثمر (المضارب) باتخاذها و التقيد بها، فكل مضاربة لم يثبت عن طريق تلك القرائن المعينة أنها خسرت أو أنها لم تربح فالأصل فيها أن تكون قد احتفظت برأس مالها مع زيادة حد أدنى من الربح بمقدار تمثل النسبة المائوية للمودع منه كمية مقاربة للفائدة الربوية (1).

____________

(1) لاحظ الملحق رقم (4) لتخريج هذا الأصل من الناحية الفقهية.

53

كيف يعرف البنك الأرباح و كيف يوزعها

إن البنك سوف يأخذ من العامل المضارب مجموع ما يجب عليه أن يتنازل عنه من الربح بموجب عقد المضاربة، و يوزع هذا المقدار بينه و بين المودع، وفقا للنسب المقررة في العقد.

و غنيّ عن البيان ان البنك سوف لن يدرج أرباح المضاربات بالودائع الثابتة في ميزانيته العامة بل يضع لها ميزانية خاصة تتكفل بإحصاء تلك الأرباح و تقسيمها.

و على هذا الأساس يتجه سؤالان:

الأول: أن البنك يجب أن يعرف بالتحديد أرباح المضاربات التي تمّت بواسطته خلال سنته المالية و لا بد له أن يحدد تلك الأرباح عند تسديد حساباته في نهاية تلك السنة. و قد يتفق أن بعض المضاربات لم تتم تصفية حساباتها في ذلك الوقت فكيف يتاح للبنك أن يعرف مجموع أرباح المضاربات التي وقعت خلال سنته المالية.

الثاني: أننا إذا فرضنا أن البنك استطاع أن يحدد أرباح المضاربات التي تمت بواسطته خلال السنة و بالتالي استطاع أن يعرف القدر الذي يجب أن يتنازل عنه المستثمرون للبنك لكي يوزعه بينه و بين المودعين، إذا فرضنا كل ذلك فكيف يتاح للبنك أن يحدد حصة كل وديعة من الربح و على أي أساس يكون هذا التحديد.