المعالم المأثورة - ج1

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
396 /
3

-

4

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي سهل سبيل العالمين الى الدرجات العلى ببيان أحكام الدين و الصلاة و السلام على الرسول الأمين الذي يعلم الكتاب و الحكمة محمد و آله الطاهرين الذين اذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و اللعن على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

مقدمة المؤلف

و اما بعد فيقول العبد المحتاج الى غفور به الغفور محمد على الاسماعيل پور القمشه‌اى مولدا و القمي منزلا ابن المرحوم المغفور نصر اللّه عفى اللّه عنهما.

انه لا يخفى على احد عظمة علم الفقه و أهميته بالنسبة إلى سائر العلوم و ان السعادة الدنيوية و الأخروية تكون في ظل الأحكام الشرعية و العمل بها لان البشر في عيشته الفردية و الاجتماعية و في حيوته المعنوية و المادية إذا كان له طريق مستقيم لا بد ان يصل الى المقصود بأسرع ما يمكن لان الخط المستقيم هو اقصر خط يكون بين المبدء و المنتهى بين النقطتين.

و من البديهي انه لا يجد هذا الطريق في حركاته الجوارحية و الجوانحية الا ببيان من هو عالم بالطريق الوسطى التي هي الجادة و ليس هو الا اللّه تعالى لانه عالم بكل شي‌ء و اليه يرجع علم كل عالم حتى علوم الأنبياء و الأوصياء و الأئمة الاثنى‌

5

عشر (صلوات اللّه عليهم أجمعين)لأنه الذي يكون واجب الوجود و هو الغنى بالذات و علمه و سائر صفاته الكمالية واجب الوجود أيضا و من هذا الوجه يكون كل ممكن في العالم محتاجا اليه.

فعلى هذا إذا بين الطريق يكون بيانه معصوما عن الخطاء. و من المعلوم ان موضوع علم الفقه كما هو المعروف هو أفعال المكلفين و أفعالهم لا تنحصر في شي‌ء قليل فان كل حركاتهم شخصية كانت (كقيامهم و قعودهم و نومهم و يقظتهم و طهارتهم و صلوتهم و غير ذلك) أو اجتماعية كسياستهم و قضاوتهم و اقتصادهم إذا كان على وجه صحيح و في طريق مستقيم ينتج نتيجة مطلوبة حتى ان خواطر قلوبهم أيضا لا يخلو عن حكم شرعي فإذا سلّم انسان نفسه في جميع أفعاله الى اللّه تعالى و رأى قبل كل فعل من الأفعال أمره و نهيه سواء كانا الزاميين أو غير الزاميين و لم ير باعثا أو زاجرا لحركته الا اللّه تعالى يصير مؤدبا بآداب اللّه تعالى و كان اللّه تعالى سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده الذي يبطش به و هكذا لانه هو الذي يحرّكه نحو العمل.

فمن عمل في حيوته بالواجبات و المستحبات و زجر نفسه عن المحرمات و المكروهات كلا ظاهرا و باطنا يقرب من درجة الأنبياء و المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)بل الأنبياء و المرسلون و المعصومون (عليه السلام) لأنهم كانوا عبادا صالحين في جميع شئونهم مع علمهم الواقعي بكل الاحكام بلغوا الى ما بلغوا.

و لا يخفى عليك ان كل رمز أخلاقي أو عرفانى بأدقّ معانيه يرجع الى فعل من الأفعال الجوارحية أو الجوانحية و له حكم شرعي إلزامي أو غير إلزامي فيا ليتنا كنا نفهم و نعلم جميع الأحكام الواقعية و كنا نتوجه الى كل فعلنا لنطبّق حكمه عليه لنرى آيات الآفاق و الأنفس و تبين الحق لنا كما هو حقه.

فعلى هذا ان قلنا ان الفقه علم لم يصل اليه الفقهاء الا بقدر طاقتهم البشرية بحسب توفيقاتهم مع كثرة زحماتهم لم نقل شيئا جزافا فان الفقه مما يمتحن به الامام (عليه السلام) في إمامته في نظر الخواص و العوام كما هو المعروف في التاريخ من امتحان الامام‌

6

الجواد (عليه السلام) في قضية يحيى بن أكثم و المأمون الخليفة حتى ان عظمة أمير المؤمنين (عليه السلام) و انه خليفة اللّه بعد النبي (صلى اللّه عليه و آله) ظهر من جهة حلّ المعضلات الفقهية التي كان غيره جاهلا به و ان كان لا ينحصر علومهم (عليهم السلام) بعلم الفقه و كان كل ما علموه كاشفا عن عظمتهم كمباحثة الامام على بن موسى الرضا عليه آلاف التحية و الثناء مع علماء الملل و الأديان في تحكيم المباني الاعتقادية لإثبات أصل الشريعة الإسلامية و نسخ غيرها كما ان علماء الإسلام في غير الفقه من المباحث الاعتقادية أيضا يظهر بهم شرف الإسلام و أصله (في مقابل أهل الإنكار) كثرهم اللّه بجميع شئونهم.

و الان ندّعي أن الفقه بعد علم أصول الدين و الاعتقادات هو الذي يكون عليه مدار الإسلام و الفقيه هو الذي يكون مدبّرا للاجتماع و وليّا لهم نيابة عن الحجة الثاني عشر الامام المنتظر روحي له الفداء، و (عليه السلام) في هذا الزمان و كان الفقهاء من زمن الغيبة الكبرى إلى الان كالشمس في هداية الناس و تعليمهم أحكام الدين بحسب كل زمان و الاجتماع الإسلامي يدور سعادته مدار مقدار فقاهة فقهائه.

فكلما كان الفقيه أعرف في الأحكام السياسية و العبادية و المعاملية و غيرها كان ذاك الاجتماع أقرب الى السعادة و إذا كان الفقيه نعوذ باللّه ممن لا يبالي و غير دقيق في فهم الاحكام من الكتاب و السنة و اكتفى بالاستحسانات العقلية يقرب أحكام الدين من السقوط و الاجتماع الإسلامي يحصل له التشتت و التفرق نسأل اللّه الحفظ من الزلّات و التوفيق لمرضاته في ذلك.

ثم ان الفقه كسائر العلوم كلما كان البحث و التدريس و التدرس فيه أكثر يصير حل المعضلات فيه أسهل خصوصا ان المسائل المستحدثة محتاجة إلى مباحث جديدة في كل باب من أبوابه و الفقهاء الماضون (رضوان اللّه عليهم) و ان بلغوا جهدهم غايته في ذلك و كتبوا دورات من الفقه كالشيخ الأكرم الطوسي (قده) و كالعلامة الحلي (قده) و غيرهما و لكن مع ذلك كان مباحثهم منشئاً لفهم ما لم يجز على القلم أو لم يجي‌ء في الذهن أو لم يكن المسألة في ذاك الزمان مطرحا.

7

و عليهذا فتنظيم المباحث في عصر و زمان من مؤلف لا يغني عن تنظيمه و تأليفه من مؤلف آخر و عليهذا القياس كان من دأب العلماء الاعلام في كل زمان تنظيم المباحث كل بحسب وسعه و انى في هذا المضمار قد ألّفت مباحث من الفقه بعضها تقريرا و تذييلا و بعضها مستقلا.

ثم قد أمرني شيخنا الأستاذ العلامة الفهام آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي ادام اللّه ظله و أطال اللّه بقاء وجوده الشريف ملاذا للإسلام و المسلمين (بعد حصول التوفيق لطبع دورة كاملة في الأصول في خمس مجلدات المسماة بمجمع الأفكار و الفراغ منها) بطبع ما وفقني اللّه تعالى من تقرير بحثه الدقيق العميق في الفقه فامتثلت امره و هنا أقدم لكم ما استفدت منه من أوائل سنة 1385 من الهجرة القمرية على هاجرها آلاف التحية و ما بعدها و بعد تجديد النظر في العبارات و المرور عليها و ابتدء بكتاب الطهارة و سميته ب‍: المعالم المأثورة.

تم تذكر لأمور: الأول ان هذا الكتاب يكون شرحا لمتن كتاب العروة الوثقى للفقيه الأكبر العلامة السيد محمد كاظم اليزدي (قده) الذي صار كتابه القيّم مدار البحث لأكثر المشتغلين بالمباحث الفقهية في هذه الأزمنة لاهتمامه (قده) ببيان الصغريات و المصاديق بعد بيان الكبريات و سائر الكتب غالبا يكون الاهتمام فيها ببيان الكبريات أكثر من بيان المصاديق.

الثاني انى استخرجت مصادر الأحاديث من الكتب المدونة في ذلك و جعلتها بين الهلالين عند ذكر الحديث فان كان الكتاب الذي أخذت منه غير كتاب وسائل الشيعة للمحدث الكبير الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (قده) ذكرت اسم الكتاب و اما ان كان من كتاب الوسائل فغالبا لا اذكر اسمه بين الهلالين رعاية للاختصار و اكتفيت بذكر الباب و رقمه و رقم الحديث و في بعض الموارد اذكر رقم جلد الكتاب من الوسائل تسهيلا للمراجعة لخصوصية المورد و قد يذكر رقم الصفحة منه أيضا.

8

الثالث قد ذكرت في تذييلات الكتاب ما خطر ببالي القاصر من الاستدلال أو النقد بقدر الوسع و بقدر ما يقتضيه التقرير و التذييل و من التعليق على المتن تذكرة لنفسي و لمن أراد التذكر و لانه قد لا يخلو عن الاستدلال المختصر.

الرابع: أظن ان هذا الكتاب في كل مسألة آل الأمر إلى بحث أصولي يكون ابسط غالبا من اضرابه من الشروح على كتاب العروة الوثقى أو غيرها مما رأيته و ذلك لان باحثها فقيه أصولي عميق ماهر قد صرف عمره الشريف في دورات عديدة من التدريس و التدريس و التأليف في هذا الفن فصار محورا لهذه المباحث.

الخامس: لا يخفى ان الاشتغال بالمباحث الاستدلالية هو الذي يوجب بلوغ المستعد إلى درجة الاجتهاد و أظن ان هذا المعنى في مبحث الطهارة يحصل للطلبة أسرع من مباحثة سائر كتب الفقه لان البحث فيها مركب من العبادية و العرفية و كان هذا مما قال به الأستاذ مد ظله أيضا.

هذا مضافا الى كون مباحثها مبتلى بها لجميع المكلفين و أظن ان رتبة البحث فيها متقدمة للمبتدئين في المباحث الاستدلالية الفقهية على غيرهما لان البحث الذي يقوى الإنسان في الاستدلال و كان مما يبتلى به عموم الناس و نفس الطالب، هو المقدم على ما هو مختص بطائفة دون اخرى كالقضاء و الحج و غيرهما و ان كان جميع أبواب الفقه مما يجب البحث فيها كفاية خصوصا في بعض الأزمنة مثل القضاء في زماننا هذا فان الاحتياج اليه شديد اسئل اللّه التوفيق و التأييد لجميع الباحثين في الكتب الفقهية و غيرها مما به قوام الدين و بقاء شريعة سيد المرسلين (صلوات اللّه و سلامه عليه) بجميع شئونها من الاعتقادات و الاحكام.

ثم اهدى هذا الكتاب الى المعصومين الأربع عشر سيما قائمهم الإمام الثاني عشر مدار الدهر و ناموس العصر الحجة بن الحسن العسكري عجل اللّه فرجه الشريف و روحي له الفداء و (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين).

و في الخاتمة أرجو من إخواني المحصلين و أعاظم العلماء المرشدين لنا‌

9

و لغيرنا الدعاء و العفو عما حصل فيه الزلة أو طغيان القلم فان المباحث العلمية قلما تخلو عن ذلك و لكنه يكون لعظمة العلم و ان طالبه لا يصل اليه الا بقدر وسعه و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته.

المؤلف: 16 محرم الحرام 1406 10- 7- 1363

10

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السّلام على محمد و آله الطاهرين و اللعن على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[كتاب الطهارة]

كتاب الطهارة

[فصل في المياه]

فصل في المياه و انه طاهر و مطهر من الحدث و الخبث

قال السيد العلامة آية اللّه العظمى و حجته الكبرى محمد كاظم اليزدي (قده)

الماء اما مطلق أو مضاف كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء و المطلق أقسام: الجاري، و النابع غير الجاري و البئر،- و المطر، و الكر، و القليل، و كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث و الخبث. (2)

أقول: و هنا أمور الأول اشتهر بين الاعلام البحث عن هذا التقسيم بان المضاف هل كان من افراد طبيعي الماء حقيقة و إطلاق الماء عليه كان من باب إطلاق الطبيعي على أفراده أو إطلاق الماء عليه مجاز و العرف دليل من قال بأن إطلاقه إطلاق الطبيعي على الافراد لأنه لا عناية له في التقسيم بان يقول المسمى بالماء اما مطلق أو مضاف و عدم العناية دليل على ان التقسيم أعم من ان يكون حقيقيا أو مجازيا‌

11

كالصلاة تنقسم إلى صحيحة و فاسدة.

و الذي يسهل الخطب ان النزاع لا فائدة فيه لأن غاية ما يستفاد منه هي انه إذا كان لفظ الماء في لسان دليل و كان حقيقة في المطلق يحمل عليه و لا يحمل على ماء الورد و هذا مستغن عنه لأنه إذا أطلق على فرض إطلاق الماء على المضاف أيضا ينصرف الإطلاق إلى الفرد الكامل و هو الماء المطلق و لو على القول بان المضاف من افراد الماء حقيقة و الحاصل فائدة البحث هي التمسك بالإطلاق و إذا كان الانصراف فهو مستغن عنه غاية الأمر على ما قيل يكون انصرافه وضيعا و على ما قلناه يكون انصرافه إطلاقيا فنعرض عن هذا البحث لعدم الجدوى فيه.

الأمر الثاني- من الضروريات في دين الإسلام هو ان الماء المطلق يكون مزيلا للخبث و رافعا للحدث ذاتا مع قطع النظر عن العوارض و استدلوا بالآيات و الروايات و نحن قبل التعرض لها نقول البحث عن هذا اى طاهرية الماء و مطهريته لا فائدة فيه لانه على تقدير غير محتاج اليه و على تقدير لا يفيد لان المقصود من الاستدلال ان كان إثبات الطاهرية و المطهرية فنحن مستغن عنه لان من المعلوم بالضرورة ان الماء يصح به الوضوء و الغسل و يزيل الخبث و الضرورة مثبتة للطهارة بالمطابقة و للمطهرية بالالتزام و الضروري لا يمكن ان يكون سنده الروايات المملوة من الخدشات.

فان قلت ان الفقيه يتمسك بها لا لإثبات نفسهما بل لدفع بعض الشبهات الواردة عليه.

قلت لا نحتاج الى هذا أيضا لأن كبريات الشك في المقام أربعة الأول الشبهة المصداقية في انه ماء أم لا و الثاني الشبهة الصدقية أي في السعة و الضيق في المفهوم مثل الماء الملقى فيه التراب دفعة بعد دفعة حتى نشك في انه ماء أو ماء الطين.

و الثالث الشبهة في ان الماء القليل الملاقي للنجس كان مطهرا أم لا.

و الرابع الشك في ان الماء الوارد مطهر أم الأعم من الوارد و المورود‌

12

و هذه الشبهات لا تندفع بإثبات نفس الطهارة و المطهرية و ان كان سندها الروايات و لكن نتعرض لما تمسكوا به من الايات و الروايات اما الايات فمنها قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (سورة الفرقان آية 48) و تقرير معنى الآية يستلزم تفصيل معنى هيئة الفعول في اصطلاح النحويين و موارد استعماله بحسب الاستقراء أربعة.

الأول: ان تكون بمعنى الفاعل مثل العجوز بمعنى العاجز فان كان الطهور بهذا المعنى فمعناه انه طاهر و لا يثبت المطهرية و الدليل يصير أخص من المدعى و لا يتم الاستدلال.

الثاني: ان يكون بمعنى المصدر و هو الطهارة باعتبار حمل الوصف على الذات مثل زيد عدل و هذا أيضا لا يفيد لانه يصير معناه انه لما كان متوغلا في الطهارة ذكر بهذه الهيئة و لا يثبت المطهرية أيضا.

الثالث: ان يكون للمبالغة مثل الغفور و الودود اعنى يكون مبالغة في الطهارة باعتبار مراتبها أو لأنه طاهر في نفسه مطهر لغيره أطلق عليه الفعول و لكن الاشكال فيه ان المبالغة تثبت زيادة أصل المادة على غيره و لا تثبت غيره و هو المطهرية.

الرابع: ان يكون اسم الإله مثل السحور المستعمل في المسحر به فالطهور معناه ما يتطهر به و بالالتزام يفهم الطاهرية و هذا الاستعمال يفيد الا انه يثبت المطهرية إذا سدّ سائر الاحتمالات.

فنقول: الأول و الثاني بعيدان لان كلام بعض أهل اللغة في مثل هذا الوزن يفهم منه انه في الدبور و العجوز أيضا للمبالغة و على فرض التسليم فهذه الآية تكون في مقام الامتنان و الامتنان لا يثبت بإثبات الطاهرية لان التراب و غيره أيضا طاهر و هو يثبت إذا كان مطهرا لغيره.

و اما الثالث و هو المبالغة في الطهارة أعني التراب له مرتبة من الطهارة و الماء في مرتبة فوقه فأشكل عليه بان الاحكام سواء كانت وضعية أو تكليفية لا يقبل الاشتداد و لأنها اعتبارات و حقيقة الحكم ليست قائمة إلا بالمعتبر و ليست مما يقبل الشدة‌

13

و الضعف فالمبالغة لا معنى لها فان المعتبر يعتبر الوجوب و الاستحباب و الحرمة و الطهارة و النجاسة و غيرها فالطهارة اعتبار من المعتبر.

و فيه انه لا يكون للمبالغة على قرائن سيجي‌ء و لكن الاشكال غير وارد لأن الطهارة و النجاسة لا تكونان من الاحكام بل الشارع يفهم الواقع و يكشفه فيحكم عليه و المراتب تتصور في النجاسة و الطهارة مثل انهم يقولون بشدة نجاسة البول على العذرة و شدة نجاسة الكلب على الدم و يقال ان الوضوء على الوضوء نور على نور و لو أغمض عن ذلك أيضا فالأحكام لا تكون اعتبارات بل إرادات قابلة للشدة و الضعف و على فرض كونها اعتبارات لا نقول بالاشتداد فيها بل في المعتبر مثل قيامك بتمام القامة لمن اعتبرته في نفسك انه مجتهد و بما دونها لغيره.

و ما يرد على هذا هو انه و ان كان الفرد للمبالغة و لكن المنساق من عبارة الآية غيرها و ذكر للاية. مؤيدات منها قوله تعالى وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً (سورة الدهر الآية 21) و ينقل في تفسيره ان الأكل لما استلزم التبخير و خروج البخار يوجب وسخ المسامات فسقاهم ربهم شرابا مطهرا له فالطهور استعمل في المطهّر و منها ما في الحديث ان اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (في الوسائل باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 1) و المعنى لا يكون ان التراب طاهر كالماء بل معناه انه كما جعل الماء طهورا امتنانا جعلنا التراب أيضا طهورا فالحاصل من تناسب الحكم و الموضوع نفهم ان الطهور يستعمل في ما يتطهر به.

ثم انه على فرض استظهار الاحتمال الرابع و هو ان الطهور ما به يتطهر فيدل على انه مطهر بالمطابقة و على نفس الطهارة بالالتزام لان مالا طهارة له لا يصير مطهرا فان كان هذا تماما أشكل عليه بثلاث إشكالات.

الأول ان الآية يستفاد من ذيلها ان المطهرية للماء هي التكوينية بقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً (سورة الفرقان الآية 48) فان إنزال الماء لإحياء البلاد و شرب العباد و الانعام فيه امتنان كما هو الظاهر‌

14

فالمعنى انه نظيف بحسب الآية و يميل اليه الطباع للشرب و يطهر أوساخ الأرض فتحيى به و القذارة العرفية و الشرعية بينهما بون بعيد مثل ان يد المسلم الوسخة كثيفة لا ميل للإنسان إلى الأكل معه مع أنها طاهرة و يد امرأة كافرة نظيفة غير طاهرة بنظر الشرع فالماء هنا نظيف لنمو الشجر و الشرب فالآية ليست في مقام بيان الطهارة الشرعية و المطهرية كذلك، هذا.

و الجواب عنه ان نظر العرف و الشرع في الكشف طريقي الا ان الشارع تارة ينبه العرف و يوسّع في مفهوم القذارة و الطهارة و هما كما مر ليستا اعتباريتين فالآية في مقام ان الماء فيه طهارة من جميع الجهات و مطهر للاوساخ و ذكر ما ذكر من الاحياء و الاسقاء لبيان المصداق.

و الحاصل ان الماء له ذلك لا غيره في المرحلة الاولى و الشرع لا يكون الطهارة عنده الا رفع القذارة و رفع الوسخ كما قال تعالى في آية أخرى (سورة المائدة الآية 6) وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا اى بالماء و هو دليل على انه مطهر فما يقوله المستشكل غير وارد و لو أغمض عن ذلك و كان الباب باب الاعتبار فنقول هل الحكمة اقتضت الاعتبار أم لا؟ الحق هو الأول فالاعتبار يكون بلحاظ النظافة مع سعة و محصل هذه الحكمة هو الماء و لا يكون أمر الشارع بالغسل مثلا و نهيه عنه (و بالفارسية بشوى و نشوى) الا التوسعة و التضييق في بعض الموارد و لا فرق في النظافة و الكثافة عنده مع العرف.

الثاني ان الآية مختصة بماء المطر و الدليل يكون أخص من المدعى و الجواب هو انه هل نفهم ان المطر في ظرف الصب طاهر لا غير أو يعم مطهريته و لو إذا جمع في الأرض؟

لا يخفى انه يعم و نرى ان الماء إذا خرج من العين أو حصل من المطر لا يرى الفرق فيهما فاستكشف ان المراد من السماء هو سماء القدرة و ليس المقصود ان الماء من السماء فقط طهور.

هذا مضافا الى ان تمام المياه يكون من السماء كما يقوله علماء الفن و يكون‌

15

الماء في الأرض و المطر على نحو التدوير في الطبيعة فإنه بعد التبخير يرفع الى السماء و ينزل بعده من السماء إلى الأرض و يدل عليه قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ (سورة المؤمنون الآية- 18) و المقصود من الإسكان في الأرض على ما في تفسير على بن إبراهيم الآبار و العيون فلا وجه للإشكال و لا نحتاج الى القول بعدم الفصل بين ماء السماء و ماء الأرض لأن جميع المياه يكون من السماء.

الثالث ان الماء في الآية يكون من النكرة في سياق الإثبات و لا يفيد العموم اعنى ان ماء ما كذلك لا جميع المياه و الجواب انهم يقولون ان النكرة في سياق الإثبات في مقام الامتنان يفيد العموم و هو هنا واضح فالاشكالات جميعها مرتفعة بأصلها و من الايات إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ (سورة الأنفال الآية- 11) و مفادها مطابقة هو المطهّرية و بالالتزام هو الطاهرية نعم يجي‌ء الإشكال بأن التطهير هنا تكويني و هذا مشترك الورود بينها و بين غيرها.

فالجواب الجواب أضف الى ذلك ان في هذه الآية لا يجي‌ء الإشكال لأن الآية يكون ورودها في غزوة البدر بعد ما صاروا مجنبين فمنّ اللّه عليهم بنزول الماء من السماء.

و من عجب العجاب من بعض المعاصرين قوله ان المورد يكون الماء فيه رافعا للحدث و لا يدل على انه رافع للخبث لأن الجنابة حدث و ليست بخبث.

و الجواب واضح لان حدث الجنابة لا يكون بدون الخبث فماء المطر رافع للحدث و الخبث فالآية في كمال الدلالة.

و قد يتوهم هنا اشكال آخر و هو ان الآية قضية في مورد خاص و هو بيان قضية أصحاب البدر و لا يستفاد منه العموم لغيرهم و أجيب بأن المستفاد و المتلقى من الآية‌

16

هو ان الجنابة يجب ان ترفع و لذا انزل من السماء ماء للتطهير منها و احتمال ان الرافع له في غير المورد التراب أو غيره غير وجيه و القرآن يبين الأحكام الكلية غالبا.

و الحاصل ان الآية في مقام بيان ما يرفع به حدث الجنابة في كل مورد و المورد فيها غير مخصص هذا حكم الايات.

و اما الروايات فهي متواترة مضمونا بان الماء طاهر و مطهر و هي تارة تدل على الطاهرية و تارة على المطهرية و تارة على المطهرية و الطاهرية فمنها قوله (عليه السلام) الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر (في الوسائل في باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5) و هذه الرواية يمكن ان يكون صدرها حكما واقعيا و من الذيل يفهم الاستصحاب فان صدرها الماء كله طاهر، ان كان حكما واقعيا لا يغيى بغاية و لا يقيد بقيد فنقول معناه ان الماء إذا صار مشكوكا طهارته فهو طاهر حتى يعلم انه قذر و الا فالواقعيات لا يمكن ان تكون مقيدة بالعلم بها فباعتبار الصدر يفهم الحكم الواقعي و هو الماء كله طاهر و بالذيل ان كان له حالة سابقه يفهم الاستصحاب و الا فقاعدة الطهارة فان لم يكن هذا التوجيه مرضيا عندك و كانت الرواية لبيان الحكم الظاهري أيضا فالاستدلال بها تام لانه لما بين الحكم الظاهري فيفهم منه ان الواقع أيضا كذلك و الا فالنجس الواقعي لا يمكن جعل الحكم الظاهري في مورده بالطهارة فلا فرق بين كونه حكما ظاهريا أو واقعيا، و مثله ما عن جميل بن دراج عن ابى عبد اللّه في حديث قال (عليه السلام) ان اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا قال قال الصادق (عليه السلام) كل ماء طاهر الا ما علمت انه قذر (في الوسائل باب 1 من الماء المطلق ح 1 و 2).

و منها قوله (عليه السلام) الماء يطهر و لا يطهر (في الوسائل باب 1 من الماء المطلق ح 3 و هذا ناص لبيان المطهرية بالمدلول المطابقي في صيغة المبنى للفاعل من الفقرة و اما صيغة المبني للمفعول منها فسيجي‌ء معناها.

و منها صحيحة داود بن فرقد (في الباب المتقدم ح 4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسع‌

17

عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون بتقريب ان قرينة المقام دليل على ان طهورا فيها ورد للامتنان لانه قال انهم يقرضون لحومهم و جعل الماء مطهرا لئلا تكون هذه الأمة في المشقة التي كان بنو إسرائيل فيها فالدلالة على المطهرية تامة.

و منها رواية أبي بكر الحضرمي عن عبد اللّه بن سنان قال سئلت عن ماء البحر أ طهور هو قال نعم (في الوسائل باب 2 من الماء المطلق ح 2) و تقريبها واضح و كان وجه السؤال ما في ذهن بعض العامة من ان ماء البحر لا يطهر فأجيب بالمطهرية في مقام دفع هذا الاحتمال.

و منها ما عن عبد اللّه بن الحسن العلوي عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال سئلته عن ماء البحر أ يتوضأ منه قال لا بأس (في الباب المتقدم ح 3) و لنا روايات في أبواب الماء الجاري و في أبواب ماء الحمام و في باب ما نقص عن الكر في الوسائل في أبواب الماء المطلق دالة على ان الماء طاهر و مطهر فإن شئت فارجع إليها و نحن في غنى من تفصيلها هنا لكفاية ما تقدم من الروايات للمطلوب.

و الحاصل ان الطاهرية و المطهرية لنا معلوم بالآيات و الروايات و هي في غاية المتانة و الاستدلال بها لا اشكال فيه أصلا.

فصل في ان المضاف طاهر غير مطهر للحدث و الخبث

[مسألة (1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر]

مسألة (1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر لكنه غير مطهر من الحدث و لا من الخبث و لو في حال الاضطرار و ان لاقى نجسا تنجس و ان كان كثيرا بل و ان كان مقدار ألف كر فانه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس إبرة في أحد أطرافه فينجس كله نعم إذا كان جاريا من العالي الى السافل و لاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه كما إذا صب الجلاب من إبريق على يد كافر فلا ينجس ما في الإبريق و ان كان متصلا بما في يده.

18

أقول في ضمن هذه المسألة جهات من البحث الاولى في معنى المضاف و لا يكون في أحد من الايات و الروايات الحكم على لفظ المضاف بل الحكم يكون على الافراد التي لا يطلق عليها اسم الماء بإطلاقه فإذا سئل عن الوضوء باللبن في الروايات قيل لا و إذا سئل عن الوضوء بماء الورد قيل نعم (في الوسائل في باب 2 و 3 من أبواب الماء المضاف) و لم يعلل مثلا بقوله لانه مضاف في الأول و لا يعلل الثاني بأنه من المطلق و لا يكون لمصاديقه في الشرع تحديد.

فالمضاف بماله من المفهوم لا يوجد و مصاديقه أيضا لا تحد فنحن إذا أخذنا المصاديق من الشرع نفهم ان هذه المصاديق لسلب لفظ الماء المطلق عنها لا يكون عليها حكمه و يثبت لها لفظ المضاف فيحكم بان المضاف مطلقا لا يكون عليه حكم المطلق.

ثم العرف نظره في المقامات مختلف فطور من المضاف مثل ماء الدابوقة و ماء الرمان و ماء العنب فان كل شي‌ء فيه مقدار من الماء إذا أخذ منه فهو يطلق عليه المضاف فإذا أخذ من العنب الماء يقال ماء العنب اعنى الماء الكامن في العنب الخارج منه و طور منه يكون بالتصعيد مثل ماء الورد و لا يخفى انه يؤخذ بنحوين الأول بتصعيد البخار منه و الثاني ان يمزج الورد مع الماء و يدقّ ثم يعصر فيؤخذ من مائه الجلاب و طور منه يسلب عنه الإطلاق لمزج شي‌ء معه سواء كان ما يمتزج به أقل أو أكثر فإنه إذا لم يخرج عن طبيعة الماء فهو ماء مضاف.

و من هنا يظهر ان ما يقال بان ما يمتزج به يلزم ان يكون أقل حتى يكون ماء مضافا غير وجيه لان المناط الصدق العرفي.

فتحصل انه لا نحتاج الى مفهوم المضاف و الاعتبار بالمصاديق التي في العرف و المناط هو الصدق العرفي بأي نحو أطلق المضاف على المصداق سواء كان بكمون الماء في المضاف اليه و إخراجه منه أو غيره من الأنحاء المتقدمة.

ثم ان المضاف طاهر و الدليل على طهارته ما دل على طهارة كل شي‌ء و هو قوله (عليه السلام)

19

في موثقة عمار كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر الحديث (في الوسائل باب 37 من النجاسات ح 4) و الصدر دليل اجتهادي على الطهارة و الذيل دليل فقاهتى عليها فيمكن ان يقال لنا دليل مطابقي أو التزامي على طهارة الأشياء.

الجهة الثانية المشهور بل هو إجماعي أن المضاف لا يرفع به الحدث مطلقا حتى في حال الاضطرار و خالف في ذلك الصدوق في الفقيه بجواز الوضوء بماء الورد و حتى عن ابن عقيل ان ماء المضاف يرفع الحدث و الخبث في حال الاضطرار و في النسبة منع.

و الدليل على المشهور الايات و الروايات و الأصل اما الايات فمنها ما مرّ من قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً و من قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (مر مصدر الآيتين فيما تقدم) و نستفيد من الآيتين مضافا الى الطاهرية و المطهّرية وجوب كونه مطلقا في كونه مطهرا لان المنة يكون في انه نزل من السماء لا من غيره في مقام عدم العدل له و الا فإن كان افراد المطهر أزيد من ذلك فلا معنى للامتنان به بخصوصه.

و ما عن بعض المعاصرين من ان الامتنان يحتاج الى الخصيصة و هي هنا كثرة الوجود و هي منّة منه تعالى ليس بصحيح لان الماء ليس بالنسبة الى جميع المضافات أكثر سلمنا لكن الامتنان و الأدبية يقتضي أن يقول انا وسعنا عليكم بالجامع بين المضاف و المطلق و ذكر الماء فقط يكون سرّه الامتنان به فقط و يكشف عن عدم التوسعة فلا محصل لما قيل.

و منها قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ، مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً (في سورة النساء الآية 42) و بمضمون الآية روايات كثيرة.

20

و نظير هذه الآية ما في سورة المائدة (الآية 6) قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. إلخ و التقرير هو انا نفهم من الحصر بين الماء و التراب ان واجد التراب يكون فاقد الماء فالوضوء اما ان يكون بالماء المطلق أو التيمم بالتراب و لا واسطة بينهما فيفهم من الآيتين ان المضاف و كل ما هو غير الماء و التراب لا اثر له في تحصيل الطهارة.

أما الرواية فهنا روايتان كلتاهما ضعيفتان (في الوسائل في أبواب ماء المضاف و المستعمل باب 1- ح 1 و 2) الأولى هي ما عن حريز عن ابى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منه للصلاة قال لا انها هو الماء و الصعيد و الثانية ما عن عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن انما هو الماء أو التيمم الحديث و تقريب الاستدلال ان الرواية دلت على ان غير الماء لا يمكن الوضوء به مثل اللبن و النفط و لكن ذيلها فيه الانحصار بالماء و التراب أو التيمم و المراد من التيمم هو التراب أيضا و ضعف الروايتين بمجهولية بعض الرواة لا يجبر بعمل المشهور لعدم إحراز استفادتهم إليهما بعد وجود الايات المقدسة فلا يتم الاستدلال بهما.

اما الأصل فهو استصحاب بقاء الحدث في جميع الموارد في الشك في المطهر فان قلت إطلاقات الغسل و الوضوء تكون رافعة قلت لا إطلاق لأن الايات و الروايات مانعة منه و الانصراف يقتضي ان يكون الغسل و الوضوء و التطهير بالماء هذا سند المشهور من الأدلة.

و اما سند قول الصدوق فروايات (في باب 3 من أبواب الماء المضاف) الاولى ما عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن يونس عن ابى الحسن (عليه السلام) قال قلت له الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة قال لا بأس بذلك.

رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب ثم قال هذا خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره و هذه الرواية من حيث السند ضعيفة و من حيث الدلالة تامة لأن في طريقها سهل بن زياد و هو مجهول و محمد بن عيسى أيضا مجهول‌

21

و اعراض المشهور عنه أيضا دليل على ضعفها لانه لا يفتي أحد منهم بمضمونها.

و كلام الصدوق أيضا قابل للتوجيه بوجوه رافعة للمعارضة مع غيرها.

الأول ما عن الشيخ و هو ان المراد بماء الورد التحسين و التطيب قبل الصلاة و لا يكون المراد الوضوء المصطلح و هذا بعيد لأن السائل يكون في مقام السؤال عن الوضوء المصطلح على ما هو الظاهر و يفهم هذا من تناسب الحكم و الموضوع فهذا لا يفيد.

الثاني ما ذكره صاحب الجواهر و هو ان الورد بكسر الواو لا بفتحها اعنى يكون السؤال عن الماء المورود عليه الدواب و هو لما كان مظنة للمانعية قال (عليه السلام) لا منع و يكون في فرض إطلاق الماء و هذا أيضا لا وجه له لان الفتح و الكسر لا يكون معينا و الاعلام تلقوه بالفتح يدا بيد و على فرض عدم الاعتناء بتلقيهم يصير مجملا لوجود الاحتمالين و كيف كان لا يتم الاستدلال لجواز الوضوء بماء المضاف لوجود الاحتمال المتقدم.

و الثالث ان ماء الورد يطلق على ثلاثة موارد الأول الورد الموجود فيه الماء تكوينا و لا إشكال في ان هذا مضاف و لا يكون هذا مقصود الصدوق.

الثاني ان يكون مجاورا للورد أو يكون فيه الورد فيقال ماء الورد لانه يكون فيه ريح الورد مثل الورد المجعول في ماء الغليان.

و الثالث ان يكون المراد منه الجلاب المصطلح المشهور و قال الشيخ هادي الطهراني ان الأخيرين لا يكونان من المضاف و الأخذ بالنحو الأول يكون من النوادر و هذا غير تام لان ما جعل فيه الورد لا يطلق عليه ماء الورد في العرف و الاصطلاح الدارج في العرف هو الأخير و الماء المعتصر من الورد الجاف هو هذا القسم و هو مضاف و القسم الأول نادر جدّا كما قال و بعبارة واضحة أن المضاف لا يكون له حقيقة شرعية و غير المطلق في العرف هو المضاف و ماء الورد المصطلح لا يطلق عليه الماء مطلقا في العرف فلا وجه لهذه التوجيهات و لا نحتاج إليها.

22

فتحصل ان هذه الرواية بعد ضعف الراوي شاذة و معارضة مع سائر الروايات و ليقدم غيرها عليها لقوته فيسقط هذه عن الاعتبار.

و اما مستند ابن عقيل هو ما ورد من ان النبيذ يجوز الوضوء به و ذكر النبيذ يكون من باب ذكر المصداق و المضاف كله يمكن رفع الحدث و الخبث به في حال الاضطرار نبيذا كان أو غيره من ماء الورد و سائر المضافات و هو في (باب 2 من أبواب ماء المضاف ح 1) عن عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن انما هو الماء أو التيمم فان لم يقدر على الماء و كان نبيذ فانى سمعت حريزا يذكر في حديث ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) قد توضأ بنبيذ و لم يقدر على الماء.

و حاصل التقريب ان المراد من النبيذ ان كان هو الخمر فلا يكون هذا قابلا للاعتناء و ان كان المراد ما ذكره النبي (صلى اللّه عليه و آله) من عصر معدود من التمر في ماء كثير لا يضاف به الماء لتغيير طعم الماء فقط فهذا لا اشكال فيه لانه ليس نبيذا بل هو ماء مطلق يصح الوضوء به و اما الإشكال عليها في كلمة عن بعض الصادقين بقرائتها بالجمع و انه لا يعلم ان المراد منه المعصوم أم لا فلا يكون موجها لان قرائته بلفظ التثنية مأنوسة و المراد بها الامام الباقر و الصادق (عليهما السلام) اللهم الا ان يقال مع ذلك أيضا لا يخلو من إجمال و لا يحرز قطعا كونها من الامام (عليه السلام).

الجهة الثانية المشهور بل عن عدّة انه إجماعي أن المضاف لا يرفع الخبث كما مر عدم رفع الحدث به و خالفه بعضهم كالمفيد و السيد و الكاشاني (قدس سرهم) و ذلك لوجوه ثلاثة.

الأول توهم عدم تأثير النجاسات الرطبة في شي‌ء بل هي و اليابس في حكم واحد فكما لا تأثير لليابس منها في الملاقي فكذلك الرطب.

الثاني توهم تأثيره أثرا و لكن لا يحتاج الى النقاء بالماء المطلق بل رفع العين يكفى و هو يحصل بالمضاف أيضا.

23

و الثالث توهم التأثير و احتياج الموضع الى النقاء و لكنه يحصل بماء المضاف و الحاصل منشأ الاشكال هو احدى هذه التوهمات الثلاثة.

و الجواب اما عن الأول فهو ان المضاف و ان كان أحد أفراد المزيل للخبث لكنه يكون في غاية السقوط لان المغروس في الأذهان و ما يفهم من روايات الأئمة (عليهم السلام) هو التأثير و وجوب الغسل بالماء مثل موارد البول الذي يقال فيها اغسل بالماء و هذا يكون ضروريا سيجي‌ء مبحثه في معنى السراية و اما عن الثاني فهو بعد الإذعان يكون مخالفا للطبع السليم لأنه يقتضي انه مع التأثير محتاج الى النقاء.

و اما عن الثالث فهو انه مخالف لروايات كثيرة و هي على ثلاثة أقسام الأول ما كان جرم العين باقية فيقال يغسل بالماء كما ورد في باب 16 من أبواب النجاسات باب نجاسة المنى و في بعضها إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه منى فليغسل الذي اصابه و الأمر بالغسل الذي يكون بالماء يكون لخصيصة فيه و الا فإن كفى مطلق ازالة العين لم يكن وجه للأمر بالغسل بخصوصه فنفهم من ذلك وجوب الغسل لا مطلق الإزالة و لو كانت بالمضاف الثاني ما يشمل بإطلاقه ما كان العين غير باقية مثل البول بعد الجفاف أو مع الرطوبة فإن كان زوال العين يكفى فبعد الجفاف كيف يقال اغسل بالماء أو لا يجزيه الا الماء و هي في باب 9- من أحكام الخلوة كما عن حريز عن زرارة عن أبى جعفر قال لا صلاة الا بطهور و يجزيك عن الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة اما البول فإنه لا بد من غسله.

الثالث ما ورد في موارد ملاقاة النجاسة من الأمر بالغسل لملاقى المتنجس فإنه إن كفى زوال العين لم يجب غسل الملاقي و هذا يكون أعلى شاهد على انها بعد زوال العين تحتاج الى زوال الأثر بالماء.

و لنا روايات أخرى دالة على ان المطهر هو الماء ليس الا فمنها ما في باب 9 من أبواب الخلوة ح 6 عن بريد بن معاوية و لا يجزى من البول الا الماء و منها ما ورد في (باب 45 من أبواب النجاسات كصحيحة على بن جعفر- ح 5) قال سئلته عن‌

24

رجل عريان و حضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم يصلى فيه أو يصلى عريانا قال ان وجد ماء غسله و ان لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصلّ عريانا.

و في هذا يدور الأمر بين الصلاة في الثوب النجس أو الغسل بالمضاف فقيل يصلى في النجس إذا لم يجد الماء للغسل و من المعلوم انه لا يكفى غير الماء للغسل و الا الأمر بالإزالة به و احتمال عدم وجود المضاف أيضا بعيد.

و منها موثقة عمار الساباطي (في باب 45 من أبواب النجاسات ح 8) عن أبي عبد اللّه انه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماء يغسله كيف يصنع قال يتيمم و يصلى فإن أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة، فهي دلت على انه لا يصلى عريانا و لكن يصلى مع الثوب النجس لعدم وجدان الماء فلو كان غير الماء من المضاف أو غيره كافيا لأمر بالإزالة به أيضا.

و منها ما في الباب الأول من أبواب الماء المطلق كصحيحة داود بن فرقد و قد مر في هذه المكتوبة و فيها قضية قرض بني إسرائيل لحومهم بتقريب قد مر أن المنة علينا فيها هي بالماء لا غير و لا نكون مثل بني إسرائيل الذين كانوا يقرضون لحومهم فلو كان غير الماء أيضا مطهرا لم تكن المنة فيه فقط ثم انه هنا إشكالات الأول ان الروايات تكون في باب البول و المنى و غيرهما و لا تكون فيها ضابطة كلية و لذا استثنى المخالف الموردين و بعد عدم ذكر غير ذلك يرجع الى أصالة الطهارة و سائر القواعد الممهدة.

و الثاني ان الروايات تكون في الثوب و البدن و اما سائر الأشياء فلا ذكر له فيها فنحتاج إلى الضابطة من دليل آخر.

و الثالث ان هذه معارضة مع إطلاقات الغسل الشامل له بالماء أو بغيره من المضافات.

و الجواب ان الروايات في باب الدم و الكلب و الخنزير و المنى و البول موجودة فكيف لا يمكن حدس الفقيه بان الموارد لا فرق فيها في أنواع النجاسات و الشاهد‌

25

على ذلك موثقة عمار الساباطي باب (53 من أبواب النجاسات ح 1) عن ابى عبد اللّه قال سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرة يغسل قال يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك ثم يفرغ ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر ثم يفرق منه و قد طهر.

فيسئل السائل عن رفع القذر عن الإناء و الامام (عليه السلام) لا يسئل عنه اى قذر تريد و يبين له التطهير و ذكر الموارد بخصوصها يوجب الفقه الجديد فيستنبط العلة في هذه الموارد و اما الثوب و البدن فلا خصوصية في غيرهما أيضا و يوجد روايات متعرضة لمثل الفرش أيضا و من هذا يفهم ان الموارد التي يكون اللازم فيه العصر و ما لا يلزم فيه ذلك قد بين و لا خصيصة لغيره فتحصل عدم الخصيصة للنجس و لا للمتنجس في لزوم كون الغسل بالماء لا غير.

و اما مسألة المعارضة بما في باب 1 من أبواب النجاسات و في باب 5 و هو باب كيفية غسل الفراش و نحوه فيه الحشو إذا اصابه البول و في باب 7.

بتقريب ان الغسل المأمور به فيها عام يشمل المضاف و المطلق فيعارض مع ما تقدم فالجواب عنها ان هذه الروايات يحمل على المفهوم العرفي فإذا قيل اغسله لا يسئل عن انه يغسل بماء الدابوقة أو الماء المطلق بل يفهم المخاطب الغسل بالماء و لا ندعى الانصراف بل نقول مفهوم الغسل في العرف لا يتحقق الا بالماء و على فرض عدم التسليم لهذا فمن الروايات التي دلت على الانحصار بالماء يفهم الانحصار و قد تقدمت و تصير النتيجة هي وحدة المطلوب فيقيد العام بها فقد تحصل مما تقدم ان القائل بمطهرية الماء المضاف لا وجه لقوله بأي جهة من الجهات الثلاثة التي مرت.

بقي في المقام مطلبان من المخالف الأول التمسك بروايات خاصة دالة على كفاية مطلق الإزالة فمنها رواية حكم بن حكيم (باب 6 من أبواب النجاسات ح 1) انه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شي‌ء من‌

26

البول فأمسحه بالحائط أو بالتراب ثم تعرق يدي فامسح به وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي قال لا بأس به.

و تقريب الاستدلال هو ان اليد بالمسّ بالحائط و التراب صارت طاهرة حتى إذا مس بجسده و ثوبه برطوبة لا يكون به البأس فإذا كان مس الحائط مطهرا فماء المضاف اولى هذا حاصل تقريبه.

و فيه ان حكم بن حكيم فيه اختلاف من جهة توثيقه و جهالته (1) فيحتاج حاله الى الاجتهاد و اما متن الرواية فيكون دليلا على خلافهم لان المفروض و المغروس في ذهن الحكم هو ان البول لا يطهر بالحائط و لكن لمّا يمسها برطوبة بوجهه و لا يدرى انه كانت رطوبة مسرية أم لا قيل لا بأس و قيل ان معنى لا بأس به اى تكليفا لا وضعا اعنى ما فعلت حراما بفعلك هذا بل اغسل يدك و ما اصابه.

و لكن لا وجه له لان الظاهر هو عدم البأس وضعا على ان هذه الرواية في موردها لا تكون معمولا بها لأن القائلين بمطهرية المضاف خصصوا البول بلزوم كون غسله بالماء لروايات خاصة و تمسكوا أيضا بروايات باب حكم الريق و هو باب 4 ح 1 من أبواب المضاف عن عبد اللّه بن المغيرة عن غياث عن أبي عبد اللّه عن أبيه قال لا بأس ان يغسل الدم بالبصاق.

و تقريب الاستدلال واضح لان الظاهر ان البصاق يطهر الدم و مع عدم القول بالفصل فساير المضافات أيضا مثله مع عدم القول بالفصل في الدم و غيره و الثاني مستهجن لظهور نفس الرواية في الاختصاص و اما الأول فالمانع منه هو انه قياس أولا و ثانيا ان القائلين بهذا القول لا يقولون بذلك في مورد نفس الدم للرواية بأن الدم يغسل بالماء لا غير فهي في موردها لا تكون حجة فكيف في غيره.

و أيضا رواية غياث في الباب المتقدم ح 2 عن على (عليه السلام) قال: لا بأس ان يغسل‌

____________

(1) أقول قد تفحصت في مجمع الرجال ص 218 فوجدت ان النجاشي قد وثقه و ذكره الفهرست و سكت عن توثيقه بنقل كتاب له و الظاهر انه موثق

27

الدم بالبصاق و في ح 3 عن محمد بن يعقوب قال! روى انه لا يغسل بالريق شي‌ء الا الدم.

بتقريب ان البصاق الذي هو الماء في الفم يغسل معه الدم فتدل على ان مطلق الإزالة مطهر و الجواب عنها انها روايات ضعاف و لم يعمل بها المشهور أيضا.

و اما الأصل بعد عدم تمامية الروايات فمقتضاه هو انه بعد زوال العين نشك في الطهارة و الأصل يقتضي استصحاب النجاسة و على فرض جريانه في الشبهة الحكمية يكون حاكما على قاعدة الطهارة.

و أشكل عليه أولا بعدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية و ثانيا ان العلم بالاجتناب عن النجس حاصل و زوال النجاسة بالمضاف أيضا حاصل و يكون الشك في تأثير النجاسة أزيد من ذلك في المحل فتجري قاعدة الطهارة.

و الجواب عن الأول انه مبنائى و على التحقيق من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فلا اشكال و عن الثاني فالتأثير في المحل بحيث لا يرفع الا بالماء حاصل لنا بما مر من النصوص.

فتحصل ان مقتضى الأصل فيما غسل بالمضاف أيضا هو النجاسة و عدم حصول الطهارة إلا بالماء.

فصل في ان المضاف ينجس بملاقاة النجس و ان كان كثيرا

الجهة الرابعة‌

في انه ينجس ماء المضاف بملاقاة النجس و ان كان كثيرا.

و توضيح المقام يكون في ضمن أمور الأول ان المائع المضاف القليل اى ما دون الكر ينجس بملاقاة النجاسة و هو ضروري الفقه.

و يدل عليه أيضا روايات عديدة و هي على أصناف فصنف منها ما دل على سراية النجاسة بنحو يعم الجامد و المائع و من افراد المايعات المضافات.

و صنف منها في موارد الأسئار كسؤر الكلب و اليهودي و المجوسي و السؤر‌

28

هو ما باشر بدن إنسان أو حيوان لا ما يبقى من المأكول أو المشروب فقط ففي أبواب الأسئار باب 1 ح 2 عن على بن جعفر عن موسى بن جعفر في حديث قال سئلته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات. و بتنقيح المناط من الشرب من الإناء و من عدم ذكر المشروب يعلم انه سواء كان ماء أو غيره من إناء كان أو غيره ان مطلق الملاقاة مع مطلق المائع في أي موضع كان يوجب النجاسة.

و في الباب المتقدم ح 7 ليس بفضل السنّور بأس ان يتوضأ منه و يشرب و لا يشرب سؤر الكلب الا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه و في معنى ما تقدم روايات كثيرة في الباب المتقدم فارجع إليها.

و الروايات كثيرة تدل على ان سؤر الكلب و الخنزير و اليهودي يكون نجسا بملاقاتهم.

و في باب 5 من أبواب المضاف ح 1 عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام): قال إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك.

فيدل على ان كل شي‌ء ذي ذوبان ينجس من السمن و الزيت و غيرهما.

و رواية القدر في باب 5 من أبواب ماء المضاف أيضا ح 3 عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) ان عليّا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فارة قال: يهرق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل.

و تقريب الاستدلال هو ان المرق اما نفسه يكون من المائعات المضافة أو يكون مائعا و يكون مدار التنجيس الذوبان و ما عن بعضهم من انه ليس من المائعات المضافة غير وجيه لانه و ان لم يصدق عليه المضاف و لكنه مائع ذو ذوبان و هذه المسألة لا اشكال فيها و المهم انه ان كان كرا هل هو محكوم بالنجاسة أم لا فإنه لا يدل دليل عليها و يأبى الطباع عنها و المشهور النجاسة.

29

الأمر الثاني في بيان ان المضاف إذا كان اكرارا ينجس بملاقاة النجاسة أم لا؟

مثل بحر من الماء المضاف أو معدن من النفط: المشهور هو النجاسة و انما الإشكال في سند هذا القول و اما الروايات التي مرت فتكون في موارد ما كان المضاف دون الكرّ و بحسب الطبع أيضا تكون النجاسة بعيدة لان باب التنجيس هو باب السريان و لا يكون السريان العرفي في أمثال ذلك فلذا صار هذا إشكالا في المقام و اما المشهور فقد استدل بروايات السؤر.

فمنها ما في باب 1 منها ح 7 عن ابى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه و يشرب و لا يشرب سؤر الكلب الا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه.

و تقريب الاستدلال هو ان مباشرة كل نجس سبب لعدم الشرب و الكلب يكون من باب المثال و اما الاستثناء و هو قوله الا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه يدل على ان الحوض الكبير إذا كان ماء لا ينجس فالمائعات غير الماء سواء كانت قليلة أو كثيرة تنجس بالملاقاة.

و منها ما في باب 5 من أبواب المضاف ح 1 عن زرارة و قد مر آنفا و قد استفدنا منه سابقا ان كل ذي ذوبان ينجس و الإطلاق يشمل القليل و الكثير.

و منها أيضا رواية القدر في باب 5 من المضاف ح 3 ان عليا (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فارة قال يهرق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل.

بتقريب ان الإطلاق من حيث كبر القدر و صغره و الإطلاق من حيث كثرة المرق و عدمها دليل على انفعال الكثير من المضاف.

و قيل لا أقل من انه يفهم منه ان الكرّ من المضاف ليس عاصما و انما العاصم هو الماء الكر و ان لم يفهم حكم الأكرار و لكن إذا فهمنا ان حدّ العاصم ينجس من المضاف فلا فرق بين القليل و الكثير هذا حاصل استدلال جملة من الفقهاء.

و يرد عليه أولا ان الإطلاق يجب ان يكون تحت اللفظ و الرواية الاولى لا يمكن‌

30

ان يقال ان المستثنى منه أعم من المضاف أو غيره لا أقل من الشك و أهون من هذه رواية الذوبان لأنها تكون في مورد خاص و هو السمن و الإطلاق يكون من المذكور لا مما لا يذكر و لو أغمض عن هذا فان المضاف أو مطلق المائع ان كان منشأ الاشكال فيه ان حد الكر هو حد العاصم و الروايات تشمل حد الكر فيقال لا فرق بين الكر و الأكثر فلكلامهم وجه.

و لكن النكتة في التأثير و النجاسة في الأقل من الكر هو صدق السراية و في الكر عدم صدقها و عدم صدق الملاقاة عرفا و في المائعات القليلة يصدق انها لاقت النجس لسيلانه.

و لكن إذا كانت كالبحر و كانت مضافة لا تصدق الملاقاة و السريان الى جميع أطرافها فمع الشك فقاعدة الطهارة جارية و لا معارض لها.

و قال الشيخ الأنصاري (قده) بتنقيح منا ان الملاقاة في المائع المضاف تقتضي النجاسة بالروايات فوجود النجاسة يكون مقتضيا و نحتمل ان الكثرة تكون مانعة عن التأثير.

و الحاصل يرجع الأمر إلى الشك في التخصيص فمع تمامية المقتضى و الشك في التخصيص لا وجه لاحتمال مانعية الكثرة لأن الأصل عدمها و فيه انه بعد تسليم انه من باب المقتضى و المانع لا نحكم بوجود فعلية المقتضي في التأثير و تنجيس الملاقي بالملاقاة.

و أيضا لا يقاس باب المقتضى و المانع بباب العام و الشك في التخصيص فكم فرق بينهما فان العام يكون دلالته على افراده بالوضع و المطلق لا يكون كذلك بل هو بالنسبة إلى أفراد المقيد لا يكون دلالته صريحة و المقتضى يرجع معناه إلى الإطلاق فالملاقاة بالنسبة إلى الكثير لا اقتضاء لها جزما و بعبارة واضحة التشبيه بالتخصيص في كلامه لا أساس له لان معنى الشك في التخصيص هو ان العام متكفل لرفع المانع و اما إذا لم يكن للدليل عموم فلا يكون المورد منه فإنه إذا قيل أكرم كل عالم ثم شككنا‌

31

في العالم الفاسق انه هل يجب إكرامه أم الفسق مانع نتمسك بعموم العام بخلاف المطلق فإنه ليس في وسعه رفع المانع و المقام يكون من قبيل المطلق لا العام هذا أولا و ثانيا من اين يحرز وجود المقتضى في الكثير فلعل السمن و المرق القليل المذكور في الرواية يكون له دخل في كون المقتضى تاما فإذا شككنا في الكثير شككنا في الاقتضاء فإذا لم يحرز الاقتضاء فقاعدة الطهارة حاكمة.

و أسوء من ذلك الاستدلال بترك الاستفصال في الباب لان المورد يكون مورد البيان لان ترك الاستفصال لا معنى له في المقام و المورد لا يكون مورد البيان فان من يسئل عن القدر و عن السمن فبالنسبة الى هذا المورد يكون المقام مقام البيان و اما بالنسبة إلى البحر و الكثير بمقدار الأكرار لا يكون هذا مورد بيانه حتى نقول بأنه لما لم يبين فهو داخل في الحكم.

و بعبارة اخرى ان الإطلاق الاحوالى يستفاد بالنسبة إلى الفرد المذكور في الروايات لا بالنسبة الى ما هو خارج عن هذا الموضوع و لا يكون المورد مقام بيانه.

فتحصل انه لا دليل على ان المائع المضاف الكثير ينجس من الروايات في المقام و اما الإجماع فهو مع احتمال كون سنده هذه الروايات فلا وجه له أيضا و لا يكون دليلا لنجاسة المائع الكثير التي يأبى الطباع عن قبوله بالملاقاة.

فتحصل عدم تمامية النص و الإجماع لا ثبات نجاسة المائع الكثير بملاقاة النجس.

و عن بعض منهم ان المقام يكون مقاما للاشتغال أعني إذا طهرنا الثوب أو البدن بالمائع الكثير الملاقي للنجس المشكوك طهارته نشك في ان الصلاة مثلا تصح مع هذا البدن أو الثوب و تبرء الذمة بها أم لا فالأصل يقتضي الاشتغال أو التطهير بغيره.

و قد أجيب عنه بأنه لا يكون باب ازالة النجاسات باب الشك في المحصل مثل الطهارة فإنها أمر بسيط و يمكن تصور الشك في المحصل فيها و اما ما نحن فيه‌

32

فإذا زالت النجاسة لا شك في طهارة المحل ظاهرا و لا يكون الطهارة الواقعية أمرا بسيطا حتى نشك في أسبابها و نقول بالاشتغال لانه لا نعلم انه تطهّر بالمائع الكثير الملاقي للنجس أم لا و هذا الجواب لا يتم لعدم حصول التطهير بالمضاف أصلا فإن المطهر هو المطلق كما مر.

الأمر الثالث اشتهر بين الاعلام ان المضاف ينجس بالملاقاة فيما لا يكون المضاف عاليا و لا فرق بين الجري مع الدفع و بين التسنيمى منه.

و أشكل عليه النائيني (قده) بان المدار على الدفع و مع عدمه يسرى النجاسة من السافل الى العالي و قيل يلحق السافل الدافع بالعالي الدافع و تظهر الثمرة في ماء الإبريق الذي له ثقبة الموضوع في مكان جمع الماء فيه مع اتصال المائين الخارج عن الإبريق و الداخل فيه فمع عدم القول بالدفع يكون ما في الإبريق طاهرا بخلاف القول به.

اما الدليل على لزوم الدفع بتنقيح منا فهو ان نظر العرف في فهم ما يلقى من الخطابات محكّم فإنه إذا لاحظنا الماء المضاف مثل الجلاب يجرى بالدفع من العالي الى السافل يرى السافل موضوعا و يرى العالي موضوعا آخر غيره و لا يحكم بوحدانية الموضوع و لما كان كذلك فلا يحكم بواسطة ملاقاة السافل للنجاسة بنجاسة العالي بها لعدم صدق الاتحاد و تعدد الموضوع مصحح لجواز تعدد الحكم كما انه لا يحكم بالسراية في الجوامد التي يلاقيها النجس و يحكم في غيرها بها هذا حاصل كلامه أعلى اللّه مقامه.

و فيه ان دليله هذا يفيد لمن قال بعدم اعتبار الدفع و هو المشهور أيضا لأنه إذا كان المناط عدم صدق الاتحاد في الموضوع فلا فرق بين الدفع و غيره فان المدار على تعدده عرفا و هو حاصل.

و الحاصل مما تقدم هو ان المائعات إذا كان سطحها متعددا يكون فيه قولان الأول قول المشهور و هو كفاية تعدد السطحين و الثاني هو القول بلزوم الدفع‌

33

و هو مسلك النائيني (قده) اما الدليل على المشهور فهو ان الفارق بين الجامد و المائع هو ان اتحاد الموضوع لا يصدق على الجامد فمدار التنجيس يكون على الوحدة فإذا لاقى السافل نجسا لا يصدق ملاقاة العالي له.

و فيه ان العالي و السافل لا يكون مطلقا كذلك فتارة يكونان اثنين مثل صب الجلّاب من الإبريق على يد الكافر و كثيرا ما لا يكون كذلك مثل المائعات الجارية انحدارا فإنه يرى العالي و السافل متحدا و دليل القول الثاني هو انه بعد ما لم يصرح بتمام المائعات و وجوهها في الروايات و منها عدم ذكر العالي و السافل ففي هذه الموارد يكون نظر العرف حاكما و العرف يحكم بعدم النجاسة إذا كان النجس سافلا و فيما كان العالي نجسا لا يحكم بطهارة السافل.

و فيه انه لا شبهة في حكومة نظر العرف و في اختلاف نظره و لكن لا مطلقا بل إذا كان العالي دافعا لا يحكم بنجاسته بخلاف ما لا يكون دافعا اما انه هل للدفع موضوعية أو يكون السند العرف فهو غير معلوم اما السافل الدافع مثل الفوارة فالحق انه كالعالى الدافع لان العلو و الدفع لا يكونان معتبرين في عدم تأثير النجاسة بل الدفع فقط يكون كافيا لان الملاك هو نظر العرف و هو يرى الدفع مانعا عن السراية سواء كان من العالي أو السافل.

[مسألة 2- الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه]

مسألة 2- الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه نعم لو مزج معه غيره و صعد كماء الورد يصير مضافا.

و توضيح هذا الفرع يكون في ضمن أمور. الأول: ان المطلق لا يخرج بالتصعيد عن الإطلاق كما هو التحقيق لان التصعيد لا يكون استحالة لا دقة و لا عرفا أما دقة فلأنه يكون لخفة الاجزاء بالحرارة فيعلو الى السماء و مثل الغبار بالنسبة إلى التراب اما عرفا فلان العرف له نظران الأول الحمقى و الثاني الدقى بعد التنبه و الأول لا اعتبار به و هنا بالنظر الثاني لا يحكم بالاستحالة و انقلاب الماء شيئا آخر فان البخار أجزاء مائية‌

34

متفرقة (1).

الثاني انه قال بعض المعاصرين ان الماء بعد الرجوع لا يثبت مطهريته ان كان الماء النازل من السماء هو المطهر لا غير لان الماء الراجع بعد التصعيد لا يحكم عليه بأنه النازل من السماء و استصحاب مطهرية هذا الماء لا يمكن لاختلاف الموضوع و يشهد لما ذكره ان المائع النجس إذا صعد و رجع يكون طاهرا فإنه يكون لاختلاف الموضوع و الا فلأي وجه يقال بان النجس صار طاهرا هذا حاصله.

و فيه ان الماء لم يتغير بالتصعيد و لا يكون استحالة عرفية فإن الماء إذا صار بخارا لا يعدم ثم يكون الماء الثاني موجودا من كتم العدم فان العرف لا يرى تغيير المادة و على فرض التسليم يكون المبنى فاسدة و ان مطلق الماء مطهر لا النازل من السماء فقط بل هو الفرد الغالب.

[مسألة 3- المضاف المصعد مضاف]

مسألة 3- المضاف المصعد مضاف (1)

أقول لو مزجت مع الماء المطلق أجسام و صعد ثم رجع فهل يخرج بذلك من المضافية أم لا؟ فيه خلاف فنقول ان الضابطة في ذلك نظر العرف بعد رجوع الماء و هو يختلف أحواله في مثل تصعيد التراب و تصعيد ماء الورد و الماء بعد الرجوع إذ لم يكن فيه ما أضيف إليه لصدق بنظره انه ماء مطلق و التراب إذا صار في الهواء ثم رجع لا يكون شيئا جديدا بل هو هو (2).

[مسألة 4- المطلق و المضاف النجس يطهر بالتصعيد باستحالته بخارا ثم ماء]

مسألة 4- المطلق و المضاف النجس يطهر بالتصعيد باستحالته بخارا ثم ماء.

و السر في ذلك ان التصعيد يصدق عليه الاستحالة أعنى البخار تحول من الماء‌

____________

(1) أقول ان البخار بالنظر العرفي موضوع آخر غير الماء و له آثار غيره و ما ذكره مد ظله يكون بالنظر الدقى الذي ليس المدار عليه.

(2) أقول و هذا شاهد ما ذكرناه من تبدل الموضوع بواسطة التبخير فان المضاف يصير مطلقا بواسطة التبخير و الرجوع غاية الأمر هنا امره أوضح مما سبق.

35

ثم تحول منه الى الماء ثانيا فالاستصحاب لا يجرى لتعدد الموضوع و قاعدة الطهارة تجرى فإذا رجع بعد تغيير الموضوع لا يحكم عليه بالنجاسة فإذا شك فيه بعد الرجوع فقاعدة الطهارة جارية فإذا صعد البول و رجع يحكم بطهارته و هكذا القطرات الراجعة من الماء النجس و كذا عصارة العذرة لاستحالتها تطهر و يكون علاجا لبعض الأمراض و الحاصل ان العرف في هذه الموارد و أمثالها يحكم بتعدد الموضوع و ان لم يكن بالدقة تعدد هذا.

و على ما نقول من عدم الاستحالة فيشكل علينا و يكون العرق من الحمام و البول الراجع بعد التبخير و عصارة العذرة نجسا فإن تأبى ذلك فمن قال بحصول الاستحالة يكون قوله أشد منعا فان القول بطهارة البول بعد الرجوع يأباه الطبع جدا (1).

و هنا شبهة و هي ان الكلام في المائعات النجسة أسهل منه في المتنجسة لأن الأعيان النجسة بالاستحالة تنقلب عنوان ما هو موضوع للحكم فيها فان الخمر مثلا نجس لخمريته و البول نجس لبوليته و الكلب نجس لانه كلب فإذا صار الخمر خلا و البول صعد و رجع و لم يصدق عليه العنوان (على اختلاف فيه) و إذا صار الكلب ملحا فموضوع الحكم قد تغير فهو طاهر جزما بخلاف المائعات المتنجسة فإن الحكم لا يكون على عنوان من عناوينها الا الجسمية فإن الخمر و غيره من الأعيان النجسة لا يكون نجسا لجسميته و لكن المتنجسات عرض النجاسة لجسمها و بالاستحالة لا يخرج الجسم عما هو عليه فان الماء المتنجس إذا صار بخارا و رجع و صار ماء لا يكون هذا التحول تحولا في جسميته فيشكل الأمر. و لذا افتى الفقهاء بان الخمر إذا تنجس بنجاسة عارضية مثل البول ثم صار خلا لا يطهر لأن النجاسة الذاتية رفعت بتغيير العنوان و العرضية يكون موضوعها باقية فلا يحكم بطهارته و هكذا سائر الموارد مثل ماء الحمام المتنجس إذا‌

____________

(1) أقول ان العرف حيث يرى الموضوع منحفظا في البول عنده يحكم بنجاسته فان لم يكن كذلك لا يأبى عن القول بالطهارة لاحتمال دخل التبخير في حصولها كما إذا صارت العذرة ترابا في الأرض.

36

استحال و مثل المائع المضاف المتنجس إذا استحال كذلك.

و أجاب الشيخ الأنصاري (1) (قده) عنه بأن الأعيان النجسة يكون ما أخذ في العنوان منها هو مقوم التنجيس و في العناوين الانتزاعية إذا تغير العنوان تغير حكمه و هذا مقبول منهم اما المائعات المتنجسة و ما يكون نجاسته عارضية مائعا كان أو غيره أيضا فيصدق الاستحالة فيه.

بيان ذلك ان الصورة النوعية تكون مقومة لجسمية الجسم و شخصيته فإذا تغيرت الصورة النوعية تغيرت الجسمية و شخصيتها فان الخمر صورة نوعية للمائع المخصوص و بهذه يكون شخصا فإذا تغيرت الصورة النوعية الخمرية و صارت الصورة النوعية خلا لا يكون هذا الخل شخص ما كان خمرا فهذا أيضا بالدقة العقلية الفلسفية و بالانظار العرفية تغير الموضوع فيه و يصدق الاستحالة فيه و في أمثاله و فيه ان ما ذكره (قده) يفيد لمن يشترط بقاء الموضوع و لا يجرى الاستصحاب في الموضوع و اما على ما نحن عليه و عن استاذنا النائيني من جريانه في الموضوع أيضا فلا يفيد لأنه إذا استحال الخمر المتنجس بالبول خلا نشك في تغير الموضوع و عدمه فنستصحبه و نحكم عليه بالنجاسة نعم لا يثبت الآثار العقلية على الموضوع المستصحب لأنها يكون من لوازم الوجود الواقعي هذا أولا.

و ثانيا انه متوقف على فرض تسليم كون الباب في الماء و المضاف المصعد باب الاستحالة و اما على فرض الشك فيها فهنا يكون من الشبهة المصداقية في الاستصحاب و إحراز الموضوع فيه لازم فإن أحرزنا اجتهادا أن باب التصعيد لا يكون باب الاستحالة يكون مجرى الاستصحاب و الا فلا.

____________

(1) في الرسائل عند قوله خاتمة في شروط الاستصحاب في الأمر الأول من الأمور التي رتبها.

37

فصل في حكم الشك في مائع انه مضاف أو مطلق

[مسألة 5- إذا شك في مائع انه مضاف أو مطلق]

مسألة 5- إذا شك في مائع انه مضاف أو مطلق فان علم حالته السابقة أخذ بها و الا فلا يحكم عليه بالإطلاق و لا بالإضافة لكن لا يرفع الحدث و الخبث

و في هذا الفرع أمور الأمر الأول ان موارد الشبهات قسمان فاما ان تكون الشبهة مصداقية أو مفهومية اعنى تارة يكون العوارض الخارجية سببا للشك مثل من يعلم معنى المطلق و معنى ماء الورد و لكنه يكون في الليل فلا يعلم أنه أيهما يكون؟ فهذه شبهة مصداقية و تارة يكون الشك من جهة عدم معلومية حدود المفهوم مثل ما إذا كان الماء المعتصر من الورد مضافا حتما و المجاور له مطلق حتما و اما الماء المصعد بواسطة التبخير فهل هو مضاف أم لا فمشكوك لعدم مضبوطية الحدود و القيود في المضاف بنظر العرف و هنا قسم آخر عن الشيخ الأنصاري و اسمه الشبهة الصدقية مثل الماء الخارجي المطلق الملقى فيه التراب بمقدار شك في انه ماء مطلق أو لا لان الشك في التطبيق لا من جهة المفهوم و لا المصداق.

و اعترض عليه بان هذا الشك لا يكون الا من باب الشك في المفهوم لأنا إذا علمنا مفهوم المطلق من جهة السعة و الضيق فلا نشك هنا في الصدق و إذا لم نعلم حدوده نشك فيه.

و هذا مندفع لان التصرف تارة يكون في المفهوم و تارة يكون من جهة التطبيق اعنى لا ندري أن التطبيق يكون بيد العرف أو العقل فقال النائيني و الحائري (قدس سرهم)ا) بالأول فإن العرف تارة بعد أخذ المفهوم ربما يمكن ان يتصرف في مقام التطبيق من غير التصرف في المفهوم فإنه يطلق المنّ على ما كان قيراط منه ناقصا حقيقة بدون المسامحة و لا يتصرف في التحديد العقلي المعلوم بان يقول المن بالدقة العقلية يكون كذا فمقصود الشيخ هو ان العرف يمكنه التصرف في التطبيق فلا نعلم انه يطبق لفظ الماء على ما القى فيه التراب بهذا القدر أم لا مع معلومية مفهوم الماء نعم يجب بيان‌

38

ان عمل العرف هذا يفيد في إحراز الموضوعات في الاستصحابات و غيرها أم لا.

و المهم في المقام الأثر العملي و الفقهي و تكون الشبهة مفهومية بالنسبة إليه.

الأمر الثاني ان كان في مورد من الموارد التي يكون من باب المطلق و المقيد مثل الماء إذا غلى فيه الورد و لا ندري انه خرج بسببه عن الإطلاق و صار مضافا و يصدق عليه قيد الورد بقولنا ماء الورد أم لا فهل يجرى استصحاب الإطلاق أو لا يكون المقام مقامه لتغير الموضوع ففيه قولان:

الأول قول المحقق الخراساني فإنه يقول بالاستصحاب في باب الرضاع فإنه (قده) قال إذا علمنا بحصول عشر رضعات و علمنا بعدم حصول خمسة عشر رضعات فنستصحب عدم حصول الرضاع المحرم.

و الثاني و هو الأقوى عدم جريان الاستصحاب و ما قاله قده يكون مثل الاستصحاب في الفرد المردد.

بيان ذلك ان الأثر لا يكون على عنوان الطبيعي بل يكون على الفرد الخارجي و لا يوجد جنس إلا في ضمن نوع من الأنواع و طبيعي النوع لا يكون وجوده الا بوجود افراده و الأثر يكون مترتبا على الموجود في الخارج ففي ما نحن فيه طبيعي الماء لا حكم له الا باعتبار وجود الفرد في الخارج و كذلك الرضاع لا يكون طبيعته منشأ للأثر فهذا الموجود الذي كان ماءا مطلقا أو عدم كون الطفل مرتضعا قد تغير حاله قطعا بالغليان و بشربة اللبن و بعد تغيير الموضوع لا مجرى للاستصحاب لان بقاء الموضوع شرط فيه و لا يكون هذا الا كما إذا علمنا أن حيوانا في الدار لا ندري أنه بقّ حتى لا يبقى الى هذا الوقت أو فيل حتى يبقى و هذا هو الفرد المردد الذي لا يجرى فيه الاستصحاب.

و فذلكة البحث في الشك في الإطلاق و الإضافة من جهة الشبهة في المفهوم ان الاستصحاب لا يجرى فيه و محصل الدليل مطلبان.

الأول انه في جميع الاستصحابات المتيقن و المشكوك يجب ان يكون موردا‌

39

للأثر ففي الشبهة المفهومية ما يكون مورد الأثر يكون مشكوكا و ما يكون موردا لليقين و الشك فهو مفهوم الشي‌ء و لا أثر له مثل العدالة فإن مفهومها لا أثر له و هو المتيقن و ما يكون منشأ الأثر و هو جواز الاقتداء بمن هو عادل يكون هو العدالة الخارجية المطابقة مع زيد و لا يكون وجوده متيقنا حتى يستصحب عند الشك فيه ففي المثل كان زيد بن عمرو عادلا يوم الخميس و كان الاقتداء به جائزا فنشك بعد ما عمل صغيرة في أن هذا الشخص خرج عن العدالة أم لا من جهة الشبهة في مفهوم العدالة و انه يحصل بترك الكبيرة أو بالصغيرة و الكبيرة معا فمفهوم عدالة الخميس لا أثر له و زيد العادل في الخميس ما بقي كما كان بتغيير بعض حالاته فاستصحاب عدالته لا اثر له.

الثاني لو أغمض عما ذكر و قلنا بجريان استصحاب مفهوم العدالة فلا يجري لأنه يكون مثل الفرد المردد من جهة ان العدالة مثلا تكون بترك الكبيرة أو الأعم منها و من الصغيرة فإن كانت بالأول فتبقى مع الصغيرة و ان كانت بالأعم لا تبقى مثل اليقين بوجود حيوان في الدار اما البقّ أو الفيل.

و الحاصل لا يغرنكم العلم باليقين السابق و التمسك به فإنه غير مؤثر كما ذكر و هذا معلوم و المفهوم في الأشياء لا يكون منشأ للأثر بل الآثار تكون على الوجودات كل بقدر حظه من الوجود.

الأمر الثالث إذا كان الشك في المضاف من جهة الشبهة في المفهوم فاستصحاب الموضوع لا يجرى على ما قلناه اما الاستصحاب الحكمي فهل يجري أم لا؟ فيه خلاف و ما هو التحقيق جواز استصحابه و المخالف لنا يزعم ان الموضوع تغير اما يقينا أو بواسطة الشك مثل المضاف المغلي فيه الورد فان الموضوع الأول قد تغير بواسطة الغليان و لو يسيرا و إحراز الموضوع شرط في جميع الاستصحابات و حيث لا موضوع فلا مجرى لاستصحاب الحكم لعدم إمكان وجود الحكم بدون وجود الموضوع.

و اما الجواب فنقول يجب ملاحظة الدليل فان كان العناوين المأخوذة في الدليل مثل الإضافة و العدالة و غيرهما من الجهات التقيدية أعني جهة تقييدية لذات‌

40

الموضوع أم بحيث ينتفى بانتفاء بعض قيوده فلا يجرى الاستصحاب لان هذا العنوان يكون متيقن الرفع أو مشكوكه فإن الموضوع مركب من ماء و إطلاق أو ماء و اضافة فلا يكون عند الشك في وجود بعض اجزاء الموضوع مجرى للاستصحاب و ان كانت العناوين من الجهات التعليلية مثل من حكم عليه بحكم من الاحكام مثل الحكم بمطهرية الماء لإطلاقه و عدم مطهرية المضاف لعدم إطلاقه و جواز الاقتداء بزيد لعدالته و عدم جوازه لعدم عدالته فهذا يدور مدار انه كما يكون دخيلا في الحدوث يكون دخيلا في الحكم بقاء لان العنوان يكون مما يمكن ان يبقى فالشك يرجع الى الشك في مقام الحكم لأنا لا نعلم انه مما يعتبر بقاء حتى لا يكون الحكم في مورده إذا انتفى أولا يعتبر حتى لا يكون كذلك.

و بعبارة اخرى ان كانت الجهات تقييدية لا يكون الموضوع محرزا للشك في الجزء و ان كانت تعليلية يكون الشك في بقاء الحكم من جهة الشك في اعتبار البقاء و اما نحن فنكون في فسحة من التفصيل لانه مع الشك في الموضوع يجرى الاستصحاب أيضا و من الفوائد ان هذا المائع الخارجي المشكوك كان مطهرا فنجري الأصل في مورده و حكم بالمطهرية و كذا في الرضاع نجري الأصل فيمن شك في نشر الحرمة بالنسبة اليه و نقول بعدم نشرها.

و زعم بعض الناظرين في هذه المسألة ان اجزاء الاستصحاب الحكمي يكون من باب الاستصحاب التعليقي و هو لا يجري اما لعدم الأساس له و اما لمعارضته مع التنجيزي.

و فيه انه لا أساس له اما كونه تعليقيا في جميع موارده فغير مقبول فان الماء المضاف الاحكام التنجيزية فيه هي عدم رفع الحدث و التعليقية فيه هي حكم ملاقاته النجاسة فإنه لو لاقى نجسا يكون له الحكم و عدم جريانه أيضا مدفوع لان مبنى القائل عدمه و لكن نحن نقول بجريانه فما قلت من عدم الجريان لا أصل له على ما نحن عليه (1).

____________

(1) و أقول ان الحق ان جريانه و عدم جريانه يدور مدار بقاء الموضوع و عدمه عرفا فكلما لم يصدق بقاء الموضوع لا يجرى الاستصحاب كما في مورد العصير الزبيبي بالنسبة إلى العنبي الذي هو المثال المعروف منه في الأصول فإنه لا يجرى فيه لعدم بقاء الموضوع عرفا.

41

الأمر الرابع ان كان الشك في الإضافة و الإطلاق من جهة الشبهة في الموضوع فلا إشكال لأنه إذا كان حالته السابقة معلومة يجرى الاستصحاب الموضوعي و المصداقي مثل المائع الخارجي المطلق الذي ألقى الجلاب فيه و لا ندري كم ألقى فيه منه و هل صار بقدر يصير الماء مضافا أم لا فنجري ما هو المتيقن و لا نتوجه الى الشك فنحكم بالإطلاق لأنه كانت حالته السابقة فيستصحب و اما ان لم نعلم الحالة السابقة فلا يجرى الاستصحاب الموضوعي و الحكمي كلاهما و المرجع أصول أخر.

قوله و ينجس بملاقاة النجاسة ان كان قليلا و ان كان بقدر الكر لا ينجس لاحتمال كونه مطلقا و الأصل الطهارة.

أقول مع عدم العلم بالحالة السابقة في القليل يستصحب عدم رفع النجاسة اعنى الخبث و لا يرفع الحدث أيضا لذلك و في الكثير لما لا يكون دليل الانفعال حاكما للشبهة في المصداق فيجري الاستصحاب لان لنا دليلا على ان الماء ينفعل بالملاقاة الا الكر من الماء فنشك في ان هذا المائع يكون مضافا حتى يبقى تحت عموم الانفعال أو مطلقا حتى يخرج فيكون من باب الشبهة المصداقية في المخصص و في هذا قولان.

الحكم بالنجاسة عن النائيني (قده) و بالطهارة كما هو التحقيق و هنا تقريبان لإثبات النجاسة الأول هو ان لنا كبرى كلية و هي ان المائع القليل ينجس بالملاقاة و كبرى كلية أيضا و هي ان الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‌ء ففي المائع الخارجي نشك في الإضافة و الإطلاق فتكون من الشبهة المصداقية لهما غاية الأمر نستصحب عدم كونه ماء باستصحاب العدم الأزلي أعني هذا المائع ما كان ماء في السابق اعنى قبل وجوده و عند الشك نستصحب عدمه و نحكم بنجاسته قليلا أو كثيرا و استصحاب‌

42

العدم الأزلي في الإضافة لا يجري (1) لأنا لا نكون بصدد إثباتها بل إذا صدق عنوان الشي‌ء عليه نحكم عليه بان كل شي‌ء لاقى نجاسة ينجس فهذا ينجس بالملاقاة.

و الحاصل لا نكون بصدد إثبات الإضافة و الأثر يكون على الشي‌ء فنحرز عدم كونه ماء باستصحاب العدم الأزلي فلا يكون هذا الأصل مثبتا حتى تقول بعدم جريانه و الجواب ان الأزلي منه يجري في ما كان في أفق ما دون الذات مثل العدالة فإنها تكون من الأمور الطارية على الذات فلذا نستصحب عدمها باستصحاب العدم الأزلي و اما ما كان في مرتبة الذات فلا يجرى الاستصحاب فيه مثل المائية فإنها تكون في مرتبة ذات الشي‌ء فإنه لا يوجد أولا ثم يصير ماء بعد ذلك فتحصل ان المائع المشكوك كونه ماء أم لا، لا يجرى فيه استصحاب العدم الأزلي.

و التقريب الثاني عن استاذنا النائيني (قده) و من مختصاته فإنه يقول كل عنوان يكون الترخيص فيه على فرض وجوده يجب إحرازه فإذا قال المولى ادخل الدار أصدقائي فظاهره استثناء من يكون محرز الاصدقائية لا من يكون في الواقع من الأصدقاء فمع عدم الإحراز لا يكون التخصيص موجودا فكل شي‌ء لاقاه النجس ينجس خصص بماء الكر و المائع الخارجي لما لم نحرز كونه ماء مطلقا أو غيره ينجس بالملاقاة و لا يكون من باب الشبهة المصداقية في المخصص فالدليل بعمومه يشمل المورد فلذا يفتي صاحب العروة بأن هذا لا يكون من باب الشبهة المصداقية و يحكم بالنجاسة لعدم إحراز كونه كرا.

و الجواب ان المبنى يكون فاسد الذات لأن الألفاظ حاكية عن المعاني الحاكية عن الواقعيات و إثبات قيد الإحراز يحتاج الى الدليل و لا يفهم من اللفظ فالاصدقاء يطلق على من كان واقعا كذلك لا من يحرز أنه من الأصدقاء فالعلم لا يكون جزء الموضوع‌

____________

(1) أقول عدم كون المائع ماء يكون أثره النجاسة بالملاقاة و أصالة عدم كونه شيئا آخر غيره يكون أثره الشرعي عدم النجاسة إذا كان كرا فلو فرض عدم كونه مثبتا يتعارضان فتدبر فيه.

43

و دعوى حكم العرف بخلافه ممنوعة جدا.

فتحصل عدم تمامية الوجهين و قاعدة الطهارة حاكمة على ما هو التحقيق.

فرع- ان المائع الخارجي الذي لا نعلم إطلاقه من باب توارد الحالتين مثل الماء الذي لا نعلم انه كان في السابق مطلقا أو مضافا و نعلم انه كان جلابا في زمان و ماء في زمان و لا تكون فيه الرائحة من الورد قد اتفق الفقهاء فيه بان استصحاب الإضافة و الإطلاق لا يجريان لمبنائين.

الأول مبنى التحقيق و هو عدم جريان استصحاب الإطلاق و الإضافة لعدم اتصال زمان اليقين و الشك كما قال المحقق الخراساني.

الثاني الجريان مع التعارض فعلى فرض التعارض أو عدم الجريان مطلقا لا يجرى و استصحاب الحكم أيضا لا يجرى فيبقى سائر الأصول مثل استصحاب بقاء الحدث و الخبث و الفرق بينه و ما يكون حالته السابقة مجهولة رأسا هو ان استصحاب العدم الأزلي يجري في المجهولة دون هذا لأنه في المورد نقطع بنقض الحالة السابقة يقينا.

الكلام في طريق تطهير المضاف

[مسألة 6- المضاف النجس يطهر بالتصعيد]

مسألة 6- المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مر و بالاستهلاك في الكر أو الجاري.

و توضيح هذا الفرع يكون في ضمن أمور:

الأول ان الدارج في كلام الفقهاء عناوين ثلاثة و يرتّبون الأثر على هذه العناوين الأول الاستحالة و حقيقتها التبديل بصورة أخرى المستلزم لتبدل الجسم كتبديل الكلب بالملح في المملحة و هذا تبديل حقيقة من صورة إلى صورة أخرى و قد تكون تبديلا عرفا مثل ما يقولون باستحالة الماء بالتصعيد.

الثاني عنوان الانقلاب مثل صيرورة الخمر خلا و يصرح الشيخ الأعظم بان‌

44

حقيقته تبديل خواص الشي‌ء مع بقاء الصورة و المادة و هذا يكون محل اختلاف في انه يكون سببا للتطهير أم لا أو يوجب تطهير العرضي من النجاسة دون الذاتي منها و سيجي‌ء.

العنوان الثالث الاستهلاك و معناه انه تفرق اجزاء المستهلك في المستهلك فيه بحيث ينعدم عرفا و يبقى واقعا مثل التراب القليل في الحنطة فإذا صارت دقيقا يستهلك فيه فهذا باق واقعا و يكون في نظر العرف منعدما و له ثلاثة أقسام الأول الاستهلاك بنحو الهوهوية مثل التراب القليل إذا كان في الحنطة و صار دقيقا.

و الثاني الاستهلاك المستتبع للانقلاب مثل المائع المضاف الملقى في الكر فإنه يصير ماء بانقلاب خواصه دون صورته و مادته فتصير من اجزاء الماء.

الثالث الاستهلاك المستتبع للاستحالة مثل البول الملقى في الكر فإنه بعد الاستهلاك يطهر بالاستحالة إلى الماء و لا شبهة و لا ريب في ان الفقهاء يرتبون على الاستهلاك بنحو هو هو أحكاما في بعض الموارد فيقولون في مورد البيع إذا كان في الحنطة مقدار يسير من التراب مثل وسق في عشرين صاع بتحقق القبض إذا كان مخلوطا دون ما إذا كان القبض في الحنطة و التراب متفرقا فإنه لا يتحقق و لو كان المقدار يسيرا فيجب قبض ما ذكر في البيع تحقيقا و كقولهم في التراب إذا كان في الدقيق انه لا يحرم اكله للاستهلاك بخلاف ما كان مستقلا.

و هنا اشكال و هو انه في فضلة الفار يتأمل الفقيه إذا استهلك في شي‌ء كالدقيق و لا يقول بجواز اكله و في التراب يقول به فان كان الانعدام العرفي مناطا لا يكون فرق بينهما.

الأمر الثاني ان المائع المتنجس أو النجس مثل البول إذا ورد على الكر يكون على أنحاء.

الأول ان ما يقع في الخارج ان استهلك بتفريق الاجزاء و يستحيل مثل ماء الرمان النجس إذا ورد على الكر فلا إشكال في هذه الصورة مع بقاء الماء بصفة‌

45

الإطلاق و الدليل على ذلك أولا انه بعد الاختلاط يصير ماء واحدا و هو يكون له الحكم الواحد فإنه يدور الأمر بين تنجس العاصم أو تطهير المضاف و حيث ان العاصم لا ينجس بالإجماع فالمضاف يصير طاهرا.

فان قلت ان تطهير الماء شيئا يجب ان يكون بالمزج و شرطه هو ان يكون ممازجة الكثير مع ما هو متصف بالإطلاق و هنا ليس كذلك لانه يكون انعداما فالمضاف انعدم و حين إضافته لا يصدق ممازجة المطلق مع المطلق. قلت ان المضاف مع المزج يصير ماء بقاء لأن الإضافة تصدق في الأول و لكن بقاء يكون ماء و وجه التطهير يكون هو الانعدام فما قلت من عدم التطهير بالمزج بالمطلق لإضافته لا وجه له و ثانيا ان الروايات دلت على عدم انفعال الماء الكثير بوقوع الأبوال و النجاسات فيه ففي ح 7 باب 3 من الماء المطلق في الوسائل عن العلاء ابن الفضيل قال سئلت أبا عبد اللّه عن الحياض التي يبال فيها قال لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول.

و هناك تقريبات أحسنها هو ان الماء المضاف الوارد على الكر لا محالة يصير ما يكون بجنبه مضافا و لكن بالتفرق يطهر لان المضاف يصير مطلقا و يطهر فالفقيه يستفيد من ذلك ان كلما كان المضاف واردا على العاصم يصير ماء طاهرا مثل البول الملقى في الماء المذكور في الرواية فإنه لا محالة يضاف أطرافه من الماء ثم يطهر بالاستحالة و لا نحتاج إلى سائر التقريبات و السر في القول بالإطلاق الفروض الآتية.

النحو الثاني- ما يكون مثل الدهن و الزيت و النفط فيلقى في الكر و يمزج فيتبدل الصورة النوعية فتنقلب الى الماء المطلق فتشمله أدلة الإطلاق و وجه التطهير هو الاستهلاك المستتبع للاستحالة كما انه فيما تقدم كان مستتبعا للانقلاب و قيل بذلك في الأعيان النجسة مثل البول و الدم الملقى في الكر فمزج فاستحال عرفا و البول صار ماء و كذا الدم فلا يكون ما أورد عليه من الشبهات بعد الاستحالة واردا.

46

مثل ما يقال ان البول إذا تفرق اجزائه في ماء الكر ثم قسم نصفان فينجس لان الكر عاصم دون الأقل منه و مما ذكرنا يظهر ان الاجزاء استحال فلا وجه لهذا الاشكال و أمثاله.

و الحاصل ان المائعات الملحقة بالمضاف ان قلنا فيها بالاستحالة فلا إشكال في التطهير.

ثم هنا مسلك آخر للقول بحصول التطهير في الصورتين و هو ان الاستحالة لا تصدق هنا لأنها تحتاج إلى الأسباب و هي مفقودة و لكن الدهن و المضاف انعدما بنظر العرف و ان كانا موجودين واقعا و القول بالطهارة يكون لأجل عدم الموضوع فوجوده العرفي لما لم يكن فلا يكون حكم النجاسة عليه لا لاستحالته واقعا.

و بعبارة واضحة اما يكون المستهلك موجودا عرفا أو ينقلب بالاستحالة أو ينعدم عرفا و موجود واقعا- فالمضاف بوصف الإضافة لا يوجد الأعلى ما قاله العلامة الحلي (قده) و سيجي‌ء في الأمر الثالث لان دليلنا اتحاد الموضوع و لا يصدق مع بقاء المضاف على إضافته، و اما الاستحالة فلا اشكال فيه و الانعدام العرفي مع الوجود الواقعي أيضا لا اشكال فيه لان الموضوع لا يكون في العرف موجودا.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان وزان المائعات المضافة يكون و زان الأعيان النجسة مثل البول و هذا هو الدراج بين الفقهاء و يكون تعبيرهم بذلك شائعا فكما ان البول يطهر بالاستحالة يطهر المضاف أيضا بها.

الأمر الثالث في انه قد خالف هذا المسلك العلامة الحلي (قده) فإنه قد نسب إليه انه لا يقول بأن المائعات المضافة تكون مثل الأعيان النجسة بل تكون مثل ماء القليل فبمجرد الاتصال بالكر و الجاري العاصمين يطهر و ان قلنا في الماء القليل المتنجس بعدم كفاية الاتصال و انه لا يطهر إلا بالوحدة الحاصلة بالمزج فما أظن أن يقول احد ان المائع المتنجس يكون أسهل منه لان ما ذكرتم من الحكم بالوحدة و الحكم بالطهارة لا يصدق هنا لان التعدد مع الاتصال فقط واضح و ان قلنا‌

47

بالاتصال فقط يطهر و يكون و زان المائعات أيضا مثل الماء القليل المتنجس فلا يكون وزانها وزان الأعيان النجسة.

و بعبارة واضحة تقولون في الجامدات انها بملاقاة جزء منها لا ينجس الجزء الأخر و ما تقولون بهذا في المائعات فإذا لاقى نجسا بجزء منه يكون الكل نجسا فكذا يقال في تطهيره فإذا لاقى جزء منها بالكر يطهر جميعها فلا يكون و زان المائعات المضافة، وزان الأعيان النجسة.

و حاصل الجواب ان من يقول بان الملاقاة لها سببية للتطهير لا يخلو عن احد هذه الأدلة التي نذكرها هنا و كلها لا ينطبق على مراد العلامة (قده) الأول ان النكتة في المسألة هي ان القليل من الماء يتحد عرفا مع العاصم فيطهر بخلاف المضاف و المائز هنا موجود لان ماء الدابوقة الموضوع بجنب المطلق لا يصدق الاتحاد لهما فلا يطهر بالاتصال فلا أقل من الشك فنستصحب النجاسة السابقة.

و الثاني الرواية في البئر (باب 3 من أبواب المياه ح 11) عن الرضا (عليه السلام) قال ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لانه له مادة و يستدل به بأن البئر له المادة و مجرد الاتصال يكفي لأن كونها ذات مادة يكفى للمطهرية فلا يحتاج الى المزج و أيضا الروايات الواردة في الحمام (في باب 7 من الماء المطلق) و سيجي‌ء في حكم ماء الحمام دالة على التطهير باتصال الحياض الصغار بالكبير فكذا سائر المائعات المضافة يطهر بمجرد الاتصال بالكر أو العاصم مطلقا.

و فيه ان التطهير بمجرد الاتصال لا يكفى للزوم المزج عرفا و على فرض تسليمه يكون الروايات في الماء و له فرق مع المضافات و لا يمكن أخذ الإطلاق منه لا أقل من الشك فيستصحب النجاسة السابقة على الاتصال.

الثالث المراسيل منها مرسلة العلامة في المستدرك (في باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1) قال (عليه السلام) مشيرا الى غدير من الماء ان هذا لا يصيب شيئا الا و طهره‌

48

و الإصابة في الأعيان الجامدة و المائعة ليست على نحو واحد بل في المائع أقل مؤنة من الجامد و قوله و هذا لا يصيب إلخ يكون له إطلاق يشمل الجامد و المائع المضاف و غيره فمجرد الإصابة يكفى لحصول الطهارة و رواية الكاهلي أيضا (في الوسائل باب 6 من أبواب الماء المطلق ح 5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت يسيل على من ماء المطر أرى فيه التغير و ارى فيه آثار القذر فتقطر القطرات على و ينتضح على منه و البيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا قال ما بذا بأس لا تغسله كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر. و غاية ما يستدل به ان الملاقاة مع الجامد يكون له الفرق مع الملاقاة مع المائع كما في التنجس و الا فعموم الإصابة شامل لكل شي‌ء فنقول ان الإصابة دلت على ان الشي‌ء النجس يجب ان يصيب بالمطلق حتى يطهر و اما عدم القول بما قيل بالتنجيس من مجرد الإصابة في حصول الطهارة في باب ملاقاة المائع فسره هو ان الطهارة تكون محولة على نظر العرف و العرف يفرق بين رفع السم و التسمم فيرى النجاسة بمجرد الإصابة و لا يرى الطهارة بمجردها.

و بعبارة واضحة ما لم يبين في الشرع من كيفية التطهير و التنجيس في هذه الموارد فالمحكم فيه العرف و هو بمجرد الملاقاة يستقذر في باب النجاسات و لا ترفع القذارة بنظره بمجرد الملاقاة.

فتحصل ان المتصور هن مسلك المشهور القائل بلزوم حصول الاستحالة في المائعات المضافة لتحصل الطهارة.

(في ملاقاة المضاف مع الكر و صيرورة الكر مضافا)

[مسألة 7- إذ ألقي المضاف النجس في الكر فخرج عن الإطلاق]

مسألة 7- إذ ألقي المضاف النجس في الكر فخرج عن الإطلاق إلى الإضافة تنجس ان صار مضافا قبل الاستهلاك و ان حصل (1) الاستهلاك و الإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه لكنه مشكل.

و هنا يتصور أمور الأول المضاف المستهلك في الكر مع بقاء إطلاقه فهذا‌

____________

(1) و الكلام في إحرازه فإن كونه دفعة غير ممكن غالبا فعدم التطهير هو الأقوى

49

يكون طهارته مقطوعة في الكلمات كما مر الثاني إذا أضاف المطلق بغير الاستهلاك مثل إلقاء النيل النجس القوى اللون فهذا محكوم بالنجاسة على القاعدة الأعلى قول السبزواري في الصورة العاشرة من صور الاستصحاب كما تعرض له الشيخ الأعظم في الفرائد و سيجي‌ء و غير هاتين الصورتين ثلاثة صور.

الاولى الاستهلاك أولا ثم حصول الإضافة بواسطة الذرات الكامنة فيه مثل إلقاء ماء الرمان في الكر ثم الذرات الرمانية عملت عملا في الماء حتى تغير لونه الثانية الإضافة أولا ثم الاستهلاك ثانيا بعد مدة. الثالثة الإضافة و الاستهلاك معا.

و هنا مقامان الأول ان جميع هذه الصور الثلاثة مع الاحتمالات الثلاثة في الاستهلاك هل هي ممكنة أم لا على مذهب من قال بان دليل الطهارة الاستهلاك بالاستحالة و الثاني انه بعد إحراز الثبوت فما حكمه من الطهارة أو النجاسة في مقام الإثبات.

فنقول ان التحقيق انه لا معنى له ثبوتا في جميع الصور لأن النكتة في الطهارة هي انه كثير فينقلب المضاف إلى الإطلاق فإذا القى في الكر ماء الدابوقة مقدارا قليلا فقبل الاستحالة لا يكون سببا للتأثير و ان استحال فلا يكون سببا لصيرورة الماء مضافا أيضا و كذا إذا كانا معا ففي عالم الثبوت يستحيل تصوير الصور الثلاثة- و لكن احتمل شيخنا النائيني (قده) إمكان ذلك فقال يمكن ان يكون غرض السيد صاحب العروة هو الأشياء التي لا تحتاج امتزاجها إلى الاستحالة و الانقلاب ففي الصورة الاولى و هي ان يصير مستهلكا في الماء ثم يصير مضافا يحتمل ان تكون المادة قوية الجرم غير قوية اللون بحيث انه بعد الاستهلاك يظهر أثره و في الصورة الثانية ان تكون قوية اللون ضعيفة الجرم بحيث يؤثر لونها بمجرد الملاقاة في الماء بقوته الكهربائية كما انه يعقل في الصورة الثالثة ان تكون طبيعتها بحيث تستهلك و تحصل الإضافة دفعة واحدة.

و فيه ان ما ذكره (قده) من الفروض لا طائل تحته و يكون مجرد فرض و لا يوجد‌

50

في الخارج فمن تصور إمكانه فعليه إثبات حكمه.

و اما المقام الثاني و هو مقام إثبات الحكم فنقول في الصورتين الأوليين حكمه واضح لأن الإضافة إذا تحققت في رتبة قبل الاستهلاك فلاقى المضاف نجسا فهو نجس و الاستهلاك إذا تقدم فلاقى المضاف مطلقا طاهرا فهو طاهر و لا اثر لحصول الإضافة المتأخرة نعم في صورة تقدم الإضافة احتملوا ان يكون نفس الاستهلاك بعد الإضافة مطهرا و هذا ظاهر البطلان لا دليل عليه.

و اما الصورة الثالثة فالطهارة فيها لها وجه كما قال المصنف و توجيه ما قال من الوجه هو ان الملاقاة سبب لأمرين الاستهلاك و الطهارة ففي رتبة الملاقاة لاقى المضاف و في رتبة بعد الملاقاة حصل الطهارة و لا يصدق في آن واحد ان المضاف لاقى نجسا.

فنقول ان ثبت وقوع هذه الصورة في الخارج فلا إشكال في الطهارة فنحصل انه على مسلك من قال بالانعدام بنحو ما قال استاذنا النائيني (قده) و عدم الموضوع العرفي فلا إشكال في الطهارة عندنا ان ثبت ذلك و اما على فرض عدم الثبوت فلا.

في عدم جواز البدار إلى الطهارة الترابية إذا كان ماء مخلوط بالطين في سعة الوقت

[مسألة 8- إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين]

مسألة 8- إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين ففي سعة الوقت يجب عليه ان يصبر حتى يصفو و يصير الطين إلى الأسفل ثم يتوضأ على الأحوط (1) و في ضيق الوقت يتيمم لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق

و توضيح المقام: ان وجدان الماء في باب التيمم يتصور على وجوه الأول ما يكون بتعمل من المكلف مثل ما إذا كان عنده الماء و لكن لا يكون بقدر الوضوء و يمكن صبّ مضاف فيه حتى يصير بقدره من غير ان يصير مضافا. الثاني ان لا يكون بتعمل‌

____________

(1) بل على الأقوى و الأظهر.

51

منه و هذا يكون في صورتين الاولى: ما يوجد أولا مثل الماء الموجود في الحوض أو النهر و الثانية ما يحتاج الى الصبر حتى يصفو مثل ماء الطين و الأخيرة تكون موردا لهذه المسألة.

اما الدليل على الصبر في هذا الفرع فلا يكون ظاهر أدلة التيمم لأنها لا يكون فيها قيد عدم الوجدان الى آخر الوقت بل تدل على مطلق عدم الوجدان فنقول ان مبنى هذه المسألة هو ان الأوامر الاضطرارية مثلا تعلقت بطبيعى الصلاة لا بالفرد الخارجي الموجود في أحد الأزمنة فيمكن ان يقال ان طبيعي الصلاة لما يكون ساريا في جميع الافراد و في جميع الأزمنة فيجب ان يكون عدم الوجدان ساريا و صادقا في جميع أزمنة إمكان إيجاد الطبيعي فيحصل من الانطباق التدرجى لزوم الصبر و عدم جواز البدار الى التيمم في أول الوقت و هذا لا اشكال فيه.

انما الإشكال في أن الطبيعي في هذا الان يكون فرده الموجود عدم الوجدان بالنسبة إليه صادقا و الافراد الاتية لا تكون في هذا الآن موجودة حتى يضطر إليها.

و يمكن الجواب عنه بأن سعة الوقت يرفع هذا الإشكال فإن الطبيعي في هذا الوقت لا يكون الا هذا لا غير و اما الآنات الآتية فباعتبار سعة الوقت يمكن إيجاد الطبيعي فيها و القدرة عليها و فيه ان الطبيعي لا يكون مقيدا بوقت خاص فإيجاد فرد منه بخصوصه مع قطع النظر عن ان الملاك عدم القدرة غير لازم و ان الاضطرار إلى الطبيعي هو الملاك.

و اما الاستدلال لعدم وجوب الصبر بآية التيمم بقوله إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ إلخ لا وجه له ببيان ان الآية دلت على انه عند الإرادة إذا لم يكن ماء موجودا فيجب التيمم لعدم مدخلية الوجدان عند الإرادة بل الوجدان بالمقدمات بعد الإرادة يكفي و الا فيمكن تصور عدم الوجدان عند الإرادة في صورة كون الشخص في الحجرة و يريد الان الصلاة و يكون الماء في الحوض فيلزم ان لا يجب عليه الوضوء بصرف عدم حضور الماء عنده فقد ظهر مما ذكرنا ان الأقوى الصبر حتى يصلى مع الوضوء لأنّا‌

52

قلنا يجب ان يكون المتيمم غير واجد للماء لطبيعى الصلاة و هو يقتضي أن يجب الصبر لإمكان إتيانها مع الوضوء في آخر الوقت و لا يكون في مدلول الدليل أول الوقت و لا آخره بل لتدرّج وجود الطبيعي يتدرّج عدم الوجدان أيضا فالأقوى هو ذلك لا الأحوط- هذا كله في صورة سعة الوقت اما في صورة ضيق الوقت فيجب التيمم لان ما مضى فقد مضى و الوقت الموجود يكون مصداقا لعدم وجدان الماء بجميع أفراد الطبيعي.

فصل في نجاسة الماء بتغير أوصافه الثلاثة

[مسألة 9- الماء المطلق بأقسامه ينجس إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة]

مسألة 9- الماء المطلق بأقسامه ينجس إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة من اللون و الطعم و الريح.

و هنا أمور الأمر الأول الماء المطلق العاصم الذي يكون البئر أيضا منه عند المتأخرين ينجس في صورة تغير الأوصاف و يمكن دعوى الإجماع عليه في الطعم و الريح و لكن اللون نوقش فيه عن البهائي و الكاشاني و السيد (قدس سرهم) و لكن المخالفة لا تكون بحدّ يضر بالإجماع نعم لا يكون الإجماع سنده الروايات فلا اعتبار به و الروايات في غير اللون صحيحة متواترة تامة الدلالة و فيه مستفيضة تامة الدلالة.

فمنها (ما في الوسائل باب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9) نبوي مرسل خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.

و صاحب السرائر و الذخيرة و ابن ابى عقيل اعترفوا بتواتره و قبوله و صاحب الحدائق قال بعدم وجدان هذا في كتبنا نعم مسألة استناد الفقهاء به فيه منع لانه مع وجود سائر الروايات لا يمكن القول بان استنادهم كان بذلك فقط فلا ينجبر ضعفه بالاستناد.

اللهم الا ان يقال استناد الاعلام اليه و قبوله و ادعاء تواتره يوجب جبر ضعفه بالإرسال و منها (ما في الوسائل موثقة سماعة في باب 9 من الماء المطلق ح 6) عن‌