الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
551 /
9

الجزء الأول

1 الوضوء في الكتاب و السنة

1 آية الوضوء آية محكمة

اتّفق المسلمون تبعا للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصحّ إلّا بطهور، و الطهور هو الوضوء و الغسل و التيمّم و قد بيّن سبحانه سرّ التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ. (1)

و قد حظا الوضوء في التشريع الإسلامي بأهمية بالغة كما نطق بها الكتاب و السنّة فقال (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «لا صلاة إلّا بطهور». (2) و في كلام آخر له: «الوضوء شطر الإيمان». (3)

فإذا كانت هذه مكانة الوضوء فمن واجب المسلم التعرّف على أجزائه و شرائطه و نواقضه و مبطلاته، و قد تكفّلت الكتب الفقهية بيان هذه المهمة.

و الذي نركز عليه في المقام هو تبيين ما اختلفت فيه كلمة الفقهاء، أعني:

حكم الأرجل من حيث المسح و الغسل، فنقول:

قال سبحانه في كتابه العزيز مبيّنا وجوب الوضوء و كيفيته بقوله:

____________

(1). المائدة: 6.

(2) الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب الوضوء.

(3) الوسائل: 1، الباب 1 من أبواب الوضوء.

10

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. (1)

الآية تشكّل إحدى آيات الأحكام التي تستنبط منها الأحكام الشرعية العملية الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشؤون حياتهم الدينية و الدنيوية.

و هذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير، و نصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هو الجماهير المؤمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي عليها، و بذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد و رقائق المعارف العقلية التي تشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلّعين، خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ و المعاد.

و الإنسان إذا تأمّل في هذه الآيات و نظائرها من الآيات التي تتكفّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمة التعبير، ناصعة البيان، واضحة الدلالة، تخاطب المؤمنين كافّة لترسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.

و الخطاب- كما عرفت- يجب أن يكون بعيدا عن الغموض و التعقيد، و عن التقديم و التأخير، و عن تقدير جملة أو كلمة حتّى يقف على مضمونها عامة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بدقائق القواعد العربية‌

____________

(1). المائدة: 6.

11

و غير عالم بها.

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية و منزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهية لأئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

نزل الروح الأمين بهذه الآية على قلب سيّد المرسلين، فتلاها على المؤمنين و فهموا واجبهم تجاهها بوضوح، دون تردد، و دون أن يشوبها أيّ إبهام أو غموض، و إنّما دبّ الغموض فيها في عصر تضارب الآراء و ظهور الاجتهادات.

فمن قرأ الآية المباركة بإمعان يقول في قلبه و لسانه:

سبحانك اللهم ما أبلغ كلامك و أفصح بيانك، و قد أوضحت الفريضة و بيّنت الوظيفة فيما يجب على المسلم فعله قبل الصلاة، فقلت:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ.

ثمّ قلت مبيّنا لكيفية الوظيفة و انّها أمران:

أ. فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ.

ب. وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

سبحانك ما أبقيت إجمالا في كلامك، و لا إبهاما في بيانك، فأوصدت باب الخلاف، و سددت باب الاعتساف بتوضيح الفريضة و بيانها.

سبحانك اللّهم إن كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ (1) فهو مهيمن- بالقطع و اليقين- على المأثورات المرويّة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و هي‌

____________

(1). المائدة: 48.

12

بين آمرة بغسل الأرجل و آمرة بمسحها.

فما ذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المروية عمّن لا ينطق إلّا عن الوحي، و لا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلّا الأخذ بما نادى به كتابك العزيز و قرآنك المجيد و قد بيّنه في جملتين تعربان عن واقع الفريضة و أنّها تتألّف من غسلتين، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ.

كما تتألّف من مسحتين وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

أَ فَغَيْرَ اللّٰهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتٰابَ مُفَصَّلًا (1).

____________

(1) الأنعام: 114.

13

2 بداية الاختلاف

كان المسلمون قبل عهد الخليفة الثالث على وفاق في أمر الوضوء، فلم يكن آنذاك أيّ خلاف بارز في مسح الرجلين أو غسلهما، و إنّما بدأ الخلاف في عهد الخليفة الثالث كما يظهر من كثير من الروايات البيانيّة المروية عن عثمان، و قد ذكر مسلم طائفة منها في صحيحه.

1. أخرج مسلم عن حمران مولى عثمان قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ، ثمّ قال: إنّ ناسا يتحدّثون عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أحاديث لا أدري ما هي؟ ألا إنّي رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) توضّأ مثل وضوئي هذا، ثمّ قال: من توضّأ هكذا، غفر له ما تقدّم من ذنبه و كانت صلاته و مشيه إلى المسجد نافلة. (1)

2. أخرج مسلم عن أبي أنس انّ عثمان توضّأ بالمقاسمة فقال: ألا أريكم وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، ثم توضّأ ثلاثا ثلاثا. و زاد قتيبة في روايته، قال سفيان: قال أبو النضر عن أبي أنس قال: و عنده رجال من أصحاب رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم). (2)

____________

(1). صحيح مسلم بشرح النووي: 3/ 115، برقم 229.

(2). صحيح مسلم بشرح النووي: 3/ 115، برقم 230.

14

و هناك روايات بيانية أخرى على لسان عثمان لم يذكرها مسلم و إنّما ذكرها غيره يشير الجميع إلى أنّ ظهور الاختلاف في كيفية وضوء النبي كان في عصره، و أمّا ما هو سبب الاختلاف فسيوافيك بيانه‌

15

3 القرآن هو المهيمن و المرجع الوحيد عند اختلاف الآثار

القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، و هو ميزان الحقّ و الباطل فما ورد فيها يؤخذ به إذا لم يخالف الكتاب العزيز و إلّا فيضرب عرض الجدار.

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب السماوية، فأولى به أن يكون كذلك بالنسبة إلى السنن المأثورة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فالكتاب مهيمن عليها، فيؤخذ بالسنّة- إذا صحت الاسناد- ما دامت غير مخالفة للكتاب.

و لا يعني ذلك الاكتفاء، بالكتاب و حذف السنّة من الشريعة، فإنّه من عقائد الزنادقة، بل السنّة حجّة ثانية للمسلمين- بعد الكتاب العزيز- بشرط ان لا تضاد السنّة الحاكية السند القطعي عند المسلمين.

فإذا كان القرآن ناطقا بشي‌ء من المسح أو الغسل فما قيمة الخبر الآمر بخلافه، فلو أمكن الجمع بين القرآن و الخبر، بحمل الثاني على فترة من الزمن ثمّ نسخه القرآن فهو، و إلّا فيضرب عرض الجدار.

قال الرازي: قال النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «إذا روي لكم حديث فأعرضوه على كتاب اللّٰه، فإن وافقه فاقبلوه، و إلّا فردّوه». (1)

____________

(1) مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير: 3/ 252، ط سنة 1308 بمصر.

16

4 سورة المائدة آخر سورة نزلت

إنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و ليس فيها آية منسوخة.

أخرج أحمد، و أبو عبيد في فضائله، و النحاس في ناسخه، و النسائي و ابن المنذر، و الحاكم و ابن مردويه، و البيهقي في سننه عن جبير بن نفير.

قال: حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة، قلت:

نعم، فقالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، و ما وجدتم فيها من حرام فحرّموه.

و أخرج أبو عبيد، عن ضمرة بن حبيب، و عطية بن قيس قالا: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المائدة من آخر القرآن تنزيلا، فأحلّوا حلالها، و حرّموا حرامها».

و أخرج الفريابي و أبو عبيد، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و أبو الشيخ، عن أبي ميسرة، قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها و ليس فيها منسوخ، و عدّ منها إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا.

و أخرج أبو داود و النحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: لم ينسخ من المائدة شي‌ء.

و أخرج عبد بن حميد قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة؟ قال: لا. (1)

____________

(1). الدر المنثور: 3/ 3- 4.

17

كلّ ذلك يدلّ على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي، فلا محيص من العمل على وفقها و ليس فيها أي نسخ.

و قد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت و ليس فيها آية منسوخة.

أخرج محمد بن مسعود العياشي السمرقندي بإسناده عن علي (عليه السلام): «كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، و إنّما يؤخذ من أمر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بآخره، و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شي‌ء». (1)

أخرج الشيخ الطوسي بإسناده عن الصادق و الباقر (عليهما السلام)، عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، إذ قال في حديث طويل: «و سبق الكتاب الخفّين، إنّما نزلت السورة قبل أن يقبض بشهرين». (2)

و على ضوء ذلك لو دلّ الكتاب على شي‌ء من المسح و الغسل، فالآثار المخالفة له، إمّا تؤوّل بكونها منسوخة بالقرآن أو تطرح.

____________

(1) نور الثقلين: 1/ 483.

(2) نور الثقلين: 1/ 483.

18

5 مصدر الاختلاف

فإذا كانت بداية الاختلاف في عهد الخليفة الثالث، فهناك سؤال يطرح نفسه: ما هو سبب الاختلاف في أمر الوضوء بعد ما مضت قرابة عشرين سنة من رحيل الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، فنقول: هناك وجوه و احتمالات:

1. اختلاف القراءة

ربما يتصوّر انّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة حيث إنّ القرّاء اختلفوا في إعراب وَ أَرْجُلَكُمْ في قوله سبحانه وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ، فمنهم من قرأ بالجرّ عطفا على الرؤوس الذي يستلزم وجوب المسح على الأرجل، و منهم من قرأ بالفتح عطفا على وُجُوهَكُمْ في قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ الذي يستلزم الغسل.

إنّ هذا الوجه باطل جدا، فإنّ العربي الصميم إذا قرأ الآية مجرّدا عن أي رأي مسبق لا يرضى بغير عطف الأرجل على الرؤوس، سواء أقرأ بالنصب أم بالجر، و أمّا عطفه على وجوهكم فلا يخطر بباله حتّى يكون مصدرا للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية و فهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في‌

19

عصر نزول الآية و يسمع كلام اللّٰه من فم الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أو أصحابه، فما يفهمه عند ذاك حجة بينه و بين ربه، و ليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات و الوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك الوقت.

فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية، و عن اختلاف المسلمين في كيفية الوضوء و طلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح:

إنّ الوضوء غسلتان و مسحتان دون أن يفكّر في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرؤوس أو معطوفة على وجوهكم؟ فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صرّح فيهما بحكمين:

بدئ في الجملة الأولى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ بغسل الوجوه ثمّ عطفت الأيدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف.

ثمّ بدئ في الجملة الثانية وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بمسح الرؤوس ثمّ عطفت الأرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرؤوس لأجل العطف، و الواو تدلّ على مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم.

و التفكيك بين حكم الرؤوس و حكم الأرجل لا يحتمله عربي صميم، بل يراه مخالفا لظهور الآية.

2. التمسّك بروايات الغسل المنسوخة

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ غسل الرجلين كان سنّة أمر بها النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في فترة من عمره، و لمّا نزلت سورة المائدة و فيها آية الوضوء و الأمر بمسح‌

20

الأرجل مكان الغسل، أخذ- بعد فترة من الزمن- من لا يعرف الناسخ و المنسوخ بالسنّة المنسوخة، و آثار الخلاف غافلا عن أنّ الواجب عليه الأخذ بالقرآن الناسخ للسنّة و فيه سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

أخرج ابن جرير عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، و السنّة بالغسل. (1)

و يريد من السنّة عمل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قبل نزول القرآن، و من المعلوم أنّ القرآن حاكم و ناسخ.

و قال ابن عباس: أبى الناس إلّا الغسل، و لا أجد في كتاب اللّٰه إلّا المسح. (2)

و بهذا يمكن الجمع بين ما حكي من عمل النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) من الغسل و بين ظهور الآية في المسح، و انّ الغسل كان قبل نزول الآية.

و نرى نظير ذلك في المسح على الخفّين، فقد روى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنّه قال: «سبق الكتاب الخفّين». (3)

و روى عكرمة عن ابن عباس قال: سبق الكتاب الخفّين. و معنى ذلك انّه لو صدر عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في فترة من عمره، المسح على الخفّين، فقد جاء الكتاب على خلافه ناسخا له حيث قال وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ أي امسحوا على البشرة لا على النعل و لا على الخفّ و لا الجورب. (4)

3. إشاعة الغسل من قبل السلطة

كان الحكام مصرّين على غسل الأرجل مكان المسح و يلزمون الناس على‌

____________

(1) الدر المنثور: 3/ 1، 4.

(2) الدر المنثور: 3/ 1، 4.

(3) مصنف ابن أبي شيبة: 1/ 213، باب من كان لا يرى المسح، الباب 217.

(4) مصنف ابن أبي شيبة: 1/ 213، باب من كان لا يرى المسح، الباب 217.

21

ذلك بدل المسح لخبث باطن القدمين، و بما انّ قسما كثيرا منهم كانوا حفاة، فراق في أنفسهم تبديل المسح بالغسل، و يدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص.

1. روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى ابن أنس و نحن عنده: يا أبا حمزة انّ الحجاج خطبنا بالأهواز و نحن معه و ذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم و أيديكم و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم، و انّه ليس شي‌ء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما و ظهورهما و عراقيبهما.

فقال أنس: صدق اللّٰه و كذب الحجاج قال اللّٰه تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ قال: و كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما. (1)

2. و ممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيد الغسل، و تؤاخذ من يقول بالمسح، حتّى أنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلّا خفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أصلّي بكم صلاة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فلمّا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلّا ابن أخت لنا، قال: ابن أخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ و مضمض و استنشق و غسل وجهه ثلاثا و ذراعيه ثلاثا و مسح برأسه و ظهر قدميه، ثمّ صلّى. (2)

هذه وجوه ثلاثة يمكن أن يبرّر بها الغسل مكان المسح مع دلالة الكتاب العزيز على المسح، و الأقرب هو الثاني ثمّ الثالث.

____________

(1). تفسير القرآن لابن كثير: 2/ 25؛ تفسير القرآن للطبري: 6/ 82.

(2) مسند أحمد: 5/ 342؛ المعجم الكبير: 3/ 280 برقم 12 34.

22

6 ما هو العامل في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ

؟ أنّ آية الوضوء هي الدليل المبرم على وجوب الوضوء و كيفيته، و هي آية واضحة نزلت لتبيين ما هو تكليف المصلّي قبل الصلاة، و طبيعة الحال تقتضي أن تكون آية واضحة المعالم، محكمة الدلالة، دون أن يكتنفها إجمال أو إبهام، قال سبحانه:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ.

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ.

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

و تعيين أحد القولين من مسح الرجلين أو غسلهما رهن تشخيص العامل في لفظة وَ أَرْجُلَكُمْ.

توضيحه: إنّ في الآية المباركة عاملين و فعلين كل يصلح في بدء النظر لأن يكون عاملا في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ إنّما الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي؟

و العاملان هما:

فاغسلوا‌

23

و امسحوا:

فلو قلنا: إنّ العامل هو الأوّل يجب غسلهما، و لو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما، فملاك إيجاب واحد منهما رهن تعيين العامل في «أرجلكم».

لا شكّ انّ الإمعان في الآية، مع قطع النظر عن كل رأي مسبق و فعل رائج بين المسلمين، يثبت انّ الثاني، أي فامسحوا هو العامل دون الأوّل البعيد.

و إن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب، أي الرؤوس لا على البعيد، أعني: الوجوه، و نوضح ذلك بالمثال التالي:

لو سمعنا قائلًا يقول: أحب زيدا و عمرا و مررت بخالد و بكر من دون أن يعرب «بكر» بالنصب أو الجرّ، نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» و العامل فيه هو الفعل الثاني و ليس معطوفا على «عمرو» حتّى يكون العامل فيه هو الفعل الأوّل.

و قد ذكر علماء العربية أنّ العطف من حقّه أن يكون على الأقرب دون الأبعد، و هذا هو الأصل و العدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، و إلّا ربما يوجب اللّبس و اشتباه المراد بغيره.

فلنفرض أنّ رئيسا قال لخادمه: أكرم زيدا و عمرا و اضرب بكرا و خالدا، فهو يميز بين الجملتين، و يرى أنّ «عمرا» عطف على «زيدا»، و أمّا «خالدا» فهو عطف على «بكرا»، و لا يدور بخلده خلاف ذلك.

قال الرازي: يجوز أن يكون عامل النصب في قوله أَرْجُلَكُمْ هو قوله:

وَ امْسَحُوا و يجوز أن يكون هو قوله فَاغْسِلُوا لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله:

أَرْجُلَكُمْ هو قوله وَ امْسَحُوا.

24

فثبت انّ قوله وَ أَرْجُلَكُمْ بنصب اللام توجب المسح. (1)

فإذا كانت الحال كذلك و لا يجوز الخروج عن القواعد في الأمثلة العرفية، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة كذلك.

و ليس المثال منحصرا بما ذكرنا، بل بإمكانك الأدلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية.

فلو إنّك عرضت الآية على أيّ عربيّ صميم يجرّد نفسه عن المذهب الذي يعتنقه، و سألته عن دلالة الآية يجيبك:

إنّ هناك أعضاء يجب غسلها، و هي الوجوه و الأيدي.

و أعضاء يجب مسحها و هي الرؤوس و الأرجل.

و لو ألفت نظره إلى القواعد العربية تجده انّه لا يتردد انّ العامل في الرؤوس و الأرجل شي‌ء واحد و هو قوله وَ امْسَحُوا و لا يدور بخلده التفكيك بين الرؤوس و الأرجل بأن يكون العامل في الرؤوس قوله فَامْسَحُوا و العامل في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ هو قوله فَاغْسِلُوا.

فإذا اتّضحت دلالة الآية على واحد من المسح و الغسل فلا نحتاج إلى شي‌ء آخر، فالموافق منه يؤكّد مضمون الآية، و المخالف يعالج بنحو من الطرق أفضلها انّها منسوخة بالكتاب.

____________

(1). التفسير الكبير: 11/ 161.

25

7 القراءتان و المسح على الأرجل

إنّ اختلاف القرّاء في لفظة وَ أَرْجُلَكُمْ بالفتح و الجر لا يؤثر في دلالة الآية على وجوب المسح، فالقراءتان تنطبقان على ذلك القول بلا أي إشكال.

توضيح ذلك:

إنّه قرأ نافع و ابن عامر و عاصم في رواية حفص عنه قوله وَ أَرْجُلَكُمْ بالنصب، و هذه هي القراءة المعروفة التي عليها المصاحف الرائجة في كلّ عصر و جيل.

و قرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر عنه بالجرّ.

و نحن نقول: إنّ القراءتين تنطبقان على القول بالمسح بلا تريّث و تردد.

أمّا الثاني أي قراءة الجر، فهو أقوى شاهد على أنّه معطوف على قوله:

بِرُؤُسِكُمْ إذ ليس لقراءة الجرّ وجه سوى كونه معطوفا على ما قبله. و عندئذ تكون الأرجل محكومة بالمسح بلا شك.

و أمّا قراءة النصب فالوجه فيه أنّه عطف على محل بِرُؤُسِكُمْ لأنّه منصوب محلّا مفعول لقوله وَ امْسَحُوا و عندئذ تكون الأرجل أيضا محكومة بالمسح فقط، و العطف على المحل أمر شائع في اللغة العربية، و قد ورد أيضا في‌

26

القرآن الكريم.

أمّا القرآن فقال سبحانه أَنَّ اللّٰهَ بَرِي‌ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ (1) فقراءة:

وَ رَسُولِهِ بالضم هي القراءة المعروفة الرائجة و لا وجه لرفعه إلّا كونه معطوفا على محل اسم إنّ، أعني: لفظ الجلالة في أَنَّ اللّٰهَ لكونه مبتدأ.

و قد ملئت مسألة العطف على المحل كتب الأعاريب، فقد عقد ابن هشام بابا خاصا للعطف على المحل و ذكر شروطه. (2)

و أمّا في الأدب العربي فحدّث عنه و لا حرج، قال القائل:

معاوي انّنا بشر فاسجح * * *فلسنا بالجبال و لا الحديدا

فقول: «و لا الحديدا» بالنصب عطف على محل «بالجبال» لأنّها خبر ليس في قوله «فلسنا».

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ اختلاف القراءتين لا يؤثّر في تعيّن القول بالمسح، و سوف يوافيك دراسة القراءتين على القول بالغسل.

ثمّ إنّ لفيفا من أعلام السّنة صرحوا بدلالة الآية على المسح قائلين بأنّ قوله وَ أَرْجُلَكُمْ معطوف على الأقرب لا الأبعد، و انّ العامل فيه هو وَ امْسَحُوا، و نذكر بعض تلك الكلمات:

1. قال ابن حزم: و أمّا قولنا في الرجلين، فان القرآن نزل بالمسح، قال تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ، و سواء قرئ بخفض اللام أو فتحها، فهي على كلّ حال عطف على الرؤوس امّا على اللفظ و إمّا على الموضع، و لا يجوز‌

____________

(1). التوبة: 3.

(2). مغني اللبيب: الباب 4، مبحث العطف. قال: الثاني: العطف على المحل ثمّ ذكر شروطه.

27

غير ذلك. (1)

و قال الرازي: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل.

و أمّا القراءة بالنصب، فقالوا- أيضا- انّها توجب المسح، و ذلك لأنّ قوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ في محل النصب، و لكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطف الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس، و الجر عطفا على الظاهر، و هذا مذهب مشهور النحاة. (2)

2. و قال الشيخ السندي الحنفي- بعد ان جزم انّ ظاهر القرآن هو المسح- ما هذا لفظه: و إنّما كان المسح هو ظاهر القرآن، لأنّ قراءة الجر ظاهرة فيه، و قراءة النصب محمول على جعل العطف على المحل. (3)

و لعلّ هذا المقدار من النقول يكفي في تبيين انّ كلتا القراءتين تدعمان المسح فقط و تنطبقان عليه بلا إشكال.

____________

(1). المحلى: 2/ 56.

(2). التفسير الكبير: 11/ 161.

(3). شرح سنن ابن ماجة: 1/ 88، قسم التعليقة.

28

8 القراءتان و غسل الأرجل

قد عرفت أنّ اختلاف القراءة في قوله وَ أَرْجُلَكُمْ لا يؤثر في القول بمسح الرجلين، سواء إقرانا قوله وَ أَرْجُلَكُمْ بالنصب أم قرأناه بالجر، فكلتا القراءتين تدعمان المسح و بالتالي العامل في قوله أَرْجُلَكُمْ هو قوله:

وَ امْسَحُوا و لفظة وَ أَرْجُلَكُمْ معطوفة على بِرُؤُسِكُمْ إمّا لفظا أو محلا.

إنّما الكلام في إمكانية تطبيق القول بالغسل على القراءتين المعروفتين و مقدار انسجامه معهما و القواعد العربية. و سيتضح من خلاله انّ فرض الغسل على الآية خرق واضح للقواعد العربية، و إليك البيان:

الغسل و قراءة النصب

فلو قلنا بدلالة الآية على غسل الأرجل، فلا محيص من أن يكون العامل هو قوله في الجملة المتقدّمة فَاغْسِلُوا و أن يكون معطوفا على قوله وُجُوهَكُمْ و هذا يستلزم الفصل بين المعطوف وَ أَرْجُلَكُمْ و المعطوف عليه وُجُوهَكُمْ بجملة أجنبية و هي وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ مع أنّه لا يفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بمفرد فضلا عن جملة أجنبية، و لم يسمع في كلام العرب الفصيح قائل يقول: «ضربت زيدا» و «مررت ببكر و عمرا» بعطف «عمرا» على «زيدا».

29

1. قال ابن حزم: لا يجوز عطف أرجلكم على وجوهكم، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف و المعطوف عليه بقضية مبتدئة. (1)

2. و قال أبو حيان: و من ذهب إلى أنّ قراءة النصب في وَ أَرْجُلَكُمْ عطف على قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ و فصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فهو بعيد، لأنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية. (2)

3. و قال الشيخ الحلبي في تفسير الآية: نصب وَ أَرْجُلَكُمْ على المحل و جرها على اللفظ، و لا يجوز أن يكون النصب للعطف على وجوهكم، لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية هي وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و الأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة، و لم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيدا و مررت ببكر و عمرا بعطف عمرا على زيد. (3)

4. و قال الشيخ السندي: و حمل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب لاطّراد العطف على المحل، و أيضا فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف و المعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح. (4)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تصرح بأنّ قراءة النصب و استفادة الغسل يتوقّف على خرق قاعدة نحوية، و هي الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية.

____________

(1). المحلى: 2/ 56.

(2). تفسير النهر الماد: 1/ 558.

(3). غنية المتملي في شرح منية المصلي المعروف بالحلبي الكبير: 16.

(4). شرح سنن ابن ماجة: 1/ 88.

30

الغسل و قراءة الجر

إنّ القائلين بغسل الأرجل برّروا قراءة النصب بوجه قد عرفت ضعفه و عدم انسجامه مع القواعد العربية، و لكنّهم لمّا وقفوا على قراءة الجرّ و انّها تدلّ على المسح دون الغسل حاروا في تبريرها و توجيهها مع القول بالغسل، فإنّ قراءة الجر صريحة في أنّ لفظة وَ أَرْجُلَكُمْ معطوفة على بِرُؤُسِكُمْ فيكون حكمها حكم الرؤوس، و عند ذلك مالوا يمينا و يسارا حتّى يجدوا لقراءة الخفض مع القول بالغسل مبرّرا، و ليس هو إلّا القول بالجرّ بالجوار.

و حاصله: انّ قوله وَ أَرْجُلَكُمْ محكوم حسب القواعد بالنصب لكونها معطوفة على قوله وُجُوهَكُمْ، و لكنّه اكتسب أعراب الجرّ من قوله:

بِرُؤُسِكُمْ لأجل وقوعه في جنب لفظ مجرور و هذا ما يقال له: «الجرّ بالجوار» و هو ترك اللفظ إعرابه الطبيعي و اكتساب أعراب اللفظ المجاور معه، و قد مثلوا له بقولهم «جحر ضبّ خرب» فان قوله «خرب» خبر لقوله: «جحر» و لكنّه قرأ بالجرّ لوقوعه في جنب كلمة ضبّ حيث إنّه مجرور باعتبار كونه مضاف إليه.

و بما أنّ الجرّ بالجوار إمّا غير واقع في فصيح اللغة، و على فرض وقوعه فله شروط مفقودة في المقام، نعقد لبيان الموضوع الفصل التالي.

31

9 الجر بالجوار صحة و شرطا

لما كان القائلون بغسل الأرجل يفسّرون قراءة الجرّ بالجوار، نذكر كلمات أعلام الأدباء في المقام ليعلم مدى صحّة الجرّ بالجوار، و على فرض صحّته ما هي شروطه؟

1. قال الزجاج: ربما يقال وَ أَرْجُلَكُمْ مجرور لأجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الرؤوس المجرورة، نظير قول القائل: جحر ضب خرب، فإن «خرب» خبر «الجحر» فيجب أن يكون مرفوعا، لكنّه صار مجرورا لأجل الجوار.

هذا، ثمّ ردّ عليه بقوله: و هو غير صحيح، لاتّفاق أهل العربية على أنّ الأعراب بالمجاورة شاذ نادر، و ما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليها. (1)

2. قال علاء الدين البغدادي في تفسيره المسمى بالخازن: و أمّا من جعل كسر اللام في «الأرجل» على مجاورة اللفظ دون الحكم. و استدل بقولهم: «جحر ضب خرب» و قال: الخرب نعت للجحر لا الضب، و إنّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيّد لوجهين:

____________

(1). معاني القرآن و إعرابه: 2/ 153.

32

أ. لأنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لأجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، لأنّ الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر.

ب. و لأنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون واو العطف، امّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب. (1)

3. أنكر السيرافي و ابن جنّي الخفض على الجوار و تأوّلا قولهم «خرب» بالجر على أنّه صفة للضب، و من أراد التفصيل فليرجع إلى المغني. (2)

4. قال ابن هشام: و لا يكون الجر بالجوار في النسق، لأنّ العاطف يمنع التجاور. (3)

و يتلخص من هذه الكلمات التي نقلناها بالإيجاز الأمور التالية:

أوّلا: انّ الخفض بالجواز لم يثبت في الكلام الفصيح.

ثانيا: انّ الخفض بالجوار على فرض ثبوته إمّا لضرورة الشعر أو لأجل استحسان الطبع المماثلة بين اللفظين المتجاورين، و كلّ من الوجهين منتفيان في المورد، فليس هنا ضرورة شعرية و لا استحسان الطبع في إخلاء لفظ وَ أَرْجُلَكُمْ من إعرابه الواقعي و اكتسابه إعراب جاره.

ثالثا: انّ العطف بالجوار إنّما يجوز فيما إذا يؤمن عن الاشتباه كما في المثل المعروف فان «خرب» وصف للجحر لا للضبّ و ان جرّ، بخلاف المقام فإنّ قراءة الجرّ تورث الاشتباه، فلو كان الأرجل في الواقع محكومة بالغسل فالجرّ بالجوار‌

____________

(1). تفسير الخازن: 2/ 16.

(2) مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية، 359.

(3) مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية، 359.

33

يوهم كون الأرجل محكومة بالمسح و انّها معطوفة على الرؤوس من دون أن يلتفت المخاطب إلى أنّ الجرّ للجوار فلا داعي لارتكاب هذا النوع من الخفض الذي يضاد بظاهره مراد القائل.

و رابعا: لم يثبت الجر بالجوار إلّا في الوصف و البدل و أمثالهما لا في المعطوف كما في الآية.

و ظهر من هذا البحث الضافي انّ القول بالمسح ينطبق على كلتا القراءتين بلا أدنى تأويل و حرج، و هذا بخلاف القول بالغسل فإنّه لا ينسجم لا مع قراءة النصب و لا مع قراءة الجرّ.

34

10 الاجتهاد تجاه النص

إنّ آفة الفقه هو التمسك بالاعتبارات و الوجوه الاستحسانيّة أمام النصّ، لأنّه يضاد مذهب التعبديّة، فالمسلم يتعبد بالنص- و إن بلغ ما بلغ- و لا يقدّم رأيه على كتاب اللّٰه و سنّة رسوله الصحيحة، و هو آية الاستسلام أمام اللّٰه و أمام رسوله و كتابه و سننه، قال سبحانه يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. (1)

أي لا تتقدّموا على اللّٰه و رسوله بافتراض رأيكم على الرسول و الأمّة المسلمة.

إنّ تقديم الوجوه الاستحسانية على النصّ تقدّم على اللّٰه و رسوله، و نعم ما قال الإمام الشافعي: «من استحسن فقد شرّع».

و قد وقف غير واحد من أعلام السنّة على أنّ ظاهر الآية أو صريحها هو مسح الرجلين و اعترفوا بذلك بوجدانهم أو بلسانهم و قلمهم، و لكن التعبد بمذهب الأئمّة الأربعة و غيرهم عاقهم عن الأخذ بمضمون الآية، فاتبعوا المذهب الموروث بدل الاتّباع للقرآن الكريم، و لو لا انّهم نشأوا على هذه الفكرة منذ نعومة أظفارهم، لما قدّموا اجتهاداتهم على كتاب اللّٰه العزيز الدالّ على المسح، و حرّروا‌

____________

(1). الحجرات: 1.

35

تفكّرهم عن قيد التقليد، و إليك شيئا من هذه الاجتهادات التي لا يرتضيها العقل و لا الوجدان الحرّ.

1. الغسل يشمل المسح

زعم الجصاص أنّ آية الوضوء مجملة فلا بدّ من العمل بالاحتياط، و هو الغسل المشتمل على المسح أيضا، بخلاف المسح فإنّه خال عن الغسل، ثمّ رفع إبهام الآية بادّعاء اتّفاق الجميع على أنّه لو غسل فقد أدّى الفرض. (1)

يلاحظ عليه: أوّلا: بأنّه كيف يرمي الآية بالإجمال مع أنّها واضحة الدلالة، لأنّها بصدد بيان ما هو الواجب على عامة المصلّين عند القيام إلى الصلاة، و مثل هذا يجب أن يكون مبيّن المراد، غير محتمل إلّا لمعنى واحد، و إنّما دعاه إلى القول بالإجمال الفرار عن ظاهر الآية الدالّ على أنّ فريضة الأرجل هو المسح لا الغسل.

و ثانيا: أنّ ما يقوله إنّ الغسل يشمل المسح دون العكس فإنّه خال من الغسل، غير صحيح، لأنّ المراد من الغسل في المقام هو إسالة الماء على العضو، كما أنّ المراد من المسح فيها هو إمرار اليد على العضو بالبلل المتبقّي في اليد، و عندئذ يصبح الغسل و المسح فريضتين مختلفتين على نحو يغاير كلّ الآخر، فلا الغسل يشتمل على المسح و لا المسح على الغسل.

و ثالثا: أنّ ادّعاء رفع إبهام الآية بأنّه إذا غسل فقد أدّى فرضه باتّفاق الجميع مصادرة بالمطلوب، إذ كيف يدّعي الاتفاق عليه مع أنّ القائلين بالمسح بين الصحابة و التابعين كما سيوافيك أسماؤهم، ليسوا بأقلّ من القائلين بالغسل، كما أنّ الإمامية و هم ربع المسلمين يرون بطلان الغسل و لزوم المسح فأين اتّفاق الجميع على الغسل؟!

____________

(1). أحكام القرآن: 2/ 346.

36

2. نسخ السنّة للكتاب

و هناك من يرى دلالة الآية على المسح بوضوح و يبطل القول بأنّ أرجلكم معطوف على قوله: «وجوهكم» و يقول: لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف و المعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف، لأنّه إشكال و تلبيس و إضلال لا بيان. لا تقول: ضربت محمدا و زيدا و مررت بخالد و عمرا، و أنت تريد أنّك ضربت عمرا أصلا، فلما جاءت السنّة بغسل الرجلين صحّ انّ المسح منسوخ عنهما. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّه لا يصحّ نسخ الكتاب إلّا بالسنّة القطعية، لأنّ الكتاب دليل قطعي لا ينسخه إلّا دليل قطعي مثله.

و أمّا المقام فالسنّة الدالة على الغسل متعارضة مع السنّة الدالة على المسح، فكيف يمكن أن نقدّم أحد المتعارضين على القرآن الكريم بغير مرجح؟

و ستوافيك الروايات المتضافرة الدالة على أنّ النبي و أصحابه كانوا يمسحون الأرجل مكان الغسل.

و ثانيا: اتّفقت الأمّة على أنّ سورة المائدة آخر ما نزل على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و انّها لم تنسخ آية منها، و قد مرّ من الروايات و أقوال الصحابة ما يدلّ على ذلك.

و ثالثا: كان اللازم على ابن حزم أن يجعل الآية دليلا على منسوخيّة السنّة، و لو ثبت انّ النبي غسل رجليه في فترة من الزمن فالآية ناسخة لها لا أنّها ناسخة للقرآن.

____________

(1). الإحكام في أصول الأحكام: 1/ 510.

37

3. التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء

و قد وقف الزمخشري على أنّ قراءة الجر تلزم الإنسان بمسح الأرجل لا غسلهما، فصار بصدد منع الدلالة، و انّ الأرجل و إن كانت معطوفة على الرؤوس و مع ذلك يفقد العطف الدلالة على الغسل، قال:

قرأ جماعة وَ أَرْجُلَكُمْ بالنصب فدلّ على أنّ الأرجل مغسولة.

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر و دخلوها في حكم المسح؟

قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكان مظنة للإسراف المذموم المنهيّ عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح و لكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها و قيل إلى الكعبين. (1)

يلاحظ عليه أوّلا: أنّ ما ذكره من الوجه إنّما يصحّ إذا كانت النكتة ممّا تعيه عامة المخاطبين من المؤمنين، و أين هؤلاء من هذه النكتة التي ابتدعها الزمخشري توجيها لمذهبه؟

و بعبارة أخرى: انّما يصحّ ما ذكره من النكتة إذا أمن من الالتباس لا في مثل المقام الذي لا يؤمن منه، و بالتالي يحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح غفلة عن النكتة البديعة!! للشيخ الزمخشري.

و ثانيا: أنّ الأيدي أيضا مظنة للإسراف مثل الأرجل، فلما ذا لم ينبّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء فيها أيضا؟! كل ذلك يعرب عن أنّ هذا الوجه توجيه للمذهب الذي نشأ و ترعرع صاحب الكشاف عليه، و لو لا ذلك لم يرد بخلده هذا الوجه.

____________

(1) الكشاف: 1/ 326.

38

4. سهولة غسل الرجلين دون الشعر

لما وقف ابن قدامة على أنّ مقتضى عطف الأرجل على الرؤوس هو المسح، سواء أقرئت بالنصب أو بالجر، أخذ يتفلسف و يجتهد أمام الدليل الصارم و يقول:

إنّ هناك فرقا بين الرأس و الرجل، و لأجله لا يمكن أن يحكم عليهما بحكم واحد، و هذه الوجوه عبارة عن:

1. انّ الممسوح في الرأس شعر يشقّ غسله، و الرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات.

2. انّهما محدودان بحد ينتهي إليه فأشبها باليدين.

3. انّهما معرّضتان للخبث لكونهما يوطّأ بهما على الأرض بخلاف الرأس. (1)

يلاحظ عليه: أنّه اجتهاد مقابل النص و تفلسف في الأحكام.

فأمّا الأوّل: فأيّ مشقّة في غسل الشعر إذا كان المغسول جزاء منه فإنّه الواجب في المسح، فليكن كذلك عند الغسل.

و أمّا الثاني: فلانّ التمسك بالشّبه ضعيف جدا، إذ كم من متشابهين يختلفان في الحكم.

و أفسد منه هو الوجه الثالث فإنّ كون الرّجلين معرّضتين للخبث لا يقتضي تعيّن الغسل، فإنّ القائل بالمسح يقول بأنّه يجب أن تكون الرّجل طاهرة من الخبث ثمّ تمسح.

و لعمري إنّ هذا الوجه و ما تقدّمه للزمخشري تلاعب بالآية لغاية دعم المذهب، و الجدير بالفقيه الواعي هو الأخذ بالآية، سواء أ وافقت مذهب إمامه أم لا. و لصاحب المنار كلمة قيّمة في حقّ هؤلاء الذين يقدّمون فتاوى الأئمّة على‌

____________

(1). المغني: 1/ 124.

39

الكتاب العزيز و السنّة الصحيحة يقول: إنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّٰه و سنّة رسوله. (1)

5. اتّباع السلف في الغسل

لمّا وقف ابن تيمية على أنّ قراءة الخفض تستلزم العطف على الرؤوس فيلزم حينئذ مسح الرجلين لا غسلهما، التجأ إلى تأويل النص، و قال:

«و من قرأ بالخفض فليس معناه و امسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس، لأوجه: أحدهما: انّ الذين قرأوا ذلك من السلف، قالوا: عاد الأمر إلى الغسل». (2)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لزم القول بأنّ السلف تركوا القرآن وراء ظهورهم و أخذوا بما لا يوافق القرآن، و لو كان رجوعهم لأجل نسخ الكتاب فقد عرفت أنّ القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. و لو سلّمنا جواز النسخ فسؤره المائدة لم ينسخ منها شي‌ء.

و من العجب أنّ ابن تيميّة ناقض نفسه فقد ذكر في الوجه السابع ما هذا نصه: «إنّ التيمّم جعل بدلا عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء الوضوء و خفّ الشطر الثاني، و ذلك فإنّه حذف ما كان ممسوحا و مسح ما كان مغسولا». (3)

فلو كان التيمّم على أساس حذف ما كان ممسوحا فقد حذف حكم الأرجل في التيمّم، فلازم ذلك أن يكون حكمه هو المسح حتّى يصحّ حذفه، فلو كان حكمه هو الغسل لم يحذف، بل يبقى كالوجه و اليد و يمسح.

____________

(1). تفسير المنار: 2/ 386.

(2). التفسير الكبير: 4/ 48.

(3). المصدر نفسه: 50.

40

6. التحديد آية الغسل

إنّ المفسر المعروف بالشيخ إسماعيل حقي البروسوي أيّد القول بالغسل بأنّ المسح لم يعهد محدودا و إنّما جاء التحديد في المغسولات. (1)

يريد بكلامه هذا انّ الأرجل حدّدت بالكعبين فأشبه غسل الكعبين بغسل الأيدي المحدّد بالمرافق، فيحكم عليها بالغسل يحكم الاشتراك في التحديد.

يلاحظ عليه: أنّ كلّا من المغسول و الممسوح جاء في الآية محدّدا و غير محدّد، فالوجوه في الآية تغسل و لم تحدد، و الأيدي تغسل و حدّدت بقوله «إِلَى الْمَرٰافِقِ»، فيعلم من ذلك انّ الغسل تارة يكون محدّدا و أخرى غير محدد، فلا التحديد دليل على وجوب الغَسل و لا عدم التحديد دليل على وجوب المسح، و هكذا الحال في الممسوح فالأرجل- على المختار- تمسح و يكون محددا إلى الكعبين و الرأس تمسح و هو غير محدد، فجعل التحديد علامة للغسل أشبه بجعل الأعم دليلا على الأخص، و ما ذكره من أنّه لم يجي‌ء في شي‌ء من المسح تحديد، أوّل الكلام، و هو من قبيل أخذ المدّعى في الدليل.

و لو قلنا بهذه الاستحسانات، فالذوق الأدبي يقتضي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة.

قال المرتضى: إنّ الآية تضمّنت ذكر عضو مغسول غير محدود و هو الوجه و عطف عليه مغسول محدود و هما اليدان، ثمّ استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود و هو الرأس فيجب أن تكون الأرجل ممسوحة و هي محدودة و معطوفة عليه دون غيره، لتتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود و في عطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود. (2)

____________

(1). روح البيان: 2/ 351.

(2) الانتصار: 24.

41

7. المرجع هو السنّة بعد تعارض القراءتين

ذهب الآلوسي إلى أنّ القراءتين المتواترتين المتعارضتين كأنّهما آيتان متعارضتان، و الأصل في مثله هو السقوط و الرجوع إلى السنّة؟

قال: إنّ القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين، بل بإطباق أهل الإسلام كلّهم، و من القواعد الأصولية عند الطائفتين انّ القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلا بدّ لنا أن نسعى و نجتهد في تطبيقهما أوّلا، مهما أمكن، لأنّ الأصل في الدلائل الأعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأصول، ثمّ نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثمّ إذا لم يتيسر لنا الترجيح فنتركهما و نتوجّه إلى الدلائل الأخر من السنّة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ من الغرائب أن نجعل القراءتين متعارضتين ثمّ نسعى في رفع التعارض بالوجوه التي ذكرها القائل، فإنّ فرض التعارض بين القراءتين رهن فرض المذهب على القرآن و تطبيقه عليه و إلّا فالقراءتان ليس فيهما أي تعارض و تهافت و كلتاهما تهدفان إلى أمر واحد و هو مسح الرجلين، لأنّ قوله وَ أَرْجُلَكُمْ على كلتا القراءتين معطوف على لفظ واحد و هو قوله بِرُؤُسِكُمْ، لكن إمّا عطفا على المحل فتنصب أو عطفا على الظاهر فتجر.

8. الغسل إضافة من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم

ذهب جمال الدين القاسمي إلى أنّ الآية صريحة في أنّ الفريضة هي المسح كما قاله ابن عباس و غيره، و لكن إيثار غسلهما في المأثور عنه إنّما هو للتزيّد في الفرض و التوسّع فيه حسب عادته، فإنّه سنّ في كلّ فرض سننا تدعمه و تقوّيه في‌

____________

(1). روح المعاني: 6/ 74.

42

الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ.

و ممّا يدلّ على أنّ واجبهما المسح تشريع المسح على الخفّين و الجوربين و لا سند له إلّا هذه الآية، فإنّ كلّ سنّة أصلها في كتاب اللّٰه منطوقا أو مفهوما، فاعرف ذلك و احتفظ به و اللّٰه الهادي. (1)

يلاحظ عليه: حاشا النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أن يزيد أو ينقص في الفرائض، بل هو يتّبع الوحي، و كان شعاره (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قُلْ إِنَّمٰا أَتَّبِعُ مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي (2) و قوله قُلْ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ (3) و لو زاد في الصلوات فإنّما بأمر من اللّٰه سبحانه.

ثمّ لو زاد ما زاد فإنّما يزيد فيما ثبت أصله بالسنّة، لا بالكتاب العزيز كإضافة ركعتين في الرباعية و ركعة في الثلاثيّة.

أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض اللّٰه الصلاة على لسان نبيّكم (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم في الحضر أربعا و في السفر ركعتين. (4)

فلو افترضنا أنّ الفريضة كانت هي المسح دون الغسل و انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم زاد في الفرض بحكم الروايات الآمرة بالغسل، لكن ماذا نفعل عندئذ بالروايات الآمرة بالمسح، و هي روايات صحاح هائلة كما سيوافيك، فهل هنا ملجأ بعد التعارض إلّا الذكر الحكيم؟! و كلّ هذه الكلمات تعرب عن أنّ أصحابها اتّخذوا موقفا مسبقا حيال الآية‌

____________

(1). التأويل: 6/ 112.

(2). الأعراف: 203.

(3). يونس: 15.

(4). صحيح مسلم: 2/ 143، باب صلاة المسافرين.

43

الصريحة الواضحة الدلالة، و فرضوا مذهبهم عليها، الأمر الذي أوقعهم في حيص بيص و مأزق، و طرقوا كافة الأبواب للخروج منه و تشبّثوا بوجوه استحسانية لا تغني عن الحقّ شيئا.

9. التمسّك بالمصالح

لما استشعر صاحب المنار، بأنّ الآية ظاهرة في مسح الرجلين باليد المبلّلة بالماء حاول صرف الآية عن ظاهرها بالتمسّك بالمصالح، و قال:

لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء، لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، و ينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره استحسان لا يعرّج عليه مع وجود النص، فلا شك أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية و لا يجب علينا أن نقف عليها، فأي مصلحة في المسح على الرأس و لو بمقدار إصبع أو إصبعين حتى قال الشافعي: إذا مسح الرأس بإصبع واحدة أو بعض إصبع أو باطن كفه، أو أمر من يمسح له أجزأه ذلك؟! و هناك كلمة قيّمة للإمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها، قال- (رحمه اللّٰه)-:

نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلّا بما فيه مصلحتهم، و لم ينههم إلّا عمّا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئا من مدارك تلك الأحكام منوطا من حيث المصالح و المفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة‌

____________

(1). تفسير المنار: 6/ 234.

44

عنها إلى ما سواها. و أوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، و قد حكم بمسح الرؤوس و الأرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الأرجل من الدنس فلا بدّ من إحرازه قبل المسح عليها عملا بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1). (2)

10. اعتراض جملة وَ امْسَحُوا. لبيان الترتب

إنّ الفصل بين المتعاطفات بقول وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ لبيان تقدّم المسح على غسل الأرجل. (3)

يلاحظ عليه: بأنّ في وسع المتكلم أن يجمع بين ذكر الترتيب و وضوح البيان بتكرار الفعل بأن يقول: «فامسحوا برءوسكم و اغسلوا أرجلكم» فيكون كلامه مبيّنا لمقصده و في الوقت نفسه نزيها عن اللّبس.

____________

(1). و لذا ترى حفاة الشيعة و العمال منهم- كأهل الحرث و أمثالهم و سائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة- إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.

(2). مسائل فقهية: 82.

(3). مجلة الفيصل العدد 235 صفحة 48، مقالة أبي عبد الرحمن الظاهري.

45

11 المسح على الأرجل في الأحاديث الصحيحة

قد تعرّفت- من دلالة الآية- على أنّ الفرض في مورد الأرجل هو المسح، و بما انّ الآية نزلت في أخريات حياة النبي و لم تنسخ بعد فهي بنفسها كافية في الدلالة على المقصود.

غير انّنا تعزيزا للمطلب نذكر ما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و أصحابه من لزوم المسح على الأرجل، و نقتصر في ذلك بالمتون مع تجريد الأسانيد، لأنّ الكتاب لا يسع لذكرها.

ما روي عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) حول مسح الأرجل

1. عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض و استنشق ثمّ غسل وجهه ثلاثا و يديه ثلاثا ثلاثا و مسح برأسه و رجليه ثلاثا ثلاثا، ثمّ قال: رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) هكذا توضّأ، يا هؤلاء أ كذلك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عنده. (1)

____________

(1). مسند أحمد: 1/ 109، الحديث 489.

46

2. عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) توضّأ كما توضّأت، فتمضمض و استنشق و غسل وجهه ثلاثا و يديه ثلاثا و مسح برأسه و ظهر قدميه. (1)

3. و في مسند عبد اللّٰه بن زيد المازني انّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) توضّأ فغسل وجهه ثلاثا و يديه مرتين و مسح رأسه و رجليه مرتين. (2)

4. عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي و قال: أرني وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل يديه و وجهه ثلاثا، فأدخل بعض أصابعه في فيه و استنشق ثلاثا، و غسل ذراعيه ثلاثا و مسح رأسه واحدة و رجليه إلى الكعبين و لحيته تهطل على صدره ثمّ حسا حسوة بعد الوضوء ثمّ قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، كذا كان وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم). (3)

5. عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) توضّأ و مسح بالماء على لحيته و رجليه. (4)

6. عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ قال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) يمسح ظاهرهما. (5)

____________

(1). كنز العمال: 9/ 436، الحديث 26863.

(2). كنز العمال: 9/ 451، الحديث 26922.

(3). كنز العمال: 9/ 448 برقم 26908.

(4). كنز العمال: 9/ 429 برقم 26822.

(5). مسند أحمد: 1/ 153 برقم 739 و ص 183 برقم 91.

47

7. عن رفاعة بن رافع انّه سمع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) يقول: «إنّه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّٰه عزّ و جلّ، ثمّ يغسل وجهه و يديه إلى المرفقين، و يمسح رأسه و رجليه إلى الكعبين». (1)

8. ما روي عن عبد اللّٰه بن عمرو، قال: تخلّف عنّا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في سفرة سافرناها، فأدركنا و قد أرهقتنا الصلاة و نحن نتوضّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا. (2)

9. عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أصلّي بكم صلاة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلّا ابن أخت لنا، قال: ابن أخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ و مضمض و استنشق، و غسل وجهه ثلاثا و ذراعيه ثلاثا، و مسح برأسه و ظهر قدميه، ثمّ صلّى بهم فكبر بهم اثنتين و عشرين تكبيرة. (3)

10. عن عباد بن تميم المازني، عن أبيه انّه قال: رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) يتوضّأ و يمسح الماء على رجليه. (4)

11. عن أوس بن أبي أوس الثقفي أنّه رأى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضّأ و مسح على قدميه. (5)

12. عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالسا عند رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) إذ جاءه رجل فدخل المسجد، فصلّى فلمّا قضى الصلاة جاء فسلم على رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و على‌

____________

(1). سنن ابن ماجة: 1/ 156، حديث 460؛ سنن النسائي: 2/ 226.

(2). صحيح البخاري: 1/ 23، باب من رفع صوته بالعلم من كتاب العلم، الحديث 1.

(3). مسند أحمد: 5/ 342.

(4). سنن ابن ماجة: 1، الحديث 460.

(5). تفسير الطبري: 6/ 86؛ المعجم الكبير: 1/ 221 برقم 603.

48

القوم، فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «ارجع فصلّ فإنّك لم تصل» و جعل الرجل يصلّي، و جعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلمّا جاء فسلم على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و على القوم قال له النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «و عليك ارجع فصلّ فإنّك لم تصل».

قال همام: فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثا، فقال له الرجل: ما أدري ما عبت من صلاتي؟

فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): إنّه لا تتم صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره اللّٰه، فيغسل وجهه و يديه إلى المرفقين، و يمسح برأسه و رجليه إلى الكعبين، ثمّ يكبر اللّٰه تعالى و يثني عليه، ثمّ يقرأ أمّ القرآن و ما أذن له فيه و يسر، ثمّ يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتّى تطمئن مفاصله، و يسترخي ثمّ يقول:

سمع اللّٰه لمن حمده، و يستوي قائماً حتّى يقيم صلبه و يأخذ كلّ عظم مأخذه، ثمّ يكبر فيسجد فيمكن وجهه. قال همام: و ربما قال جبهته من الأرض حتّى تطمئن مفاصله و يسترخي، ثمّ يكبر فيستوي قاعدا على مقعده و يقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتّى فرغ، ثمّ قال: لا يتم صلاة أحدكم حتّى يفعل ذلك. (1)

13. عن ابن عباس انّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر و سعد و عبد اللّٰه بن عمر فقال عمر بن الخطاب: سعد أفقه منك، فقال عمر: يا سعد انّا لا ننكر انّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مسح- أي على القدمين- و لكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة فإنّها أحكمت كل شي‌ء و كانت آخر سورة من القرآن إلا براءة. (2)

____________

(1). المستدرك للحاكم: 1/ 241.

(2). الدر المنثور: 3/ 29.

49

14. عن عروة بن الزبير انّ جبرئيل (عليه السلام) لمّا نزل على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في أوّل البعثة فتح بالإعجاز عينا من ماء فتوضأ و محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ينظر إليه فغسل وجهه و يديه إلى المرفقين و مسح برأسه و رجليه إلى الكعبين، ففعل النبي محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) كما رأى جبرئيل يفعل. (1)

15. روى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه انّ أبا جبير قدم على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مع ابنته التي تزوجها رسول اللّٰه، فدعا رسول اللّٰه بوضوء فغسل يديه فأنقاهما، ثمّ مضمض فاه و استنشق بماء، ثمّ غسل وجهه و يديه إلى المرفقين ثلاثا، ثمّ مسح رأسه و رجليه. (2)

إلى هنا تمّ ما عثرنا عليه من الروايات عن النبي الأكرم (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) على وجه عابر، و هي تدلّ على أنّ قول النبي و فعله كان على المسح لا الغسل.

ما حكي عن الصحابة و التابعين حول مسح الأرجل

16. حدث سفيان قال: رأيت عليا (عليه السلام) توضّأ فمسح ظهورهما. (3)

17. عن حمران انّه قال: رأيت عثمان دعا بماء غسل، فغسل كفيه ثلاثا و مضمض و استنشق و غسل وجهه ثلاثا و ذراعيه ثلاثا و مسح برأسه و ظهر قدميه. (4)

18. عن عاصم الأحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح و السنّة بالغسل. و هذا اسناد صحيح. (5)

____________

(1). الخصائص الكبرى: 1/ 94.

(2). أسد الغابة: 5/ 156.

(3). مسند أحمد: 1/ 200، الحديث 1018.

(4). كنز العمال: 5/ 106.

(5). الأحاديث 18- 26، كلّها منقولة من تفسير الطبري: 6/ 82.

50

19. عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان و مسحتان.

20. عن عبد اللّٰه العتكي، عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل انّما نزل فيهما المسح.

21. عن جابر، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: امسح على رأسك و قدميك.

22. عن ابن علية بن داود، عن عامر الشعبي انّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين ألا ترى أنّ ما كان عليه الغسل جعل عليه المسح و ما كان عليه المسح أهمل (في التيمّم).

23. عن عامر الشعبي، قال: أمر أن يمسح في التيمّم ما أمر أن يغسل في الوضوء، و أبطل ما أمر أن يمسح في الوضوء: الرأس و الرجلان.

24. عن عامر الشعبي قال: أمر أن يمسح بالصعيد في التيمّم، ما أمر أن يغسل بالماء، و أهمل ما أمر أن يمسح بالماء.

25. عن يونس قال: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه، إنّما يمسح عليهما حتّى خرج منها.

26. عن قتادة في تفسير قوله سبحانه فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ افترض اللّٰه غسلتين و مسحتين.

27. قال موسى بن أنس لأبي حمزة: إنّ الحجاج خطبنا بالأهواز و نحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم و أيديكم و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم، و أنّه ليس شي‌ء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما و ظهورهما و عراقيبهما، فقال أنس: صدق اللّٰه و كذب الحجاج، قال اللّٰه تعالى‌

51

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ.

قال: و كان أنس إذا مسح قدميه بلّها.

قال ابن كثير: إسناده صحيح إليه. (1)

28. عن الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح، ثمّ قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمم أن يمسح ما كان غسل و يلغى ما كان مسحا. (2)

29. عن إسماعيل قلت لعامر الشعبي: إنّ أناسا يقولون إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبرئيل بالمسح. (3)

30. عن النزال بن سبرة انّ عليا دعا بماء فتوضأ ثمّ مسح على نعليه و قدميه، ثمّ دخل المسجد فخلع نعليه ثمّ صلّى. (4)

31. عن أبي ظبيان قال: رأيت عليا و عليه إزار أصفر و خميصة و في يديه عنزة أتى حائط السجن، ثم تنحى فتوضأ و مسح على نعليه و قدميه ثمّ دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى. (5)

هذا غيض من فيض، و قليل من كثير، فمن تفحّص المسانيد و الصحاح و مجامع الآثار يقف على أكثر ممّا وقفنا عليه على وجه عابر.

أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ. (6)

____________

(1). جامع البيان: 6/ 82؛ محاسن التأويل: 6/ 111؛ تفسير القرآن العظيم: 2/ 27.

(2). تفسير القرآن العظيم: 2/ 27.

(3). تفسير القرآن العظيم: 2/ 25.

(4). كنز العمال: 9/ 435 برقم 26856.

(5). كنز العمال: 5/ 126.

(6). الأنعام: 90.

52

12 التجاهل لروايات المسح

قد تجاهل ابن كثير و من تبعه روايات المسح و قال:

قد خالف الروافض في ذلك (غسل الرجلين) بلا مستند، بل بجهل و ضلالة، فالآية الكريمة دالّة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، و هم مخالفون لذلك كلّه و ليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر. (1)

و كأنّه لم يمعن النظر في الآية الكريمة و نصوص دلالتها على لزوم المسح، و كأنّه لم يقف على تلك الأحاديث الكثيرة حينما ادّعى التواتر على الغَسل، أو وقف عليها و لم يتأمّل فيها.

و قد تبعه الشيخ إسماعيل البروسوي قائلًا: ذهبت الروافض إلى أنّ الواجب في الرجلين المسح، و رووا في المسح خبرا ضعيفا شاذّا. (2)

و كذلك ادّعى الآلوسي تشبّث الشيعة برواية واحدة حيث قال:

و لا حجّة لهم في دعوى المسح إلّا بما روي عن علي- (كرم اللّٰه تعالى وجهه)-

____________

(1). تفسير القرآن العظيم: 2/ 518.

(2). تفسير روح البيان: 2/ 351.

53

(انّه مسح (1) وجهه و يديه، و مسح رأسه و رجليه، و شرب فضل طهوره قائماً). (2)

و لو كان البروسوي و الآلوسي معذورين في هذا العزو، و أنّه ليس لوجوب المسح أيّ دليل سوى رواية شاذّة، فليس هناك عذر لمن وقف على هذه الروايات الكثيرة التي تتجاوز الثلاثين، فلو لم نقل بأنّ المسح نقل بالتواتر فلا بدّ أن نقول إنّه مستفيض.

أضف إلى ذلك أنّ الكتاب يدعمه، فلا سبيل لنا إلّا الأخذ بما يوافق الكتاب، و تأويل المخالف أي ما دلّ على الغسل بوجه بأن يقال: كان يغسل في فترة بعد البعثة لكن نسخته الآية المباركة أو غير ذلك من المحامل.

وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. (3)

____________

(1). كذا في المصدر، و الصحيح: غسل.

(2). روح المعاني: 6/ 87.

(3). الإسراء: 36.

54

13 أسماء أعلام الصحابة و التابعين القائلين بالمسح

قد تعرّفت على الروايات الدّالة على لزوم المسح في الوضوء، و قد رواها أعلام الصحابة و التابعين و نقلها أصحاب الصحاح و المسانيد.

و لأجل إيقاف القارئ على أسمائهم و شي‌ء من مكانتهم في النقل نذكر أسماءهم مع الإيعاز إلى ترجمتهم على وجه الإيجاز مرفقة برقم حديثهم. ليقف القارئ على أنّ القائلين به هم جبهة الصحابة و التابعين و سنام الثقات:

1. الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) و أنّه (عليه السلام) قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، لكن رأيت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مسح ظاهرهما. (أنظر الحديث 6).

2. الإمام الباقر (عليه السلام) محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه، و كان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بقر العلم، يعني: شقّه، فعلم أصله و خفيه (1) (أنظر‌

____________

(1). تذكرة الحفاظ: 1/ 124؛ تهذيب التهذيب: 9/ 350؛ حلية الأولياء: 3/ 180؛ شذرات الذهب:

1/ 149؛ الطبقات الكبرى: 5/ 324.

55

الحديث 21).

3. بسر بن سعيد، الإمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي، حدّث عن عثمان بن عفان، وثّقه: يحيى بن معين و النسائي، قال: محمد بن سعد: كان من العباد المنقطعين و الزهاد، كثير الحديث. (1) (أنظر الحديث 21).

4. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان: يروي عنه (أنظر الحديث 2) و كان من أهل الوجاهة، ذكره ابن حبان في الثقات. (2)

5. عثمان بن عفان، و قد تقدم في الحديث (1 و 2) انّه كان يتوضأ و يمسح على رجليه و يقول: هذا وضوء رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

6. أبو مطر ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه الحجاج بن أرطاة. (3) (أنظر الحديث 4).

7. عبد اللّٰه بن زيد المازني صاحب حديث الوضوء عن فضلاء الصحابة يعرف بابن أم عمارة (4). ذكره ابن حبان في الثقات (5). (أنظر الحديث 3).

8. النزال بن سبرة الهلالي الكوفي، روى عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و علي (عليه السلام) (أنظر الحديث 30) و عثمان و أبي بكر و ابن مسعود، و قال العجلي: كوفي تابعي، ثقة من كبار التابعين، و ذكره ابن حبان في الثقات. (6)

9. عبد خير بن يزيد، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، و ذكره ابن حبان في الثقات التابعين و جزم بصحبته عبد الصمد بن سعيد الحمصي في كتاب‌

____________

(1). سير أعلام النبلاء: 4/ 594.

(2). الثقات: 4/ 179.

(3). الثقات: 7/ 664.

(4). سير أعلام النبلاء: 2/ 377.

(5). الثقات: 3/ 223.

(6). تهذيب التهذيب: 10/ 423؛ التأريخ الكبير: 8/ 117.

56

الصحابة. (1) (أنظر الحديث 6).

10. عباد بن تميم بن غزية الأنصاري الخزرجي المازني: روى عن أبيه و عن عمه عبد اللّٰه بن زيد و عن عويمر بن سعد، وثّقه: العجلي و النسائي و غيرهما، و حديثه في الصحيحين (البخاري و مسلم) (2) و ذكره ابن حبان في الثقات (3).

(أنظر الحديث 5، 10).

11. عبد اللّٰه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، و كان يسمّى البحر لسعة علمه، و يسمّى حبر الأمّة. و قال عبد اللّٰه بن عتبة: كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال: بعلم ما سبقه، و فقه فيما احتيج إليه من رأيه، و قال: ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) منه، و لا أفقه في رأي عنه، و لا أعلم بتفسير القرآن منه (4). (أنظر الحديث 13، 19).

12. أوس بن أبي أوس الثقفي: روى له أصحاب السنن الأربعة، أحاديث صحيحة من رواية الشاميين عنه (5). (أنظر الحديث 11).

13. الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد، هو الإمام الحافظ الفقيه المتقي أستاذ أبي حنيفة و شيخه. قال أحمد بن حنبل، و العجلي: مرسل الشعبي صحيح، لأنّه لا يكاد يرسل إلّا صحيحا. و قال ابن عيينة: العلماء ثلاثة: ابن عباس في زمانه، و الشعبي في زمانه، و الثوري في زمانه (6). (أنظر الحديث 22، 23، 24، 28).

____________

(1). تهذيب التهذيب: 6/ 124.

(2). الإصابة: 4/ 23.

(3). الثقات: 5/ 141.

(4). أسد الغابة: 3/ 192- 195.

(5) الإصابة: 1/ 92.

(6). تذكرة الحفاظ: 1/ 79؛ تهذيب التهذيب: 5/ 65؛ حلية الأولياء: 4/ 310؛ شذرات الذهب:

1/ 126؛ طبقات الحفاظ: 43.

57

14. عكرمة: أبو عبد اللّٰه المدني مولى ابن عباس، ذكره ابن حبان في الثقات، و قال: كان من علماء زمانه بالفقه و القرآن، و كان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة. (1) (أنظر الحديث 25، 20).

15. رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان أبو معاذ الزرقي، شهد بدرا.

و روى عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم مات في أوّل خلافة معاوية. (2) ذكره ابن حبان في الثقات. (3)

(أنظر الحديث 7، 12).

16. عروة بن الزبير بن العوام القرشي أخو عبد اللّٰه بن الزبير، فقيه عالم، و كان من أفاضل أهل المدينة و علمائهم، ذكره ابن حبان في الثقات. (4) (أنظر الحديث 14).

17. قتادة بن عزيز الحافظ العلامة أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه المفسر. قال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير و باختلاف العلماء، و وصفه بالحفظ. و أطنب في ذكره. و كان أحفظ أهل البصرة، مات بواسط في الطاعون سنة 118 ه‍. (5) و ذكره ابن حبان في الثقات (6). (أنظر الحديث 26).

18. أنس بن مالك بن النضر خادم رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم، قدم رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم‌

____________

(1). تهذيب التهذيب: 7/ 293، تذكرة الحفاظ: 1/ 95؛ تهذيب الأسماء: 1/ 340.

(2). تهذيب التهذيب: 3/ 281.

(3). الثقات: 4/ 240.

(4). الثقات: 5/ 194- 195؛ تذكرة الحفاظ: 1/ 92؛ تهذيب التهذيب: 7/ 180.

(5). تذكرة الحفاظ: 1/ 122- 124.

(6). الثقات: 5/ 321؛ البداية و النهاية: 9/ 313؛ تهذيب الأسماء: 2/ 57؛ تهذيب التهذيب:

8/ 337.

58

المدينة و هو ابن عشر سنين، و توفي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم و هو ابن عشرين سنة، انتقل إلى البصرة و توفي بها عام 91 ه‍. (1) (أنظر الحديث 18).

19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه مكحول و حميد الطويل. (2) (أنظر الحديث 27).

20. حصين بن جندب الكوفي الجنبي (أبو ظبيان الكوفي) يروي عن علي بن أبي طالب و سلمان، روى عنه: إبراهيم و الأعمش، مات سنة 56 ه‍، ذكره ابن حبان في الثقات. (3) (أنظر الحديث 31).

21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، يروي عن: أبي ذر و أبي الدرداء، روى عنه أهل الشام، كنيته أبو عبد الرحمن، مات سنة 80 ه‍ بالشام، ذكره ابن حبان في الثقات. (4) (أنظر الحديث 15).

22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبو عبد اللّٰه الكوفي، قال العجلي: و كان رجلا صالحا ثقة ثبتا و كان طحانا. و قال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمّى الميزان. مات سنة 146 ه‍. (5) (أنظر الحديث 29).

23. تميم بن زيد المازني، أبو عباد الأنصاري من بني النجّار، له صحبة، و حديثه عند ولده. (6) (أنظر الحديث 5، 10).

____________

(1). الثقات: 2/ 4، أسد الغابة: 1/ 84، تذكرة الحفاظ: 1/ 44، شذرات الذهب: 1/ 100.

(2). الثقات: 5/ 401.

(3). المصدر السابق: 4/ 156.

(4). الثقات 4/ 111، تذكرة الحفاظ: 1/ 52، تهذيب التهذيب: 2/ 64، شذرات الذهب: 1/ 88.

(5). تذكرة الحفاظ: 1/ 153، تهذيب التهذيب: 1/ 291، العبر: 1/ 203.

(6). الثقات: 3/ 41.