الاجتهاد والتقليد - ج1

- الشيخ مرتضى بن محمد الأردكاني المزيد...
98 /
3

[أما الاجتهاد]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على محمد خاتم النبيين و على على أمير المؤمنين واحد عشر من ولده الأئمة المعصومين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

القول في أدلة الأخباريين المنكرين لجواز التقليد

و هي أمور أنهاها بعضهم الى نيّف و عشرين و نحن نقتصر على ما هو الأهم منها و هي أحد عشر.

الأول- ان الاجتهاد قول بالرأي،

و التقليد هو العمل به و قد ورد في غير واحد من النصوص حرمة القول بالرأي فكيف يجوز العمل بما كان حراما.

و فيه ان تلك النصوص تعريض بالعامة الذين يعملون بالقياس و الاستحسان و لم يتمسكوا بما أمروا به من الرجوع الى عترة النبي الذين هم عدل كتاب اللّه كما في حديث الثقلين المتفق بين الفريقين.

فالمراد بالرأي المنهي عن اتباعه في النصوص هو الرأي المأخوذ عن غير الكتاب و العترة و يدل عليه الروايات المروية عنهم (عليهم السلام) في تفسير الرأي في مقابل المأخوذ من الكتاب و السنة.

منها- رواية ابن مسكان قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «ان الناس سلكوا سبلا شتى فمنهم من أخذ بهواه و منهم من أخذ برأيه و انكم أخذتم بما له أصل» يعنى الكتاب و السنة و المراد بالناس في مصطلح الأئمة (عليهم السلام) العامة كما يظهر لك بالرجوع‌

4

الى الروايات في الموارد المختلفة.

و منها- قوله (عليه السلام) استغنوا بجهلهم و تدابيرهم عن علم اللّه و اكتفوا بذلك دون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و القوّام بأمره و قالوا لا شي‌ء إلا ما أدركته عقولنا.

و منها- قوله (عليه السلام) و إياكم و أصحاب الرأي فإنهم اغنتهم عن السنن ان يحفظوها الى غيرها من الروايات.

الثاني- ما دل من الاخبار على وجوب الاقتصار في أخذ الأحكام من الروايات المروية عن الأئمة (عليهم السلام)

و المنع عن أخذها عن غيرهم بدعوى ان الاجتهاد.

هو أخذ الأحكام عن غيرهم فتقليد العامي للمجتهد هو أخذ الأحكام من غيرهم.

و جوابه أوضح من ان يخفى إذ المجتهدون من الخاصة يأخذون الأحكام من الاخبار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم صلوات اللّه) الملك الغفار و لذا أتعبوا أنفسهم قديما و حديثا في تنقيح الاخبار و تمييز صحيحها عن سقيمها و ترجيح ما تعارض منها و لهم مؤلفات لتشخيص عدول الرواة و ثقاتهم فيكون أخذ العامي الأحكام من المجتهدين الذين يأخذون الأحكام من الاخبار المروية عنهم (عليهم السلام) تقليدا لهم (عليه السلام) في الواقع فالعلماء الخاصة كانوا نظائر زرارة و محمد بن مسلم و يونس بن عبد الرحمن و ابان بن تغلب و العمرى و غيرهم الذين أمر الأئمة بأخذ الأحكام عنهم.

الثالث- الاخبار الدالة على ان كل واقعة جاء حكمها في الكتاب و السنة

كالخبر المروي عن الباقر (عليه السلام) قال ان اللّه لم يدع شيئا يحتاج اليه الناس الا و قد جاء فيه كتاب و سنة و نحوه غيره.

و تقريب الاستدلال بها ان موردي الاجتهاد و التقليد مما لم يكن حكمهما مذكورا في الكتاب و السنة و تلك الأخبار تنفى وجود المورد الذي لم يكن حكمه مذكورا فيهما و هذا كسابقه في الضعف إذ معنى ان كل واقعة حكمها في الكتاب و السنة ليس ان كل أحد يفهم الحكم منهما بداهة ان عامة الناس الا افراد معدودة من الفقهاء لا يقدرون على ذلك لان الكتاب مشتمل على المحكم و المتشابه و الناسخ و المنسوخ‌

5

و العام و الخاص و المطلق و المقيد و عزيمة و رخصة و لا يقدر العامة على فهمها و اما السنة ففي المروي عنهم (عليهم السلام) و ان أحاديثنا صعب مستصعب لا يتحملها الّا ملك مقرّب أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان و أنتم أعلم الناس إذا عرفتم معاريض كلامنا.

و بالجملة ان عامة الناس لا يستطيعون على فهم الكتاب و السنة و القادرين عليه هم المجتهدون و ما ذكره من خروج حكم موردي الاجتهاد و التقليد عن الكتاب و السنة لا يخفى بطلانه على كل ذي مسكة لفهم المجتهدين الأحكام منهما و هو مما يضحك به الثكلى و ليس إلّا متابعة هوى النفس نسئل اللّه تعالى ان يعصمنا منها إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّٰا مٰا رَحِمَ رَبِّي.

الرابع- ما دل من الاخبار على ان حلال محمد (صلّى اللّه عليه و آله) حلال الى يوم القيمة و حرامه حرام الى يوم القيمة

و لا ريب في ان الاجتهاد ربما يوجب تغيير الحلال الى الحرام و بالعكس و ما كان شأنه هذا ليس بحجة فلا يمكن أخذه و العمل على طبقه.

و يجاب عنه تارة بالنقض و اخرى بالحل.

اما الأول فهو ما إذا استفاد الاخبارى من الروايات حلية شي‌ء ثم استفاد بعد مدة و مراجعة ثانية غيرها لمعارضتها بروايات أخر كانت لها وجه جمع أم لا فالجواب عن ذلك هو الجواب عن الاجتهادين المختلفين و اما الثاني فإن المراد من تلك الاخبار الحلال و الحرام الواقعيان لا الظاهريان لاختلافهما في الموارد باختلاف الأصول الجارية فيها و الأدلة القائمة عليها مثلا يحكم بحلية شي‌ء كاللحم إذا كان في يد مسلم ثم إذا قامت البينة على انه لحم ميتة حكم بحرمته ثم إذا علم بعد ذلك انه مذكى حكم بحليته.

و يمكن ان يقال ان المراد منها ان دين الإسلام غير قابل للنسخ لان نبىّ الإسلام خاتم الأنبياء فليس كدين عيسى و موسى على نبينا و آله و (عليهما السلام) فإنهما قد نسخا.

الخامس- ان القول بكفاية العمل بغير العلم يوجب العذر لليهود و النصارى و غيرهما من ذوي الأديان الباطلة لدعويهم الظن بصحة عقائدهم.

6

و فيه أولا انه بعد قيام الحجة الموجبة للقطع بكون الإسلام حقا إذا راجعوا إليها و لم يقتدوا بأسلافهم فان متابعة السلف كالجبلي للخلف لا يحصل لهم الظن بصحة معتقداتهم بل يحصل لهم القطع ببطلانها فضلا عن حصول الظن بصحتها و ثانيا انا لم نقل بحجية الظن في أصول الدين كما سيأتي حتى يقال يترتب عليه هذا اللازم الفاسد.

السادس- الآيات الدالة على حرمة العمل بالظن

كقوله تعالى وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ و قوله إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*» و غيرهما من الآيات مدعيا ان العمل بالاجتهاد و التقليد عمل بغير علم.

و فيه أولا ان العمل بهما عمل بالعمل للعلم بحجية طريقي الاجتهاد و التقليد حسب قيام الدليل عليهما إذ العلم لا ينحصر في العلم الوجداني بل هو أعم منه و من العلم تعبدا في عالم التشريع.

بعبارة اخرى كان العمل بهما بعد قيام الحجة عليهما عمل بالعلم بحكم الشرع فإنه علم تنزيلا، و ثانيا سلمنا ان العمل بهما عمل بغير العلم إلا أنهما خارجان عن تحت الآيات الناهية بالتخصيص نظير خروج البينة و خبر الواحد و قول ذي اليد و الإقرار و اليمين عن عمومات حرمة العمل بالظن ان لم نقل ان العمل بهذه الأمور عمل بالعلم تشريعا كما حققناه في الأصول.

السابع- ان المجتهدين قد يعملون بالقياس و الاستحسان و الأولوية الظنية و المصالح المرسلة و يتركون العمل بالروايات

الواردة عن الأئمة (عليهم السلام).

و فيه ان العمل بالقياس و الاستحسان باطل بالضرورة عند الخاصة و قد ورد عن الأئمة (عليهم السلام) ان السنة إذا قيست محق الدين نعم يعتمدون على تنقيح المناط إذا كان قطعيا أو موجبا للاطمئنان و هو غير القياس فإنه تعدى الحكم من جزئي إلى جزئي آخر من دون جامع بينهما في لسان الدليل أو في العرف و اما تنقيح المناط فهو فيما إذا لم يفهم الخصوصية أو فهم عدم الخصوصية لوجود جامع عرفي بينهما يعتبر هذا هو ذالك فالفرق‌

7

بينه و بين القياس واضح.

الثامن- ان طريقة الأخباريين أوفق بالاحتياط

لأنها أخذ بالعلم بخلاف طريقة الأصوليين.

و فيه ان المجتهدين كالاخباريين يعملون بالأخبار المروية عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فان كان العمل بها تعويلا على غير العلم فلا فرق بينهم و بين المجتهدين و كذلك ان كان تعويلا على العلم إذ هو اما وجداني و امّا تنزيلي يستفاد مما دل على حجية خبر الثقة.

التاسع- ان الاجتهادات تختلف باختلاف الافهام و الاستعدادات و الأزمنة و الأحوال

فهي لا تنضبط و لا يمكن تعويل الشرع على ما ليس منضبطا فإنه مؤد إلى الحكم بالمتناقضات أحيانا.

و فيه أولا انه يلزم ذلك ايضا على طريقة الأخباريين لعين ما ذكر من اختلاف الافهام و الأحوال و الاستعدادات فإن أحدا منهم يفهم من رواية الوجوب و يفهم الأخر منها الاستحباب و من رواية الحلية في حالة و الحرمة في حالة اخرى و ثانيا ان أدلة الأحكام منضبطة و هي الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

العاشر- ان سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على العمل بالروايات الواصلة إليهم من دون تأمل

و فحص عن المخصص و المقيد و المعارض و لا يحتاجون إلى دراسة علوم و مقدمات فان جامعى أصول الأربعمائة و من كان عنده شي‌ء منها يعملون بها بمجرد ملاحظة الرواية فيها.

و فيه ان الحاضرين في زمن الخطاب لا يحتاجون إلى إتعاب أنفسهم في تحصيل الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم (عليه السلام) و دلالتها اما من حيث الصدور لحصول العلم أو الاطمئنان به من سماع الرواية بغير واسطة، أو بوسائط قليلة، أو قرائن مخفية علينا، و اما من حيث الدلالة فلوجود القرائن الحالية الظاهرة لأهل ذلك الزمان دون أهل الأزمنة المتأخرة مضافا الى كثرة القالة على الأئمة (عليه السلام) و وقوع التحريف‌

8

في اخبارهم و كثرة المخصص و المقيد مما لم يكن في زمانهم إذ قد تقضى المصالح بإبقاء العام في برهة من الزمان ثم يذكر المخصص فيتلقى المشافه العام بدونه.

و اما نحن فنعلم بوجود المخصصات و المقيدات الكثيرة للعمومات و المطلقات و كذا نعلم بوجود المعارضات في الروايات فهل يجوز لنا عقلا و عرفا العمل بالعام و المطلق قبل الفحص عن المخصص و المقيد و بالرواية قبل الاطمئنان بعدم المعارض و حكى عن صاحب المناهج ما يناسب نقله في المقام: و هو انه إذا ورد حديث هكذا «إذا أفطرت عمدا في رمضان فأعتق رقبة، أو أطعم ستين مسكينا، أو صم شهرين متتابعين» فاستفادة الحكم الشرعي من هذا الحديث تحتاج إلى أمور:

الأول- إلى معرفة حجية الخبر الواحد إجمالا شرعا. الثاني الى ان هذا الخبر من الاخبار التي هي حجة شرعا. الثالث- تحصيل الحجة الشرعية على جواز العمل به قبل الفحص عن المخصص و المقيد. الرابع- في صورة العدم الى الفحص عن المخصص و المقيد. الخامس- الى تحصيل الحجة الشرعية على مقدار الفحص هل هو حتى العلم بالعدم أم الاطمئنان بالعدم أم اليأس أم الظن. السادس- هل ان «إذا» تفيد العموم أم لا.

السابع- هل الأمر بالإعتاق يفيد الوجوب. الثامن- هل يكفى عتق مطلق الرقبة أم خصوص المؤمنة. التاسع- ما هو المراد بالمسكين. العاشر- هل المراد بالشهرين القمرية أم الشمسية أم الأعم. الحادي عشر- ما هو المراد بالتتابع. الثاني عشر- ما المقصود بالإطعام و بأي قدر يجب ان يكون. الثالث عشر- هل يشمل ذلك الأطفال أم لا.

الرابع عشر- ما هي شرائط هذا الصوم. الخامس عشر- هل ترفع التوبة هذا الحكم أم لا، و لا ريب في ان غير المجتهد لم يقدر على تحصيل الحجة على هذه الأمور فكيف يعمل الاخبارى بمثل ذلك إذا ورد في كفارة إفطار صوم رمضان مع عدم تحصيل الحجة على تلك الأمور فهل هو الّا تعويل على غير العلم و قد نهى عنه في القرآن الكريم و العقل يحكم بوجوب تحصيل الحجة على الحكم الشرعي و ليس الاجتهاد الّا تحصيل الحجة على الحكم الشرعي من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل و هل‌

9

يستطيع الاخبارى ان ينكره فإن إنكاره لذلك إنكار لما يستقل به العقل.

و اما التقليد فهو ايضا مما يحكم به العقل من باب رجوع الجاهل الى العالم و سيرة العقلاء مستمرة على ذلك في جميع الأعصار و الأمصار في كل الملل، و لذا صار غير واحد من المحققين من الأصوليين الى ان ما استدل به على التقليد من الأوامر إرشاد إلى حكم العقل.

الحادي عشر- انه لو توقف العمل بالأحكام الشرعية على تعلم العلوم و الاجتهاد لبيّنها النبي و الأئمة (صلوات اللّه عليهم)

بل يمكن ان يقال بأن الإطلاق و ترك الاستفصال في اخبار وجوب العمل بالأحاديث الواردة المروية عنهم دليل على عدم الوجوب.

و فيه أولا ما تقدم من عدم قدرة عامة الناس على فهم الأحاديث المروية عنهم فإنه ورد عنهم (عليهم السلام) كما مر «ان حديثنا صعب مستصعب و أنتم أعلم الناس إذا عرفتم معاريض كلامنا» فلا يجوز العمل بكل حديث ورد عنهم الّا بعد الفحص و البحث عن صحته و سقمه و عن وجود المعارض و نحوها و ثانيا ان تعلم العلوم التي يتوقف عليها استنباط الأحكام الشرعية و فهمها من الروايات من المقدمات الوجودية له فكما اعتمدوا في ترك المقدمات الوجودية للأحكام الشرعية على العقل فكذلك في المقام و ثالثا انك عرفت ان الأخذ بالروايات في زمان الأئمة (عليهم السلام) لا يحتاج الى المقدار من المقدمات التي يحتاج إليها في الأزمنة المتأخرة عنهم لأن الوسائل الكاشفة عن صحة الحديث و وجوه الجمع بين المتعارضات متوفرة في أزمنتهم مع أنهم أمروا بها.

قال في محكي الفصول ردا على من حرم التقليد و ربما خالف في ذلك شرذمة شاذة فحرموه اى التقليد و أوجبوه على العامي الرجوع الى عارف عدل يذكر له مدرك الحكم من الكتاب و السنة فان ساعد لغته على معرفة مدلولهما و الّا ترجّم له معانيهما بالمرادف من لغته و إذا كانت الأدلة متعارضة ذكر له المتعارضين و نبهه على طريق الجمع بحمل المنسوخ على الناسخ و العام على الخاص و المطلق على المقيد و مع تعذر الجمع يذكر له اخبار العلاج على حذو ما مر.

10

و إذا احتاج الى معرفة حال الراوي ذكر له حاله ثم قال و بشاعة هذا القول و فساد النسبة إلى أمثال زماننا مما يستغنى عن البيان لظهور عدم مساعدة افهام كثير من العوام على فهم قليل من الأحكام بهذا الوجه مع عدم مساعدة أكثر أوقات العالم على تعليم قليل مما يحتاج اليه العوام انتهى.

و قد ظهر مما ذكرناه معنى الاجتهاد اصطلاحا و هو استفراغ الوسع لفهم الأحكام الشرعية و استفادتها من الكتاب و السنة و غيرهما مما ثبت حجيته و الاولى ان يقال ان الاجتهاد عبارة عن الملكة التي يقتدر بها على تحصيل الحجة من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل على الحكم الشرعي و هو بهذا المعنى لا مجال للاخبارى من النزاع فيه و إنكاره لأنه ملزم ايضا على استفادة الحكم الشرعي من الأدلة.

و استدل على الاجتهاد بالمعنى المذكور بالأدلة الأربعة

اما الكتاب فآيات.

منها قوله تعالى «اتَّبِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ».

و قوله «هٰذٰا كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ مُبٰارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ» فان معنى اتباع المنزل هو الأخذ به و العمل على طبقه و من الاجتهاد هو الأخذ بظاهر الكتاب و استفادة الأحكام منه.

و منها قوله تعالى «قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» إلخ.

و قوله «هٰذٰا بَصٰائِرُ لِلنّٰاسِ وَ هُدىً» و قوله «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ» فان المراد من تلاوة ما حرم عليهم هو أن يأخذوا به للعمل و هكذا المراد من عدم إنزال الكتاب الّا للبيان للناس و هكذا كون الآيات بصائر و هدى فالاجتهاد مساوق لما في هذه الآيات.

و منها قوله عز و جل «فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ» و قوله تعالى:

«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ» و قوله «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» و قوله «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ» إلخ فإن رد المتنازع فيه الى الرسول و أطاعته و الانتهاء عما نهى عنه و اتباعه ليس إلّا الأخذ بقوله و العمل به و نحوها قوله «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» و قوله «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ.

11

فان اطاعة اولى الأمر و هم الأئمة (عليهم السلام) على حسب الروايات الواردة في تفسيره و الرد إليهم هو الأخذ بقولهم و العمل به و هو منطبق على الاجتهاد و استدل عليه ايضا بالآيات الدالة على حجية خبر العادل كآيات النبإ و السؤال و النفر.

فان تصديق العادل و السؤال من أهل الذكر و الحذر عند إنذار المنذرين ليست إلا لحجية أقوال العادل و أهل الذكر و المنذرين فوجب الأخذ بها، و قد مر ان الاجتهاد هو بذل السعى في فهم الأحكام و أخذها مما ثبتت حجيتها.

و اما السنة فهي طوائف:

منها- الأخبار التي استدل على حجية ظواهر الكتاب نحو ما عن الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل قال (عليه السلام) و له اى القرآن ظهر و بطن.

و ما عن الفقيه عن أمير المؤمنين في وصيته لابنه محمد بن الحنفية «و عليك بقراءة القرآن و العمل به و لزوم فرائضه و شرائعه و حلاله و حرامه و امره و نهيه.

و ما عن مجمع البيان عن النبوي ان هذا القرآن الى ان قال (عليه السلام) عصمة لمن تمسك به و نجاة لمن تبعه» و تقريب الاستدلال بها ان الاجتهاد كما عرفت هو الجهد في فهم الأحكام و أخذها من ظواهر الكتاب من فرائضه و حلاله و حرامه و امره و نهيه.

و منها- ما دل على حجية سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كالمروي عن الكافي بإسناده إلى إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من قوله (عليه السلام): «عليكم بآثار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سنته» و المروي عنه ايضا بسنده الى عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): «حجة اللّه على العباد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)» و ما عن كنز الكراجكي بسنده الى سلام بن المستنير عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام) قال قال جدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «حلالي حلال الى يوم القيمة و حرامي حرام الى يوم القيمة و قد بيّنهما اللّه عز و جل في الكتاب و بيّنتهما في سنتي» و قد تقدم ان من الاجتهاد السعى في فهم الأحكام من الكتاب و من أقوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و منها- ما دل من الروايات على الأخذ بأقوال الأئمة (عليهم السلام) مثل حديث الثقلين و السفينة مما اتفق عليه الفريقان و غيرهما من الأحاديث الدالة على ذلك.

و منها- الروايات التي تدل على حجية اخبار الثقات الذين ينقلون عن الأئمة (عليهم السلام)

12

مثل ما عن رجال الكشي من التوقيع الوارد للقاسم بن العلاء و فيه «لا عذر لأحد من موالينا التشكيك فيما روى ثقاتنا» و تقريب الاستدلال به يظهر مما ذكرناه. و استدل بالروايات العلاجية المتضمنة لعلاج تعارض الروايات المتعارضة و بيان المرجح، فإنها تدل بالالتزام على حجية الاجتهاد و النظر فيها.

و اما الإجماع فهو قولي و عملي

و هو سيرة فقهاء الشيعة من الآن الى زمن المعصومين (عليهم السلام) على التمسك بالكتاب و السنة و غيرهما مما ثبت حجيته بهما و يرد على الإجماع القولي انه و ان كان مسلّما الّا انه يحتمل استناد المجمعين الى ما ذكرناه فليس له كشف زائد.

و اما العقل فإنه يحكم بلزوم اطاعة المولى و هي متوقفة على معرفة الأحكام

التي تتوقف على النظر في أدلتها من الكتاب و السنة و غيرهما و تمييز العام منها عن الخاص و المطلق عن المقيد و الحاكم عن المحكوم و الناسخ عن المنسوخ الى غيرها و الاجتهاد طريق إلى الإطاعة التي يحكم العقل بلزومها.

و اما ما عن الوسائل عن رسالة المحكم و المتشابه عن تفسير النعماني بإسناده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل و اما الرد على من قال بالاجتهاد فإنهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب إلخ فإنه و ان دل على ذم الاجتهاد و إنكاره الا انه أريد منه الرد على العامة الذين اعتمدوا في اجتهاداتهم على القياس و الاستحسان و الأولوية الظنية و الاخبار المروية بطرقهم التي لا تنتهي إلى أرباب العصمة و معدن العلم و الوحي و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) فإنهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب إذ المصوبة هم العامة من الأشاعرة و المعتزلة و الفرق بين التصويبين ان الأشاعرة يقولون بخلو الموضوعات عن الأحكام بل هي تابعة لآراء المجتهدين و المعتزلة يقولون ان فعلية الأحكام تابعة لآرائهم فتكون آرائهم في الحقيقة من قبيل العناوين الثانوية المغيرة للاحكام الثابتة للموضوعات بالعناوين الأولية و قد أثبتنا بطلانه بكلا قسميه في الأصول و لعله المراد بما في المروي عن الكافي بإسناده عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رسالته‌

13

الى أصحابه قال فيها و قد قال أبونا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «المداومة على العمل في اتباع الآثار و السنن و ان قل ارضى للّه و أنفع في العاقبة من الاجتهاد في البدع و اتباع الهوى» فهو ايضا ناظر الى اجتهاد العامة.

و اما التقليد

فقد استدل عليه أيضا بالأدلة الأربعة

و سيأتي تحقيق الكلام في معناه هل هو تطبيق العمل على فتاوى المجتهد كما هو الأقوى أو الالتزام بالفتوى للعمل أو الأخذ بها لأجله كما ذهب إليه جماعة من الفقهاء.

اما الكتاب فبآيات

منها آية النفر و تقريب الاستدلال بها ان الملازمة ثابتة بين وجوب الإنذار و الحذر عقيبه و الّا لزم لغوية إيجاب الإنذار فيكون إنذار المنذرين بالكسر حجة على المنذرين بالفتح سواء حصل لهم العلم عقيب الإنذار أم لا، و في الآية مناقشات أجبنا عنها في الأصول عند البحث عن حجية الخبر الواحد و الاستدلال بها عليها.

منها آية السؤال فإنها تدل على وجوب رجوع الجاهل في شي‌ء إلى العالم به و هو معنى التقليد، و أورد على الاستدلال بها بان المراد من أهل الذكر الأئمة (عليهم السلام) على ما ورد من الرواية في تفسير الآية.

و فيه ان ما ورد في الرواية من التفسير كان من باب بيان أظهر المصاديق لأهل الذكر لا لبيان حصر أهل الذكر فيهم (عليهم السلام)، و قد يناقش فيه بان المراد به علماء اليهود كما يشهد به سياق الآية، فان اللّه تعالى أراد حمل اليهود على اعترافهم بالإسلام بإبطال دعويهم على عدم العلم بنبوة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) بالسؤال عن علمائهم عن علامات نبوة نبي أخر الزمان المذكورة في التوراة المنطبقة عليه، و ليس المراد بالآية مجرد جعل قول العالم حجة على السائل من حيث انه عالم بل لأنه إذا سئل العالم الذي يعتقد به عن شي‌ء حصل له العلم أو الاطمئنان بقوله فالعلم أو الاطمئنان هو الحجة لأقوال العالم بما هو عالم و ان لم يعلم بمطابقته للواقع.

أقول: ان الخطاب في الآية لا يختص بزمان دون زمان و لا عن شي‌ء دون شي‌ء بل هو من القضايا الحقيقية و تقرير للطريقة العقلائية من رجوع غير العالم الى العالم‌

14

سواء حصل له العلم أم لا فإنه قد يحصل له العلم كما إذا كان العالم معصوما، أو كان جوابه مقترنا بالشواهد و القرائن الدالة على مطابقته للواقع مثل ما في التوراة من علائم نبوة نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و علمها علماء اليهود و ذكرها بعضهم لعوامهم، و أخبر عنها عند السؤال عنها و لذا أسلم بعض علمائهم و عوامهم في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و غيره.

و منها آية النبإ على القول بالمفهوم لها فإنها تدل على حجية خبر العادل و من مصاديقه خبر الفقيه العادل عن حكم اللّه.

و دعوى ان الفقيه يخبر عن رأيه أجيب عنها بأنه يخبر عن حكم اللّه و لو كان عن حدسه فتأمل.

و منها قوله «وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا إِلىٰ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قٰالُوا حَسْبُنٰا مٰا وَجَدْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ». فان اللّه سبحانه ذم الكفار بأنهم قلدوا آبائهم و لو كانوا لا يعلمون و لا يهتدون، فلا ذم على اتّباعهم مع علمهم و اهتدائهم و المجتهد العادل يعلم حكم اللّه فيجوز اتباعه و تقليده و نحوها في الدلالة أيضا قوله «وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ قٰالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مٰا أَلْفَيْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ».

و قد يناقش في الاستدلال بهما بورودهما في أصول الدين و لا يجوز التقليد فيها فلا تدلّان على جواز التقليد في الأحكام ايضا مع خروج المورد لاستهجانه.

و فيه كما سيأتي كفاية التقليد في أصول الدين إذا كان موجبا للمعرفة و القطع و لا دليل على لزوم استناد المعرفة إلى الاستدلال و البرهان، فان كثيرا من العوام يجزمون و يقطعون بالشي‌ء بمجرد اخبار العالم به. و لعله مراد من حكى عنه كفاية إطلاق الآيتين في الاستدلال به على التقليد و ان خرج المورد و هو أصول الدين منه إذ الإطلاق لو كان له فردان لا يقدح خروج فرد منه في الاستدلال به لعدم لزوم الاستهجان حينئذ و الّا فلا يصح التمسك بالإطلاق في غير واحد من موارد الإطلاق لخروج بعض الافراد منه فتأمل.

15

و منها قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».

قد يقال في تقريب الاستدلال به ان اولى الأمر جمع مضاف يفيد العموم فيشمل الأئمة، و الفقهاء العدول من الشيعة و خرج منه الحكام الجائرون و فيه ان الروايات وردت في تفسير اولى الأمر بالأئمة (عليهم السلام) منها المروي عن بريد العجلي عن الباقر (عليه السلام) في حديث ثم قال (عليه السلام) للناس «أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» إيانا عنى خاصة من جميع المؤمنين إلى يوم القيمة بطاعتنا و يشهد له أمران: أحدهما ان حذف المتعلق من «أَطِيعُوا» يفيد العموم فيكون مقتضاه وجوب الطاعة في كل شي‌ء من الأحكام و الموضوعات الخارجية.

و هذا النوع من الطاعة مختص بالأئمة (عليهم السلام).

الثاني تعقيبه لذلك بقوله «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» فإنه يشعر بخروج الشخص عن الايمان بعدم طاعة اولى الأمر: و ليس عدم اطاعة المجتهد كذلك ضرورة ان الشخص لم يخرج من الايمان بعدم تقليده.

نعم يمكن ان يقال: ان مرجع تقليد المجتهد و طاعته إلى طاعة الأئمة إذ المجتهد يستنبط الأحكام من أقوالهم فالأحكام الشرعية المستخرجة منها على حسب اعتقاده هي التكاليف الواصلة إلينا بالطرق المنتهية إلى الأئمة (عليهم السلام) فيعدّ تقليده فيها و طاعته طاعة و انقيادا لهم (عليهم السلام).

و اما السنة فهي الأخبار المتواترة الدالة على التقليد

بأنحاء الدلالات المختلفة و هي على ثلاث طوائف:

الأولى ما دلت على الرجوع الى رواة الشيعة فإنها تدل على حجية فتاويهم.

منها- ما في صحيحة أحمد بن إسحاق عن ابى الحسن الهادي (عليه السلام) «قلت من أعامل و عمن آخذ و قول من اقبل؟ قال (عليه السلام): العمرى ثقة فما أدى إليك فعني يؤدي». فإن إطلاقه يعم نقل الحديث و الفتوى، فان احمد بن إسحاق إذا سئل العمري‌

16

عن حلية شي‌ء فأجابه بأنه حلال و عمل به هل ترى انه لم يعمل بقوله (عليه السلام): «فما أدى إليك فعني يؤدي» كلّا انه عامل به قطعا.

و منها- رواية حسن بن على بن يقطين عن الرضا (عليه السلام) قال قلت: لا أكاد أصل إليك أسئلك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ منه ما احتاج اليه من معالم ديني؟ فقال (عليه السلام): نعم.

و لا يخفى ان أخذ معالم الدين تارة يكون بالسؤال عن الرواية و اخرى يكون بالاستفتاء عن الحكم الشرعي مع ان الرواية تدل على مفروغية الكبرى و هي حجية قول الثقة في نظر السائل و انما سئل الإمام (عليه السلام) عن مصداق الكبرى و هو ان يونس بن عبد الرحمن ثقة يأخذ معالم دينه منه و الامام (عليه السلام) أقرّه على ذلك.

و منها- خبر على بن المسيب الهمداني قال قلت للرضا (عليه السلام) شقتي بعيدة و لست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السلام): من زكريا بن آدم القمي المأمون على الدين و الدنيا، قال على بن المسيب فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسئلته عما احتجت اليه.

و منها حسنة عبد العزيز بن المهتدي قال قلت للرضا (عليه السلام) شقتي بعيدة فقلت لست أصل إليك في كل وقت فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال (عليه السلام) نعم.

و تقريب الاستدلال بها يظهر مما تقدم.

و منها- التوقيع الشريف عن صاحب الزمان روحي له الفداء و (عجل اللّه تعالى فرجه) و جعلني من أنصاره إلى إسحاق بن يعقوب: و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه عليهم.

و أورد عليه تارة بأن لام «الحوادث» للعهد و لا أقل من احتماله، فالعموم فيه غير معلوم و اخرى بأن الإرجاع فيه الى الرواة لا الى المجتهدين و يدفع الأول بأن الجمع المحلى باللام ظاهر في العموم و يحتاج كونه للعهد إلى قرينة و لا قرينة،

17

و احتمال سقوطها عن الرواية أو عدم ذكرها من أجل تقطيع الاخبار و ذكر كل قطعة منها في بابها المناسب لها مدفوع بالأصل مضافا الى ان قوله (عليه السلام) في مقام التعليل:

«فإنهم حجتي عليكم» يقتضي ذلك إذ الحجية لا تنحصر في نقل الرواية بل يعمه و الفتوى، بل شموله للمجتهدين أولى، لأنهم رواة الاخبار مع الزيادة و هي بيان المراد منها و منه ظهر دفع الثاني أيضا فاستخراجهم الأحكام من الروايات لا يخرجهم من كونهم رواة فإذا سئل رجل عن المفيد (قدس سره) عن طهارة شي‌ء فأجابه بأنه طاهر لا يكون الشيخ مصداقا للتوقيع و لم يرجع ذلك الرجل في حكم الحادثة إلّا إذا نقل الشيخ في الجواب الرواية الدالة على الطهارة مع ان مقتضى المقابلة بين قوله (عليه السلام): «فإنهم حجتي عليكم» و قوله (عليه السلام): «و انا حجة اللّه عليهم» هو العموم هل ترى ان الامام (عليه السلام) ينقل عن اللّه آية أو حديثا قدسيا حينما يسئل عن المسائل أم كانت طريقته انه يفتي في الجواب، و لا ريب في انه لا ينقل غالبا في مقام الجواب عن المسائل الرواية عن آبائه الكرام (عليهم السلام) فكذلك حجة الامام (عليه السلام) فالمراد بالحجة هو المعتبر قوله سواء نقل عن غيره أم افتى عن نفسه فتأمل.

و منها رواية الاحتجاج عن تفسير العسكري (عليه السلام) «فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه، و مثلها في الدلالة فقرتان أخريان منها الّا ان دلالتهما كانت بالمفهوم، إحديهما قوله (عليه السلام): «و كذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب على حطام الدنيا الى ان قال (عليه السلام): «فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة فقهائهم فهي تدل على جواز تقليد الفقيه الذي ليس له فسق ظاهر و عصبية شديدة و تكالب على حطام الدنيا و الأخرى قوله (عليه السلام): «من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة» فإنها تدل بالمفهوم على جواز قبول أقوال الفقهاء الخاصة إذا لم يركبوا من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة.

18

و نوقش في سند هذه الرواية بعدم ثبوت نسبة التفسير الى الامام العسكري (عليه السلام) لان الناقل له يوسف بن محمد بن زياد و على بن محمد بن سيار و هما مجهولان و ما نقل في توثيقهما طريقه نفسهما فيكون الاعتماد عليه دوريا و قد صنف العلامة المتبحّر صاحب الهدى الى دين المصطفى (قدس سره) رسالة في عدم صحة هذه النسبة و المحكي عن جماعة روايتها عن الصدوق (قدس سره) و الحكم باعتبارها فتأمل.

الطائفة الثانية ما دلت على جواز الإفتاء فإنه ملازم عرفا لجواز الأخذ به و تقليد الغير له.

منها- قول الصادق (عليه السلام) لابان بن تغلب اجلس في المسجد و أفت الناس فإني أحب ان يرى مثلك في الشيعة فان لم يجز للمستفتى العمل بالفتوى كان أمر الإمام (عليه السلام) بالإفتاء لغوا.

و منها- رواية معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق (عليه السلام) و قال (عليه السلام): «بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم و أردت ان أسئلك عن ذلك قبل ان اخرج إني اقعد في المسجد و يجيئني الرجل لا أعرفه و لا أدرى من هو فأقول جاء عن فلان كذا و جاء عن فلان كذا فادخل قولكم فيما بين ذلك فقال (عليه السلام) لي اصنع كذا فانى كذا اصنع، و لا يخفى ظهور الرواية في نقل الفتوى بقرينة قوله «فتفتي الناس» و اما قول الراوي «فأدخل قولكم» فيعم الفتوى و الرواية و لا يبعد ظهوره في الفتوى ايضا.

الطائفة الثالثة الأخبار الدالة على النهى عن الإفتاء بغير علم فهي تدل بمفهومها على جوازه إذا كان مستندا الى العلم و الحجة من الأحاديث الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) مثل صحيحة ابن رئاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): «من افتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه.

و مثل الروايات الناهية عن القياس و الاستحسان و الإفتاء بالرأي فإن مفهومها جواز الإفتاء بغيرها من الأحاديث الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) و هو ملازم لجواز العمل به كما مرّ مرارا.

19

و اما الإجماع

فهو اما قولي حكى عن جماعة و يرد عليه بان المظنون استناد المجمعين الى ما تقدم من الآيات و الروايات ان لم يكن مقطوعا فليس له كشف زائد عنهما، و اما عملي و هو عمل المسلمين من عصر النبي و الأئمة عليهم الصلاة و السلام الى زماننا هذا على ان يسئلوا كل مسئلة لا يعلمون عمن يعلمها من الثقات، و هذا مما لا ينبغي إنكاره و الارتياب فيه.

و اما العقل فقد تقدم انه يحكم بلزوم رجوع الجاهل في كل شي‌ء إلى العالم به

و طريقة العقلاء مستمرة على ذلك و ما تقدم من الآيات في ذم التقليد كان مصبّها التقليد في أصول الدين، مضافا الى انها في تقليد الجاهل من جاهل آخر بقرينة ما في ذيل بعضها من قوله «أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ» و قوله «أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ» و محل الكلام تقليد الجاهل بالأحكام الشرعية للعالم بها.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول- ان التقليد كما أشرنا إليه غير جار في أصول الدين

من التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد، و اما تفاصيلها المعبر عنها بفروع الأصول مثل تفاصيل كيفية صفات اللّه و كيفية الصراط و ميزان الأعمال و عدد الأنبياء فعقد القلب عليها لا دليل على وجوبه ما لم تكن ثابتة بالقطع بها و يكفى الاعتقاد بها إجمالا على ما هي في الواقع و استدل على ذلك بالأدلة الأربعة من الكتاب و هو ما دل من الآيات المتقدمة على ذم التقليد إذ مصبها أصول الدين و لا أقل انها المتيقن منها، و اما السنة فهي كثيرة نقتصر على نقل بعضها مثل ما عن الكافي عن الصادق (عليه السلام): «من أخذ دينه من أفواه الرجال إزالته الرجال» و مثل المروي فيه ايضا عن العالم (عليه السلام): «من دخل في الايمان بعلم ثبت فيه و نفعه ايمانه و من دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل، و مثل قول الصادق (عليه السلام): «إياكم و التقليد فإنه من قلد في دينه هلك فان اللّه تعالى:

يقول «اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ.

20

و اما الإجماع فهو المحكي عن جماعة كالعلامة و الشهيدين و صاحب المعالم و الفاضل المقداد و غيرهم.

و اما العقل فهو يحكم بابتناء السعادة في الدنيا و الآخرة على الايمان و الاعتقاد بأصول الدين لأنها الأساس لها هذا إذا لم يحصل الجزم و المعرفة من التقليد و الّا فالظاهر كفاية التقليد فيها إذ المطلوب فيها هو الجزم و المفروض حصوله منه و الآيات التي تدل على ذم الكفّار في تقليدهم انما هو من أجل عدم العلم بها، و يدل عليه قوله تعالى «مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ» و قوله «وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» و الروايات ايضا تصرح بان الدين المعرفة و التصديق و الاعتقاد و هي حاصلة من التقليد على الفرض، و العقل يحكم بان التكليف بالمعرفة انما هو لثبوت الاعتقاد و هو ثابت مع الجزم و يدل عليه أيضا المروي المتقدم عن الكافي عن العالم (عليه السلام).

و دعوى ان الجزم الحاصل من التقليد غير قوى فيكون معرضا للزوال مدفوعة بأن الاعتقاد الحاصل من النظر و الاستدلال المكتفى به قطعا يمكن زواله ايضا بالاستدلال الأقوى مضافا الى ان السيرة من زمان النبي و الأئمة (عليهم السلام) على معاملة الإسلام بالنسبة الى من أسلم بإظهاره الشهادتين من دون ان يكلفه النبي و الأئمة و العلماء بالنظر و الاستدلال.

و بالجملة كانت السيرة مستمرة على عدم لزوم استناد الاعتقاد بأصول الدين الى النظر و الاستدلال و الاكتفاء بالجزم بها و لو كان حاصلا من التقليد كما كان عليه أكثر المسلمين.

الثاني- هل يجرى التقليد في مسائل أصول الفقه أم لا فيه قولان:

استدل لعدم جريانه فيها بأن أدلة التقليد منصرفة إلى التقليد في أحكام الشرعية و فيه منع الانصراف لا سيما بالنسبة إلى سيرة العقلاء على رجوع الجاهل في كل شي‌ء إلى العالم به و هي العمدة في أدلة التقليد فاداء الوظيفة إذا توقف على معرفة كون الأمر مثلا للوجوب‌

21

و على معرفة ان الصيغة المخصوصة أمر في الرواية من دون وجود مانع كضعف السند و التقية و الابتلاء بالمعارض فلا فرق فيه بين إحراز المعرفتين بالاجتهاد أو التقليد أو بالتفريق و ايضا رجوعه الى المجتهد في مسئلة وجوب مقدمة الواجب و عدمه مثلا ليس الّا كرجوعه إليه في وجوب جلسة الاستراحة و عدمها فأيّ مانع في الأول دون الثاني و اىّ انصراف يفهمه العرف في الأول دون الثاني، و اما ما عن صاحب العروة من دعوى الإجماع على منع جريان التقليد فيها في كتاب التعادل و الترجيح فهي محل منع من حيث الصغرى و الكبرى، فظهران جريان التقليد فيها هو المتعين.

الثالث- ان التقليد هل يجري في مبادي الاجتهاد من الصرف و النحو و اللغة و نحوها أم لا

فيه قولان: استدل للثاني بوجوه خمسة:

أولها- انصراف أدلة التقليد عنها أو لا أقل من ان المتيقن منها الأحكام الشرعية.

الثاني- انه مقتضى أصالة التعيين إذا دار الأمر فيها بين التقليد و الاجتهاد.

الثالث- السيرة المستمرة بين المجتهدين على الاجتهاد في المسائل المبادية كاجتهادهم في المسائل الفرعية.

الرابع- انه لا يعلم الرجوع في مبادي الاجتهاد الى أهل الخبرة فلا يثبت ظهور الكلام في المعنى بنقله.

الخامس- ان التقليد قد ثبت بالسيرة و الكتاب و السنة كما تقدم و هي غير شاملة لما ذكر من مبادي الاجتهاد اما السيرة فقد ادعى عدم جريانها على الرجوع الى العالم فيما إذا كانت من الأمور الحسية و مبادي الاستنباط من الأمور الحسية، فلا تجري فيها السيرة، و اما الكتاب فلان معرفة القواعد النحوية و الصرفية و معرفة الراوي ليست من الدين حتى يشمله قوله تعالى «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» و نحوه، و اما السنة فإنها تدل على التقليد في الأمور الراجعة إلى الأحكام كالوجوب و الحرمة و نحوهما و القواعد الأدبية ليست منها، و يرد على الأول منع الانصراف لعدم مساعدة العرف عليه فالمرجع إطلاق أدلة التقليد.

22

و أجيب عن الثاني بأن محل الكلام في ان المجتهد في الأحكام الشرعية هل يجوز له التقليد في مبادي الاجتهاد أم لا و ليس كلامنا في تقليد هذا الشخص و من كان مجتهدا في المبادي حتى يتمسك بأصالة التعيين عند الدوران بين تقليدهما.

و فيه عدم الفرق بين محل الكلام و بين ما ذكره في جريان أصالة التعيين الّا ان يقال بشمول أدلة التقليد لما ذكر من مبادي الاجتهاد فلم يبق حينئذ مجال لأصالة التعيين.

و يرد على الثالث ان أكثر الفقهاء بنائهم على مجرد الرجوع الى كلمات النحويين و الصرفيين و اللغويين و لم تجر سيرتهم على جمع أقوالهم ثم الاجتهاد فيها.

و يرد على الرابع ان طريقة الفقهاء على الرجوع في المسائل الأدبية إلى أئمة علم الأدب و لا يختص بمن يريد منهم الاجتهاد فيها.

و اما ما ذكر من عدم ثبوت ظهور الكلام في المعنى بنقل أهل الخبرة فهو ممنوع، لحصول الاطمئنان النوعي بذكر أهل الخبرة المعنى للفظ و انه ظاهر فيه.

و يرد على الخامس ان الرجوع الى أهل اللغة لفهم معنى الصعيد مثلا المترتب عليه جواز التيمم بالتراب الخالص أو مطلق وجه الأرض تفقه في الدين و كذا الرجوع الى كتب الرجال لمعرفة أن السكوني مثلا ثقة يسكن إليه فإنه يترتب عليه حجية خبره فيكون تفقها في الدين يشمله قوله تعالى «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ».

و اما السنة فيقال ان ما يرجع الى الحلال و الحرام و غيرهما يندرج فيها مبادي فهمها فتأمل.

و اما السيرة فإنا نمنع اختصاصها برجوع الجاهل الى العالم في الأمور الحدسية فقط بل بنائهم على ذلك في الأمور الحسية أيضا فإن خبر الثقة من الأمور الحسية و يرجع في حجيته إلى سيرة العقلاء على العمل به مضافا الى ان غير واحد من المبادي من الأمور الحدسية فإن كون الصعيد لمطلق وجه الأرض أو التراب الخالص حدسي إذ يستفاد بالحدس من تفاهم أهل اللسان ذلك فيما بينهم بعد ملاحظة الموارد المختلفة من‌

23

استعماله و نحوه عدالة زيد فإنه حدسي لا سيما على القول بأنها ملكة.

الأمر الرابع- في جريان التقليد في الموضوعات المستنبطة العرفية و الموضوعات الصرفة.

اختار السيد (قدس سره) في العروة عدم جريانه فيهما، و قد يقال: بجريانه في الأولى دون الثانية، و المراد بالأولى ما اختلف العرف أو اللغة فيه كالوطن و الصعيد و الانية وا لغناء، و المراد بالثانية ما كان مبيّنا لدى العرف كالماء و التراب و نحوهما و ان كانت لها أفراد مشكوكة من جهة اشتباه الأمور الخارجية لا من جهة الجهل بالموضوع و استدل لعدم الجريان بأنه لا فرق بيّن الموضوع المستنبط، و الموضوع الصرف الّا وجود الإبهام في الأول دون الثاني و إذا بين الشارع حكم موضوع و أو كل فهمه الى العرف كان فهمه حجة، و ليس شأن الفقيه الّا بيان الحكم بان يقول وجب التيمم بالصعيد، و حرم الغناء، و وجب التمام في الوطن، و لو عيّن الموضوع لم يكن تعيينه حجة خاصة على المقلد إلّا إذا حصل الوثوق و الاطمئنان منه، فهو في تعيين الموضوع كغيره فيعتبر إذا حصل الوثوق و الاطمئنان منه.

أقول: يمكن الفرق بينهما بان العرف يرى الخلاف في الأول خلافا في الحكم فان مرجع الخلاف في ان الغناء مثلا هل هو مطلق الترجيع في الصوت، أو المطرب منه المناسب لمجالس اللهو، الى الخلاف في الحكم، و هكذا الخلاف في ان الصعيد هل هو التراب الخالص أو مطلق وجه الأرض بخلاف الخلاف في ان المائع المخصوص ماء أم لا، فإنه لا يصدق عليه عرفا انه خلاف في الحكم و لا يرجع اليه، و الحاصل ان الموضوع المستنبط من أجل استتباعه للحكم الشرعي و رجوع الخلاف فيه الى الخلاف في الحكم كان موردا للتقليد فيشمله أدلة التقليد كشمولها للاحكام، فإذا شك في وجوب التقليد فيه فكان مقتضى القاعدة هو التقليد فيه، لإطلاق أدلته، خرج منه الموضوع الصرف، فيبقى الباقي.

و منه انقدح ما في القول بان مرجع الشك هنا الى الشك في التكليف فيرفع‌

24

بالبراءة عقلا و شرعا فليتأمل.

الخامس- ان الضروريات و اليقينيات خارجة عن أدلة التقليد بالتخصص،

إذ التقليد كما عرفت انما هو من باب رجوع الجاهل الى العالم فيكون موضوعه منتفيا فيهما، و إذا فرض ان المكلف غير عالم بهما فعلا فإنه يحصل له العلم بأدنى التفات و توجه، و الفرق بينهما ان الضروري هو ما لم يختلف فيه اثنان، فان كان عدم الاختلاف بين المسلمين سمى ضروري الدين كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما و ان كان بين الشيعة سمى ضروري المذهب كخلافة مولانا على بن أبي طالب (عليه السلام) و حياة الامام المنتظر- روحي له الفداء- و اما اليقيني فهو ما حصل اليقين به، سواء اختلف فيه الاثنان أم لا فالنسبة بينهما عموم مطلق.

و منه ظهر حكم ما لو علم المقلد خطاء المجتهد في فتواه كما إذا أفتى بوجوب جلسة الاستراحة و علم المقلد ان فتواه عدم الوجوب لانه من تلامذته و علم فتواه و انما أخطأ و سهى و ليست فتواه الوجوب فالعمل بها مع العلم بخطائه ليس تقليدا له، و نحوه ما إذا علم خطائه في المدرك كما إذا أفتى بوجوب شي‌ء لرواية يعتقد صحتها، و علم المقلد ضعفها لعلمه برجال الرواية، أو افتى بوجوب التيمم بالتراب الخالص معتقدا انه معنى الصعيد، و المقلد يقطع انه مطلق وجه الأرض.

السادس- إذا أفتى المجتهد بحكم و المقلد يعلم انه إذا اعمل نظره ثانيا افتى بحكم مغاير له،

و هذا يسمى بالفتوى التقديري، و الكلام يقع فيه في المقامين:

الأول- في جواز تقليده في فتواه الفعلية و عدمه.

أقول: لا يبعد عدم جوازه لان فتواه الفعلية في نظر المقلد تخيل الفتوى فكانت وظيفته الرجوع الى مجتهد آخر.

الثاني- انه هل يجوز تقليده في فتواه التقديرية أم لا.

قد يقال: بجوازه لأن حجية الفتوى طريقية، و المفروض ان المكلف يعلم ان الطريق يؤدى الى خلاف الفتوى الفعلية فيلزم السلوك على طبقه لانه سلوك الطريق‌

25

الذي علم كونه طريقا بخلاف السلوك على الفتوى الفعلية فإنه سلوك طريق علم خطائه و اما ما حكى عن بعض من الإجماع على عدم جواز التقليد في الفتوى التقديرية فإنه محل نظر من حيث الصغرى و الكبرى.

السابع- انه على القول بإمكان التجزي كما هو الأقوى لو ادّى نظر المتجزى الى خلاف نظر المجتهد المطلق لم يجز تقليده فيه،

إذ المجتهد بنظر المتجزى يكون جاهلا بالحكم، فكان تقليده فيه رجوع العالم الى الجاهل، و لا فرق فيما ذكر بين ان يقول المجتهد بإمكان التجزي و عدمه لانه كان جاهلا بالحكم في نظر المتجزى على كل تقدير.

مسئلة: في وجوب تقليد الأعلم و عدمه

اعلم ان في المسئلة أربعة أقوال:

الأول- وجوبه مطلقا و هو مختار جماعة من الفقهاء على ما حكى.

الثاني- عدم وجوبه مطلقا و هو المنقول عن جمع ممن تأخر عن الشهيد الثاني و قد نسب ايضا الى صاحب الجواهر.

الثالث- التفصيل بين العلم بمخالفة فتوى العالم لفتوى الأعلم إجمالا أو تفصيلا في المسائل المبتلى بها فيجب، و بين عدم العلم فلا يجب، و هو مختار بعض الاعلام في تعليقته على العروة.

الرابع- وجوبه إذا لم تكن فتوى غير الأعلم مطابقة للاحتياط أو المشهور أو فتوى الميت الأعلم من الحي الأعلم.

و استدل للأول بوجوه ستة:

الأول- الإجماع المحكي عن بعض

و عن ظاهر السيد المرتضى (قدس سره) انه من المسلمات عند الشيعة، و فيه منع الصغرى لاختلاف الآراء فيه، و منع الكبرى لانه محتمل الاستناد مضافا الى ان المسئلة عقلية على حسب بعض أدلتها فلا مسرح لدعوى الإجماع فيه.

26

الثاني- دعوى بناء العقلاء على الرجوع الى الأعلم و الأخذ برأيه في أمور معاشهم و معادهم،

و لم يظهر من الشارع ردعهم عنه، فيكون تقريرا منه. و فيه منع التزامهم بذلك و ترك الرجوع الى العالم و الا لزم تعطيل المفضول في المهن و الفنون كالطب و الهندسة و الصياغة و الخياطة و نحوها فارباب الفنون و الصنائع كلهم يزاولون أعمالهم، و فيهم الأفضل و المفضول قطعا.

ان قلت: انه يسامح في الأغراض الشخصية بما لا يسامح في أغراض المولى و أوامره.

قلت: ان العقلاء لا يسامحون أيضا في أغراضهم الشخصية في ترك الرجوع الى الأعلم، فلا فرق بينها و بين أغراض المولى.

و قد يقال: انا سلمنا طريقة العقلاء على الرجوع الى الأعلم لكنا نمنع ما ذكر من عدم ردع الشارع هذه الطريقة إذ يكفي في ردعها إطلاقات أدلة التقليد من الآيات و الروايات.

الثالث- ان فتوى الأعلم أقرب الى الواقع من فتوى غيره

فيجب الأخذ به و فيه منع الصغرى و الكبرى، اما الأول فإنا لا نسلم أقربية فتواه الى الواقع من غيره مطلقا بل قد يكون بالعكس كما إذا طابقت فتواه للاحتياط أو المشهور أو لفتوى ميت هو اعلم من الأعلم الحي.

ان قلت: ان الأقربية التي كانت لفتوى غير الأعلم خارجية لمطابقتها لواحد من الأمور المتقدمة و الأقربية التي كانت لفتوى الأعلم داخلية و هي المقصودة من الأقربية و الأقربية الخارجية ناشئة مما ليست بحجة فكيف يكون فرعها حجة.

و فيه منع الفرق بينهما إذا كانت الأقربية إلى الواقع ملاك الحجية إذ الحجية تدور مدارها و لو كان موجبها امرا خارجيا، و اما الثاني و هو منع الكبرى، فانا نمنع لزوم الأخذ بما هو أقرب الى الواقع، إذ لا دليل على كون الأقربية إلى الواقع ملاك الحجية فإن ما قام الدليل عليه هو صدق الفقيه و العالم و نحوهما من العناوين الصادقة على الأعلم و غيره.

27

و قد يقال: في تقرير منع الكبرى ان حكم العقل بالرجوع إلى الأقرب يتوقف على إدراكه لزوم الأخذ به و تعيينه إدراكا جزميا قطعيا بحيث إذا ورد من الشارع دليل على خلافه لأوّله أو طرحه و ليس للعقل هذا الإدراك مع ان للشارع الترخيص في الرجوع الى المفضول إذا رأى مصلحة في توسعة الأمر على المكلفين كما هو الواقع في ترخيص العمل بقول الثقة و ترك الاحتياط و لذا لو وقف العقل على لزوم إحراز الواقع في مورد حكم بلزوم الاحتياط و ترك العمل بقول الأفضل و الفاضل.

و بالجملة لا يحكم العقل حكما بتيا بلزوم الرجوع الى الأقرب الى الواقع مع احتمال ورود تعبد من الشارع بالترخيص في الرجوع الى المفضول، و هذا الاحتمال و لو كان ضعيفا لا مساغ معه لدعوى القطع بالأخذ بقول الأفضل تعيينا كما لا يخفى ان هذا التقرير في غاية المتانة ان كان مراد القائلين بذلك ان الأقربية إلى الواقع علة للزوم الأخذ بالأقرب بداهة استحالة تخلف المعلول عن علته.

و اما إذا كان مقصودهم ان ذلك على نحو الاقتضاء فيمكن عدم ترتب الأثر على المقتضى كما إذا دل دليل شرعي على جواز الرجوع الى كل من الأقرب و غيره كان ذلك الدليل مانعا عن تأثير المقتضى و نفوذه، لا عن عدم الأثر حتى على نحو الاقتضاء فيرفع اليد عن المقتضى مع إحراز وجود المانع و الّا فلا كما هو الحال في جميع الأمور المقتضية للأشياء.

الرابع- ان الأعلم أكثر إحاطة بمدارك الأحكام من غيره،

و مرجعه الى ان الأعلم يعرف من مدارك الأحكام ما لا يعرفه العالم، فالنسبة بينهما فيما يعرفه الأعلم و لا يعرفه العالم نسبة العالم و الجاهل، و لا شبهة في عدم صحة التسوية بينهما في الرجوع الى كليهما و فيه أولا انا نمنع ان يكون الأعلم أكثر إحاطة بمدارك الأحكام بحيث يعرف منها مالا يعرفه العالم، إذ الفقهاء كلهم يقدرون على المراجعة إليها خصوصا في عصرنا هذا لسهولة تحصيلها بل الأعلم هو الذي كان تمرنه في ردّ الفروع إلى الأصول أكثر و أشد فطنة و أكثر فهما، و ثانيا ان مناط الحجية يمكن ان يكون عنوانا منطبقا على‌

28

كل منهما كالفقيه و العالم و العارف مما اشتملت عليه الآيات و الروايات، و ثالثا انك قد عرفت انه يمكن ان يكون في ترخيص الشارع الرجوع الى غير الأعلم مصلحة أقوى من مصلحة الواقع كالتسهيل على المكلفين كما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال:

«بعثت على الشريعة السمحة السهلة» فلا مانع عن ترخيص الشارع لذلك، فانقدح ما في كلامه من ان التسوية بين الأعلم و العالم في الرجوع إليهما لا يصح.

الخامس- الاخبار:

منها- مقبولة عمر بن حنظلة و فيها الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما و أورعهما و الاشكال بضعف سندها مدفوع بتلقي الأصحاب لها بالقبول.

و فيه أولا ان المقبولة وردت في فصل الخصومة و الترافع فاسراء الحكم منه الى باب الفتوى قياس مع الفارق، إذا الخصومة لا ترتفع بالحكم بالتخيير فيها، لان كلا من الخصمين يختار ما يوافقه، فتبقى الخصومة كما كانت، بخلاف باب الفتوى، فان الحكم فيه بالتخيير رافع للحيرة و مثبت للتكليف.

و قد يقال: انه لو أريد القياس كان المناسب قياس المقام بباب الروايات التي أمر فيها بالتخيير عند فقد المرجحات لا بباب الخصومة، و ثانيا ان ملاك التقدم في المقبولة اجتماع الصفات الأربعة بمقتضى الواو العاطفة، لا الافقهية وحدها، و اما ما افاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) في الرسائل من ان سؤال الراوي عن الامام (عليه السلام) انما هو عن صورة التساوي بين الحاكمين فقط، لا عن صور فقد بعض المرجحات دون بعض فيكون كاشفا عن ان كل واحد منها مرجح مستقل على نحو لا بشرط، لا على نحو بشرط شي‌ء، فكان مخالفا لظهور الواو العاطفة في الجمع، و انه على نحو بشرط شي‌ء.

و منها خبر داود بن حصين، و فيه ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه و لا يلتفت الى الأخر.

و فيه ما مر في المقبولة من الجواب من وروده في القضاء و فصل الخصومة،

29

و نحوه خبر موسى بن إكليل عن الصادق (عليه السلام) ينظر إلى أعدلهما و افقهما في دين اللّه فيقضى حكمه.

و منها ما في نهج البلاغة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر من قوله (عليه السلام): «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك» فإنهما وردا أيضا في باب الخصومة فلا يقاس به باب الفتوى.

و قد يقال: بإمكان استفادة الاستحباب من عهد مالك من الأمر باختياره أفضل رعيته للحكم بين الناس معللا بأنه لو كان لازما لزم تكفل المالك نفسه للقضاء، لأنه أفضل من سائر الرعية مع ان الامام (عليه السلام) قال: «اختر أفضل رعيتك» و لم يقل: «اختر أفضل منك و من رعيتك».

و فيه ان الاستحباب لا يناسب فصل الخصومة مع ان كون المالك أفضل من سائر الرعية هو أول الكلام.

و منها- ما عن الوسائل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «من أمّ قوما و فيهم من هو اعلم منه لم يزل أمرهم إلى السفال الى يوم القيمة» و فيه مضافا الى ضعف السند لا يبعد ان يكون المراد منه الإمامة المطلقة المختصة بالأئمة المعصومين (عليهم السلام)، إذ الإمامة المطلقة ثابتة للأعلم في جميع الفنون و الشؤن و العلوم، و هو منحصر فيهم مع انه لو حمل على الإطلاق ليشمل المفتي لزم شمول الإطلاق لإمام صلاة الجماعة و أمير الجيش و نحوهما، و لا يظن ان يلتزم به أحد فتأمل.

و منها- ما في نهج البلاغة «أيها الناس ان أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه» و منها ما فيه ايضا «ان اولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جائوا به» و يرد عليهما مضافا الى ضعف سندهما لكونهما من مراسيل السيد الشريف (قدس سره) دعوى ظهور قوله (عليه السلام): «بهذا الأمر» في الإمامة. و قد ثبت في محله ان من شرائط الإمامة كونه اعلم الناس و ظهور قوله (عليه السلام): «ان اولى الناس بالأنبياء أعلمهم» إلخ الأولوية المطلقة المختصة بالمعصوم (عليه السلام) و نحوها ما عن البحار عن الاختصاص مرسلا‌

30

عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «من تعلم علما ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو يعرف به الناس الى نفسه يقول أنا رئيسكم فليتبوأ مقعده من الناران الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها فمن ادعى الناس الى نفسه و فيهم من هو اعلم منه لم ينظر اللّه اليه يوم القيمة» فإنه مضافا الى إرساله منصرف عن مسئلة التقليد فان سياقه يدل على الإمامة و الخلافة و منها ما عن البحار ايضا عن عيون المعجزات عن الامام الجواد (عليه السلام) «فقال (عليه السلام) لعمه يا عم! انه عظيم عند اللّه ان تقف غدا بين يديه فيقول لك لم تفتي عبادي بما لا تعلم و في الأمة من هو اعلم منك، و فيه مع انه مرسل ظاهر في ان سؤال الحق سبحانه انما هو لأجل الفتوى بما لا يعلم و هو حرام حتى على الأعلم، فلا تتم دلالة الحديث على المدعى، و يحتمل ان يكون المراد بقوله (عليه السلام): «و في الأمة من هو اعلم منك» نفسه (عليه السلام) و قد تقدم انه يعتبر ان يكون الامام (عليه السلام) اعلم الناس فلا مساس له بمسئلة التقليد.

السادس- أصالة التعيين إذا دار الأمر بينه و بين التخيير

كما في المقام فاللازم الرجوع الى الأعلم، لانه مبرء للذمة يقينا و على كل تقدير، بخلاف الرجوع الى غيره. و فيه منع دوران الأمر بينهما بعد إطلاقات أدلة التقليد كما لا يخفى.

و مما ذكرناه ظهران ما استدل به لوجوب تقليد الأعلم غير دالة عليه، نعم الأحوط الأولى الرجوع اليه الا إذا كان فتوى غير الأعلم على طبق الاحتياط أو فتوى المشهور أو الميت الذي كان اعلم من الأعلم الحي فتأمل في المقام، فإنه من مطارح الأنظار للاعلام.

مسئلة: لو انحصر الأعلم في الشخصين و لم يمكن التعيين و قلنا بوجوب تقليد الأعلم وجب الاحتياط بالجمع

بين القولين إذا أمكن كما إذا أفتى أحدهما بوجوب التمام على المسافر إذا بات على رأس أربعة فراسخ، و قال الآخر بوجوب القصر عليه وجب على المقلد الجمع بينهما تحصيلا للعلم بالبراءة من الاشتغال اليقيني بتقليد الأعلم و ان لم يمكن الاحتياط بالجمع بين القولين أخذ بأحوطهما و الّا كان مخيرا كما إذا أفتى أحدهما بوجوب صلاة الجمعة و الآخر بحرمتها لدوران الأمر بين المحذورين.،

31

مسئلة: إذا كان المجتهدان متساويين في العلم، و كان أحدهما أورع ذهب في العروة و بعض أخر إلى تعين تقليد الأورع،

و اختار جماعة عدمه و استدل للأول بوجوه:

الأول- الإجماع

و فيه منع الإجماع من حيث الصغرى و الكبرى، اما من حيث الصغرى فلان المسئلة محل الاختلاف بين الفقهاء، و اما الكبرى فلان المظنون كونه مدركيا ان لم يكن ذلك مقطوعا.

الثاني- أصالة التعيين عند دوران الأمر بينه و بين التخيير،

و فيه أولا ان مقتضى حكم العقل و ان كان ذلك الّا انه يرفع اليد عنه بالأصل الشرعي القاضي برفع ما لا يعلمون و لم يعلم وجوب تقليد الأورع، فيكون مرفوعا فتأمل. و ثانيا انه لا يبقى محل للأصل المذكور بعد وجود إطلاق أدلة التقليد.

و قد أجاب بعض الأساطين عن الأصل بأنه فرق بين ما يكون ملاك الحجية كالعلم، و بين ما يكون شرطا لها كالعدالة و أصالة التعيين تجري في الأول دون الثاني لأقوائية الحجة في الأول بخلاف الثاني و الأورعية من قبيل الثاني، لأنها لا توجب اقوائية ملاك الحجية فلا تجري فيه الأصل، فيكون التخيير محكّما. و فيه انه لا فرق بين ملاك الحجية و بين ما يكون شرطا لها إذا شك فيهما، فلا يحكم بالبراءة الا باختيار ما قطع بحجية سواء كان القطع بالحجية من ناحية قوة الملاك، أو من أجل ما كان شرطا لها و لو في بعض الأحوال كحال التعارض فلا يصح الفرق بينهما.

الثالث- ان المقبولة تدل على وجوب الأخذ بالأورع عند تعارض الخبرين

و لا خصوصية فيه لباب الحكم و تعارض الخبرين. و فيه ما تقدم في الاستدلال بها على لزوم تقليد الأعلم.

الرابع- ما روى من قوله (عليه السلام): «لا يحل الفتيا الّا لمن كان اتبع أهل زمانه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)».

و فيه مضافا الى إرساله انه يدل على اشتراط الأورعية في أصل التقليد و لم يقل به أحد مع انه لا يبعد دعوى ظهوره في كونه مسوقا للطعن على العامة في‌

32

مسئلة الإمامة كما يظهر لك من ملاحظة كلمات الأئمة (عليهم السلام).

الخامس- ان الأورعية توجب شدة الوثوق به

لزيادة ورعه.

و فيه انه لا كلية لها كما إذا كانت فتوى غير الأورع مطابقة لفتوى الأورع من الأموات أو للأعلم منهما في الأموات و نحوهما.

السادس- دعوى أقربية فتوى الأورع إلى الواقع،

و جوابه يظهر مما ذكرناه فراجع.

السابع- ان عمدة دليل التقليد لبّى

و هو السيرة و بناء العقلاء و إذا احتملت فيه خصوصية لزم اعتبارها، لان الواجد لها هو القدر المتيقن منه، فاحتمال اشتراط الأورعية يوجب اعتبارها لانه القدر المتيقن من السيرة و بناء العقلاء.

و فيه أولا ان السيرة و بناء العقلاء على رجوع الجاهل الى العالم و لا فرق في نظرهم بين الأورع و الورع، و ثانيا ان إطلاقات أدلة التقليد شاملة للورع، نعم الاولى الرجوع الى الأورع.

مسئلة: في جواز العدول من الحي إلى الحي و عدمه

اعلم ان الكلام يقع هنا في المقامين: الأول- في جواز العدول و عدمه إذا لم يكن المعدول إليه أعلم من المعدول عنه، الثاني فيما إذا كان المعدول إليه أعلم منه اما الكلام في المقام الأول ففيه خمسة أقوال: الجواز مطلقا، و عدمه مطلقا، و التفصيل بين ما التزم فيه بتقليد الأول فلا يجوز، و بين غيره فيجوز، و التفصيل بين ما عمل به من فتوى الأول، فلا يجوز و بين غيره فيجوز، و التفصيل بين توافقهما في الفتوى فيجوز و بين تخالفهما فلا يجوز، و قد نسب القول الأول إلى العلامة في النهاية و المحقق و الشهيد الثانيين و المحقق الغروي الأصفهاني الشيخ محمد حسين (قدس اللّه أسرارهم).

و استدل له بوجهين:

الأول الاستصحاب

إذ فتوى كل واحد من المجتهدين‌

33

كانت حجة على العامي قبل الأخذ بإحداهما فكان مخيرا فيه فإذا شك في بقاء الحجية التخييرية لاحتمال ارتفاعها بأخذ فتوى أحدهما فكان مقتضى الاستصحاب بقائها.

ان قلت: ان استصحاب بقائها معارض باستصحاب الحكم في المسئلة الفرعية التي عمل بها المقلد مثلا إذا أفتى الفقيه الأول بوجوب جلسة الاستراحة و عمل المقلد بفتواه، و افتى الثاني بعدم وجوبها فاستصحاب جواز العمل بفتوى الثاني معارض باستصحاب وجوبها، فيقع التعارض بين الاستصحاب في المسئلة الأصولية و المسئلة الفرعية فيتساقطان.

قلت: ان استصحاب الحجية التخييرية في المسئلة الأصولية حاكم على استصحاب الحكم الفرعي كما افاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) لتقدم الأصل السببي على المسببي.

ان قلت: ان اثر استصحاب الحجية التخييرية عقلي، إذ الملازمة بين بقاء الحجة التخييرية لقول المجتهد الثاني و بين عدم الحجة الفعلية التعيينية لقول المجتهد الأول و ان كانت ثابتة الّا انها عقلية من أجل عدم اجتماع الضدين فعدم الحجية الفعلية التعيينية لرأي المجتهد الأول ليس من الآثار الشرعية لبقاء الحجية التخييرية حتى يجرى استصحابها و يكون حاكما على استصحاب الحكم الفرعي.

قلت: ان اللوازم العقلية على قسمين: الأول- اللوازم العقلية المستقلة و هي التي لا يجرى الاستصحاب بلحاظها.

الثاني- اللوازم العقلية غير المستقلة التي صارت لوازم عقلية بلحاظ الحكم الشرعي فيجري الاستصحاب بلحاظها و المقام من قبيل الثاني، إذ التضاد بين حجية رأي المجتهد الأول تعيينا و بين رأي الثاني تخييرا نشأ من حكم الشارع لا من أجل التضاد بين حجية رأيهما واقعا فتأمل.

و عن المحقق الغروي الأصفهاني الجواب عن اشكال التعارض بوجه آخر، و تقريره ان المجعول هو المنجزية و المعذرية لكل من الرأيين، و لا ينافي بقاء أحدهما‌

34

على صفة المنجزية و المعذرية بقاء الآخر عليهما أيضا لأنهما في عرض واحد فلا حاكم و لا محكوم حتى يقال: ان أحدهما حاكم و الآخر محكوم.

و أورد عليه بان المجعول الشرعي ليس المنجزية و المعذرية بل هما من لوازم المجعول الشرعي و هو حجية الرأي و المستصحب اما هو حجية الرأي أو الحكم الفرعي اما على الأول فلان معنى الحجية التخييرية جواز أخذ المكلف بكل واحد من الطرفين و إذا أخذ المكلف بأحدهما تعين عليه و مع التعين و الفعلية لا يبقى الفتوى الأخرى على الحجية التخييرية ضرورة امتناع الجمع بين الحجية التعيينية لأحد الطرفين و بين الحجية التخييرية للطرفين و نحوه على الثاني و هو كون المستصحب حكما فرعيا، و هو وجوب جلسة الاستراحة تعيينا على حسب فتوى الأول، و حينئذ لم يبق مجال للتخيير بين الفتوى المختارة و بين الفتوى الأخرى.

و فيه انه لا دليل على تعين وجوب الفتوى بالأخذ بل المستفاد من الدليل اعتبارها حجة و جواز الاستناد إليها و العمل بها و هو غير مناف للتخيير إذ معناه جواز الأخذ بأحد الطرفين و العمل به، و بالجملة يصلح كل من الفتويين للأخذ و العمل من دون ان يتعين أحدهما بالأخذ بها و لو فرض الشك فيه لكان مقتضى الاستصحاب بقائه.

ان قلت: ان موضوع الاستصحاب هو الشخص المتحير و لا تحيّر بعد الأخذ بإحدى الفتويين، فالموضوع غير باق و يكون الاستصحاب إسراء حكم من موضوع الى موضوع أخر.

قلت: ان الموضوع كان باقيا على حسب ما دل على التخيير و لو بعد الأخذ بإحدى الفتويين، لان موضوع التخيير و هو الجاهل بمدارك الحكم الشرعي باق ان كان دليل التقليد بناء العقلاء، و لم يصبح المقلد بتقليده المجتهد الأول عالما و عارفا بها و كذا ان كان غيره، فان المراد بقوله (عليه السلام): «و عرف حلالنا و حرامنا» هو المعرفة عن اجتهاد لا عن تقليد، و موضوع آيتي النفر و السؤال غير الفقيه و غير أهل الذكر و صدقهما على المقلد بعد الأخذ بإحدى الفتويين كصدقهما قبل الأخذ بها، و اما سيرة‌

35

المسلمين فهي على رجوع غير المجتهد الى المجتهد و هو غير مجتهد بعد الأخذ، و يؤيده قوله (عليه السلام): «فللعوام ان يقلدوه» و العامي يصدق عليه.

ان قلت: ان الاستصحاب هنا تعليقي معارض بالاستصحاب التنجيزي، توضيحه ان مرجع التخيير الثابت له ابتداء الى ان العامي لو اختار احدى الفتويين كانت حجة عليه فاستصحابه بعد تقليده بأخذ إحديهما معارض باستصحاب عدم الحجية الثابت قبل اختياره لكلتيهما.

و فيه ان الحجية التخييرية لكلتى الفتويين تنجيزية لا تعليقية لعدم الدليل على تقييد ما دل على الحجية التخييرية بقيد لو اختار.

الثاني- إطلاقات الأدلة

الشاملة لكلتى الفتويين قبل الأخذ و بعده، و نوقش فيه بان التمسك بالإطلاق يتوقف على إحراز كون المتكلم في مقام البيان من الجهة التي يتمسك لها بالإطلاق و هو غير محرز الّا ان يقال: بعدم لزوم ذلك بل يكفي في التمسك به إلقاء المتكلم كلامه مطلقا غير مقيد بقيد خاص، و لم تكن قرينة حالية أو مقالية موجودة على ارادة فرد خاص منه و العرف و بناء العقلاء على عدم صحة إرادة المقيّد بقيد خاص حينئذ.

و بالجملة يكفي في التمسك بالإطلاق عدم إحراز ارادة فرد خاص لا إحراز عدمه بعد كون الظاهر من حال المتكلم انه في مقام البيان،

و استدل للقول الثاني بوجوه ستة:

الأول- هو الإجماع

المحكي عن المحقق القمي (قدس سره)، و فيه منع الإجماع من حيث الصغرى و الكبرى، اما من حيث الصغرى فلاختلاف الفقهاء فيه، و اما من حيث الكبرى فلاحتمال استناد المجمعين الى ما يأتي من الوجوه.

الثاني- أصالة التعيين إذا دار الأمر بينه و بين التخيير

للعلم بفراغة الذمة بأخذ فتوى أحد المجتهدين و العمل بها و الشك في جواز العدول فيكون مقتضى الأصل العقلي هو التعيين خصوصا في المقام لدوران الأمر بين الطريقين في الحجية و يكفي في عدم حجية الطريق الشك فيها، و فيه ان الأصل محكوم باستصحاب الأمر الثابت‌

36

قبل الأخذ و العمل بفتوى أحد المجتهدين.

الثالث- الاستصحاب

و المراد به اما هو استصحاب الحكم المختار، أو استصحاب حجية الفتوى المختارة، مثلا إذا قلد مجتهدا يفتي بالقصر في مورد خاص، ثم عدل الى آخر يقول بالتمام في ذلك المورد، فيجري في حقه استصحاب القصر أو استصحاب حجية الفتوى به في زمان عدوله الى الثاني.

و فيه ما مر من ان هذا الاستصحاب محكوم باستصحاب التخيير الثابت قبل الأخذ بأحد القولين، إذ الشك في بقاء القصر أو حجية القول به مسبب عن الشك في بقاء الحجية التخييرية الثابتة للفتويين قبل الأخذ بإحداهما، و مع جريان الأصل في السبب لا يجري في المسبب.

الرابع- ما افاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) من انه يلزم من العدول المخالفة في بعض الموارد

كما إذا قلد مجتهدا يقول بالقصر مع البيتوتة على أربعة فراسخ فصلى القصر ثم بعد الصلاة قصرا عدل الى من يقول بالتمام فصلى العصر تماما فحينئذ يحصل العلم ببطلان احدى صلوتيه و إذا لم يجز العدول في مثل هذا المورد يتم في غيره بعدم الفصل بل لا إجمال في متعلق البطلان في المثال المذكور كما يظهر من الشيخ للعلم ببطلان العصر تفصيلا اما لعدم الترتيب من أجل فساد الظهر قصرا أو لوجوب قصر العصر ايضا، و يجاب عنه تارة بالنقض في موارد لزوم العدول من تبدل رأى المجتهد و عروض الجنون له و الفسق و كون الثاني اعلم منه على القول بوجوب العدول اليه و اخرى بالحل كما إذا قام دليل عام على الاجتزاء بالأعمال الماضية المستندة إلى الحجة الشرعية و لو مع مخالفتها للواقع كما حكى عن بعض دعوى الإجماع عليه، فلا يقدح العلم بالمخالفة تفصيلا أو إجمالا كما ترى ذلك في باب العلم الإجمالي في الواقعية المتكررة في الوجود متدرجة فإنه لا يلزم مراعاة العلم الإجمالي.

و قد مثل له الشيخ في الرسائل بالمرئة التي ترى الدم في طول الشهر إذا وطئها زوجها في كل ليلة بأصالة عدم الحيض الى آخر الشهر، و لا شك في انه في الثلاثة‌

37

الأخيرة من الشهر يحصل العلم الإجمالي إما بحرمة بعض الوطيات السابقة أو بحرمة الوطي في الثلاثة الأخيرة و هو غير ملزم بخروج بعض الأطراف عن محل التكليف و الابتلاء و ان لم يقم دليل عام على ذلك، فلا بد في كل مورد من ملاحظته بخصوصه كما قام الدليل الخاص على الكفاية في باب الصلاة بالنسبة الى غير الأركان فيما زاد أو نقص و هو حديث «لا تعاد» و الا نلتزم بالقضاء أو الإعادة و ما ذكره من تمامية المطلوب بعدم القول بالفصل مخدوش بان المجدي هو القول بعدم الفصل لا عدم القول بالفصل‌

الخامس- ان العلم بمخالفة فتوى الأول للثاني

المعدول اليه اما هو حاصل حين العدول أو بعده فعلى الأول لا يجوز العدول و لا البقاء على فتوى الأول لسقوط الفتويين عن الحجية، للمعارضة لأن أدلة التقليد غير شاملة لصورة المخالفة فوجب عليه الاحتياط.

و منه ظهر حكم الفرض الثاني لتساقط الفتويين حال العلم بالتخالف غاية الأمر يكون حال العدول معذورا لغفلته عن المخالفة و الا كان عدوله باطلا في الواقع.

و فيه ان مقتضى أدلة التقليد التخيير في الفتويين المتعارضتين، و ان قلنا بالتساقط في غيرهما من المتعارضين فتأمل.

السادس- ما ذكره بعض من ان العدول لا يخلو عن أمرين باطلين

اما التبعيض في الحكم الكلى و اما نقض الآثار بالنسبة إلى الأعمال السابقة التي اتى بها على رأى الأول إذا قلد الثاني مثلا إذا كان الأول قائلا بوجوب صلاة الجمعة فصلى الجمعة برهة من الزمان ثم قلد الثاني القائل بالحرمة فاما يلزم التبعيض في الصلاة الواحدة بمتابعة أحدهما مدة و الآخر مدة أخرى إذ يلزم قضاء ما اتى به جمعة.

ثم أجاب عنه بان التقليد في الحكم و لا نقول: بالتبعيض إذ لا بد للمقلد ان يستند في عمله إلى رأي المجتهد، و المفروض انه استند في صلاة الظهر الى المجتهد الأول و كان رأيه حجة بالنسبة إلى لزوم القضاء و عدمه، و انما كان استناده في الأعمال اللاحقة إلى رأي المجتهد الثاني.

38

و يمكن ان يقال: بالتبعيض في الحكم الكلى و لا مانع منه الّا تساقط الحجتين عند المعارضة و لا نقول به فظهر مما ذكرناه ان القول بعدم جواز العدول مما لا يساعد الدليل عليه، و ان كان الأحوط الأولى عدمه.

القول الثالث- التفصيل

في العدول بين ما التزم فيه بتقليد الأول من الوقائع فلا يجوز العدول فيها و بين غيره فيجوز كما إذا قلد مجتهدا يجوّز العقد بالفارسية فعقد على امرأة بالفارسية ثم عدل الى من يرى بطلان العقد بها، فلا يجوز له عدم ترتيب آثار الزوجية من الوطي و القسم و النفقة و المهر المسمى و نكاح الخامسة، نعم إذا عقد على امرأة بالفارسية بعد العدول كان العقد باطلا، و نسب هذا التفصيل الى صاحب الجواهر (قدس سره) و جمع أخر.

و أجيب عنه بان هذا ليس تفصيلا في مسئلة العدول لان المجوزين لا يلتزمون ايضا لمثل ما منع عنه هؤلاء و البقاء في المثال ليس من التزام المقلد له في افراد الحكم الكلى، و انما هو بقاء في فرد واحد فإنه واقعة واحدة لا واقعتان مندرجتان تحت كل واحدة منها افراد كالظهر و الجمعة حتى يصدق العدول فتأمل، و اما القول الرابع و هو التفصيل بين ما عمل به من رأى الأول فلا يجوز العدول فيه، و بين ما لم يعمل به فيجوز، فلعل وجهه ان المفصل يقول ان التقليد هو تطبيق العمل على فتوى المجتهد فالمسائل التي لم يعمل بها لم يتحقق موضوع التقليد فيها فليس هذا تفصيلا في مسئلة العدول، بل مرجعه إلى حرمة القول بالعدول مطلقا و نحوه القول الخامس بين اتفاقهما في الفتوى فيجوز العدول، و بين اختلافهما فيها فلا يجوز، لان مرجعه إلى حرمة العدول مطلقا، لعدم صدق العدول مع الموافقة في الفتوى الّا ان يقال:

انه عدول في الاستناد لكن لا يترتب عليه أثر فتأمل.

و اما الكلام في المقام الثاني و هو ما إذا كان المعدول إليه أعلم من المعدول عنه و قلنا بوجوب تقليد الأعلم ففي وجوب العدول و عدمه قولان استدل لعدم الوجوب بالجمع بين أدلة حرمة العدول و أدلة وجوب تقليد الأعلم و لا رجحان لإحديهما على‌

39

الأخرى فيرجع الى التخيير، نعم على المشهور من تساقط الدليل بالتعارض كان مقتضى القاعدة الاحتياط.

و استدل للقول بالوجوب بعدم الفرق في أدلة تقليد الأعلم بين سبق تقليد غيره و بين عدمه.

و يشكل بأن أدلة تقليد الأعلم كما تقدم هي دعوى بناء العقلاء و الأقربية إلى الواقع و الإجماع المنقول و الاخبار العلاجية و أصالة التعيين، و الثالثة الأول غير لفظية لا إطلاق فيها الا ان يدعى إطلاق معقد الإجماع، و اما الاخبار العلاجية قد تقدم عدم تمامية الاستدلال بها على وجوب تقليد الأعلم و الأصل محكوم باستصحاب البقاء على تقليد المجتهد الأول، نعم الاولى العدول على القول بوجوب تقليد الأعلم.

مسئلة: في البقاء على تقليد الميت و عدمه

اعلم ان الأقوال المحكية في المسئلة سبعة:

الأول- جوازه مطلقا و هو مختار السيد في العروة و جمع أخر.

الثاني- وجوبه مطلقا.

الثالث- عدم جوازه مطلقا و هو مختار جماعة.

الرابع- التفصيل بين كون الميت اعلم من الحي فيجب البقاء و بين عكسه فيجب العدول و مع التساوي يتخير و هو مختار جمع من المعاصرين في التعليقة على العروة.

الخامس- التفصيل بين ما عمل به من المسائل في حال حياته فيجوز البقاء فيها و بين غيره فلا يجوز، ذهب اليه بعض المعاصرين و غيره من المشايخ.

السادس- التفصيل بين المسائل المبتلى بها و بين غيرها فيجوز في الأولى دون الثانية.

السابع- التفصيل بين صورتي العلم بمخالفتهما في الفتوى و عدم العلم بها فلا يجوز في الأولى بخلاف الثانية،

و استدل للقول الأول بثمانية وجوه.

40

الأول- استصحاب الأحكام الواقعية التي قلد فيها الميت حال حياته،

و فيه ان المستصحب غير متيقن الوجود إذ ما افتى به لم يعلم كونه حكما واقعيا حتى يستصحب.

الثاني- استصحاب الأحكام الظاهرية

و استشكل عليه بوجوه ثلاثة:

الأول- إنكار الحكم الظاهري بل المجعول المنجزية و المعذرية كما اختاره بعض المحققين و يصح حينئذ استصحابهما لوجود أركانه من اليقين و الشك اللاحق كما انه يصح على ما حققناه في الأصول، من ان المجعول الشرعي الطريقية و الوسطية في الإثبات لليقين السابق بها و الشك اللاحق فيها.

الثاني- ان الاستصحاب لا يجري في الأحكام لابتلائه بالمعارض دائما و هو استصحاب عدم الجهل فيتساقطان، و فيه انه قرر فى الأصول جريانه فيها كما يجري في الموضوعات.

الثالث- ان الأحكام التي أدّت إليها آراء المجتهدين ليست أحكاما لموضوعاتها على نحو الإطلاق بل هي أحكام لها باعتبار رأى المجتهد بحيث إذا زال أو تبدل تبدل الموضوع، و مع احتمال زواله بالموت لا يجرى الاستصحاب إذ إحراز بقاء الموضوع شرط فيه و احتمال زواله بالموت مساوق لاحتمال تبدله به.

و فيه ان المعتبر في الاستصحاب كون الموضوع عرفيا لا دقيّا فلسفيا و احتمال زوال الحكم بالموت دقّي فلسفي و ليس بعرفي، فهو مثل احتمال زوال إقرار الشخص أو شهادته أو اخباره بالموت فهذا الاحتمال لا يقدح في جريان الاستصحاب.

الوجه الثالث مما استدل به لجواز البقاء استصحاب حجية الفتوى

إذ هي حجة في حال حياة المجتهد فإذا شك في بقائها فيستصحب.

و أورد عليه بتقوم الفتوى بالرأي، و قد قوى السيد الداماد في المحكي عنه احتمال تبدل الرأي بالموت الى القطع بخلافه فلا يقين ببقاء الموضوع المعتبر في الموضوع.

و أيده الشيخ الأنصاري (قدس سره) في المحكي عنه من ان الواقع ينكشف‌

41

للفقيه بالموت نفيا أو إثباتا فإن انكشف خطاء رأيه فلا شك في زواله و ان انكشف له صحته كانت الصحة مستندة الى الكشف و الشهود و الرأي المستند الى الكشف و الشهود لا دليل على حجيته و انما الحجة الرأي المستند الى الطرق و الأمارات و الأصول، فالاستصحاب بين ما يكون معلوم الزوال و ما يكون باقيا غير معلوم الحجية.

و أجيب عن هذا الإيراد بوجوه خمسة:

الأول منع زوال الرأي بالموت لقيامه بالنفس الناطقة الباقية بعد الموت و هو مستند إلى الأدلة الشرعية التي وجب اتباعها على حسب ما يفهم منها عرفا، فالمأمور باتباعه ما يستفاد منها عرفا و هو الرأي الذي كان باقيا غير زائل، و لعمري ان هذا واضح كيف اشتبه الأمر على مثل المحقق السيد الداماد و الشيخ الأنصاري (قدس سرهما).

الثاني- انه لا دليل على انكشاف الواقع للفقيه بعد الموت و انه يحصل له العلم بصوابه و خطائه في الفتاوى، و ما ورد في الحديث من قوله (عليه السلام): «للمصيب أجران و للمخطئ أجر واحد» لا يدل على ذلك بل يدل على ان أجر المصيب ضعف أجر المخطى من دون ان يدل على انه ينكشف الإصابة و الخطاء له بالموت، و لعمري ان ذلك أوضح من ان يخفى على أحد، و ان سلم علمه بصوابه و خطائه كان ذلك في القيمة لا بعد الموت في البرزخ، نعم يمكن ان يعلم في البرزخ انه ناج أو هالك، فالقول بان الفقيه ينكشف له صواب رأيه و خطائه بعد موته مما لم يقم عليه دليل بل هو رجم بالغيب.

الثالث- ان ما افاده الشيخ من عدم الدليل على حجية الرأي المنكشف بالشهود انما هو فيما احتمل الخطاء بنظر الغير نظير ما يظهر من الرمل و الجفر و الحساب و ما ينكشف للمرتاضين، و اما الحاصل بالموت فهو متيقن الصواب و لا يحتمل خطائه و هذا القسم من الرأي حجة للغير بعد ثبوت حجية الطرق و الأمارات من باب الطريقية و ان إدراك الواقع بما هو واقع مطلوب لا من باب الموضوعية.

الرابع- انه يصح الاستصحاب و لو سلم انكشاف صواب رأيه و خطائه بعد‌

42

الموت اما على الأول فلان العمل برأيه انما هو من أجل استصحابه حال الحياة لا من أجل مطابقته للواقع لانكشافه بالموت فتأمل و اما على الثاني فلان موضوع الاستصحاب هو الرأي المستفاد من الأدلة المعتبرة و هو موجود فلا مانع من الاستصحاب و النقض بتبدل رأى المجتهد حال حياته الموجب لعدم حجيته فكذلك تبدل بالموت مدفوع بان الموضوع منتف مع تبدل الرأي بخلاف إمكان التبدل إذ تبدل رأيه حال حياته نظير شهادة الشاهد الساقطة عن الحجية بظهور خطاء مستندها، و ما نحن فيه من قبيل موت الشاهد، فإن الشهادة لا تسقط بمجرد إمكان انكشاف المشهود بعد الموت.

الخامس- انه سلمنا انكشاف الواقع للفقيه بموته لكن إذا شك في صواب رأيه و خطائه يستصحب بقاء رأيه حال حياته كما انه يستصحب إذا شك في تبدل رأيه، و عن بعض المحققين توجيه عدم جريان الاستصحاب بوجهين آخرين:

أحدهما- ان الرأي و لو كان باقيا بالدقة العقلية الا انه غير باق بنظر العرف لكون الحي و الميت متباينين بحسب نظرهم، و فيه منع تباينهما عند العرف و على فرض تسليمه ليس دليلا على تباين الرأي ألا ترى ان العرف يعتبر كثيرا من الإضافات و الملابسات التي كانت ثابتة قبل الموت فيقال: راى الشيخ المفيد و المحقق الأول و العلامة في المسئلة كذا و يقال زيد ابن فلان و أبوه فلان الى غير ذلك من الإضافات.

ثانيهما- ان هذا من الاستصحاب التعليقي في أكثر موارده، و فيه أولا ان هذا مبنى على عدم حجية الاستصحاب التعليقي في أكثر موارده، و فيه أولا أو هذا مبنى على عدم حجية الاستصحاب التعليقي و هو أول الكلام، و ثانيا انه ليس تعليقيا في المقام إذ هو ما لا يكون له حالة سابقة الّا معلقا و الحالة السابقة هنا منجزة لأنه إذا قلد فقيها في زمان فلا شك في ان فتواه حجة في حقه و بعد موته يستصحب المقلد حجية الفتوى المنجزة الثابتة قبل الموت فلا تعليق في استصحابها، نعم من يريد تقليد الميت ابتداء متمسكا باستصحاب حجية فتواه في حقه كان تعليقيا إذ الفقيه لو كان حيا كانت فتواه حجة في حقه فالمستصحب هو الحجية على تقدير الحياة.

الرابع- مما استدل به على جواز البقاء على تقليد الميت ما حكى عن المحقق

43

الشيخ محمد كاظم الشيرازي من ان من قلد مجتهدا حيا كان عالما بوظيفته الشرعية فإذا مات مقلده لم يصبح جاهلا بالوظيفة الشرعية فله العمل بما يعلم.

و فيه ان العالم بالوظيفة ان استند علمه الى اجتهاده أو تقليده حال حياة مقلده فهو يعمل بعلمه، و اما ان كان علمه بالوظيفة بتقليده بعد الموت فهو أول الكلام في جواز العمل به من طريق التقليد، و إثبات ذلك بان العالم بالتقليد بعد موت المفتي يجوز له العمل بعلمه هو توقف الشي‌ء على نفسه.

الخامس- ان من أدلة جواز البقاء إطلاق آيتي النفر و السؤال

فإنهما تدلان على وجوب العمل على طبق إنذار المنذر و قول أهل الذكر من دون تقييد بحال حياة المنذر و أهل الذكر و هكذا إطلاق الاخبار العلاجية و غيرها مما دل على الرجوع الى محمد بن مسلم و زكريا بن آدم و العمرى و ابنه و أمثالهم من دون تقييد بزمان حياتهم و العرف يفهم منها الرجوع الى أقوالهم و فتاويهم حتى بعد الموت و لا تتأمل في ذلك الأذهان الخالية عن الشوائب و الشبهات.

ان قلت: ان آيتي النفر و السؤال و الاخبار العلاجية و غيرها ظاهرة في صورة حياة المنذر و أهل الذكر و من يرجع إليه إذ الإنذار و السؤال و الرجوع و الأخذ و الأداء لا يمكن من الميت.

قلت: فيه مضافا الى ما يأتي من المناقشة في ظهور ما ذكر في الحياة لدى البحث عن تقليد الميت ابتداء ان المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدإ حينه كما حقق في الأصول و في المقام يصدق انه آخذ بقول المجتهد حين حياته.

السابع- بناء العقلاء على الرجوع الى العالم في جميع الصناعات و الحرف و الفنون،

و العمل بما تعلم منه حتى بعد موته فان المريض إذا راجع الى الطبيب و عيّن له الدواء ثم أخبر بموته قبل استعماله ذلك الدواء فهل ترى انه يترك الدواء و يرجع الى غيره و إذا رجع من يريد بناء دار الى مهندس و خطط له خريطة و قبل شروعه في بناء الدار علم ان المهندس قد مات هل ترى العقلاء يتركون تلك الخريطة و يرجعون‌

44

الى مهندس آخر فتدبر.

الثامن- قول الإمام العسكري (عليه السلام)

حيث سئل عن كتب بنى فضال و هي في الأيدي و البيوت منها ملاء فقال (عليه السلام): «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» فإنه يدل على جواز الأخذ بآرائهم لولا انحرافهم عن طريق الحق و إطلاقه يشمل ما إذا كان بعض بنى فضال ميتا و مفهومه حجية آراء غيرهم من الراويين الموثقين، و يستفاد من إطلاقه و عدم التفصيل بين حالتي الموت و الحياة عموم الحكم في الحالتين، و نحوه ما ورد عن حسين بن روح (قدس سره) بعد ما سئل عن كتب الشلمغاني قال: أقول فيها:

ما قال العسكري (عليه السلام) في كتب بنى فضال «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» و لم يفصل في كتب الشلمغاني بين الحالتين و قد يشكل هذا بأنه من قبيل مفهوم اللقب الذي لا يعتمد عليه ان قلت ان الرواية على فرض تسليم دلالتها على ذلك كانت ظاهرة في الإطلاق الشامل لجواز الأخذ براى الميت ابتداء و استدامة مع انه ادعى الاتفاق على عدم جواز تقليد الميت ابتداء، و هذا موجب لسقوط الظهور رأسا.

قلت: ان الإطلاق إذا كان له فردان و خرج أحدهما عنه بالدليل لا يوجب سقوط الظهور في الفرد الآخر كما لا يخفى.

و اما الاستدلال على البقاء بلزوم العسر و الحرج من إيجاب الرجوع الى الحي بعد موت المقلد فهو مدفوع بعدم لزومه كما لا يخفى.

فقد ظهر لك بعد الإحاطة على ما ذكرناه من الوجوه و التأمل فيها و دفع المناقشات التي أورد عليها ان القول بجواز البقاء على التقليد لا يخلو عن قوة،

و استدل للقول الثاني و هو وجوب البقاء على التقليد مطلقا بوجهين:

الأول- الاستصحاب

و مقتضاه وجوب العمل به، و فيه انه يتم ذلك إذا لم يكن الحجة التخييرية موجودة، و قد تقدم وجودها و فيه ان رأى الأول يتعين في كونه حجة بناء على عدم جواز العدول.

الثاني- التقليد سواء كان مجعولا شرعيا أو إمضائيا موضوعه من لا حجة له

45

على الأحكام الشرعية، و إذا قلد مجتهدا و مات فكان ممن له حجة عليها و يكون إلزامه بالتقليد حينئذ لغوا، و لا أقل من الشك في مشروعيته.

و لا يخفى ان الجواب عنه هو الجواب عن الوجه الأول إذ مقتضى الحجة التخييرية هو جواز الأخذ بفتوى الفقيه الحي بالعدول اليه كما يجوز له الأخذ بفتوى الفقيه الميت ببقائه على تقليده فيكون فتوى كل منهما حجة و يأتي فيه ما ذكرناه في الوجه الأول و قد يقال في الجواب عن الوجهين أن الموضوع في التقليد هو المكلف المتحير و المقلد يصير متحيرا في جواز البقاء فوجب عليه الرجوع الى المجتهد الحي فتأمل و يمكن ان يقال: وجب عليه التقليد بقاء فيما عمل به و اما فيما لم يعمل به فيجوز له التقليد من الميت بناء على جواز تقليد الميت ابتداء كما سيأتي و ان كان الأحوط الأولى تقليد الحي فيما لم يعمل به.

و اما القول الثالث و هو عدم جواز البقاء على تقليد الميت فاستدل له بسبعة وجوه:

الأول دعوى الإجماع عليه مطلقا،

و فيه منع الإجماع من حيث الصغرى و الكبرى اما من حيث الاولى فلان المسئلة محل الخلاف بين الأصحاب، و ما عن الشيخ الأنصاري من استظهاره ذلك من إطلاق المنع عن تقليد الميت الشامل للبقاء في كلماتهم و معاقد إجماعاتهم و ان التفصيل بين البقاء و الابتداء لا اثر له في كلمات القدماء بل حدث من بعض المتأخرين، و قد نص عليه السيد الصدر في محكي كلامه مدفوع بأن إطلاق الإجماع على حرمة تقليد الميت مدعيا شموله للبقاء معارض بإطلاق الإجماع على حرمة العدول الشامل للعدول عن الميت ايضا مضافا الى ان الإجماع دليل لبّى و المتيقن منه هو المنع عن التقليد الابتدائي فلا يشمل البقاء على التقليد، بل تشمله الأدلة العامة على التقليد، نعم إذا كان لمعقد الإجماع على المنع عموم أو إطلاق فيؤخذ بهما.

و اما من حيث الكبرى فإنه يحتمل كونه مدركيا باستناد المجمعين الى الوجوه الاتية لا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (عليه السلام).

46

الوجه الثاني- ان عمدة الدليل على التقليد هي الفطرة و هي لبية كالإجماع لا إطلاق و لا عموم له و المتيقن منه هو تقليد الحي،

و تقليد غيره مشكوك الحجية، و يكفي في عدم الحجية الشك فيها.

و أجيب عنه بأن الفطرة كما يشهد بها الوجدان لا تفرق بين حالتي الموت و الحياة و يكفى دليلا على ذلك متابعة الناس لآراء العلماء في جميع العلوم و الفنون ما لم يتبين خطائهم فتأمل.

الوجه الثالث- ما حكى عن الأسترآبادي من ان الرجوع الى الحي هو اولى و أحوط،

و فيه منع الأولوية و الاحوطية مع إطلاق الإجماع الذي ادعاه بعض على عدم جواز العدول الشامل لما بعد الموت مضافا الى انه إذا وصلت النوبة إلى الاحتمال فكما يحتمل حرمة البقاء يحتمل وجوبه فيكون احتياط العدول معارضا بالاحتياط في البقاء.

الرابع- ان مخالفة بعض فتاوى الحي لفتاوى الميت مما لا شك فيه فكيف يجوّز البقاء على تقليد الميت،

و ليس هذا الّا إغراء بالجهل عالما عامدا و تجويزا للعمل بمخالفة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

و فيه أولا ان الفقيه يفتي بجريان قاعدة الفراغ و التجاوز و اليد و الاستصحاب و البراءة مع انه يعلم عدم انطباق هذه و الأصول على الواقع في غير مورد، و ثانيا ان تكليف الأشخاص تختلف باختلاف ما يعرضهم من اليقين و الظن و الشك و نحوها من الحالات و العوارض و الفقيه يفتي بجواز بقاء العامي على تقليد الميت مستندا الى وجود الدليل عليه و لا يكون الفتوى لنفسه حتى يكون مخالفة فتواه لفتوى الميت إغراء بالجهل و تجويزا لمخالفة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و لذا لو استصحب شخص نجاسة شي‌ء و سئله آخر عن حكم ذلك الشي‌ء مع وجوده أو كان استصحاب طهارة ذلك عند الثاني جاز للأول الحكم بطهارته له الى غير ذلك من النظائر- فتأمل.

الوجه الخامس- ما تقدم من ان المجتهد ينكشف له بعد الموت خطائه

47

في بعض فتاويه و يرجع عنه و مع هذا العلم الإجمالي برجوعه عن بعض آرائه كيف يجوز للمجتهد الحي تجويز البقاء على تقليد الميت في جميع آرائه.

و فيه أولا منع انكشاف الخطاء بالموت كما مر، و ثانيا ان العلم الإجمالي بمخالفة بعض آرائه للواقع و خطائه فيه غير مناف لجعل حجية آرائه كما في جعل حجية الطرق و الأمارات التي علم إجمالا مخالفة بعضها للواقع و سيأتي الكلام فيها في مسئلة تعيين المقلد إذا اختلف المجتهدان في الرأي من ان التعارض في الفتويين هل يوجب تساقطهما عن الحجية أم لا، و ثالثا انا لا نعلم إجمالا خطاء هذا المجتهد الميت بل نعلم إجمالا خطاء بعض المجتهدين في بعض ارائهم، و هذا غير قادح لخروج كثير من الأطراف عن محل الابتلاء أو كونها غير محصورة فتأمل، و رابعا ان هذا العلم الإجمالي موجود أيضا في الأحياء من المجتهدين فكيف يجوز تقليدهم.

و الجواب عنه هناك هو الجواب عنه هنا.

السادس- انه يلزم من جواز البقاء على تقليد الميت انحصار المرجع في الواحد

و هو خلاف الضرورة من المذهب. و فيه ان لزوم ذلك يتوقف على أمور من جواز تقليد الميت ابتداء و وجود الفتوى للميت في جميع المسائل المبتلى بها الناس في جميع الأمصار و الأعصار و كونه اعلم من جميع الأحياء على القول بوجوب تقليد الأعلم حيا كان أو ميتا، و تحقق هذه الأمور في واحد من العلماء كما ترى و لو فرض تحققها فيه لا نسلم مخالفة ذلك لضرورة المذهب إذ لا دليل عليها.

السابع- ما روى صحيحا في علل الشرائع

عن يعقوب بن السراج قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «هل تبقى الأرض بلا عالم حي ظاهر يفزع اليه الناس في حلالهم و حرامهم فقال (عليه السلام) له إذا لا يعبد اللّه يا أبا يوسف» و في البقاء على تقليد الميت لا يكون الفزع الى العالم الحي.

و أجيب عنه بأنه لا يبعد دعوى ظهور الرواية في ان المراد بالعالم الحي هو الامام (عليه السلام) بقرينة رواية البصائر هذه الرواية عن يعقوب بن السراج بزيادة كلمة «منكم» بعد‌

48

بعد لفظة «حي» و يشهد لوحدتهما وحدة الراوي و المروي عنه و السند.

لا يقال: ان الأصل مع نسخة العلل بعد الاطمئنان بوحدتها لأن الأصل عدم تكلم الراوي بكلمة «منكم» زيادة عما تكلم به، لانه يقال: انه معارض بأصالة عدم الزيادة، مع انه إذا دار الأمر بين زيادة كلمة أو نقيصتها فالظاهر عدم زيادتها، فالظاهر مع رواية البصائر، و يمكن ان يقال: بعد عدم تسليم ظهور رواية العلل في إرادة الإمام (عليه السلام) منه بقرينة قول السائل: «بلا عالم حي ظاهر» ان تلك الرواية و رواية البصائر لا تدلان على المنع عن البقاء على تقليد الميت بل تدلان على لزوم وجود عالم حي يفزع اليه الناس في حلالهم و حرامهم، و نحن نلتزم به مع تجويز البقاء على تقليد الميت، لان وجود مرجع ديني يفزع اليه الناس في المسائل المستحدثة و توليه لما يرجع الى مصالح المسلمين و شئونهم و لما يرتبط بالأصناف المخصوصين كالغيّب و القصّر و المجانين.

و بالجملة انا لا ننكر لزوم وجود ذلك المرجع الذي يرجع اليه الناس في حوائجهم مما لا يصلون اليه بمجرد الفتوى، و هو غير مناف لجواز البقاء على تقليد الميت، فاتضح ما في القول بحرمته.

و اما القول الرابع و هو التفصيل بين كون الميت اعلم من الحي فيجب البقاء و بين كون الحي أعلم منه، فيحب العدول

و الّا كان مخيرا، و استدل له بوجهين:

الأول- حكم العقل بالرجوع إلى الأعلم إذا دار الأمر بينه و بين التخيير، و فيه ما عرفت من عدم الدوران بينه و بين التخيير بعد وجود إطلاقات أدلة التقليد مضافا الى ان الاستصحاب مقدم عليه لما بينهما من السببية و المسببية فهو رافع لموضوع أصالة التعيين و هو الشك بخلاف الأصل، فإنه غير رافع لموضوع الاستصحاب فلا يكونان متكافئين حتى يتساقطا.

الثاني- بناء العقلاء على الرجوع الى الأعلم فيجب الرجوع الى الحي ان كان اعلم من الميت، و يجب البقاء على تقليده ان كان اعلم من الحي. و فيه ما تقدم من منع‌

49

استقرار بناء العقلاء على الرجوع الى الأعلم فراجع.

و استدل للقول الخامس،

و هو التفصيل بين ما عمل به من المسائل في زمان حياة المقلد فيجوز البقاء على تقليده فيها، و بين ما لم يعمل به في حال حياته فلا يجوز، بان التقليد جعل القلادة في عنقه من العمل برأي المقلد، بعبارة أخرى تطبيق العمل على رأيه فمع عدم العمل يكون التقليد ابتدائيا الا ان يقال: ان التقليد و ان كان بالمعنى المذكور الّا انه لا ينافي جواز البقاء فيما لم يعمل به من المسائل مع العمل في غيرها، إذ يصدق حينئذ انه مقلد لذلك الفقيه، فإذا رجع الى فتاويه بعد موته فيما لم يعمل به صدق انه باق على تقليده.

و فيه منع صدق البقاء فيما لم يعمل به فهو أشبه بالتقليد الابتدائي من البقاء على التقليد بل هو عينه، و منه انقدح ما في القول السادس من التفصيل بين ما ابتلى به من المسائل فيجوز البقاء فيها و بين ما لم يبتل به فلا يجوز.

و اما ما استدل به على ذلك من تنجز التكليف بالابتلاء و وجوب العمل على رأيه و مع الشك في بقائه يستصحب فهو مدفوع بان جريان الاستصحاب فيما لم يعمل به بلا يقين سابق مع ان لازمه جواز التقليد الابتدائي، ممن ابتلى في حال حياته بالمسائل و لم يقلد فيها أحدا فتأمل.

و اما القول السابع و هو التفصيل بين صورة العلم بمخالفة فتوى الميت لفتوى الحيّ، و بين صورة عدم العلم بها

فلا يجوز البقاء في الأولى بخلاف الثانية، فقد استدل له بان التعارض بين الفتويين في الصورة الأولى مانع عن شمول أدلة حجية الفتوى لها لتحقق التكاذب بينهما الموجب لتساقطهما.

و فيه منع التساقط كما سيأتي، فقد ظهر مما ذكرناه ان القول بجواز البقاء فيما عمل به لا يخلو عن قوة.

50

مسئلة: في البحث عن التقليد الابتدائي عن الميت

و فيه خمسة أقوال: الأول- عدم جوازه مطلقا. الثاني- جوازه مطلقا.

الثالث- التفصيل بين وجود الحي الذي يمكن تحصيل فتواه فلا يجوز و بين عدمه فيجوز الرابع- التفصيل بين مواقفة فتوى الميت لفتوى الحي فيجوز و بين مخالفتها فلا يجوز.

الخامس- التفصيل بين ان يفتي بنصوص الآيات و الروايات فيجوز و بين غيره فلا يجوز،

استدل للقول الأول بتسعة عشر وجها،

و قيل ربما أنهاها بعض الى نيف و عشرين، و نحن نتعرض تلك الوجوه، و لما قيل أو يقال فيها من الأجوبة و دفعها و بيان المختار من الأقوال.

الأول- الإجماع

المحكي عن جمع من الفقهاء الاعلام (رضوان اللّه عليهم أجمعين) المؤيد بالشهرة المحققة و دعوى السيرة من المتدينين على عدم الأخذ بفتوى الميت ابتداء، و قد نوقش فيه من حيث الصغرى و الكبرى، اما من حيث الاولى فلمخالفة عدة من الفقهاء كالمحكي عن المحقق القمي و عن الشهيد في الذكرى نسبته الى بعض العلماء الظاهر منه علماء الشيعة، و ان حكى عن الشيخ الأنصاري حمله على علماء العامة، و عن الجعفرية و شرح الإرشاد للأردبيلي ان اشتراط الحياة قول الأكثر، فإنه ظاهر في مخالفة جمع في اشتراط الحياة و عن شرح الجعفرية للفاضل الجواد ان جواز تقليد الميت قول بعض العلماء، و يؤيده ما عن صاحب المعالم من ان المتأخرين عن الشيخ الطوسي كانوا يقلدونه الى زمان ابن إدريس حتى فتح باب الاشكال عليه، و ذهب الأخباريون إلى جواز العمل بفتوى الميت، و اما من حيث الكبرى فلا يبعد دعوى القطع باستناد المجمعين الى الوجوه الاتية، و ان أبيت عن القطع بذلك فلا أقل من احتماله فلا يكون كاشفا عن قول المعصوم (عليه السلام) لكن مع ذلك كله مخالفة الإجماعات المحكية عن عدة من العلماء اؤيده بالشهرة المحققة، و دعوى السيرة من المتدينين على عدم تقليد الميت في غاية الإشكال.

51

الوجه الثاني- أصالة عدم الحجية،

إذ حجية رأى أحد على آخر خلاف الأصل خرج عنه تقليد المجتهد الحي و بقي تحت الأصل تقليد المجتهد الميت ابتداء و قرر الشيخ الأنصاري (قدس سره) الأصل على نحو آخر و هو ان الأصل حرمة التقليد المستفادة من الكتاب خرج عنها فتوى الحي إجماعا، و بقيت الموارد المشكوكة تحت الأصل المذكور و عن ثالث تقريره بأن الأصل حرمة العمل بالظن بالأدلة الأربعة و التقليد من الظن.

و أورد على الأصل بوجوهه الثلاثة ان الأدلة المثبتة حجية فتوى الحي من الكتاب و السنة و العقل و السيرة العقلائية تثبت أيضا حجية فتوى الميت، فاللازم النظر في تلك الأدلة حتى يظهر حقيقة الحال و سيأتي البحث عنها عن قريب، و أورد الشيخ على ما قرره من الأصل إشكالا.

ثم أجاب عنه اما الأول فلان اختصاص الإجماع المذكور بالحي غير صحيح لان السلف يعملون بفتاوى على بن بابويه إذا اعوزتهم النصوص مع انه من مصاديق التقليد الابتدائي عن الميت، و اما الثاني فإن فتاويه ليس مثل الفتوى عندنا انما هي مضامين الروايات كفتاوى أصحاب الأئمة (عليهم السلام) و كثيرا نقل الرواية بالمعنى الأوضح و الأنسب و ذلك دأب الأخباريين في الفتاوى التي يعملون بها و يقطع بذلك من تتبع حال السلف و كيفية الاستنباط و الإفتاء، و يشهد ايضا بذلك ما قاله العمرى بعد ما سئل عن كتب الشلمغاني: أقول فيها ما قاله العسكري (عليه السلام) في كتب بنى فضال «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» فإنه افتى بنص الرواية.

أقول: ان ما افاده من الجواب انما يصح على نحو الإيجاب الجزئي إذ ليس جميع فتاوى على بن بابويه مضامين الروايات، بل هو ايضا مجتهد في الروايات قد يأخذ رواية، و قد يطرح و يجمع بين الروايتين بحمل المطلق على المقيد، و العام على الخاص، و تخصيص رواية بمنطوق رواية أخرى، و يعمل بالتراجيح عند التعارض و يوجد مثل ما ذكره في كتب المجتهدين كالمحقق و العلامة و الشهيدين و غيرهم (رضوان اللّه عليهم)، فإنهم يعبّرون في فتاويهم بنص الرواية كما يظهر لمن تتبع‌

52

كتبهم الاستدلالية، و اما الأخباريون فإنهم مجتهدون ايضا و عوامهم يقلدونهم الّا انهم يفرون من لفظ الاجتهاد و التقليد و استشهاده بما أجاب العمرى من جواب العسكري (عليه السلام) عن كتب بنى فضال لا يدل على ان جميع فتاوى العمرى كانت كذلك مع ان جوابه ايضا اجتهاد منه لأنه اسرى الحكم من بنى فضال إلى الشلمغاني لقطعه بالمناط، و ليس من قبيل نقل مضمون الرواية.

الثالث- ان تقليد الحي هو مقتضى أصالة التعيين عند دوران الأمر بين تقليده و التخيير بينه و بين تقليد الميت،

و فيه مضافا الى ان ذلك يتوقف على عدم تمامية دليل الجواز و فيه انه لا يتعين بالأصل تقليد الحي على نحو الإطلاق، إذ قد يكون في الميت من المزايا التي لا يكون الدوران معها بين تعيينه و التخيير بينهما كما إذا كان الميت اعلم من الحي أو أورع منه أو وافق الاحتياط الى غيرها من المزايا الموجبة للدوران بين الأمور الثلاثة من تعيين الحي و تعيين الميت و التخيير بينهما و حينئذ يحكم بالتخيير بناء على تقدم أصل البراءة على الاحتياط.

لا يقال: ان الإجماع على عدم وجوب تقليد الميت ابتداء مانع عن احتمال تعينه لانه يقال: ان ذلك ممنوع على إطلاقه خصوصا فيما إذا كانت فتوى الميت موافقة للاحتياط أو مضمون الرواية، و قد يشكل في جريان الأصل هنا بان مرجع الشك في تعيين الحي إلى الشك في مرجحية الحياة على فتوى الميت و مقتضى الأصل عدمها مع الشك فيها فهو كالشك في أصل الحجية في ان الأصل عدمها.

و فيه ان أصالة عدم المرجحية محكومة بأصالة العموم في أدلة النهي عن العمل بغير العلم إذ الشك في المرجحية مسبب عن الشك في ان فتوى الميت خارجة عن عموم النهى عن العمل بغير العلم أم لا، و مقتضى أصالة العموم عدم الخروج فلا شك في المرجحية فتدبر.

الرابع- ما عن كاشف الغطاء (قدس سره) من ان العامي لا يجوز له الأخذ بفتوى المجتهد مع عدوله عنها قطعا و احتمال العدول قائم في الميت،

فلا يجوز تقليده.