المعالم المأثورة - ج2

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
3

الجزء الثاني

[تتمة كتاب الطهارة]

[مقدمة المقرّر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

اما بعد فهذا هو المجلد الثاني من كتاب الطهارة من تقريرات بحث العلامة الفهّامة المحقق المدقق و الموفق المؤيد آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي أدام اللّه ظله الشريف على رؤس المسلمين سيما أهل التحقيق و التدقيق مع تذييلات على الشرح و تعليقات على المتن من المقرر العبد المحتاج الى عفو ربه الغفور محمد على الاسماعيل پور القمشه‌اى عفى عنه.

فصل في النجاسات

[فصل النجاسات اثنى عشرة]

فصل النجاسات اثنى عشرة:

[الأول و الثاني البول و الغائط]

الأول و الثاني البول و الغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إنسانا أو غيره بريا أو بحريا صغيرا أو كبيرا بشرط ان يكون له دم سائل حين الذبح

أقول البحث فيها يحتاج الى رسم أمور: الأول: البحث عن مفهوم النجس على فرض ترتب فائدة عليه بان يكون موضوعا لحكم في لسان دليل و ان كان لا يثبت بالاستقراء حكم يكون على نفس النجس فان الموضوعات كلها يكون من قبيل الكلب و أمثاله‌

4

و لا يخفى انها في جميع الموضوعات تكون هي العلة للاجتناب لما في بعض الروايات انه رجس نجس في الاجتناب عن وبره في الصلاة أو لعابه مثلا و مثل قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ (سورة التوبة الآية 28) و مثل قوله الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجسه شي‌ء (في باب 9 من الماء المطلق) فالعلة الوحيدة للاجتناب هي النجاسة و الرجس سواء كان النجس و الرجس مترادفين أو أحدهما أعم من الآخر فإنه للنجاسة دخل في الحكم الوضعي.

فنقول: لتوضيح معنى النجس ان النجاسة في اللغة هي القذارة و في العرف العام أيضا كذلك و لكن في العرف الخاص و هم المتشرعة فهي قذارة مخصوصة و نجاسة مخصوصة مجهولة الكنه لا يعرف في بعض الموارد لأي علة حكم الشرع بالاجتناب مثل الكافر فإنه على حال كونه في غاية النظافة أيضا يجب الاجتناب عنه لكفره و العرف لو لا الشرع لا يستقذر ذلك و في بعض الموارد يراه العرف قذرا و لا يراه الشارع قذرا واجب الاجتناب مثل دم ما لا نفس له كالبق و القمل و أمثال البصاق فما يراه العرف قذرا تارة يكون قذرا بنظر الشرع أيضا و تارة لا يكون كذلك و تارة يراه الشرع قذرا دون العرف و تارة يراه العرف قذرا دون الشرع فالنسبة عموم من وجه فإذا كانت التوسعة و التضييق بيد الشرع لا يصير العرف مناطا في ذلك في صورة عدم وصول دليل إلينا منه على النجاسة و في مورد الشك يكون من الشبهة المصداقية المفهومية فيصير مجملا فكان البحث عن ذلك لا يفيد فائدة فإن البحث عن أمثال ذلك يجب ان يظهر أثره في مورد الشك و سيجي‌ء الكلام في الفائدة بعيد هذا فانتظر ثم انه ربما يظهر من بعض ان النظافة هي عدم القذارة فكأنها بنظرهم أمر عدمي (1) و اما ما في عبائر الفقهاء فتارة تطلق الطهارة فيه على ما يكون مقابلا للقذارة و تارة على الثلاث الذي هو الوضوء و الغسل و التيمم و في مقابل هذه الطهارة هو القذارة التي تحصل بالنوم و الجنابة و غيرهما فيعلم منهم ان الطهارة و النجاسة‌

____________

(1) رأي الأستاذ مد ظله كونها امرا وجوديا خلافا لبعض اساتيذه و ان لم يبينه هنا

5

تارة تكون من العوارض الحاصلة للجسم و تارة للنفس و الحاصل انها واقعيات كشف عنها الشرع و لا نعرف كنهها و في مقابلهم من يحكم بأن النجاسة لا تكون لها حقيقة إلا الأوامر الواردة بقوله اجتنب عن كذا و كذا و ليس وراء ذلك عارض على النفس و الجسم و قد أجابوا عن هذا القول بأنه قد ثبت من لسان الأدلة ان الاجتناب لا يكون جزافيا بل يكون للنجاسة.

أقول ما ذكروه من ان القذارة تارة تكون في النفس غير وجيه عندنا و لا يكون موافقا للعقل فإنه للنفس كمالات مثل الشجاعة و السخاوة و العفة و نقائص مثل الجبن و البخل و التهور و غير ذلك و يمكن ان يكون موجبا لرقاء النفس أو انحطاطها و اما البول (1) و الجنابة و النوم فأي أثر له في النفس فهل يكون الجنس و الفصل في المؤمن و الكافر مختلفين أو هل يكون فرق بين بول المعز الطاهر و بول الإنسان النجس أو ليس النبي (صلى اللّه عليه و آله) يبول و ينام فهل يتمشى ان يكون نقصا لنفسه (صلى اللّه عليه و آله) فما يمكن ان يقال في المقام هو ان المراد بالقذارة هي القذارة العرفية غاية الأمر (2) خطّأ الشرع العرف في بعض الموارد دخولا و خروجا فإذا علمنا ما يراه‌

____________

(1) أقول ان هذا صرف استبعاد فإن للأشياء حقيقة لا يعرفها الا خالقها فان نفس الكافر التي تتعلق ببدنه لها مرتبة من الكمال و النفس المتعلق بالمؤمن لها مرتبة اخرى فإن من الواضح فرق المؤمنين أيضا في الدرجات و الكفار في الدركات و لا استبعاد ان يكون النوم أو البول موجد نقص في نفس النبي (صلى اللّه عليه و آله) يرفعه الوضوء فان الوضوء على الوضوء نور و لا وجه لذلك الا ان يكون موجبا لكمال النفس و صفائه و انه (صلى اللّه عليه و آله) بشر و لكن يوحى إليه كما في القرآن الكريم في آخر سورة الكهف

(2) بهذا المعنى أيضا لا فائدة في البحث لأنه في مورد الشك لا أصل لنا يرجع اليه الا ما عن الشرع ففي كل مورد ننتظر حكم الشرع فلا يكون نظر العرف الكذائي منتج نتيجة الا على ما سيجي‌ء من كلام الأستاذ مد ظله و الاشكال فيه سنذكره.

6

الشارع قذرا نجتنب عنه و لا يكون معنى هذا انها لا تكون لها واقعيات بل تكون لها ذلك و لكن تكون مجهولة عندنا:

و الحاصل يدور الأمر في معنى النجاسة بين احتمالات أربع:

الأول ان تكون اعتبارات محضة عن الشرع مثل اعتبار الملكية فيعتبر نجاسة الكافر و البول و الخمر.

الثاني ان لا تكون لها حقيقة غير الأمر بالاجتناب.

الثالث ان تكون أمورا واقعية كشف عنها الشرع غير معلومة الكنه عندنا كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده).

الرابع ما ذهبنا اليه من انه يكون المناط نظر العرف و الشرع يخطأه في بعض الموارد و احتمال كونه صرف الأمر بالاجتناب كما عن الشهيد غير وجيه لان الروايات تكذب ذلك فان في بعضها التعليل بأنه نجس فيجب الاجتناب فإذا كان الرابع هو المختار فنقول هذا أيضا يكون مثل البيع ففي كل مورد (1) صارت الشبهة مصداقية نتمسك بحكم العرف فكان الشرع إذا لم يخطأه مع انه واجب عليه لا يكون له طريق الا نظره.

ثم النجاسات عشرة الأول و الثاني البول و الغائط من كل ما لا يؤكل لحمه و له نفس سائلة و هذا من ضروريات الفقه في الدواب دون الطيور فان فيها اختلافا فلا يحتاج الى البحث الا انه نذكر اخبارا للتبرك بها.

____________

(1) أقول ان هذه الفائدة أيضا لا تتم لان الشرع في باب الطهارة و النجاسة لما رأى عدم علم العرف بها في بعض الموارد جعل له قاعدة بقوله كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر و من هذه القاعدة تفهم ان المناط لا يكون نظر العرف و في البيع أيضا و ان امضى الشارع ما كان دارجا بين الناس و لكن نظر العرف لا يفيد عند الشك في المصداق لأن الأصل الفرعي فيه عدم الانتقال فالوجيه عندنا هو احتمال الشيخ الأعظم الأنصاري (قده).

7

اما البول فالروايات فيه كثيرة (منها ما في باب 1 من أبواب النجاسات ح 1) عن صفوان عن محمد عن أحدهما (ع) قال سئلته عن البول يصيب الثوب قال اغسله مرتين.

و منها صحيحة عبد اللّه بن سنان (باب 8 من النجاسات ح 2) قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه.

و منها رواية أخرى عن عبد اللّه بن سنان في الباب المتقدم ح 3 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه.

و الروايات في هذا الباب كثيرة و مطلقة من جهة كونه نجس العين أولا.

و تقريب الاستدلال بها هو ان نقول بعد قطع النظر عن الإجماع البتي في المقام على النجاسة فهل الأمر بالغسل في هذه الروايات يكون إرشادا للنظافة أو لان اجزاء غير مأكول اللحم لا يجوز ان يكون لباس المصلى أو يكون (1) تعبدا محضا أو يكون الأمر به لرفع النجاسة، الظاهر الأخير لأن (2) الاحتمال الأول لا يكون بيانه من شأن الشارع في مقام الشراعية و الاحتمال الثاني بعيد و الا يلزم ان لا يحتاج الى الغسل في مثل البول بعد الجفاف و التعبد المحض أيضا بعيد جدا فنستكشف ان الأمر به يكون للنجاسة لا غير هذا في البول.

و اما الغائط و أرواث ما لا يؤكل لحمه فالأول لا اشكال فيه و الثاني فيه روايتان يجب البحث فيهما اما الأولى فموثقة عمار (في باب 9 من أبواب النجاسات‌

____________

(1) أقول و يؤيده ان السؤال في الروايات جميعها لا يكون عن لباس من أراد الصلاة.

(2) أقول شارعنا يكون في بيانه ارشادات لا تحصى في خواص الأدوية و الأغذية و لا يكون في سرير الحكم فقط بل في مقام بيان كل ما فيه سعادة الإنسان كما في القرآن غاية الأمر في خصوص مورد البحث كشفنا التعبد و له آثار تعبدية و ان كان بالنسبة الى بعض ما وجده الأطباء من الميكرب فيهما إرشادا.

8

ح 12) عن أبي عبد اللّه (ع) قال كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه و تقريب الاستدلال في هذه الرواية يكون بمفهومها و هو ان كل ما لا يؤكل لحمه ففيه بأس و المراد بالبأس أنه قذر نجس سواء كان من قبل خرج أو من دبر.

و قد أشكل عليها أولا بأن العلة و هي مأكولية اللحم لا تكون منحصرة حتى يكون لها المفهوم و ثانيا يمكن ان يستفاد من الروايات ان الخارج إذا كان بولا فهو نجس لا الروث و ثالثا لا يفهم من البأس النجاسة.

أقول على (1) ما ذكرناه في باب المفهوم بأن العلة يجب ان تكون علة لسنخ الحكم لا شخصه و هو يلزم ان يثبت من الخارج يمكننا عدم الفرق بين البول و الروث لان العرف لا يفرق بينهما و يرون العلة علة لسنخ الحكم فلو فهمنا نجاسة البول منه نفهم نجاسة الروث منه.

الثانية رواية نقلها العلامة في المختلف و صاحب الوسائل فيه عن كتاب عمار بن موسى عن الصادق (عليه السلام) قال خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه و لكن‌

____________

(1) أقول هذا جواب عن الإشكال الأول و لم يجب مد ظله عن الثاني و الثالث اماما تفحصت و وجدت جوابا للثاني هو انه لا يكون لنا رواية في هذا الباب يستفاد منها ما ذكر بل في بعضها اما الروث أكثر من ذلك في صورة الحكم استحبابا في الحمير و البغال في رواية عبد الأعلى بن أعين (في باب 9 من النجاسات) و يكون هذه و أمثالها مؤيدة لعدم الفرق بينهما نعم رواية عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع) (باب 9 من النجاسات ح 1) يفرق بين بول الحمار و روثه و لكن هذا يكون حكما في مورد خاص على انه لا يمكن أخذ المفهوم منها ليكون شاهدا عليه هذا ما وجدت فلو كان للقائل خبر آخر في غير الباب فما وجدناه حتى نرى انه يمكن ان يكون شاهدا أم لا و اما الجواب عن الثالث فإنه من نظر في الروايات يجد من نفسه ان المراد من البأس في أكثرها النجاسة و المراد من قوله لا بأس هو الطهارة و ما كان المراد من البأس فيه الكراهة تكون فيها قرينة عليها.

9

كره أكله لأنه استجار بك و كل طير يستجير بك فأجره (باب 9 من النجاسات ح 20) و تقريب الاستدلال بها يكون بقوله هو مما يؤكل لحمه فان كونه مأكول اللحم علة للطهارة فإذا لم يكن كذلك فيكون نجسا.

و في هذه الرواية الإشكال السابق بأن العلة لا تكون منحصرة و الجواب (1) الجواب مع ان الشيخ نقل هذه الرواية بحذف لفظ الخرء فقال الخطاف لا بأس به و لكن ما اعتنى صاحب الوسائل بنقله. و الحاصل ان كانت الرواية بنقل العلامة صحيحة فيجب البحث من مفهومها و الا فعلى نقل الشيخ تصير غير مربوطة بالمقام و اختلاف النسخة يمكن ان يكون سندا للإجمال أو نقول انهما روايتان و ان كان بعيدا لوحدة الطريق اى السند. (2)

اما الروايات الواردة في نجاسة العذرة فمنها صحيحة عبد الرحمن (باب 40 من أبواب النجاسات ح 5) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يصلى و في ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال ان كان لم يعلم فلا يعيد.

و منها صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (باب 9 من أبواب الماء المطلق ح 4) قال سئلته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة‌

____________

(1) مع انا لا نحتاج الى الخارج و العرف لفهم الحصر لأنه في الأول كان الكلام عن البول فقلنا لا يرى العرف فرقا بينه و بين الروث و هذا صريح في الخرء و هو كالروث فان الروث من غير مأكول اللحم نجس.

(2) يمكن ان يكون الترجيح لنقل العلامة بعد فرض كونهما رواية واحدة لأن المراد بلا بأس على نقل الشيخ هو انه مأكول اللحم فجملة فإنه مأكول اللحم تصير تأكيدا و شرحا لما فهم من عدم البأس و لو كان النقل نقل العلامة فالمراد بعدم البأس هو انه طاهر و يصير ما بعده علة و تأسيسا و إذا دار الأمر بين التأكيد و التأسيس فالتأسيس اولى فنقل العلامة أوفق بالصدور عن الامام (ع) و ان ثبت انهما روايتان فالإشكال مرتفع.

10

ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة قال لا الا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء.

و منها صحيحة موسى بن القاسم (باب 37 من أبواب النجاسات ح 3) عن على (جعفر) بن محمد (عليه السلام) قال سألته عن الفارة و الدجاجة و الحمام و أشباههما تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أ يغسل؟ قال أن كان استبان من أثره شي‌ء فاغسله و الا فلا بأس.

أقول ان الظهور العرفي في جميع هذه الروايات هو نجاسة روث غير المأكول عذرة كانت أو غيرها بدليلين الأول هو ان في الرواية الأولى يكون التطبيق على حيوانات كلها تكون غير مأكول اللحم فيعطى الظهور بان المناط في الاجتناب هو كونها غير مأكول اللحم و لا وجه لتوهم اختصاص الحكم بالعذرة كما ذكرناه.

الثاني ارتكاز المتشرعين و هو اجتنابهم عن عذرة الإنسان و السنور و الكلب فإنه إذا قيل تطأ العذرة يفهمون الأعم إذا كان الغالب في محل هو عذرة الإنسان ثم انه لا اعتبار بكلمات اللغويين هنا لأنها معينة لموارد الاستعمال و العرف ببابنا فيه.

ثم قد أشكل على هذا التقريب بان المتبادر من العذرة كما عن بعض الفقهاء هو عذرة الإنسان- و فيه ان هذا التبادر إطلاقي لان التطبيق في الرواية يكون على عذرة الإنسان و الكلب و السنور و لا يكون أعم من الحقيقة و المجاز بل تكون حقيقة في الجميع و لا تتوهم من ذلك ان لفظ العذرة في قوله (عليه السلام) ثمن العذرة من السحت (في الوسائل ج 12 في باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1) انها أعم من عذرة الإنسان و غيره لان الغالب في البيع و الشراء يكون خصوص عذرته فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الروايات أيضا لا تكون قاصرة عن الاستدلال بها لنجاسة البول و الغائط من كل ما لا يؤكل لحمه بعد غمض العين عن عن الإجماع و الضرورة.

11

تنبيه (1) ربما يفرق في بعض الاحكام بين الإنسان من غير المأكول و غيره في مثل لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه فيدّعون الانصراف عن لحية الإنسان مثلا و لكن المقام ليس من ذلك و لا ينصرف الروايات عنه.

ثم في هذه الروايات إطلاق من جهة كون الحيوان الغير المأكول بريا أو بحريا و توهم الانصراف إلى البريّ مدفوع لانه يكون لعدم الابتلاء بالبحري غالبا و كذلك فيها إطلاق من جهة الصغير و الكبير و ان كان إطلاق مثل الروايات التي تكون فيها لفظة تطأ العذرة بالنسبة إلى البحري بعيدا و الذي يسهل الخطب هو ان بعض من كان عارفا بأحوال الحيوانات يقول انه لا نفس سائلة لحيوان بحري الا التمساح.

نعم قد فرق ابن الجنيد بين صغير الإنسان في نجاسة البول و طهارته و بين كبيره و ذهب الى طهارة بول الطفل و لكنه ضعيف فلا فرق في النجاسة بينهما و استدل على ذلك برواية السكوني (باب 3 من أبواب النجاسات ح 4) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) ان عليا (عليه السلام) قال لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم لان لبنها يخرج من مثانة أمها و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل ان يطعم لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين.

و برواية الراوندي و الجعفريات (في المستدرك باب 2 من النجاسات ح 4) قال على (عليه السلام) بال الحسن و الحسين (عليهما السلام) على ثوب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قبل ان يطعما فلم يغسل بولهما من ثوبه.

و تقريب الاستدلال واضح بعد احتمال كون المراد بلبن الجارية لبن نفس الصبية أو لبن أمها. و مع قطع النظر عن الدلالة قد ذكر وجها للجمع بينها و بين سائر الروايات بأنها ينفى الغسل و لا ينفى الصب فتكون موافقة للروايات الدالة على الصبّ‌

____________

(1) أقول هذا التوهم يكون في محله إذا لم يصرّح في الروايات بنجاسة عذرته و بعد التصريح لا وجه لادعاء الانصراف حتى ندفعه بهذا البيان.

12

و فيه ان الرواية ظاهرة في الطهارة و عدم الاحتياج الى الصب رقد ذكر وجها آخر و هو ان روايات الغسل منصرفة عن بول الإنسان و روايات الصب تكون للنظافة و هو كما ترى لعدم الانصراف كما مرّ بل يفهم من الدستور على كيفية تطهيرة النجاسة.

و اما الروايتان ففي غاية الضعف من حيث السند و اما من حيث الدلالة فما فيه ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ما غسل ثوبه يمكن ان يكون عند الصلاة قد غسله لانه لا يكون واجبا نفسيا و يؤيده الفرق في الرواية الأولى بين الجارية و الغلام و القائل بهذا القول لا يلتزم بالفرق على انها في مقابلها روايات دالة على وجوب الصب.

فصل في خرء الطير الذي لا يؤكل لحمه و بوله

قوله: نعم في الطيور المحرمة الأقوى عدم النجاسة لكن الأحوط فيها أيضا الاجتناب.

أقول و فيها ثلاثة أقوال الأول نجاسة البول و الخرء و الثاني طهارتهما و الثالث التفصيل بينهما بنجاسة بوله دون خرئه و الدليل عليه الروايات و هي على أربعة طوائف:

الطائفة الأولى العمومات الفائقة فمنها صحيحة محمد بن مسلم (باب 2 من النجاسات ح 1) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول قال اغسله في المركن مرتين.

و تقريب الاستدلال بقوله اغسله في المركن مرتين و هذا عام من جهة كونه من الطيور و غيره و المأكول و غيره و لا فرق بين البول و الروث و ادعاء الانصراف عن بول الطيور ممنوع لأنه نشأ عن قلة الابتلاء به.

الطائفة الثانية ما دل على طهارة بول الطائر و خرئه مطلقا فمنها موثقة أبي بصير (باب 10 من أبواب النجاسات ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كل شي‌ء يطير‌

13

لا بأس ببوله و خرئه و في المستدرك روايتان أخريان في هذا المعنى.

و تقريب الاستدلال- يظهر من قوله لا بأس فإن معناه انهما طاهران.

الطائفة الثالثة مما دلت على طهارة البول من كل ما أكل لحمه طيرا كان أو غيره (في باب 9 من أبواب النجاسات ح 9) عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يمسه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا قال يغسل بول الفرس و الحمار و البغل فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله.

الطائفة الرابعة ما دلت على نجاسة البول في خصوص غير المأكول فمنها حسنة أو صحيحة عن عبد اللّه بن سنان (باب 8 من النجاسات ح 3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اغسل ثوبك عن بول كل مالا يؤكل لحمه و له رواية أخرى (في الباب المتقدم ح 2) اغسل ثوبك عن بول ما لا يؤكل لحمه و لا يكون فيها لفظة كل.

هذه روايات واردة يجب ملاحظتها و الدقة في كيفية جمعها فنقول النسبة بين الطائفتين الوسطيين تكون عموما من وجه مورد الافتراق المأكول الغير الطائر و الطائر المأكول و مورد الاجتماع الطائر غير مأكول اللحم فإذا تعارضا في هذا المورد يرجع الى العام الفوق و هو اغسل ثوبك من البول.

لا يقال ان العام الفوق لا يكون هو المرجع لانه يخصص بما دل على ان بول غير المأكول نجس و يجب غسل الثوب بملاقاته فيشمل الحيوانات من غير المأكول غير الطير و اما الطير من غير المأكول إذا صار مورد الشبهة فلا عام لنا يرجع إليه لأنه قد خصص و صار مفاده مفاد العام الصغير فحيث كان كذلك يرجع الى أصالة الطهارة.

لأنا نقول تخصيص عام الفوق يرجع معناه إلى نجاسة البول من غير المأكول و بإطلاقه يشمل حتى الطير و هذا له معارض و هو قوله كل شي‌ء يطير لا بأس ببوله و خرئه فالمبتلى بالمعارض لا يمكنه تخصيص عام الفوق و الحاصل لو صح الجمع الدلالي فهو و الا يجب الرجوع الى ترجيح السند فنقول رواية أبي بصير التي‌

14

من الطائفة الثانية راجحة على الحسنة بوجوه:

الأول إذا حملنا الطائر في رواية أبي بصير على المأكول يصير من الحمل على الفرد النادر على قول من هو عارف بأحوال الحيوان فإنه يقول الطيور المأكول اللحم لا بول لها الا قليلا منها.

الثاني يلزم إسقاط عنوان الطيران لأنها تكون مفادها مفاد ما دلت على نجاسة بول غير المأكول فما معنى عنوان الطيران في الرواية.

أقول انه يمكن ان يخدش (1) في الوجه الأول بأنه يكون له بول مخلوط بالزرق و اما الوجه الثاني فهو تام و الى هذا يرجع كلام الشيخ الأعظم و المحقق الخراساني (قدس سرهم)ا).

لا يقال يلزم إسقاط عنوان غير المأكول أيضا ان لاحظنا عنوان الطيران.

لأنا نقول لو قدم عنوان غير المأكول يلزم منه إسقاط عنوان الطيران بالكلية بخلاف تقديم عنوانه فإنه يلزم منه إسقاط عنوان غير المأكول في بعض المصاديق فنقول يلزم للحكم بنجاسة البول و الروث شيئان أحدهما غير المأكولية و ثانيهما عدم الطيران ففي صورة كون الحيوان طائرا و ان كان يلزم إسقاط عنوان غير المأكول و اما في صورة عدم كونه طائرا فالعنوان بحاله و الجمع العرفي يقتضي تقدم الموثقة على الحسنة.

ثم ان غير المأكول يكون مقتضيا للنجاسة و الطيران يكون مانعا و الا فلا نحتاج الى عنوانين (المأكولية و الطيران) و قد علم مما ذكرناه كل مورد قدم عنوان المأكولية يكون من تقديم اللااقتضاء للنجاسة و هو المأكولية على ما هو مقتض للنجاسة و هو غير المأكولية.

ثم لا تتوهم انه يمكن ان يخصص العام الفوق ثم محاسبة الوسطين لأنهما‌

____________

(1) أقول انه لا يصدق البول عرفا على الماء الذي مخلوط بالزرق و لا يرونه شيئين كما هو واضح.

15

بعد انقلاب النسبة يكونان متعارضين فيسقطان و لا دليل لنا على صحة هذا اى انقلاب النسبة فإن الجميع يجب ان يلاحظ أولا كما عن الشيخ الأعظم.

ثم ان محتملات الجمع هنا ثلاثة الأول تقديم رواية أبي بصير المتقدمة بعنوان الطيران على الحسنة المتقدمة بعنوان المأكول فالعام الفوق يخصص و تصير النتيجة اختصاص وجوب الغسل و النجاسة بغير المأكول من غير الطير فالطير مأكولا أو غيره يكون طاهر البول و الخرء اما لو قدمنا رواية ابن سنان بعنوان ان كل ما لا يؤكل لحمه يجب الاجتناب عن بوله و روثه فينتج نجاسة بول الطائر غير المأكول و هذا هو قول المشهور و لو تعارضتا و تساقطتا فيخصص العام بالنسبة إلى مأكول اللحم فقط و سائر الحيوانات من الطير و غيره يكون تحت العام.

هذا كله في صورة التصديق بوجود العام الفوق اما على قول الشيخ فلا عام لنا يكون فوقا فإنه يقول لا يكون العام بصدد بيان ذلك بل يكون بصدد بيان كيفية التطهير و كانت نجاسة البول مغروسة في ذهن السائل فلا يمكن أخذ الإطلاق منه لان المغروس ما فهم قدر افراده.

نعم يمكن ان يكون غير المأكول أيضا مغروس الذهن و لكن لما يكون السؤال عن الدواب منه يفهم عدم كونه مغروسا.

و الحاصل من جميع ما ذكرناه هو ان رواية أبي بصير و ابن سنان ان تعارضتا لا طريق للمشهور إلا قاعدة الطهارة و هي تخالف مذهبهم الا ان يقدموا رواية ابن سنان على رواية أبي بصير.

و أقول ان رواية أبي بصير متقدمة على روايته بوجهين: الأول ما مر من سقوط عنوان الطيران في الرواية لو لم تقدم. و ثانيهما ان رواية ابن سنان تكون دلالتها بالإطلاق و رواية أبي بصير بالوضع بواسطة لفظ الكل و الوضع مقدم على الإطلاق.

و اما ما ذكر وجها لتقديم رواية ابن سنان فيكون من جهة السند فإنهم‌

16

يقولون ان رواية أبي بصير شاذة نادرة و العامل بها قليل و المشهور أعرضوا عنها و السرائر عند نقلها يقول و رويت رواية شاذة على طهارة بول كل شي‌ء يطير و العلامة أيضا ما اعتنى بها لشذوذها فإذا كانت الرواية خلاف المشهور فكلما زادت صحتها يقوى في النظر ضعفها ثم انه على فرض كونها قابلة للمعارضة فالترجيح مع ما يوافق المشهور لقوله (عليه السلام) و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه (في الوسائل ج 18 باب 9 من صفات القاضي ح 1).

ففيه أولا ان ما قيل من عدم موافقتها للمشهور صحيح و لكن لا تكون شاذة لان السند صحيح و الصدوق و الشيخ اعتمدا عليه و هذا يكفى للاستناد و اما كلام العلامة ففيه اختلاف لأنه في المنتهى ينقل العبارة بنحو آخر و هو ان في المقام رواية مستندة للشيخ و الصدوق و اما عدم عمل المشهور فلعله يكون لتعارض الخبرين لا للاعراض و في مقام الترجيح أيضا لا تقدم رواية ابن سنان لموافقتها للمشهور لان ما يمكن ان يكون مرجحا في باب التراجيح هو الشهرة الروائية لا الفتوائية كما في هذه الرواية و اما ترجيح رواية ابن سنان لموافقتها مع عام الفوق فقد مرّ ما عن الشيخ عدم عام في المقام و على فرضه لا اعتبار به فلا شبهة و لا ريب في تقديم رواية أبي بصير بواسطة تقدمها دلالة الا ان يؤيد المشهور برواية واردة في الخطاف فان فيها «خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه» (باب 9 من النجاسات ح 20).

و تقريب الاستدلال بها هو ان الخطاف يكون من الطيور و علل عدم الباس بمأكولية لحمه و مفهومها ما لا يؤكل لحمه من الطير ففيه بأس فيتعارض مفهوم (1) هذه مع رواية أبي بصير فتنتج ان بول الطائر غير المأكول اللحم نجس فتعليل الامام (عليه السلام) بالمأكولية و حذف سائر العناوين و عدم ذكره صار مرجحا لرواية ابن سنان.

____________

(1) أقول انه بعد التعارض يجب ملاحظة المتعارضين و مرجحهما لا تقديم هذه عليها الا ان يقال انه يكون من العام و الخاص و سيشار إليه في جواب الأستاذ (مد ظله)

17

و فيه ان الرواية مختلفة فيها ففي نسخة الكافي يكون لفظ الخرء و في التهذيب انه فيه بأس و لكن هذا قد مرّ جوابه انما الكلام في المفهوم الذي تمسكوا به فنقول بعد كون التعليل عاما غير مختص بالطير تصير النسبة بينها و بين رواية أبي بصير من العامين من وجه فمورد الاجتماع هو الطائر غير مأكول اللحم فكل شي‌ء يطير لا بأس به فيحكم بالطهارة فيه و كل شي‌ء يؤكل لحمه لا بأس ببوله و خرئه ليحكم بالنجاسة و على فرض كون التعليل خاصا فيكونان من العام و الخاص المطلق و لكن كل خاص لا يقدم على كل عام فان بعض العمومات يكون آبيا عن التخصيص و العام هنا يكون كذلك فان العام في رواية أبي بصير يأبى عنه لان لازمه إسقاط عنوان الطيران و هو التعليل في الرواية فإن عدم النجاسة يمكن ان يكون لعدم المقتضي أو وجود المانع فإن المأكول لا اقتضاء فيه للنجاسة و غير المأكول يكون فيه الاقتضاء لنجاسة البول و لكن المانع منه الطيران (1) فتحصل ان المطابق للصناعة هو الحكم بعدم نجاسة بول الطائر غير المأكول و لكن الاحتياط في كل حال حسن.

قوله: خصوصا الخفاش (2) و خصوصا بوله.

أقول قد مر ان المشهور ذهبوا الى نجاسة ما يؤكل من الطير و الشيخ و الصدوق حكما بطهارته اما في الخفاش فالصدوق أيضا على الطهارة و لكن الشيخ يكون تابعا للمشهور في النجاسة، و الدليل عليه أولا ما مر من المطلقات و استفادة نجاسة بول كل ما لا يؤكل لحمه طيرا أو غيره و ثانيا الإجماع عنهم الا الصدوق‌

____________

(1) و في خصوص رواية الخطاف يكون التمسك بمأكولية اللحم لأنها إحدى العلل و لا تنافي علية الطيران أيضا في غير المأكول للطهارة.

(2) و يقال له الخشاف أيضا و لذا ورد في الروايات جمعه بخشاشيف و الخفافيش كليهما.

18

قال الشيخ الأنصاري (قده) لا يكون في الفقه إجماع على عنوان (1) الخفاش و لكن لا فرق في اتفاق العلماء على عنوان خاص أو على ما يشمل هذا العنوان مثل عنوان غير مأكول اللحم نعم الخدشة فيه بأنه سندي في محلها.

و ثالثا برواية داود الرقّى المحكي عن الخلاف (في الوسائل باب 10 من أبواب النجاسات ح 4) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فاطلبه و لا أجده فقال اغسل ثوبك.

و تقريب الاستدلال بعد كون الخشاف بمعنى الخفاش يكون بقوله اغسل ثوبك. و فيه أولا انها ضعيفة سندا لأن في الطريق موسى بن عمرو و يحيى بن عمرو و لم يرد فيهما توثيق كما عليه أهل الرجال.

و ثانيا تكون مبتلى بالمعارض و هو رواية الراوندي في كتاب النوادر (و في البحار الطبعة القديمة ج 18) قال سئل على بن أبى طالب (ع) عن الثوب الذي فيه أبوال الخفافيش و دماء البراغيث فقال لا بأس.

و برواية غياث عن جعفر عن أبيه قال لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف (باب 10 من أبواب النجاسات ح 5).

و لكن رواية الراوندي قد يرمى بالضعف و رواية غياث موثقة لأن أهل الرجال قالوا انه ثقة.

و اما طريق الجمع بين الروايات فهو الحمل على الكراهة برفع اليد عن ظهور كل واحد منها بنص الآخر فعدم البأس نص في الجواز و ظاهر في عدم الحزازة و قوله (ع) اغسل نص في الحزازة و ظاهر في عدم الجواز و ما ذكره الحدائق في الروايتين غير ظاهر الوجه و هو قوله انهما متساويتان سندا و موافقتان في الدلالة لأنه لا احتياج اليه بعد إمكان الجمع بينهما.

____________

(1) أقول انه لو لم يكن الإجماع على خصوصه فلا إجماع أصلا لأن المشهور غير المجمع عليه سيما مع مخالفة أركان الفقه معه.

19

ثم هنا دعوى بالفرق بين الروايتين فإن رواية داود تكون منجبرة بالشهرة و عمل المشهور و اما رواية غياث فتكون مخالفة له و قول الشيخ على خلافها أيضا يؤيد انها غير معمول بها.

و فيه ان رواية داود و ان كانت موافقة للمشهور و لكن استنادهم بها في قولهم دونه خرط القتاد و لأنهم يمكن ان يكون تمسكهم بالعمومات و سائر الروايات و اما عدم العمل برواية غياث فلا يكون دليلا على اعراض المشهور بل يمكن ان يكون الترجيح لرواية داود لأنها توافق العمومات على انها مخالفة لرواية ابن سنان سيّما على قول بعضهم بأنه لا بول لسائر الطيور غير الخفاش.

و ثالثا بالإجماع الذي يكون في عدم نجاسة بول غير ذي النفس السائلة و قد اختير الخفاش فعلم انه لا يكون له دم سائل و على فرض الشك في ذلك فقاعدة الطهارة هي المرجع لان عموم اغسل قد خصص بما دلت على طهارة بول ما لا نفس له و هذا يكون من الشبهة المصداقية له فلا يكون لنا دليل على النجاسة إلا رواية داود فان أسقطناها عن الاعتبار فهو و الا فهي المعتمد و لا يمكن التمسك بالإجماع مع وجود هذه الرواية.

(و لا فرق في غير المأكول بين ان يكون أصليا كالسباع و نحوها أو عارضيا كالجلال و موطوء الإنسان و الغنم الذي شرب لبن خنزيرة).

أقول و سند الجميع إطلاق الأدلة- فإن غير المأكول يصدق حتى في مورد كونه غير مأكول بالعرض و المدار على الموضوع الثابت فعلا (1).

____________

(1) أقول هذا حاصل مرامه مد ظله و لم أضبط من كلامه أكثر من ذلك و لكن حيث لا يكون البحث في ذلك خاليا عن الفائدة مع انه تتميم لما قصر عنه الضبط رأيت الصلاح في ان أتعرض لتوضيح في المقام بحسب ما ادى اليه النظر مع رعاية الاختصار.

فأقول ان عنوان غير المأكول منصرف الى ما يكون غير مأكول بالذات و اما بالعارض كالجلال فهو لا يكون تحت الإطلاق و لكن قد ادعى الإجماع على النجاسة في موارد فمنهم من حكاه في الجلال و آخر في الموطوء و ثالث فيهما و رابع في الدجاج الجلال و خامس فيما هو حرام بالعارض و هذا مما لا محيص عنه و الا فكما أن المأكول لا يشمل المأكول في حال الاضطرار كالميتة في حال المجاعة حيث انها حلال و لكن لا ربط لحليته مع طهارة بوله و روثه فكذلك في المقام.

ثم ان العنوان الاولى و هو الغنم مثلا قد يقال بمعارضته مع العنوان الثانوي و هو الجلال و لكن كل عنوان يكون له حكمه المخصوص و لكن الكلام في ان الأثر للعنوان الاولى أو للعنوان الثانوي و على فرض التعارض قد يقال بان المرجع هو عموم نجاسة البول اى ما دل على وجوب غسل الثوب من ملاقاته و لكن الكلام في انه هل يكون الإطلاق في مقام البيان أم لا و كيف كان فالإجماع في المقام يشكل التعدي عنه.

اما الجلال فالمشهور حرمة لحمه و عن الإسكافي و الشيخ القول بالكراهة و حكى ان ظاهر عبارة الثاني نسبته إلى أصحابنا الا ان مورد كلامه هو ما إذا كان أكثر علفه العذرة و كلامنا في مورد كون تمام علفه العذرة فليس كلامه مخالفا للمشهور هكذا قيل.

و لكن يمكن ان يكون مراده الأكثرية التي ترجع الى صدق الجلل و العمدة هي النص في المقام الدال على النجاسة و هو قوله (في الوسائل ج 1 في باب 6 من الأسئار ح 1 و في باب 27 من الأطعمة المحرمة في الوسائل ج 17) لا تأكلوا لحوم الجلالة و ان أصابك من عرقها شي‌ء فاغسله. و لا وجه للكراهة بل الروايات ظاهرة في النجاسة.

و اما موطوء الإنسان فظاهر النصوص حرمة لحمه و هو المعروف ففي خبر مسمع (في باب 30 من الأطعمة المحرمة ح 3) سئل عن البهيمة التي تنكح فقال (عليه السلام) حرام لحمها و كذلك لبنها. و اما الغنم الذي شرب لبن خنزيرة فنجاسة بوله و غائطه لا خلاف ظاهرا فيه و الدليل عليه النصوص (في باب 25 من الأطعمة المحرمة ح 2) و مورده أخص من المدعى. و ح 3- في الباب مورده عام.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

في البول و الغائط من حلال اللحم

قوله: اما البول و الغائط من حلال اللحم فطاهر حتى الحمار (1) و البغل و الخيل

أقول ان البحث في هذا الفرع من المسألة تكون في مقامين الأول في الثلاثة التي يكون الاختلاف فيها و الثاني في سائر ما يؤكل لحمه الذي يكون القول بطهارة بوله إجماعيا و ضروريا من الفقه و المتمسك في المقام روايات وردت في هذا الباب و تجب ملاحظة الروايات في المقامين.

منها صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه (باب 9 من أبواب النجاسات ح 9) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يمسه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا قال يغسل بول الفرس و الحمار و البغل فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله.

و تقريب الاستدلال بذيلها و هو قوله كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله و هو واضح و منها (في باب 9 من النجاسات ح 17) عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال لا بأس ببول ما أكل لحمه.

(و منها ما في قرب الاسناد باب 9 من النجاسات ح 16) عن على بن رئاب قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الروث يصيب ثوبي و هو رطب قال ان لم تقذره فصلّ فيه (2) و منها رواية‌

____________

(1) و ان كان الاولى الاجتناب خصوصا في البول لو لم نقل بالكراهة مع انها غير بعيدة بمقتضى الجمع بين الروايات.

(2) إرجاعه (عليه السلام) الى نفسه في القذارة و عدمها دليل على عدم النجاسة كما هو الظاهر

22

الحلبي (في باب 9 منها ح 11) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال فقال اغسل ما أصابك منه.

و منها حسنة زرارة (في باب 9 منها ح 4) قوله (عليه السلام) لا تغسل ثوبك من بول كل شي‌ء يؤكل لحمه. و هذه الروايات كلها معتبرات من حيث السند و الدلالة و لا معارض لها و مطابقة للإجماع من حيث كون المأكول لحمه طاهر البول.

نعم في المقام إشكال بأن الروايات يكون في البول و اما الروث فلا، لكنه مندفع أولا بأن الملازمة الشرعية من جهة البول تامة اى ان قيل ان البول الذي يكون في سائر الموارد نجسا انه طاهر فالروث يفهم بالأولوية سيما مع السيرة القطعية بعدم الفرق بينهما و الشاهد عليه رواية عمار (في باب 9 من النجاسات ح 12) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه.

بتقريب ان ما يخرج يكون أعم من البول و الروث و لا بأس بذلك (1).

ثم الثلاثة التي يكون الاختلاف فيها فنقول الأقوال فيها ثلاثة الأول ما عن المشهور و هو الطهارة مطلقا و المخالف قليل بل يدعى الإجماع عليه الثاني القول بالنجاسة مطلقا عن جمع منهم ابن الجنيد و الشيخ و الأردبيلي (قدس سرهم) و الثالث ما عن صاحب الحدائق و هو القول بالتفصيل بين البول و الروث فقال لا دليل على نجاسة الروث و لكن البول نجس و الدليل على الأقوال هو روايات الباب.

و اما مستند الأول فالعمومات الفائقة التي مرت فإنها بعمومها يشمل حتى الثلاثة لأنها أيضا من المأكول و الروايات الخاصة.

فمنها ما عن محمد بن الحسين (في باب 9 من النجاسات ح 2) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انى أعالج الدواب فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت فيضرب‌

____________

(1) أقول و لنا دليل آخر أقوى من هذا في خصوص الروث و هو ما ذكر في عداد الروايات عن على بن رئاب (في باب 9 من النجاسات ح 16).

23

أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه فقال ليس عليك شي‌ء (1) تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) ليس عليك شي‌ء و هو واضح.

و منها ما عن عبد اللّه بن ابى يعفور عن معلى بن خنيس (في باب 19 منها ح 14) قال كنا في جنازة و قد أمنا حمار قال فجائت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا و ثيابنا فدخلنا على ابى عبد اللّه فأخبرنا فقال ليس عليكم بأس.

و تقريب الاستدلال بقوله ليس (2) عليكم بأس واضح.

ثم هذه الروايات معارضة بروايات صحاح دالة على نجاسة بولها بعبائر مختلفة.

فمنها صحيحة عبد الرحمن (باب 9 من النجاسات ح 9) قال سئلت عن أبي عبد اللّه عن رجل يمسه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا قال يغسل بول الفرس و الحمار و البغل فأما الشاة و كل ما أكل لحمه فلا بأس ببوله.

و تقريب الاستدلال بتنويعه (عليه السلام) الحيوانات المأكولة على قسمين الثلاثة و هي الفرس و الحمار و البغل و غيرها و الحكم بغسل الثوب عن بولها دون غيرها و العجب من المستدل بهذه الرواية على النجاسة هو التزامه بمأكولية الثلاثة.

____________

(1) أقول دلالة هذه الرواية على الثلاثة بالخصوص لا تخلو عن نظر لأن السؤال يكون عن الدواب و الجواب عام فمن اين تكون من الروايات الخاصة الا ان يدعى ظهور الدواب في الثلاثة من هذه الرواية بالخصوص و هو و ان كان بمحل من الإمكان و لكن يلزم منه القول به في سائر العمومات أيضا و كيف كان فشمولها للثلاثة لا كلام فيه و هي أخص من عمومات ما أكل لحمه لأنها في خصوص الدواب منه.

(2) دلالة هذه الرواية على الثلاثة بالخصوص غير وجيهة لأن السؤال يكون عن بول الحمار لا الثلاثة و لكن ذلك مع عدم القول بالفصل بين الثلاثة لو لم يستفد من هذه الروايات القول بالفصل.

24

و منها رواية (الحلبي في باب 9 منها ح 11) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أبوال الخيل و البغال فقال اغسل ما أصابك منه.

و منها موثقة سماعة (باب 8 من النجاسات ح 7) قال سئلته عن أبوال السنور و الكلب و الحمار و الفرس فقال كأبوال الإنسان.

هذه الروايات تكون بالنسبة إلى البول و لكن الإجماع يكون على عدم الفصل بين البول و الروث.

فتحصل ان لنا روايتين على طهارة بولها و هذه دلت على نجاستها فان ثبت استناد المشهور بهاتين الروايتين للقول بالطهارة فتصيران قويتان بعد ضعف السند باستناد المشهور ثم عند التعارض اما ان يرجع الى العام الفوق و هو ان كل ما أكل لحمه فلا بأس ببوله أو الى قاعدة الطهارة على فرض عدم تماميته.

ثم قد عالج بعضهم المعارضة بين الروايات بان المراد من غير المأكول فيما دل على نجاسة غير مأكول اللحم هو العادي و الثلاثة تكون من غير المأكول العادي فما دلت على طهارة بول مأكول اللحم لا تشمل الثلاثة و الشاهد عليه رواية ابن بكير (في باب 9 من النجاسات ح 7) عن زرارة عن أحدهما في أبوال الدواب يصيب الثوب فكرهه فقلت أ ليس لحمومها حلالا فقال بلى و لكن ليس مما جعله اللّه للأكل (1).

فالعمومات سقطت عن الاعتبار و في المورد يكون غير المأكول هو العادي و اما محاسبة الروايات الخاصة و رفع معارضتها فنقول لا يكون سند المشهور الروايتين لان لهم طريق آخر و على فرض الاستناد لا يتم الكلام في المقام.

____________

(1) أقول ان الاستدلال بهذه الرواية لا يمكن لان لفظ كرهه لا يظهر في النجاسة و لذا جعلها شاهدا و لكن الاستشهاد بها أيضا بعيد حيث ان الظاهر من غير المأكول هو ما كان في الواقع كذلك لا ما كان كذلك بحسب العادة كما سيشير (مد ظله) اليه و هذه الرواية مع ملاحظة التعبير بالكراهة لا تخصص الواقع.

25

ثم ادعاء انصراف المأكول إلى العادي ممنوع و ما رأيتم في الرواية التي يفرق فيها بين الثلاثة و غيرها يكون مناسبا لما هو معمول في العرف من الاجتناب فطريق الجمع هو الحمل على الكراهة.

و الحاصل في هذا الباب ثلاث طوائف من الروايات الأولى هي العمومات الفائقة و الثانية الروايتان اللتان تدلان على طهارة بول الثلاثة بالخصوص و الثالثة الروايات الدالات على نجاستها فنقول على فرض صحة الثالثة فيخصص بها العمومات و يبقى التعارض بينها و بين الخاصتين اللتين تدلان على الطهارة فاما ان يحمل ما تدل على النجاسة على التقية لأنها تكون مذهب العامة فيمكن ان يكون سند المشهور العمومات لان هذه قد سقطت بالتقية عن الاعتبار و الا فيمكن ان يكون سندهم الروايتين على فرض إحراز الاستناد و الجمع بينهما و بين الدالة على النجاسة هو الحمل على الكراهة (1) برفع اليد عن ظاهر كل واحد منها بنص آخر فما تدل على الطهارة نص في الجواز و ظاهر في عدم الحزازة و ما تدل على النجاسة نص في الحزازة و طاهر في النجاسة هذا كله في صورة عدم وجود السيرة (2) القطعية المتصلة بالمعصوم (ع) في المقام بالنسبة إلى الثلاثة على الطهارة و اما مع وجودها كما هو التحقيق فالأمر سهل.

ثم يمكن ان يكون للمشهور دليل آخر و هو رواية ابن بكير في الوسائل باب 2 من أبواب لباس المصلى ح 1) قال سئل زرارة أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و السنجاب و غيره من الوبر فأخرج كتابا زعم انه إملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) أقول و الشاهد عليه رواية ابن بكير عن زرارة التي مرت آنفا.

(2) لم تثبت قطعيتها مع كون المسألة مبحوثة عنها حتى عند العوام و هم يسئلون الحكم الشرعي ليطمئنوا بطهارة بول الحمار هذا مضافا الى ان السيرة يمكن ان يكون سندها ما تقدم من النصوص فلا نحرز لها سندا غيرها.

26

ان (1) الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام اكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أكل لحمه الحديث.

و تقريب الاستدلال بهذه الرواية هو انه (عليه السلام) حكم بأن الصلاة في كل ما لا يؤكل لحمه باطل و يعلم منه ان مأكول اللحم بوله و روثه طاهر و الا فالصلاة في النجس باطلة.

فإن قلت ما الفرق بينها و بين العمومات فان مفادها أيضا مفادها قلت في هذه خصيصتان: الاولى انه في العمومات ادعى الانصراف إلى المأكول العادي و الصلاة تصح في وبر ما يؤكل لحمه و لو غير العادي اتفاقا من الفقهاء. الثانية دلالتها كالنص في إعطاء الضابطة بقرينة المقابلة بينه و بين حرام اللحم لا يقال ان الدلالة على النجاسة هنا بالالتزام فإنه من صحة الصلاة نفهم طهارة البول و الروث و لكن العمومات دلالتها بالمطابقة بقوله مثلا لا يجب الغسل من مأكول اللحم و دلالة المطابقة متقدمة على دلالة الالتزام فأين الأظهرية في هذه الرواية.

لأنا نقول دلالة الغسل أيضا تكون بالالتزام فإنه لا يكون مثل القول بأنه نجس غاية الأمر ان هذه الرواية لا تقبل الحمل و هي تقبلها للإجماع على صحة الصلاة في المأكول أعم من العادي و غيره.

ثم مما ذكرناه ظهر السند للقائل بالنجاسة فإنه يقول ان العمومات تخصص بما تدل على النجاسة و الروايتان ضعيفتا السند و الجواب الجواب.

و اما دليل المفصل و هو صاحب الحدائق على الطهارة فإنه يقول لا دليل‌

____________

(1) أقول ان هذه العبارة مع ملاحظة ما بعدها غير سليسة فان كانت العبارة مثلا ان الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام اكله و شعره و جلده إلخ كان له وجه و كيفما كان على فرض صحة السند و كونها معمولا بها لا يصير هذا الاشكال قويا و الا فيمكن القول بعدم صدور أمثال هذه العبارة عن المعصوم (ع).

27

لنا على الروث و الإجماع على الملازمة غير مقبول و هكذا الجمع العرفي و الحمل على التقية و الجواب الجواب فتحصل (1) أن الأبوال في الثلاثة يكون مثل سائر الأبوال من مأكول اللحم نعم الفتوى على الكراهة لا يخلو من وجه بعد إسقاط العمومات و التعارض بين الخصوصات.

في البول و الروث مما ليس له دم سائل

قوله: و كذا من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم (2) و نحوه.

اعلم ان بعض ما ليس له دم سائل لا لحم له أيضا مثل البرغوث و البق و بعضه له لحم مثل السمك و الحية و له مدفوع يقال له الرجيع.

فالحرام الذي ليس له لحم لا شبهة و لا ريب في طهارة مدفوعة لقصور المقتضى و عدم المانع و الدليل عليه السيرة القطعية و هذه تمنع عن مانعية الروايات التي دلت على نجاسة بول غير المأكول على فرض شمولها للمورد فلا تختلط الكلام كما عن بعض.

و اما الذي لا نفس له و لكن يكون له لحم معتد به مثل الوزغ و السمك المحرم فحكمه مشكل بحسب القول و السند كليهما فقد ينسب الى المشهور طهارة بوله و خرئه و في بعض العبائر قد ادعى عدم الخلاف.

ثم انه نرجع إلى عبائر القائلين بأن البول و الخرء من غير مأكول اللحم‌

____________

(1) أقول و أضف اليه ان الفقيه إذا نظر حق النظر في الروايات التي استدل بها للنجاسة يجد من بعضها الشاهد على الكراهة فوجود الروايتين مع عمل المشهور كأنه يعطى القدرة على القول بالطهارة و ان كان الاولى الاجتناب خصوصا في البول لو لم نقل بالكراهة.

(2) لا يترك الاحتياط فيه.

28

نجس فنجدها مطلقة من جهة كونه ذا نفس سائلة أو عدم كونه كذلك و منه يظهر بطلان دعوى الإجماع نعم دعواه في ما لا لحم له لا يخلو عن وجه لانصراف الدليل عنه ثم قد فصل بعضهم بين البول و الخرء و حكموا بنجاسة الأول دون الثاني و لكن القائل بنجاستهما قليل.

اما السند للقول بالنجاسة فروايتان عن عبد اللّه بن سنان (في باب 8 من أبواب مالا يؤكل لحمه ح 2 و 3) بمضمون واحد و هو قوله (عليه السلام) في الأول اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه و في الثاني اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه. فان مفادهما الاجتناب عن بول ما لا يؤكل لحمه سواء كان ذا نفس سائلة أم لا و كذا إطلاقات غسل البول هذا دليل نجاسة البول و اما الروث فالدليل عليه عدم القول بالفصل أو التمسك بما دلت على نجاسة العذرة لو صدقت على رجيعه انه عذرة.

و اما دليل القائل بالطهارة فأمور: الأول يلزم العسر و الحرج على فرض القول بالنجاسة و دليل الحرج حاكم على العناوين الأولية.

و فيه ان جميع غير المأكول لا يكون معاشرا للإنسان حتى يلزم ذلك بل ما هو المعاشر في غاية القلة مثل الوزغ، على ان عدم لزوم الاجتناب لمن يلزم عليه الحرج لا يصير دليلا و قاعدة على الحكم بالطهارة حتى بالنسبة الى من لا يكون الحرج في حقه صادقا فان الحكم يدور مدار موضوعه و الحكم الحرجي لا يكون الا على الموضوع الحرجي الثاني انصراف عنوان غير المأكول عنه و فيه كيف لا يدعى القائل بالانصراف هنا الانصراف في الدليل الذي دل على عدم جواز الصلاة في جلود ما لا يؤكل لحمه و يعمم بالنسبة إلى جلد غير المأكول مما لا نفس له على ان منشأ الانصراف يكون قلة الوجود و الابتلاء.

و الثالث و هو فلسفي و هو القول بان مدفوع مالا نفس له يكون مثل عصارة النبات بخلاف سائر الحيوانات.

29

و فيه نحن تابع للدليل و لا نكون بصدد ذلك مما هو من مصالح الحكم الذي لا نعلمه فتحصل ان هذه الأدلة كلها غير وجيهة لا يمكن للمشهور التمسك به.

فنقول ان مما يسهل الخطب هو ان ما ليس له دم سائل لا يكون له بول بل ما يخرج منه هو الروث فقط على ان بعضها (1) على فرض وجود البول له لا يخرج بوله عن المخرج الطبيعي مثل الحوت يخرج بوله عن اذنه فيمكن ان يستدل المشهور بأنه لا بول له و على فرض خروجه عن غير المخرج الطبيعي لا ينصرف أدلة نجاسة البول عنه نعم في الروث الأمر أسهل لأنه لا يكون لنا كبرى على نجاسته و صدق عنوان العذرة عليه مشكل و لذا يطلق في بعض الروايات بالفضلة فلا دليل على التوافق مع البول إلا الإجماع و هو غير ثابت في المقام.

ثم يمكن ان يتمسك المشهور بطائفتين من الروايات: الاولى ما دل على ان أمثال هذه الحيوانات ان مات في البئر أو الجرة فلا ينجس الماء به و هي مطلقة من جهة انفساخه فيه و خروج بوله و عدمه و من جهة وجود بول في بطنه و عدمه.

و الثانية ما دلت على ان الماء لا يفسد ببول أمثال هذه الحيوانات.

اما الروايات الطائفة الاولى و الثانية فمنها (2) ما عن عمار الساباطي (في باب 35 من النجاسات ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد‌

____________

(1) أقول ان القول بأنه لا بول له أقوى من القول بان له ما يسمى بولا و لكن لما يخرج من غير المخرج الطبيعي فليس بنجس فإنه لكل شي‌ء من الحيوانات مخرج طبيعي و المخرج الطبيعي في السمك اذنه فالقول بأن أمثال ذلك لا يسمى بولا أوجه من ذلك.

(2) أقول ان هذه الرواية و الرواية الأخيرة عن على بن جعفر و ان كان مفادهما شاملا لما ليس له لحم معتد به مثل الجراد و النملة فإن الجراد له لحم و لكن يكون من مأكول اللحم و النملة و سائر ما ذكر لا يكون لها لحم و لكن رواية جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) تكون مطلقة تشمل جميع ما لا نفس له.

30

و النملة و ما أشبه ذلك أ يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه قال كل ما ليس له دم فلا بأس به.

و منها موثقة حفص بن غياث (في باب 35 منها ح 2) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة.

و منها ما عن على بن جعفر (في باب 35 منها ح 6) انه سأل أخاه موسى بن جعفر عن العقرب و الخنفساء و أشباههما يموت في الجرة أو الدن يتوضأ منه للصلاة قال لا بأس.

ثم في مقابل هذه الروايات ما دلّت على ان بول غير المأكول نجس و النسبة بينه و بين تلك الروايات عموم من وجه مورد الافتراق غير المأكول مما له نفس سائلة و ما له نفس سائلة و ليس له لحم و مورد الاجتماع غير المأكول مما ليس له نفس سائلة مع كونه ذا لحم معتد به.

فنقول هذه الروايات تقدم على ما دل على النجاسة لأنها أصرح و أشمل لكونها متضمنة بعنوان ماله دم سائل فلو لم تقدم يلزم إسقاط هذه العنوان و اما غير المأكول فيكون له موارد أخر غير هذا المورد فالأقوى طهارة البول فيه و لا ينبغي ترك الاحتياط.

في ملاقاة الغائط في الباطن

[مسألة 1- ملاقاة الغائط في الباطن لا يوجب النجاسة]

مسألة 1- ملاقاة الغائط في الباطن لا يوجب النجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه إذا لم يكن معها شي‌ء من الغائط و ان كان ملاقيا له في الباطن نعم لو ادخل من الخارج شيئا فلاقى الغائط كشيشة الاحتقان ان علم ملاقاتها له فالأحوط (1) الاجتناب عنه و اما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة فلو خرج ماء الاحتقان و لم يعلم خلطه بالغائط و لا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته.

____________

(1) و ان كان الأقوى عدم النجاسة إذا لم يحسب الغائط كالخارج.

31

اعلم ان في هذه المسألة صور الاولى ان يكون الملاقي و الملاقي بالفتح في الباطن مثل الدود يلاقي العذرة فيه و لكن عند الخروج يكون نقيا عنها فالمشهور في هذه الصورة الطهارة.

و قد ادعى له وجوه من الأدلة: منها انه ما لم يخرج لا يكون نجسا مثل الدم في الباطن و قد حكموا بطهارة خياط خرج من البدن نقيا عن الدم بعد دخوله فيه مع العلم بملاقاته له في الباطن و بعبارة أخرى الطهارة و النجاسة يفهم من اغسل و لا تغسل الذي هو في الروايات و لا يكون لنا دليل كذلك بالنسبة إلى الباطن لا أقل من الشك فالمرجع قاعدة الطهارة.

و فيه ان هذا عليل جدا لان الدم و العذرة ان لم يتم نصابه في الباطن و كيفيات طبخه في المعدة و العروق فالقول بعدم النجاسة له وجه و اما على فرض تمامية النصاب فلا وجه له و الأمر بالغسل و عدمه لا يكون بالنسبة إلى الباطن لانه ما كان مبتلى به (1) حتى يصح الأمر و النهي بالنسبة اليه و لا تخفى الثمرة في الطهارة فإن الدود ان لم يصر نجسا في الباطن فان لا في الثوب عند خروجه نقيا لا يشكل في الصلاة معه.

و منها انه لا كبرى لنا تدل على ان ملاقاة كل نجس تصير سببا للنجاسة حتى في الباطن فان الموارد التي سئل عن حكمها مثل ملاقاة الثوب العذرة و البول و الدم و غيره يكون خارجيا و ما سئل في رواية عن ملاقاة الشي‌ء النجس في الباطن فإذا صار موردا للشك فقاعدة الطهارة محكمة.

و فيه ان ادعاء ذلك ممنوع فان لنا كبرى في الماء و هو مفهوم قوله الماء‌

____________

(1) أقول كونه محل الابتلاء في الجملة غير خفي و لكن الناس يستحيون عن سؤال أمثال هذه المسائل فعدم سؤالهم عنه ربما يكون من هذا القبيل مضافا الى ان الفم من الباطن و هو مبتلى به و ليس كلامنا في خصوص محل الغائط و كيفما كان لا وجه للاستدلال و القول بالانصراف في هذه الموارد كما ذكره الأستاذ مد ظله

32

إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‌ء فإنه ان لم يبلغ قدر كرّ ينجسه شي‌ء و هو مطلق فإذا كان الماء في الفم النجس (1) أو أدخل بالامالة فيصير نجسا بحكم هذه الكبرى نعم على القول بعدم نجاسة القليل كما عن المحقق الكاشاني يصح ادعاء ذلك و لكنه غير تام.

و اما في غير الماء فيتم بالأولوية فإن الماء مع كونه طهورا ينجس فالأجسام تنجس بالأولوية و ان احتمل المحقق الهمداني عدم نجاسة الأجسام.

و منها ادعاء انصراف دليل الغسل عن ذلك مع تسليم انه لا فرق في نجاسة الأعيان النجسة ظاهرا و باطنه و فيه ان الانصراف يكون لقلة الابتلاء.

ثم ان ان ما يمكن ان يستدل به إجمالا طائفتان من الروايات: الاولى ما وردت في البلل الخارج من فرج المرأة بعد كونها جنبا.

فمنها ما عن إبراهيم بن ابى محمود قال سئلت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة وليها قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج و هي جنب أ تصلي فيه قال إذا اغتسلت صلت فيها (باب 55 من أبواب النجاسات ح 1).

و تقريب الاستدلال ان البلل قد خرج من محل يكون متلوثا بالمني و حكم بطهارته فيدور امره بين ان لا يكون المحل نجسا أو صار نجسا و طهر بالزوال أو مع فرض نجاسته حكم بطهارة ملاقيه فمن إطلاق الرواية يفهم أن الملاقي للنجس في الباطن لا يصير نجسا.

و الثانية ما وردت في طهارة المذي و هو ماء يخرج بعد الجناية عن المرء فمنها ما عن محمد بن مسلم (في باب 17 من أبواب النجاسات ح 1) عن أحدهما قال سألته عن المذي يصيب الثوب قال ينضحه بالماء إنشاء الحديث.

____________

(1) أقول انه لا يخفى ان المثال يكون لتطبيق كبرى الملاقاة فلا يشكل عليه بأنه يكون مما دخل الطاهر من الخارج فصار نجسا في الباطن الذي ليس محل بحثه في هذه الصورة.

33

و تقريب الاستدلال بإطلاق قوله (عليه السلام) ينضحه إنشاء و ملاقاة المذي في الباطن لا تخلو اما ان تكون مع المحل مع نجاسته أو معه مع طهارته بزوال العين أو مع المحل الطاهر فعلى فرض كونه نجسا أيضا حكم بالطهارة.

ثم على فرض عدم الدليل فاستصحاب نجاسة المحل على فرض تنجسه يوجب الاجتناب عما لاقاه و اما استصحاب عين النجس فيكون مثبتا لأن الأثر العقلي المترتب عليه هو ان هذا لاقى عين النجس فهو نجس و هذا غير نجاسة المحل فان ملاقاته وجدانية لا نحتاج إلى إثباتها بالاستصحاب.

الصورة الثانية من المسألة ان يكون الملاقي بالفتح من الاجزاء الداخلية و الملاقي من الخارج مثل الفم الذي صار ملوثا بالخمر فإنه لا ينجس الباطن بواسطة الملاقاة و لا يكون السند نفى كبرى الملاقاة لوجودها في الماء و لا الانصراف لانه يكون لقلة الابتلاء بل للرواية في المقام و هي (في باب 39 من أبواب النجاسات ح 2) عن الحسين بن موسى الحناط قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي قال لا بأس (1) تقريب الاستدلال بقوله لا بأس مع كون الخمر نجسا دخل من الخارج و لا وجه له الاعدم نجاسة الفم بالخمر.

ثم هل يكون عدم النجاسة مختصا بالباطن غير المحسوس مثل الحلق و البطن أو الأعم منه و من المحسوس كداخل الفم و الأذن و السرة فالمشهور هو الأعم و المخالف القائل بالاختصاص شيخنا الأستاذ النائيني (قده).

أقول ان كان السند للطهارة هي الرواية ففي القسم الأول تكون مختصة بالباطن الواقعي مثل الفرج و الذكر و ادعاء الانصراف ممنوع لان مورد الرواية‌

____________

(1) هذه الرواية ظاهرها ان الخمر أصاب ثوبه فالأحسن منها في الباب رواية أبي الديلم التي لا تكون هذه الخدشة فيها و هذه يحمل عليها قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه قال: ليس بشي‌ء.

34

يكون الباطن الواقعي الا ان يقال لا يفرق العرف بين الفم و الأذن الذي هو برزخ بين الباطن و الظاهر و بين الباطن الواقعي و تجري قاعدة الطهارة (1).

و اما القسم الثاني فلا يمكن التشكيك فيه لان السند هو الرواية في شارب الخمر و هو مختص بالفم و لا يمكن إخراج مورد الرواية عن حكمها و في غيره يحكم بالطهارة بالأولوية.

اما القائلين بقصور الدليل فقد مرّ جوابهم بأنه لا يكون قاصرا و لا يصح الانصراف.

الصورة الثالثة ان يكون الملاقي بالكسر من الخارج و النجاسة في الباطن مثل شيشة الاحتقان و الغذاء الذي يخرج بالقي‌ء ففيها يظهر من كلمات بعضهم القول بالطهارة و الدليل عليه أولا قصور دليل الانفعال و عدم كبرى في المقام تشمله.

و فيه ان لنا كبرى في الماء كما مر و في غيره تثبت بالأولوية و ثانيا مع وجودها على فرض تسليم عدم قصورها فتنصرف عن المقام.

و ثالثا ارتكاز عدم الفرق بين ما كان الملاقي و الملاقي في الباطن و بين ما كانا في الخارج.

و فيه ان هذا قياس محض فكيف يقول القائل بهذا فان الطاهر و النجس إذا دخلا من الخارج و كان مركز الملاقاة الباطن ينجس و لا يدعى ذلك.

و العجب عن بعض المعاصرين فإنه قال في الصورتين الأوليين نحكم بالطهارة لوجود الرواية فيهما و لكن في هذه الصورة ليست لنا رواية و غفل عن‌

____________

(1) أقول انه لا وجه للتمسك بقاعدة الطهارة هنا لان العام و هو كبرى الملاقاة أو غيرها يخصص بالمتقين و هو الباطن الحقيقي فبالنسبة إلى غيره فهو المتمسك لا هي إلا في صورة كون الشبهة مصداقية من جهة الشك في كونه باطنا اما مع إحراز عدم كونه باطنا و كونه برزخا فالتمسك بالعام مشكل.

35

الروايات (1) الواردة في القى: فمنها رواية عمّار (باب 48 من أبواب النجاسات) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتقيأ في ثوبه ا يجوز ان يصلى فيه و لا يغسله قال لا بأس به و منها ما عن عمار الساباطي في باب (48 منها ح 2) انه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القي‌ء يصيب الثوب فلا يغسل قال لا بأس به.

و هذه مطلقة من جهة ملاقاة الغذاء العذرة في الباطن أو الدم الذي يكون من جراحة المعدة و عدم ملاقاته فإنه (ع) حكم بالطهارة مطلقا.

الصورة الرابعة ان تكون الملاقي و الملاقي من الخارج و اجتمعا في الباطن و صار الباطن مركزا للملاقاة مثل من شرب الخمر و جعل في فمه شيئا مثل الدينار فإنه بعد الخروج يكون نجسا و الدليل عليه كبرى الملاقاة فإنها تكون مطلقة من جهة كونها في الخارج أو الداخل بل ينسب من توهم الطهارة إلى أنه ارتكب غلطا ظاهرا لان الانصراف يكون في الأعيان الداخلية.

أقول (2) لنا القواعد و كبرى الملاقاة و إطلاقها و اما من فرق بين هذه الصورة و غيرها فمن اين يستفيد الإطلاق فلو كانت الملاقاة صادقة فلا فرق، فتحصل‌

____________

(1) أقول ان هاتين الروايتين تكونان خلاف الفرض الثالث فإنهما في صورة كون النجاسة و الملاقاة كلتيهما في الباطن و لا شي‌ء منهما من الخارج كما لا يخفى فان الغذاء بعد اكله لو كان محسوبا من الخارج فان الدم أيضا موادة من الخارج الا ان يكون أول بلعه و لكن الحق مع الأستاذ لأن إطلاقها شامل للمورد أيضا.

(2) أقول لا ينصرف الروايات عن مثل الملاقاة في الفم و الأنف و الاذن و السرة و أمثال ذلك فان الدم أو غيره يكون نجسا و إذا لاقاه شي‌ء يحكم بنجاسته و اما الباطن مثل البطن و داخل العروق كما هو المبتلا به في التزريق بالإبرة (الامپول) فالكلام يكون في أصل النجاسة في الباطن فإن أدلة نجاسة الدم و العذرة منصرفة عما في الداخل بل في أدلة نجاسة العذرة و البول ما يفهم منه أن الخارج يكون نجسا كما مر منه (مد ظله) فالملاقاة في الباطن لا توجب النجاسة في جميع الصور.

36

ان الصور الثلاثة الأول محكومة بالطهارة للروايات و الرابعة محكومة بالنجاسة (1) لعدمها و لصدق الملاقاة.

فصل في بيع البول و الغائط

[مسألة 2- لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم]

مسألة 2- لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم و اما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز نعم يجوز الانتفاع بهما في التسميد و نحوه.

اعلم ان الصناعات الأولية مع قطع النظر عن كلمات الفقهاء تقتضي جواز بيع البول و الروث لوجود المقتضى و هو العمومات مثل قوله تعالى في سورة البقرة الآية 275) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (و في سورة النساء الآية 29) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و (في سورة المائدة الآية 1) و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المانع الذي يتصور بدوا هو ان من شرائط العوضين كونهما مالين فيمكن ان لا يكون البول و الغائط مالين و لكنّا نقول اما الروث فيعد مالا لان قوام الزراعات يكون به و اما بول الغنم فيكون أقوى من روثه في الانتفاع فان بيعه و ان لم يكن معمولا و لكن ربما يستأجرون الغنم ليكون في البستان و يبول مدة و يقوى الأرض فلو فرض مكان يجتمع فيه أبواله يمكن الانتفاع به و يعدّ مالا.

فتحصل ان للبول منفعة دارجة بين العرف و ليس من منافعه الشرب حتى تشمله الرواية الآتية بعيد هذا.

على انه لا وجه لقولهم البيع مبادلة مال بمال بل إذا خرج عمل المتعاملين‌

____________

(1) أقول ان هذه الصورة أيضا يمكن الاستدلال لها برواية الحناط أو برواية أبي الديلم (في باب 39 من النجاسات) فان ماء الفم الذي لاقى الخمر ان أصاب الثوب في الخارج إذا قيل بعدم البأس فإطلاقها يحكم بأنه سواء كان في فمه شي‌ء من الخارج أم لا و لا فرق بين الملاقاة في الخارج أو إدخال الاصبع في فمه.

37

عن السفاهة و كان بحيث يرون العقلاء لعملهم وجها تصح المعاملة في المورد سواء كان مالا أو لم يكن مثل انا نرى ان كل احد يحبّ تصوير والده و لو كان قبيح الصورة فإن اشتراه لا يقول أحد انه عمل ما يعمله السفهاء و لو كانت المنفعة شخصية و لا يكون مالا و لا ذا منفعة لغير هذا الولد فالدارجية و عدمها تفهم من العرف و هو قاضي في هذا المقام.

و لا تتوهم أن معاملة بعض الأشياء تصح في صورة كون منفعته فعلية بل و لو كان مثل العقاقير و بعض السموم الذي لا فائدة له الا في بعض الأحيان يصح بيعه و شرائه فلا يلزم ان يكون مثل روث البقر الذي قد قيل انه إذا كان جديدا يوجب شفاء وجع الفؤاد المزمن فالمعاملة من جهة العرف تام لا مانع فيها و اما المنع الشرعي بالنسبة الى ما نحن فيه فقد ذكر فيه رواية عن النبي (ص) فإنه قال ان اللّه إذا حرم أكل شي‌ء حرّم ثمنه. (في المستدرك ج 2 باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 7).

و تقريب الاستدلال انه إذا كان الآثار الظاهرة حراما فحرم ثمنه و بول هذه الحيوانات الآثار الظاهرة منه الشرب و هو حرام فيصدق ان البول من المحرمات فحرم ثمنه هذا حاصل الاستدلال.

و فيه أولا الناقل لهذه الرواية و ان كان من الفحول كالشيخ و لكن فيها الضعف من حيث السند للإرسال و لا يمكن انجباره بعمل المشهور لانه ما أحرزنا استنادهم بها لحكمهم بعدم جواز البيع و نحتمل ان يكون سند فتواهم ما كان في ذهنهم من عدم صدق المال و الدارجية بين الناس و قد مر جوابه بأنه إذا خرجت المعاملة عن السفه فيكفي للحلية هذا أولا.

و ثانيا على فرض صحة السند فالدلالة مخدوشة فهل تكون المنفعة البارزة في البول هي الشرب فان من راجع العرف و وجدانه يفهم انه لا يكون الا من اخفى المنافع عندهم لا أبرزها بل الثمرة الظاهرة التضميد و التسميد و أمثال ذلك‌

38

و هو ليس بحرام و كذا لا حرمة في شربه عند الاضطرار للاستشفاء.

فان قلت دليل حرمة ثمنه لا يختص بحين الاختيار بل إذا كان مضطرا إليه أيضا يحرم ثمنه.

قلت لا وجه لذلك لان الحرام يترتب عليه ما ذكر و اما إذا صار حلالا و لو بالاضطرار فمن اين يثبت ذلك فإنه إذا انقلب الحكم انقلبت الآثار.

فتحصل ان بول مأكول اللحم يجوز بيعه سواء كان جائز الشرب أو لم يكن و اشكال الفقهاء فيها أيضا لا يكون من جهة الرواية بل من جهة عدم الدارجية التي قد مرّ جوابه.

اما بول غير المأكول (1) فالمشهور على عدم الجواز و دليله الإجماع و فيه انه لا يكون لنا إجماع غير سندي فيمكن ان يكون سنده بعض الروايات.

و استدلوا بدليلين آخرين و كلاهما عليلان: الأول عدم دارجية بيعه و فيه ما مر من ان خروج المعاملة عن السفه يكفى للصحة على ان المنفعة الدارجة فيه التسميد.

الثاني بالرواية التي مرت في بول المأكول آنفا المنقولة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله) ان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه و لا تكون مروية في كتب الخاصة و قد مرّ ما فيها.

و ببعض فقرات رواية تحف العقول التي ذكرها الشيخ الأعظم الأنصاري في أول المكاسب المحرمة عن على بن شعبة عن الصادق (عليه السلام) نقلا عن التحف و الفقرة‌

____________

(1) لو لا مخافة الإجماع أو الشهرة و إجمال الروايات و تعارضها لقلنا بجواز البيع حتى بالنسبة إلى العذرة على كراهية و اشكال عدم الدارجية بالنسبة إلى المنافع المحللة في زمن صدور الروايات أيضا ممنوع بل التسميد كان دارجا كما في رواية وهب بن وهب عن على (عليه السلام) (في باب 29 من الاطعمة المحرمة) و كان الكلام في بيعه.

39

التي تكون مورد الاستدلال قوله (عليه السلام) «و اما وجوه الحرام من البيع و الشراء فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة اكله و شربه و كسبه أو نكاحه أو ملكه و إمساكه و استعماله أو هبته أو عاريته أو شي‌ء يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربوا الى قوله (ع) أو شي‌ء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم لان ذلك كله منهي عن اكله و شربه» (في الوسائل ج 12 في باب 1 من أبواب ما يكتسب به ح 1).

و تقريب الاستدلال ان ما كان نجسا مثل البول حرم جميع انتفاعاته فلا فائدة فيه في نظر الشرع فلا يجوز بيعه و شرائه.

و فيها أولا ان صاحب التحف و ان كان عظيم الشأن و لكن الروايات التي ذكرت فيها تكون مرسلة فان انجبر ضعفها بالشهرة فهو و الا فلا يمكن الاستناد بها و هذه الرواية ما أحرزنا استناد المشهور بها في قولهم بعدم الجواز حتى ينجبر ضعفها لاحتمال ان يكون سند فتواهم ما رأوا من عدم المنفعة الدارجة له في نظرهم.

و ثانيا انها تكون مضطربة المتن و لا أقول إذا كان بعض فقرات رواية مضطربا لا يمكن التمسك بها في غير المضطرب بل السند للاضطراب هو معارضة بعض الفقرات للبعض فان قوله كل شي‌ء فيه وجه من وجوه الفساد حرام يدل على ان كل شي‌ء فيه وجه من وجوه الصلاح يجوز بيعه فلا يمكن أخذ إطلاق من قوله أو شي‌ء من وجوه النجس فإذا كان البول فيه وجه من وجوه الصلاح فلم لا يجوز بيعه؟ و سريان حكم الحرمة حتى في صورة الاضطرار في بعض النجاسات قول بلا وجه كما مر.

و ثالثا وجوه الحلال من المعاملات قد علل فيها بالمنفعة بقوله في الحلال من البيع من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيره فنفهم ان الوجه لجواز البيع حصول الانتفاع فإذا كان في البول أيضا انتفاع فلم لا يجوز بيعه و شرائه؟! فتحصل ان بيع البول من غير المأكول أيضا لا اشكال فيه و بظنى ان قولهم بعدم جواز البيع يكون مستندا الى عدم الانتفاع لا إلى رواية و إجماع.

40

في بيع العذرة اما بيع العذرة- فقد ادعى الإجماع على عدم جوازه و استند المشهور بعدم المالية و قالوا يشمله أدلة لزوم البيع و جوازه و فيه ان العذرة يكون من منافعه الدارجة التسميد في الزراعات على انه في هذا الزمان ينتفعون بها انتفاعات أخر مثل أخذ الزبد منها للصابون فلو لم يكن في الزمان السابق عند العرف لها قيمة و منفعة في زماننا يكون لها ذلك و قد حرر في محله ان أدلة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ تكون شاملة بالنسبة إلى محل و مكان دون مكان و محل آخر فان بيع كأس من الماء على شاطئ الوادي لا يشمله أدلة الوفاء بالبيع لعدم المالية و تشمله في مكان قفر عند العطش فإنه مال و كيف المال؟! و استدلوا أيضا بالروايات الواردة في المقام:

فمنها رواية على بن مسكين أو سكن باختلاف النسخ (في الوسائل ج 12) باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثمن العذرة من السحت تقريب الاستدلال ان النواهي المتعلقة بثمرة البيع و هي الثمن يوجب فساد المعاملة و المراد بالسحت (1) هنا النهي عن البيع.

و منها ما في المستدرك عن دعائم الإسلام (في باب 5 من أبواب ما يكتسب به ج 2 ص 427) نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن بيع العذرة.

و تقريب الاستدلال واضح و قيل ان الاستدلال بها أقوى من سابقتها لعدم‌

____________

(1) أقول انه لا يكون التعبير بالسحت كالنهي عن البيع بل النهي عن آثاره بقوله ثمن العذرة سحت اى ما يستفاد من المبادلة و المعاوضة و هو الثمن سحت كما عليه الأستاذ أيضا في غير هذا المقام فعلى هذا لو لم يكن لنا شاهد على ان السحت يستعمل في المكروه أيضا نحكم بفساد المعاملة اما على فرض وجوبه كما هو التحقيق فنحكم بكراهة التصرفات في الثمن.

41

الجواز لأن النهي بالصيغة و لو لم يكن موجبا للفساد و اما بلفظ النهي بقوله نهى رسول اللّه إلخ فيكون صريحا في الفساد فالشرع القى المالية عن العذرة.

و فيه أولا ان الرواية الأولى المتمسك بها ضعيفة السند سواء كان الراوي سكنا أو مسكينا على اختلاف النسخ كما عليه أهل الرجال (1) نعم لو استند المشهور بها و أحرز استنادهم ينجبر الضعف الا انه لم يحرز فلعلهم أفتوا على عدم الجواز لنكتة عدم الدارجية و كذا رواية دعائم الإسلام و لا تنجبر بالشهرة و ان زعمه النائيني (قده) لما مر و كذا رواية تحف العقول ضعيفة بما مر.

و ثانيا لا يمكن الاستدلال بقوله ثمن العذرة سحت فان لفظ السحت لا يكون موضوعا للحرام فإنه استعمل في مواضع أخر في الكراهة مثل ما ورد من ان أخذ الأجرة على تعليم القرآن مع الشرط سحت (في المستدرك في باب 26 من أبواب ما يكتسب به ح 6) و اجرة الحجام سحت (في الوسائل في باب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 2- 6) فالمراد بالسحت يكون ما فيه الحزازة فإنه إذا دار الأمر بين كونه في الحرام حقيقة و في غيره مجازا و بين وضعه لما هو أعم حتى يكون فهم خصوصية الحرمة أو الحزازة بدال آخر و كان في كل واحد منها حقيقة فالثاني أولى لأصالة عدم المجازية كما حرر في محله فيستعمل في الجميع و يكون مشتركا معنويا (2) على انه لو دل على الحرمة أيضا قلنا ان الحرمة لا توجب الفساد في المعاملات و اما ما قيل من ان لفظ النهي صريح في الفساد أيضا فلا وجه له لانه يكون مثل النهي عن البيع مثلا و هو لا يوجب الفساد و لا نقول بما قاله أبو حنيفة من القول بأن النهي في بيع العذرة يدل على الصحة و لا ما قال العلامة النائيني (قده)

____________

(1) لضعف على بن مسكين أو سكن لكونه مجهولا.

(2) أقول انه على فرض تمامية الدلالة على الحرمة فهي توجب الفساد لما مر من انه يكون كالنهي المتعلق بالآثار الدال على الفساد أو يكون عينه كما مر آنفا.

42

من ان النهي إذا كان عن المسبب يوجب سلب القدرة و سلب القدرة الشرعية يكون مثل سلب القدرة العقلية التي تشترط في صحة المعاملة و خروجها عن السفاهة فإن كان النهي بحيث يفهم منه الإرشاد إلى الفساد فهو و الا فلا فرق في النهي عن السبب و المسبب.

و الحاصل من جميع ما ذكر و ما هو التحقيق هو ان النواهي لا توجب الفساد على فرض صحة الروايات سندا و دلالة على ان هذه لها معارض فمنه حسنة محمد بن مضارب (في باب 40 من أبواب ما يكتسب به) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا بأس ببيع العذرة.

فإذا لاحظنا هذه مع ما سبق يجب دفع المعارضة إما بالجمع العرفي لو كان أو الترجيح و على فرض استقرار التعارض فالرجوع الى قواعد أخر فنقول قد جمعوا بينها بوجوه من الجمع:

الأول الحمل على الكراهة فإن الطائفة الأولى ظاهرة في الفساد و نص في الحزازة و هذه ناصة في الصحة و ظاهرة في الحزازة فيسقط ظهور كل بنص آخر.

و الثاني حمل جواز بيعها في صورة كونها ذات منفعة محللة و عدمه في غير هذه الصورة فإن المقدمة الموصلة إلى الحرام مبغوضة و الموصلة إلى الحلال محبوبة فبيعها إذا كان مقدمة للفساد فهو باطل و الا فلا، و الشاهد عليه الرواية الآنية قريبا عن سماعة بن مهران التي ذكر فيها جواز بيعها و عدم جوازه فان الجواز و عدمه لا يمكن جمعه الا بهذا النحو.

و فيه ان هذا صحيح على بعض المسالك و هو ان تكون المبغوضية موجبة للفساد لا على مسلك التحقيق و هو عدمه.

ثم على فرض عدم إمكان الجمع فان كان الرجوع الى المرجح مقبولا عندكم فالمرجح مع ما دل على الجواز لأنها تكون موافقة لعمومات الكتاب أحل اللّه البيع و أمثاله و لو لم يكن مقبولا فالمرجع عمومات صحة البيع و كيفما‌

43

كان لا يكون لنا دليل على عدم جواز بيع العذرة لدارجية بيعها و عدم المنع الشرعي أما الرواية الشاهدة على الجمع فهي رواية سماعة بن مهران قال سئل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر فقال انى رجل أبيع العذرة فما تقول قال حرام بيعها و ثمنها و قال لا بأس ببيع العذرة (في باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 2).

و تقريب الاستدلال ان صدر الرواية فيه تعرض لعدم جواز بيع العذرة و في ذيلها التعرض لعدم البأس به فهذه اما ان تكون رواية واحدة فوجه الجمع بين الصدر و الذيل هو الحمل على الكراهة و اما ان تكون روايتين فكذلك و الشاهد على الاثنينية تكرار لفظة قال و إتيان الظاهر مقام الضمير بقوله لا بأس بيع العذرة فإنه مع ذكر العذرة قبل يجب ان يقول لا بأس ببيعها على مقتضى الأدب فعلى هذا التقدير أيضا يمكن الجمع و الحمل على الكراهة ثم على فرض الاشكال فيها و استقرار التعارض فالمرجع العمومات كما مر.

في الانتفاع بالأعيان النجسة اما الانتفاع بالأعيان النجسة ففيه قولان: الأول ما هو المشهور من عدم جوازه بل ادعى الإجماع عليه و ان كانت المنفعة محللة و هي التي تكون محل النزاع و الا ففي المحرمة فعدم الجواز اتفاقي و الثاني جوازه كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري و هو التحقيق و الدليل عليه عمومات الحل مثل قوله (عليه السلام) (في باب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4) كل شي‌ء حلال حتى تعلم انه حرام بعينه و لا تكون هنا لنا رواية خاصة على عدم الجواز و ان كان لنا الرواية على عدم جواز البيع كما تقدم.

ثم ما يتوهم مانعا عن ذلك أمور كلها مخدوشة: الأول ادعاء الإجماع على عدم جوازه و فيه انه لا يكون محصلا و المنقول منه يكون سنديا اى يمكن ان يكون سنده عدم تصور فائدة محللة لها فلا يكون كاشفا عن رأى المعصوم (عليه السلام).

و الثاني الاستدلال بآيات فمنها وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (سورة المدثر الآية 5)

44

و تقريب الاستدلال ان الأعيان النجسة رجز فيجب الاحتراز عنها بجميع أنحائها لأنه مطلق و فيه ان الرجز يكون هو العمل في كثير من الموارد مثل فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ (1) (سورة الحج الآية 30) و الا فنفس الخشب لا يكون رجسا و إذا فرض موضوع من الموضوعات رجسا فيجب إحراز ذلك فان الحكم بالهجرة لا يمكنه إثبات موضوعه و ما نحن فيه لم يثبت انه يكون رجزا و على فرض كونه كذلك فالهجرة واجبة عن الآثار المحرمة لا المحللة مثل الانتفاعات في التسميد فان الشرب و أمثاله حرام يجب الاحتراز عنه.

و الثالث الاستدلال بما ورد من قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول (و في الوسائل في باب 1 من أبواب ما يكتسب به ح 1) «فجميع التقلب في ذلك حرام».

و تقريب الاستدلال ان الانتفاع يكون من التقلبات فهو حرام و فيه ان دلالة (2) الرواية قاصرة و كذا سندها ضعيف بما مر فلا وجه لحرمة الانتفاع بالأعيان و الا ضعف من ذلك الفرق بين الأعيان النجسة و المتنجسة.

في طهارة البول و الروث من المشكوك لحمه

[مسألة 3 إذا لم يعلم كون حيوان معين انه مأكول اللحم أو لا]

مسألة 3 إذا لم يعلم كون حيوان معين انه مأكول اللحم أو لا، لا يحكم بنجاسة بوله و روثه و ان كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل و كذا إذا لم يعلم ان له دما (3) سائلا أم لا كما إذا شك في شي‌ء انه من فضلة حلال

____________

(1) الرجس هو القذر و الرجز هو القذر المعنوي و هجره فعل من الافعال كما ان الهجر عن النجس أيضا فعل من الافعال فلا يستقيم هذا الجواب على ما هو ظاهره.

(2) أقول و توضيحه انه (عليه السلام) عند الكلام عن جواز البيع و عدمه علل بان ما يكون لهم فيه انتفاع يجوز بيعه و كذا ما كان فيه وجه من وجوه الصلاح فإذا كان بيعه جائزا فالانتفاع به جائز بالأولوية.

(3) في صورة إحراز كونه غير مأكول اللحم لا يترك الاحتياط بالاجتناب كما مر

45

اللحم أو حرامه أو شك في انه من الحيوان الفلاني حتى يكون طاهرا كما إذا رأى شيئا لا يدرى انه بعرة فار أو بعرة خنفساء ففي جميع هذه الصور يبنى على طهارته.

اعلم ان المصنف تبعا للمشهور حكم في هذه المسألة بحرمة الأكل و طهارة البول و الروث بحكم أصالة عدم التذكية و قاعدة الطهارة سواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية فإن (1) هذا الحيوان قبل ذبحه كان حراما فكذلك بعده و لكن لا يلازم ذلك القول بنجاسة بول و روثه.

و قد أشكل عليه بأنه بعد الإذعان بأن كل ما لا يؤكل لحمه يكون بوله و روثه نجسا بما مر في الروايات فلا وجه للفتوى بطهارة البول و الروث مع الحكم بحرمة الأكل للتهافت الظاهر بينهما.

و فيه ان غير المأكول بالعنوان الأولي الذاتي غير المأكول بالعنوان الطاري فإن كل ما كان غير مأكول اللحم لا يمكن القول بنجاسة بوله و روثه فان الحيوان المأكول الذي قد مات حتف أنفه أو ذكى تذكية غير شرعية لا يكون المدفوع منه نجسا.

و الحاصل كل عنوان من العناوين صار موضوعا لحكم يكون ظهوره في العناوين الأولية و ما نحن فيه يكون غير مأكول اللحم بالعنوان الطاري نعم لو كانت له حالة سابقه محرمة بواسطة العنوان الاولى و استصحب يترتب عليه جميع الآثار و لكن لا يكون مربوطا بما نحن فيه فان قاعدة الطهارة المستفادة من قوله (عليه السلام) كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر تشمل المقام لان هذا يكون من الشبهة‌

____________

(1) هذا في صورة كون الحيوان لحما مطروحا نعلم ان هذا البول بوله فنستصحب حرمة لحمه قبل التذكية و اما في صورة كون الحيوان حيا فلا وجه لهذا الاستصحاب بل يجب التمسك باستصحاب العدم الأزلي لو كان في المقام وجه لجريانه.

46

المصداقية (1) لعام كل ما لا يؤكل لحمه، بوله و خرئه نجس إذا كانت الشبهة موضوعية و يكون مجرى الأصل إذا كانت حكمية و لا يجب الفحص في الشبهات الموضوعية لأن الأمر أو النهي يتعلق بشي‌ء لو ثبت لنا انه متعلق العنوان يتعلق به الأمر أو النهي فما دام لم يثبت لا يشمله الحكم نعم إذا كان الفحص مما يكون استقرار الشك به فيجب مثل من يعلم برطوبة في يده يحتمل ان يكون دما و يمكنه ان يراه و ينظر اليه حتى يثبت الحال فان ذلك واجب عليه لان الشك قبل هذا العمل غير مستقر الا انه قد خصص ذلك في باب النجاسات برواية زرارة الدالة على عدم وجوب الفحص حتى في صورة كونه مما لا مؤنة له (في باب 37 من أبواب النجاسات ح 1) و فيها قوله «فهل على ان شككت في انه أصابه شي‌ء ان انظر فيه قال (عليه السلام) لا و انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك» الحديث و تقريب الاستدلال واضح لانه بعد السؤال عن وجوب النظر و عدمه حكم (عليه السلام) بعدم وجوبه فلو قلنا بان التفحص في الموضوعات بقدر استقرار الشك واجب لا نقول به هنا لهذه الرواية الخاصة في باب النجاسات. (2)

____________

(1) أقول انه لا يخفى انه لا يكون من الشبهة المصداقية لعام كل شي‌ء طاهر حتى تعلم ان قذر لان موضوعه الشك و هو حاصل هنا و قد جاء من قبل الشك في كونه من المأكول أو غيره و لكن دليل غير المأكول يكون في مورد الشك فيصير ما نحن فيه من الشبهة المصداقية له.

(2) أقول ان الاستدلال بهذا ان كان المراد منه التطبيق في المقام كما هو الظاهر فهو غير ظاهر لان المقام تكون الشبهة أولا و بالذات بالنسبة إلى مأكولية اللحم و عدمها و في الشبهات الحكمية اتفقوا على وجوب الفحص و في الموضوعية منها أيضا يجب الفحص لاستقرار الشك فان الشك في الحلية و الحرمة و ان كان لازمه الشك في الطهارة و النجاسة و لكن لا يكون شكا فيهما حتى ينطبق عليه رواية زرارة و الأصل في السبب مقدم على الأصل في المسبب و لو في هذه الجهة و هي وجوب الفحص لاستقراره في سائر الأبواب و عدم وجوبه في النجاسات.

47

ثم انه قد قاس صاحب الجواهر (قده) المقام بباب الصلاة فإنها يجب الفحص عن دخول الوقت و عن وجود الماء للوضوء و عدمه في مثل من كان نائما في الصبح فيشك في دخول الوقت مع إمكان التفحص بما يوجب استقرار الشك أو وجوبه مطلقا و لو مع الاحتياج الى التفحص التام و هذا القول يكون مبنيا على شبهة قديمة عنهم في مثل ما هو مشكوك الخمرية و النجاسة و بيانها ان وظيفة الشارع بيان الكبريات و وظيفة العبد امتثالها فما هو وظيفته و هو بيان حرمة الخمر و وجوب الاجتناب عن النجس قد تم و مقتضى الامتثال ان نجتنب عن الشبهة فلعله كان حراما لكونه خمرا في الواقع بأنه لا وجه له أصلا فيكون نظره (قده) الى هذه الشبهة و ما ادعى شيئا كان متفردا به فلا وجه لاعتراض القوم عليه.

و فيه ان الاحكام في النواهي لو لم تكن انحلالية يصح ما ذكروه و ما ذكره، و اما على فرض كونها انحلالية ففي المشكوك يكون وجود الحكم أول الكلام فلا ادرى هل انحل النهي إليه أم لا فأصالة البراءة قاضية بعدم التكليف.

فان قلت ان قاعدة الطهارة في البول و الروث تجري في صورة عدم وجود ما يحرز موضوع عدم الاجتناب عن الأبوال و الأرواث فإن لنا عام في الروايات يدل على وجوب غسل مطلق البول مثل قوله (عليه السلام) بعد السؤال عن البول اغسله في المركن مرتين و المقام و ان كان من الشبهة المصداقية له بدوا و لكن عند التحقيق يحرز الموضوع فاستصحاب العدم الأزلي في الحيوان لحرمة اللحم يحرز ان هذا الحيوان من غير المأكول فيجب الاحتراز عن بوله و روثه.

قلت استصحاب العدم الأزلي غير جار على ما هو الحق و هو ان لنا لوازم للوجود مثل الشجاعة و السخاوة و لوازم للماهية و الثانية لا يمكن استصحابها لعدم انفكاك الماهية عن لوازمها و المقام يكون من هذا القبيل فإن المأكولية و عدمها تكون من لوازمها لا من لوازمه.

فان قلت أصل الكلام عن الاستصحاب في المقام لا وجه له لأنه انما يجري‌

48

في صورة كون المستصحب حكما إلزاميا و المأكولية و عدمها لا تكون من الأحكام الإلزامية بل غاية ما يستفاد منه الإباحة.

قلت ان الإباحة (1) على قسمين الاقتضائية و اللااقتضائية و معنى الثانية هو عدم وجود الدليل على الحرمة و الحلية و معنى الأول جعل الإباحة من جهة الشرع لبعض الأشياء فإنه إذا شككنا في جعل الشرع و عدمه نستصحب عدم الجعل ففي المقام إذا كان الشك في انه هل حكم الشرع بمأكولية لحم هذا الحيوان أم لا نحكم بعدمه و هذا القدر من الحكم الشرعي يكفي لكون الاستصحاب صحيحا فلو أشكل في المقام يجب ان يكون في استصحاب عدمه الأزلي و المختار فيه في المقام عدم الجريان كما مر.

هذا كله بالنسبة إلى البول و الروث.

____________

(1) أقول ان هذا لا يغني ظاهرا عن الإشكال لأن المراد من الحكم الإلزامي هو الوجوب و الحرمة و لا يكون في الإباحة إلزام سواء كانت اقتضائية أو لا اقتضائية فالأولى في الجواب ان يقال انا لا نلتزم في الاستصحاب ان يكون حكما إلزاميا بل إذا كان المستصحب موضوعا ذا حكم يكفى سواء كان إلزاميا أم لا على ان المقام يكون مما يكون له أثر إلزامي على فرض القول بأنه لو لم يكن كذلك لا يمكن جريانه و هو الاجتناب عن بوله و روثه على فرض عدم انصراف الدليل الى العنوان الأولي الذاتي أو الى حرمة أكل لحمه.

نعم لو كان استصحابنا بالنسبة إلى المأكول اى كان المستصحب مأكولية اللحم يمكن ان يقال لا يكون حكما إلزاميا على انه أيضا يترتب عليه حكم شرعي بعدم لزوم الاجتناب عن بوله و روثه و لو لم يكن إلزاميا فكيفما كان لا وجه لهذا الاشكال و لعل مراد الأستاذ مد ظله أيضا كان كذلك و اللّه العالم.

49

في أصالة عدم التذكية و ما يترتب عليها و اما حكم اللحم المطروح المشكوك كونه حلالا أو حراما فيكون محل بحثه في الأصول و لكن نشير إليه في المقام أيضا بنحو الاختصار فنقول تحقيق الكلام في المقام يكون في ضمن أمور:

الأول ما يترتب على تذكية الحيوانات و عدمها فان المستفاد من الروايات أربعة أقسام: الأول ما يوجب طهارة اللحم و جواز اكله مثل الغنم و البقر و الإبل فإنه و أمثاله و إذا ذكى ذكاة شرعية يحل اكله و يكون طاهرا.

الثاني ما يوجب الطهارة لا حلية الأكل مثل الثعلب و الهرة فإنه و أمثاله إذا ذكى ذكاة شرعية يطهر جلده و لا يحل اكله. و الثالث ما لا يوجبهما مثل الكلب و الخنزير. و الرابع ما يوجب الحلية لا الطهارة الا ان عدم إيجابه الطهارة يكون لطهارته ذاتا مثل الجراد فإنه طاهر سواء ذكي أم لا.

هذه تقسيمات أربعة مهمة في المقام و ذكر أقسام أخر لا وجه هنا لذكرها لعدم فائدتها.

الأمر الثاني هو البحث عن الأصل في الحيوانات فإنه هل يكون الأصل فيها قبول التذكية حتى نحكم في كل ما شك في قبوله لها و لم يخرج بالدليل بالتذكية أم الأصل عدم قبوله لها فنقول ما هو المهم في المقام الروايات الخاصة في مقامات مختلفة استفادوا منها أصالة قبول التذكية في جميع الحيوانات الا ما خرج بالدليل الخاص و لكن لا يكون لنا دليل خاص في خصوص المورد.

فمنها موثقة ابن بكير (في باب 2 من أبواب لباس المصلى ح 1) و فيها قوله (عليه السلام) «ان الصلاة في كل شي‌ء حرام اكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره ما أحل اللّه اكله ثم قال يا زرارة هذا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة فإن كان‌

50

مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذبح و ان كان غير ذلك مما قد نهيت عن اكله و حرم عليك اكله فالصلاة في كل شي‌ء منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه».

و تقريب الاستدلال بمقابلته (عليه السلام) بين المأكول و غير المأكول و حكم بفساد الصلاة في غير المأكول سواء كان الذابح ذكاة أم لا فحيث قال (عليه السلام) في غير المأكول ذكاه أولا فمعناه ان كل حيوان من غير المأكول قابل للتذكية و الأشكال في الصلاة يكون من جهة الطهارة و النجاسة فقط بل نفس غير المأكولية مانعة عن صحة الصلاة.

أقول انه نقلت هذه الرواية بنسختين إحداهما ذكاه الذابح و الأخرى ذكاه الذبح فقال صاحب الحدائق ان هذه الرواية بنسخة الذابح لا تكون في كتب الرواية بل في مثل الوسائل و الوافي يكون النسخة ذكاه الذبح فان كانت كذلك فلا يمكن الاستدلال بها لأنه ان كان قابلا لها فتحصل بالذبح و الا فلا، فالمعنى ذكاه الذابح أو لم يذكه لعدم القابلية.

فإن قلت ان السالبة في المقام تكون بانتفاء الموضوع فمعنى عدم تذكية الذبح هو عدم وجوده فيصير المعنى سواء حصل الذبح أو لم يحصل لا ما ذكرتموه.

قلت هذا خلاف ظاهر الرواية كما ترى.

و منها (1) (باب 3 من أبواب لباس المصلى ح 3) عن على ابن أبي حمزة قال سئلت أبا عبد اللّه و أبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء و الصلاة فيها، فقال لا تصل فيها‌

____________

(1) أقول ان هذه الرواية معارضة بما يأتي من صحيحة على بن يقطين و ريان بن صلت فان فيها نهى عن الصلاة في الفراء و تلك تكون كالنّص للجواز بعد السؤال عنه مع ان الفراء و السمور كما نقل سبع يأكل اللحم ففي هذه الرواية نهى عن كل ما يأكل اللحم و تلك كالصريحة في جواز الصلاة فيه فيجب أولا رفع المعارضة ثم الاستدلال.

51

الا ما كان منه ذكيا قال أو ليس الذكي مما ذكى بالحديد قال نعم إذا كان مما يؤكل لحمه قلت و ما لا يؤكل لحمه من غير الغنم فقال لا بأس بالسنجاب فإنه دابة لا تأكل اللحم و ليس هو مما نهى عنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذ نهى عن كل ذي ناب و مخلب و تقريب الاستدلال بقوله (عليه السلام) أو ليس الذكي ما ذكى بالحديد فالتذكية تحصل في كل حيوان ذكى بالحديد الا ما استثنى فان الذكاة تحصل إذا كانت بالحديد فالمذكى شرعا هو المذكى عرفا.

و فيه ان الموضوع يكون الذكي أي ما يكون قابلا للتذكية فإن معنى قوله أو ليس الذكي إلخ هو انه يشترط في زكاة ما هو قابل لها الحديد، لا ان كلما يكون تذكيته بالحديد فهو ذكى هذا أولا و ثانيا في الرواية التقسيم من جهة المأكول و غيره و كونه مأكولا شرط لتحقق التذكية و المستدل يقول ان قيد المأكولية يكون لجواز الصلاة لا لتحقق التذكية.

و منها صحيحة (1) على بن يقطين و ريان بن صلت (الاولى في باب 5 من أبواب‌

____________

(1) أقول ان الروايتين مع انهما معارضتان بما سبق تكون في نفسهما المعارضة بجواز الصلاة في جلد الثعالب في الاولى و استثنائه (عليه السلام) في الثانية فيجب رفع المعارضة ثم الاستدلال فان قلت لا يضر السؤال عن مثل الثعالب و السمور و الفنك بعموم لا بأس بذلك قلت يكون هذا مورد السؤال و لا يمكن ان لا يكون العام شاملا لمورده و لذا حملوهما على التقية و الحاصل الروايات التي استدل بها الأستاذ (مد ظله) هنا مما يكون كلها في باب لباس المصلى تكون محل الكلام و النقض و الإبرام مع ملاحظة معارضات أخر لها فلا يمكن قبل رفع هذه المعارضات الاستدلال بأنه لما لم يذكر فيه استثناء غير المأكول غير عنوان الميتة الجمع على عدم جواز الصلاة فيها فيكون قابلا للتذكية على ان غير المأكول من غير الميتة و السباع أيضا كأنه من المجمع عليه و من ما يعرف به الشيعة عدم جواز الصلاة فيه الا ما استثنى كالسنجاب.

ثم انى بعد الرجوع اليه مد ظله و الاشكال عليه بما ذكر قبل الإجماع على عدم جواز الصلاة في غير المأكول و قال الكبرى تكون محل الاستفادة في مورد الشك فإن أكثر الحيوانات يكون مشكوكا فقد زال الاشكال من هذه الجهة و لكن من سائر الجهات فبقي بحاله.

52

لباس المصلى ح 1- 2) قال الأول سئلت أبا الحسن عن لباس الفراء و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود قال لا بأس بذلك.

و قال الثاني سئلت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس الفراء و السمور و الفنك و الثعالب و جميع الجلود و الحواصل و ما أشبهها و الناطق و الكيمخت و المحشو بالقز و الخفاف من أصناف الجلود فقال لا بأس بهذا كله الا بالثعالب.

اعلم ان في جواز الصلاة في الميتة و عدمه مسلكان و لكن الصحيح فسادها فيها إذا عرفت ذلك فنقول هذه بضميمة عنوان الميتة تدل على المطلوب فلو لم يكن سائر الحيوانات قابلا للتذكية يجب ان يدخله (عليه السلام) في عنوان الميتة فحيث لم يدخله نستكشف عدم دخوله فيها و قابليته لها.

و قد أشكل عليه بان الاستدلال بهذه لا اثر له حين يجب التأثير لأن الكبرى أكثر فوائدها في صورة الشك ضرورة ان أكثر الحيوانات يكون مشكوك الطهارة و الحلية فإنه مع ذلك إذ رأينا حيوانا في الخارج و شك في انه ميتة حتى لا تصح الصلاة في جلدها لا يصح التمسك بالعام و هو جواز الصلاة في كل جلد الذي خصص بغير الميتة لأنه يكون من الشبهة المصداقية للعام و لا يخفى ان الاشكال لا يكون من جهة كونه قابلا للتذكية أم لا ضرورة ان الميتة من القابل أيضا لا تصح الصلاة فيها.

و قد أجاب عنه شيخنا العراقي (قده) بان الشبهة تارة تكون حكمية و تارة مصداقية و تارة مفهومية ففي الشبهة المفهومية يمكن التمسك بالعام لأن الشبهة ترجع واقعا الى الشك في سعة دائرة العام و ضيقها فلا ندري ان هذا يصدق عليه مفهوم الميتة حتى تكون خارجة عن العام أو لا فلا يكون خارجا فيتمسك‌