المختار في أحكام الخيار

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
738 /
3

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خاتم رسله و آخر سفرائه و أمينه على وحيه و صفيّه من عباده امام الرحمة، و قائد الخير، و مفتاح البركة، و على آله حجج اللّه في أرضه الذين ختم بهم على جميع من ذرأ و جعلهم شهداء على من جحد، و كثّرهم بمنّه على من قلّ، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج و الأرض ذات فجاج (1).

أمّا بعد: فقد طلب منّي حضّار بحوثي الفقهية الكرام، القاء محاضرات في أحكام المعاملات- و ذلك بعد إنهاء البحث- عن أحكام النكاح و الطلاق و الفرائض (الأحوال الشخصية)، فلبّيت طلبهم، و نزلت عند رغبتهم، فاخترت أحكام الخيارات على ضوء ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري- (قدّس اللّه سرّه)- ملتزما بالبحث عن الأهمّ فالأهمّ، معرضا عمّا لا يمسّ الحياة، و لا يمتّ إلى الفقه بصلة.

____________

(1)- مقتبس من دعاء الإمام زين العابدين- (عليه السلام)- في الصحيفة، الدعاء 2.

4

و تشتمل هذه الصحائف على لبّ ما ألقيته في المحاضرات و أرجو أن تكون رصيدا لبغاة الفقه الإسلامي، و مصباحا لمن يريد أن يسلك طريقه و يقتطف ثماره ...

و تتميز هذه المحاضرات بأمور ثلاثة:

1- إنّ رائدنا في عنوان المسائل و تنظيمها، هو كتاب الشيخ الأعظم الأنصاري في الخيارات و أحكامها و الشروط و النقد و النسيئة و القبض- فلذلك مشينا على ضوئه ترتيبا و عنونة- و اقتفينا أثره بتوضيح مقاصده تارة، و نقدها أخرى بتعابير خالية عن التعقيد.

2- لما كان للمشايخ العظام- الذين جاءوا بعده و تربّوا في أحضانه، و ارتووا من منهل علمه- آراء و أفكار جديدة فيها فقد عطفنا النظر إليها أيضا، و قمنا بتحليلها بالمشراط العلمي- فلذلك- ترى بعض المواضع طويلة الذيل، مترامية الأطراف.

3- الالماع إلى آراء المتقدمين من الفقهاء حتى يتبين للناظر مسير المسألة تاريخيا و تتخذ المحاضرات لنفسها صبغة الفقه المقارن حتى ينتفع بها القارئ الكريم.

و اللّه الهادي إلى سواء السبيل و هو حسبي و نعم الوكيل‌

قم- مؤسسة الإمام الصادق جعفر السبحاني‌

6- ربيع الأوّل من شهور عام 1413‌

5

الفصل الأوّل الخيار لغة و اصطلاحا

الأصل في البيع اللزوم.

ما هو الدليل على هذا الأصل في الكتاب و السنّة.

الاستدلال بالأصل على اللزوم.

الأصل المعارض لهذا الأصل.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الخيار لغة و اصطلاحا الخيار اسم مصدر من الاختيار، نصّ به الجوهري في الصحاح، و قال:

الخيار: الاسم من الاختيار، و تبعه ابن منظور في لسان العرب، و الفيروزآبادي في القاموس، و الزبيدي في تاج العروس، و يظهر أيضا من النهاية الأثيرية في تفسير قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» فقال: الخيار: الاسم من الاختيار، و هو طلب خير الأمرين: إمّا امضاء البيع أو فسخه.

و لعلّ وجهه هو أنّ المصدر الثلاثي من الفعل المزيد فيه، يكون اسم مصدر لا نفسه، مثل قوله: طلّق طلاقا، أو اغتسل غسلا، و في المقام: اختار خيارا.

و أمّا معناه لغة: فالظاهر أنّه بمعنى الاصطفاء. قال سبحانه: وَ اخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقٰاتِنٰا (الأعراف/ 155) و قال: وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمٰا يُوحىٰ (طه/ 13) و مثلها آيات أخر (1).

فإذا كان الخيار بمعنى الترجيح فهو من مقدّمات الإرادة بعد تصوّر المراد و التصديق بملائمته للطبع أو العقل، أي ترجيحه ثم الاشتياق إلى ايجاده، ثمّ التصميم.

فعلى ذلك فالمعنى اللغوي منه يغاير المعنى المعروف بين الفقهاء، فهو عندهم بمعنى حقّ الخيار، و حقّ الاصطفاء، لا الاختيار و الانتخاب، فلا مناص عن القول بالنقل عن المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي و هو حقّ الترجيح و حق الاصطفاء.

____________

(1)- القصص/ 68، الدخان/ 32.

8

تعريف الخيار:

عرّف الخيار المصطلح بوجوه:

ألف- الخيار: هو حقّ الاصطفاء من الفسخ و عدمه،

و إن شئت قلت:

سلطنة ذي الخيار على الفسخ، فالخيار من مقولة «الحق» و هو سلطنة خاصة للعاقد على تعيين أحد الطرفين.

ب- الخيار: هو ملك فسخ العقد.

و هو المنقول عن «فخر المحقّقين» (1).

و اعترض عليه بأنّه غير جامع و لا مانع. أمّا الأوّل فلخروج الخيار الثابت في مورد المحجور عليه كالسفيه و المجنون، إذ لا سلطنة لهما على فسخ العقد.

و أمّا الثاني فلدخول موارد في التعريف مع أنّها ليست من الخيار المصطلح، أعني:

1- ملك الفسخ في العقود الجائزة.

2- ملك الفسخ في العقد الفضولي.

3- ملك الوارث ردّ العقد على ما زاد على الثلث.

4- ملك العمّة و الخالة لفسخ العقد على بنت الأخ و الأخت.

5- ملك الأمة المزوّجة من عبد، فسخ العقد إذا أعتقت.

6- ملك كل من الزوجين للفسخ بالعيوب.

____________

(1)- نسبه الشيخ الأنصاري إلى موضع من الايضاح و لم نجده في الموضع المعدّ لبيانه، لاحظ: إيضاح القواعد: 1/ 480.

9

يلاحظ على الأوّل: بأنّه داخل في التعريف، إذ السلطنة ثابتة للمحجور عليه، و هو مالك لزمام العقد لكنّه لا يقوم به بنفسه، بل يقوم به غيره، و ليس التعريف ظاهرا في كون صاحب السلطنة قائما بنفسه بإعمالها، و بعبارة أخرى:

المحجور عليه، يملك فسخ العقد، و لكنّه ينوب عنه وليّه، كسائر التصرّفات التي فيها غبطة المحجور عليه فيقوم به وليّه.

و يلاحظ على الثاني: بأنّه تختلف أحكام هذه الموارد. أمّا الأوّلان: فلا يدخلان فيه و ذلك لأنّ المراد من ملك الفسخ هو السلطة عليه، الحاصلة من العقد، النابعة منه، بمعنى أن يكون العقد سببا للسلطة كما في خياري المجلس و الحيوان و غيرهما. و أمّا ملك الفسخ في العقود الجائزة و العقد الفضولي: فليس نابعا من عقد العارية أو عقد الفضولي، و إنّما هو نابع من ملكيّة المعير للمستعار، و ملكية المالك لماله المبيع بغير اذنه، و بعبارة أخرى: انّ قوله: «ملك فسخ العقد» هو السلطة الابتدائية الحاصلة بالعقد و السلطة في الموردين ليست ابتدائية، بل ثابتة قبل العقد، لعدم انقطاع العلقة بين المالك و ماله، لا في العقود الجائزة و لا في البيع الفضولي.

و أمّا المتوسّطان: فلأنّ المتبادر من ملك فسخ العقد هو تملّك العاقد فسخ عقده كما في الخيارات المعروفة، و الأمر فيهما ليس كذلك بل الزوجة مالكة لفسخ عقده كما في الخيارات المعروفة، و الأمر فيهما ليس كذلك بل الزوجة مالكة لفسخ عقد زوجها، كما أنّ الوارث مالك لفسخ عقد المورّث، فيما زاد على الثلث، فمثل ذلك غير داخل في التعريف حتى يحتاج إلى الاخراج، و إن شئت قلت: المتبادر ملك فسخ عقد نفسه لا عقد غيره.

و أمّا الأخيران: فلا وجه لاخراجهما فكلّ من الزوج و الزوجة ذو خيار عند‌

10

ظهور العيوب المجوّزة للفسخ، كما أنّ الأمة المزوّجة من عبد ذات خيار، إذا أعتقت. فتلخّص أنّ التعريف جامع و مانع و هو عبارة أخرى عمّا اخترناه من التعريف من السلطنة على الفسخ و عدمه.

ج- الخيار: هو ملك إقرار العقد و إزالته.

و أورد عليه الشيخ: بأنّ المراد من اقرار العقد إمّا ابقاؤه على حاله بترك الفسخ، أو جعله عقدا لازما غير قابل للفسخ.

فعلى الأوّل، فذكره مستدرك لكفاية قوله «ملك ازالته» عن ذكر اقرار العقد و ابقاؤه على حاله، لأنّ من يملك الازالة، يملك الابقاء على حاله.

و على الثاني، يكون مرجعه إلى إسقاط حقّ الخيار، لأنّ جعل العقد لازما غير قابل للانفساخ، لا يتحقّق إلّا بإسقاط حقّ الخيار، فلا يؤخذ مثله في تعريف نفس الخيار.

أضف إلى ذلك: أنّه لا يصدق التعريف- على الاحتمال الثاني- إلّا على الخيار القائم بطرف واحد لا الخيار المشترك، إذ باسقاطه لا يصير العقد عقدا لازما إلّا من طرفه لا مطلقا مع أنّ ظاهر التعريف كونه لازما مطلقا.

يلاحظ على الأوّل: بأنّ كلّ واحد من القيدين يغني عن الآخر، فملك اقرار العقد يلازم ملك ازالته كما أنّ ملك الازالة يلازم ملك الاقرار، فعلى ذلك، فليس الاستدراك منحصرا في لفظ اقرار العقد، بل ذكر كلّ واحد، يوجب استدراك الآخر.

و مع ذلك كلّه لا يعد مثل ذلك استدراكا إذا كان الهدف هو التعريف بصورة واضحة.

11

و أمّا الثاني أعني: جعل العقد لازما و غير قابل للفسخ، فليس مرجعه إلى اسقاط حقّ الخيار بل إلى جعل العقد عقدا لازما غير قابل للفسخ، فلا يلزم من تفسيره بالمعنى الثاني أخذ إسقاط الخيار في تعريف الخيار، غاية الأمر أنّ الاسقاط سبب لجعله لازما لا نفسه.

و الشاهد على ذلك: أنّك لو عرّفت الخيار بما ذكر، لا يكون مخالفا لما هو المتبادر من الخيار عند العقلاء، بخلاف ما لو فسّرت بقولك: «الخيار هو اسقاط حقّ الخيار».

و أمّا ما أفيد أخيرا من ظهوره في جعله لازما مطلقا من كلا الطرفين، فليس التعريف ظاهرا فيه بل المتبادر هو الأعم منه و من اللزوم النسبي.

ثمّ إنّ المتبادر من الروايات في تفسير الخيار هو التعريف الأوّل و الثاني.

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (1) فمعناه أنّ له السلطة على انتخاب أحد الطرفين إلى أن يفترقا و بعده لا سلطنة له.

و في رواية الحلبي ... فإذا افترقا وجب البيع (2).

و روى الصفار عن أبي محمد- (عليه السلام)- في الدابّة التي أحدث فيها المشتري حدثا من أخذ الحافر و غيره، أنّه- (عليه السلام)- وقّع: «إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء» (3). وجه الدلالة أنّه إذا كان البيع بمعنى العقد متعلقا للّزوم يكون العقد متعلقا للخيار أيضا.

____________

(1)- الوسائل: 12، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 3- 4.

(2)- الوسائل: 12، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 3- 4.

(3)- المصدر نفسه: الباب الرابع، الحديث 2.

12

الأصل في البيع اللزوم

قال العلّامة في التذكرة: الأصل في البيع اللزوم (1).

ما هو المراد من «الأصل» في المقام؟

قد ذكرت عدّة احتمالات:

1- الراجح:

مستندا في تصحيحه إلى الغلبة.

و أورد عليه: أنّه إن أراد غلبة الأفراد فغالبها ينعقد جائزا لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط.

و إن أراد الغلبة من حيث الزمان فهي لا تنفع في الأفراد المشكوكة لأنّ الفرد المشكوك من البيع، مشكوك من أوّل وجوده و أنّه هل هو جائز أو لازم، فلا يفيده كون البيع في أغلب الأزمنة لازما.

2- القاعدة المستفادة من العمومات

التي يجب الرجوع إليها عند الشك.

3- الاستصحاب:

أي استصحاب بقاء أثر العقد بعد الفسخ.

4- المعنى اللغوي:

بمعنى أنّ وضع البيع و أساسه عرفا على اللزوم و صيرورة المالك الأوّل كالأجنبي، فإنّ لكلّ معاملة في نظر العقلاء طبعا خاصا، فطبيعة العارية هو الجواز لأنّ المعير لم يقطع علاقته عن ماله، و إنّما دفعه إلى المستعير‌

____________

(1)- التذكرة: 1/ 490، إيضاح الفوائد في شرح القواعد: 1/ 480.

13

ليقضي به حاجته ثم يردّه إلى صاحبه، بخلاف طبيعة الوقف فإنّها عبارة عن قطع المالك علقته عن الموقوف، و ادخاله في سلطة الموقوف عليهم، و مثله البيع فإنّ غرض كل من المتعاقدين هو التصرّف فيما صار إليه تصرّفا مأمونا من نقض صاحبه عليه.

و بعبارة أخرى: أنّ كلّا من البائع و المشتري إنّما يقدم على البيع لأن يقضي بالثمن أو المثمن، حاجته التي لا تقضى إلّا أن يكون مالكا له على وجه، تنقطع به سلطة البائع، فالمشتري- مثلا- يريد أن يشتري بيتا و يسكن فيه و تحصل له الطمأنينة من أزمة المسكن بحيث لا تكون للبائع سلطة الرد و تعود المشكلة، أو يريد أن يجعله صداقا لامرأته أو غير ذلك من الأمور التي تقتضي بطبعها كون البيع عقدا لازما.

و لعلّ هذا الوجه أحسنها و أطبقها على عبارة التذكرة، بل هو كاف في اثبات اللزوم للبيع في موارد الشك من دون حاجة إلى التجشّمات التي ارتكبها الشيخ في أوّل البيع. و في المقام، فإذا كانت طبيعة البيع في نظر العرف مقتضية للّزوم و قد أمضاه الشارع بما له هذه الطبيعة، فهو المحكّم في الموارد المشكوكة حتى يدل دليل على خلافه كما هو الحال قبل التفرّق، و بالجملة: الأولى دراسة طبائع المعاملات و خصائصها و نتائجها عند العرف حتى نقضي على أنّ الأصل ما هو، و من المعلوم أنّها بهذا الوصف، وقع مورد التصويب و الامضاء، فما لم يدل دليل على خلافه يؤخذ بالمعنى المتبادر عند العرف.

ثمّ إنّ العلّامة ذكر أنّه يخرج من هذا الأصل بأمرين: ثبوت خيار، أو ظهور عيب. و يحتمل أن يكون العطف من باب عطف الخاص على العام كما يحتمل أن‌

14

يكون من باب عطف المباين على المباين، و أنّ المراد من المعطوف عليه، ما كان ثابتا بأصل الشرع أو بجعل المتعاقدين، و من المعطوف ما اقتضى نفس المعاملة كما إذا كان أحد العوضين معيبا. و هناك وجه ثالث، و هو: أنّ وجه التفكيك بين خيار العيب و سائر الخيارات، هو أنّ الثابت في الثاني هو الفسخ فقط و في الأوّل الفسخ و الارش معا.

ما هو الدليل على أنّ الأصل هو اللزوم:

استدلّ الشيخ عليه بآيات و روايات، نذكر المهم منها:

[الاستدلال بالآيات القرآنية]

1- آية الوفاء بالعقود:

قال سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ (1).

وجه الدلالة: أنّ المراد بوجوب الوفاء، العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب الدلالة اللفظية، و من المعلوم أنّ مدلول عقد البيع حسب الدلالة اللفظية هو مالكية المشتري للمثمن، فيجب حسب الآية، العمل بما تقتضيه مالكيته، فكما أنّ أخذه من يده بغير رضاه و التصرّف فيه، نقض لمضمون ذلك العقد، فهكذا التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون رضا صاحبه، حرام. فمدلول الآية حسب الدلالة المطابقية، حرمة كلّ تصرّف يعد نقضا لمالكية المشتري للمثمن سواء أ كان قبل الفسخ كما هو المسلّم أو بعد الفسخ كما هو مورد البحث، فإذا‌

____________

(1)- المائدة/ 1.

15

حرم التصرّف، كشف عن بطلان الفسخ و هو ملازم للزوم البيع، فمدلول الآية حكم تكليفي و هو حرمة كل تصرّف يعد نقضا فينتزع منه حكم وضعي و هو بطلان الفسخ المساوي للّزوم.

أورد على الاستدلال بالآية بما يلي:

إنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد، العمل بما يقتضيه من لزوم و جواز، فلا يتمّ الاستدلال به على اللزوم لأنّه لم يحرز- بعد- أنّ مفاد العقد في البيع، هو اللزوم.

و بعبارة أخرى: الآية تقضي بأنّه يجب العمل على طبق العهد و العقد، فلو كان العقد لازما تجب الحركة على طبقه، و إن كان جائزا تجب كذلك، و هذا مثل ما يقال: يجب العمل بالأحكام الشرعية، فيدخل تحته العمل بالواجبات و المستحبّات.

فأجاب عنه الشيخ: إنّ اللزوم و الجواز من الأحكام الشرعية للعقد و ليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع، فالذي يجب الوفاء به ما هو مقتضاه حسب الدلالة اللفظية، و ما يدل عليه العقد بهذه الدلالة هو مالكية المشتري للمثمن فيجب الوفاء بها و الاحترام لها، و أمّا الوجوب و اللزوم فخارجان عن مفاد العقد فيخرج عن اطار وجوب الوفاء.

هذا توضيح ما أفاده الشيخ:

يلاحظ على أصل الاستدلال أوّلا: بالفرق بين التصرّف قبل الفسخ و التصرّف بعده، فالأوّل حرام بحكم الآية لأنّه نقض لمضمون العقد المتحقّق فعلا على وجه القطع، و أمّا الثاني فبما أنّ العقد مشكوك البقاء بعد الفسخ لاحتمال كون البيع عقدا جائزا يجوز حلّه، فلا يصحّ لنا القول بأنّه نقض للوفاء بالعقد، لأنّ‌

16

العقد بعد مشكوك، و التمسّك بالآية في هذا الظرف تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

و بعبارة أخرى: أنّ وجوب الوفاء بالعقد فرع وجوده، فهو بعد مشكوك و لا يحرز إلّا بالاستصحاب، و المفروض الاستدلال بالآية لا به، و سيجي‌ء البحث عنه مستقلّا.

و ثانيا: أنّ الوفاء بالعقد و العهد يتصوّر على وجهين: آنيّ و استمراريّ، إذ يتصوّر للعقد، تارة وفاء استمراري كما إذا نذر صلاة الليل في كل ليلة أو نذر ألّا يشرب التبغ إلى سنة، ففي هذه الصورة يكون كل زمان موضوعا للوفاء بالعقد و العهد، فلو صلّى شهرا و تركها شهرا، فقد نقض عهده و لم يف بعقده.

و أخرى وفاء آنيّ كما في البيع، فإنّ من باع شيئا بشي‌ء فالوفاء به عبارة عن تمليك المثمن و تملّك الثمن، فإذا قاما بهذا الأمر فقد وفيا بالعقد، و ليس بعده موضوع حتى يجب الوفاء به، حتى و لو نزع المثمن من يد المشتري جبرا و ظلما بعد ما دفع إليه اختيارا ففي هذا الوقت، ارتكب الحرام و غصب مال الناس، لا أنّه نقض عهده و لم يف بعقده.

و بذلك يظهر ضعف ما أفاده أحد السادة- (قدّس سرّه)- حيث قال: إنّ معنى الوفاء يختلف باختلاف متعلّقه، فإن تعلّق بفعل، كان بمعنى إيجاده كالوفاء بالوعد، و إن تعلّق بموجود، كان بمعنى ترتيب الآثار عليه كالوفاء بالعقد حيث إنّه موجود قد وجد بانشائه. إلّا أنّ اطلاق الأمر به بأيّ معنى كان، و عدم تقييده بقيد «ما لم يفسخ» يوجب ظهوره عرفا في عدم انحلاله و انفساخه بحلّ العقد و فسخه من دون رضا المعقود له كما أنّ اطلاق «أوفوا بالعقد و النذر و الشرط» يدل‌

17

على عدم انحلالها بحلّ العاهد و الناذر و الشارط من دون رضا المعهود له، و المنذور و المشروط له، و هو معنى اللزوم (1).

وجه الضعف هو الفرق الواضح بين الوفاء بالنذر و العهد، و الوفاء بالعقد، فإنّ الوفاء في الأوّلين يتصوّر له استمرار، كما إذا كانت مدّة النذر سنة. و أمّا البيع فلا يتصوّر له مدّة وراء الزمن الذي اتّفقا عليه من كون المبادلة نقدا أو نسيئة أو سلفا، فإذا قاما على ما عقدا عليه و تفرّقا و حصل القبض، فقد وفيا بعقدهما و حصل الامتثال و سقط الأمر لحصول الموضوع، فالوفاء بعد هذه المدّة خارج عن مدلول الآية.

و يلاحظ على ما ذكره الشيخ في دفع الاشكال على الاستدلال من التفكيك بين مضمون العقد و أحكامه و القول بأنّ ما يجب به الوفاء هو مضمون العقد لا أحكامه الشرعية و العرفية، بأنّه تفكيك عقلي لا يلتفت إليه العرف، إذ هو لا يميّز بين مضمون العقد (مالكية المشتري) و أحكامه من لزوم البيع و جوازه، فما ذكره- (قدّس سرّه)- من أنّ اللزوم و الجواز من الأحكام الشرعيّة للعقد و ليس من مقتضيات العقد، مع قطع النظر عن حكم الشارع و إن كان صحيحا لكن العرف لا يميّز بينهما. فعندئذ يصحّ ما نقله من الاعتراض من أنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد هو العمل بما يقتضيه من لزوم و جواز، فلا يصحّ الاستدلال بوجوب الوفاء على لزوم البيع.

و الانصاف أنّ الآية قاصرة عن الدلالة على لزوم البيع بعد الفسخ فلا بدّ من التماس دليل آخر.

____________

(1)- نثارات الكواكب، ص 4.

18

ذبّ اشكال عن دلالة الآية:

و ربّما يعترض على دلالة الآية بأنّ المراد من العقود في الآية هو العهود، كما ورد في مرسلة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ؟ قال: العهود (1). فتكون الآية أجنبية عن المقام، إذ لا عهد في البيع و نظائره.

قال أبو عبيدة: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: واحدها عقد و مجازها العهود، و الأيمان التي عقّدتم.

و قال الحطيئة:

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * * *شدّوا العناج و شدّوا فوقه الكربا

و يقال: اعتقد فلان لنفسه (2).

يلاحظ عليه- مضافا إلى أنّ الرواية مرسلة نقلها العياشي في تفسيره، و عامّة رواياته في التفسير الموجود بأيدينا مراسيل-: أنّ العقد في اللغة كما صرّح به الراغب في مفرداته: هو الجمع بين أطراف الشي‌ء، و يستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل و عقد البناء. و على هذا فليس له معنى سوى ما هو المتبادر من أمثال عقد الحبل و عقد أطراف الرداء، و أمّا استعماله في الأمور المعنوية فباستعارة و تناسب، فكأنّه بالتبادل يعقد المعوض بالعوض أو ذمّته بذمّة الآخر فتحصل منهما حالة خاصة تطلق عليها العقدة، قال سبحانه: وَ لٰا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكٰاحِ

____________

(1)- الوسائل: ج 16، الباب 25 من أبواب النذر و العهد، الحديث 3.

(2)- مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (المتوفّى عام 210) ج 1، ص 145.

19

حَتّٰى يَبْلُغَ الْكِتٰابُ أَجَلَهُ (البقرة/ 235)، و قال سبحانه: إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ (البقرة/ 237).

و بذلك يعلم أنّ استعماله في العهد لأجل أنّ فيه شدّا و ربطا بين العاهد و المعهود، و ليس العهد إلّا مصداقا من مصاديق المعنى الكلّي الشامل لكلّ أمر فيه نحو عقد و توثيق بين الشيئين. و الشاهد على ذلك أن فعل هذه المادة استعمل في الذكر الحكيم في التحكيم و التوثيق الموجود في نفس اليمين، قال سبحانه:

لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ (المائدة/ 89) أي حلفتم بوعي و دقّة، و قال سبحانه: وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (النساء/ 33) و الظاهر أنّ المراد من الآية الأخيرة هو ضامن الجريرة، و أمّا الرواية فيمكن أن تكون مشيرة لمصداق ربّما يغافل عنه الانسان، فإنّ العهود و المواثيق و الأيمان عقود و عهود يجب الوفاء بها.

و على ذلك فالآية مطلقة تعمّ كل عقد عقدة الانسان و لا يحلّ إلّا بسبب.

هذا و انّ للأعلام حول الآية كلمات في تقريبها للدلالة على المقصود، و لكنّها ليست بمقنعة و لا متبادرة من الآية حتى تكون حجّة، بل أكثرها مفروضة عليها فإنّ الاستظهار يجب أن يكون على حدّ فهم العرف من الآية و ليست كذلك فلاحظ.

2- آية حلّية البيع:

قال سبحانه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا

20

فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ وَ مَنْ عٰادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ (البقرة/ 275).

و قد استدلّ بها الشيخ في المقام، قائلا بأنّ حلّية البيع لا يراد منها إلّا حلّية جميع التصرّفات (1) المترتب عليه، التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر، مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ و كونه لغوا غير مؤثّر (2).

يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال فرع كون الآية في مقام بيان حلّية جميع التصرّفات حتى بعد الفسخ، مع أنّها في مقام نفي التساوي الذي كان المشركون المرابون يكرّرونه في أنديتهم، و كانوا يقولون: لا فرق بين البيع و الربا، و إنّ البيع مثل الربا، فنزلت الآية ردّا على قولهم بنفي المساواة، و أنّه سبحانه أحلّ البيع و حرّم الربا من غير تعرّض لسائر الحالات من حلّية البيع بعد فسخ الفاسخ، فإنّ هذا فرع كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الناحية.

قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل و أزيدك في المال، فيتراضيان عليه و يعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حال البيع، و الزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء، فذمّهم اللّه به و ألحق الوعيد بهم و خطّأهم في ذلك بقوله: «و أحلّ البيع و حرّم الربا» أحلّ اللّه البيع الذي لا ربا فيه و حرّم البيع الذي فيه الربا ... (3).

____________

(1)- لا يخفى أنّ ظاهر الآية، هو حلّية نفس البيع لا التصرّفات من غير فرق بين قبل الفسخ و بعده.

(2)- المتاجر، قسم الخيارات، ص 215.

(3)- مجمع البيان: 1/ 389 و بيّن في ذيل التفسير الفروق بين البيع و الدين و الزيادة فيهما.

21

و بعبارة أخرى: أنّ الحلّية إمّا تكليفية أو وضعية، فعلى الأوّل يكون مفادها أنّ البيع حلال لا حرام مثل قولنا: الغنم حلال و الكلب حرام، و من المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بحلّية الغنم على كونه حلالا و لو كان مغصوبا أو موطوءا أو جلّالا.

و على الثاني يكون مفاده أنّ البيع أمضاه الشارع و أحلّه محلّه دون الربا و أمّا أنّه أحلّه في كلّ ظرف و موقف و أمضاه في جميع الشرائط، فالآية ساكتة عنه.

3- آية التجارة عن تراض:

قال سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُمْ رَحِيماً (النساء/ 29).

و الاستدلال تارة بالمستثنى منه و أخرى بالمستثنى، أمّا الأوّل فيقال: إنّ أخذ مال الغير و تملّكه من دون اذن صاحبه باطل عرفا، فتعمّه الآية.

يلاحظ عليه: بالشك في وجود الموضوع، إذ لو كان العقد جائزا في الواقع يكون تملّكه حينئذ أكلا بالحق كما هو الحال في العقود الجائزة بالذات أو بالعرض، و حيث إنّ الحال غير معلوم يكون المورد من قبيل الشبهة المصداقية للآية.

و أمّا الثاني فبأن يقال: إنّه بإطلاقه يدل على حلّية أكل المال إذا كان سبب حصول ذلك المال، تجارة عن تراض، فيكون مفاده هو حلّية التصرّف للمشتري مطلقا قبل الفسخ و بعده.

و يعلم ضعفه ممّا ذكرنا من أنّه ليس إلّا بصدد كون التجارة سببا لحلّية‌

22

التصرّف، و لا نظر له إلى الخصوصيات حتّى يعم بعد الفسخ.

ثمّ إنّ للآية تفسيرا آخر أوعزنا إليه عند البحث عن المكاسب المحرّمة و حاصله: أنّ الآية ليست بصدد بيان حلّيّة المسبّبات كالبيع و غيره، و إنّما هي بصدد بيان الأسباب و أنّه يجب على الناس التمسّك بالأسباب الحقّة دون الباطلة، فالتجارة عن تراض سبب حقّ، و أمّا أكل المال عن طريق بيع المنابذة و الربا فهو ممنوع، فعندئذ تكون الآية أجنبية عن الاستدلال على اللزوم.

هذه جملة الآيات التي استدلّ بها الشيخ على كون الأصل في البيع، اللزوم.

الاستدلال بالروايات:

ثمّ إنّه استدل بروايات و هي بين مرسلة و مسندة:

1- الاستدلال بالمراسيل:

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الناس مسلّطون على أموالهم، فالنبويّان مرسلان غير مسندين، و قد تمسّك بهما الفقهاء في جميع الأعصار من غير توقّف.

و أمّا كيفيّة الاستدلال بهما على كون الأصل في البيع اللزوم، فهو ما ذكره الشيخ من أنّ مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع أن لا يجوز أخذه من يده و تملّكه عليه من دون رضاه.

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ المقام من قبيل الشبهة المصداقية للدليل الاجتهادي فإنّا نشكّ في المثمن هل هو ملك للمشتري بعد الفسخ أو لا؟

23

و بعبارة أخرى: نشكّ في كونه مالا له حتى يصحّ له التصرّف و لا يحل للغير التصرّف فيه إلّا بطيب نفسه أو لا؟ إذ من المحتمل أنّ الفسخ مؤثّر في اخراجه عن ملكه و ماله.

فهذا الاشكال السيّال متوجّه على جميع ما استدلّ به الشيخ من الآيات و الروايات، و إن كان الاستدلال بالآيات غير خال عن اشكالات أخرى.

2- الاستدلال بالمسانيد:

استدلّ بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» فقد رواه الكليني بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب اللّه، فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه. و المسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب اللّه عزّ و جلّ» (1).

وجه الاستدلال بالحديث يتوقّف على بيان مقدمة و هي أنّ صاحب القاموس فسر الشرط بأنّه: الزام الشي‌ء و التزامه في البيع و غيره، لكن صاحب الحدائق و غيره كالسيّد الطباطبائي في تعليقته على مبحث الشروط استظهرا أنّه أعم من الشرط التبعي و الابتدائي، فالبيع بنفسه شرط و عهد و هكذا النكاح، و تدل على عمومية الشرط روايات متفرّقة في الأبواب نذكر بعضها:

1- رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: في الحيوان كلّه، شرط ثلاثة أيام للمشتري و هو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط (2).

____________

(1)- الوسائل: ج 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 2.

(2)- المصدر نفسه: الباب 3، من أبواب الخيار، الحديث 1 و 4.

24

و المراد من الشرط هو الحكم الشرعي المستقل النافذ على المتبايعين، لا الشرط الضمني التبعي بقرينة قوله: «شرط أو لم يشترط».

2- ما رواه أصحاب الصحاح و المسانيد في حقّ بريرة لما اشترتها عائشة و شرط مواليها عليها ولاءها، فوقف عليه النبيّ و قال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب اللّه، من اشترط شرطا ليس في كتاب اللّه فهو باطل، و إن اشترط مائة شرط، قضاء اللّه أحق و شرطه أوثق، و الولاء لمن اعتق» (1).

و المراد من شرطه سبحانه هو حكم اللّه المطلق «الولاء لمن اعتق».

و بهذه الروايات و نظائرها (2) ذهب الشيخ إلى أنّ الحديث يعمّ كلا الالتزامين: التبعي و الابتدائي، فعند ذلك يصحّ الاستدلال به على لزوم البيع، فإنّ العقد على هذا شرط، فيجب الوفاء به حسب قوله: «المؤمنون عند شروطهم» من غير فرق بين قبل الفسخ و بعده.

يلاحظ عليه بنفس ما ذكرناه في الأدلة المتقدمة، فإنّ وجوب الوفاء فرع‌

____________

(1)- صحيح البخاري الجزء الأوّل، كتاب الصلاة، الباب 70 ص 94 و الجزء الثالث كتاب البيوع، الباب 67، ص 71، و كتاب الشروط، الباب 3 ص 189، و مسند أحمد 6: 86 مع اختلاف مع ما في المتن.

الوسائل: الجزء 14، الباب 52، من أبواب نكاح العبيد و الاماء، الحديث 2 و 14.

روى البخاري في تفسير قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ- إلى قوله:- غَفُورٌ رَحِيمٌ قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط منهنّ قال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قد بايعتك. كلاما يكلّمها به و اللّه ما مسّت يده يد امرأة قط في المبايعة.

صحيح البخاري: الجزء الثالث، كتاب الشروط الباب 1 ص 189.

(2)- لاحظ بحث الشروط من الخيارات، ص 277، طبعة تبريز، و لا يبعد أنّ الاستعمال في رواية بريرة و أمثالها في الشرط الابتدائي في باب المشاكلة، فلا تصلح للاستدلال.

25

وجود الشرط، و هو قبل الفسخ محقّق و بعده مشكوك.

3- ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» و في حديث آخر: «فإذا افترقا وجب البيع» (1).

وجه الاستدلال أنّه لا خيار لهما إذا افترقا بعد الرضا (بالبيع حين الانشاء) فيعم حتى بعد الفسخ.

يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان الوجوب النسبي لا المطلق، و حاصله أنّه لا خيار لهما من هذا الجانب أي المجلس، و أمّا أنّه لا خيار لهما أبدا فليست بصدد بيانه، بشهادة وجود الخيار بعد الافتراق لأجل الشرط و الغبن و التدليس و غيره.

إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات و الروايات و قد عرفت عدم دلالة واحد منهما على المقصود.

الاستدلال بالأصل على اللزوم:

بقي الكلام في الاستدلال بالأصل و لم يقرّره الشيخ، بل ذكره مجملا و يمكن تقريره هكذا:

1- أصالة بقاء العقد بعد الفسخ.

2- أصالة بقاء البيع بعده.

3- أصالة بقاء الشرط بعده.

____________

(1)- الوسائل: الجزء 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3 و 4.

26

و الأصل يجري على نحو مفاد كان الناقصة لا التامّة. فالأصل الموضوعي يحرز موضوع الأدلة الاجتهادية، فيثبت أنّ هنا عقدا و بيعا و شرطا حتى بعد الفسخ فيجب الوفاء به، كما يحلّ للمشتري التصرّف فيما أخذه من البائع، و يجب على المتعاملين الوفاء بهذا الشرط.

و على كل تقدير فهو من قبيل القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّي كما إذا شككنا في أنّ الحيوان الموجود في الدار حصان أو بقرة، فعلى الأوّل قطعي الارتفاع، و على الثاني قطعي البقاء فيستصحب الجامع بينهما، و نظيره المقام حيث إنّ الانسان يشك في أنّ العقد الموجود هل هو عقد لازم لا يرتفع بفسخ الفاسخ قطعا، أو عقد جائز مرتفع معه قطعا فيستصحب بقاء العقد، فينقح الأصل، موضوع الدليل الاجتهادي فتتم الحجّة بثبوت الصغرى بالاستصحاب، و الكبرى بالدليل الاجتهادي.

فإن قلت: إنّ أقصى ما يثبته الاستصحاب وجود العقد و البيع، و لا يكفي ثبوتهما في اثبات لزوم العقد بعد انقسامهما إلى جائز و لازم، فيكون التمسّك بالكبرى مع انقسام العقد إلى قسمين، أشبه بالتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص.

و بعبارة أخرى: الوفاء بالعقد و إن كان واجبا لكنّه خرجت منه العقود الجائزة، فاستصحاب بقاء العقد لا يثبت سوى عنوان العام و هو العقد و هو لا يكفي إلّا مع احراز عدم انطباق عنوان المخصّص أيضا و هو كونه عقدا جائزا، و المفروض عدم احرازه، فيكون التمسّك بالعام غير تام. و كون بقاء العقد ملازما للّزوم لأنّه لو بقي حتى بعد الفسخ، يكون لازما، غير مفيد لكونه أصلا مثبتا.

27

قلت: الاشكال مبني على أنّه سبحانه قال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ثمّ ورد عليه التخصيص بقوله إلّا العقود الجائزة، فنشك في دخول البيع تحت عنوان المخصّص أي العقود الجائزة أو لا، و لكن الواقع ليس كذلك، و العقود الجائزة عنوان انتزاعي من المخصّصات الواردة على العام، كعقد الهبة و العارية، و عندئذ يكون الشكّ في خروج البيع عن تحت العام، شكّا في أصل التخصيص، أي في التخصيص الزائد، و الأصل عدمه، لا شكّا في الشبهة المصداقية له.

توضيح ذلك: أنّ الشك في المقام على قسمين:

تارة نشك في العقد الخارجي المشخّص المعيّن أنّه هل هو بيع أو هبة، فلو كان بيعا لا ينفسخ بفسخ البائع (بناء على لزومه) و إن كان هبة ينفسخ بفسخه، ففي مثله لا يصح استصحاب بقاء العقد و لا يكون منقّحا لحال الشبهة المصداقية الخارجية، لأنّ العقد بما هو عقد لا يجب الوفاء به إلّا بعد احراز عدم انطباق عنوان المخصّص أعني: كونه هبة، و بما أنّه غير محرز يكون التمسّك بالعام في مثله، كالتمسّك بوجوب اكرام العالم عند الشك في كونه عالما عادلا أو فاسقا مع تسليم خروج الفاسق، فإنّ احراز العالم غير كاف في وجوب الاكرام إلّا بعد احراز عدم عنوان الخاص، و في المثال المزبور إلّا بعد احراز عدم انطباق عنوان الهبة.

و أخرى يكون الشكّ في خروج العنوان الكلّي عن تحت العام مثلا نعلم أنّه خرج من تحت وجوب الوفاء بالعقد، العارية و الهبة و نشك في أنّه خرج البيع عن تحته أو لا، فإذا ثبت كون عقد البيع موجودا للاستصحاب، حتى بعد فسخ الفاسخ يصحّ التمسّك بالعام إذ لولاه يلزم تخصيص زائد على العام. و المفروض أنّ الشبهة حكمية كلية و أنّ البيع بما هو هو لازم.

28

فإن قلت: إنّ ما يجب الوفاء به إنّما هو العقد الواقعي، لا العقد التعبّدي و لا يثبت بالاستصحاب إلّا العقد التعبّدي.

قلت: إنّ الاستصحاب يثبت بقاء العقد الواقعي في ظرف الشك، فالثابت به هو بقاء العقد الواقعي لا العقد التعبّدي، نعم بفضل التعبّد يثبت بقاؤه في ظرف الشك، و التعبّد بالبقاء سبب لاثبات وجود المستصحب لا هو قيد للمستصحب، فالذي يستصحب هو نفس العقد لا العقد التعبّدي.

هذا كلّه حول هذه الأصول الثلاثة.

نعم هناك أصول أخرى متوافقة المضمون مع ما سبق نشير إليها:

1- استصحاب بقاء ملك المشتري، و هو و إن كان صحيحا لكنّه مسبّب عن بقاء العقد، فباجراء الأصل السببي يستغنى عن الأصل المسبّبي و إن كانا متوافقي المضمون.

أضف إلى ذلك: أنّه لا يثبت به إلّا جواز تصرّف المالك لا لزوم العقد، اللّهمّ إلّا أن يقال بحجّية الأصل المثبت لأنّ جواز التصرّف و حلّيته بعد الفسخ يلازم عقلا كونه لازما، إذ لو كان جائزا لما صحّ التصرّف.

2- استصحاب عدم تأثير الفسخ، و لكنّه ليس له أثر شرعي لأنّه ليس موضوعا لدليل اجتهادي كما هو الحال في كل أصل موضوعي جار في الموضوعات اللّهمّ إلّا أن يقال بقاعدة المقتضي و المانع، حيث إنّ المقتضي و هو العقد و البيع، موجود، و الشك في تأثير فسخ الموجود، فالأصل عدم تأثيره، و لكن هذه القاعدة غير تامّة لعدم الدليل على حجّيتها.

29

3- استصحاب عدم ارتفاع أثر العقد، و لكنّه بالنسبة إلى اثبات بقاء الملك مثبت لأنّ عدم ارتفاع أثر العقد يلازم بقاء الملك.

الأصل المعارض:

ثمّ إنّ هناك أصلا معارضا أشار إليه الشيخ و قال: إنّ مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك عن العين، و المراد المالك الأوّل هو البائع، و لو صحّ هذا الاستصحاب يكون حاكما على الأصول الثلاثة الأخيرة، إذ لو ثبت بقاء علاقة المالك الأوّل، لارتفع الشك في بقاء المال في ملك المشتري، فلا يصحّ استصحاب بقاء ملكه مع صحّة استصحاب بقاء علاقة المالك الأوّل.

يلاحظ عليه: أنّ علاقة المالك الأوّل إن كانت نابعة من مالكيته للمبيع فقد انتفت باخراج المال عن ملكه قطعا، و إن كانت نابعة من غير هذا الوجه كاحتمال سلطة اعادة العين إلى ملكه فهو مشكوك الحدوث، و لا معنى لاستصحابه.

فتلخّص أنّ الدليل الصالح لاثبات كون الأصل في البيع، اللزوم هو قضاء طبع العقد عليه مع ما عرفت من الاستصحاب. و المهم هو الأوّل.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

في أقسام الخيارات

ذكر المحقّق للخيار خمسة أقسام:

1- خيار المجلس.

2- خيار الحيوان.

3- خيار الشرط.

4- خيار الغبن.

5- خيار التأخير.

و زاد في النافع و قواعد العلّامة، و ارشاده، و تذكرته: خيار الرؤية، و خيار العيب، فصارت سبعة.

و ذكر في اللمعة أربعة عشر، و جعل منها: خيار الشركة، و خيار تبعّض الصفقة مع دخولهما تحت خيار العيب، كما لا يخفى، و ربّما أنهاها بعضهم إلى عشرين، و لكن يمكن ادغام كثير منها تحت السبعة.

و على كل حال فنحن نقتفي أثر شيخنا الأنصاري فندرس السبعة و يعلم حكم ما لم نذكر منها ممّا ذكرناه إن شاء اللّه، فنقول:

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الفصل الثاني خيار المجلس

دليله.

ثبوته للوكيل.

ثبوته للموكّل أيضا.

هل خيار المجلس للوكيل و الموكل واحد؟

تفويض الأمر إلى الوكيل.

عدم ثبوت الخيار للفضولي.

خيار المجلس لو كان العاقد واحدا.

في مستثنيات خيار المجلس.

خيار المجلس و سائر العقود.

خيار المجلس و بيع الصرف و السلم.

في مسقطات خيار المجلس الأربعة:

أ- اشتراط سقوطه في نفس العقد.

ب- اسقاطه بعد العقد.

ج- التفرّق عن رضا.

د- التصرّف قبل التفرّق.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

خيار المجلس

[تعريف خيار المجلس]

و اضافته إليه إمّا من باب اضافة الحال إلى المحلّ، و المراد من المجلس:

مطلق مكان العقد، و إن كانا قائمين فيه أو من باب اضافة المسبّب إلى السبب لكون المجلس سببا للخيار كخيار الغبن و العيب لكونهما سببا له.

و هذا الخيار من ضروريات فقه الإمامية، و أمّا غيرهم فقد اختلفوا فيه، قال الشيخ في الخلاف: البيع ينعقد بوجود الايجاب من البائع و القبول من المشتري، لكنّه لا يلزم المتبايعين بنفس العقد بل يثبت لكلّ واحد منهما خيار الفسخ ما داما في المجلس إلى أن يتفرّقا أو يتراضيا بالتبايع في المجلس.

و روي هذا عن الصحابة عن علي- (عليه السلام)- و عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن عباس و أبي هريرة و أبي برزة الأسلمي، و به قال الحسن البصري و سعيد بن المسيب، و الزهري و عطاء، و من الفقهاء: الأوزاعي و أحمد و إسحاق و الشافعي.

و ذهبت طائفة إلى أنّ البيع يلزم بمجرّد العقد، و لا يثبت فيه خيار المجلس بحال، ذهب إليه من التابعين شريح و النخعي، و من الفقهاء مالك و أبو حنيفة و أصحابه، ثمّ استدلّ الشيخ على مذهبه بما روى نافع عن ابن عمر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

36

قال: المتبايعان كلّ واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرّقا إلّا بيع الخيار (1).

[أدلة خيار المجلس]

و قد تضافرت الروايات على ذلك من طرقنا، فرواه محمد بن مسلم و زرارة و فضيل بن يسار و الحلبي عن الصادق- (عليه السلام)- كما رواه علي بن اسباط عن الرضا- (عليه السلام)- و كلّها غير الأخيرة صحيحة السند واضحة الدلالة. نذكر بعضها:

1- محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: قال رسول اللّه: «البيّعان بالخيار حتى يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».

2- و روى أيضا عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سمعته يقول: «بايعت رجلا فلمّا بايعته قمت فمشيت خطا ثمّ رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا».

3- و روى زرارة عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-: سمعته يقول: «البيّعان بالخيار حتى يفترقا و صاحب الحيوان ثلاث (يريد ثلاثة أيام)» (2).

ثمّ إنّه روى غياث بن إبراهيم (الذي هو زيدي بتريّ) عن علي- (عليه السلام)- أنّه قال: «إذا صفّق الرجل على البيع، فقد وجب و إن لم يفترقا» (3).

و الظاهر أنّ المراد من التصفيق هو اسقاط خيار المجلس، و لعلّه كان علامة لصيرورة العقد لازما و اسقاط الخيار من الطرفين، و على كل تقدير فلا يعتمد على الرواية الشاذة في مقابل المتضافر منها، و لقد وقعت الحنفية لأجل نفي خيار‌

____________

(1)- الخلاف ج 3، كتاب البيع، المسألة 6. و التذكرة 1/ 490 و فيها: قال أبو حنيفة و مالك: يلزم النكاح بالايجاب و القبول و لا يثبت خيار المجلس ...

(2)- لاحظ: الوسائل 12: الباب 1 من أبواب الخيار: عامة الروايات، و ما نقله في الباب الثالث عن محمّد بن مسلم برقم 3، متّحد مع ما نقله في الباب الأوّل عنه.

(3)- المصدر نفسه: الرواية 7.

37

المجلس في حيص و بيص تبعا لإمام مذهبهم، حيث واجهوا بالروايات المتضافرة الدالة على خيار المجلس، فحاولوا أن يجمعوا بين النص و الفتيا فوقعوا فيما وقعوا فلاحظ كتبهم.

ثبوت خيار المجلس للوكيل:

هل يختص خيار المجلس بالعاقدين المالكين أو يعم الوكيلين أيضا؟ فيه أقوال:

الأوّل: ما ذهب إليه صاحب الحدائق بثبوته للأصيل و الوكيل

حيث قال:

و اطلاق الأخبار المذكورة شامل لما قدّمنا ذكره من كون المتبايعين مالكين أو وكيلين أو بالتفريق، لصدق البيّعان على الجميع، و هما من وقع منهما الايجاب و القبول (1).

الثاني: خيرة صاحب المقاصد من اختصاصه بالعاقدين المالكين،

قال: إنّ الحديث دال على حكم المالكين المتعاقدين، لأنّه الغالب و أمّا إذا كان العاقد وكيلا لهما فيستفاد حكمه من أمر خارج (2) و يستدل على هذا القول بوجهين:

الأوّل: إنّه لا يصدق «البيّع» على الوكيل حقيقة و اطلاقه عليه مجاز، لأنّ مبادئ اسم المصدر غير قائم به، و أنّه بمنزلة الآلة، و كأنّه لسان الموكل.

يلاحظ عليه: أنّه كيف لا يصدق البيّع على الوكيل مع صحّة صدقه على الفضولي و المكره و ليس الوكيل بأدون منهما، و أمّا المبادئ فالتصوّر و التصديق‌

____________

(1)- الحدائق: ج 19، ص 7.

(2)- جامع المقاصد: 4/ 286.

38

و العزم قائمة به، لفرض كون بيعه فعلا اختياريا له.

الثاني: أنّ دليل لزوم العقد أعني: قوله سبحانه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ متوجّه إلى المالكين أو إلى من له الأمر، كالأولياء و الوكيل المطلق، و الوكيل في خصوص اجراء الصيغة لا يجب عليه الوفاء بأيّ نحو فسّر، سواء أ كان مفاده حكما تكليفيا أي وجوب ابقاء العقد و ترتيب أثره، أو حكما وضعيا و هو لزوم العقد، و حيث إنّ أدلّة الخيار مقيّدة لدليل وجوب الوفاء، فلا بدّ أن يختصّ الخيار بمن يجب عليه الوفاء، و لا يعمّ الأجنبي.

و أجاب عنه سيدنا الأستاذ- (قدّس سرّه)-: بأنّ للآية الكريمة مدلولين:

أحدهما: مطابقي، و الآخر: استلزامي، و دليل الخيار بمنزلة الاستثناء من الحكم الوضعي، أي اللزوم المستفاد استلزاما من قوله تعالى لا من الحكم التكليفي المطابقي فكأنّه قال: كل عقد من عقودكم لازم و استثنى منه العقد الخياري، سواء أ كان الخيار للمالك أو لغيره، و يشهد له قوله- (عليه السلام)-: «فاذا افترقا وجب البيع» فإنّه ظاهر كالصريح في أنّ الاستثناء من الحكم الوضعي، فكأنّه قال: لا يجب البيع قبل الافتراق (1).

يلاحظ عليه: أنّه ليس للآية إلّا مدلول مطابقي و هو الالزام التكليفي و أمّا اللزوم الوضعي فهو منتزع من وجوب الوفاء بالعقد و المفروض أنّ الحكم التكليفي مختصّ بالمالك لا الأعم منه و من الوكيل، و لا معنى لكون المنتزع أعم من منشأ الانتزاع، و ليس المنتزع كلازم المعنى الذي يمكن أن يكون أعم من الملزوم، و لعلّ تعبيره بالمعنى اللازم لأجل دفع ما ذكرناه.

____________

(1)- المتاجر، قسم الخيارات ج 4، ص 46.

39

و الأولى أن يقال: إنّ وجوب الوفاء لا يختص بالعاقدين المالكين، فإنّ العامل في المضاربة وكيل يجب عليه الوفاء بما عقد، فليس له الامتناع من دفع المثمن أو غير ذلك، و سيوافيك أنّ الموضوع أوسع من مثل العامل في المضاربة.

الثالث: ما اختاره الشيخ من اختصاصه بالوكيل الذي له حقّ التصرّف في المبيع،

قال: «إنّ مفاد أدلّة الخيار اثبات حقّ و سلطنة لكلّ من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر، بعد الفراغ عن تسلّطه على ما انتقل إليه، فلا يثبت بها هذا التسلّط لو لم يكن مفروغا عنه في الخارج ألا ترى أنّه لو شك المشتري في كون المبيع ممّن ينعتق عليه لقرابة، أو يجب صرفه لنفقة أو اعتاقه لنذر فلا يمكن الحكم بعدم وجوبه بأدلّة الخيار بزعم اثباتها للخيار المستلزم لجواز ردّه على البائع و عدم وجوب عتقه.

فعلى ما ذكره: إذا لم يكن مستقلّا في التصرّف في مال الموكّل بل كان وكيلا في التصرّف على وجه المعاوضة، فليس للوكيل الخيار لعدم تمكّنه من ردّ ما انتقل إليه كما صرّح به الشيخ في ذيل كلامه، و أولى منه بعدم ثبوت الخيار إذا كان وكيلا لاجراء الصيغة فقط».

يلاحظ عليه: بأنّه إن أراد التسلّط المطلق فهو ليس بموجود حتى في عامل القراض، إذ ليس له العتق و لا الاتلاف، و لا الوقف، و إن أراد التصرّف على النقل بعقد جديد حتى يجوز له الفسخ مثل العقد الجديد، فما الدليل عليه.

و إن أراد التسلّط على الفسخ فقط فهذا مثل السابق، بل هو يستفاد من دليل الخيار، لا أنّه يحرز قبل الخيار.

40

و الحاصل: أنّ اطلاق الدليل محكّم على هذه الاحتمالات، و التقييد و التخصيص مشكوك من رأس. و بهذا يظهر الجواب عن الأمثلة التي لا يجوز التمسّك فيها بالخيار عند احتمال كون المبيع ممّن ينعتق عليه أو ممّا يجب صرفه في النفقة، أو اعتاقه لنذر و ذلك لأنّ وجود المخصّص و المقيّد قطعي في تلك الأمثلة فيكون المورد شبهة مصداقية لهما، فلا يجوز التمسّك بالعام و لا المطلق، و هذا بخلاف المقام، فإنّ أصل التخصيص و التقييد مشكوك.

الرابع: نظرية السيد الطباطبائي و المحقّق الخراساني

فاكتفيا بكفاية السلطنة على نفس العقد ايجادا و اعداما، قائلين بأنّه لو كان وكيلا في أصل المعاملة بأن جعل أمرها إليه من غير أن يكون وكيلا في التصرّف في العين كفى في ثبوت الخيار، فالمدار السلطنة على المعاملة مطلقا، و إن لم يكن مسلّطا على سائر التصرّفات في العين، ثمّ قال السيّد: و بالجملة كل مورد تجوز له الإقالة يثبت له الخيار، و كلّ مورد لم تثبت له الإقالة لا تنصرف إليه الأدلّة، و ليس له الخيار، و الوكيل في مجرّد اجراء الصيغة ليست له الإقالة، فليس له الفسخ.

و لعلّ هذا القول هو أوجه الأقوال و أسدّها فيؤخذ بإطلاق الرواية إلّا في مورد الوكالة في اجراء الصيغة، و يؤيّد ذلك أنّ الحكمة في جعل هذا الخيار هو فسح المجال للطرفين حتى ينظرا فيما يبيعان أو يشتريان و هو و إن كانت حكمة لا علّة، و لكنّها تصلح لأن تصير سببا للانصراف عن الوكيل في اجراء الصيغة و يبقى الباقي تحته.

ثمّ إنّ الكلام في المقام في اثبات الخيار بأدلّة خيار المجلس، و أنّ هذا الحق الشرعي هل هو ثابت للمالك أو يعمّ وكيله، و أمّا البحث عن سعة دلالة عقد الوكالة على الفسخ و عدمه فهو خارج عن موضوع البحث، فسواء كان نطاق‌

41

دلالته وسيعا شاملا للفسخ أو ضيّقا قاصرا عنه فلا يؤثّر في ثبوت حقّ الخيار للوكيل و عدمه، لأنّ حقّ الفسخ لو كان ثابتا في المقام للوكيل، فإنّما هو حقّ شرعي ثبت من جانب الشرع لا من جانب المالك الموكل، فالبحث عن سعة دلالة عقد الوكالة و ضيقها خارج عن مصبّ البحث، و بذلك يظهر الخلط فيما ذكره صاحب المسالك (1) فلاحظ.

ثمّ إنّه إذا كان الموكّل غير راض بالفسخ فهل يجوز للوكيل القيام به أو لا؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى المنع، و لعلّ وجهه هو انصراف الدليل عن هذه الصورة و ذلك لأنّ الخيار لأجل فسح المجال للتروّي في مصالح الموكّل، فإذا كان هو غير راض بالفسخ، فكيف يجوز للوكيل فسخه، و مع ذلك فيمكن أن يقال:

إنّ هذا حقّ للبيّع بما هو بيّع، فلا وجه للمنع عن الشمول و ليس في هذا نائبا عن الموكّل و وكيلا عنه، و إنّما هو وكيل له في البيع، و هذا الحق أعطاه الشارع إيّاه بما هو بيّع.

فلو فرضنا وجود الاطلاق فتقع المعارضة بينه و بين عموم «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه» و النسبة عموم و خصوص من وجه، فيجتمعان في هذا المورد، فعلى الاطلاق يصحّ فسخه، و على النبوي يحرم فعله، فينتزع منه الفساد، و لعلّ اطلاق الخيار أقوى من اطلاق النبوي فيقدّم عليه خصوصا على القول بأنّ النبوي بصدد بيان الحكم التكليفي لا الوضعي، و المسألة لا تخلو من اشكال، فلاحظ.

____________

(1)- المسالك ج 1، في شرح قول المحقّق: «و لكلّ من المتبايعين خيار الفسخ» حيث قال: فإن لم ينصّ لهما الموكّل على الخيار، لم يكن لهما الفسخ فينتفي الحكم عنهما و إن وكّلهما فيه ...، و أنت ترى أنّه خروج عن البحث لأنّه في ثبوت هذا الحق للوكيل من جانب الشارع و عدمه و لا صلة لتوكيل الموكّل له في الفسخ و عدمه.

42

هل للموكّل خيار المجلس؟

قد تعرّفت على أنّ للوكيل في غير مورد الوكالة في اجراء الصيغة، خيار المجلس، فهل للموكّل خيار أيضا في عرض الخيار للوكيل؟ وجوه:

1- له الخيار مطلقا، لكون الخيار حقّا لصاحب المال شرعا ارفاقا له، و أنّ ثبوته للوكيل لكونه نائبا عنه، يستلزم ثبوته للمنوب عنه.

2- عدمه كذلك، لتبادر المتعاقدين من النص، فللمباشرة مدخلية في ثبوت الخيار.

3- له الخيار فيما إذا لم يكن للوكيل خيار و ذلك لأنّ خيار المجلس كاللازم لماهيّة البيع، فإذا كان الوكيل غير ذي خيار، فلا محالة يكون للموكّل خيار.

ثمّ إنّ سيّدنا الأستاذ- (قدّس سرّه)- اختار القول الثاني، و قال في كلام مفصّل ما هذا حاصله: إنّ «البيّع» قد وضع لمن صدر منه البيع و ليس هو إلّا الوكيل، و تصوّر أنّه موضوع لمن صدر عنه البيع و من كان سببا لصدوره أعني الموكّل غير تام، لأنّه موضوع للجامع البسيط، و ليس هنا جامع بسيط بين المباشر و السبب، و الجامع المركّب و إن كان موجودا لكنّه ليس موضوعا للمشتق كما حقّقناه في محلّه.

و الحاصل: أنّ المفهوم البسيط مختص بالمباشر، و الجامع المركّب و إن كان يعمّ الوكيل و الموكّل و المباشر و من هو سبب، لكنّه ليس موضوعا له، و استعماله مجازا في المباشر و السبب خلاف الظاهر، فعلى ذلك فهو يختصّ بمن قام بالبيع‌

43

و هو الوكيل (1).

يلاحظ عليه: أنّه لو أريد من البيّع العاقد لاختصّ بالمباشر قطعا، لأنّ من صدر منه العقد هو الوكيل، و أمّا إذا أريد منه من قام به المعنى الاعتباري، فلا اشكال في أنّ البيع صدر من الوكيل و الموكّل معا، و لأجل صدوره منهما يتوقّف على وجود شروط في الموكّل من كونه عاقلا بالغا مريدا غير مكره، مالكا للمبيع غير محجور، و موكّلا إيّاه، و على شروط في الوكيل، و عندئذ يرى العرف كليهما مصدرين لتحقّق تلك الماهية، و لا يعد ذلك من قبيل السبب و المباشر كالأمر بالقتل، إذ لا شكّ هنا أنّ القتل قائم بالمباشر لا بالسبب، بل يعد ذلك من قبيل نسبة أفعالنا إلى الأعضاء و الجوارح، و في الوقت نفسه ينسب إلى أنفسنا فالعين ترى كما أنّ النفس ترى كذلك، و كلتا النسبتين حقيقيتان، و نظير ذلك نسبة أفعالنا إلينا و في الوقت نفسه إلى المبادئ العالية، فالفعل كما هو منتسب إلينا انتسابا صدوريا فكذلك منتسب إلى المبادئ العالية حقيقة لا بالتسبيب، و من المعروف قول المحقّق السبزواري:

«و الفعل فعل اللّه و هو فعلنا».

و من رأى أنّ مسألة أفعال العباد بالنسبة إلى اللّه سبحانه مسألة التسبيب، فقد غفل عن حقيقة التوحيد الافعالي و مع ذلك لا ينسب إليه نقائص الأفعال و شرورها و عناوينها المادّية كالأكل و الشرب و نظير المقام أيضا، الأفعال التي تقوم بها جنود الرب من الملائكة كالتوفّي و غيره، فالتوفّي صادر من اللّه سبحانه و في الوقت نفسه صادر عن الملائكة. قال سبحانه: اللّٰهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهٰا

____________

(1)- كتاب البيع، قسم الخيارات، ج 4، ص 58- 60 بتلخيص منّا.

44

(الزمر/ 46) و كذلك يقول: الَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلٰامٌ عَلَيْكُمْ (النحل/ 32).

و على الجملة فبما أنّ بعض مبادئ البيع قائم بالموكّل و البعض الآخر بالوكيل، يرى العرف كليهما مصدرين له، و المتّبع هو المفهوم العرفي لا الدقة العقليّة، فالبيّع بمعناه البسيط (من صدر منه البيع الاعتباريّ) منطبق على الوكيل و الموكّل معا في نظر العرف، و هذا كاف.

و لعل الأقوى هو القول الأوّل و هو ثبوت الخيار لهما مطلقا.

هل الخيار في الوكيل و الموكّل واحد أو متعدّد؟

ثمّ إذا قلنا بأنّ لكل واحد من الوكيل و الموكّل حقّا مجعولا من جانب الشارع يقع الكلام في أنّه:

هل الخيار في موردهما خيار واحد فكل من سبق منهما إلى إعماله نفذ و سقط خيار الآخر، فلو أنفذ الوكيل أو الموكّل فقد نفذ البيع و لا يبقى للآخر مجال للاعمال، و ذلك لأنّ هنا حقّا واحدا فقد سبق أحدهما إلى حيازته فلم يبق موضوع للآخر.

كما أنّه سبق إلى إعماله بالفسخ فلا يبقى للآخر موضوع، فليس المقام على هذه الصورة من قبيل تقديم الفاسخ على المجيز، كما إذا كان لكلّ من البائع و المشتري خيار، فلو فسخ أحدهما لم يبق للآخر مجال الاجازة و ذلك لأنّه فيما إذا كان الحق متعدّدا، فيكون الفسخ من أحد الجانبين مقدّما على إجازة الآخر.

45

و أمّا المقام فالفاسخ و إن كان مقدّما لكن تقدّمه على المجيز لأجل عدم الموضوع للاجازة بعد كون الحق واحدا سبق إليه الفاسخ، فلم يبق بعد الفسخ موضوع حتى يسبق إليه المجيز، فالتقدّم أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

هذا ما يظهر من الشيخ بتوضيح منّا.

و لكن يمكن أن يقال بتعدّد الحق، و ذلك لأنّ الحكم متعلّق بعنوان البيّع و هو منطبق على كل من الوكيل و الموكّل، و للوكيل خيار لكونه مصداق «البيّع» و للموكّل خيار لكونه مصداقه، فالخيار و إن كان حكما واحدا لكنّه يتكسّر بتعدّد موضوعه.

فعند ذلك يختلف حكم الصورتين. أمّا إذا قام أحدهما بالتنفيذ فعلى مبنى الشيخ يسقط خيار الآخر لعدم الموضوع له، و على هذا المسلك لا يتعدّى تنفيذه عن اسقاط خياره، فيبقى للبيّع الآخر خياره بما هو بيّع.

و أمّا إذا قام أحدهما بالفسخ فيكون من قبيل تقديم الفاسخ على المجيز، فيكون للتقدّم موضوع كما إذا كان لكل من البائع و المشتري خيار.

و على هذا الأساس يظهر حكم التفرّق عن المجلس فيما إذا كان للوكيل و الموكّل خيار، فعلى القول الأوّل يكفي مطلق التفرّق لفرض أنّ هنا خيارا واحدا مغيّا بالتفرّق و هو حاصل بتفرّق واحد من الأصيل أو الوكيل.

و على القول الثاني أعني: القول بتعدّده حسب تعدّد البيّع فتفرّق أحدهما لا يتجاوز عن إسقاط خياره فيبقى للآخر حكمه، و إنّما يسقط خيار الآخر‌

46

بالتفرّق الكامل أي تفرّق كلّ من الأصيل و الوكيل.

و العجب أنّ الشيخ الأعظم مع أنّه اختار المذهب الأوّل أي وحدة الخيار مع كثرة من قام به، قوّى كون الملاك في التفرّق هو تفرّق الكل، مع أنّ لازم مبناه هو الاكتفاء بصرف التفرّق.

و لأجل ذلك أورد عليه السيد الطباطبائي بأنّ الظاهر أنّ الحكم معلّق على صدق التفرّق و المفروض صدقه.

تفويض الأمر إلى الوكيل:

فلو كان الموكّل ذا خيار دون الوكيل كما إذا كان وكيلا في اجراء الصيغة فقط، فهل للموكّل تفويض الأمر إلى الوكيل؟ قال الشيخ: الأقوى العدم لأنّ المتيقّن من الدليل ثبوت الخيار للعاقد في صورة القول به عند العقد، لا لحوقه له بعده. نعم يمكن توكيله في الفسخ أو في مطلق التصرّف فسخا أو التزاما (1).

يلاحظ عليه: بأنّ الخيار القابل للتفويض حدث حين العقد و إنّما يفوّض إليه بعد العقد، فما هو الشرط و هو أصل الخيار موجود حينه، نعم كون الوكيل ذا حقّ خياري فإنّما هو بعده، و لا يظهر من الدليل لزوم وجود التفويض حين العقد، بشهادة أنّ الخيار حقّ قابل للنقل و الاسقاط كما سيوافيك، فكيف يصحّ لنا المنع منه؟

____________

(1)- الشيخ الأنصاري: المتاجر: قسم الخيارات ص 217.

47

عدم ثبوت الخيار للفضولي:

إنّ الكلام في البيع الفضولي و تحقيقه موكول إلى محلّه، فالبيع الفضولي عندنا قبل الاجازة ليس عقدا و لا بيعا و لا تشمله العمومات و المطلقات، بل هو شي‌ء لغو عند العقلاء، و أشبه بتنظيم الأجنبي سندا لبيع دار الغير فلا يعد مثل ذلك مصداقا للبيع الممضى من قبل الشرع. نعم إذا لحقته الاجازة ينطبق عليه البيع و يشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بمعنى أوفوا بعقودكم، فقبل الاجازة فاقد للاستناد، و إنّما يتحقّق الاستناد بالاجازة لكن إذا صدر ممّن له صلة بالمالك بنحو من الأنحاء كالقرابة و الصداقة، لا ما إذا كان أجنبيّا بحتا، لعدم كونه متعارفا.

و على ضوء ما ذكرنا فليس للفضولي خيار المجلس لا قبل الاجازة لعدم صدق «البيع» و لا «البيّع» الواردين في العمومات و المطلقات، و لا بعدها فلأنّه لا يتجاوز عن الوكيل في مجرّد اجراء الصيغة، و قد علمت عدم شمول الدليل لمثله.

و أمّا كون المالك ذا خيار في المقام فلا بأس به، لأنّه يكون بيّعا بعد الاجازة، و قد علمت أنّ البيّع وضع لمن صدر منه البيع، و هو- بعد الاجازة- من مصاديق من صدر عنه البيع، و لكنّ الكلام في تعيين مجلس الخيار، فهل الميزان هو حضورهما (المالكين) في مجلس العقد و هو يتوقّف على أن لا يتفرّقا من زمان اجراء الصيغة إلى زمان صدور الاجازة، أو الميزان هو مجلس الاجازة بشرط حضورهما في مجلس الاجازة فما لم يتفرّقا لكان لكلّ من المجيز و المالك الآخر خيار المجلس؟ هذا هو الأقوى لما عرفت من أنّ عقد الفضولي ليس بيعا و لا عقدا ممضى للشارع و إنّما يصير عقدا من حين الإجازة، فكأنّ الاجازة تنفخ الروح في‌

48

العقد، و يعتبر أمرا قانونيا في مجلس الاجازة في عالم الاعتبار، فما دام المجيز و المالك الآخر غير متفرّقين عن مجلس الاجازة، فالخيار باق.

هذا من غير فرق بين كون الاجازة ناقلة أو كاشفة إمّا على الأوّل فهو واضح و إمّا على الثاني، فلأنّ الكشف الحقيقي باطل بمعنى وجود الملكيّة في الواقع قبل تحقّق الاجازة لأنّ معناه الغاء الاجازة و الرضا في تحقّق الملكية، فينحصر المراد منه بأمرين:

1- الكشف الحكمي بمعنى ترتيب آثار الملكية للعين المشترى من الفضولي.

2- القول بأنّ الاجازة توجد ملكيّة في الماضي من زمان الاجازة كما أنّ العقد من المالك يوجد ملكيّة في المستقبل، و بما أنّ الملكيّة من الأمور الاعتبارية فلا مانع من كون مال في يوم واحد ملكا للمجيز و بعد الاجازة ملكا للمشتري، و ذلك لاختلاف زمن اعتبار الملكيّة للشخصين، فالعين و زمان مملوكيتها و إن كانا واحدين لكن زمان الاعتبار مختلف.

و على كل تقدير فبما أنّ الحكم بترتيب الآثار بكلا المعنيين إنّما هو بنفس الاجازة فالعبرة بمجلسها لا بمجلس العقد.

ثمّ إنّه إذا تبايع غاصبان ثمّ تفاسخا، قال الشيخ: لم يزل العقد قابلا للحوق الاجازة، بخلاف ما لو ردّ الموجب منهما قبل قبول الآخر، لاختلال صورة المعاقدة.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على أنّ إيجاب الفضولي (الغاصب) كايجاب المالك حكما فيجوز للثاني إبطال ايجابه قبل قبول القابل، فكذا يجوز للفضولي ردّ‌

49

ايجابه بعد تحقّقه لكن القياس غير صحيح، فكما أنّه لا حقّ للفضولي بعد تحقّق الكل فهكذا لا حقّ له بعد تحقّق الجزء، و كما أنّ الكل قابل للاجازة فهكذا الجزء قابل للحوق القبول، و ليس ايجاب الفضولي مثل ايجاب المالك الذي له ابطال ايجابه قبل قبول المشتري، و بعبارة أخرى: إذا كان أمر الفضولي أشبه بتنظيم السند الخالي عن الامضاء فلا بأس للاعتناء به مطلقا من غير فرق بين الجزء و الكل.

لو كان العاقد واحدا:

هذا كلّه في ما إذا كان هناك عاقدان، و ربّما يتّحد العاقد و يعقد عن الطرفين ولاية و وكالة، أو أصالة من جانب نفسه، و ولاية و وكالة من جانب غيره، فالصور المتصوّرة أربعة، و الصحيح منها ثلاثة:

1- أن يشتري لنفسه عن غيره.

2- أن يشتري لغيره عن نفسه.

3- أن يشتري لغيره عن غيره.

و أمّا القسم الرابع: و هو أن يشتري لنفسه عن نفسه فهو باطل (1).

فيقع الكلام في مقامين: «الأوّل»: في ثبوت الخيار و عدمه، «الثاني»: في ما هو المسقط على فرض الثبوت.

أمّا المقام الأوّل ففيه قولان: الأوّل: ثبوت الخيار و هو الظاهر عن الشيخ في‌

____________

(1)- و بذلك يظهر معنى عبارة الشيخ حيث يقول: لو كان العاقد واحدا لنفسه أو غيره عن نفسه أو غيره ولاية أو وكالة، فالمقصود أن يعقد لنفسه (عن غيره)، أو لغيره عن نفسه، أو لغيره (عن غيره).

50

مبسوطه و ابن البراج في مهذبه و المحقّق في شرائعه، و الشهيد في دروسه. و الثاني:

عدم الخيار، و استقر به صاحب الحدائق.

أمّا القول بثبوت الخيار، فيقال: إنّ العاقد الواحد بائع و مشتر فله ما لكلّ منهما كسائر أحكامها الثابتة لهما من حيث كونهما متبايعين، فكما أنّ سائر أحكام المتبايعين ثابت للعاقد الواحد فهكذا خيار المجلس (1).

فإن قلت: إنّ الموضوع في لسان الدليل: «البيّعان» و هو لا يصدق على الواحد.

قلت: إنّ التثنية، لجهة بيان أنّ الحكم ثابت لكلّ من البائع و المشتري و ليس خاصّا بواحد منهما، و ليست ناظرة إلى وجوب التعدّد حتى يخرج العاقد الواحد، فالغاية من التثنية هو تسرية الحكم إليهما لا لإخراج العاقد الواحد، و لأجل ذلك يقول المحقّق: لو كان العاقد واحدا عن اثنين كالأب و الجد، كان الخيار ثابتا، و مثله غيره.

أمّا عدم ثبوت الخيار: فإنّ الظاهر من الغاية هو ثبوت الخيار فيما إذا أمكن التفرّق، و هو غير ممكن في المقام، و إن شئت قلت: إنّ الموضوع بالنظر إلى النصّ صورة التعدّد، و الغاية فيه الافتراق المستلزم للتعدّد، و لو أجيب عن الأوّل بأنّ الاتيان بالتثنية لغاية التسرية لا لاعتبار التعدّد، يبقى امكان الافتراق بحاله.

فربّما يجاب عن الاستدلال بأنّ قوله ما لم يفترقا محمول على إرادة السلب بمعنى أنّ الخيار ثابت ما لم يحصل الافتراق، و هنا (إذا كان العاقد واحدا) لم يحصل‌

____________

(1)- فلو كان وليا لصغير فأكره على العقد يلحقه حكم الاكراه، و إن كان وكيلا من جانب آخر و لم يحصل التقابض في المجلس في الصرف و السلم يبطل.

51

افتراق لعدم ما يحصل به الافتراق، و هو التعدّد.

يلاحظ عليه: أنّ حمل الذيل على إرادة السلب أي تقابل السلب و الايجاب، بعيد. و الظاهر كون التقابل تقابل العدم و الملكة.

و ربّما يجاب عن الاستدلال أيضا بأنّ كلمة «حتى» كما تدخل على الممكن، تدخل على المستحيل، مثل قوله تعالى:

وَ لٰا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّٰى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيٰاطِ (الأعراف/ 40).

يلاحظ عليه: بأنّه إذا دخلت لفظة «حتى» على المستحيل لا تكون غاية حقيقة بل تكون صورة غاية، و المقصود هو كون الحكم مستمرّا إلى الأبد، لا أنّه مستمر إلى تلك الغاية. و هذا بخلاف المقام، فإنّ الافتراق غاية للحكم، و المقصود انقطاع استمراره بحصول الغاية.

و الأولى: أن يجاب بالفرق بين كون الغاية قيدا للحكم و بين كونها غاية له، فلو كان المراد هو الأوّل يكون الموضوع الخيار المقيّد بما قبل الافتراق و هذا لا يتحقّق إلّا في مورد أمكن الافتراق، و إن كان المراد هو الثاني يكون الخيار ثابتا لكلّ من المتبايعين بلا قيد و شرط، و كون التفرّق غاية له، يعني أنّه إن حصل التفرّق يرتفع الخيار، و إن لم يحصل يبقى بحاله، و لا يختص بما إذا حصل التفرّق، و لأجل ذلك لو تعدّد العاقد، و لكن لم يمكن الافتراق كما في الانسانين المتلاصقين إذا تعاملا يكون لهما الخيار و إن لم يمكن الافتراق، و هذا مثلما إذا قيل: «أكرم العلماء إلى أن يفسقوا» و ليس المراد الإكرام المقيّد بكونه قبل الفسق بل المراد أنّ الفسق على فرض حصوله رافع للوجوب.

52

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم توقّف في المسألة و قال: الأولى التوقّف تبعا للتحرير، و لكنّه لا مجال له، إذ غاية الأمر صيرورة الحديث مجملا فيرجع إلى الأصل الأوّلي الذي أسّسه في البحث السابق و هو أصالة اللزوم إلّا ما قام الدليل على الخيار فيه.

هذا كلّه في المقام الأوّل أعني: ثبوت الخيار و عدمه، و أمّا المقام الثاني و هو أنّه على فرض الثبوت فما هو المسقط؟! فذكر المحقّق هنا أمورا ثلاثة، و قال:

1- كان الخيار ثابتا ما لم يشترط سقوطه (في متن العقد).

2- أو يلتزم به عنهما بعد العقد.

3- أو يفارق المجلس الذي عقد فيه على قول.

و ذكر في الجواهر أنّه لم يعرف قائل المسقط الثالث و لعلّه لبعض العامّة (1).

و وهنه ظاهر، لأنّ رافع الخيار ليس هو مفارقة المجلس، و لأجل ذلك لو كان البائعان مصطحبين إلى مقدار من النهار بقي الخيار و إن تركا مجلس العقد، فما ربّما يقال بأنّ مفارقة المجلس مسقطة فإنّما هو لأجل تلازمه مع التفرّق و إلّا فلا، و الأولى الاكتفاء بالمسقطين المذكورين، و إلّا فيبقى العقد خياريا حتى يسقط الخيار بسائر الأمور المسقطة الآتية.

____________

(1)- الجواهر، ج 23، ص 20.