اقتصادنا

- المزيد...
886 /
19

[المقدمات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كلمة المؤسسة:

لا شك أنّ أهم و أوسع سفر صنّف و إلى الآن في أبعاد «مذهب الاقتصاد الإسلامي» المختلفة، و الذي استطاع أن يطرح الاقتصاد الإسلامي و يألفه في مقابل الاقتصاد الرأسمالي و الماركسي، ألا و هو كتاب «اقتصادنا» الفخم.

فإن كل من يتصفّحه و إن كان عابراً يقف على عظمة كاتبه، و مدى الجهود التي بذلها في سبيل تحقيق و تأليف هذا الكتاب.

و لازال و للأسف و بعد مرور أعوام على استشهاد ذلك النحرير الأوحد لم يبرز إلى الساحة كتاب على حدّه و لا ما يقاس به في موضوع «الاقتصاد الإسلامي»، رغم أن الكثير من الأعلام أذعنوا بأنه ك «قطرة من البحر» على حد تعبير مؤلفه الشهيد و لمحة من واقع الاقتصاد الإسلامي الكامن. و لكن و مما يدعو إلى التأسف أنهم لم يسلكوا المسير الذي شق لهم بالنحو المطلوب.

ثم إنه و مع الأخذ بنظر الاعتبار أهمية شرح أبعاد الاقتصاد الإسلامي المعروفة، و بالخصوص بعد انتعاش الإسلام في أنحاء العالم، و الخضوع لقيم الإسلام شيئاً فشيئاً، أقدم مكتب الإعلام الإسلامي على إحياء «اقتصادنا» تصنيف العلّامة الشهيد آية اللّه السيّد محمّد باقر الصدر، لكي يستفيد المحققون و ذوو الآراء في الحوزة العلمية و الجامعات أعظم الاستفادة من هذا المنبع الغنى في الاقتصاد الإسلامي.

20

العمل في الكتاب:

تقويم النص و تصحيح متن الكتاب في مرحلتين: التصحيح الدقيق للمتن و تهذيبه من الأخطاء المطبعيّة التي تضمنتها الطبعات السابقة، من قبيل: الأخطاء المطبعية في الكلمات، مع حذف و إضافة بعض الكلمات، و تغيير مواضع بعض السطور، و إدغام الهامش في المتن.

استعمال الفواصل المعقولة، كالنقطة، و الفارزة، و النقطتين، و الفارزة المنقوطة.

و التي لها الأثر المهم في فهم المطالب.

استخراج المنابع و المصادر.

استخراج الآيات و تثبيتها في الهامش.

استخراج الأحاديث و الأقوال في بحث الاقتصاد الإسلامي، و تثبيت المصادر في الهامش.

الإرشاد إلى المصادر الفرعية و المساعدة في أبحاث الكتاب المختلفة لتعبيد الطريق أمام المحققين لاستيفاء البحوث في الاقتصاد الإسلامي.

و بالتالي وضعنا في نهاية حواشي المؤلف عنوان (من المؤلف)، و ذلك لتمييزها عن الهوامش التي أضيفت.

إضافة بعض المطالب تحت عنوان «ضمائم اقتصادنا».

هذا الفصل من التحقيق يشتمل على ثلاث ضمائم:

(1) شرح بعض المصطلحات:

و في هذا القسم تم إيراد شروحٍ مختصرة للمصطلحات الاقتصادية و غيرها و التي لم توضّح في المتن، أو لم يستوف توضيحها بالشكل التام، و ذلك ليتيسر فهم الكتاب بدقة.

و جدير بالذكر أن المصطلحات المستعملة في الكتاب رتّبت بمقتضى اللغة العربية، و تمّ شرحها باللغتين: العربية و الفارسية.

21

(2) قاموس «اقتصادنا»:

مع الالتفات إلى صياغة الكتاب بشكل فني و أدبي، و من أجل تسهيل السبيل لاستفادة المتكلمين بالفارسية تم ترتيب قاموس اقتصادنا.

و مع الالتفات إلى أن كلمات اللغة العربية مشتقة من المبادئ، رتّب القاموس على أساس مبادئ الكلمات، لكي تجتمع الاشتقاقات المختلفة من كل مبدأ في مكان واحد، بالإضافة إلى تيسّر فهم معاني المشتقات الأخرى بملاحظة المشتقات المترجمة للمادة. و يذكر أن الكلمات غير العربية رتّبت على أساس الحروف الثلاثة الأولى.

و قد تمّ ذكر المعادل بالفارسية لكل اصطلاح، و مع مساس الحاجة إلى توضيح أكثر، وضع أمامه علامة «مصطلحات» للرجوع إلى فهرس المصطلحات.

ثم إن معاني الكلمات إنما بيّنت على أساس ما يقتضيه المتن، و ليس الهدف استيفاء المعاني.

و المفسر من الأفعال هو الفعل الماضي، و من الأسماء المفرد منها، إلا إذا لم يذكر في المتن سوى الجمع منها فتم إيرادها كما هي مع بيان المفرد منها.

و كذا فإن هناك أموراً أخرى أخذت بنظر الاعتبار في هذا القاموس، تظهر للقارئ الكريم بأدنى تأمل.

(3) الفهارس:

في هذا الفصل تمّ تنظيم ستة فهارس تحقيقية:

1 فهرس الآيات:

و في هذا الفهرس رتّبت الآيات الكريمة التي جاءت في متن الكتاب على ترتيب السور القرآنية.

2 فهرس الروايات:

و في هذا الفهرس أوردنا جميع الروايات المنقولة عن النبي (ص) و الأئمة (عليهم السلام) في الكتاب و رتبت على ترتيب المعصومين (ع) (عن النبي (ص)، عن علي (ع).) و أخيراً تم إيراد بعض الروايات و التي تحكي السيرة العملية للنبي (ص) تحت عنوان «روايات تأريخية».

22

و تم تثبيت المتن الكامل للروايات و الأحاديث في هذا الفهرس لتسهيل عمل المحققين في الاستفادة منه.

3 فهرس الأعلام:

و في هذا الفهرس، تمّ ترتيب أعلام الأشخاص و أسماء القبائل و الأصل و الفرق المهمة.

و إنما أوردت الأعلام كما جاء في المتن، و ترتيبها على أساس الحرف الأول.

4 فهرس الأماكن و البلاد:

و في هذا الفهرس تمّ ترتيب الأسماء الخاصة للأماكن و المدن و الدول بترتيب الحرف الأول.

5 فهرس المصطلحات:

و في هذا الفهرس تمّ ترتيب كل المصطلحات الاقتصادية، و المصطلحات المهمة الأخرى المستعملة في الكتاب على أساس مبادئ الاشتقاق، كما عملنا في القاموس.

و رتبت المصطلحات غير العربية على أساس الحرف الأول.

الرقم المثبت أمام كل اصطلاح يحكي عن الصفحة التي جاء فيها شرح ذلك المصطلح.

6 فهرس الكتب و المصادر:

و في هذا الفهرس أوردنا أسامي كل الكتب التي جاءت في المتن أو الهامش و تم ترتيبها على أساس الحرف الأول.

و أثبت في مقابل اسم كل كتاب أرقام جميع الصفحات التي جاء فيها اسم الكتاب على الترتيب.

و تم تبيين هوية كل الكتب التي هي منابع التحقيق المثبتة في الهامش لكي لا يشكل الرجوع إلى المصادر.

23

شكر و تقدير

و نذكر آخراً بأن هذه المشروع التحقيقي قام به قسم الاقتصاد في مكتب الإعلام الإسلامي في خراسان، و نود أن نتقدم بالشكر الجزيل للإخوة الذين ساهموا في هذا المشروع، و هم كالآتي.

حجة الإسلام الشيخ عبد الحكيم ضياء، و الذي كان على عهدته استخراج الأقوال و الروايات و الإشارة إلى مصادرها.

الأخ الفاضل علي أكبر ناجي ميداني، و الذي قام باستخراج الكلمات الصعبة و الاصطلاحات و ترجمتها في بدء العمل.

الأخ الفاضل السيد محمد الحسيني، و الذي كان له دور مهم في جميع مراحل العمل.

حجة الإسلام الشيخ صابر أكبري جدي، مسؤول هذا المشروع.

و في الخاتمة نرى من الواجب علينا أن نتقدم بالشكر و التقدير للأخ الفاضل إبراهيمي سالاري مسؤول قسم الاقتصاد، و مبتكر هذا المشروع، و الذي كان مصرّاً لإكمال هذا المشروع.

مركز التحقيقات مكتب الإعلام الإسلامي خراسان‌

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

مقدمة الطبعة الثانية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم يسرّني أن أقدّم للطبعة الثانية لكتاب (اقتصادنا)، و قد ازددت إيماناً و اقتناعاً بأن الأمة قد بدأت فعلًا تنفتح على رسالتها الحقيقية التي يمثّلها الإسلام و تدرك بالرغم من ألوان التضليل الاستعماري، أن الإسلام هو طريق الخلاص و أن النظام الإسلامي هو الإطار الطبيعي الذي يجب أن تحقق حياتها و تفجر طاقاتها ضمنه و تنشئ كيانها على أساسه.

و قد كان بودّي أن تتاح لي فرصة للتوسّع في بعض مواضيع الكتاب و تسليط المزيد من الإضواء على عدد من النقاط التي تناولها و لكني إذ لا أجد الآن مجالًا للحديث عن بحوث الكتاب، فلن أدع هذه المناسبة دون كلمة عن موضوع الكتاب ذاته وصلة هذا الموضوع الخطير بحياة الأمة و مشاكلها و أهميتها المتنامية على مرّ الزمن، على الصعيد الإسلامي و الصعيد البشري على السواء.

فالأمة على الصعيد الإسلامي و هي تعيش جهادها الشامل ضد تخلّفها و انهيارها و تحاول التحرك السياسي و الاجتماعي نحو وجود أفضل و كيان أرسخ و اقتصاد أغنى و أرفه سوف لن تجد أمامها عقيب سلسلة من محاولات الخطأ و الصواب إلا طريقاً واحداً للتحرك، و هو التحرك في الخط الإسلامي، و لن تجد إطاراً تضع ضمنه حلولها لمشاكل التخلف الاقتصادي، سوى إطار النظام الاقتصادي في الإسلام.

26

و الإنسانية على الصعيد البشري و هي تقاسي أشد ألوان القلق و التذبذب بين تيّارين عالميين ملغمين بقنابل الذرّة و الصواريخ و وسائل الدمار لن تجد لها خلاصاً إلّا على الباب الوحيد الذي بقي مفتوحاً من أبواب السماء، و هو الإسلام.

و لنأخذ في هذه المقدمة، الصعيد الإسلامي بالحديث.

على الصعيد الإسلامي:

حينما أخذ العالم الإسلامي ينفتح على حياة الإنسان الأوروبي و يذعن لإمامته الفكرية و قيادته لموكب الحضارة، بدلًا عن إيمانه برسالته الأصيلة، و قيمومتها على الحياة البشرية، بدأ يدرك دوره في الحياة ضمن إطار التقسيم التقليدي لبلاد العالم الذي درج عليه الإنسان الأوروبي، حين قسم العالم على أساس المستوي الاقتصادي للبلد و قدرته المنتجة إلى: بلاد راقية اقتصادياً و بلاد فقيرة أو متخلفة اقتصادياً، و كانت بلاد العالم الإسلامي كلها من القسم الثاني الذي كان يجب عليه في منطق الإنسان الأوروبي أن يعترف بإمامة البلاد الراقية و يفسح المجال لها لكي تنفث روحها فيه و تخطط له طريق الارتفاع.

و هكذا دشّن العالم الإسلامي حياته مع الحضارة الغربية، بوصفه مجموعة من البلاد الفقيرة اقتصادياً، و وعى مشكلته على أساس أنها هي التخلف الاقتصادي عن مستوى البلاد المتقدمة، الذي أتاح لها تقدمها الاقتصادي زعامة العالم و لقّنته تلك البلاد المتقدمة: أن الأسلوب الوحيد للتغلب على هذه المشكلة و الالتحاق بركب البلاد المتقدمة، هو اتخاذ حياة الإنسان الأوروبي تجربة رائدة و قائدة و ترسّم خطوات هذه التجربة لبناء اقتصاد كامل شامل قادر على الارتفاع بالبلاد الإسلامية المتخلفة إلى مستوى الشعوب الأوروبية الحديثة.

و قد عبّرت التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الإنسان الأوروبي الرائد للحضارة الحديثة عن نفسها بأشكال ثلاثة مترتبة زمنياً، و لا تزال هذه الأشكال الثلاثة متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي‌

27

الأول: التبعية السياسية، التي تمثّلت في ممارسة الشعوب الأوروبية الراقية اقتصادياً، حكم الشعوب المتخلفة بصورة مباشرة.

الثاني: التبعية الاقتصادية، التي رافقت قيام كيانات حكومية مستقلة من الناحية السياسية في البلاد المتخلفة و عبّرت عن نفسها في فسح المجال للاقتصاد الأوروبي، لكي يلعب على مسرح تلك البلاد بأشكال مختلفة و يستثمر موادّها الأولية و يملأ فراغاتها برؤوس أموال أجنبية و يحتكر عدداً من مرافق الحياة الاقتصادية فيها، بحجّة تمرين أبناء البلاد المتخلفين على تحمّل أعباء التطوير الاقتصادي لبلادهم.

الثالث: التبعية في المنهج، التي مارستها تجارب عديدة في داخل العالم الإسلامي حاولت أن تستقل سياسياً و تتخلص من سيطرة الاقتصاد الأوروبي اقتصادياً و أخذت تفكّر في الاعتماد على قدرتها الذاتية في تطوير اقتصادها و التغلب على تخلفها، غير أنها لم تستطع أن تخرج في فهمها لطبيعة المشكلة التي يجسّدها تخلفها الاقتصادي عن إطار الفهم الأوروبي لها، فوجدت نفسها مدعوّة لاختيار نفس المنهج الذي سلكه الإنسان الأوروبي في بنائه الشامخ لاقتصاده الحديث.

و بالرغم من اختلافات نظرية كبيرة نشأت بين تلك التجارب، خلال رسم المنهج و تطبيقه، فإن هذه الاختلافات لم تكن دائماً إلّا اختلافاً حول اختيار الشكل العام للمنهج من بين الإشكال المتعددة التي اتخذها المنهج في تجربة الإنسان الأوروبي الحديث، فاختيار المنهج الذي سلكته التجربة الرائدة للإنسان الأوروبي الحديث كان موضع وفاق، لأنه ضريبة الأمانة الفكرية للحضارة الغربية، و إنما الخلاف في تحديد شكل واحد من إشكالها.

و تواجه التجارب الحديثة للبناء الاقتصادي في العالم الإسلامي عادة، شكلين لتجربة البناء الاقتصادي في الحضارة الغربية الحديثة، و هما: الاقتصاد الحر القائم على أساس رأسمالي و الاقتصاد المخطط القائم على أساس اشتراكي، فإن كلًا من هذين الشكلين قد عاش تجربة ضخمة في بناء الاقتصاد الأوروبي الحديث. و الصيغة التي طرحت للبحث على مستوى التطبيق في العالم الإسلامي على الأكثر، ما هو الشكل‌

28

الأجدر بالاتباع من هذين الشكلين و أقدر على إنجاح كفاح الأمة ضد تخلفها الاقتصادي و بناء اقتصاد رفيع على مستوى العصر.

و كان الاتجاه الأقدم حدوثاً في العالم الإسلامي يميل إلى اختيار الشكل الأول للتنمية و بناء الاقتصاد الداخلي للبلاد، أي: الاقتصاد الحر القائم على أساس رأسمالي نتيجة، لأن المحور الرأسمالي للاقتصاد الأوروبي، كان أسرع المحورين للنفوذ إلى العالم الإسلامي و استقطابه كمراكز نفوذ.

و عبر صراع الأمة سياسياً مع الاستعمار و محاولتها التحرر من نفوذ المحور الرأسمالي، وجدت بعض التجارب الحاكمة: أن النقيض الأوروبي للمحور الرأسمالي هو المحور الاشتراكي، فنشأ اتجاه آخر يميل إلى اختيار الشكل الثاني للتنمية، أي:

التخطيط القائم على أساس اشتراكي، نتيجة للتوفيق بين الإيمان بالإنسان الأوروبي كرائد للبلاد المتخلفة، و واقع الصراع مع الكيان السياسي للرأسمالية، فما دامت تبعية البلاد المتخلفة للبلاد الراقية اقتصادياً تفرض عليها الإيمان بالتجربة الأوروبية كرائد، و ما دام الجناح الرأسمالي من هذه التجربة يصطدم مع عواطف المعركة ضد الواقع الاستعماري المعاش، فليؤخذ بالتخطيط الاشتراكي بوصفه الشكل الآخر للتجربة الرائدة.

و لكل من الاتجاهين أدلته التي يبرر بها وجهة نظره، فالاتجاه الأول يبرر عادة التقدم العظيم الذي حصلت عليه الدول الأوروبية الرأسمالية و ما أحرزته من مستويات في الإنتاج و التصنيع، نتيجة لانتهاج الاقتصاد الحر كأسلوب للتنمية و يضيف إلى ذلك: أن بإمكان البلاد المتخلفة إذا انتهجت نفس الأسلوب و عاشت نفس التجربة، أن تختصر الطريق و تقفز في زمن أقصر إلى المستوي المطلوب من التنمية الاقتصادية، لأنها سوف تستفيد من خبرات التجربة الرأسمالية للإنسان الأوروبي و تستخدم كل القدرات العلمية الناجزة، التي كلّفت الإنسان الأوروبي مئات السنين حتى ظفر بها.

و الاتجاه الثاني يفسر اختياره للاقتصاد المخطط على أساس اشتراكي بدلًا عن‌

29

الاقتصاد الحر: بأن الاقتصاد الحر إن كان قد استطاع أن يحقّق للدول الأوروبية الرائدة في العالم الرأسمالي، مكاسب كبيرة و تقدماً مستمراً في التكنيك و الإنتاج و نموّاً متزايداً للثروة الداخلية للبلاد، فليس بالإمكان أن يؤدي دوراً مماثلًا للبلاد المتخلفة اليوم، لأن البلاد المتخلفة تواجه اليوم تحدياً اقتصادياً هائلًا يمثله التقدم العظيم الذي أحرزته دول الغرب، و تقابل إمكانات هائلة منافسة لا حدّ لها على الصعيد الاقتصادي، بينما لم تكن الدول المتقدمة فعلًا تواجه هذا التحدي الهائل و تقابل هذه الإمكانات المنافسة، حين بدأت عملية التنمية الاقتصادية و شنّت حربها ضد أوضاع التخلف الاقتصادي و اتخذت من الاقتصاد الحر منهجاً و أسلوباً، فلا بدّ للبلاد المتخلفة اليوم من تعبئة كل القوى و الطاقات لعملية التنمية الاقتصادية، بصورة سريعة و منظّمة في نفس الوقت، و ذلك عن طريق الاقتصاد المخطط القائم على أساس اشتراكي.

و يعتمد كل من الاتجاهين في تفسيره لما يمنى به من فشل في مجال التطبيق، على الظروف المصطنعة التي يخلقها المستعمرون في المنطقة، لكي يعرقلوا فيها عمليات النموّ. و لا يسمح لنفسه على أساس ذلك أن يفكر حين الإحساس بالفشل، في أيّ منهج بديل للشكلين التقليديين اللذين اتخذتهما التجربة الأوروبية الحديثة في الغرب و الشرق، بالرغم من وجود بديل جاهز لا يزال يعيش نظرياً و عقائدياً في حياة الأمة، و إن كان منعزلًا عن مجال التطبيق، و هو: المنهج الإسلامي و النظام الاقتصادي في الإسلام.

و أنا لا أريد هنا أن أقارن بين الاقتصاد الإسلامي و الاقتصادين الرأسمالي و الاشتراكي من وجهة نظر اقتصادية مذهبية، فإنّ هذا ما أتركه للكتاب نفسه، فقد قام كتاب (اقتصادنا) بدراسة مقارنة بهذا الصدد، و إنما أريد أن أقارن بين الاقتصاد الأوروبي بكلا جناحيه: الرأسمالي و الاشتراكي و الاقتصاد الإسلامي، من ناحية قدرة كلّ منهما على المساهمة في معركة العالم الإسلامي ضد التخلف الاقتصادي و مدى قابلية كل واحد من هذه المناهج ليكون إطاراً لعملية التنمية الاقتصادية.

30

و نحن حين نخرج من نطاق المقارنة بين هذه المناهج الاقتصادية في محتواها الفكري و المذهبي، إلى المقارنة بينها في قابليتها التطبيقية لإعطاء إطار للتنمية الاقتصادية، يجب أن لا نقيم مقارنتنا على أساس المعطيات النظرية لكل واحد من تلك المناهج فحسب، بل لا بدّ أن نلاحظ بدقّة الظروف الموضوعية للأمة و تركيبها النفسي و التاريخي، لأن الأمة هي مجال التطبيق لتلك المناهج، فمن الضروري أن يدرس المجال المفروض للتطبيق، و خصائصه و شروطه بعناية، ليلاحظ ما يقدّر لكل منهج من فاعلية لدى التطبيق، كما أن فاعلية الاقتصاد الحر الرأسمالي أو التخطيط الاشتراكي في تجربة الإنسان الأوروبي، لا تعني حتما أن هذه الفاعلية نتيجة للمنهج الاقتصادي فحسب لكي تتوفر متى اتّبع نفس المنهج، بل قد تكون الفاعلية ناتجة عن المنهج باعتباره جزءاً من كل مترابط و حلقة من تأريخ، فإذا عزل المنهج عن إطارة و تأريخه لم تكن له تلك الفاعلية و لا تلك الثمار.

و من خلال دراسة مقارنة للمذاهب الاقتصادية المتعددة و إمكانات نجاحها عملياً في العالم الإسلامي، يجب إبراز حقيقة أساسية يرتبط بها تقدير الموقف إلى درجة كبيرة و هي: أن حاجة التنمية الاقتصادية إلى منهج اقتصادي ليست مجرد حاجة إلى إطار من أطر التنظيم الاجتماعي تتبنّاه الدولة فحسب، لكي يمكن أن توضع التنمية ضمن هذا الإطار أو ذاك، بمجرد تبنّي الدولة له و التزامها به، بل لا يمكن للتنمية الاقتصادية و المعركة ضد التخلف، أن تؤدي دورها المطلوب إلّا إذا اكتسبت إطاراً يستطيع أن يدمج الأمة ضمنه و قامت على أساس يتفاعل معها، فحركة الأمة كلّها شرط أساسي لإنجاح أيّ تنمية و أيّ معركة شاملة ضد التخلف، لأنّ حركتها تعبير عن نموّها و نموّ إرادتها و انطلاق مواهبها الداخلية، و حيث لا تنمو الأمة لا يمكن أن تمارس عملية تنمية، فالتنمية للثروة الخارجية و النموّ الداخلي للأمة يجب أن يسيرا في خطّ واحد.

و تجربة الإنسان الأوروبي الحديث هي بالذات تعبير تأريخي واضح عن هذه الحقيقة. فإن مناهج الاقتصاد الأوروبي كإطارات لعمليّة التنمية، لم تسجّل نجاحها‌

31

الباهر على المستوي المادي في المادي في تأريخ أوروبا الحديث إلّا بسبب تفاعل الشعوب الأوروبية مع تلك المناهج و حركتها في كل حقول الحياة، وفقاً لاتجاه تلك المناهج و متطلباتها و استعدادها النفسي المتناهي خلال تأريخ طويل لهذا الاندماج و التفاعل.

فحين نريد أن نختار منهجاً أو إطاراً عاماً للتنمية الاقتصادية داخل العالم الإسلامي، يجب أن نأخذ هذه الحقيقة أساساً و نفتّش في ضوئها عن مركب حضاري قادر على تحريك الأمة و تعبئة كل قواها و طاقاتها للمعركة ضد التخلف، و لا بدّ حينئذ أن ندخل في هذا الحساب مشاعر الأمة و نفسيتها و تأريخها و تعقيداتها المختلفة.

و من الخطأ ما يرتكبه كثير من الاقتصاديين، الذين يدرسون اقتصاد البلاد المتخلفة و ينقلون إليها المناهج الأوروبية للتنمية، دون أن يأخذوا بعين الاعتبار درجة إمكان تفاعل شعوب تلك البلاد مع هذه المناهج و مدى قدرة هذه المناهج المنقولة على الالتحام مع الأمة.

فهناك- مثلًا- الشعور النفسي الخاص، الذي تعيشه الأمة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار الذي يتسم بالشك و الاتهام و الخوف، نتيجة لتاريخ مرير طويل من الاستغلال و الصراع، فإن هذا الشعور خلق نوعاً من الانكماش لدى الأمة عن المعطيات التنظيمية للإنسان الأوروبي و شيئاً من القلق، تجاه الأنظمة المستمدة من الأوضاع الاجتماعية في بلاد المستعمرين و حساسية شديدة ضدها، و هذه الحساسية تجعل تلك الأنظمة- حتى لو كانت صالحة و مستقلة عن الاستعمار من الناحية السياسية- غير قادرة على تفجير طاقات الأمة و قيادتها في معركة البناء، فلا بدّ للأمة إذن بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار و انكماشها تجاه ما يتصل به، أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعي و معالم حضارية لا تمت إلى بلاد المستعمرين بنسب.

و هذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عدداً من التكتّلات السياسية في العالم الإسلامي، تفكر في اتخاذ القومية فلسفة و قاعدة للحضارة و أساساً للتنظيم‌

32

الاجتماعي، حرصاً منهم على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري للاستعمار انفصالًا كاملًا، غير أن القومية ليست إلّا رابطة تأريخية و لغوية و ليست فلسفة ذات مبادئ و لا عقيدة ذات أسس، بل حياديّة بطبيعتها تجاه تخلف الفلسفات و المذاهب الاجتماعية و العقائدية و الدينية، و هي لذلك بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون و الحياة و فلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها و نهضتها و تنظيمها الاجتماعي.

و يبدو أن كثيراً من الحركات القومية أحسّت بذلك أيضاً و أدركت: أن القومية كمادّة خام- بحاجة إلى الأخذ بفلسفة اجتماعية و نظام اجتماعي معين و حاولت أن توفّق بين ذلك و بين أصالة الشعار الذي ترفعه و انفصاله عن الإنسان الأوروبي، فنادت بالاشتراكية العربية، نادت بالاشتراكية لأنها أدركت أن القومية وحدها لا تكفي، بل هي بحاجة إلى نظام و نادت بها في إطار عربي، تفادياً لحساسية الأمة ضد أيّ شعار أو فلسفة مرتبطين بعالم المستعمرين، فحاولت عن طريق توصيف الاشتراكية بالعربية تغطية الواقع الأجنبي، المتمثل في الاشتراكية من الناحية التأريخية و الفكرية.

و هي تغطية فاشلة لا تنجح في استغفال حساسية الأمة، لأن هذا الإطار القلق ليس إلّا مجرد تأطير ظاهري و شكلي للمضمون الأجنبي الذي تمثّله الاشتراكية، و إلّا فأيّ دور يلعبه هذا الإطار في مجال التنظيم الاشتراكي؟! و أيّ تطوير للعامل العربي في المواقف؟! و ما معنى: أن العربية، كلغة و تأريخ أو دم و جنس، تطوّر فلسفة معينة للتنظيم الاجتماعي؟! بل كل ما وقع في المجال التطبيقي نتيجة للعامل العربي.

إن هذا العامل أصبح يعني في مجال التطبيق: استثناء ما يتنافى من الاشتراكية مع التقاليد السائدة في المجتمع العربي و التي لم تحن الظروف الموضوعية لتغييرها، كالنزعات الروحية بما فيها الإيمان باللّه. فالإطار العربي إذن لا يعطي الاشتراكية روحاً جديدة تختلف عن وضعها الفكري و العقائدي المعاش في بلاد المستعمرين، و إنما يراد به: التعبير عن استثناءات معينة و قد تكون موقوتة، و الاستثناء لا يغيّر جوهر القضية و المحتوى الحقيقي للشعار.

33

و لا يمكن لدعاة الاشتراكية العربية أن يميّزوا الفوارق الأصيلة بين اشتراكية عربية و اشتراكية فارسية و اشتراكية تركية، و لا أن يفسّروا: كيف تختلف الاشتراكية بمجرد إعطائها هذا الإطار القومي أو ذاك؟ لأن الواقع أن المضمون و الجوهر لا يختلف، و إنما هذه الأطر تعبّر عن استثناءات قد تختلف من شعب إلى آخر، تبعاً لنوعية التقاليد السائدة في تلك الشعوب.

و بالرغم من أن دعاة الاشتراكية العربية قد فشلوا في تقديم مضمون حقيقي جديد لهذه الاشتراكية عن طريق تأطيرها بالإطار العربي، فإنهم أكّدوا بموقفهم هذا تلك الحقيقة التي قلناها و هي: أن الأمة بحكم حساسيتها الناتجة عن عصر الاستعمار لا يمكن بناء نهضتها الحديثة إلّا على أساس قاعدة أصلية، لا ترتبط في ذهن الأمة ببلاد المستعمرين أنفسهم.

و هنا يبرز فارق كبير بين مناهج الاقتصاد الأوروبي، التي ترتبط في ذهن الأمة بإنسان القارّة المستعمرة- مهما وضعت لها من إطارات- و بين المنهج الإسلامي، الذي يرتبط في ذهن الأمة بتأريخها و أمجادها الذاتية و يعبر عن أصالتها و لا يحمل أيّ طابع لبلاد المستعمرين، فإن شعور الأمة بأن الإسلام هو تعبيرها الذاتي و عنوان شخصيتها التأريخية و مفتاح أمجادها السابقة، يعتبر عاملًا ضخماً جدّاً لإنجاح المعركة ضد التخلف و في سبيل التنمية، إذا استمد لها المنهج من الإسلام و اتخذ من النظام الإسلامي إطاراً للانطلاق.

و إلى جانب الشعور المعقد للأمة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار و كل المناهج المرتبطة ببلاد المستعمرين، يوجد هناك تعقيد آخر يشكّل صعوبة كبيرة أيضاً في طريق نجاح المناهج الحديثة للاقتصاد الأوروبي إذا طبّقت في العالم الإسلامي، و هو:

التناقض بين هذه المناهج و العقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون. و هنا لا أريد أن أتحدث عن هذا التناقض، لكي أقارن بين وجهة النظر الدينية و وجهة النظر التي تتبناها تلك المناهج، و أحاول أن أفضّل الأولى على الثانية- أي: أني لا أريد أن أبحث هذا التناقض بحثاً عقائدياً مذهبياً- و إنما أحاول إبراز هذا التناقض بين مناهج‌

34

الإنسان الأوروبي و العقيدة الدينية للإنسان المسلم، بوصفها قوة تعيش داخل العالم الإسلامي بقطع النظر عن أيّ تقييم لها، فإن هذه القوة- مهما قدّرنا لها من تفكك و انحلال نتيجة لعمل الاستعمار ضدها في العالم الإسلامي- لا يزال لها أثرها الكبير في توجيه السلوك و خلق المشاعر و تحديد النظرة نحو الأشياء. و قد عرفنا قبل لحظات:

أن عملية التنمية الاقتصادية ليست عملية تمارسها الدولة و تتبناها و تشرّع لها فحسب، و إنما هي عملية يجب أن تشترك فيها و تساهم بلون و آخر، الأمة كلها. فإذا كانت الأمة تحس بتناقض بين الإطار المفروض للتنمية و بين عقيدة لا تزال تعتزّ بها و تحافظ على بعض و جهات نظرها في الحياة، فسوف تحجم بدرجة تفاعلها مع تلك العقيدة، عن العطاء لعملية التنمية و الاندماج في إطارها المفروض.

و خلافاً لذلك لا يواجه النظام الإسلامي هذا التعقيد و لا يمنى بتناقض من ذلك القبيل، بل إنه إذا وضع موضع التطبيق سوف يجد في العقيدة الدينية سندا كبيرا له و عاملا مساعدا على إنجاح التنمية الموضوعة في إطارة، لأن أساس النظام الإسلامي أحكام الشريعة الإسلامية و هي أحكام يؤمن المسلمون عادة بقدسيتها و حرمتها و وجوب تنفيذها، بحفّ عقيدتهم الإسلامية و أيمانهم: بأن الإسلام دين نزل من السماء على خاتم النبيين (ص). و ما من ريب في: أن من أهمّ العوامل في نجاح المناهج التي تتخذ لتنظيم الحياة الاجتماعية، احترام الناس لها و إيمانهم بحقها في التنفيذ و التطبيق.

وهب: إن تجربة للتنمية الاقتصادية على أساس مناهج الاقتصاد الأوروبي، استطاعت أن تقضي على العقيدة الدينية و قوتها السلبية تجاه تلك المنهاج، فإن هذا لا يكفي للقضاء على كل البناء العلوي، الذي قام على أساس تلك العقيدة عبر تأريخ طويل امتدّ أكثر من أربعة عشر قرناً و ساهم إلى درجة كبيرة في تكوين الإطار النفسي و الفكري للإنسان داخل العالم الإسلامي، كما أن القضاء على العقيدة الدينية لا يعني إيجاد الأرضية الأوروبية لتلك المناهج، التي نجحت على يد الإنسان الأوروبي لأنها وجدت الأرضية الصالحة لها و القادرة على التفاعل معها.

35

فهناك في الواقع أخلاقية إسلامية تعيش بدرجة و أخرى داخل العالم الإسلامي، و هناك أخلاقية الاقتصاد الأوروبي التي و اكبت الحضارة الغربية الحديثة و تسبحت لها روحها العامة و مهّدت لنجاحها على الصعيد الاقتصادي.

و الأخلاقيتان تختلفان اختلافاً جوهرياً في الاتجاه و النظرة و التقييم، و بقدر ما تصلح أخلاقية الإنسان الغربي الحديث لمناهج الاقتصاد الأوروبي، تتعارض أخلاقية إنسان العالم الإسلامي معها، و هي أخلاقية راسخة لا يمكن استئصال جذورها بمجرد تمييع العقيدة الدينية.

و التخطيط- أيّ تخطيط للمعركة ضد التخلف- كما يجب أن يدخل في حسابه مقاومة الطبيعة في البلد الذي يراد التخطيط له [و] درجة تمرّدها على عمليات الإنتاج، كذلك يجب أن يدخل في حسابه مقاومة العنصر البشري و مدى انسجامه مع هذا المخطط أو ذاك.

إن الإنسان الأوروبي ينظر إلى الأرض دائماً لا إلى السماء و حتى المسيحية بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان مئات السنين- لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية في الإنسان الأوروبي، بل بدلًا عن أن ترفع نظره إلى السماء، استطاع هو أن يستنزل إله المسيحية من السماء إلى الأرض و يجسده في كائن أرضي.

و ليست المحاولات العلمية للتفتيش عن نسب الإنسان في فضائل الحيوان و تفسير إنسانيته على أساس التكييف الموضوعي من الأرض و البيئة التي يعيش فيها، أو المحاولات العلمية لتفسير الصرح الإنساني كله على أساس القوى المنتجة التي تمثّل [في] الأرض و ما فيها من إمكانات، ليست هذه المحاولات إلّا كمحاولة استنزال الإله إلى الأرض، في مدلولها النفسي و ارتباطها الأخلاقي بتلك النظرة العميقة، في نفس الإنسان الأوروبي إلى الأرض، و إن اختلفت تلك المحاولات في أساليبها و طابعها العلمي أو الأسطوري.

و هذه النظرة إلى الأرض أتاحت للإنسان الأوروبي، أن ينشئ قيماً للمادة و الثروة و التملك تنسجم مع تلك النظرة.

36

و قد استطاعت هذه القيم التي ترسّخت عبر الزمن في الإنسان الأوروبي، أن تعبّر عن نفسها في مذاهب اللذّة و المنفعة التي اكتسحت التفكير الفلسفي الأخلاقي في أوروبا، فإن لهذه المذاهب- بوصفها نتاجاً فكرياً أوروبياً سجّل نجاحاً كبيراً على الصعيد الفكري الأوروبي- لها مغزاها النفسي و دلالتها على المزاج العام للنفس الأوروبية.

و قد لعبت هذه التقييمات الخاصة للمادة و الثروة و التملك، دوراً كبيراً في تفجير الطاقات المختزنة في كل فرد من الأمة، و وضع أهداف لعملية التنمية تتفق مع تلك التقييمات. و هكذا سرت في كل أوصال الأمة، حركة دائبة نشيطة مع مطلع الاقتصاد الأوروبي الحديث، لا تعرف الملل أو الارتواء من المادة و خيراتها و تملّك تلك الخيرات.

كما أن انقطاع الصلة الحقيقية للإنسان الأوروبي بالله تعالى و نظرته إلى الأرض، بدلًا عن النظرة إلى السماء، انتزع من ذهنه أيّ فكره حقيقية عن قيمومة رفيعة من جهة أعلى، أو تحديدات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته و هيّأه ذلك نفسياً و فكرياً للإيمان بحقه في الحرية، و غمرة بفيض من الشعور بالاستقلال و الفردية، الأمر الذي استطاعت بعد هذا أن تترجمه إلى اللغة الفلسفية أو تعبر عنه على الصعيد الفلسفي، فلسفة كبرى في تأريخ أوروبا الحديثة و هي: الوجودية، إذ توّجت تلك المشاعر التي غمرت الإنسان الأوروبي الحديث بالصيغة الفلسفية، فوجد فيها إنسان أوروبا الحديث آماله و أحاسيسه.

و قد قامت الحرية بدور رئيسي في الاقتصاد الأوروبي، و أمكن لعملية التنمية أن تستفيد من الشعور الراسخ لدى الإنسان الأوروبي بالحرية و الاستقلال و الفردية في نجاح الاقتصاد الحر، بوصفه وسيلة تتفق مع الميول الراسخة في نفوس الشعوب الأوروبية و أفكارها، و حتى حينما طرح الاقتصاد الأوروبي منهجاً اشتراكياً، حاول فيه أن ينطلق من الشعور بالفردية و الأنانية أيضاً، مع تحويلها من فردية شخص إلى فردية طبقية.

37

و كلّنا نعلم أن الشعور العميق بالحرية، كان يوفّر شرطاً أساسياً لكثير من النشاطات التي ساهمت في عملية التنمية، و هو: انعدام الشعور بالمسؤولية الأخلاقية الذي لم تكن تلك النشاطات لتتمّ بدونه.

و الحرية نفسها كانت أداة لانفتاح الإنسان الأوروبي على مفهوم الصراع، لأنها جعلت لكل إنسان أن ينطلق دون أن يحدّه في انطلاقه شي‌ء، سوى وجود الشخص الآخر الذي يقف في الطرف المقابل كمحدّد له، فكان كل فرد يشكّل بوجوده، النفي لحريّة الشخص الآخر.

و هكذا نشأت فكره الصراع في ذهن الإنسان الأوروبي، و قد عبرت هذه الفكرة عن نفسها على الصعيد الفلسفي، كما رأينا في سائر الأفكار الأساسية التي كوّنت مزاج الحضارة الغريبة الحديثة، عبرت هذه الفكرة (فكره الصراع) عن نفسها في الأفكار العلمية و الفلسفية، عن تنازع البقاء كقانون طبيعي بين الأحياء، أو عن حتمية الصراع الطبقي داخل المجتمع، أو عن الديالكتيك و تفسير الكون على أساس:

الأطروحة و نقيضها و المركب الناجم عن الصراع بين النقيضين. إن كل هذه الاتجاهات- ذات الطابع العلمي أو الفلسفي- هي قبل كل شي‌ء تعبير عن واقع نفسي عام و شعور حادّ لدى إنسان الحضارة الحديثة بالصراع.

و كان للصراع أثره الكبير في توجيه الاقتصاد الأوروبي الحديث و ما واكبه من عمليات التنمية، سواء ما اتخذ منه الشكل الفردي و عبر عن نفسه بالتنافس المحموم و غير المحدود، بين المؤسسات و المشاريع الرأسمالية الشخصية- في ظل الاقتصاد الحر- التي كانت تنمو و تنمي الثروة الكلية من خلال صراعها و تنافسها على البقاء، أو ما اتخذ منه الشكل الطبقي و عبر عن نفسه بتجمعات ثورية تتسلم مقاليد الإنتاج في البلاد و تحرك كل الطاقات لصالح التنمية الاقتصادية.

هذه هي أخلاقية الاقتصاد الأوروبي، و على هذه الأرضية استطاع هذا الاقتصاد أن يبدأ حركته و يحقق نموّه و يسجّل مكاسبه الضخمة.

و هذه الأخلاقية تختلف عن الأخلاقية التي تعيشها الأمة داخل العالم الإسلامي‌

38

نتيجة لتاريخها الديني، فالإنسان الشرقي، الذي ربته رسالات السماء و عاشت في بلاده و مرّ بتربية دينية مديدة على يد الإسلام، ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، و يؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بالمادة و المحسوس.

و افتتانه العميق بعالم الغيب قبل عالم الشهادة هو الذي عبر عن نفسه على المستوي الفكري في حياة المسلمين، باتجاه الفكر في العالم الإسلامي إلى المناحي العقلية من المعرفة البشرية، دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس.

و هذه الغيبية العميقة في مزاج الإنسان المسلم، حدّدت من قوّة إغراء المادة لإنسان المسلم و قابليتها لإثارته، الأمر الذي يتجه بالإنسان في العالم الإسلامي، حين يتجرد عن دواقع معنوية للتفاعل مع المادة و إغرائه باستثمارها، إلى موقف سلبي تجاهها يتخذ شكل الزهد تارة و القناعة أخرى و الكسل ثالثة.

و قد روّضته هذه الغيبية على الشعور برقابة غير منظورة، قد تعبر في وعي المسلم التقيّ عن مسؤولية صريحة بين يدي اللّه تعالى، و قد تعبر في ذهن مسلم آخر عن ضمير محدّد و موجّه، و هي- على أيّ حال- تبتعد بإنسان العالم الإسلامي عن الإحساس بالحرية الشخصية و الحرية الأخلاقية، بالطريقة التي أحس بها الإنسان الأوروبي.

و نتيجة لشعور الإنسان المسلم بتحديد داخلي يقوم على أساس أخلاقي لصالح الجماعة التي يعيش ضمنها، يحس بارتباط عميق بالجماعة التي ينتسب إليها، و انسجام بينه و بينها، بدلًا عن فكره الصراع التي سيطرت على الفكر الأوروبي الحديث. و قد عزّز فكره الجماعة لدى الإنسان المسلم، الإطار العالمي لرسالة الإسلام، الذي ينيط بحملة هذه الرسالة مسؤولية وجودها عالمياً و امتدادها مع الزمان و المكان، فإنّ تفاعل إنسان العالم الإسلامي على مرّ التأريخ مع رسالة عالمية منفتحة على الجماعة البشرية، يرسّخ في نفسه الشعور بالعالمية و الارتباط بالجماعة. و هذه الأخلاقية التي يعيشها إنسان العالم الإسلامي، إذا لاحظناها بوصفها حقيقة ماثلة في كيان الأمة، يمكن الاستفادة منها في المنهجة للاقتصاد داخل العالم الإسلامي‌

39

و وضعه في إطار يواكب تلك الأخلاقية، لكي تصبح قوة دفع و تحريك، كما كانت أخلاقية مناهج الاقتصاد الأوروبي الحديث عاملًا كبيراً في إنجاح تلك المناهج، لما بينهما من انسجام.

فنظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض، يمكن أن تؤدي إلى موقف سلبي تجاه الأرض و ما في الأرض من ثروات و خيرات، يتمثل في الزهد أو القناعة أو الكسل إذا فصلت الأرض عن السماء، و أما إذا ألبست الأرض إطار السماء و أعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب و مفهوم العبادة، فسوف تتحول تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان المسلم، إلى طاقة محركة و قوة دفع نحو المساهمة بأكبر قدر ممكن في رفع المستوي الاقتصادي. و بدلًا عما يحسه اليوم المسلم السلبي من برود تجاه الأرض، أو ما يحسه المسلم النشيط الذي يتحرك وفق أساليب الاقتصاد الحر أو الاشتراكي، من قلق نفسي في أكثر الأحيان- و لو كان مسلماً متميعاً- سوف يولد انسجام كامل بين نفسية إنسان العالم الإسلامي و دوره الإيجابي المرتقب، في عملية التنمية.

و مفهوم إنسان العالم الإسلامي عن التحديد الداخلي و الرقابة الغيبية، الذي يجعله لا يعيش فكره الحرية بالطريقة الأوروبية، يمكن أن يساعد إلى درجة كبيرة في تفادي الصعاب، التي تنجم عن الاقتصاد الحر و المشاكل التي تواجهها التنمية الاقتصادية في ظله، عن تخطيط عام يستمد مشروعيته في ذهن إنسان العالم الإسلامي، من مفهومه عن التحديد الداخلي و الرقابة غير المنظورة، أي: يستند إلى مبررات أخلاقية.

و الإحساس بالجماعة و الارتباط بها يمكن أن يساهم إلى جانب ما تقدم، في تعبئة طاقات الأمة الإسلامية للمعركة ضد التخلف، إذا أعطي للمعركة شعار يلتقي مع ذلك الإحساس، كشعار الجهاد في سبيل الحفاظ على كيان الأمة و بقائها، الذي أعطاه القرآن الكريم حين قال وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (1)، فأمر بإعداد‌

____________

(1) الأنفال/ 60.

40

كل القوى، بما فيها القوى الاقتصادية التي يمثّلها مستوى الإنتاج، باعتباره جزءاً من معركة الأمة و جهادها للاحتفاظ بوجودها و سيادتها.

و هنا تبرز أهميّة الاقتصاد الإسلامي، بوصفه المنهج الاقتصادي القادر على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الإسلامي التي رأيناها، و تحويلها إلى طاقة دفع و بناء كبيرة في عمليات التنمية و إنجاح تخطيط سليم للحياة الاقتصادية.

فنحن حينما نأخذ بالنظام الإسلامي، سوف نستفيد من هذه الأخلاقية و نستطيع أن نعبأها في المعركة ضد التخلف، على عكس ما إذا أخذنا بمناهج في الاقتصاد ترتبط نفسياً و تأريخياً بأرضية أخلاقية أخرى.

و قد أخذ بعض المفكرين الأوروبيين يدركون هذه الحقيقة أيضاً و يلمحون إليها، معترفين بأن مناهجهم لا تتفق مع طبيعة العالم الإسلامي، و أذكر- كمثال على ذلك- جاك أو ستروي، فقد سجّل هذه الملاحظة بكل وضوح في كتابه (التنمية الاقتصادية)، بالرغم من أنه لم يستطع أن يبرز التسلسل الفني و المنطقي لتكّون الأخلاقية الأوروبية و تكوّن الأخلاقية الإسلامية و ترتّب حلقاتها، و لا الأبعاد الكاملة لمحتوى كل من الأخلاقيتين، و تورّط في عدة أخطاء، و بالرغم من إمكان الاعتماد بصورة كاملة في إبراز هذه الأخطاء، على ما كتبه الأستاذ الجليل محمد المبارك في مقدمة الكتاب و الأستاذ الدكتور نبيل صبحي الطويل، الذي ترجم الكتاب إلى العربية، فإن بودّي أن أتوسع في فرصة مقبلة بهذا الصدد مكتفياً الآن بالقول: بأن اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء لا يعنى بمدلوله الأصيل، استسلام الإنسان للقدر و اتكاله على الظروف و الفرص، و شعوره بالعجز الكامل عن الخلق و الإبداع كما حاول ذلك جاك أو ستروى، بل إن هذا الاتجاه لدى الإنسان المسلم يعبر في الحقيقة عن مبدأ: خلافة الإنسان في الأرض، فهو يميل بطبيعته إلى إدراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة للّه، و لا أعرف مفهوما أغنى من مفهوم الخلافة للّه، في التأكيد على قدرة الإنسان و طاقاته التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون، كما لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة للّه، عن الاستسلام للقدر و الظروف‌

41

لأن الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه، و لا مسؤولية بدون حرية و شعور بالاختيار و التمكن من التحكم في الظروف، و إلّا فأيّ استخلاف هذا إذا كان الإنسان مقيّداً أو مسيّرا؟! و لهذا قلنا: إن إلباس الأرض إطار السماء يفجّر في الإنسان المسلم طاقاته و يثير إمكاناته، بينما قطع الأرض عن السماء، يعطّل في الخلافة معناها و يجمد نظرة الإنسان المسلم إلى الأرض في صيغة سلبية. فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء، بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في هذه النظرة، بتقديم الأرض إلى هذا الإنسان في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة.

و إضافة إلى كل ما تقدم نلاحظ: أن الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام، يتيح لنا أن نقيم حياتنا كلها بجانبيها: الروحي و الاجتماعي على أساس واحد، لأن الإسلام يمتد إلى كلا الجانبين، بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية الأخرى غير الإسلام، على جانب العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية من حياة الإنسان و مثله، فإذا أخذنا مناهجنا العامة في الحياة من مصادر بشرية بدلًا عن النظام الإسلامي، لم نستطع أن نكتفي بذلك عن تنظيم آخر للجانب الروحي، و لا يوجد مصدر صالح لتنظيم حياتنا الروحية إلّا الإسلام، فلا بدّ- حينئذ- من إقامة كل من الجانبين:

الروحي و الاجتماعي على أساس خاصّ به، مع أن الجانبين ليسا منعزلين أحدهما عن الآخر، بل هما متفاعلان إلى درجة كبيرة، و هذا التفاعل يجعل إقامتهما على أساس واحد، أسلم و أكثر انسجاماً مع التشابك الأكيد بين النشاطات الروحية و الاجتماعية في حياة الإنسان.

العراق- النجف الأشرف محمد باقر الصدر‌

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

مقدمة الطبعة الأولى:

بسم اللّه الرحمن الرحيم كلمة المؤلف: كنا يا قرائي الأعزاء على موعد منذ افترقنا في كتاب (فلسفتنا)، فقد حدثتكم:

أن (فلسفتنا) هي الحلقة الأولى من دراساتنا الإسلامية، بوصفها دراسة تعالج الصرح الإسلامي الشامخ، الصرح العقائدي للتوحيد، و تتولها بعد ذلك الدراسات التي تتعلق بالبنيات الفوقية في ذلك الصرح الإسلامي، لتكتمل لنا في نهاية المطاف صورة ذهنية كاملة عن الإسلام، بوصفه عقيدة حية في الأعماق، و نظاماً كاملًا للحياة، و منهجاً خاصّاً في التربية و التفكير.

قلنا هذا في مقدمة (فلسفتنا)، و كنا نقدّر أن يكون (مجتمعنا) هو الدراسة الثانية في بحوثنا، نتناول فيها أفكار الإسلام عن الإنسان و حياته الاجتماعية، و طريقته في تحليل المركّب الاجتماعي و تفسيره، لننتهي من ذلك إلى المرحلة الثالثة، إلى النظم الإسلامية للحياة الّتي تتصل بأفكار الإسلام الاجتماعية، و ترتكز على صرحه العقائدي الثابت. و لكن شاءت رغبة القراء الملحة أن نؤجل (مجتمعنا)، و نبدأ بإصدار (اقتصادنا)، عجلة منهم في الاطلاع على دراسة مفصلة للاقتصاد الإسلامي: في فلسفته و أسسه و خطوطه و تعاليمه.

و هكذا كان، فتوفرنا على إنجاز (اقتصادنا)، محاولين أن نقدم فيه الصورة الكاملة نسبياً عن الاقتصاد الإسلامي، كما نفهمه اليوم من مصادره و ينابيعه.

44

و كنت أرجو أن يكون لقاؤنا هذا أقرب مما كان، و لكنّ ظروفاً قاهرة اضطرت إلى شي‌ء من التأخير، بالرغم من الجهود التي بذلتها بالتضامن مع عضدي المفدي، العلامة الجليل السيد محمد باقر الحكيم، في سبيل إنجاز هذه الدراسة و وضعها بين أيديكم في أقرب وقت ممكن.

و بودّي أن أقول هنا و في المقدمة شيئاً عن كلمة (اقتصادنا) أو كلمة الاقتصاد الإسلامي، الذي تدور حوله بحوث الكتاب، و ما أعنيه بهذه الكلمة حين أطلقها، لأن كلمة الاقتصاد ذات تأريخ طويل في التفكير الإنساني، و قد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني التي مرّت بها، و للازدواج في مدلولها بين الجانب العلمي من الاقتصاد و الجانب المذهبي. فحين نريد أن نعرف مدلول الاقتصاد الإسلامي بالضبط، يجب أن نميز علم الاقتصاد عن المذهب الاقتصادي، و ندرك مدى التفاعل بين التفكير العلمي و التفكير المذهبي، لننتهي من ذلك إلى تحديد المقصود من الاقتصاد الإسلامي، الذي نتوفر على دراسته في هذا الكتاب.

فعلم الاقتصاد هو: العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية و أحداثها و ظواهرها، و ربط تلك الأحداث و الظواهر بالأسباب و العوامل العامة التي تتحكم فيها.

و هذا العلم حديث الولادة، فهو لم يحدث- بالمعنى الدقيق للكلمة- إلّا في بداية العصر الرأسمالي، منذ أربعة قرون تقريبا، و إن كانت جذوره البدائية تمتد إلى أعماق التأريخ، فقد ساهمت كل حضارة في التفكير الاقتصادي بمقدار ما أتيح لها من إمكانات، غير أن الاستنتاج العلمي الدقيق الذي نجده لأول مرة في علم الاقتصاد السياسي، مدين للقرون الأخيرة.

و أما المذهب الاقتصادي للمجتمع فهو: عبارة عن الطريقة التي يفضّل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية، و حل مشاكلها العملية.

و على هذا الأساس لا يمكن أن نتصور مجتمعاً دون مذهب اقتصادي، لأن كل مجتمع يمارس إنتاج الثروة و توزيعها، لا بدّ له من طريقة يتفق عليها في تنظيم هذه العمليات‌

45

الاقتصادية، و هذه الطريقة هي التي تحدد موقفه المذهبي من الحياة الاقتصادية.

و لا شك في أن اختيار طريقة معينة لتنظيم الحياة الاقتصادية ليس اعتباطاً مطلقا، و إنما يقوم دائماً على أساس أفكار و مفاهيم معينة، ذات طابع أخلاقي أو علمي أو أيّ طابع آخر. و هذه الأفكار و المفاهيم تكوّن الرصيد الفكري للمذهب الاقتصادي القائم على أساسها. و حين يدرس أيّ مذهب اقتصادي، يجب أن يتناول من ناحية:

طريقته في تنظيم الحياة الاقتصادية، و من ناحية: رصيده من الأفكار و المفاهيم التي يرتبط المذهب بها. فإذا درسنا- مثلًا- المذهب الرأسمالي القائل بالحرية الاقتصادية، كان لزاماً علينا أن نبحث الأفكار و المفاهيم الأساسية، التي يقوم على أساسها تقديس الرأسمالية للحرية و إيمانها بها.، و هكذا الحال في أيّ دراسة مذهبية أخرى.

و منذ بدأ علم الاقتصاد السياسي يشق طريقه في مجال التفكير الاقتصادي، أخذت بعض النظريات العلمية في الاقتصاد، تكوّن جزءاً من هذا الرصيد الفكري للمذهب.

فالتجاريون مثلًا- و هم طلائع التفكير الاقتصادي الحديث- حين زعموا: أنهم فسروا من ناحية علمية كمية الثروة لدى كل أمة: بالمقدار الذي تملكه من النقد، استخدموا هذه الفكرة في وضع مذهبهم التجاري، فدعوا إلى تنشيط التجارة الخارجية بوصفها الأداة الوحيدة لجلب النقد من الخارج، و وضعوا معالم سياسة اقتصادية، تؤدي إلى زيادة قيمة البضائع المصدّرة على قيمة البضائع المستوردة، لتدخل إلى البلاد نقود بقدر الزيادة في الصادرات.

و الطبيعيون حين جاؤا بتفسير جديد للثروة، قائم على أساس الإيمان: بأن الإنتاج الزراعي وحده هو الإنتاج الكفيل بتنمية الثروة و خلق القيم الجديدة، دون التجارة و الصناعة، وضعوا في ضوء التفسير العلمي المزعوم سياسة مذهبية جديدة، تهدف إلى العمل على ازدهار الزراعة و تقدمها، بوصفها قوام الحياة الاقتصادية كلها.

و مالتس حين قرّر في نظريته الشهيرة، على ضوء إحصاءاته العلمية: أن نموّ البشر أسرع نسبياً من نمو الإنتاج الزراعي، مما يؤدي حتماً إلى مجاعة هائلة في مستقبل الإنسانية، لزيادة الناس على المواد الغذائية، تبنّى الدعوة إلى تحديد النسل، و وضع‌

46

لهذه الدعوة أساليبها السياسية و الاقتصادية و الأخلاقية.

و حين فسر الاشتراكيون قيمة السلعة: بالعمل المنفق على إنتاجها، شجبوا الربح الرأسمالي، و تبنوا المذهب الاشتراكي في التوزيع، الذي يجعل الناتج من حق العامل وحده، لأنه الخالق الوحيد للقيمة التي يتمتع بها الناتج.

و هكذا أخذت جملة من النظريات العلمية تؤثر على النظرة المذهبية، و تنير الطريق أمام الباحثين المذهبيين. (1)

و جاء بعد ذلك دور ماركس، فأضاف إلى الرصيد الفكري للمذهب الاقتصادي شيئاً جديداً، و هو: علم التأريخ، أو ما أسماه بالمادية التأريخية، التي زعم فيها: أنه كشف القوانين الطبيعية التي تتحكم في التأريخ، و اعتبر المذهب نتاجاً حتمياً لتلك القوانين. فلكي نعرف المذهب الاقتصادي الذي يجب أن يسود في مرحلة معينة من التأريخ، يجب أن نرجع إلى تلك القوانين الحتمية لطبيعة التأريخ و نكشف عن مقتضياتها في تلك المرحلة.

و لأجل ذلك آمن ماركس: بالمذهب الاشتراكي و الشيوعي، بوصفه النتاج الحتمي لقوانين التأريخ، التي بدأت تتمخض عنه في هذه المرحلة من حياة الإنسان.

و بهذا ارتبط المذهب الاقتصادي بدراسة علم التأريخ كما ارتبط قبل ذلك ببعض الدراسات في علم الاقتصاد السياسي.

و على هذا الأساس، فنحن حين نطلق كلمة: «الاقتصاد الإسلامي» لا نعني بذلك علم الاقتصاد السياسي مباشرة، لأن هذا العلم حديث الولادة نسبياً، و لأن الإسلام دين دعوة و منهج حياة و ليس من وظيفته الأصيلة ممارسة البحوث العلمية، و إنما نعني بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي للإسلام، الذي تتجسد فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية، بما يملك هذا المذهب و يدل عليه من رصيد‌

____________

(1) يجب أن نلاحظ هنا: أن كثيراً من النظريات العلمية في الاقتصاد السياسي، ذات موقف سلبي بحث من المذهب، كالنظريات التي تشرح نقاطاً من الحياة الاقتصادية موضوعة في إطار مذهبي ثابت، و انما تتأثر النظرة المذهبية مباشرة، بالنظريات التي تعالج نقاطاً مطلقة في الحقل الاقتصادي، لا نقاطاً نسبية موضوعة في هذا الإطار المذهبي الخاص أو ذاك. (من المؤلف)

47

فكري، يتألف من أفكار الإسلام الأخلاقية، و الأفكار العلمية الاقتصادية أو التأريخية، التي تتصل بمسائل الاقتصاد السياسي أو بتحليل تأريخ المجتمعات البشرية.

و هكذا فنحن نريد بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي منظوراً إليه في إطارة الكامل، و في ارتباطه بالرصيد الفكري الذي يعتمد عليه، و يفسر وجهة نظر المذهب في المشاكل التي يعالجها.

و هذا الرصيد الفكري يتحدد لدينا وفقاً لبيانات مباشرة في الإسلام، أو للأضواء التي يلقيها نفس المذهب على مسائل الاقتصاد و التأريخ. فإن المزاج العلمي للإسلام في بحوث علم الاقتصاد السياسي، أو في بحوث المادية التأريخية و فلسفة التأريخ.، يمكن أن يدرس و يستكشف من خلال المذهب الذي يتبناه و يدعو إليه.

فحينما نريد أن نعرف- مثلًا-: رأي الإسلام من الناحية العلمية في تفسير قيمة السلعة و تحديد مصدرها، و كيف تتكون للسلعة قيمتها؟ و هل تكتسب هذه من العمل وحده أو من شي‌ء آخر؟. يجب أن نتعرف على ذلك من خلال وجهة نظر الإسلام المذهبية إلى الربح الرأسمالي، و مدى اعترافه بعدالة هذا الربح.

و حينما نريد أن نعرف: رأي الإسلام في حقيقة الدور الذي يلعبه كل من رأس المال و وسائل الإنتاج و العمل في عملية الإنتاج.، يجب أن ندرس ذلك من خلال الحقوق التي أعطاها الإسلام لكل واحد من هذه العناصر في مجال التوزيع، كما هو مشروع في أحكام: الإجارة، و المضاربة، و المساقاة، و المزارعة، و البيع، و القرض.

و حين نريد أن نعرف: رأي الإسلام في نظرية مالتس- الآنفة الذكر- عن زيادة السكان، يمكننا أن نفهم ذلك في ضوء موقفه من تحديد النسل في سياسته العامة.

و إذا أردنا أن نستكشف: رأي الإسلام في المادية التأريخية و تطورات التأريخ المزعومة فيها، يمكننا أن نكشف ذلك من خلال الطبيعة الثابتة للمذهب الاقتصادي في الإسلام، و إيمانه بإمكان تطبيق هذا المذهب في كل مراحل التأريخ، التي عاشها الإنسان منذ ظهور الإسلام، و هكذا.

48

و الآن- بعد أن حددنا مدلول الاقتصاد الإسلامي بالقدر الذي ييسّر فهم الدراسات المقبلة- يجب أن نتحدث بشكل خاطف عن فصول الكتاب:

فالكتاب يتناول في الفصل الأول: المذهب الماركسي، و نظراً إلى أنه يملك رصيداً علمياً يتمثل في المادية التأريخية، فقد درسنا أولًا هذا الرصيد الفكري، ثم انتهينا من ذلك إلى نقد المذهب بصورة مباشرة، و خرجنا من ذلك بنسف الأسس العلمية المزعومة التي يقوم عليها الكيان المذهبي للماركسية، و أما الفصل الثاني: فقد خصّص لدرس الرأسمالية و نقدها في أسسها، و تحديد علاقتها بعلم الاقتصاد السياسي.

و تبدأ دراسة الاقتصاد الإسلامي بصورة مباشرة من الفصل الثالث، فنتحدث في هذا الفصل: عن مجموعة من الأفكار الأساسية لهذا الاقتصاد، ثم ننتقل إلى التفاصيل في الأصول الأخرى، لنشرح نظام التوزيع و نظام الإنتاج في الإسلام، بما يشتمل عليه النظامان من تفاصيل عن تقسيم الثروات الطبيعية، و تحديدات الملكية الخاصة، و مبادئ التوازن و التكافل و الضمان العام، و السياسة المالية، و صلاحيات الحكومة في الحياة الاقتصادية، و دور عناصر الإنتاج: من العمل و رأس المال و وسائل الإنتاج، و حق كل واحد منها في الثروة المنتجة، و ما إلى ذلك من الجوانب المختلفة، التي تشترك بمجموعها في تقديم الصورة الكاملة المحددة عن الاقتصاد الإسلامي.

و أخيرا، فقد بقيت عدة نقاط تتصل ببحوث الكتاب، و خاصة الفصول الأخيرة التي تستعرض تفصيلات الاقتصاد الإسلامي، يجب تسجيلها منذ البدء.

1- إن الآراء الإسلامية فيما يتصل بالجوانب الفقهية من الاقتصاد الإسلامي، تعرض في هذا الكتاب عرضاً مجرداً عن أساليب الاستدلال و طرق البحث العلمي في الدراسات الفقهية الموسعة. و حين تسند تلك الآراء بمدارك إسلامية من آيات و روايات، لا يقصد من ذلك الاستدلال على الحكم الشرعي بصورة علمية، لأن البرهنة على الحكم بآية أو رواية لا يعني مجرد سردها، و إنما يتطلب عمقاً و دقة‌

49

و استيعاباً بدرجة، لا تلتقي مع الغرض الذي ألّف لأجله هذا الكتاب، و إنما نرمي من وراء عرض تلك الآيات و الروايات أحيانا، إلى إيجاد خبرة عامة للقارئ بالمدارك الإسلامية.

2- الآراء الفقهية التي تعرض في الكتاب لا يجب أن تكون مستنبطة من المؤلف نفسه، بل قد يعرض الكتاب لآراء تخالف من الناحية الفقهية اجتهاد الكاتب في المسألة، و إنما الصفة العامة التي لوحظ توفرها في تلك الآراء، هي: أن تكون نتيجة لاجتهاد أحد المجتهدين، بقطع النظر عن عدد القائلين بالرأي و موقف الأكثرية منه.

3- قد يعرض الكتاب أحكاماً شرعية بشكل عام دون أن تتناول تفصيلاتها، و بعض الفروض الخارجة عن نطاقها، نظراً إلى أن الكتاب لا يتسع لكل التفاصيل و التفريعات.

4- يؤكد الكتاب دائماً على الترابط بين أحكام الإسلام، و هذا لا يعني: أنها أحكام ارتباطية و ضمنية بالمعنى الأصولي، حتى إذا عطل بعض تلك الأحكام سقطت سائر الأحكام الأخرى، و إنما يقصد من ذلك: أن الحكمة التي تستهدف من وراء تلك الأحكام لا تحقق كاملة دون أن يطبّق الإسلام، بوصفه كلًا لا يتجزأ، و إن وجب في واقع الحال امتثال كل حكم بقطع النظر عن امتثال حكم آخر أو عصيانه.

5- توجد تقسيمات في الكتاب في بعض جوانب الاقتصاد الإسلامي، لم ترد بصراحة في نص شرعي، و إنما انتزعت من مجموع الأحكام الشرعية الواردة في المسألة، و لذلك فإن تلك التقسيمات تتبع في دقتها مدى انطباق تلك الأحكام الشرعية عليها.

6- جاءت في الكتاب ألفاظ قد يساء فهمها، و لهذا شرحنا مدلولها وفقاً لمفهومنا عنها، خوفاً من الالتباس، كملكية الدولة التي تعني في مفهومنا: كل مال كان ملكاً للمنصب الإلهي في الدولة، فهو ملك للدولة و لمن يشغل المنصب أصالة أو وكالة التصرف فيه، وفقاً لما قرره الإسلام.

50

و بعد فإن هذا الكتاب لا يتناول السطح الظاهري للاقتصاد الإسلامي فحسب، و لا يعنى بصبّه في قالب أدبي حاشد بالكلمات الضخمة و التعميمات الجوفاء، و إنما هو محاولة بدائية- مهما أوتي من النجاح و عناصر الابتكار- للغوص إلى أعماق الفكرة الاقتصادية في الإسلام و صبّها في قالب فكري، ليقوم على أساسها صرح شامخ للاقتصاد الإسلامي، ثريّ بفلسفته و أفكاره الأساسية، واضح في طابعه و معالمه و اتجاهاته العامة، محدد في علاقته و موقفه من سائر المذاهب الاقتصادية الكبرى، مرتبط بالتركيب العضوي الكامل للإسلام.

فيجب إذن أن يدرس هذا الكتاب بوصفه بذرة بدائية لذلك الصرح الإسلامي، و يطلب منه أن يفلسف الاقتصاد الإسلامي في نظرته إلى الحياة الاقتصادية و تأريخ الإنسان، و يشرح المحتوى الفكري لهذا الاقتصاد.

وَ مٰا تَوْفِيقِي إِلّٰا بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ. (1)

النجف الأشرف محمد باقر الصدر‌

____________

(1) هود/ 88.

51

مع الماركسيّة نظرية المادية التأريخية

1- تمهيد 2- النظرية على ضوء الأسس الفلسفية 3- النظرية بما هي عامة 4- النظرية بتفاصيلها المذهب الماركسي 1- الاشتراكية 2- الشيوعية

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

نظريّة المادية التأريخيّة

1- تمهيد:

حين نتناول الماركسية على الصعيد الاقتصادي، لا يمكننا أن نفصل بين وجهها المذهبي، المتمثل في الاشتراكية و الشيوعية الماركسية، و وجهها العلمي المتمثل في المادية التأريخية أو المفهوم المادي للتأريخ، الذي زعمت الماركسية: أنها حددت في القوانين العلمية العامة المسيطرة على التأريخ البشري، و اكتشفت في تلك القوانين النظام المحتوم لكل مرحلة تأريخية من حياة الإنسان، و حقائقها الاقتصادية المتطورة على مرّ الزمن.

و هذا الترابط الوثيق بين المذهب الماركسي و المادية التأريخية، سوف ينكشف خلال البحوث الآتية أكثر فأكثر، إذ يبدو في ضوئها بكل وضوح: أن الماركسية المذهبية ليست في الحقيقة إلّا مرحلة تأريخية معينة، و تعبيرا محدودا نسبيا عن المفهوم المادي المطلق للتأريخ، فلا يمكن أن نصدر حكما في حق الماركسية المذهبية، بصفتها مذهبا له اتجاهاته و خطوطه الخاصة، إلّا إذا استوعبنا الأسس الفكرية التي ترتكز عليها، و حددنا موقفنا من المادية التأريخية، بوصفها القاعدة المباشرة للمذهب، و الهيكل المنظم لقوانين الاقتصاد و التأريخ، التي تملي- في زعم الماركسية- على المجتمع مذهبه الاقتصادي، و تصنع له نظامه في الحياة، طبقا لمرحلته التأريخية و شروطه المادية الخاصة.

54

و المادية التأريخية إذا أدّت امتحانها العلمي و نجحت فيه، كانت هي المرجع الأعلى في تحديد المذهب الاقتصادي و النظام الاجتماعي لكل مرحلة تأريخية من حياة الإنسان، و أصبح من الضروري أن يدرس كل مذهب اقتصادي و اجتماعي، من خلال قوانينها و في ضوئها، كما وجب أن يرفض تصديق أيّ مذهب اقتصادي و اجتماعي، يزعم لنفسه القدرة على استيعاب عدة أدوار تأريخية مختلفة، كالإسلام، المؤمن بإمكانية إقامة المجتمع و علاقاته الاقتصادية و السياسية على أساسه، بقطع النظر عما طرأ على المجتمع من تغيير في شروطه المدنية و المادية، خلال أربعة عشر قرنا.

و لأجل هذا يقرر أنجلز- على أساس المادية التأريخية- بوضوح:

«إن الظروف التي ينتج البشر تحت ظلها، تختلف بين قطر و آخر، و تختلف في القطر الواحد من جيل لآخر. لذا فليس من الممكن أن يكون للأقطار كافة، و للأدوار التأريخة جمعاء، اقتصاد سياسي واحد» (1).

و أما إذا فشلت المادية التأريخية في أداء مهمتها العلمية المزعومة، و ثبت لدى التحليل: أنها لا تعبّر عن القوانين الصارمة الأبدية للمجتمعات البشرية، فمن الطبيعي عندئذ أن تنهار الماركسية المذهبية المرتكزة عليها، و يصبح من الممكن علميا عند ذاك أن يتبنى الشخص، المذهب الذي لا تقرّه قوانين المادية التأريخية، كالمذهب الإسلامي، و يدعو إليه، بل و أن يزعم له من العموم و قدرة الاستيعاب، ما لا يتفق مع منطق الماركسية في التأريخ.

و لهذا نجد لزاما على كل باحث مذهبي في الاقتصاد، أن يلقي نظرة شاملة على المادية التأريخية، لكي يبرر وجهة نظره المذهبية و يستطيع أن يحكم في حق الماركسية المذهبية، حكما أساسيا شاملا.

و على هذا الأساس سوف نبدأ في بحثنا (مع الماركسية) بالمادية التأريخية، ثم نتناول المذهب الماركسي الذي يرتكز عليها. و بمعنى آخر ندرس:

أولا: علم الاقتصاد و التأريخ الماركسي، و ثانيا: مذهب الماركسية في الاقتصاد.

____________

(1) (ضد دوهرنك) ج 2، ص 5.

55

نظريات العامل الواحد:

و المادية التأريخية طريقة خاصة في تفسير التأريخ، تتجه إلى تفسيره بعامل واحد، و ليس هذا الاتجاه في المادية التأريخية فريدا من نوعه، فقد جنح جمهور من الكتّاب و المفكرين، إلى تفسير المجتمع و التأريخ بعامل واحد، من العوامل المؤثرة في دنيا الإنسان، إذ يعتبرونه المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق الأسرار، و يمتلك الموقف الرئيسي في عمليات التأريخ. و يفسرون العوامل الأخرى على أنها مؤثرات ثانوية، تتبع العامل الرئيسي في وجودها و تطورها، و في تقلباتها و استمرارها.

فمن ألوان هذا الاتجاه إلى توحيد القوة المحركة للتأريخ في عامل واحد: الرأي القائل بالجنس كسبب أعلى في المضمار الاجتماعي، فهو يؤكد: أن الحضارات البشرية، و المدنيات الاجتماعية، تختلف بمقدار الثروة المذخورة في صميم الجنس، و ما ينطوي عليه من قوى الدفع و التحريك، و طاقات الإبداع و البناء؛ فالجنس القوي النقي المحض، هو مبعث كل مظاهر الحياة في المجتمعات الإنسانية، منذ الأزل إلى العصر الحديث، و قوام التركيب العضوي و النفسي في الإنسان، و ليس التأريخ إلّا سلسلة مترابطة من ظواهر الكفاح بين الأجناس و الدماء، التي تخوض معركة الحياة في سبيل البقاء، فيكتب فيها النصر للدم النقي القوي، و تموت في خضمه الشعوب الصغيرة و تضمحل و تذوب، بسبب ما تفقده من طاقات في جنسها، و ما تخسره من قابلية المقاومة التابعة من نقاء الدم.

و من تفسيرات التأريخ بالعامل الواحد: المفهوم الجغرافي للتأريخ، الذي يعتبر العامل الجغرافي و الطبيعي أساسا لتاريخ الأمم و الشعوب، فيختلف تأريخ الناس باختلاف ما يكتنفهم من العوامل الجغرافية و الطبيعية، لأنها هي التي تشق لهم طريق الحضارة الراقية، و توفّر لهم أسباب المدنية، و تفجّر في عقولهم الأفكار البناءة أحيانا، و توصد في وجوههم الأبواب و تفرض عليهم السير في مؤخر القافلة البشرية أحيانا أخرى، فالعامل الجغرافي هو الذي يكيّف المجتمعات، بما يتفق مع طبيعته و متطلباته.

56

و هناك تفسير ثالث بالعامل الواحد، نادى به بعض علماء النفس، قائلًا: إن الغريزة الجنسية، هي السر الحقيقي الكامن وراء مختلف النشاطات الإنسانية، التي يتألف منها التأريخ و المجتمع، فليست حياة الإنسان إلّا سلسلة من الاندفاعات الشعورية أو اللاشعورية عن تلك الغريزة.

و آخر هذه المحاولات، التي جنحت إلى تفسير التأريخ و الإنسان بعامل واحد، هي المادية التأريخية التي بشر بها كارل‌ماركس، مؤكدا فيها: أن العامل الاقتصادي، هو العامل الرئيسي، و الرائد الأول للمجتمع في نشوية و تطوّره، و الطاقة الخلّاقة لكل محتوياته الفكرية و المادية، و ليست شتّى العوامل الأخرى إلّا بنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ، فهي تتكيف وفقا للعامل الرئيسي، و تتغير بموجب قوته الدافعة، التي يسير في ركبها التأريخ و المجتمع.

و كل هذه المحاولات لا تتفق مع الواقع و لا يقرّها الإسلام، لأن كل واحد منها قد حاول أن يستوعب بعامل واحد، تفسير الحياة الإنسانية كلها، و أن يهب هذا العامل من أدوار التأريخ و فصول المجتمع، ما ليس جديرا به لدى الحساب الشامل الدقيق.

و الهدف الأساسي من بحثنا هذا، هو: دراسة المادية التأريخية من تلك المحاولات، و إنما استعرضناها جميعا، لأنها تشترك في التعبير عن اتجاه فكري في تفسير الإنسان المجتمعي بعامل واحد.

العامل الاقتصادي أو المادية التأريخية:

و لنكوّن الآن فكره عامة عن المفهوم الماركسي للتأريخ، الذي يتبنى العامل الاقتصادي بصفته المحرك الحقيقي لموكب البشرية في كل الميادين.

فالماركسية تعتقد: أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع، هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية، و السياسية، و الدينية، و الفكرية، و ما إليها من ظواهر الوجود الاجتماعي.

57

و الوضع الاقتصادي- بدوره- له سببه الخاص به، ككل شي‌ء في هذه الدنيا. و هذا السبب- السبب الرئيسي لمجموع التطور الاجتماعي، و بالتالي لكل حركة تأريخية في حياة الإنسان- هو وضع القوة المنتجة و وسائل الإنتاج. فوسائل الإنتاج هي القوة الكبرى، التي تصنع تأريخ الناس و تطوّرهم و تنظّمهم. و هكذا تضع الماركسية يدها على رأس الخيط، و تصل إلى تسلسلها الصاعد إلى السبب الأول في الحركة التأريخية بمجموعها.

و هنا يبدو سؤالان: ما هي وسائل الإنتاج؟ و كيف تنشأ عنها الحركة التأريخية و الحياة الاجتماعية كلها؟

و تجيب الماركسية على السؤال الأول: بأن وسائل الإنتاج، هي الأدوات التي يستخدمها الناس في إنتاج حاجاتهم المادية، [و] ذلك أن الإنسان مضطر إلى الصراع مع الطبيعة في سبيل وجوده، و هذا الصراع يتطلب وجود قوى و أدوات معينة، يستعملها الإنسان في تذليل الطبيعة و استثمار خيراتها. و أول أداة استخدمها الإنسان في هذا المجال، هي: يده و ذراعه؛ ثم أخذت الأداة تظهر في حياته شيئا فشيئا، فاستفاد من الحجر بصفته كتلة ذات ثقل خاص، في القطع، و الطحن، و الطرق؛ و استطاع بعد مرحلة طويلة من التأريخ، أن يثبت هذه الكتلة الحجرية على مقبض، فنشأت المطرقة، و أصبحت اليد تستخدم في تكوين الأداة المنتجة، لا في الإنتاج المباشر، و صار الإنتاج يعتمد على أدوات منفصلة؛ و أخذت هذه الأدوات تنمو و تتطور، كلما ازدادت سلطة الإنسان على الطبيعة، فصنع الفؤوس، و الحراب، و السكاكين الحجرية؛ ثم تمكن بعد ذلك أن يخترع القوس و السهم و يستعملهما في الصيد.

و هكذا تدرّجت القوى المنتجة تدرجا بطيئا، خلال آلاف السنين، حتى وصلت إلى مرحلتها التأريخية الحاضرة، التي أصبح فيها البخار و الكهرباء و الذرة، هي الطاقات التي يعتمد عليها الإنتاج الحديث. فهذه هي القوى المنتجة التي تصنع للإنسان حاجاته المادية.

58

و تجيب الماركسية على السؤال الثاني أيضا: بأن الوسائل المنتجة تولّد الحركة التأريخية، طبقا لتطوراتها و تناقضاتها. و تشرح ذلك قائله: إن القوى المنتجة في تطور و نمو مستمر كما رأينا، و كل درجة معينة من تطور هذه القوى و الوسائل، لها شكل خاص من أشكال الإنتاج؛ فالإنتاج الذي يعتمد على الأدوات الحجرية البسيطة، يختلف عن الإنتاج القائم على السهم و القوس و غيرهما من أدوات الصيد؛ و إنتاج الصائد يختلف عن إنتاج الراعي أو المزارع. و هكذا يصبح لكل مرحلة من تأريخ المجتمع البشري، أسلوبه الخاص في الإنتاج، وفقا لنوعية القوى المنتجة و درجة نموها و تطورها.

و لما كان الناس في نضالهم مع الطبيعة، لاستثمارها في إنتاج الحاجات المادية، ليسوا منفردين منعزلا بعضهم عن بعض، بل ينتجون في جماعات و بصفتهم أجزاء من مجتمع مترابط، فالإنتاج دائما- و مهما تكن الظروف- إنتاج اجتماعي. و من الطبيعي حينئذ أن يقيم الناس بينهم علاقات معينة، بصفتهم مجموعة مترابطة خلال عملية الإنتاج.

و هذه العلاقات (علاقات الإنتاج) التي تقوم بين الناس، بسبب خوضهم معركة موحدة ضد الطبيعة، هي في الحقيقة علاقات الملكية، التي تحدد الوضع الاقتصادي و طريقة توزيع الثروة المنتجة في المجتمع، و بمعنى آخر: تحدد شكل الملكية (المشاعية، أو العبودية، أو الإقطاعية، أو الرأسمالية، أو الاشتراكية) و نوعية المالك، و موقف كل فرد من الناتج الاجتماعي.

و تعتبر هذه العلاقات (علاقات الإنتاج أو علاقات الملكية)- من وجهة رأي الماركسية- الأساس الواقعي، الذي يقوم عليه البناء العلوي للمجتمع كله، فكل العلاقات السياسية و الحقوقية، و الظواهر الفكرية، و الدينية، مرتكزة على أساس علاقات الإنتاج (علاقات الملكية)، لأن علاقات الإنتاج هي التي تحدد شكل الملكية السائد في المجتمع، و الأسلوب الذي يتم بموجبه تقسيم الثروة على أفراده.

و هذا- بدوره- هو الذي يحدد الوضع الساسي، و الحقوقي، و الفكري، و الديني، بصورة عامة.

59

و لكن إذا كانت كل الأوضاع الاجتماعية، تنشأ وفقا للوضع الاقتصادي، و بتعبير آخر: تنشأ وفقا لعلاقات الملكية (علاقات الإنتاج)، فمن الضروري أن نتساءل عن علاقات الإنتاج هذه، كيف تنشأ؟ و ما هو السبب الذي يكوّن و يكيّف الوضع الاقتصادي للمجتمع؟

و تجيب المادية التأريخية على ذلك: أن علاقات الإنتاج (علاقات الملكية)، تتكون في المجتمع بصورة ضرورية، وفقا لشكل الإنتاج و الدرجة المعينة التي تعيشها القوى المنتجة. فلكل درجة من نمو هذه القوى، علاقات ملكية و وضع اقتصادي يطابق تلك الدرجة من تطورها. فالقوى المنتجة هي التي تنشئ الوضع الاقتصادي، الذي تتطلبه و تفرضه على المجتمع؛ و يتولد عن الوضع الاقتصادي و علاقات الملكية عندئذ، جميع الأوضاع الاجتماعية، التي تطابق ذلك الوضع الاقتصادي و تتفق معه.

و يستمر الوجود الاجتماعي على هذه الحال، حتى تبلغ قوى المجتمع المنتجة درجة جديدة من النمو و التطور، فتدخل في تناقض مع الوضع الاقتصادي القائم، لأن هذا الوضع إنما كان نتيجة للمرحلة أو الدرجة، التي تخطّتها قوى الإنتاج إلى مرحلة جديدة، تتطلب وضعا اقتصاديا جديدا و علاقات ملكية من نمط آخر، بعد أن أصبح الوضع الاقتصادى السابق، معيقا لها عن النمو. و هكذا يبدأ الصراع بين القوي المنتجة لوسائل الإنتاج، في مرحلتها الجديدة من ناحية، و علاقات الملكية و الأوضاع الاقتصادية، التي خلفتها المرحلة السابقة لقوي الإنتاج، من ناحية أخرى.

و هنا يأتي دور الطبقية في المادية التأريخية. فإن الصراع بين القوي المنتجة النامية، و علاقات الملكية القائمة، ينعكس على الصعيد الاجتماعي دائما، في الصراع بين طبقتين: إحداهما: الطبقة الاجتماعية؛ التي تتفق مصالحها مع نمو القوى المنتجة، و مستلزماته الاجتماعية؛ و الأخرى: الطبقة الاجتماعية، التي تتفق مصالحها مع علاقات الملكية القائمة، و تتعارض منافعها مع متطلبات المدّ التطوري للقوى المنتجة، ففي المرحلة التأريخية الحاضرة- مثلا- يقوم التناقض بين نمو القوى المنتجة.

و العلاقات الرأسمالية في المجتمع؛ و يشبّ الصراع تبعا لذلك بين: الطبقة العاملة، التي‌

60

تقف إلى صف القوى المنتجة في نموها، و ترفض بإصرار و وعي طبقي، علاقات الملكية الرأسمالية، و بين: الطبقة المالكة، التي تقف إلى جانب العلاقات الرأسمالية في الملكية، و تستميت في الدفاع عنها.

و هكذا يجد التناقض، بين قوى الإنتاج و علاقات الملكية- دائما- مدلوله الاجتماعي، في التناقض الطبقي.

ففي كيان المجتمع- إذن- تناقضان: الأول: التناقض بين نمو القوى المنتجة، و علاقات الملكية السائدة، حين تصبح معيقة لها عن التكامل؛ و الثاني: التناقض الطبقي، بين طبقة من المجتمع، تخوض المعركة لحساب القوى المنتجة، و طبقة أخرى، تخوضها لحساب العلاقات القائمة. و هذا التناقض الأخير، هو التعبير الاجتماعي و الانعكاس المباشر للتناقض الأول.

و لما كانت وسائل الإنتاج هي القوى الرئيسية في دنيا التأريخ، فمن الطبيعي أن تنتصر في صراعها مع علاقات الملكية و مخلفات المرحلة القديمة. فتقضي على الأوضاع الاقتصادية، التي أصبحت في تناقض معها، و تقيم علاقات و أوضاعا اقتصادية، تواكبها في نموها و تنسجم مع مرحلتها.

و معنى ذلك بالتعبير الاجتماعي: أن الطبقة الاجتماعية التي كانت تقف في المعركة إلى صف القوى المنتجة، هي التي يكتب لها النصر على الطبقة الأخرى، التي كانت تناقضها و تحاول الاحتفاظ بعلاقات الملكية كما هي.

و حين تنتصر قوى الإنتاج على علاقات الملكية، و بمعنى آخر: تفوز الطبقة الحليفة لوسائل الإنتاج، على نقيضتها، حينئذ تتحطم علاقات الملكية القديمة، و يتغير الوجه الاقتصادي للمجتمع. و تغيّر الوضع الاقتصادي بدوره، يزعزع كل البناء العلوي الهائل للمجتمع، من سياسة، و أفكار، و أديان، و أخلاق، لأن هذه الجوانب كلها كانت تقوم على أساس الوضع الاقتصادي، فإذا تبدل الأساس الاقتصادي، تغير وجه المجتمع كله.

و المسألة لا تنتهي عند هذا الحد، فإن التناقض بين قوى الإنتاج و علاقات الملكية،

61

أو التناقض بين الطبقتين الممثلتين لتلك القوى و العلاقات، إن هذا التناقض و إن وجد حله الآتي، في تغير اجتماع شامل، غير أنه حل موقوت، لأن القوى المنتجة تواصل نموها و تطورها، حتى تدخل مرة أخرى في تناقض مع علاقات الملكية و الأوضاع الاقتصادية الجديدة. و يتمخض هذا التناقض، عن ولادة طبقة اجتماعية جديدة، تتفق مصالحها مع النمو الجديد في قوى الإنتاج و متطلباته الاجتماعية؛ بينما تصبح الطبقة التي كانت حليفة لقوي الإنتاج، خصما لها منذ تلك اللحظة، التي بدأت الوسائل المنتجة تتناقض مع مصالحها، و ما تحرص عليها من علاقات الملكية. فتشتبك الطبقتان في معركة جديدة، كمدلول اجتماعي للتناقض بين قوى الإنتاج، و علاقات الملكية. و ينتهي هذا الصراع إلى نفس النتيجة، التي أدى إليها الصراع السابق. فتنتصر قوى الإنتاج على علاقات الملكية، و بالتالي تنتصر الطبقة الحليفة لها، و يتغير تبعا لذلك الوضع الاقتصادي، و كل الأوضاع الاجتماعية.

و هكذا، فإن علاقات الملكية و الأوضاع الاقتصادية، تظل محتفظة بوجودها الاجتماعي، ما دامت القوى المنتجة تتحرك ضمنها و تنمو، فإذا أصبحت عقبة في هذا السبيل، أخذت التناقضات تتجمع، حتى تجد حلها في انفجار ثوري، تخرج منه وسائل الإنتاج منتصرة، و قد حطمت العقبة من أمامها و أنشأت وضعا اقتصاديا جديدا، لتعود بعد مدة من نموها إلى مصارعته من جديد، طبقا لقوانين الديالكتيك، حتى يتحطم و يندفع التأريخ إلى مرحلة جديدة.

المادية التأريخية و الصفة الواقعة:

و قد دأب الماركسيون على القول: بأن المادية التأريخية، هي الطريقة العلمية الوحيدة لإدراك الواقع الموضوعي، التي قفزت بالتأريخ إلى مصاف العلوم البشرية الأخرى، كما حاول بعض الكتّاب الماركسيين بإصرار، اتهام المناوئين للمادية التأريخية، و المعارضين لطريقتها في تفسير الإنسان المجتمعي: بأنهم أعداء علم التأريخ و أعداء الحقيقة الموضوعية، التي تدرسها المادية التأريخية و تفسرها. و يبرّر هؤلاء‌

62

اتهامهم هذا: بأن المادية التأريخية تقوم على أمرين: أحدهما: الإيمان بوجود الحقيقة الموضوعية، و الآخر: أن الأحداث التأريخية لم تخلق صدفة، و إنما وجدت وفقا لقوانين عامة، يمكن دراستها و تفهمها. فكل معارضة للمادية التأريخية، مردّها إلى المناقشة في هذين الأمرين.

و على هذا الأساس كتب بعض الماركسيين، يقول:

«قد دأب أعداء المادية التأريخية (أعداء علم التأريخ) على أن يفسروا الاختلافات في إدراك الأحداث التأريخية، على: أنها دليل على عدم وجود حقيقة ثابتة، و يؤكدون: أننا قد نختلف في وصف حادث وقع قبل يوم، فكيف بأحداث قد وقعت قبل قرون؟!» (1).

و قد شاء الكاتب بهذا، أن يفسر كل معارضة للمادية التأريخية، على أساس: أنها محاولة للتشكيك في الجانب الموضوعي للتأريخ، و في الحقائق الموضوعية للأحداث التأريخية. و هكذا يحتكر الكاتب، الإيمان بالواقع الموضوعي لمفهومه التاريخي الخاص.

و لكن من حقنا أن نتساءل: هل أن عداء المادية التأريخية، يعني حقا التشكيك في وجود الحقيقة، خارج شعور الباحث و إدراكه أو إنكارها؟

و الواقع أننا لا نجد في هذه المزاعم، شيئا جديدا على الصعيد التاريخي، فقد استمعنا إلى هذا اللون من المزاعم قبل ذلك في الحقل الفلسفي، حين تناولنا في (فلسفتنا) المفهوم الفلسفي للعالم؛ فإن الماركسيين كانوا يصرون: أن المادية، أو المفهوم المادي للعالم، هو وحده الاتجاه الواقعي في مضمار البحث الفلسفي، لأنه اتجاه قائم على أساس الإيمان بالواقع الموضوعي للمادة، و ليس للمسألة الفلسفية جواب، إذا انحرف البحث عن الاتجاه المادي، إلّا المثالية، التي تكفر بالواقع الموضوعي، و تنكر وجود المادة. فالكون إما: أن يفسر تفسيرا مثاليا، لا مجال فيه لواقع موضوعي مستقل عن الوعي و الشعور، و إما: أن يفسر بطريقة علمية، على أساس‌

____________

(1) (الثقافة الجديدة) العدد 11، السنة 7، ص 10.

63

المادية الديالكتيكية. و قد مر بنا في (فلسفتنا): أن هذه الثنائية تزوير على البحث الفلسفي، يستهدف من ورائه اتهام كل خصوم المادية الجدلية، بأنهم تصوريون مثاليون، لا يؤمنون بالواقع الموضوعي للعالم، بالرغم من أن الإيمان بهذا الواقع ليس وقفا على المادية الجدلية فحسب، و لا يعني رفضها- بحال من الأحوال- التشكيك في هذا الواقع أو إنكاره.

و كذلك القول في حقلنا الجديد، فإن الإيمان بالحقيقة الموضوعية للمجتمع و لإحداث التأريخ، لا ينتج الأخذ بالمفهوم المادي، فهناك واقع ثابت لإحداث التأريخ، و كل حدث في الحاضر أو الماضي، قد وقع فعلا بشكل معين، خارج شعورنا بتلك الأحداث، و هذا ما نتفق عليه جميعا، و ليس هو من مزايا المادية التأريخية فحسب، بل يؤمن به كل من يفسر أحداث التأريخ أو تطوراته، بالأفكار، أو بالعامل الطبيعي، أو الجنسي، أو بأيّ شي‌ء آخر من هذه الأسباب؛ كما تؤمن به الماركسية، التي تفسر التأريخ بتطور القوى المنتجة. فالأيمان بالحقيقة الموضوعية، هو نقطة الانطلاق لكل تلك المفاهيم عن التأريخ، و البديهة الأولى التي تقوم تلك التفسيرات المختلفة على أساسها.

و شي‌ء آخر: أن أحداث التأريخ، بصفتها جزءا من مجموعة أحداث الكون، تخضع للقوانين العامة التي تسيطر على العالم. و من تلك القوانين: مبدأ العلية القائل:

إن كل حدث، سواء أ كان تأريخيا أو طبيعيا، أم أيّ شي‌ء آخر، لا يمكن أن يوجد صدفة و ارتجالا، و إنما هو منبثق عن سبب. فكل نتيجة مرتبطة بسببها، و كل حادث متصل بمقدماته. و بدون تطبيق هذا المبدأ (مبدأ العلية) على المجال التاريخي، يكون البحث التاريخي غير ذي معنى.

فالأيمان بالحقيقة الموضوعية لإحداث التأريخ، و الاعتقاد بأنها تسير وفقا لمبدإ العلية، هما الفكرتان الأساسيتان لكل بحث علمي في تفسير التأريخ، و إنما يدور النزاع بين التفاسير و الاتجاهات المختلفة في درس التأريخ، حول العلل الأساسية،

64

و القوى الرئيسية التي تعمل في المجتمع. فهل هي القوى المنتجة؟ أو الأفكار؟ أو الدم؟

أو الأوضاع الطبيعية؟ أو كل هذه الأسباب مجتمعة؟ و الجواب على هذا السؤال- أيا كان اتجاهه- لا يخرج عن كونه تفسيرا للتأريخ، قائماً على أساس الإيمان بحقيقة الأحداث التأريخية، و تتابعها وفقا لمبدإ العلية.

و فيما يلي سنتناول المادية التأريخية، بصفتها طريقة عامة في فهم التأريخ و تفسيره. و ندرسها:

أولا: على ضوء الأسس الفلسفية و المنطقية، التي يتكون منها مفهوم الماركسية العام عن الكون.

و ثانيا: بما هي نظرية عامة، تحاول استيعاب التأريخ الإنساني.

و ثالثا: بتفاصيلها، التي تحدد مراحل التأريخ البشري، و القفزات الاجتماعية على رأس كل مرحلة.

65

2- النظريّة على ضوء الأسس الفلسفية

في ضوء المادية الفلسفية:

تؤمن الماركسية: بأن التفسير المادي للتأريخ، من أهمّ مزايا المادية الحديثة، إذ لا يمكن بدونه، إعطاء التأريخ تفسيرا صحيحا، يتجاوب مع المادية الفلسفية، و يتّسق مع المفهوم المادي للحياة و الكون. و ما دام التفسير المادي صادقا في رأي الماركسية- على الوجود، بصورة عامة، فيجب أن يصدق بالنسبة إلى التأريخ، لأن التأريخ ليس إلّا جانبا من جوانب الوجود العام.

و على هذا الأساس، تعيب الماركسية على مادية القرن الثامن عشر، موقفها من تفسير التأريخ، لأن مادية القرن الثامن عشر الميكانيكية، لم توفّق إلى هذا الكشف المادي الجبار، في الحقل التاريخي، بل كانت مثالية في مفاهيمها عن التأريخ، بالرغم من اعتناقها المادية في المجال الكوني العام. و لماذا كانت في مفهومها التاريخي مثالية؟

كانت كذلك- في رأي الماركسية-: لأنها آمنت بالأفكار و المحتويات الروحية للإنسان، و منحتها دورا رئيسيا في التأريخ، و لم تستطع خلال العلاقات الاجتماعية التي كانت تعيشها، أن تتخطى هذه العوامل المثالية إلى السبب الأعمق، إلى القوي المادية الكامنة في وسائل الإنتاج. فلم تصل لأجل هذا، إلى العلة المادية للتأريخ، و لم يحالفها التوفيق في وضع تصميم علمي لمادية تأريخية، تتجاوب مع المادية الكونية. و إنما ظلّت تتعلق بالتفسيرات المثالية السطحية، التي تدرس السطح التاريخي‌

66

و لا تنفذ إلى الأعماق. قال أنجلز:

«و بالنسبة إلينا نجد في ميدان التأريخ: أن المادية القديمة، لا تصدق مع ذاتها، لأنها تعتبر القوى المثالية المحركة في التأريخ عللا نهائية، و ذلك بدلا من البحث عما وراءها، أي: البحث عن القوى المحركة الفعلية، الكامنة وراء هذه القوى المحركة، و يبدو التناقض، لا في الاعتراف بهذه القوى المثالية فحسب، بل في عدم مواصلة البحث وراء هذه القوى، حتى يمكن إزاحة الستار عن العلل المحركة» (1).

و أنا لا أريد في مجال بحثي هذا، أن أتناول المادية الفلسفية، لأن ذلك ما قمت به في الحلقة الأولى (فلسفتنا)؛ و إنما أقصد أن أدرس هذا الربط، الذي تزعمه الماركسية، أو بعض كتّابها، بين المادية الفلسفية و المادية التأريخية، بطرح السؤال التالي: هل من الضروري على أساس المادية الفلسفية، أن نفسر التأريخ كما تفسره الماركسية، و نشد عجلته منذ فجر الحياة إلى الأبد بوسائل الإنتاج؟

ولدي الجواب على هذا السؤال، يجب أن نميز بوضوح، المفهوم الفلسفي للمادية، عن مفهومها التاريخي عند الماركسية. فإن التباس أحد المفهومين بالآخر، هو الذي أدي إلى التأكيد- الآنف الذكر- على الارتباط بينهما، و على أن كل فلسفة مادية لا تتبنى تفكير ماركس للتأريخ، فهي لا تستطيع أن تقف على قدميها في ميدان البحث التاريخي، و لا أن تتحرر من المثالية في مفاهيمها التأريخية تحررا نهائيا.

و الحقيقة هي: أن المادية بمفهومها الفلسفي، تعني: أن المادة بظواهرها المتنوعة، هي الواقع الوحيد الذي يشمل كل ظواهر العالم، و ألوان الوجود فيه؛ و ليست الروحيات، و كل ما يدخل في نطاقها، من أفكار، و مشاعر، و تجريدات، إلّا نتاجا ماديا و حصيلة للمادة في درجات خاصة، من تطورها و نموها. فالفكر مهما بدا رفيعا و عاليا عن مستوى المادة، فهو لا يبدو في منظار المادية الفلسفية، إلّا نتاجا للنشاط الوظيفي للدماغ، و لا يوجد واقع خارج حدود المادة، و وجوهها المختلفة؛

____________

(1) (التفسير الاشتراكي للتأريخ) ص 57.

67

و ليست هي بحاجة إلى أيّ معنى لا مادي.

فأفكار الإنسان و محتوياته الروحية، و الطبيعية التي يمارسها- على أساس هذا المفهوم الفلسفي- ليست كلها إلا أوجها مختلفة للمادة، و تطوراتها و نشاطاتها.

هذه هي المادية الفلسفية و نظرتها العامة إلى الإنسان و الكون. و لا يختلف في حساب هذه النظرة الفلسفية، أن يكون الإنسان نتاجا للشروط المادية و القوى المنتجة، أو أن تكون شروط الإنتاج و قواه نتاجا للإنسان، فما دام الإنسان، و أفكاره، و الطبيعة، و قواها المنتجة، كلها ضمن حدود المادة- كما تزعم المادية الفلسفية- فلا يضيرها من ناحية فلسفية، أن يبدأ التفسير التاريخي، بأيّ حلقة من الحلقات، فيعتبرها الحلقة الأولى في التسلسل الاجتماعي. فكما يصح أن نبدأ بالأداة المنتجة فنسبغ عليها صفة الألوهية للتأريخ، و نعتبرها السبب الأعلى لكل التيارات التأريخية؛ كذلك يمكن- من وجهة النظر المادية الفلسفية- أن نبدأ بالإنسانية، بصفتها نقطة الابتداء في تفسير التأريخ. فكلاهما في حساب المادية الفلسفية سواء.

و بهذا يتضح: أن الاتجاه المادي في الفلسفة، الذي يفسر الإنسان و الطبيعة تفسيرا ماديا، لا يحتم مفهوم الماركسية عن التأريخ، و لا يفرض النزول بالإنسان إلى درجة ثانوية في السلم التاريخي، و اعتباره عجينة رخوة، تكيفها أدوات الإنتاج كما تشاء.

فالمسألة التأريخية- إذن- يجب أن تدرس بصورة مستقلة، عن المسألة الفلسفية للكون.

في ضوء قوانين الديالكتيك:

إن قوانين الديالكتيك، هي: القوانين التي تفسر كل تطور و صيرورة، بالصراع بين الأضداد، في المحتوى الداخل للأشياء. فكل شي‌ء يحمل في صميمه جرثومة نقيضة، و يخوض المعركة مع النقيض، و يتطور طبقا لظروف الصراع (1).

و الماركسية تتجه في مفهومها الخاص، إلى تطبيق قوانين الديالكتيك هذه، على الصعيد الاجتماعي، و استعمال الطريقة الديالكتيكية، في تحليل الأحداث التأريخية.

____________

(1) لاحظ (فلسفتنا) ص 174- 242.

68

فهي ترى: أن التناقض الطبقي في صميم المجتمع، تعبير عن قانون التناقضات في الديالكتيك، القائل: إن كل شي‌ء يحتوي في أعماقه على تناقضات و أضداد، و تنظر إلى التطور الاجتماعي، بوصفه حركة ديناميكية منبثقة عن التناقضات الداخلية، طبقا لقانون الحركة الديالكتيكية العام، القائل: إن كل كائن يتطور، لا بحركة ميكانيكية و قوة خارجية تدفعه من ورائه، بل بسبب التناقضات التي تنمو في صميمه و تنفجر؛ و تؤمن بتراكم التناقضات الطبقية شيئا فشيئا، حتى تحين اللحظة المناسبة لتتفجر عن تحول شامل، في بناء المجتمع و نظامه، وفقا للقانون الديالكتيكي، القائل:

إن التغيرات الكمية التدريجية، تتحول إلى تغير كيفي آني. و هكذا حاولت الماركسية:

أن تجعل من المجال التاريخي- عن طريق ماديتها التأريخية حقلا خصبا لقوانين الديالكتيك العامة.

و لنقف لحظة لنتبين مدى التوفيق، الذي أحرزته الماركسية في ديالكتيكها التاريخي. إن الماركسية استطاعت، أن تجعل من طريقتها في التحليل التاريخي، طريقة ديالكتيكية إلى حد ما؛ و لكنها تناقضت في النتائج التي انتهت إليها، مع طبيعة الديالكتيك. و بهذا كانت ديالكتيكية في طريقتها، و لم تكن كذلك في مضمونها النهائي، و نتائجها الحاسمة، كما سنرى.

أ- ديالكتيكية الطريقة:

لم تقتصر الماركسية على الطريقة الديالكتيكية، في البحث التاريخي، بل اتخذتها شعارا لها في بحوثها التحليلية، لكل مناحي الكون و الحياة، كما مر في (فلسفتنا)، غير أنها لم تنج بصورة نهائية، من التذبذب بين تناقضات الديالكتيك، و قانون العلية. فهي بوصفها ديالكتيكية، تؤكد: أن النمو و التطور ينشأ عن التناقضات الداخلية، فالتناقض الداخلي، هو الكفيل بأن يفسر كل ظاهرة من ظواهر الكون، دون حاجة إلى قوة أو علة خارجية؛ و من ناحية أخرى تعترف:

بعلاقة العلة و المعلول، و تفسر هذه الظاهرات أو تلك بأسباب خارجية،