القواعد الفقهية والاجتهاد والتقليد - ج3

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
487 /
423

الجزء الثالث

الاجتهاد و التقليد

424

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

425

«تعريف اصطلاحي من الاجتهاد»

قوله: ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم .. إلخ.

بل المناسب لمفهومه هو استنباط الحكم من دليله، و هو لا يكون إلاّ عن ملكة. فالمجتهد هو المستنبط عن ملكة. و هو موضوع الأحكام باعتبار انطباق عنوان الفقيه و العارف بالاحكام عليه، لا أنه من الملكات و استفادة الحكم من آثارها- كما في ملكة العدالة و الشجاعة و السخاوة- كما أنه تختلف هذه القوة مع سائر الملكات بحصول تلك الملكات- أحياناً- من الأفعال المسانخة لآثارها الّتي تكون تلك الملكات مصادرها بخلاف القوة على الاستنباط فانها تحصل دائماً بسبب معرفة العلوم الّتي يتوقف عليها الاستنباط، لا نفس الاستنباط فانه يستحيل بلا قوة عليه.

و لا يخفى أنه ليست ملكة الاستنباط إلاّ تلك القوة الحاصلة من معرفة ما ذكره، لا قوة أخرى تسمى بالقوة القدسية و أنها نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء، فان الاجتهاد- بمعنى «استفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم» ممكن الحصول للعادل، و الفاسق و المؤمن و المنافق، لتسببه عن إعمال القوة النظرية الحاصلة من إتقان العلوم النظرية الدخيلة في تحصيل الحجة على الحكم، من دون حاجة إلى قوة قدسية إلهية أو قذف نور منه تعالى في قلب المستنبط، و إن كان كل قوة و كمال علمي أو علمي منه تعالى.

و تفاوت أرباب العلوم النظرية في جودة الاستنباط و سرعته من ناحية جودة الفهم و إتقان المقدمات.

نعم تزيد هذه القوة بإعمالها في الاستنباط كما في سائر الملكات فتدبر.

426

«تقسيم الاجتهاد إلى مطلق و متجزّي»

قوله: فالاجتهاد المطلق هو ما يقتدر به .. إلخ.

قد عرفت آنفاً أنّ الاجتهاد عمل يحصل من القوة المزبورة، لا نفسها، إلاّ أن المطلق منه- اصطلاحاً- في قبال التجزي ليس إلاّ بالمعنى المذكور، لوضوح أن المقتدر على استنباط الكل و لو لم يستنبط إلاّ لبعض مجتهد مطلق لا متجز.

و ليعلم أنّ المجتهد- بعنوانه- لم يقع موضوعاً للحكم في آية و لا في رواية، بل الموضوع في الروايات هو الفقيه (1) و الراوي (2)، و من يعرف أحكامهم (3) (عليهم السلام) أو شيئاً منها (4).

و أجمع رواية في هذا الباب مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال (عليه السلام):

ينظر إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً الخبر (5).

فانه ربما أمكن أن يقال إنه مخصوص بالمجتهد اصطلاحاً، نظراً إلى قوله (عليه السلام): (و نظر في حلالنا و حرامنا) فان النّظر في الشي‌ء هو النّظر العلمي في قبال:

النّظر إلى الشي‌ء، فانه بمعنى الرؤية و الإبصار، و لذا ورد في حكاية الخليل (عليه السلام): أنّ المراد من قوله تعالى: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ) (6).

و عليه فالمراد من المقبولة- و اللّه تعالى اعلم: ان القاضي يجب أن يكون ممن‌

____________

(1)- الوسائل ج 18 ص 94 حديث 20.

(2)- الوسائل ج 18 ص 101 حديث 9.

(3)- المقبولة الآتية.

(4)- الوسائل ج 18 ص 4 حديث 5.

(5)- الوسائل ج 18 ص 98 باب 11 من أبواب صفات القاضي: حديث 1.

(6)- الصافات: 88.

427

يستند في قضائه إلينا، بروايته عنا و حيث ان الرواية تجامع عدم الدراية- و لذا ورد عنهم (عليهم السلام) رب حامل فقه و ليس بفقيه أو إلى من هو أفقه منه (1)- فلذا قال (عليه السلام): (و نظر في حلالنا و حرامنا) و حيث أنّ النّظر فيهما يجامع عدم التمكن من تطبيق الكليات على مواردها فلذا قال (عليه السلام): (و عرف أحكامنا) و لم يقل: و علم أحكامنا: إذ العلم لا يتعلق إلاّ بالكلي، و المعرفة تتعلق بالشخصي. و لو قلنا إن المعرفة أعمّ فالوجه بالترتّب المزبور أنّ النّظر في مضمون الرواية ربما يجامع عدم الوقوف التام على المرام كما يقال نظرت في كتاب كذا و تأملته و لم أتحصل معناه.

ثم اعلم أنّ المعتبر في موضوع تلك الأحكام مجرد صدق الفقيه و العارف بالاحكام، و من الواضح أنّ العارف بها بمجرد السماع من المعصوم (عليه السلام) شفاهاً من دون إعمال قوة نظرية في تحصيل معرفتها- كجلّ الرّواة دون أجلائهم- مما لا ريب في ترتّب الأحكام المزبورة عليه و إن لم يصدق عليه عنوان المجتهد.

نعم في زمان الغيبة لا يمكن تحصيل المعرفة بأحكامهم (عليهم السلام) إلاّ بواسطة إعمال القوة النظرية، فيلازم الفقاهة و المعرفة للاجتهاد بمعنى الاستنباط عن ملكة.

إنما الإشكال في صدق الفقاهة و المعرفة على علم المقلد و معرفته بعد أخذ الفتوى من المفتي، نظراً إلى حجية رأي المفتي على المستفتي كحجية الرواية على المفتي.

فكما أنّ مقتضى حجية الخبر جعل الحكم المماثل على طبق ما أخبر به الراوي، كذلك مقتضى حجية الرّأي على المقلد جعل الحكم المماثل على طبق ما يفتي به.

و كما أنّ المجتهد يعلم الحكم الفعلي لحجية مدركه عليه كذلك المقلد يعلم‌

____________

(1)- الوسائل ج 18 ص 63 باب 8 من أبواب صفات القاضي: حديث 43 و 44.

428

الحكم الفعلي لحجية الفتوى عليه.

و دعوى سلب العلم و المعرفة في مرحلة التقليد- فيقال انه ليس بعالم بل أخذه تقليداً من فلان- صادقة فيما لا دليل على حجية رأيه و قوله، كالتقليد المذموم في الآيات و الروايات.

إلاّ أن يقال إنّ المقلد ليس بعالم بقول مطلق عند العرف بل عالم بحكمه في رأي مجتهده، و لذا لا يكون رجوع الجاهل إلى مثله في سائر المقامات من باب الرجوع إلى العالم و أهل الخبرة بل من باب الرجوع إلى الناقل لما علمه من أهله إذا كان ثقة في نقله فتدبر جيداً.

قوله: و أدلة جواز التقليد انما دلت على جواز .. إلخ.

يمكن أن يقال يصدق العلم و المعرفة على مجرد قيام الحجة شرعاً أو عرفاً، أو عقلاً على أحكامهم (عليهم السلام)، كما يشهد له إطلاق المعرفة على مجرد الاستفادة من الظواهر في قوله (عليه السلام) (يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه) (1) و قوله (عليه السلام) (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا) (2) إذ ليس هناك بحسب المتعارف إلاّ الاستفادة من ظاهر الكتاب و ظاهر كلامهم (عليهم السلام)، مع وضوح أنّ حجية الظاهر ببناء العرف ليس بمعنى جعل الحكم المماثل حتى يتحقق هناك العلم الحقيقي بالحكم الفعلي، بل بمعنى صحة المؤاخذة على مخالفته و تنجز الواقع به.

و هكذا الأمر إذا قلنا بان الخبر حجة ببناء العقلاء فانه ليس منهم إلاّ صحة الاحتجاج به لا جعل الحكم المماثل منهم.

و منه يتبين أنّ المعرفة في قوله (عليه السلام) (و عرف أحكامنا) بعد قوله (عليه السلام) (روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا) باعتبار منجزية الخبر بسنده و دلالته للواقع، فهو عارف بالاحكام لقيام الحجة سنداً و دلالة عنده على‌

____________

(1)- الوسائل ج 1 ص 327: باب 39 من أبواب الوضوء: حديث 5.

(2)- الوسائل ج 18 ص 84: باب 9 من صفات القاضي: حديث 27.

429

الأحكام.

بل الظاهر من قوله تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ)* (1) هو الأمر بالسؤال لكي يعلموا بالجواب،، لا بأمر اخر ما وراء الجواب. و ليس صدق العلم على الجواب إلاّ باعتبار حجيته سنداً و دلالة.

فالمعلوم بالجواب هو ما سئل عنه، لا الحكم المماثل له، و لذا قلنا بأن الآية دليل حجية الفتوى و الرواية.

و عليه فالمراد بالعلم بالحكم و معرفته قيام الحجة القاطعة للعذر عليه- سواء كانت حجة من قبلهم (عليهم السلام) أو من العرف أو من العقلاء.

و منه تعرف انه لا حاجة إلى تكلّف إرادة العلم بموارد قيام الحجة على أحكامهم من العلم بها، فان الظاهر من المقبولة و شبهها معرفة أحكامهم (عليهم السلام)، لا معرفة موارد قيام الحجة عليها.

«جواز تقليد الانسدادي و عدمه»

قوله: و قضية مقدمات الانسداد ليست .. إلخ.

تحقيق المقام و تنقيح المرام أنّ الأحكام تختلف، فبعضها يختص بالمجتهد كجواز الإفتاء و نفوذ القضاء، و بعضها الآخر و ان كان يعم المجتهد و المقلد لكنه أخذ في موضوعه ما يوجب عدم فعليّة الحكم إلاّ بالنسبة إلى المجتهد، كوجوب تصديق العادل، و وجوب الأخذ بالراجح من الخبرين، و التخيير بين المتساويين منهما، و حرمة نقض اليقين بالشك.

فان المجتهد هو الّذي جاءه النبأ، و هو الّذي جاءه الحديثان المتعارضان و هو الّذي أيقن بالحكم الكلي و شك في بقائه، دون المقلد الغافل عن كل ذلك.

فحينئذٍ إن كان للحكم المزبور مساس عملاً بالمجتهد صار الحكم بفعلية عنوان‌

____________

(1)- الأنبياء: 7 و النحل 43.

430

موضوعه فعلياً في حقّ المجتهد، و إن لم يكن له مساس عملاً به بل بمقلده فلا معنى لفعلية الحكم بالإضافة إلى المجتهد إذ ليس له تصديق عملي و لا نقض عملي.

بل المجتهد بأدلة جواز الإفتاء و التقليد نائب عن المقلد الّذي للحكم مساس به عملاً، فالنبأ الّذي له مساس بالمقلد يكون وروده على المجتهد بمنزلة وروده على المقلد و هكذا، و يكون فتوى من جاءه النبأ متمماً لفعليّة الحكم في حقّ المقلد، فالمجتهد و إن كان من حيث أنه جاءه النبأ محكوماً بالتصديق إلاّ أنه محكوم به عنواناً و المقلد محكوم به لبّا، و هكذا يكون المجتهد مكلّفاً بإبقاء اليقين عنواناً و المقلّد مكلّفاً به لبّا. هذا بناء على جعل الحكم المماثل.

و أمّا بناءً على تنجيز الواقع فنقول: إنّ قيام المنجز عند المجتهد بأدلة جواز التقليد بمنزلة قيامه عند المقلد، فالفتوى متمّم لمنجزية الخبر مثلاً للواقع على المقلد.

و منه يعرف حال الحجة العقلية و الأصول العقليّة الّتي ليس شأنها إلاّ المنجزيّة أو المعذريّة، فانّ المقلد العامي حيث أنّ لا خبرة له بحقائقها و مجاريها و موارد تطبيقها على مصاديقها، و إمكان تصرف الشارع في مواردها نفياً و إثباتاً فلذا أنيط كل ذلك بنظر المجتهد بأدلة جواز التقليد في كل حكم كلي واقعي أو ظاهري.

و اما فرض استقلال عقل العامي بخلاف ما استقل به عقل المجتهد فهو كفرض قطع العامي بالحكم على خلاف قطع المجتهد به، فانه و ان كان المتّبع عقله و قطعه، إلاّ أنّه أجنبي عما نحن فيه من لزوم التقليد في ما لا طريق للمقلد إليه.

نعم يمكن الخدشة في قصور دليل التقليد- كالمقبولة (1)- عن شموله لمعرفة الحكم بالمعنى الأعم من قيام الحجة الشرعيّة و العقليّة، نظراً إلى أنّها غير منبعثة عن رواياتهم.

____________

(1)- الوسائل ج 18 ص 91 باب 11 من صفات القاضي: الحديث 1.

431

مع اقتضاء الترتيب المذكور في المقبولة كون معرفة الأحكام عقيب النّظر في الحلال و الحرام منبعثة عن الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام).

و لا منافاة بين كون الظن بالحكم- سواء كان متعلقاً بالواقع أو بمؤدى الطريق- حجة عقلاً على الظان أو حجة شرعاً بنحو الاستكشاف من مقدمات الانسداد، و كون مثله غير مشمول للمقبولة لعدم كون هذه المعرفة بالمعنى الأعم ناشئة من الرواية، و المعرفة الّتي أنيطت بها حجية الفتوى معرفة خاصة.

و هذا غير كون الرجوع إلى مثله من باب رجوع الجاهل إلى الجاهل لا إلى العالم، فانه يندفع بالتوسعة في المعرفة.

إلاّ أنّ التقليد منوط بمعرفة خاصة لا بمطلق المعرفة لكنه بعد لزوم التعدي إلى المعرفة الحاصلة من ظواهر الكتاب و من الإجماع المحصل يعلم أنّ الفرض كونه عارفاً بأحكامهم (عليهم السلام) و أنّ ذكر رواية الحديث لكونها الغالب من طرق معرفة الأحكام، و أنه في قبال الاستناد إلى القياس و الاستحسان المعمول عند العامة. و اللّه اعلم.

قوله: و لو سلّم أنّ قضيّتها كون الظن المطلق .. إلخ.

نظراً إلى انه ظن خاص بالإضافة إلى الظان لا إلى غيره.

و يندفع و الشك في الحكم الكلي أيضاً كذلك، فكما أن يقين المجتهد و شكه بمنزلة يقين المقلد و شكه بأدلة جواز التقليد كذلك ظنه بالحكم الكلي المفروض كونه حجة شرعاً بمنزلة ظن المقلد به بأدلة التقليد، و إن كان قصور المقدمات عن شمولها لحجية الظن على غير الظان، فهو مسلّم إلاّ أنّ المعمم له و المتمم لحجيته بالنسبة إلى المقلد أدلة التقليد كما ان الاستصحاب المتقوم باليقين و الشك كذلك.

و التحقيق أنّ مورد التقليد عنده- (قدّس سرّه)- ما إذا علم بالحكم ليكون التقليد من باب رجوع الجاهل إلى العالم، و حيث أنه في الظن الانسدادي بناء على الحكومة لا علم بالحكم- حيث لا حكم مماثل لما ظن به من الحكم- فلا‌

432

معنى للتقليد.

و أما بناء على الكشف و استكشاف حجية الظن شرعاً فمقتضاه جعل الحكم المماثل على طبق المظنون، فيتحقق مورد التقليد، و يكون الرجوع حينئذٍ من باب رجوع الجاهل إلى العالم لا إلى الجاهل، كما في الحكومة، و لا موجب لعدم شمول أدلة التقليد إلاّ قيام الظن بالمجتهد و قصور دليل جواز التقليد عن شمول الظن الّذي يختص بالظان.

و لا يقاس بالخبر، فانه حجة على الكل، و المجتهد يكون له خصوصية الظفر بالحجة عليه و على مقلده، فلا قصور من هذه الحيثية لأدلة التقليد و شموله لمثله.

بخلاف الظن القائم بالظان، فانه حجة على من تحقق له الظن و هو المجتهد فقط.

و الجواب- بعد النقض بالاستصحاب المتقوم باليقين، و الشك القائمين بالمجتهد مع أنه لم يستشكل فيه- هو أنّ المقدمات تقتضي حجية الظن المتعلق بالحكم- فإذا تعلق الظن بحكم الغير و كان على طبقه حكم مماثل مجعول فلا مانع من شمول أدلة التقليد له. و مع تمامية المقدمات بالإضافة إلى مثل هذا الظن لا موجب لعدم حجيته، و الاقتصار على الظن المتعلق بحكم نفسه بملاحظة قيام الظن به، فان قيامه به لا يقتضي عدم كونه حجة على حكم اللّه تعالى في حقّ الغير، و لعله أشار (قدّس سرّه) إلى بعض ما ذكرنا بالأمر بالتأمل فتدبر.

قوله: نعم إلاّ أنه عالم بموارد قيام الحجة .. إلخ.

قد مر أنّ الظاهر من المقبولة أن يكون المرجع عارفاً بأحكامهم (عليهم السلام)، لا عارفاً بموارد قيام الحجة على أحكامهم (عليهم السلام)، فتفسير المعرفة بالحجة القاطعة للعذر أولى من التصرف المزبور، و ما هو المسلّم عند العقلاء ليس إلاّ رجوع من ليس له الحجة إلى من له الحجة، لا خصوص الجاهل إلى العالم.

قوله: رجوعه إليه فيها أنما هو لأجل .. إلخ.

إلاّ أنه يجدي بعد فرض الشك مثلاً من المقلد، غاية الأمر [أن] عجزه الفحص‌

433

عما يوجب زوال شكه يقتضي الرجوع إلى القادر.

و اما مع عدم الالتفات منه فلا موضوع للأصل الجاري في حقه حتى يكون له الرجوع إلى من كان قادراً على ما يوجب استقرار شكه، بل الحقّ فيه ما مرّ (1)، فراجع.

قوله: إلاّ ان يدعي عدم القول بالفصل .. إلخ.

و انما لم يدع ذلك في التقليد، لأن ملاكه الرجوع إلى العالم، فلا معنى لإلحاق غيره به، بخلاف نفوذ الحكم فانه ليس بذلك الملاك، بل بملاك تعبدي يقبل التوسعة و التضييق، إذ ليس في البين إلاّ ظهور (عرف أحكامنا) في المعرفة الحقيقية، و بعدم القول بالفصل يعلم أنّ الملاك أوسع، و أنه مجرد الحجة على الحكم.

إلاّ أنك قد عرفت عدم الحاجة في التوسعة إلى عدم القول بالفصل.

قوله: إلاّ أن يقال بكفاية انفتاح باب العلم .. إلخ.

هذا أيضاً لما ذكرنا من ان ملاك جواز التقليد إذا كان رجوع الجاهل إلى العالم فعلمه بغير مورد التقليد لا يعقل أن يكون محققاً لرجوع الجاهل إلى العالم في مورد الرجوع إليه.

بخلاف علمه بجملة من الأحكام فانه يمكن أن يكون مناطاً لنفوذ قضائه و إن لم يكن له علم حقيقة ببقية الأحكام.

نعم إذا كان مورد النزاع شبهه حكمية فلعلمه و معرفته دخل في نفوذ قضائه في موردها، و ظاهر المقبولة (2) الّتي امر فيها بالرجوع إلى مستند الحكمين ذلك أيضاً.

فالمراد من قوله (عليه السلام) إذا حكم بحكمنا بضميمة صدرها- أنه إذا حكم بما عرفه من أحكامنا، فلا يشمل ما إذا لم يكن له طريق إلى حكمهم عليهم‌

____________

(1)- من أنه من باب النيابة، لا رجوع الجاهل إلى العالم. ص 429.

(2)- الوسائل ج 18 ص 99 الحديث 1.

434

السلام، فلا بدّ من الجواب بصدق المعرفة كلية على قيام الحجة على أحكامهم (عليهم السلام).

مع إمكان دعوى أنّ المراد: إذا قضى بقضائنا، أي بالموازين الثابتة عندنا لفصل الخصومة في مقام الحكومة، فلا نظر له إلى أنّ المتعلق للقضاء ما عرفه من أحكامهم (عليهم السلام).

و أما ما في المتن بتوجيهه إلى أنّ حكم مثله حكمهم (عليهم السلام) حيث أن منصوب منهم، فهو يناسب إرادة القضاء من مدخول الباء، لا المقضي به، و هو خلاف الظاهر.

و بالجملة فرق بين أن يقال قضائه قضاؤهم (عليهم السلام)، حيث أنه من قبلهم (عليهم السلام)، و أن يقال ما قضى به منهم، فانه لا يكون إلاّ بما عرفه من أحكامهم (عليهم السلام) الّتي وقع عليها القضاء، فتدبّر.

«في إمكان التجزّي»

قوله: بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة .. إلخ.

لا يخفى عليك أنّ محذور الطفرة لا يدور مدار كون الملكة المطلقة متفاوتة مع غيرها بالشدة الضعف، و حصول المرتبة الشديدة مسبوق بحصول المرتبة الضعيفة، و الا لزم الطفرة، بل لو كانت متفاوتة بالزيادة و النقص- كما هو الحق- للزم المحذور المزبور، لحصول الزيادة بالتدريج عادة فيلزم الطفرة مع عدم سبق الزائد بالناقص.

و أما أنّهما متفاوتتان بالزيادة و النقص فلأنّ معرفة كلّ علم من العلوم النظرية توجب قدرة على استنباط طائفة من الأحكام المناسبة لتلك المبادئ- كالاحكام المتوقفة على المبادئ العقلية أو المتوقفة على المبادئ اللفظية- فالقدرة الحاصلة على استنباط طائفة غير القدرة الحاصلة على استنباط طائفة‌

435

أخرى، لا أنّ معرفة بعض المبادئ توجب اشتداد القدرة الحاصلة بسبب مباد آخر، و الأقوائية كما تكون بالشدة و الضعف، كذلك بالزيادة و النقص، فان التشكيك غير الاشتداد، و ما يختص بالشدة و الضعف هو الاشتداد الّذي هو الحركة من حد إلى حدّ.

و عليه فليس التجزي منافياً لبساطة الملكة، بتوهم أنّ البسيط لا يتجزأ و لا يتبعض، فان كل قدرة بسيطة و زيادتها توجب تعدد البسط، لا تبعض البسيط.

و يمكن أن يقال أنّ النّفس بالإضافة إلى معقولاتها كالمادة بالنسبة إلى الصورة.

فالنفس- بحسب الفطرة الإلهية- عقل هيولاني، و صيرورتها عقلاً بالفعل بمعدات لذلك، فعدم التعقل بالفعل لا لعدم قابلية النّفس، بل لعدم السبب أو المعدّ.

كما أنّ القوة البدنية المنبثة في العضلات قوة على كلّ ما يناسب تلك العضلة من قبض و بسط، و معرفة الكتابة و الخياطة لا توجب شدة قوة اليد و لا زيادتها، بل معدّة لتأثير السبب و صيرورة ما بالقوة فعلياً، فكذا معرفة العلوم النظرية معدة لفعلية الاستنباط و صيرورة العقل الهيولاني- بالإضافة إلى الأحكام الشرعية- عقلاً بالفعل، لا أنها تحدث في النّفس قوة على معرفة تلك الأحكام، أو اشتداد قوتها أو زيادتها، فليس ما وراء النّفس- الّتي هي عقل هيولاني بحسب فطرتها- ملكة أخرى ليقال أنها بسيطة و أن البسيط لا يتجزأ أو انها مسبوقة بالضعف أو النقص لئلا يلزم الطفرة، و هذا طور آخر من الكلام و باللّٰه الاعتصام.

قوله: إلاّ أنّ قضية أدلّة المدار .. إلخ.

فانّه الّذي جاءه النبأ، أو تيقن فشك أو جاءه الحديثان المتعارضان، و المفروض قدرته على الأخذ به و دفع معارضاته.

و عدم قدرة على امر آخر أجنبي عن معرفة هذه الأحكام، غير ضائر بفعلية الاستنباط في مفروض المقام، فلا موجب لاختصاصه بالمطلق القادر على استنباط بقية الأحكام مع فرض عدم الارتباط بينهما كما لا يخفى.

436

«في رجوع الغير إلى المتجزّي»

قوله: و هو أيضاً محل الإشكال .. إلخ.

لا يخفى أنّ قضية الفطرة و السيرة الآتيتين (1) لا يعقل اختلافها بعد ما هو المعلوم من ملاكها، و هو كون الشخص عالماً في ما يرجع إليه، سواء علم غيره مما لا دخل له به أم لا.

و اما الأدلة اللفظية فتحقق الحال فيها: أنّ المأخوذ في موضوعها عنوان الفقيه و العارف بالاحكام و لازمه اعتبار مقدار من الفقاهة و المعرفة بحيث يصدق على المرجّح أنّه فقيهٌ و عارفٌ بالاحكام.

فربما يكون ذا ملكة مطلقة، و لا يجوز تقليده لعدم استنباط الحكم رأساً أو بمقدار غير معتدّ به، و ربما لا يكون ذا ملكة مطلقة لكنه قد استنبط مقداراً معتدّا به بحيث يصدق عليه أنه فقيه أو عارف بالاحكام فيجوز تقليده، لصدق عنوان أخذ في موضوع دليل الرجوع إليه.

فعدم وجدان ملكة استنباط باقي الأحكام لا يخلّ بصدق الفقيه و العارف كما أن وجدان ملكة الكل لا يجدي في صدق الفقيه و العارف.

و دعوى أنّ الملكة المطلقة لا تحصل عادة إلاّ بعد مزاولة استنباط جملة معتدّ بها من الأحكام، فالملكة المطلقة ملازمة لصدق الفقيه و العارف، دون ملكة البعض.

مدفوعة بأّن ملكة استنباط كل حكم لا بد من حصولها قبله، و ملكة استنباط غيره لا يعقل حصولها عن استنباط الأجنبي عنه، بل عن العلوم الّتي هي كالمبادئ لها، فما استنبطه صاحب الملكة المطلقة ليس عن ملكة مطلقة، فلا حصول الملكة المطلقة بمزاولة الاستنباط، و لا استنباط مثله عن ملكة مطلقة، فبعد فرض فعلية الاستنباط بمقدار معتدّ به يكون المطلق و المتجزئ على حدّ‌

____________

(1)- البحث عن السيرة في ص 460 و البحث عن الفطرة في ص 462.

437

سواء، كما أنه مع عدمها كذلك. فتدبر جيداً.

فان قلت: إذا كان صاحب الملكة المطلقة- مع عدم الاستنباط بمقدار معتدّ به- لا يصلح للمرجعية فيجوز له التقليد في عمل نفسه، أيضاً، فانه غير مجتهد أي غير مستنبط عن ملكة بالمقدار اللازم، مع أنّ المعرفة عدم جواز التقليد له، و تعيّن الاجتهاد عليه.

قلت دليل الصلوح للمرجعية غير دليل جواز التقليد. فالمرجع يجب ان يكون فقيهاً و عارفاً و اما من لم يكن فقيهاً و لا عارفاً يجب عليه التقليد أم لا؟ فهو أمر آخر. و قد حقّقنا في محله أنّ من يتمكّن من الاستناد إلى الحجّة يصحّ توجّه الأحكام إليه، و لا يجوز له الاستناد إلى من له الحجة. و لعلنا نتكلّم فيه إن شاء اللّه تعالى في مباحث التقليد.

«في حكومة المتجزي و فصل خصومة»

قوله: و أما جواز حكومة و فصل خصومته فأشكل .. إلخ.

وجه كونه أشكل وجود مثل الفطرة، و السيرة في مرحلة التقليد، دون الحكومة.

و قد عرفت أنّ صدق المعرفة و الفقاهة- بمقدار معتدّ به- لازم على أي حال، و بعد صدقه فاعتبار بقية الأحكام بلا موجب، كما لا موجب للاكتفاء بمجرد الملكة المطلقة، عن مقدار معتدّ به من المعرفة، خصوصاً في الحكومة الّتي ينحصر دليلها في التعبد، و ظاهر قوله (عليه السلام) (عرف أحكامنا) فعلية المعرفة، لا قوة معرفتها كما هو واضح.

و لا يخفى أنّ مشهورة أبي خديجة (1) ليست بأوسع دائرة من المقبولة (2)

____________

(1)- الوسائل ج 18: ص 4: باب 1 من صفات القاضي: حديث 5.

(2)- الوسائل ج 18: ص 99: حديث 1.

438

بتوهم قوله (عليه السلام) (يعلم شيئاً من قضايانا أو من قضائنا)- على اختلاف النسخ- فان المراد معرفة شي‌ء معتدّ به لا معرفة قضاء واحد.

و توهّم أنّ حرف الابتداء للبيان لا للتبعيض فلا بدّ من معرفة جميع قضاياهم لا مقدار معتدّاً به، أو معرفة طبيعي قضائهم (عليهم السلام)، و معرفة الطبيعة بحدها لا تكون مع الجهل بمقدار معتدّ به.

مدفوع بان حرف الابتداء بناء على أنّ مدخوله (القضايا) ليس للبيان قطعاً، و إلاّ لقال (عليه السلام): «أشياء من قضايانا» ليوافق البيان للمبين به، بل لو كان مدخوله الطبيعة صح التبعيض بمعنى اقتطاع متعلقه عن مدخوله و ان لم يصح عنوان التبعيض نظراً إلى أنّ الفرد ليس بعض الطبيعة، بل بناء على كونه للبيان يصح صدق انه يعلم قضائهم (عليهم السلام) بقول مطلق إذا علم مقداراً معتدّاً به.

فتدبر.

«في التخطئة و التصويب»

قوله: و لا يخفى أنه لا يكاد يعقل الاجتهاد في حكم .. إلخ.

اعلم أنّ الوجوه المتصورة في المقام- كما يظهر من مجموع الكلام- ثلاثة:

أحدها: أن لا يكون قبل الاجتهاد و حصول الظن حكم أصلاً، بل يحدث الحكم حال حصول الظن به. و هذا هو الّذي اشتهر عند الأصحاب من أنه محال لاستلزامه الدور أو الخلف.

و استلزامه للدور تارة بملاحظة توقف الحكم على موضوعه و توقف الموضوع على حكمه و قد بينا في محله من أنّ الحكم بالإضافة إلى موضوعه من قبيل عوارض الماهية، لا من قبيل عوارض الوجود فلا تعدد في الوجود بين الموضوع، و حكمه، بل الحكم متقوم بموضوعه في مرتبة ثبوته، و ثبوت الموضوع بثبوت الحكم في هذه المرحلة.

439

و أخرى بملاحظة أنّ مثل العلم أو الظن بالحكم ليس كالفعل مطلوباً بطلبه حتى يكون مقوماً للحكم في مرحلة ثبوته لئلا يكون تعدد في الوجود، بل مقتضاه جعل الحكم في فرض العلم أو الظن بحقيقة الحكم، و لازمه ثبوت الحكم قبل ثبوت نفسه و هذا محذور الدور، و هو تقدم الشي‌ء على نفسه، و ان لم يكن عين الدور المبني على فرض موجودين يتوقف كل منهما على الاخر.

و قد دفعناه في محله بان فرض الثبوت غير الثبوت تحقيقاً، فتوقف ثبوته التحقيقي على فرض ثبوته ليس مقتضاه ثبوت الشي‌ء قبل ثبوت نفسه، بل مقتضاه ثبوته الفرضي قبل ثبوته التحقيقي.

مع أنّ العلم بالحكم حقيقة أو الظن به كذلك لا يتوقف على ثبوته التحقيقي، لأن ما هو حكم بالحمل الشائع، لا يعقل أن يكون مقوماً لصفة العلم، بل المعلوم بالذات ماهية الشي‌ء لا وجوده، إذ العلم نحو من الوجود و الوجود لا يعقل أن يكون معروضاً للوجود- سواء كان العارض مماثلاً للمعروض أو مقابلاً له، فان المماثل لا يقبل المماثل و المقابل لا يقبل المقابل.

و منه تعرف انه- لا خلف، إذ التقدم و التأخر بالطبع بين العلم و الظن و ماهية المعلوم و المظنون، دون وجودهما، فما هو المتقدم بالطبع ماهية الحكم، و ما هو المتأخر عن العلم و الظن وجوده الحقيقي، كيف و الحكم قائم بالحاكم و مقوم العلم قائم بالعالم.

هذا كله بالإضافة إلى جعل الحكم على طبق ما يعتقده القاطع و الظان عند حصول القطع أو الظن. و اما بالإضافة إلى الملتفت إلى أنه لا حكم قبل العلم و الظن ففيه محذور، فان من يعتقد انه لا حكم له قبل اعتقاده، كيف يعقل منه اعتقاد الحكم، لأنه من اجتماع النقيضين و جعل الحكم المبني عليه محال لأن المبني على المحال محال.

الا أن يفرض كون العلم بالمقتضي ثبوتا شرطاً في تأثيره فبمجرد العلم تتم العلة لثبوت الحكم، فيكون جعل الحكم مقارناً زماناً مع العلم به، للعلم بتمامية‌

440

علته.

لكنه يصح في العلم بالحكم المنبعث عن العلم بمقتضيه ثبوتاً لا عن العلم بمقتضيه إثباتاً، فانه لا يكون إلاّ مع جعل الحكم قبل العلم به.

و التحقيق أنّ نفس هذا الفرض غير خال عن المحذور، لأن العلم بالمصلحة مثلاً شرط في تأثيرها في جعل الحكم في طرف المولى، لا في ناحية العبد، بل نفس جعل الداعي كاف في تأثيره في الدعوة من قبل المولى- سواء علم العبد بالمصلحة أم لا- و ليس الشرط إلاّ مصححاً لفاعليته [1] أو متمماً لقابلية القابل فتدبره جيّداً.

ثانيها: أن يكون الحكم مجعولاً قبل حصول الظن مثلاً، إلاّ انه على طبق المظنون، بنحو القضايا الحقيقية، فلا حكم من الأول في حق من لا ظن له به أصلاً.

و هذا هو مورد دعوى الإجماع و تواتر الاخبار على خلافه، و ظاهرهم عدم استلزامه لمحذور عقلي، مع أنّ الدور أو الخلف إن كان صحيحاً لجرى في هذه الصورة أيضا لأن مبنى توهم الدور و الخلف تعلّق الظن بوجود الحكم حقيقة لا بماهيته و عنوانه، فيتوقف الظن بوجود الحكم المجعول على وجوده، و يتوقف وجوده المجعول على موضوعه المتقوم بالظن بوجوده، فمحذور الدور و الخلف و محذور فرض ثبوت الشي‌ء قبل ثبوته جار هنا، فلا يمكن عقد قضية حقيقية متكفلة لترتيب الحكم على المظنون.

و الفرق بين الصورتين انه في الصورة الأولى لا حكم قبل الظن، فلو توقف الحكم على الظن به لزم المحذور، و في الصورة الثانية لا ظن قبل الحكم فلو توقف الحكم على الظن به لزم المحذور، الا أنّ المحذور مندفع في كلا الموردين بما عرفت.

نعم نظير الإشكال الأخير جار هنا، فان من يلتفت إلى ترتب الحكم على طبق‌

____________

[1]- أي الفاعل، و هو جعل الداعي.

441

ظنه به كيف يظن به، فان فرض مثل هذا الحكم مع فرض الموضوع متنافيان.

الا أن يقال إنّ الموضوع هو الظن بالحكم اقتضاء، فان من يظن بالمقتضي فيظن بمقتضاه في مرتبة ذات المقتضي لا بوجوده الخاصّ في نظام الوجود، و الظن بهذا النحو من الثبوت متمم للعلة التامة لثبوت الحكم حقيقة، فلا منافاة بين الظن بالحكم و القطع بترتب الحكم على طبق المظنون. لكنه يؤل إلى أن المصلحة بوجودها المظنون علة تامة للحكم، و هو غير معقول لاستحالة انبعاث المعلول إلاّ عن علة واقعية، لا تقديرية، فلا بدّ من فرض مصلحة أخرى في الفعل المظنون كونه ذا مصلحة.

هذا مع فرض لزوم محذور آخر- غير محذور التنافي المذكور- و هو أنّ الظن بالحكم معناه الظن بثبوت الحكم لذات المتعلق، فلا يكون مقصوراً على طبق المظنون و اما الظن بثبوت الحكم للمظنون بهذا الظن فغير معقول لاستحالة الظن بثبوت الحكم للموضوع المتقوم بالظن بثبوت الحكم له.

ثالثها: أن يكون هناك حكم واقعي يشترك فيه العالم و الجاهل، إلاّ أنّ الحكم الفعلي على طبق ما يؤدي إليه الاجتهاد فربما يتوافق الواقعي و الفعلي و ربما يتخالفان، فيكون التصويب في مرحلة الفعلية، لا في مرحلة الواقع.

و هذا المعنى من التصويب بلا محذور، و لا إجماع و لا دليل نقلي على خلافه، بل كما أفيد هو لازم القول بموضوعية الأمارات و سببيتها (1).

و توضيح الكلام و تنقيح المرام يستدعي زيادة بسط في الكلام.

فنقول: و باللّٰه الاعتصام: مسلك شيخنا (قدّس سرّه) في هذا الموضوع من الكتاب كما في آخر مبحث الاجزاء (2)- طبقاً لما في تعليقته الأنيقة (3) على الرسائل- أنّ الأحكام الواقعية أحكام إنشائية، و ان فعليتها منوطة بعدم المانع،

____________

(1)- راجع الكفاية ج 2 ص 431.

(2)- الكفاية ج 1 ص 137.

(3)- ص 36 ذيل قول الشيخ (قدّس سرّه): المقصد الثاني في الظن و الكلام ..».

442

و أنّها في نفسها تجامع الجهل بها، و عليه فالإنشاءات المنبعثة عن مصالح واقعية محفوظة، سواء كانت هناك مصالح اخر تقتضي الحكم الفعلي على خلافها أم لا، فلا كسر و لا انكسار في مرتبة الواقع، بل في مرحلة الفعلية، و لأجله لا يلزم التصويب، سواء كان هناك على خلاف الواقع حكم فعلي أم لا.

إلاّ أنّ هذا المبنى غير صحيح عنده- (قدّس سرّه)- كما أشار إليه في أوائل مباحث الظن (1)، و أنّ ما تؤدّي إليه الأمارة حكم فعلي من وجه.

و قد وجهناه هناك (2) بان الإنشاء بلا داع محال، و الإنشاء بداع آخر- غير جعل الداعي- ليس من مقولة الحكم و لا يترقّب منه الفعلية البعثية و الزجرية بل فعلية ذلك الإنشاء فعلية ما يدعو إليه من إرشاد أو امتحان أو جعل القانون، فلا محالة لا بد من أن يكون الإنشاء المترقب منه البعث و الزجر هو الإنشاء بداعي جعل الداعي، و هو الفعلي من قبل المولى.

و المراد من الفعلي من وجه في قبال ما إذا وصل، فانه فعلي بقول مطلق، و ذلك لأن الإنشاء بداعي جعل الداعي قبل وصوله- بنحو من أنحاء الوصول- يستحيل أن يكون في نفسه صالحاً للدعوة، و إن بلغ من القوة ما بلغ، فهو عقلاً متقيّد بالوصول.

و منه يعلم أنّ عدم فعليّة الحكم الواقعي ليس لمانعية الحكم الآخر المنبعث عن مقتض أقوى، بل لعدم الوصول- المنوط به صيرورته باعثاً و داعياً- و إن لم يكن هناك حكم على خلافه، و إن جعل الحكم على خلافه لا يدور مدار أقوائية مقتضية، بل و إن كان مقتضية أضعف من مقتضى الحكم الواقعي.

و حيث عرفت أنّ الحكم الواقعي منوطة عقلاً بالوصول- لا شرعاً- و أنه لا مقتضى آخر غير المقتضي الواقعي، لبلوغه مرتبة البعث، فلو فرض هناك حكم آخر عن مقتض آخر على خلاف المقتضي الواقعي و كان مقتضى الحكم‌

____________

(1)- الكفاية ج 2 ص 52.

(2)- نهاية الدراية ج 2.

443

الظاهري غالباً على مقتضى الحكم الواقعي- و الغلبة آية التنافي- فلا محالة يسقط الحكم الواقعي بسقوط مقتضية عن التأثير فيلزمه التصويب في الواقع، فامّا لا كسر و لا انكسار، و إمّا يلزم التصويب. فالالتزام بالكسر و الانكسار و عدم التصويب مبني على ذلك المبنى الّذي هو غير مرضي عنده (قدّس سرّه).

و التحقيق ان فرض التزاحم بين المقتضيين- ليلزم ارتفاع الحكم الواقعي من البين- هو بنفسه غير معقول، فلا تصويب حتى على القول بموضوعية الأمارات و الإجزاء التام.

بيانه ان المصالح المقتضية لجعل الأحكام الواقعية تتصور على وجوه أربعة:

أحدها: ان تكون المصلحة المقتضية للإنشاء بداعي جعل الداعي متقيدة بعدم الجهل بمقتضاها أو بعدم قيام أمارة على خلاف مقتضاها، ففي صورة الجهل أو قيام الأمارة على الخلاف لا مصلحة أصلاً، فلا حكم أصلاً حتى على حد ثبوت المقتضي بثبوت مقتضية، حيث لا ثبوت لمقتضيه، و ما بالعرض يتوقف على ما بالذات.

و هذا من أوضح افراد التصويب فان محذوره محذور تخصيص الحكم بالعالم، فان مرجع تقيد مقتضاها بالعلم تقيد المقتضي بالعلم بنفسه، و يندرج في هذا الفرض كلا الوجهين الأولين من الوجوه الثلاثة المتقدمة.

ثانيها: أن تكون المصلحة ثابتة حتى في صورة الجهل بمقتضاها أو قيام الأمارة المخالفة لمقتضاها، فمقتضاها ثابت- دائماً- بنحو ثبوت المقتضي بثبوت مقتضية، لكن مصلحة الحكم الواقعي مزاحمة في التأثير بمصلحة الحكم الظاهري و إذا فرض أقوائية الثانية من الأول فلا محالة يسقط مقتضاها، و ان كان له ثبوت اقتضائي.

و هذا هو بعينه مورد إجماع الأصحاب و تواتر الاخبار، فان هذا النحو من الثبوت ثبوت عرضي لا ثبوت حقيقي.

إلاّ أنّ فرض المزاحمة في التأثير غير معقول لأن التنافي المقتضيين في التأثير‌

444

تناف بالعرض فلا بدّ من تنافي مقتضاهما، و ليس مقتضاهما إلاّ الإنشاء بداعي جعل الداعي، لا تنافي بين الإنشاءين بداعيين، بل التنافي بين بعثين حقيقيين أو زجرين كذلك أو بعث و زجر كذلك. و أمّا تنافيهما من حيث انتهائهما إلى جعل داعيين متماثلين أو متضادين فغير لازم، لأن جعل الداعي المعبر عنه بالحكم الظاهري في ظرف عدم وصول الحكم الواقعي، و هو ظرف عدم البعث الحقيقي فاما أن يصل الواقع و يكون بعثاً حقيقياً فلا موضوع للحكم الظاهري، و اما لا وصول له فلا بعث حقيقي كي يمنع عن بعث على خلافه- في ظرف عدم وصوله- فبهذا الوجه دفعنا التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري في محله (1).

ثالثها: أن تكون المصلحة المقتضية للحكم الواقعي و المصلحة الباعثة على الحكم الظاهري متضادتين وجوداً، لا متزاحمتين تأثيراً، فمع فرض فعلية الحكم الظاهري الكاشفة عن أقوائية مقتضية لا مصلحة للحكم الواقعي لاستحالة وجود أحد المتنافيين بعد وجود الاخر، فلا حكم واقعي حتى ينحو الثبوت بثبوت مقتضية، فيلزم التصويب، و إن كان يستلزم الاجزاء بمعنى عدم الإعادة بموافقة الأمر الواقعي بعد كشف الخلاف، حيث لا يعقل الأمر بالواقع.

إلاّ ان التحقيق عدم لزوم التصويب لأن جعل الحكمين مع تضاد المصلحتين انما يكون مستحيلاً إذا لزم منه التسبيب إلى إيجاد المتضادين و لا تسبيب جداً إلاّ بلحاظ مرحلة البعث، و حيث عرفت أنّ أحد البعثين في طول الاخر بحيث لا ينتهي الأمر الا إلى بعث فعلي واحد، فلا محالة لا ينتهي امر إلى التسبيب الجدي إلى إيجاد المتضادين فالإنشاء الواقعي بنحو القضايا الحقيقية موجودة في الطرفين.

و أمّا عدم فعلية الحكم الواقعي حتى مع وصوله بعد موافقة الحكم الظاهري فهو لا يستلزم التصويب، لأن سقوط الحكم بعد ثبوته إلى حال حصول ملاكه أو‌

____________

(1)- نهاية الدراية ج 2.

445

إلى حال امتناع ملاكه بوجود ما يضاده أجنبي عن التصويب- بمعنى عدم الحكم المشترك بين العالم و الجاهل- و ليس جعل الحكم الواقعي حينئذٍ لغواً لاحتمال وصوله قبل موافقة الحكم الظاهري و لو بالإضافة إلى بعض افراد المكلفين.

رابعها: أن تكون المصلحتان متسانختين و تقوم مصلحة الحكم الظاهري مقام مصلحة الحكم الواقعي، و هو يقتضي الاجزاء من دون لزوم التصويب، لأنه من باب سقوط الحكم بحصول ملاكه.

هذا كله بالإضافة إلى المصالح الواقعية و الظاهرية، من حيث التصويب و الاجزاء.

و أما بالنسبة إلى اجتماع المصلحة و المفسدة في فعل واحد كالجمعة المحرمة واقعاً الواجبة ظاهراً، فالكلام فيها مرتبط بالتصويب فقط دون الاجزاء.

و مجمل القول فيها: أنّ المصلحة و المفسدة و ان كانتا متباينتين إلاّ أنهما ربما تكونان متقابلتين وجوداً و ربما لا تكونان كذلك.

فان كانتا متقابلتين وجوداً فلا محالة تندك إحداهما في جنب الأخرى. ففي الفرض تكون الجمعة بما هي- لو خليت و نفسها- ذات مفسدة و بما هي مجهولة الحكم مثلاً ذات مصلحة، كالكذب الّذي- لو خلى و طبعه- يكون قبيحاً و بعنوان إنجاء المؤمن حسن، فلا بدّ من الحكم عليها هنا بالوجوب و هناك بالحسن، فلا مفسدة في حال الجهل ليكون الحكم الواقعي المنبعث عنها موجوداً، فلا ثبوت للحكم بثبوت مقتضية أيضاً. و هذا الفرض يستلزم التصويب.

و ان كانتا متباينتين فقط فلا تصويب إلاّ من حيث توهم المزاحمة في التأثير.

و بعد ما عرفت من أنّ الأمر لا ينتهي إلى حكمين فعليين- كما فصلناه في الوجه الثاني- تعرف عدم لزوم التصويب.

و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى ما ينافي بعض ما ذكرناه في كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه). هذا ما ينبغي أن يقال في هذا المجال من حيث التصويب و الاجزاء.

446

و لشيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في أوّل مبحث الظن من الرسائل (1) طور آخر من الكلام لا بأس بإيراده في المقام.

فنقول قال- (قدّس سرّه)- في مسألة التعبد بالأمارة على الموضوعية و اشتمالها على مصلحة ما وراء مصلحة الواقع:- انه يتصور على وجوه:

أحدها: ان الحكم مطلقاً تابع لقيام الأمارة بحيث لا يكون- مع قطع النّظر عن قيامها- حكم في حقّ الجاهل، فتكون الأحكام الواقعية مختصة بالعالمين بها.

و ذكر أنّ هذا القسم تصويب باطل و تواتر الاخبار و الآثار بوجود الحكم المشترك، و يندرج تحت هذا القسم ما تقدم من الوجهين الأولين، فان المعروف استحالة الأول و بطلان الثاني بالإجماع و الاخبار.

ثانيها: أن يكون الحكم الفعلي تابعاً للأمارة بمعنى ثبوت الحكم المشترك واقعاً لو لا قيام الأمارة على خلافه.

بتقريب أنّ مصلحة العمل بالأمارة غالبة على مصلحة الواقع. فالحكم الواقعي فعليٌّ في حقّ غير الظان بخلافه، و شأنيٌّ في حقه. بمعنى وجود المقتضي لذلك الحكم لو لا الظن بخلافه.

و قد نصّ هنا بعدم ثبوت الحكم الواقعي في حق الظان بخلافه، بدعوى ان الصفة المزاحمة بصفة أخرى لا تصير منشأ الحكم، و قد أفاد سابقاً و لاحقاً بأنه تصويب، إلاّ أنه أفاد أيضاً بأنه ليس مجمعاً على بطلانه، بل أفاد في أواخر كلامه أن الحكم الواقعي الّذي يجب لالتزام بوجوده هو الحكم المنزل المتعلق بالعباد الّذي امر السفراء بتبليغه و يكفي في نحو ثبوته انه لا يعذر فيه إذا كان عالماً به أو جاهلاً مقصراً إلى آخر ما أفاده (قدّس سرّه).

أقول: فرض غلبة مصلحة الحكم الظاهري على مصلحة الحكم الواقعي كما عرفت سابقاً- منحصر في تزاحمهما من حيث التأثير أو تضادهما من حيث الوجود، و قد عرفت أنه لو صحّ أحد الأمرين- من المزاحمة في التأثير و التضاد‌

____________

(1)- الرسائل ص 27.

447

في الوجود- للزم التصويب، غاية الأمر أنّه على الأوّل للحكم ثبوت اقتضائي بثبوت مقتضية، دون الثاني فانه ليس له ثبوت أصلاً، لعدم ثبوت ملاكه في فرض وجود ضده.

إلاّ أنّ الّذي يسهل الخطب عدم معقوليّة الفرض من التزاحم و التضاد.

و أما فرض الغلبة بفرض مصلحة في الجمعة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الظهر- كما في طيّ كلامه- (قدّس سرّه)- في قوله: إن قلت ما الفرق بين هذا الوجه إلى آخره- أو فرض الغلبة بفرض تدارك مفسدة مخالفة الحكم الواقعي بمصلحة الحكم الظاهري- كما في أواخر كلامه (قدّس سرّه)- فكلاهما غير خال عن المناقشة.

أما الأول: فبأنّ المصلحة في فعل الجمعة مع المصلحة في فعل الظهر أنما تتدارك إحداهما بالأخرى إذا كانتا متسانختين، فلا تزاحم و لا تضاد كي ينتفي المتدارك وجوداً أو أثراً حتّى يكون الحكم بلا صفة.

و المتدارك بهذا المعنى بعد موافقة الحكم الظاهري، لا في مقام الجعل، فلا مانع من بقاء الحكم الواقعي إلى حصول ملاكه أو ما يسانخه، و ليس هذا من التصويب أصلاً.

و أما الثاني: فله فرض صحيح تعرضنا له بعد ذكر الوجوه الخمسة [1] و هو فرض المفسدة في نفس فعل الجمعة بما هي واقعاً، و فرض المصلحة في فعلها من حيث قيام الأمارة على وجوبها.

لا بالوجه الّذي أفاده- (قدّس سرّه)- من تدارك مفسدة المخالفة بمصلحة العمل على طبق الأمارة، فان مفسدة المخالفة ليست من المفاسد الّتي هي ملاكات الأحكام بل مفسدة نفس فعل الجمعة ملاك تحريمها لا مفسدة معصية حكمها كما مر مراراً.

____________

[1]- عدّ الوجوه خمسة، باعتبار ذكر صورة «اجتماع المصلحة و المفسدة في فعل واحد» بعد الوجه الرابع من الوجوه الأربعة.

448

و أما في الفرض الّذي صحّحناه فقد عرفت أنّ معنى تدارك المفسدة اندكاكها و اضمحلالها في جنب المصلحة، و عليه فلا محالة ينتفي الحكم الواقعي بانتفاء ملاكه.

و كونه ذا ملاك- لو لا قيام الأمارة- لا يوجب ثبوت الحكم حتّى بثبوت المقتضي، إذ لا مقتضي على الفرض.

و أما ما أفاده- (قدّس سرّه)- من ثبوت الحكم الواقعي المنزل المتعلق بالعباد.

فان أريد منه الحكم المرتب على موضوعه بنحو القضية الحقيقية، فلا بدّ من أن يكون في الموضوع- إذا لوحظ فانياً في مطابقه من مصلحة أو مفسدة، فمع عدمها لفرض زوالها- فيما قامت الأمارة على خلافه- يكون الالتزام بالحكم التزاماً بالمعلول بلا علة.

و إن أريد أنّ عنوان الموضوع- المحكوم عليه بحكم ظاهري- متقيد بما يقتضي وجود الحكم الواقعي، فكيف ينافيه بأنه التزام بثبوت الحكم عنواناً لا حقيقة و لا ملاكاً.

و منه يظهر أنه لا معنى لثبوته بحيث إذا علم به لا يعذر فيه، إذ قد عرفت استحالة ثبوته مع عدم الملاك، و فرض العلم فرض ثبوته بالعلم، لاختصاص ملاكه الفعلي بصورة العلم أو عدم قيام الأمارة، و ليس معنى ثبوت الحكم المشترك ثبوته الشأني أو بشأنية ملاكه.

ثالثها: أن يكون الفعل على ما فيه من المصلحة الواقعية و لا يوجب قيام الأمارة مصلحة فيه، بل المصلحة في الأمر بتطبيق العمل على الأمارة كما في بعض عباراته- (قدّس سرّه)- أو في نفس تطبيق العمل كما في جلّ عباراته- (قدّس سرّه)- و عدم لزوم التصويب على الأول، واضح حيث أنّ مصلحة الفعل على ما هي عليه، من دون حدوث صفة أخرى غالبة عليها في نفس الفعل.

449

و عدمه على الثاني بملاحظة أنّ الأمارة في الوجه الثاني [1] توجب حدوث المصلحة الغالبة في نفس الفعل، فيكون الحكم المنبعث عن مثل هذه المصلحة حكماً واقعياً لنفس الفعل، و انكشاف الخلاف يوجب تبدل الموضوع، بخلاف الوجه الثالث فان الأمارة لا تحدث مصلحة في الفعل، بل توجب مصلحة في تطبيق العمل على مدلول الأمارة من حيث انها حاكية عن الحكم الواقعي، فعنوانها مقتض لثبوت الحكم الواقعي لا مناف له.

أقول: كلا الوجهين غير خال عن المحذور.

أما الأول فلان مصلحة الجعل غير استيفائية، بل قائمة بفعل الآمر، لا بفعل المأمور، فكيف يتدارك بها ما يفوت من المصلحة الواقعية، كما رتّبه- (قدّس سرّه)- عليه، كما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

مع أنّ البعث نحو تطبيق العمل إذا كان عن إرادة متعلقة به، فلا بدّ من فرض مصلحة في المراد، فيعود المحذور من مزاحمة المصلحتين.

و إذا لم يكن منبعثاً عن إرادة تشريعية- كما تفردنا به و تعرضنا لوجهه مراراً- فلا بدّ من انبعاث البعث الحقيقي عن مصلحة في المبعوث إليه، فان البعث كما مرّ مراراً إيجاد تسبيبي من المولى لفعل العبد، فالغرض متعلق بالوجود لا بحيثية صدوره من المولى.

و ما اشتهر من حديث مصلحة التسهيل فليس هذه المصلحة في البعث إلاّ باعتبار أنّ الرخصة في ترك المكلف تحصيل العلم في مقام الامتثال تسهيل تشريعاً، لأن الاقتصار على العمل بالأمارات سهل، فإيجابه تسهيل من الشارع، لا أن إيجاب العمل- مع قطع النّظر عن سهولة العمل بالأمارات- يقوم به مصلحة التسهيل. فتدبر جيداً.

و أما الثاني ففيه أولاً: أنّ قيام الأمارة المخالفة- على الوجه الثاني المذكور في كلامه- ليس واسطة في ثبوت المصلحة لنفس الفعل ليكون الحكم المنبعث عنها‌

____________

[1]- من الوجوه الثلاثة في كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

450

حكماً واقعياً، بل الفعل بعنوان كونه مما قامت الأمارة فيه على حكم مخالف للواقع ذا مصلحة (1) في نفسه، فالحكم مرتّب عليه بهذا العنوان بنحو القضايا الحقيقية و لا فرق بين عنوان كونه مما قامت عليه الأمارة و عنوان تطبيق العمل على الأمارة، كما لا فرق في التزاحم و الغلبة بين العنوانين العرضيين و الطوليين عنده- (قدّس سرّه).

و ثانياً: أنّ الفرق بين الوجهين- بمجرد أنّ عنوان تطبيق العمل على مدلول الأمارة يقتضي ثبوت الحكم الواقعي فلا تصويب- غير مفيد، لما مر من أن مقتضاه ثبوت الحكم الواقعي عنواناً، لا حقيقة و لا ملاكاً، و هذا غير كاف في دفع محذور التصويب، و تقدم الكلام في بقية ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام.

و اما ما أفاده في الوجه الثالث كما استفيد من كلامه (قدّس سرّه)- من ترتيب الآثار في حال الجهل بمقدار الفوت- فتقريبه: أنّ الصّلاة لها مصالح:

إحداها: ما يقوم بها من حيث إيقاعها في وقت الفضيلة.

و ثانيتها: ما يقوم بها من حيث إيقاعها في الوقت و هي مصلحة الوقت.

و ثالثتها: ما يقوم بها من حيث إيقاعها- و لو في خارج الوقت- و هي مصلحة طبيعي الصلاة بما هي صلاة.

فحينئذٍ إن أتى بالصلاة في وقت الفضيلة و انكشف الخلاف بعد مضيها نلتزم بإدراك مصلحة وقت الفضيلة فقط، و بقاء مصلحة الوقت و مصلحة الطبيعة. و ان انكشف الخلاف بعد خروج الوقت نلتزم بإدراك مصلحة الوقت أيضاً و بقاء مصلحة الطبيعة و ان لم ينكشف الخلاف أصلاً نلتزم بإدراك جميع مصالحها.

و السر في ذلك ان فوت المصلحة- بسبب العمل بالأمارة- هو الباعث على الالتزام بالتدارك فلا محالة يتقدر بقدره، و هذا في الحقيقة برزخ بين الطريقية المحضة و السببية المحضة.

و يصح أن يقال بعدم الاجزاء عند انكشاف الخلاف، غاية الأمر أنه في الصورة‌

____________

(1)- و الصحيح «ذو» لأنّه خبر من «الفعل».

451

و يصح أن يقال بعدم الاجزاء عند انكشاف الخلاف، غاية الأمر أنه في الصورة الأخيرة من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

أقول أولا: أنّه مبنيّ على تعدد المصالح لا تعدد مراتب مصلحة الصلاة، إذ لو كانت مراتبها مختلفة لكان الإتيان بها في وقت الفضيلة مشتملاً على المصلحة بالمرتبة العليا و هي بنفسها لزوميّة و يحدّها غير لزوميّة، فلا أثر لانكشاف الخلاف لاستحالة حصول حدّها دون أصلها، و كان الإتيان بها في الوقت دون وقت الفضيلة مشتملاً على المصلحة بالمرتبة اللازمة بحدها، و لا أثر أيضاً لانكشاف الخلاف و إن كان إتيانها في خارج الوقت مشتملاً على المصلحة بمرتبة لزومية دون تلك المرتبة.

و ثانياً: أنّ دليل التعبد بالأمارة إذا كان متكفّلاً لحكم حقيقي و بعث جدي فلا محالة يكون مماثلاً لمؤداها، فإذا أدّت إلى وجوب صلاة الجمعة كان مقتضى التعبّد بها إيجاب الجمعة، و ان كان هذا الواجب في وقت الفضيلة مشتملاً على مصلحة غير لزومية و يكون الفرد المأتي به في هذا الوقت أفضل الافراد.

و لا يعقل انبعاث الإيجاب المماثل عن خصوص المصلحة الغير اللزومية، كما لا معنى لجعل الاستحباب بالتعبد بالأمارة الحاكية عن وجوب الجمعة في تمام الوقت بعنوان أنه الواقع.

و ثالثاً: أنّ مقتضى التقدير بمقدار الفوت انه لو أتى بالجمعة مثلاً في غير وقت الفضيلة و انكشف الخلاف في جزء من الوقت لكان اللازم عدم كونها مأموراً بها أصلاً حيث انه لم يفت منه شي‌ء بسبب التعبد بالأمارة، و حيث أنّ الفعل حينئذٍ غير مشتمل على مصلحة أصلاً يستحيل أن يكون واجباً، للزوم المعلول بلا علة.

مع أنه خلاف دليل التعبد بالأمارة، و لا يمكن الالتزام بكون مفاد دليل التعبد حكماً حقيقياً تارة، و حكماً طريقياً لتنجيز الواقع أخرى. فتدبر جيدا.

452

«في بيان كيفيّة الأعمال السابقة عند تبدّل الرّأي»

قوله: و اما الأعمال السابقة الواقعة .. إلخ.

الفرق بين هذه المسألة و مسألة الاجزاء- المتقدمة- في مباحث الأوامر اختصاص تلك المسألة بخصوص الواجبات و عموم هذه المسألة للتكليفيات و الوضعيات و للعبادات و المعاملات و غيرها من أبواب الفقه.

و أما تحقيق حال المسألة فنقول: إن كان مؤدى الاجتهاد السابق قطعياً و كان مؤدى الاجتهاد الثاني كذلك فمقتضاه عدم الحكم في السابق، فلا تكليف سابقاً و لا وضع، فلا معنى لمضيّه و عدم نقضه.

و إن كان مؤدى الاجتهاد السابق قطعياً و مؤدى الاجتهاد اللاحق تعبدياً أو كان مؤداهما تعبدياً فربما يقال بالمضي و عدم النقض، لعدم انكشاف الخلاف حقيقة حتى ينتقض جداً، و لأن الحجة اللاحقة كالسابقة أو أضعف، و لأن حجية اللاحقة لا إطلاق لها بالإضافة إلى الأعمال السابقة، بل هي حجة من حيث قيامها، فهي حجة بالإضافة إلى الأعمال المستقبلة دون الماضية.

و الكلّ ضعيف لأن المفروض قيام الحجة الشرعية على خلاف السابق، و إلاّ لم يكن لها أثر في اللاحق أيضاً، فمقتضى حجيتها فعلاً ترتيب الأثر على مقتضاها شرعاً- حالاً و قبلاً- و ان لم ينكشف الخلاف حقيقة.

و الحجّة اللاحقة و إن كانت مماثلة للحجة السابقة، إلاّ أنّ المفروض اضمحلال الحجّة السابقة، لفرض لزوم العمل على طبق الحجة اللاحقة، و المفروض زوال القطع بالحكم قبلاً و ان لم يقطع بعدمه أيضاً.

و أمّا عدم إطلاقها إلاّ للوقائع المتجددة فتارة لقصور مضمونها و أخرى لقصور حجيتها.

و الأوّل خلفٌ، إذ المفروض قيام الحجة مثلاً على جزئية السورة للصلاة، من دون اختصاصها بزمان دون زمان.

453

و الثاني بلا موجب إلاّ توهم استحالة منجزية أمر متأخر لحكم متقدم، و هو غير لازم هنا، إذ لا نقول بأنّ جزئيّة السورة منجّزة قبل قيام الحجة- بسبب قيامها فيما بعد- بل أثر تنجّز جزئيّة السورة فعلاً تدارك ما وقع قبلاً فانّ كُلفة جزئية السورة مطلقاً إتيانها حالا، و تدارك الخالي عنها قبلاً و كلاهما أثر فعلي فلم يتقدم التنجز على المنجز.

و أما توضيح الحال بعد انكشاف الخلاف حكماً و تعبداً من حيث نقض الأعمال السابقة فنقول: إذا كان مؤدى الاجتهاد السابق ما قامت عليه أمارة شرعية كالخبر مثلاً فإما أن نقول بحجيتها من باب الطريقية أو الموضوعية.

فان قلنا بالطريقية فعلى أي حال يجب نقض الآثار، فانّ حجيّتها- على هذا الوجه- إما أن لا تتضمن إنشاء طلبياً أصلاً كما إذا اعتبر لها عنوان الحجية و المنجزية للواقع، و إما أن تتضمن إنشاءً طلبياً: فهو إما أن يكون بداعي تنجيز الواقع فكالأول لا شأن لها إلاّ تنجيز الواقع عند المصادفة، و إما أن يكون بداعي جعل الداعي- بعنوان إيصال الواقع- فلا محالة يكون مقصوراً على صورة مصادفة الواقع.

فعلى أيّ تقدير لا حكم حقيقي في صورة المخالفة حتّى يكون موافقته موافقة تكليف فعلى ظاهري.

و إن قلنا بالموضوعية فمقتضاها اشتمال الفعل المأتي به- بعنوان ثانوي- على المصلحة المغايرة لمصلحة الواقع، لا أنّ تلك المصلحة المغايرة لمصلحة الواقع تارة تكون مسانخة لها بحيث تقوم مقامها. و أخرى لا تكون كذلك.

و حيث أنّ تلك المصلحة لم يفرض مقابلتها لمصلحة الواقع فلا وجه لدعوى الغلبة الموجبة لسقوط مصلحة الواقع عن التأثير حتّى يتوهم التصويب على الموضوعية كما مر قريباً.

فان كان جعل الحكم المماثل على طبق مؤدى الأمارة منبعثاً عن مصلحة بدلية، فلا محالة يقتضي الاجزاء و لا مجال للنقض بالإعادة و القضاء.

454

و إن كان الحكم المماثل منبعثاً عن مصلحة أخرى غير مصلحة الواقع فقط، فهو و إن كان مقتضياً لجعل الحكم حقيقة في ظرف عدم وصول الواقع، إلاّ أن المصلحة حيث أنّها ليست بدليّة فلا موجب لسقوط الحكم الواقعي بإحراز ملاكه.

و منه تبيّن أنّ القول بالموضوعيّة لا يقتضي الإجزاء و عدم النقض ثبوتاً و كذلك إثباتاً، فان غاية ما يقتضيه ظهور الأمر في الإنشاء بداعي جعل الداعي- لا بداعي تنجيز الواقع، و ظهوره في عنوانية موضوعه، و أنه بما هو مطلوب لا بما هو معرف للواقع- هو انبعاث هذا الحكم الحقيقي عن مصلحة غير مصلحة الواقع، و أمّا بدليّتها عن مصلحة الواقع فلا موجب لها.

و دعوى لزوم كون المصلحة بدليّة لئلا تفوت مصلحة الواقع من دون تدارك.

مدفوعة- مضافاً إلى أنه مشترك الورود على الطريقية و الموضوعية- بما تقرر في مقرّه: من عدم لزوم كون المؤدى ذا مصلحة فضلاً عن كونها بدلية، ذا ربما يكون إيكال العبد إلى طرقه العلمية موجباً لفوات الواقعيات أكثر من العمل بالأمارات، و موجباً لوقوعه في مفسدة أعظم من فوات مصلحة الواقع أحياناً.

مع أنّ تفويت مصلحة بإيصال مصلحة أخرى مساوية لها أو أقوى لا قبح فيه، بل لا بد منه و ان لم تكن مسانخة للفائتة.

فان قلت: إذا كانت المصلحتان مما يمكن اجتماعهما وجب الأمر بتحصيلهما معاً تعييناً و إلاّ لزم الأمر بهما تخييراً.

و الأول خلاف الإجماع، لعدم لزوم إتيانهما معاً، لعدم تعيّن تحصيل المصلحة الواقعية بتكلف تحصيل الطرق العلمية أو الاحتياط، بل له الاقتصار على تحصيل مصلحة المؤدى.

و الثاني خلاف ظاهر الأمر الطريقي فانه ظاهر في التعييني- كالأمر الواقعي- و خلاف ما هو المفروض من تحصيل المصلحة الواقعية بعد انكشاف الخلاف، بخلاف ما إذا كانتا متسانختين و كانت إحداهما بدلاً عن الأخرى فانه يندفع‌

455

المحذوران كما هو واضح.

قلت: المصلحتان و ان كانتا قابلتين للاجتماع إلاّ أنّ عدم تعيّن تحصيل المصلحة الواقعية لعدم كون الغرض بحد يوجب تكلف تحصيله بالطرق العلمية- مثلاً- بل بحيث لو وصل عادة كان فعلياً، فمع عدم الوصول العادي و قيام الأمارة لا يكون الفعلي إلاّ تحصيل الغرض من المؤدى، كما أنه مع الوصول عادة لا موقع للتعبد بالمؤدى فالمصلحتان تعينيتان في ذاتهما.

و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الواقع: و المؤدى متباينين- كالظهر و الجمعة- أو أقل و أكثر، لأن فعلية الأمر في الثاني بمقدار ما علم تعلقه به لا توجب الاجزاء، فانه لا يكشف- على الموضوعية- إلاّ عن مصلحة ملزمة في الأقل بعنوان قيام الخبر عليه، لا عن المصلحة الواقعية بنفسها أو بما يسانخها.

كما أنّ لو فرض عدم تعدد الفرض- فمع فعلية الأمر بالظهر لا أمر آخر بالجمعة- لا اختصاص له به بل يجري في الأقل و الأكثر.

و من جميع ما ذكرنا تعرف ان الاجزاء و عدم النقض لا يدور مدار الموضوعية، كما ان عدم الاجزاء و لزوم النقض لا يدور مدار الطريقية، لإمكان عدم بدلية المصلحة مع الالتزام بأصلها، و لإمكان قيام الدليل من الخارج على عدم تعدد الفريضة، فيكشف عن المصلحة البدلية، و ان كان مقتضى دليل الأمارة هي الطريقية الّتي لا تقتضي مصلحة أصلاً في صورة المخالفة للواقع.

نعم- بناءً على الموضوعية- فرق بين الواجبات و العقود و الإيقاعات، فان مصالح الواجبات استيفائية، فيمكن بقاء مصلحة الواقع على حالها، فلا بدّ من استيفائها بعد كشف الخلاف.

بخلاف مصالح اعتبار الملكية و الزوجية بالعقود و الأسباب، أو مصالح اعتبار سائر الاعتبارات في الإيقاعات، فانها غير استيفائية، فمع الموضوعية و سببية العقد الفارسي للملكية- لما في اعتبارها به من المصلحة- تحقق الملكية الاعتبارية بالعقد الفارسي حقيقة، و ليس له كشف الخلاف، بل ينتهي أمد سببية‌

456

العقد الفارسي، لكونها في ظرف عدم وصول الواقع، و أنّ السبب بذاته و بعنوانه الأولي هو العقد العربي.

الا أنه على الطريقيّة المحضة لا فرق بين التكاليف و الأسباب.

و حيث أنّ الحق في باب التعبد بالخبر الّذي هو العمدة في باب الأمارات هي الطريقيّة فالحق لزوم النقض مطلقاً إلاّ في ما قام الدليل فيه على عدمه.

«الكلام حول تفصيل الفصول في الاجتهاد السابق»

قوله: و لم يعلم وجه للتفصيل بينهما كما في الفصول .. إلخ.

الظاهر منه- (قدّس سرّه)- أنه استظهر من الفصول (1) التفصيل بين الأحكام و متعلقاتها، كما عن بعض الأجلة (قدّس سرّه) استظهار التفصيل بين الواجبات العبادية و العقود و الإيقاعات و بين الأحكام الّتي هي القسم الرابع من أبواب الفقه.

و بالجملة كلام صاحب الفصول (رحمه اللّه)- بحسب العنوان- هو التفصيل بين ما يتعين في وقوعه شرعاً أخذه بمقتضى الفتوى، و ما لا يتعين في وقوعه شرعاً أخذه بمقتضى الفتوى. و ذكر في القسم الأول أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين و لو في زمانين، و في الثاني انه رجوع عن حكم الموضوع.

و مثّل- (قدّس سرّه)- للأوّل بما إذا بنى على عدم جزئية شي‌ء أو عدم شرطيته للعبادة ثم رجع، أو إذا بنى على صحة الصلاة في شعر الأرانب و الثعالب ثم رجع، أو إذا بنى على طهارة شي‌ء ثم صلى في ملاقيه ثم رجع، أو إذا تطهر بما يراه طاهراً أو طهوراً ثم رجع، أو إذا عقد أو أوقع بصيغة يرى صحتها ثم رجع.

و مثّل- (قدّس سرّه)- لِلثاني بما إذا بنى على حلية حيوان فذكّاه ثم رجع بنى إلى تحريم المذكى منه و غيره، أو بنى على طهارة العرق من الجنب بالحرام فلاقاه ثم رجع بنى على نجاسته و نجاسة ملاقيه قبل الرجوع و بعده، أو بنى على عدم‌

____________

(1)- راجع الفصول: ص 409: رجوع المجتهد عن الفتوى.

457

تحريم الرضعات العشر فتزوج من أرضعته ذلك ثم رجع بنى على تحريمها.

و من الأمثلة و العنوان يظهر فساد كلا الاستظهارين. فان العنوان و ان كان موهماً للتفصيل بين الأحكام و متعلقاتها، إلاّ أنّ الأمثلة لا تساعده، و الأمثلة و إن كانت توهم التفصيل الثاني إلاّ أنّ العنوان لا يساعده.

و قد بلغ الإجمال في كلام صاحب الفصول- (قدّس سرّه)- إلى حدّ، بحيث قال بعض الأجلة (رحمه اللّه) حاكياً عن أستاذه العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) أنه أرسل الفصول إلى صاحبه (قدّس سرّه) بواسطة بعض الاعلام من تلامذته (قدّس سرّه)، لتحصيل المراد من العنوان الواقع في كلامه (رحمه اللّه) فلم يحصل من بيانه ما يرفع الإجمال عن كلامه زيد في علو مقامه. و هو عجيب.

أحدهما: ما ينقضي بانقضاء الزمان و ليس للزمان عليه مروران كالصلاة بلا سورة، أو الواقعة في شعر الأرانب و الثعالب، أو الواقعة فيما بنى على طهارته، و كذا العقد الفارسي و الإيقاع كذلك مثلاً- فحيث لا بقاء لها بل لها ثبوت واحد، و هي على الفرض وقعت صحيحة، فلا دليل على انقلابها فاسدة بعد فرض وقوعها صحيحة، كما هو مبنى القول بموضوعية الأمارات. و هذا معنى ان الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين.

و ثانيهما: ما لا ينقضي بانقضاء الزمان بل له بقاء و إن تغير حكمه كالحيوان الّذي بنى على حليته فذكاه، فانه باق، و المفروض أنّ حكم هذا الموضوع الباقي هي الحرمة، و اما التذكية فهي مبنية على حليته، و هو على الفرض- فعلاً- محرم، و كعرق الجنب من الحرام و ملاقيه فانهما موضوعان مر عليهما الزمان مرتين، و حكمهما فعلاً النجاسة، فكيف يعامل معهما معاملة الطاهر. نعم لو كان قد صلّى في ملاقي عرق الجنب كانت صلاته صحيحة و كالمرأة المرتضعة بعشر رضعات فانها باقية و حكمها فعلا انها محرمة.

و الفرق بين العقد الفارسي و العقد على المرتضعة بعشر رضعات أنّ محطّ الفتوى هو العقد في الأول و قد مضى صحيحاً فلا ينقلب فاسداً، و محطّ الفتوى‌

458

في الثاني هي المرأة المرتضعة- النقص فيها لا في العقد- و مصب الرّأي باق فعلاً، و المفروض تغير حكمها، فلا انقلاب، بل انتهاء أمد حكمها الأول، فهي بالإضافة إلى الرأي الثاني موضوع آخر.

و المراد مما وقع في العنوان- من تعين الوقوع شرعاً بأخذه بمقتضى الفتوى، و عدم تعينه بأخذه بها- ان الواقعة الّتي لا بقاء لها لا تقع صحيحة إلاّ بمقتضى الفتوى، فهذا الوجود الوحدانيّ لا يقع شرعاً إلاّ صحيحا على الفرض، فلا ينقلب بخلاف ما له بقاء فانه لا يتعين، لإمكان الانقلاب فيه بتجدد الرّأي.

و ليس المراد أنّ وقوعه شرعاً لا يكون منوطاً بالفتوى ليحمل على إرادة الموضوعات الواقعية، بل عدم تعين وقوعها و تمحضها في الصحة، بل لها تعين آخر بتجدد الرّأي، و إلاّ فلو فرض عدم تبدل الرّأي فيها وقعت صحيحة نافذة. هذا ما يقتضيه التأمل في كلامه لتحصيل مرامه و اللّه العالم.

قوله: مجرى الاستصحاب أو البراءة النقليّة .. إلخ.

لا يخفى عليك أنّ الاستصحاب بناء على كون مفاد دليله منجزية اليقين السابق، أو معذريته في اللاحق- كما هو ظاهره- حاله حال الأمارة على الطريقية المحضة الّتي لا تتكلف إنشاء طلبياً أصلاً.

و بناء على كون مفاده جعل الحكم المماثل بعنوان إيصال الحكم في اللاحق كما في السابق، فحاله حال جعل الحكم المماثل في الأمارة على هذا الوجه المقصور على صورة مصادفة الواقع.

و بناء على جعل الحكم المماثل على أي تقدير فحاله حال الأمارة على الموضوعية.

و قد مر أنّ مجرد انبعاث الحكم عن مصلحة غير مصلحة الواقع لا يقتضي البدلية و المسانخة، و لا اجزاء إلاّ على هذا الوجه، دون مجرد المصلحة.

و منه تعرف حال البراءة النقليّة، فانا و إن قلنا: بأنّ مقتضاها نفي الحكم حقيقة فعلاً، و جعل عدم الوجوب و عدم الجزئية مثلاً- دون جعل المعذرية- إلاّ أن‌

459

فعلية الأمر بما عداه لا تقتضي إلاّ كون الأمر بالباقي منبعثاً عن مصلحة، إذ لا يعقل الأمر حقيقة إلاّ كذلك، لكنه لا تتعين تلك المصلحة أن تكون بدلية، حتّى يتعين الاجزاء.

فان قلت: إنّ عدم الجزئية تارة بعدم جعل منشأ انتزاعها، و مقتضاه تعلق الأمر بما عداه، فلا يكشف عن مصلحة بدلية فيه.

و أخرى بجعل منشأ انتزاع عدم الجزئية، حتّى يكون عدم الجزئية مجعولاً بالتبع، فمقتضاه حينئذٍ جعل عدم وجوب المركب من المشكوك، لا مجرد المعذرية المركب من المشكوك، و حيث أنّ تعلق الأمر الفعلي بما عدا المشكوك محقق، و لا أمر به إلاّ بعنوان نفسه، فلا محالة يكشف عن الغرض المرتب على الصلاة بما هي صلاة.

و منه تعرف الفرق بين ما يدل على نفي الجزئية الشرطية، و ما يدل- من الأصل و الأمارة- على ثبوتهما، فان منشأ انتزاعهما ثبوتاً هو الأمر الفعلي بالمركب من الجزء المشكوك- مثلاً- بعنوان آخر، فلا يكشف إلاّ عن مصلحة فيه، لا عن المصلحة المرتبة على الصلاة بما هي.

قلت: أما كشف جعل عدم وجوب المركب من عدم المصلحة الملزمة فمعناه عدم كون الغرض بحد لا بد من إيصاله، لئلا يلزمه نقض الغرض من جعل عدم الوجوب، عن عدم المصلحة الملزمة رأساً، للزوم الخلف من تعلق الأمر الواقعي به.

و اما كشف الأمر بما عدا المشكوك فعلاً عن ترتب الغرض من الصلاة فغايته ترتب مرتبة من الغرض، لا بتمامه، و إلاّ لزم مساواة الزائد و الناقص في محصلية غرض واحد. فلا بد من دليل على مصلحة بدليّة، أو عدم إمكان استيفاء الباقي.

فتدبر جيّداً.

460

«في مفهوم التقليد لغةً و اصطلاحاً»

قوله: في التقليد و هو أخذ قول الغير .. إلخ.

توضيح المقام أنّ الكلام تارة في مقتضى مفهوم التقليد الواقع في قوله (عليه السلام) (فللعوام أن يقلّدوه) (1) و أخرى في حقيقة ما يعبر عنه بالتقليد الّتي يقتضي الأدلة العقلية و النقليّة جوازها.

اما الأول فنقول: التقليد مفهوماً جعل الغير ذا قلادة و منه تقليد الهدى، و هو يناسب العمل استناداً إلى رأي الغير، فانه جعل العمل كالقلادة في رقبته. و أما مجرد التعلم أو أخذ الرسالة أو الالتزام القلبي فلا يكون جعلاً لشي‌ء في رقبة الغير حتى يكون جعله ذا قلادة.

و منه تعرف ان مفهومه اللغوي أوفق بالعمل من الأخذ للعمل، فما عن الشيخ الأعظم- (قدّس سرّه)- (2): من انه بمعنى الأخذ للعمل أوفق بمفهومه اللغوي غير وجيه.

و اما ان التقليد سابق على العمل و إلاّ لكان العمل بلا تقليد.

ففيه أنّ التقليد إن كان عنواناً للعمل بتقريب أنّ العمل استناداً إلى رأي الغير تقليد، لم يكن فيه محذور كون العمل بلا تقليد بل نفس مثل هذا العمل عين التقليد، و لا موجب لانبعاث العمل عن عنوان التقليد حتّى يلزمه السبق، فانه بحسب الفرض أوّل الكلام: من أنّه نفس العمل أو الأخذ للعمل، و قد عرفت أن الأنسب بمفهومه هو الأول.

و لا تقابل بين الاجتهاد و التقليد حتّى يقتضي سبق الأول على العمل سبق الثاني عليه، فان الاجتهاد اما تحصيل الحجة على الحكم أو تحصيل الحكم عن مدركه، و ليس عدمه المقابل له تقليداً، لأن من لم يحصل الحجة على الحكم أو‌

____________

(1) الوسائل ج 18: ص 94: الباب 10 من صفات القاضي: حديث 20.

(2)- مجموعة رسائل: رسالة في الاجتهاد و التقليد ص 47.

461

من لم يحصل الحكم على مدركه ليس مقلداً مع عدم العمل أو عدم الأخذ للعمل، فلا تقابل بينهما بتقابل العدم و الملكة أو السلب و الإيجاب.

و أمّا التقابل بينهما بتقابل التضاد نظراً إلى أنّ الاجتهاد هو أخذ الحكم عن مدركه، و التقليد أخذ الحكم عن الغير، لا عن مدركه.

ففيه أنّ الأخذ بمعنى الالتزام و العمل أجنبي عن حقيقة الاجتهاد إذ ليس معنى الاجتهاد التزام المجتهد بالحكم، و لا عمله به.

و الأخذ بمعنى التعلّم الراجع إلى تحصيل العلم بالحكم و إن كان مشتركاً بين المجتهد و المقلد و الأخذ عن مدرك و عن الغير متقابلان، إلاّ أنه لا دليل على أن الاجتهاد و التقليد متقابلان، حتى يتعين كون التقليد بمعنى التعلم- تحقيقاً للتقابل- بل التقليد في قبال الاجتهاد بمعنى يقابل الاحتياط لهما، مع أنّ الاحتياط ليس إلاّ عنواناً للعمل، فالتقابل حقيقة بين العمل استناداً إلى المدرك أو إلى رأي الغير أو بنحو يوافق الواقع، هذا كله فيما يقتضيه مفهوم التقليد.

و اما الثاني و هو ما يقتضيه الأدلة العقلية و النقليّة.

فنقول: من الأولى: قضية الفطرة، و سيجي‌ء (1) إن شاء اللّه تعالى أنّ مقتضاها- لو تمّت- رفع الجهل يعلم العالم حقيقة، حيث أنه كمال القوة العاقلة، لا الالتزام بقول الغير تعبداً، أو العمل به كذلك، أو التعلم منه الّذي هو أخص من رفع الجهل بعلم العالم، فان التعلم الّذي هو مقدمة للعمل لا يدور مدار حصول العلم بالحكم، بل إحراز الفتوى و رأي الغير فقط.

فالتقليد بالوجه الّذي يقتضيه الفطرة ليس بأحد المعاني المبحوث عنها هنا.

مع ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في اقتضاء الفطرة.

و منها: قضية السيرة، و من البين أنّ ما جرت عليه سيرة العقلاء في مقاصدهم حفظاً لنظام أمورهم هو العمل بقول العارف بشي‌ء، لا عقد القلب عليه، و لا أخذه بوجود الكتبي أو بوجوده العلمي، و إن كانا من المقدمات أحياناً، فانّ كلّ ذلك‌

____________

(1)- يأتي في ص 462.

462

أجنبي عن مقاصد العقلاء في مرحلة انتظام أمورهم.

و منها: ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى منا- من أنّ الاستناد إلى من له الحجة لمن لا يتمكن من الاستناد إلى الحجة لازم بحكم العقل- و مقتضاه هو الاستناد عملاً و في مرحلة امتثال أحكامه تعالى، لا الانقياد قلبا، أو الأخذ كتباً أو علماً.

و من الثانية: اية النفر (1) و هي على فرض دلالتها على وجوب التقليد لا تدل إلاّ على العمل على طبق ما أنذر به المنذر، فانه المراد من التحذر القابل لتعلق الوجوب به، و هو الّذي يقتضيه الخوف عادة، دون الالتزام قلباً أو الأخذ علماً أو كتباً.

و منها: اية السؤال (2) ان كانت مسوقة لوجوب القبول بعد الجواب.

فالمراد القبول عملاً، لا قلباً فضلاً عن الأخذ بوجوده الكتبي، فان المطلوب في العمليات- بعد إيجاب قبول الجواب- ليس إلاّ القبول العملي.

و اما ان كانت مسوقة لتحصيل العلم فهي أجنبية عن التقليد التعبدي. فتدبر.

و مما ذكرنا تعرف حال سائر الأدلة النقليّة مثل ما دل على جواز الإفتاء و الاستفتاء (3) فانه يلازم القبول عملاً- عرفاً- لا سائر أنحاء القبول إذ المفروض فيها العمليات المطلوبة فيها العمل، دون الانقياد قلباً، فضلاً عن غيره فتدبر.

«أدلّة جواز التقليد»

قوله: يكن بديهياً جبلياً فطرياً .. إلخ.

الكلام في مقامين: أحدهما: في مستند العامي الحامل له على التقليد.

ثانيهما: في مقتضى الأدلة و ان لم يصلح لحمل العامي على التقليد، لتوقف‌

____________

(1)- التوبة: 122.

(2)- النحل: 43 و الأنبياء: 7.

(3)- الروايات الدالة على ذلك كثيرة متفرقة في الأبواب. راجع الوسائل 18: الباب 4 و 6 و 11 من صفات القاضي و أيضاً هذه الأبواب من المستدرك.

463

استفادته على الاجتهاد- المفروض عدم القوة عليه- أو على التقليد- المفروض وقوع البحث عنه بحيث يكون حاملاً للعامي- اما المقام الأول فصريح شيخنا (قدّس سرّه) هنا أنه بديهي جبلي فطري و كفى به حاملاً للعامي ان صحّ الأمر.

و التحقيق: أنّ الفطري المصطلح عليه في فنه هي القضية الّتي كان قياسها معها، مثل كون الأربعة زوجاً لانقسامها بمتساويين، و ما هو فطري بهذا المعنى هو كون العلم نوراً و كمالاً للعاقلة في قبال الجهل، لا لزوم التقليد عند الشارع، أو عند العقلاء و لا نفس رفع الجهل، بعلم العالم. و الفطري- بمعنى الجبلة و الطبع- شوق النّفس إلى كمال ذاتها أو كمال قواها، لا لزوم التقليد شرعاً أو عند العقلاء.

نعم ثبوت الشوق إلى رفع الجهل وجداني- لا جبلي و لا فطري- و رفع الجهل بعلم العالم جبلي. فيصح أن يقال: إنّ التقليد الموجب لارتفاع الجهل جبلي، لا لزومه تعبداً من الشارع أو من العقلاء.

و مجرد دعوة الجبلة و الطبع إلى رفع الجهل لا يجدي لكون التقليد- بمعنى الانقياد للعالم و لو من دون حصول العلم الّذي هو كمال العاقلة- جبلياً طبعياً.

و الكلام فيه دون غيره، فلا لزوم التقليد بهذا المعنى فطري بأحد المعنيين، و لا نفس التقليد المزبور فطري بوجه أصلا.

مضافاً إلى ما في الجمع بين البداهة و الجبلّة و الفطرة، فانّ ما هو فطريّ اصطلاحيٌّ يناسب البداهة و لا يناسب الجبلة، و ما هو فطريّ عرفيّ يناسب الجبلة و لا يناسب البداهة. و لقد خرجنا بذلك عن مرحلة الأدب. و اللّه تعالى مقيل العثرات.

و الّذي يمكن أن يقال مع قطع النّظر عن الأدلّة الشرعيّة: هو أنّ العقل- بعد ثبوت المبدأ و إرسال الرسل، و تشريع الشريعة، و عدم كون العبد مهملاً- يذعن بان عدم التعرض لامتثال أوامره و نواهيه خروج عن زي الرقية و رسم العبودية، و هو ظلم فيستحق به الذم و العقاب من قبل المولى.

464

ثمّ إنّ كيفيّة امتثال تكاليف المولى إما بتحصيل العلم بها كي يتمكن من الامتثال العلمي بالسماع من المعصوم و نحوه، و أما بإتيان جميع المحتملات الموجب للقطع بامتثالها.

و مع التنزّل لعدم التمكن من تحصيل العلم بها أو بامتثالها لمكان العسر و الحرج، أو عدم معرفة طريق الاحتياط يذعن، العقل بنصب طريق آخر في فهم التكاليف، و كيفية امتثالها لئلا يلزم اللغوية و نقض الغرض- من بقاء التكاليف و عدم نصب الطريق إليها- و هو منحصر في امرين: أمّا الاجتهاد و هو تحصيل الحجة على الحكم لمن يتمكن منه، أو التقليد و هو الاستناد إلى من له الحجة على الحكم.

بل لو احتمل حينئذٍ العمل بظنه لكان المتعين عليه عقلاً هو التقليد، لاحتمال تعينه، حتّى قيل بأنه من ضروريات الدين أو المذهب، دون تعين الظن، فلا يقين ببراءة الذّمّة إلاّ بالتقليد. فتدبر جيّداً.

و ليعلم أنّ الغرض من البيان المزبور استكشاف نصب الطريق شرعاً، و الا فكما لا فرق في نظر العقل في مقام الامتثال بين الامتثال التفصيليّ و الإجمالي- بملاك حصول القطع ببراءة الذّمّة- كذلك لا فرق في نظره بين تحصيل العلم بالاحكام و تحصيل الحجة عليها- بملاك الاشتراك في القاطعية للعذر.

نعم الاكتفاء بالتقليد مع ملكة الاجتهاد و التمكن من استنباط الحكم من مدركه محل الكلام، فعن المشهور انه غير جائز، و المنسوب إلى السيد المجاهد (قدّس سرّه) في المناهل الجواز (1).

و الأقوى هو الأول، لأن مقتضى الفطرة تحصيل العلم، لأنه كمال للعاقلة، كما ان الجبلة و الطبع تبعث إلى رفع الجهل، لا الانقياد للعالم، و على فرضه فمقتضاها الانقياد للعالم لو لم يتمكن بنفسه من تحصيل الحجة و العلم- بمعنى القاطع‌

____________

(1)- نسب إليه الشيخ الأعظم «(قدّس سرّهما)» في رسالة الاجتهاد و التقليد: انظر مجموعة رسائل: 53.

465

للعذر. كما أنّ مقتضى حكم العقل الاستناد إلى من له الحجة لو لم يتمكن من الاستناد إلى الحجة، لعدم اليقين ببراءة الذّمّة إلاّ مع عدم التمكن.

كيف و قد مر أنّ المعروف عدم جواز التقليد لصاحب الملكة، و ليس الغرض استقلال العقل بتعيّن الاجتهاد، بل عدم استقلاله بجواز التقليد كما في نظائره من تقليد الحي و تقليد الأعلم على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا مقتضى الأدلة اللفظية فنقول: إنّ الوجه في اختصاص أدلّة الأحكام بالمجتهد تمكنه و عجز العامي عن الأخذ بها، فلا مانع من فعليتها و تنجزها في حقّ صاحب الملكة، فلا مجال لشمول أدلّة التقليد، فانّ موردها من لا حجة له على الحكم، و المفروض أنّ المتمكن يتنجز في حقه الحكم، حيث أنه بحيث لو راجعه لظفر به، و منه تعرف أنه لا وجه لدعوى إطلاق أدلة التقليد بحيث يعم المتمكن. فتدبر.

«الكلام حول الاستدلال بالآيات على جواز التقليد»

قوله: و اما الآيات فلعدم دلالة مثل .. إلخ.

هذا هو المقام الثاني المتكفل لوجوب التقليد في نفسه، و ان لم يصلح لحمل العامي عليه، كما تقدم.

و توضيحه أنّ آية النفر (1)- كما ذكرنا في بحث حجية الخبر الواحد (2)- و ان كانت أدلّ على حجية الفتوى من حجية الرواية، نظراً إلى ظهور دخل الفقاهة في الحجية.

و إطلاق وجوب الإنذار بما تفقه فيه يقتضي حجية الإنذار بدلالة الاقتضاء، و ظاهرها التحذر بما أنذروا به، لا بالعلم بما أنذروا به.

____________

(1)- التوبة: 122.

(2)- نهاية الدراية ج 2.

466

و لا يصدق الاخبار عن ترتب العقاب على شي‌ء- مطابقة أو التزاماً- إلاّ إذا كان العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يكون كل اخبار إنذاراً.

إلاّ أنه مع ذلك كله نقول: إنّ التفقه إن كان موقوفاً على إعمال النّظر كانت الآية دليلاً على حجية الفتوى، و ان لم يكن كذلك، بل كان مجرد العلم بالحكم بالسماع من المعصوم (عليه السلام) تفقهاً، فلا دلالة لها على حجية الفتوى، بل على حجية خبر الفقيه، و الإنذار بحكاية ما سمعوه من الإمام (عليه السلام) من بيان ترتب العقاب على شي‌ء، فعلاً أو تركاً- مما لا ينبغي الريب فيه، بل كان في الصدر الأول الإفتاء و القضاء بنقل الخبر.

و اما اية السؤال (1) فظاهرها و ان كان إيجاب السؤال لأن يعلموا، حيث انهم لا يعلمون، و الظاهر أن يعلموا بالجواب، لا بأمر زائد على الجواب، فتدل على حجية الجواب بما هو، إلاّ ان المسئول بحسب سياق الآية أهل الكتاب، و بحسب التفاسير (2) الواردة فيها الأئمة (عليهم السلام)، فهي على أي حال أجنبية عن حجية الفتوى و الرواية معاً.

الا أن يقال انه بالإضافة إلى علماء أهل الكتاب جار مجرى الطريقة العقلائية- من إرجاع الجاهل إلى العالم- فتأمل جيداً.

و أما الاخبار الدالة على جواز الإفتاء و الاستفتاء (3) فهي و ان كانت أحسن ما في الباب، إلاّ أنّ الإفتاء حيث كان في الصدر الأول بنقل الخبر، و كان نشر الأحكام في زمان النبي و الإمام (عليهما السلام) بنقل الأخبار و الآثار- لا باعمال الرأي و النّظر- فلذا لا تدل إلاّ على حجية الخبر. فتدبر.

و منه تعرف ما في الاستدلال بقوله (عليه السلام) (فللعوام أن يقلّدوه) (4) فان‌

____________

(1)- النحل: 43 و الأنبياء: 7.

(2)- راجع تفسير نور الثقلين ج 3 ص 55، حديث 87- 102.

(3)- الوسائل ج 18: باب 4 و 6 و 11 من أبواب صفات القاضي.

(4)- الوسائل ج 18 ص 94: باب 10 من أبواب صفات القاضي: حديث 20.

467

قبول اخبار الغير من غير دليل على المخبر به يصدق عليه التقليد عرفاً، كما يدل عليه مورد هذا الخبر فراجع.

بل الحقّ أنّ مادة الفتوى- حتّى بلسان الشرع- غير متقومة بالرأي و النّظر المخصوص بالمجتهد كما في قوله تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلٰالَةِ) (1) و قوله (عليه السلام) (إذا أفتيتك بشي‌ء) (2) بل لا تختص بالاحكام كما في قوله تعالى (فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً) (3) و قوله تعالى (وَ لٰا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (4) فالإفتاء ليس إلا إعطاء معاومه- حكما كان أو غيره- فيصح إطلاقه على الاخبار بالحكم حقيقة، لا من حيث شيوع الإفتاء بنقل الخبر في الصدر الأول، كما قيل.

قوله: و هذا غير وجوب إظهار الحق .. إلخ.

لأن الإظهار و الظهور- كالإيجاد و الوجود- متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فلا يعقل ان يكون له إطلاق لصورة عدم العلم، لأن عدم الظهور لا ينفك، عن عدم الإظهار.

و منه يعلم أنه لا موقع لدلالة الاقتضاء على وجوب القبول تعبداً، لأن الواجب- و هو الإظهار- لا يتحقق إلاّ مع الظهور الّذي لا يبقى معه مجال للقبول، تعبداً بخلاف إظهار الفتوى فانه يلازم ظهور الفتوى المجامع مع عدم ظهور الواقع، فيبقى مجال التعبد بالقبول.

و من الواضح أنّ الإفتاء بمفهومه لا يقتضي إلاّ إظهار الفتوى، لا الواقع، و لم يتقيد وجوبه بغاية مخصوصة،- و هي إظهار الواقع به- حتّى يكون بمنزلة إيجاب إظهار الواقع.

____________

(1)- النساء: 176.

(2)- الوسائل ج 18 ص 79: حديث 17، منقول بالمعنى و في العيون 1: 275: حديث 10 «فإذا أفتاك بشي‌ء ..».

(3)- الصافات: 11.

(4)- الكهف: 22.

468

قوله: للقطع بحجيته و الشك في حجية غيره .. إلخ.

الكلام في الأصل تارة فيما يسع أن يكون مستنداً للعامي بحسب ما يستقل به عقله، و أخرى فيما يقتضيه القاعدة بعد النّظر في أدلة وجوب التقليد شرعاً، و هذا هو الّذي بلحاظه للمفتي أن يفتي بالرجوع إلى غير الأعلم، ففائدة الأول ترجع إلى العامي، و فائدة الثاني ترجع إلى المفتي.

أما الكلام في الأول: فقد استوفيناه في مبحث التعادل و الترجيح (1) و قد ذكرنا ان المعذرية الواقعية- كالمنجزية- غير مجدية في دفع عقاب الواقع و في ترتبه، بل الواصلة منهما و معذرية العمل على طبق فتوى الأفضل واصلة، دون فتوى المفضول. فراجع.

و اما الكلام في الثاني: فبيانه أنّ الفتوى ان كانت في نظر المجتهد حجة من باب الطريقية المحضة- و لو بجعل الحكم المماثل على طبقه بعنوان إيصال الواقع- فالامر فيه كما مر في الأول. و لعله إليه ينظر (قدّس سرّه) حيث ساوى بين المقامين.

و ان كانت حجة من باب الموضوعية و السببية و اشتمال كل منهما على المصلحة المقتضية لجعل الحكم على طبقه، فالمسألة و ان كانت ذات وجوه بل أقوال: من رجوعها إلى الشك في التعيين و التخيير و فيه قول بالاشتغال و قول بالبراءة، و من رجوعها إلى المتزاحمين، و من رجوعها إلى الدوران بين المحذورين أحياناً.

الا أنّ الصحيح هو الثاني، فان مورد الأول ما إذ علم بالملاك في المعين و احتمل وجوده في الآخر، و المفروض بناء عي الموضوعية وجوده فيهما معا، و انما الشك في أقوائيته في أحدهما من الآخر. فالحكم في كل منهما تعييني في حد ذاته- شرعاً- و التخييرية لتمانعهما عقلاً في الفعلية.

____________

(1)- نهاية الدراية ج 3 ص 354.

469

و قد أوضحنا الحال فيه في مبحث التعادل و الترجيح (1)، و بيّنا هناك أنّ ميزان التساوي- الموجب لحكم العقل بالتخيير في الجري على طبق كلّ منهما- هو التساوي في وجدان العقل، و مع عدم وصول قوة الملاك في أحدهما يكونان متساويين في وعاء وجدان العقل. فراجع.

«في وجوب تقليد الأعلم»

قوله: أو جوز له الأفضل بعد رجوعه إليه .. إلخ.

في رسالة تقليد الأعلم (2) لشيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) حكاية المنع عنه عن بعض معاصريه.

فقال- (قدّس سرّه)- في طريق دفعه: إنّ الكلام إن كان في جواز إفتاء الأعلم بهذه الفتوى بعد اجتهاده فيها فلا وجه لمنعه، و ان كان في صحة عمل المقلد بها فلا إشكال في الصحة بعد جواز التقليد فيها، و بعد علم المقلد بان هذه المسألة يجوز التقليد فيها.

و استند (قدّس سرّه) في الأول إلى عموم أدلة التقليد، و في الثاني إلى ما هو المركوز في ذهنه من رجوع الجاهل إلى العالم.

و لكنه لا يخلو عن محذور، إذ ليس كل ما يقتضيه الأدلة و يستنبطه المجتهد تقليدياً، ألا ترى أنّ مقتضى الأدلة جواز التقليد مع أنه ليس بتقليدي، للزوم الدور و التسلسل.

فليس كل ما يستفيده المجتهد قابلاً للفتوى على طبق، كما تبين أنّ عموم جواز التقليد لا ينافي عدم جواز التقليد في مسألة جواز التقليد، فان الاستناد في الصلاة و الصوم إلى الفتوى امر، و الاستناد إلى نفس الفتوى في جعلها مستنداً أمر‌

____________

(1)- نهاية الدراية ج 3 ص 354.

(2)- انظر مجموعة رسائل: رسالة الاجتهاد و التقليد للشيخ الأعظم (قدّس سرّه): 82.

470

آخر، لاستلزامه للمحاذير العقلية.

و منه تبين أنّ علم المقلد بجواز التقليد لما ارتكز في ذهنه غير علمه بجواز التقليد حتّى في مسألة جواز التقليد، فان مرجعه إلى ارتكاز الخلف في ذهنه، لأنه حينئذٍ مقلد في جواز التقليد لا أنّ مستنده في جواز التقليد ما ارتكز في ذهنه و استقل به عقله.

فاللازم بيان ما يتخيل في وجه المنع و دفعه.

فنقول: كما أنّ التقليد في مسألة جواز التقليد، و تقليد الأعلم في لزوم تقليد الأعلم، و تقليد غير الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم، كله مستلزم للدور، و تقليد غير الأعلم في وجوب تقليد الأعلم مستلزم للخلف، و انه يستلزم من وجوده عدمه، كذلك لازم تقليد الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم هو الخلف و شبهه، لأن المفروض وجوب تقليد الأعلم معيناً و عدم جواز تقليد غيره، فإذا جاز تقليد الأعلم في جواز تقليد غير الأعلم لزم وجوب تقليده معيناً عدم وجوب تقليده معيناً و من حجية فتواه بالخصوص عدم حجية فتواه بالخصوص.

و بتقريب آخر كما أنّ أصل التقليد لا يعقل أن يكون بالتقليد بل لا بد من انتهاء التعبد إلى القطع، كذلك خصوصية المقلّد إذ مجرد استقلال العقل بوجوب التقليد مع عدم تعيين المقلد- من الجهات المعتبرة عقلاً في المقلد- لا يجدي في الاستناد الفعلي، فلا بدّ من أن لا تكون الخصوصية تقليدية.

و يندفع هذا التخيل بأنه مع عدم استقلال العقل بالتقليد لا يعقل وجوبه، و مع استقلاله به لا مجال لوجوبه، و الخصوصية كأصله في ذلك، فانه مع عدم استقلال العقل لا مجال للرجوع إلى واجدها أو فاقدها تعبداً، و مع استقلال العقل باعتبارها لا مجال للتقليد فيها، إلاّ أنّ العقل أوجب الرجوع إلى الأعلم، لا من حيث فاقدها، فهو احتياط من العقل، فلم يحكم العقل بوجوبه معيناً- بمعنى استقلاله بوجوبه التعييني- حتّى يلزم الخلف من تقليد غير الأعلم بفتوى الأعلم، بل معناه انه لا يستقل بجواز الرجوع إلى غيره.

471

فحيث صحّ الرجوع إلى الأعلم استناداً إلى أصله إلى حكم العقل استقلالاً و في خصوصيته إلى الاحتياط، كانت الخصوصية قابلة للتقليد، كما أنها قابلة للاجتهاد من دون لزوم حال.

نعم إن استقلّ عقل العامي بتعيين الأعلم بحيث يرى التسوية بينه و بين غيره تسوية بين العالم و الجاهل، كما ربما سيأتي إن شاء اللّه تعالى فلا محالة لا مجال لتقليد الأعلم في هذه المسألة. فتدبر جيّداً.

«أدلّة قائلين بجواز تقليد غير الأعلم»

قوله: و لا إطلاق في أدلة التقليد .. إلخ.

تقريب الإطلاق ان شمول قوله (عليه السلام)- (فانهم حجتي عليكم) (1) و قوله (عليه السلام) (اعتمدا في دينكما على كل مسن في حبنا كثير القدم في أمرنا) (2) و قوله (عليه السلام) (انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا) (3) و قوله (عليه السلام) (انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا) (4) و قوله (عليه السلام) (و اما من كان من الفقهاء إلى قوله (عليه السلام) فللعوام أن يقلدوه) (5) إلى غير ذلك من الأخبار- لصورة التفاوت في الفضيلة و الاختلاف في الفتوى مما لا وجه لإنكاره، لكثرة التفاوت في الفضيلة و شيوع الاختلاف في الفتوى.

بل لا بد من القول بشمولها لصورة الاختلاف، و إلاّ لم يكن دليل نقلي على حجية شي‌ء من المتعارضين.

____________

(1)- الوسائل ج 18 ص 101: حديث 9.

(2)- الوسائل ج 18 ص 110، الباب 11 من صفات القاضي: حديث 45.

(3)- الوسائل ج 18 ص 4: حديث 5.

(4)- الكافي ج 7 ص 412 و الوسائل ج 18 ص 99: حديث 1.

(5)- الوسائل ج 18 ص 95، حديث 20.

472

و اما المنع عن شمولها للمتعارضين- لاستلزامه المحذور- فمدفوع بأنه على الموضوعية لا مانع من شمولها، غاية الأمر هما كالواجبين المتزاحمين، و التخيير بحكم العقل لا ينافي ظهور الأدلة في الحكم التعييني، فانه كلاً من المتعارضين حجة بذاته معيناً، و العقل يخير في تطبيق العمل على كل منهما.

و اما على الطريقية فالأصل الأولى و إن كان يقتضي التساقط، لكنه بناء على عدمه- إما للاخبار العلاجية كما في الخبرين المتعارضين، أو للإجماع كما فيما نحن فيه- يمكن استكشاف المنجزية و المعذرية بنحو التخيير بالتقريب الّذي قدمنا بيانه في مبحث التعادل و الترجيح. فراجع (1).

و ربما يقال: بعدم شمولها لصورة التعارض في مثل المقبولة، و إلاّ لما سأل السائل عما إذا اختلف الحكمان، و لكان تعيين الإمام (عليه السلام) للأعدل و الأفقه مخصصاً لصدر الخبر.

و يندفع: بان الإطلاق لصورة الاختلاف في الفتوى امر، و لصورة حكم الحاكم على خلاف ما حكم به الآخر- لا على خلاف فتوى الاخر- امر آخر، و مورد الكلام هو الأول، و مورد النقض و المسئول عنه في المقبولة هو الثاني.

و من البين ان مورد الافتراق بين الاختلاف في الفتوى، و الحكم على الخلاف هو القضاء، و لا يتصور مثله في الفتوى، كما لا يخفى.

نعم يمكن الخدشة في الإطلاق من وجهين.

أحدهما: ان مورد الإطلاقات هي الرواية دون الفتوى، بل قد عرفت أنّ ما فيه مادة الإفتاء و الاستفتاء غير ظاهر في الفتوى المصطلح عليها المتقومة باعمال الرّأي و النّظر، بل مادتها حتّى بلسان الشرع كذلك، كما مر.

مضافاً [إلى] ان الإفتاء في الصدر الأول في مقام نشر الأحكام كان بنقل الروايات لا بإظهار الرّأي و النّظر بجعل الرواية المحكية مستنداً لرأيه، و عليه فالإطلاقات غير متكفلة لحال الفتوى حتّى يتمسك بإطلاقها.

____________

(1)- نهاية الدراية ج 3 ص 352.