المعالم المأثورة - ج3

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
413 /
3

الجزء الثالث

[تتمة كتاب الطهارة]

[مقدمة المقرر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

اما بعد فهذا هو المجلد الثالث من تقريرات بحث العلامة الفهّامة المحقق المدقّق و الموفّق المؤيّد و الفقيه الماهر آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي أدام اللّه ظله الشريف على رؤس المسلمين سيما أهل التحقيق و التدقيق و يكون هذا شرحا للكتاب القيّم العروة الوثقى لمؤلفه مركز دائرة الفقاهة، الفقيه الأعظم آية اللّه العظمى المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي (قدس سره) العزيز.

مع تذييلات على الشرح و تعليقات على المتن من المقرر العبد المحتاج.

الى عفو ربه الغفور محمد على الاسماعيل پور الأصفهاني الشهرضائي (القمشه‌اى) عفى عنه الساكن في بلدة قم المنورة صانها اللّه تعالى عن التهادم و التهاجم.

[فصل يشترط في صحة الصلاة إزالة النجاسة عن البدن]

شرط صحة الصلاة طهارة البدن و اللباس

قوله:

فصل يشترط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة النجاسة عن البدن حتى الظفر و الشعر و اللباس ساترا كان أو غير ساتر عدا ما سيجي‌ء مثل الجورب و نحوه ما لا تتم الصلاة فيه و كذا يشترط في توابعها من صلاة

4

الاحتياط و قضاء التشهد و السجدة المنسيين و كذا في سجدتي السهو على الأحوط و لا يشترط في ما يتقدمها من الأذان و الإقامة و الأدعية التي قبل تكبيرة الإحرام و لا فيما يتأخرها من التعقيب:

أقول ان الشرط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة عدم النجاسة الخبثية و لكن لا يكون لنا دليل بعنوان عام حتى يشمل جميع النجاسات بل وردت في نجاسات خاصة مثل الدم و البول و العذرة و المنى و غيره مما لا يبلغ الى تعداد جميع النجاسات و تدل عليه روايات باب 40 من أبواب النجاسات التي عن عبد اللّه بن سنان ح 3 و عن عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه ح 5 و عن ابى بصير ح 9 و لكن جميع النجاسات فلا يكون لنا نص فيه و لكن يمكن ان يستدل له بمفهوم خبر (1) زرارة عن أحدهما قال كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشي‌ء (في باب 31 من أبواب النجاسات ح 1) و ما و رد (في باب 3 من أبواب الوضوء ح 8) عن زرارة عن ابى جعفر لا تعاد الصلاة الأمن خمس الطهور:

و تقريب الاستدلال بالأدلة هو ان ما تتم فيه الصلاة إذا كان به شي‌ء فيه بأس مطلقا و بالثانية ان الطهارة من كل نجاسة شرط الصلاة.

و من الاخبار الدالة على اشتراطها ما ورد من عدم جواز الصلاة في الحديد من انه نجس ممسوخ فإنه و ان لم يكن مانعا في الصلاة و لكن التعليل يستفاد منه ان المانع للصلاة هو النجاسة مطلقا سواء كان عن حديد أو غيره و هو قوله (عليه السلام) لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد فإنه نجس ممسوخ (باب 32 من أبواب لباس المصلى ح 6).

و اما مانعية نجاسة مثل الشعر و الظفر فتتوقف على ورود رواية بعنوان البدن ان لاحظناهما من البدن فعلى فرض وجود هذا العنوان في الروايات يمكن ان يبحث عن صدقه على ذلك أم لا و اما على فرض العدم فلا يمكن القول بالمانعية الا‌

____________

(1) و يكون له نظائر في هذا الباب

5

من جهة الإجماع.

فنقول ليس لنا رواية بهذا العنوان بل وردت في نجاسة الفخذ و أمثاله فإنه يمكن ان يقال لا خصوصية للفخذ و يشمل جميع البدن غير الشعر و الظفر حيث نرى التفكيك في الروايات بينهما و بين البدن في بعض الاحكام مثل ان الميتة من الحيوانات الطاهرة تكون نجسة و لكن شعره و وبره و ظفره لا يحكم بنجاسته فمن اين يمكن القول بالشمول نعم ورد في خبر حسن بن زياد عنوان الجسد و كذا في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج، فان شمل هذا العنوان لما ذكر فهو و الا فيشكل.

و قد استدل عليه بدليل وجوب إزالة النجاسة عن اللباس بان يقال اللباس الذي لا يكون له تعلق بالبدن حيث يشترط فيه ذلك فما يكون متصلا به فهو اولى و فيه ان هذا قياس فان العنوان فيها متعدد و لا ندري لأي جهة حكم بالمانعية في اللباس حتى نقول في المقام أيضا بالأولوية.

و اما اشتراط الطهارة في صلاة الاحتياط فلأنها صلاة مستقلة يشملها أدلة وجوب الطهور للصلاة و اما القضاء السجدة و التشهد فان كان المبنى ان القضاء يكون بأمر جديد فيمكن الإشكال في اشتراط الطهارة بالنسبة اليه و اما ان كان المراد منه نفس الإتيان بما فات فيكون هو عين الأداء و يجب قضائه كما فات ان لم نقل ان المراد باقض ما فات هو الإتيان به نفسه و اما الشرائط فلا تستفاد منه فعلى القول بان ذلك جزء الصلاة و لم يؤت به في محله يجب كونه مع الطهارة.

و اما سجدتي السهو فاستدل لاشتراط الطهارة فيهما بأدلة ثلاثة: الأول انصراف الدليل و الثاني كونهما جابرتين لما فات و الثالث الاحتياط.

اما انصراف الدليل فمعناه ان قوله اسجد سجدتي السهو ينصرف الى كون الواجب فيه الطهارة كما في الصلاة و الجواب عنه ان هذا الانصراف نشأ من الملاقاة مثل الجابرية و أمثالها و نحن بعد التأمل نرى أنه بدوي.

6

اما جبرهما للصلاة فأيضا لا دليل عليه لان ذلك يمكن ان يكون لرغم الأنف و المواظبة على الصلوات في بقية الأوقات و لا يكون لها ربط بأصلها (1) و اما الجواب عن الثالث بعد ما كان المراد بالاحتياط هو الاشتغال بالتكليف بعد الشبهة في الامتثال فهو ان نقول ان الشبهة في ناحية الفراغ توجب الاحتياط في صورة كونها من قبل الموضوع و اما إذا كانت من قبل الحكم اعنى التكليف فلا تقتضيه ضرورة انه في المقام نشأت الشبهة عن شرطية الطهارة و هي الشبهة في أصل التكليف فلا وجه لاحتياط المصنف.

و اما الأذان و الإقامة فالأول لا دليل لنا على اشتراطها فيه و اما الثانية فربما يستشم من بعض الأدلة كونها من المقدمات التي تكون في حريم الصلاة فيشترط فيها الطهارة المشروطة في الصلاة فمنها انه ينقضها الكلام على اختلاف في انه ناقض قبل قد قامت الصلاة أو بعدها كما كان ناقضا في الصلاة و منها انه ورد في رواية عمار من دخل في الإقامة فكما دخل في الصلاة (في باب 13 من أبواب الأذان و الإقامة في ذيل حديث طويل) و منها انه يشترط فيها القيام كما في الصلاة و لكن الوجوه كلها ضعيفة فان ناقضية الكلام ترشد بعدم تحققها فيكون عدمه من شروطه و اما الرواية فإن التشبيه فيها لا يفي بشرطية الطهارة و اما القيام أيضا فيكون من شرائط كما له فلا يستفاد منه شرطية الطهارة.

فتحصل عدم تمامية الدليل بالنسبة إلى الطهارة الخبثية فيها و ان قلنا باشتراط الحدثية و ربما يقال كما عن السيد محمد الأصفهاني ان الإقامة دهليز الورود في الصلاة و السلام دهليز الخروج و لكن ذلك أيضا لا يمكن ان يكون دليلا و اما التوهم بان هذا ينافي ما في الرواية من ان تحريمها التكبير و تحليلها التسليم فمندفع بأنه لا نقول ان هذه أول الصلاة بل من مقدمات الدخول فيها و الأول هو التكبير.

____________

(1) أقول هذا خلاف الظاهر

7

قوله: و يلحق باللباس على الأحوط اللحاف الذي يتغطى به المصلى مضطجعا إيماء سواء كان متسترا به أولا و ان كان الأقوى في صورة عدم التستر به بان كان ساتره غيره عدم الاشتراط.

أقول قد فرق المصنف (قده) هنا كما هو الظاهر من المسألة بين ما كان للمصلين ساترا غير اللحاف و غيره بقوله و الأقوى و هذا منه غريب لان المناط في اللباس ان كان ما يستر به العورة فكلامه في السابق بعدم الفرق بين الساتر و غيره غير وجيه و ان كان المناط صدق الصلاة فيه بان يقال صلى فيه فإنه لا فرق بين كونه ساترا و غيره ففي المقام و لو كان للمضطجع ثوب غيره و يكون ساترا له لكنه يصدق أيضا انه صلى في اللحاف في حال الاضطجاع فكيف يحكم (قده) بأنه و ان كان الأقوى إلخ فصدر كلامه يوافق مع ما في صدر المسألة من عدم الفرق بين كونه ساترا أو غيره و ذيله ينافيه لأنا لا نرى وجها للاقوائية (1).

في وجوب إزالة النجاسة عن موضع السجود

قوله: و يشترط في صحة الصلاة أيضا إزالتها عن موضع السجود دون المواضع الأخر فلا بأس بنجاستها

أقول انه قد اختلف كلمات العلماء (قدس اللّه أسرارهم) في ان الإزالة هل تكون شرطا في موضع الجبهة فقط أو الأعم منه و من سائر المساجد أو يشترط في مطلق مكان المصلى فيكون الأقوال ثلاثة: الأول القول باشتراط الطهارة في موضع الجبهة فقط و الدليل عليه أولا الإجماع من العلماء و لم يظهر مخالف لهم إلا‌

____________

(1) أقول لعل الوجه لذلك هو صدق اللباس و الثوب في صورة كون المصلى ملفوفا به بحيث يصدق انه لبسه، فمثل الفرو و أمثاله و ان كان ضخما يصدق عليه اللباس و اما اللحاف الذي يكون على المضطجع مع كون شي‌ء آخر ساترا له فلا يصدق عليه اللباس فكأنه يكون مثل شخص يكون في خيمة نجسة و هو يصلى.

8

المحقق في المعتبر نقلا عن الوسيلة و عن الراوندي فإنه نقل جواز السجدة على الأرض و البواري و الحصر المتنجسة بالبول فيما إذا تجففت بالشمس و استجوده، و الظاهر ان في صورة التجفيف بالشمس يصح السجود عليه و هذا يصير قولا بالخلاف على فرض عدم كون الشمس مطهرا كما نسب إليهم و الا فعلى فرض كونه كذلك فالجواز من باب الطهارة.

و فيه ان المحقق (قده) ممن يرى عدم جواز الصلاة على المتنجس و ما ذكر في الشمس فإنه لم يكن من جهة كونها مطهرة و لكن من جهة العفو عن النجاسة المجففة بها يقول بذلك و هذا لا يرجع الى المخالفة في أصل اشتراط الطهارة في موضع الجبهة.

و قال الشهيد في الذكرى ان عدم الجواز منصوص و قال في الحدائق ما رأينا هذا النص و لا نقله ناقل و في الجواهر ان المراد بالنص يمكن ان يكون موثقة عمار.

و كيفما كان فنحن نبحث عن الروايات التي وردت في المقام ليظهر انه هل يكون لنا نص في ذلك أم لا، فإن أمكننا الجواب عن المعارض فهو و الا فلا- سبيل لنا إلا الإجماع فمن الروايات الدالة على ذلك ما ورد في الوسائل (باب 29 من أبواب النجاسات ح 1) صحيحة زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه فقال إذا جففته الشمس فصل عليه و هو طاهر و منها صحيحة ابن محبوب (في باب 81 من أبواب النجاسات ح 1) قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه فكتب الىّ بخطه ان الماء و النار قد طهراه.

و منها موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنه قد يبس الموضع القذر قال لا يصلى عليه و اعلم موضعه حتى تغسله.

9

تقريب الاستدلال بهذه الأخيرة هو ان اليبس لا يوجب الطهارة لأنه يكون بغير الشمس و يجب اعلام موضعه ليغسل حتى يجوز الصلاة عليه فيستكشف منها عدم جواز الصلاة على الموضع النجس و صاحب الجواهر حيث ما وجد النص قال لعله كان هذه الرواية.

و اما تقريب الاستدلال بالأولى بقوله إذا جففته الشمس فهو طاهر فان التعليل بكونه طاهرا يفهم منه ان ذلك يطهر بالشمس فلو لم يكن طاهرا لا يجوز الصلاة عليه و شرطية الطهارة لازمها إزالة النجاسة عن جميع مكان المصلى الذي منه موضع السجود.

فان قلت ان السؤال يكون عن الصلاة في المكان و موضع السجود لا يصدق الصلاة فيه قلت ان السائل و ان كان سؤاله كذلك و لكن في الجواب قال (عليه السلام) فصل عليه و الصلاة على موضع السجود صادقة (1) و تقريب الاستدلال بالثانية هو ان غريزة السائل كان عدم جواز السجدة على النجس فسئل عن الجص الذي يكون كذلك فكأنه (عليه السلام) صدقه في غريزته الا انه قال ان النار و الماء قد طهراه فلو لم يكن تطهيرهما له لا يجوز السجود عليه و اما فقه الحديث من حيث انه كيف يصير النار و الماء مطهرا له فهو ان النار يستحيل به العذرة رمادا فيصير طاهرا و اما الماء فيكون لنحو من التنظيف أو ان الاجزاء التي تكون في العظام ما صارت مستحيلة فيكون الماء مطهره و هذا يكون على فرض القول بأن إحاطة الماء يكفى للتطهير. و لو لم تخرج غسالته كما هو الطريق في تطهير الأراضي الرخوة و اما على فرض اشتراطه فلا يمكن ان يصير الماء مطهرا له فيتعين الحمل على خصوص التنظيف و القول بصيرورة العظام و العذرة مستحيلة.

____________

(1) أقول و أضف اليه ان التعبير بقوله فيه، يمكن ان يشمل موضع السجود أيضا لأنه أيضا مكان المصلى.

10

ثم ان لهذه الروايات معارضات منها ما عن على بن جعفر (باب 30 من أبواب النجاسات ح 1) انه سأل أخاه موسى بن جعفر عن البيت و الدار لا تصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة يصلى فيهما إذا جفا، قال نعم.

و تقريب الاستدلال بها ان البيت و الدار قد صارا بواسطة اصابة البول نجسين و لم يعرض مطهر عليهما مثل الشمس و مع ذلك قال (عليه السلام) نعم و هو صريح في جواز الصلاة عليه و عدم لزوم طهارة المسجد.

و طريق الجمع بين الطائفتين، أولا ان يحمل روايات المنع على موضع السجود و روايات الجواز على غيره من المواضع و الشاهد عليه رواية الجص و فيها السؤال لقوله أ يسجد عليه.

و ثانيا بان روايات الجواز نص فيه و ظاهر في عدم الحزازة و روايات المنع نص في الحزازة و ظاهر في عدم الجواز فيحمل على الكراهة و فيه أولا ان الجمع العرفي بهذا الطريق يكون في صورة عدم جمع آخر اولى من ذلك و هو ان يحمل روايات الجواز على الجفاف بالشمس و روايات المنع على الجفاف بغير الشمس كما في صحيحة زرارة إذا جففته الشمس فصل عليه و هو طاهر.

و ثانيا ان الجمع على هذا الطريق يكون في صورة كون روايات المنع ظاهرة في شرطية الطهارة لا ما هو كالصريح فان قوله (عليه السلام) «فصل عليه فهو طاهر» يكون كالنص في ان الطهارة شرط فيقع التعارض بينه و بين ما دل على الجواز بقوله (عليه السلام) «نعم» و النص الذي ادعوه في المقام هو هذه الرواية أعني صحيحة زرارة.

هذا كله في اشتراط الطهارة في موضع الجبهة أما القسم الثاني و هو اشتراطه في مطلق المواضع السبعة ففيه أيضا روايات و لها معارضات في باب 39 من أبواب النجاسات في الوسائل فمنها ح 1 و فيه «إذا جففته الشمس فصل عليه و هو طاهر» و منها ح 2 و فيه: «فقال (عليه السلام) ان كان تصيبه الشمس و الريح و كان جافا فلا بأس به»‌

11

و قد دلت هذه على انه في صورة الجفاف بالشمس لا بأس به.

و منها حديث 3 و فيه السؤال عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير ان تغسل قال نعم لا بأس هذه دلت على انه في صورة مطلق الجفاف لا بأس به.

و منها حديث 4 كما مرّ عن عمار الساباطي، و هي دلت على ان الجفاف بغير الشمس لا يطهر بقوله (عليه السلام) و ان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك و الحاصل ان الروايات في المقام يستفاد منها أحكام أربعة: الأول ان الجفاف مطلقا سواء كان بالشمس أو غيره يوجب الطهارة كما في ح 3 فيجوز الصلاة. و الثاني ما دل على ان الجفاف بالشمس مطهر و لكنه بغيرها غير مطهر كما في ح 4 فيجوز في صورة كونه بالشمس و لا يجوز في صورة العدم. و الثالث لا يجوز الصلاة مطلقا كما في موثقة ابن بكير قال سألت أبا عبد اللّه عن الشاذكونة يصيبها الاحتلام أ يصلى عليها فقال لا. (باب 3 من أبواب النجاسات) الرابع إذا كان موضع السجود لا يجوز و إذا كان غيره يجوز كما في رواية الجص.

و الجمع بين هذه الروايات على ما فكرت فيه بستة أنحاء: النحو الأول ما هو المشهور من الحمل على الكراهة لأن روايات المنع ظاهرة في عدم الجواز و نص في الحزازة و روايات الجواز ظاهرة في عدم الحزازة و نص في الجواز فيرفع اليد بنص كل عن ظهور آخر فينتج الكراهة. و الثاني ان يحمل روايات المنع على موضع السجود و روايات الجواز على غيره من المواضع السبعة و الشاهد عليه رواية الجص و الثالث ان يجمع بحمل روايات المنع على صورة كون الجفاف بغير الشمس فلا يجوز الصلاة عليه و صورة الجفاف بالشمس تكون مورد روايات الجواز و الشاهد على ذلك رواية عمار الساباطي و الرابع ان يخصص روايات الجواز برواية الجص التي يكون المنع فيه في السجود و هذا على فرض قبول انقلاب النسبة صحيح لان لنا عامين للجواز مطلقا و لعدم الجواز مطلقا فإذا خصص الدال على الجواز بالسجود يصير النسبة بينه و بين الدال على المنع عموما و خصوصا مطلقا و لا اشكال. و الخامس ان يخصص روايات‌

12

المنع بصورة الجفاف بالشمس ثم ملاحظة النسبة و هذا أيضا يتم على فرض انقلاب النسبة و السادس ان يخصص روايات الجواز برواية الجص التي في السجدة و روايات المنع بالجفاف بالشمس فتصير النسبة بين العامين عموما من وجه مورد الاجتماع في صورة كون الجفاف بغير الشمس في غير موضع السجود و مورد الافتراق موضع السجود و الجاف بالشمس. و الجاف به في غير موضع السجود (1) و لا يخفى ان من ادعى انقلاب النسبة يقول ان التعارض يكون بعد تمامية دليلية الدليل و المخصص يكون متمم دليلية الدليل فيجب ان يقدم على التعارض لان رتبته بعدها فلا يقال كيف لا يقاس الأدلة في عرض واحد و لم يلاحظ العام مع العام و يلاحظ بعد التخصيص و عليهذا فيخصص عام المنع بموضع السجود قطعا لانه مما قام به الإجماع أيضا و بعد ذلك لا معارضة في شي‌ء على فرض انقلاب النسبة و اما على ما هو المختار من عدم جواز الانقلاب فإنه بعد التخصيص يقع التعارض بين غير محل سجدة في روايات المنع و الجواز فيجمع بينها بالكراهة.

فتحصل انه على مسلك المشهور ان الجمع يكون على الكراهة مطلقا و اما على المسلك المختار ففي موضع السجدة نقول بالمنع مطلقا و في غيره بالكراهة و على فرض انقلاب النسبة لا يبقى مقام للجمع بالكراهة.

____________

(1) أقول في مورد الاجتماع روايات المنع التي قد خصصت بموضع السجود لازمها جواز الصلاة لأنه غير موضع السجود و روايات الجواز قد خصص بالجفاف بالشمس و في غيره تحكم بعدم الجواز و هذا غير الجاف بالشمس و مقتضى التعارض التساقط في العامين من وجه لان دليل العلاج يقولون بانصرافه عن المقام و على فرض عدمه فاللازم التخيير اما موضع السجود الذي هو مورد الافتراق فيشمله روايات المنع و لا يعارضها روايات الجواز و الجاف بالشمس يشمله روايات الجواز و لا يعارضها روايات المنع.

13

قوله: الا إذا كانت مسرية الى بدنه أو لباسه

أقول هذا كله في صورة الجفاف و اما ظاهر العبارة فإنها إذا كانت مسرية سواء كان في موضع السجود أو غيره فهل يكون مطلق السراية مضرا سواء كان مما يعفى عنه في الصلاة أو مما لا يعفى و سواء كانت السراية بما لا تتم فيه الصلاة أو بما تتم أو يختص بغير المعفو و غير ما لا يتم فيه الصلاة فيه كلام و قد تمسكوا لإثبات الحكم مطلقا بإطلاق دليل الاشتراط الذي كان للروات التي قد مرت بالفرق بين الجاف و الرطب فان مكان المصلى على هذا يجب ان لا يكون فيه النجاسة المسرية و لا فرق بين اصابتها بما تتم فيه الصلاة و ما لا تتم و بين كونه معفوا أم لا.

و قد أجاب بعض المعاصرين بان ارتكاز المتشرعين على ان بعض النجاسات معفو عنه و كذا بالنسبة الى ما لا تتم فيه الصلاة و هذا يمنع عن أخذ الإطلاق بل يوجب الانصراف الى غير هذه الصورة.

و فيه ان اشتراط طهارة مكان المصلى عن النجاسة المسرية عنوان آخر غير عنوان طهارة البدن و اللباس فادعاء الانصراف ينافي هذا العنوان من أصله.

فتحصل ان مقتضى القاعدة هو القول بعدم جواز نجاسة مكان المصلي بنجاسة مسرية و ان كانت مسرية الى ما لا تتم فيه الصلاة أو معفوا عنها.

[مسألة 1- إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس]

مسألة 1- إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب فلا يضر كون البعض الأخر نجسا و ان كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه و يكفى كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا و ان كان باطنه أو سطحه الأخر أو ما تحته نجسا فلو وضع التربة على محل نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الطاهر صحت صلاته.

أقول هذا لان الظاهر من الدليل هو طهارة موضع الجبهة كما هو فيما يصح السجود عليه فلو كان شي‌ء بعضه مما لا يصح السجود عليه و بعضه الأخر مما يصح يكفى للسجدة و كذلك لو كان شي‌ء بعضه طاهرا و بعضه الآخر نجسا. و العجب من‌

14

بعض المعاصرين نقل كلام العلامة الهمداني (قده) و ارتضاه و هو ان المدار على ان نلاحظ الدليل بأنه هل كان شرط السجود الطهارة أو شرط المسجد، فان كان الثاني فلا بد ان يكون جميعه طاهرا لان المهر الذي كان كبيرا يصدق على كله انه المسجد و اما ان كان الشرط هو الثاني فلا يحتاج إلى طهارة جميع المسجد لانه يصدق السجود على الطاهر و وجه التعجب هو ان المسجد و السجود متضايفان فكلما تصورنا أحدهما نتصور الآخر و لا يمكن الانفكاك بينهما لينتج ذلك في المقام على انه لو فرض المسجد كان بقدر عشرة أذرع أيضا يلزم ان يقول هو (قده) بأنه واحد و يلزم طهارة الجميع و لا أظن أن يقول بذلك (1).

في وجوب إزالة النجاسة عن المسجد

[مسألة 2 تجب إزالة النجاسة عن المساجد]

مسألة 2 تجب إزالة النجاسة عن المساجد داخلها و سقفها و سطحها.

أقول و قد استدل على حرمة نجاسة المساجد بوجوه: الأول لزوم هتك الحرمة بإدخال النجاسة في المسجد مثل إدخال مقدار من العذرة و حيث صار إدخالها فيه حراما نقطع بالأولوية القطعية بحرمة تنجيس المسجد و تلويثه و على هذا فكلما كان هتكا يجب ان يقال بأنه حرام فمثل البحث و الجدال فيه أيضا لو صدق عليه عنوان الهتك يكون حراما و لو كان إدخال النجاسة غير موجب للهتك لقلتها لا يكون حراما.

فان قلت على فرض ملاحظة الهتك ففي بعض الموارد إدخال النجاسة أو تلويث المسجد لا يكون في نظر العرف هتكا فلا يصير هذا الدليل إلا أخص من المدعى. قلت ان نظر العرف و ان كان مناطا الا ان الشرع في بعض المقامات يخطأ‌

____________

(1) أقول انه على فرض الغمض عن اشكال التضايف يمكن ان يجيب بانصراف الدليل عن المورد على فرض الاتفاق.

15

العرف كما مرارا فمن سائر الأدلة النقلية يمكن استفادة العموم (1).

الوجه الثاني الآية بقوله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ و تقريب الاستدلال بها ان المراد بالنجس اما ان يكون النجاسة الباطنية أو العارضية بمعنى كونهم ذا نجاسة عرضية أو العرفية أو الذاتية اما الأول فهو خلاف الظاهر لان الظاهر من نجاستهم نجاسة أبدانهم لا أرواحهم و كذلك النجاسة العارضية ضرورة انه لو كان كذلك لما كانت خصيصة في ذكر المشرك و كذلك الثالث لان العرف لا يستقذر الكفار ضرورة ان بعضهم أنظف من المسلمين فلا بد من اختيار الأخير و المراد بعدم القرب، الكناية عن عدم الدخول مبالغة بهذا التعبير فلا يجوز دخول الكفار في مسجد الحرام لنجاستهم و مع عدم القول بالفصل نقول بعدم جواز تنجيس سائر المساجد أيضا.

و قد أشكل عليه صغرويا و كبرويا اما الصغروي فهو ان النجس يكون اسم المصدر اى معناه أنهم نجاسة و هذا غير ملائم لسياق الكلام فلا بد من الحمل على النجاسة العرضية و لا يمكن استفادة نجاسة الكفار أو يلزم الحمل على الرجس الباطني لدنائة أنفسهم.

و فيه ان التعبير بذلك يكون من باب زيد عدل فكما انه تعالى بالغ في عدم دخولهم في المساجد بقوله تعالى «فَلٰا يَقْرَبُوا» كذلك بالغ في ذلك فكأنه تعالى قال إنهم نجاسة و هذا من أبلغ ما يمكن ان يعبر به عن نجاستهم.

و اما الإشكال الكبروي فهو بان اللازم من ذلك تخصيص الأكثر و هو مستهجن فإن حرمة إدخال النجس في المسجد قد خصصت في موارد عديدة مثل التلوث بالمني و بالدم و الحائض الذي يمرّ في المساجد اجتيازا و كذلك الجنب‌

____________

(1) أقول: اما لو كان هذا ظاهره مراده (مد ظله) فيمكن الإيراد عليه بان هذا الدليل إذا لوحظ بنفسه يكون الاشكال واردا عليه و اما عند ملاحظة الروايات لو فهمنا شيئا فلا ربط له بهذا الدليل.

16

و الصبيان الذين لا يبالون من جهة الطهارة و النجاسة فلا يبقى تحت العام الا موارد قليلة.

و الجواب عنه أولا (1) إنكار جواز دخول الحائض و الجنب و أمثالهم في المساجد فإنه لا دليل لنا على خروجهم و في مثل الصبيان و صاحب الدماميل ندعى تمامية السيرة و اما في غيرهم فلا يمكن لنا ادعاء سيرة على ذلك بل ربما يسئل المتشرعون عن حكم دخول الحائض و المستحاضة في المسجد و هذا بالنسبة إلى العام لا يكون تخصيص الأكثر.

و ثانيا بان الخروج في هذه الموارد يكون بالتخصيص لا بالتخصيص فان دائرة العام يكون ضيقا من الأول و هو إذا ندعي ان عدم الجواز يكون مختصا بصورة إدخال النجاسة مستقلا و اما إدخالها تبعا فلا دليل لنا عليه فعلى هذا يكون الخارج خارجا بالتخصص ضرورة عدم دخوله في العام من الأول و ثالثا على فرض القول بتخصيص جميع هذه العنوانات أيضا لا يلزم تخصيص الأكثر فإن ما بقي تحت العام أيضا بمكان من الكثرة فدلالة الآية على حرمة إدخال النجس في المساجد تامة صغروية و كبروية.

و من الأدلة التي استدلوا بها على عدم الجواز قوله تعالى وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (الحج الآية 22- 26) و تقريب الاستدلال بها هو ان المراد بالطهارة أن إخراج النجاسة عن المساجد واجب و لا فرق بين‌

____________

(1) أقول الظاهر ان المشركين لا يجوز دخولهم في المساجد لمطلق النجاسة أعم من الباطن و الظاهر بل المهم هو منع المشرك لشركة عن معبد المسلمين لئلا يرى من لا يعتقد بالدين في هذا المكان المقدس فإنه هتك للمسلمين و اما غيره من النجاسات أيضا فلو كان هتكا فلا يجوز إدخاله و ما ذكر من موارد المخصص يكون مؤيدا لو لم يكن دليلا فعدم الجواز اى عدم جواز إدخال النجس مختص بصورة الهتك.

17

كون الأمر متوجها الى إبراهيم (عليه السلام) أو نبينا محمد (صلى اللّه عليه و آله) .

و التحقيق هو ان الآية تدل على وجوب الإزالة لأن المراد بالطهارة هو النظافة (1) و هذا مصطلح بين العرب في إزالة النجاسة فالأمر بالتنظيف هو الأمر بإزالة النجاسة و توهم ان الاختصاص بالطائفين و القائمين و الركع السجود يوجب الحكم بتخصيصها بالصلاة و الطواف و يكون الشرط فيهما الطهارة عن النجاسة المعروفة، مندفع بأن الإضافة هنا تشريفية و ذكروا عناية بشأنهم و هذا لا يوجب الاختصاص بشي‌ء فهذه الآية دالة على المطلوب.

و من الأدلة على عدم جواز تنجيس المساجد الروايات: فمنها النبوي (في باب 24 من أبواب المساجد ح 2) قال صاحب الوسائل و روى جماعة من أصحابنا في كتب الاستدلال عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه قال «جنبوا مساجدكم النجاسة».

و تقريب الاستدلال واضح فان المراد بالتجنب عدم إدخال النجاسة و الإزالة على فرض حصولها و قد أشكل عليه سندا و دلالة أما سندا فمن جهة ان الأصحاب حملوا الرواية على ان المراد بالمساجد هو المساجد السبعة في الصلاة و الشرط فيها الطهارة في خصوص مسجد الجبهة وجوبا و في غيره استحبابا كما مر و فيه ان هذا لا يوجب ضعف السند لان عملهم بها و لو في غير المورد يكون موجبا لانجبار ضعفها و هذا البيان للضعف يناسب الضعف في الدلالة فالإشكال متوجه من جهة الدلالة لا السند و اما دلالة فقد عرفت وجه ضعفها مما ذكرنا في مورد ضعف السند و منها ما ورد (في باب 9 من أبواب النجاسات ح 9) عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال سئلته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه أ يصلى فيه قبل ان يغسل قال إذا جف فلا بأس.

____________

(1) هذه اللفظة مشتركة بين التنظيف عن النجاسة و عن الكثافات غيرها و المتيقن منها هو الثاني و لا يكون واجبا لما دل على استحباب تنظيف المساجد الا ما بلغ حد التوهين.

18

و تقريب الاستدلال ان مرتكز ذهن الراوي كان عدم جواز تنجيس المسجد و المنافاة بينه و بين النجاسة فصدقه (عليه السلام) في ذلك الا ان أبوال الدواب و ان كان لا يوجب النجاسة عند الإمامية و لكن أصل تصديق الغريزة لا اشكال فيه و كذلك التفرقة بين الجفاف و الرطوبة يمكن ان تكون لبيان التفرقة بين صورة استقذار الناس حال الرطوبة و عدمه حال الجفاف.

و قد أشكل عليها بان الظاهر منها هو ان الأمر كان دائرا بين ترجيح احد الاستحبابين فان تنظيف المسجد مستحب و إتيان الصلاة في أول وقتها أيضا كذلك فحيث لا يكون في صورة الجفاف شي‌ء ظاهرا ففرّق (عليه السلام) و اما في صورة الرطوبة فتقديم التنظيف اولى و الشاهد ان السؤال يكون عن بول ما يؤكل لحمه الذي هو طاهر.

و فيه (1) ان أصل الغريزة لا يمكن إنكاره و هذه من جهة تصديقها لا اشكال فيها و ما صدر من الجواب يكون لأجل التقية و اما كونها صادرة عن مثل على بن جعفر فلعله كان لمصلحة السؤال عن الواقع بهذا البيان لكونه أيضا في تقية.

و منها صحيحة محمد الحلبي (باب 32 من أبواب النجاسات ح 9) عن أبي عبد اللّه‌

____________

(1) لو لم يكن لنا دليل الا هذه الرواية فيشكل الاستدلال بها لان ما ذكره خلاف الظاهر منها خصوصا مع سؤال على بن جعفر هذا الحكم مع علو شانه و عدم خفاء طهارة بول الدواب عليه فلا يكون بحيث يمكن الاعتماد عليه لانه ما كان في تقية لأنه يمكنه ان يسئل عما هو مسلم النجاسة عندنا و عند العامة على انه يمكن ان يستفاد من الرواية شي‌ء آخر و هو ان كلما صدق عليه عنوان الهتك يجب ان يمنع عنه في المسجد فكأن السائل رأى ان بول الدواب كان مصداقا للهتك و لو لم يكن نجسا، فأرشده الإمام (عليه السلام) بأن صورة الجفاف لا يصدق عليه هذا العنوان و صورة الرطوبة يصدق و عند التأمل ان غريزة العرف على ذلك و على فرض عدم القبول هنا أيضا لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية لهذا الاحتمال العقلائي.

19

(عليه السلام) قال قلت له ان طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه و ليس علىّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته فقال أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة قلت بلى قال فلا بأس ان الأرض تطهر بعضها بعضا قلت فأطأ على روث الرطب فقال لا بأس انا و اللّه ربما وطئت عليه ثم أصلي و لا اغسله.

و منها صحيحة أخرى (ح 4) عنه قال نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قدر فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال اين نزلتم فقلت نزلنا في دار فلان فقال ان بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له ان بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا فقال لا بأس ان الأرض تطهر بعضها بعضا قلت فالسرقين الرطب أطأ عليه فقال لا يضرك مثله.

و تقريب الاستدلال بهما هو ان السؤال يكون من جهة ان السائل رأى المنافاة بين المسجد و النجاسة فسئل عن حكم تلويثه بواسطة تلويث الرجل بالنجس، و قد أشكل على الحديث الأول عنه بان المراد من السؤال هو حكم الصلاة لا المسجد و هو لا اشكال فيه. و الجواب عنه ان عنوان السؤال يكون عن المسجد و الا فلأي نكتة ذكر المسجد فيه و احتمال ان الغالب في المحلات ان يصلى الناس في مسجدها القريب من دارهم بعيد.

ثم هنا كلام عجيب عن المحقق الهمداني و أعجب منه انه تبعه بعض المعاصرين و هو الاستدلال بروايات الطم و جعل الكنيف مسجدا على جواز تنجيس باطن المساجد و هي قد وردت في باب 11 من أبواب المساجد عن الحلبي و ابن سنان و مسعدة بن صدقة و غيرهم فنذكر بعضها تيمنا، فعن الحلبي في حديث انه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فيصلح المكان الذي كان حشا زمانا ان ينظف و يتخذ مسجدا فقال نعم القى عليه من التراب ما يواريه فان ذلك ينظفه و يطهره و عن عبد اللّه بن سنان في حديث قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكان يكون حشا زمانا فينظف و يتخذ مسجدا فقال الق عليه من التراب حتى يوارى فان ذلك يطهره إنشاء اللّه.

20

و هذه كما ترى تدل على جواز أخذ المكان الحش مسجدا بواسطة طمه بالتراب و اما استدلال الهمداني (قده) فهو ان من الواضح ان التراب لا يوجب طهارة المكان الذي كان قذرا و الإجماع على عدم جواز تنجيس المساجد و كذلك الهتك يكون المتيقن منها عدم جواز تنجيس ظاهرها لا باطنها فمقتضى الجمع ان عدم الجواز مختص بالظاهر و الجواز بالباطن و الدليل عليه روايات الطم.

و الجواب عن ذلك هو انه تارة يفرض الباطن مسجدا و تارة خارجا عنه و الكلام يكون على الفرض الأول فعليه يكون الدليل الدال على عدم جواز تنجيس المساجد شاملا له و ما تمسك به من الإجماع و الهتك لا يكون فقط دليلا بل الإجماع لا أساس له عندنا لأنه سندي، بل الدليل الروايات و الايات التي ذكرنا تمامية دلالتها عليه و هي لا تختص بالظاهر فقط و اما روايات الطم فصاحب الجواهر (قده) حيث رأى المنافاة بين المسجد و النجاسة قال انها مختصة بالمورد و هو جعل الكنيف مسجدا و اما نحن فنقول ان للواقف ان يجعل الوقف كيف شاء فان الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها فيمكن ان يجعل الطبقة الفوقانية مسجدا و التحتانية كنيفا أو حانوتا و بالعكس فيكون المناط نظر الواقف في السعة و الضيق فيمكنه ان يجعل بعض الجدار غير مسجد و بعضه مسجدا و على فرض الإطلاق يحول في تعيين الملكية إلى العرف بالنسبة إلى الفوق و التحت فتارة يكون نظر الواقف مانعا عن سريان الوقف الى بعض المواضع و ربما يكون المانع شرعيا ففي المقام لما يكون المنافاة بين المسجد و النجاسة نقول تحت المسجد الذي هو الكنيف لا يصير مسجدا من الأصل و المانع النجاسة فلا وجه لما زعموه من كونه مسجدا و مع ذلك يجوز ان يكون نجسا.

فتحصل من جميع ما ذكرناه ان نجاسة المسجد بالتلويث حرام كما في رواية الدابة التي تبول و في الروايتين عن الحلبي و كذا إدخال النجاسة فيه حرام كما فهمنا من آية النهي بالنسبة إلى المشركين و بالأولوية أيضا يمكن استفادة‌

21

حرمة التلويث و كذا في صورة صدق عنوان الهتك يشمله دليله و الإجماع لا وقع له عندنا.

قوله و طرف الداخل من جدرانها بل و الطرف الخارج على الأحوط الا ان لا يجعلها الواقف جزء من المسجد. بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزء لا يلحقه الحكم.

أقول يظهر من هذه العبارة عدم الفرق بين الخارج و الداخل فان كان الدليل على حرمة تنجيس المساجد هو صدق عنوان الهتك فنحن ندعى صدقه في المقام فلا يجوز الا انه كما ذكرنا يكون للواقف ان يجعل بعضا من البناء المتصل به غير مسجد كان يجعل جدران الخارج غير موقوف على المسجدية و رواية على بن جعفر التي كانت في أبوال الدواب كانت شاملة للمقام بتصريح السائل السؤال عن الجدار و الغالب ان الدواب لا يكونون في المسجد بل يكونون في خارجه و إدخالهم محمولا عليهم الجص و أمثاله للبناء يكون نادرا على ان احترام خارج المسجد يمكن ان يقال اولى (1) من احترام داخله، و العجب ممن اعترف بكون الخارج مسجدا و لم يقل بحرمة تنجيسه مستندا الى ان الظاهر من الروايات هو حرمة نجاسة داخلة.

قوله: و وجوب الإزالة فوري فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي و يحرم تنجيسها أيضا بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها و ان لم تكن منجسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها بل مطلقا على الأحوط و اما إدخال المتنجس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك.

أقول: اما الدليل على وجوبها فوريا فهو ان الأوامر لو قلنا بأنه يكفي في امتثاله إتيان صرف الوجود بفرد من الافراد مثل إتيان صلاة بعد الأمر بها و لكن في النواهي نقول ان الطبيعة السارية مراد منها لا صرف الوجود لان‌

____________

(1) ادعاء الألوية ممنوع لا أقل من التساوي لو لم يكن أضعف و الشاهد العرف.

22

امتثالها لا يمكن الا بترك جميع الأفراد ففي المقام أيضا نقول بان وجوب الإزالة فوري لأن التأخير ينافي امتثال ما هو بلسان النهي و اما ما كان لسانه الأمر مثل «جنبوا مساجدكم النجاسة» أو «طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ إلخ» فأيضا بتناسب الحكم و الموضوع يكون مفاده مفاد النهي على ان الدليل على عدم التلويث لو كان صدق الهتك فهو من العناوين التي لا يمكن التخصيص فيها فيأبى عنه فان الهتك في أول الزمان مثل الهتك في آخره فلا إشكال في وجوب الإزالة فورا.

و اما إدخال المتنجس في المسجد فهو أيضا يختلف حسب اختلاف المباني فإن كان المبنى ما ذكرنا سابقا من ان القدماء ما كان عندهم عنوان خاص للمتنجس بل هذا مما حدث في المتأخرين فيكون النهي عن إدخال النجاسة نهيا عنه و الا فلا و هذا في صورة عدم لزوم التلويث يكون منه. و اما لو كان الدليل على حرمة التنجيس صدق عنوان الهتك فهذا يدور مداره فان جعل القصار الألبسة التي تكون متلوثة بالمني و الدم و العذرة و البول في المسجد مثلا إذا أراد الصلاة جماعة مثلا أو لغير ذلك من الأغراض التي لازمها بقاء ذلك فهذا يكون هتكا و اما الدخول مع ثوب نجس و إخراجه عن البدن لإرادة الصلاة مثلا فلا يصدق عليه هذا العنوان.

في أن وجوب الإزالة عن المسجد كفائي

[مسألة 3- وجوب الإزالة عن المساجد كفائي]

مسألة 3- وجوب الإزالة عن المساجد كفائي فلا يحرم و لا اختصاص له بمن نجسها أو صار سببا فيجب على كل أحد.

أقول الأقوال في ذلك ثلاثة: الأول ان الوجوب كفائي مطلقا سواء كان الملوث شخصا معينا أو غيره الثاني ان يكون الوجوب بالنسبة إلى المعين عينيا و في صورة العصيان كفائيا للبقية و الثالث ان يكون الوجوب بالنسبة إلى الجميع كفائيا الا ان للمعين نحو اختصاص بوجوب الإزالة من باب لزوم الضمان، و لبيان‌

23

ذلك نقول مختصرا ان وزان الوجوب الكفائي بالنسبة الى الافراد مثل الوجوب التخييري في الواجب مثلا الكفارة بصوم شهرين أو إطعام ستين مسكين أو عتق رقبة، يكون الوجوب فيها بنحو التخيير كذلك لو كان إتيان ما لا يقبل التكرار على الجميع فإذا كان أمر ظاهره للعموم و لا يقبل متعلقة التكرار فلا بد ان يقال انه كفائي ففي المقام نقول الدليل على القول الأول و هو المختار هو ان ازالة النجاسة عن المسجد لا تقبل التكرار و خطاب جنبوا مساجدكم أو غيره لا يتوجه الى شخص دون آخر و لا يكون مقيدا بمن لوثه أو غيره فلا بد ان يقال انه يشمل الجميع و دعوى التعيين بالنسبة إلى الملوث غير وجيه لأن إيجاد الموضوع للحكم و ان كان حراما له و لكن لا يلازمه وجوب الإزالة عينا.

و اما الدليل على القول الثاني: فهو ان الترتب في الخطاب الذي كان في موارد أخر يكون في المقام أيضا و مجرد تصوره يساوق وقوعه فان المثال للترتب هو مسألة إنقاذ الغريقين الذين أحدهما أهم من الآخر فان الخطاب متوجه أولا إلى الأهم و عند عصيانه الى المهم فان المناط في ذلك هو العقل عند تزاحم الملاكين فكذلك في المقام نقول ان الخطاب يتوجه أولا إلى المباشر و عند عصيانه فالى جميع المكلفين كفاية ضرورة عمومية الحكم و عدم جواز هتك المساجد.

و الجواب عنه ان شرائط كونه واجبا كفائيا يكون في المقام موجودة من ان المأمور به غير قابل للتعدد و ان ظاهر الخطاب بقوله جنبوا مساجدكم عن النجاسة أو غيره عام و الشخص المعين ما أوجد الا الموضوع للحكم و هو تلويث المسجد و لا دليل لنا على اختصاصه بالخطاب الا هذا أو هو كما ترى غير قابل كما هو الظاهر.

و الدليل على القول الثالث هو ان الخطاب و ان كان عاما شاملا للجميع الا ان المعين بإيجاد الموضوع وجد فيه خصيصة لنحكم أولا بأن الواجب عليه التطهير‌

24

و على فرض العصيان فهو واجب على البقية و هو انه بواسطة تنجيسه المسجد أوجد نقصا فيه و الضمان عليه و هو ان التطهير يحتاج إلى مؤنة و لا يمكن ان يقال ان مؤنة هذا العمل على غير هذا الشخص فان من أتلف (1) مال الغير فهو له ضامن فتحصل ان الضمان صار سببا للاختصاص و لو كان الخطاب عاما.

و الجواب (2) عن ذلك هو ان مؤنة الإزالة تكون عند ارادتها فتكون من مقدماتها و هي واجبة على كل من أراد إتيان الواجب فان قلت ان السبب هنا أقوى من المباشر اعنى من نجس يكون أقوى ممن يريد الإزالة في الضمان. قلت تسليم اقوائية الحكم بالنسبة إلى السبب الأقوى عن المباشر يكون في صورة كون المباشر غير مختار مثل من حفر بئرا فيقع فيه من لا يلتفت و هنا يكون المباشر مختارا في الفعل و الترك على ان السبب لذلك هو أمر اللّه تعالى بالإزالة فلو لم يكن ما وجدنا وجها لوجوبها فلا يكون المنجس سببا لذلك فهو و غيره مساو في توجه الأمر اليه على ان الضمان يتصور في صورة إيجاب التطهير نقصا في المسجد كخرابه و احتياجه الى التعمير و اما على فرض العدم فلم يتلف شيئا فتحصل ان الصحيح هو فتوى المصنف بوجوب الإزالة كفاية و ما يتوهم وجها للاختصاص غير وجيه.

____________

(1) الظاهر ان هذا الشخص ما أتلف شيئا بل أوجد الضرر و لو شئنا رفعه يجب ان نتمسك بقاعدة لا ضرر فإنها على فرض كونها مثبتة للضمان توجب ان نقول في المقام به و اما على فرض العدم كما عن بعض و عليه الأستاذ في بحث أصوله فلا.

(2) و أضف اليه ان وجوب مخارج التطهير على شخص بعينه يتوقف على توجه الخطاب اليه بعينه فيتوقف التعيين على الضمان و هو على التعيين ضرورة أن مخارجه يكون من مقدمات الواجب فان من أراد إزالة النجاسة عن المساجد لا بد له ان يصرف مؤنة مقدمة للمأمور به و مقدمة الواجب واجبة و لا ربط لها بالمعين إذا كان الخطاب عاما فهذا الشخص و ان كان معاقبا لهتك المسجد و لكن لا يختص الأمر به فإنه و غيره مساو في الحكم بوجوب الإزالة.

25

و في صحة الصلاة عند وجوب الإزالة

[مسألة 4- إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة]

مسألة 4- إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها و مع الضيق قدمها و لو ترك الإزالة مع السعة و اشتغل بالصلاة عصى لترك الإزالة لكن في بطلان صلوته اشكال و الأقوى الصحة هذا إذا أمكنه الإزالة و اما مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحة صلوته و لا فرق في الاشكال في الصورة الأولى بين ان يصلى في ذلك المسجد أو في مسجد آخر و إذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الإزالة.

أقول اما وجوب المبادرة إلى الصلاة فلأنهما واجبتان و لهما ملاكان فحيث يمكن إحراز ملاك أحدهما بواسطة تقديمه على الأخر مثل تقديم الإزالة على الصلاة فلا محالة يجب ذلك و اما إذا كان وقت كليهما مضيقا فيلاحظ أقوى الملاكين و يمكن ان يقال ان الأقوى هو الصلاة لأنها معراج المؤمن. و قربان كل تقى. و عمود الدين. هذا على مقتضى القواعد، ثم على فرض العصيان و تقديم الصلاة مع سعة وقتها فقد اختلف في صحتها و فسادها فأشكل المصنف (قده) و قوى الصحة و هو المختار.

و قد ذكر النراقي في المستند في وجوب الإزالة عن المسجد الفرع الأول للقول بالصحة وجوها: منها ان الأمر بإزالة و ان كان فوريا و لكن الفور هو العرفي لا الدقى و مثل إتيان صلاة لا ينافيه. و فيه ان الإتيان بالصلاة يعد عرفا من تأخير أمر الإزالة، خصوصا بالنسبة الى من تطول صلاته و اما مثل خلع اللباس من العباء و العمامة و أمثال ذلك مما يكون من مقدمات التهيأ لتطهير المسجد فلا يعد تأخيرا عرفا و كذلك مقدماته التي تكون تحسينا لها مثل أخبار أحد للمعاونة و أمثال ذلك و منها ان دليل الإزالة لا يكون مطلقا حتى يشمل صورة وجود المزاحم‌

26

مثل الصلاة فان الفورية تكون واجبة في صورة عدم مزاحمتها لأمر عبادي مثل الصلاة لأن الدليل على وجوبها هو الإجماع و الهتك و الأول يكون المتيقن منه غير هذه الصورة و لا ينطبق العنوان الثاني على المقام فلا إشكال في صحة الصلاة و فيه ان الدليل لا يكون منحصرا بهما حتى لا يمكن أخذ الإطلاق منه بل على ما ذهبنا اليه ان الروايات و الآيتين تامة الدلالة على ذلك و لا إشكال في أخذ الإطلاق منهما فحينئذ تصير النسبة بين هذا الدليل و دليل الصلاة العموم من وجه فمورد الافتراق الصلاة في غير مورد الإزالة و مورد الإزالة في غير وقت الصلاة و المعارضة و الاجتماع في الصورة التي نحن فيها و مقتضى ذلك التخيير لا الرجوع الى إتيان العمل على طبق أمر الإزالة.

و الجواب عن هذا الوجه هو انه على فرض الإطلاق فيها يجب الحمل على الفرد الغير المزاحم فان إتيان الصلاة لمّا يمكن في غير هذا الوقت ضرورة سعة وقتها فلذلك يؤخر أمرها و يؤتى بالإزالة ضرورة ضيق وقتها فالمرجح لأحدهما على الآخر موجود.

و أجاب عنه بعض المعاصرين بان الجمع العرفي كذلك على فرض تسليمه لا يتم المطلوب لأن الصلاة التي يريد تصحيحها يختلف الصحة فيها على حسب اختلاف المباني فإن كان المبنى مبنى من يقول بان الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده فهذه الصلاة لما تكون ضدا للإزالة تكون منهية عنها و لا يخفى ان النهي في العبادات يوجب الفساد و اما على مبنى من هو قائل بالترتب و هو ان من لم يأت بالأهم و هو الإزالة يكون عليه الأمر بالمهم و هو الصلاة كمن ترك نجاة من هو الأهم من الغرق فإن الأمر بنجاة المهم بعد بحاله. فلا يكون المبنى تاما عندنا في المورد لان الترتب و ان كان تصوره يوجب التصديق به و لكن يكون في صورة كون الواجبين ذا ملاكين و لا يمكن اتيانهما لضيق الوقت و عدم الإمكان و اما في مقامنا هذا فإنه يمكن إتيان الصلاة و إحراز ملاكها في غير هذا الوقت فأين الترتب‌

27

حتى يصحح الصلاة به، ثم قال ان التحقيق في المقام ان الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضده فلا تكون الصلاة منهية عنها غاية الأمر انها لا تكون مأمورة بها ضرورة عدم صحة الترتب أيضا في المقام و لكن مع ذلك كله يمكننا ان نقول بالصحة ببيان ان الأمر و ان لم يكن في المقام لهذا الشخص و لكن الملاك تام و الأمر الذي كان على الطبيعي يكفينا في ذلك لأنه أمر سعى على الصلاة و لا إشكال في كون هذا الفرد غير مأمور به بأمر شخصي فلا يمكن تصحيحها الا على حسب هذا المبنى لا ما ذكره المستدل من التخيير.

و الجواب عنه ان الأمر الذي يكون على الطبيعي يكون بلحاظ الأفراد الخارجية و ينحل بعددها فكيف يمكن ان يقال ان الأمر على الطبيعي يكفي لذلك ما دام لم تكن مأمورة بها بشخصها.

الإشكال الثاني على القول بالصحة من باب التخيير هو ان هذا تخيير أصولي فما دام عدم اختيار المجتهد أحدهما لا يمكن تصحيح الصلاة.

و فيه انه لا غر في ذلك فإنه إذا اختار أحدهما يكون عليه حكمه، و التحقيق في المقام هو صحة الترتب و على فرض عدم القول به في المقام فيمكن تصحيح العبادة بالملاك اما صحة الترتب فلانه لا يختص بمورد لا يكون لأحد الطرفين توسعة فإن حكم العقل بإتيان المهم بعد ترك الأهم يكون في الموردين لأن الأوامر انحلالية و عليه فالفرد من الصلاة التي تكون مزاحما بالإزالة يكون له أمر غاية الأمر انه في طول الأمر بالإزالة فحيث عصى أمر الأهم و هو الإزالة يكون أمر المهم بحاله كما في صورة عدم إنقاذ الأهم فإن الحاكم في كلا المقامين يكون العقل و لا يرى فرق بينهما نعم لو لم نقل بالانحلال نكشف عنه عدم وجود أمر لهذه الصلاة المزاحمة مع الإزالة و لكن التحقيق خلافه.

و اما بيان الصحة بالملاك فهو ان الصلاة الكذائية في المقام على فرض عدم الأمر بها لوجود المزاحم تكون مملوة من الملاك ضرورة ان الخطابات إذا‌

28

سقطت حجيتها لا يسقط ظهورها فإن الأمر الذي يكون على طبيعة الصلاة نكشف منه ان هذا المركب له مصلحة و انها مطلوبة و مرادة فإذا سقطت حجية الأمر لا يسقط ظهوره (1) في وجود المصلحة، و بعبارة اخرى ان الظهور في الملاك و ان كان تابعا في الوجود للأمر و لكن في البقاء لا يحتاج اليه و اما ما ذهبوا اليه من تمامية الملاك بواسطة إطلاق المادة فهو غير مقبول عندنا لأن في المقام يكون ما يمنع عن الإطلاق و هو احتمال دخالة الخطاب في ذلك فالحق ما ذكرناه من البيان فاذن نحكم بان الصلاة التي تكون مملوة من المصلحة تكون صحيحة عند إتيانها و لو عند وجوب الإزالة و هذا على فرض عدم كون الأمر بالشي‌ء مقتضيا للنهى عن ضده كما هو الحق و الا فلا تكون لها مصلحة أصلا و على فرض عدم تبعية الملاك لبقاء الحجية أيضا.

لا يقال على فرض تسليم وجود الملاك لا يمكن إحراز أنه مطلوب للمولى و هذا يكون من باب مدح اللؤلؤ لصفائه لا لانه مطلوب فالصلاة التي يكون الكلام فيها من هذا القبيل و قصد القربة يحتاج إلى إحراز الأمر لأنا نقول لما كان له ما صار منشأ للأمر بها و في الان أيضا يكون له شأنية فلا إشكال فالمصلحة ملزمة يجب الجري على طبقها.

[مسألة 5- إذا صلى ثم تبين كون المسجد نجسا]

مسألة 5- إذا صلى ثم تبين كون المسجد نجسا لكانت صلوته صحيحة و كذا إذا كان عالما بالنجاسة ثم غفل و صلى.

أقول لا مجال للبحث في هذه المسألة الا بعد الفراغ عن أن الصلاة حين وجوب الإزالة مع العلم بالنجاسة باطلة و اما على فرض القول بالصحة بإحراز الملاك أو بالترتب فلا إشكال في صحتها مع الغفلة أو مع الجهل فعلى الأول حكم هذا يختلف حسب اختلاف المباني، فإن قلنا ان الأمر بالصلاة و بالإزالة متزاحمان و بملاك توسعة الوقت للصلاة يحمل الأمر بها على الفرد الغير المزاحم حفظا لغرض‌

____________

(1) قد مر منا مرارا عدم تسليم بقاء الظهور في الملاك و التبعية وجودا و بقاء فلا سبيل لنا الا القول بالصحة من باب الترتب على فرض تسليمه في المقام.

29

المولى فالفرد المزاحم للإزالة لا أمر له حينئذ و لا فرق في ذلك بين علم الشخص بذلك أو جهله ضرورة ان التقييد واقعي و لا يكون منوطا بالعلم و تخيل الأمر عند الجهل أو الغفلة لا شأن له و عند عدم وجود أمر لها لا تكون صحيحة اما لاحتياج العبادة الى الأمر أو لعدم انكشاف الملاك بعد الأمر نعم لو بنينا على ان المزاحمة تكون في صورة العلم فقط فيتجه القول بالصحة و لا فرق في ذلك بين الجهل البسيط و المركب و الغافل إذا لجميع متساو في عدم أمر محرك بالنسبة إليهم و الفرق بين الشاك بالشك البسيط و غيره بإمكان الاحتياط في حق الأول دون غيره غير وجيه لان كل واحد منهما يكون غير معلوم و لكن التحقيق ان الخطابات لا يكون مقيدة بالعلم بها.

و اما لو كان المبنى ان الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده فهذه الصلاة تكون منهية عنها و يصير المقام من باب اجتماع الأمر و النهي ففي ذلك الباب سواء قلنا بالاجتماع أو بالامتناع فلازم ذاك أيضا صحة الصلاة و بعبارة واضحة ان هنا كلاما لشيخنا النائيني (قده) من باب تطبيق كبريين نقحهما في الأصول على المقام و هو ان الأمر بالشي‌ء إما يكون مقتضيا للنهى عن ضده أولا فعلى الثاني و هو التحقيق ان المقام يكون من باب تزاحم الملاكين غاية الأمر في صورة الجهل مركبا أو بسيطا و الغفلة لا يصير الخطاب بالنسبة إلى الأهم معجزا فعليا و اما بالنسبة إلى المهم يكون فعليا فلا محالة تصح الصلاة و يصير الجهل و الغفلة منجزا عن تعلق التكليف به و اما في صورة العلم بهما فان التكليف لما يكون بالنسبة إليهما فعليا لا يمكن القول بالصحة الأمن باب الترتب أو الملاك.

و فيه ان الخطاب لو كان توجهه الى كل شخص ملتفت أو العالم به يلزم دور العلامة لأن العلم به يتوقف عليه و هو على العلم به و على فرض عدم الاشكال يمكن توجيه كلام الأستاذ (قده) و لكن لا يكون كذلك بل يكون من باب ضرب القانون الذي لا يلاحظ فيه كل شخص بعنوان بل يجعل المقنن ذلك قانونا بحيث‌

30

يشمل النائم و الغافل و الجاهل كل منهم إذا رفع المانع عنه يتوجه بأنه كان له تكليف و فائدة هذا الجعل هو عدم الاحتياج الى تكرار الحكم بالنسبة الى كل فرد يلتفت بعد أو يعلم، فخطاب أقم الصلاة يكون مثل قوله الصلاة واجبة و عليه فلا وجه للفرق بل للجاهل و غيره أيضا خطاب فعلىّ فلا يصح كلام الأستاذ (قده) و اما لو كان الأمر بالشي‌ء مقتضيا للنهى عن ضده ففي المقام ان الصلاة في مورد الإزالة تكون منهية عنها فاجتمع الأمر و النهي ففي بابه ان قلنا بالامتناع يصير المقام من باب التعارض لأن الملاك لا يكون إلا لأحدهما و اما على فرض الاجتماع فيصير الكلام فيه أيضا مثل ما سبق بان التكليف لا يكون فعليا بالنسبة إلى الجاهل لعدم الالتفات إلى النهي و مفسدته، و فيه ان المقام لا ربط له بباب اجتماع الأمر و النهي حتى ينتج الجواز و عدمه في المقام شيئا لأن ما هو مركز البحث فيه هو ان يكون لنا عنوان ذو مفسدة مثل الغصب و آخر ذو مصلحة مثل الصلاة فاجتمعا في عمل واحد و اما المقام فيكون العنوان واحدا و هو الصلاة و لا يكون اجتماع الأمر و النهي فيه الأمن باب التعارض لا التزاحم فهذا الكلام منه (قده) أيضا لا يصح فالصحيح ما ذكرنا من ان وجود الملاك في ظرف العلم يوجب الصحة فضلا عن الجهل.

ثم انه لو اشتغل احد بتطهير المسجد فهل يجوز لغيره الاشتغال بالصلاة أم لا فيه خلاف فمقتضى التحقيق هو ان هذا الشخص كما له ان يفعل سائر الأفعال الوجودية كذلك له ان يشتغل بالصلاة و هذا مما يشهد به العرف لأصالة بقاء هذا الشخص على تطهير المسجد فكأنهم يرون التكليف ساقطا بواسطة شروع احد فيه و ان كان مقتضى الدقة عدم جواز الدخول في الصلاة حين عدم طهارة المسجد و هذا أيضا يفرق فيه حسب اختلاف الموارد فإذا كان أمكنة متفرقة من المسجد نجسا و اشتغل احد بتطهير موضع منه يمكن ان يقال يجب على الأخر الاشتغال بالطرف الأخر على فرض الإمكان.

31

في الالتفات إلى النجاسة في أثناء الصلاة

قوله: اما إذا علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة فهل يجب إتمامها ثم الإزالة أو إبطالها و المبادرة إلى الإزالة وجهان أو وجوه و الأقوى (1) وجوب الإتمام.

أقول للمسألة صور ثلاث: الأول ان يكون عالما بالنجاسة قبل الصلاة فدخل فيها ناسيا ثم التفت في الوسط. الثانية ان لا يكون قبل الصلاة عالما بها و انما علم بها حينها و علم انها كانت من قبل الدخول و الثالثة ان يحدث النجاسة في وسط الصلاة فعلم بها.

و الأقوال هنا ثلاثة: الأول قول المصنف (قده) بأن الأقوى وجوب الإتمام و لا يفرق في هذه العبارة بين ان يكون العلم بها قبلها أو حينها أو كان الحدوث حينها. الثاني التخيير بين الإتمام و القطع ثم الإزالة. الثالث ان تصير الصلاة منبطلة بواسطة العلم بها.

و نحن نتكلم أولا في مختار السيد (قده) و نذكر دليله و لا يخفى عليكم أنه تارة يكون الكلام فيما مضى من الصلاة و تارة في ما سيأتي و الكلام في الباقي فرع القول بصحة ما مضى و أهليته للحوق سائر الاجزاء به.

اما الدليل الأول للسيد فيمكن ان يكون ما ذكرناه سابقا بان الفورية التي تعتبر (2) في الإزالة هي الفور العرفي فعلى هذا ان صدق عرفا فلا إشكال في صحة الصلاة فان إتمامها لا يضر بها كمن يكون مشغولا بأكل الطعام فصار المسجد نجسا في أواخره و لا اختصاص بهذه الصورة بل من الأول على هذا الفرض مع العلم‌

____________

(1) و هو الأحوط من التخيير أيضا.

(2) أقول بل على ما نسبه إليه في المستمسك هو قصور دليل وجوب الفور لمثل هذه الصورة و العمدة في دليله أيضا الإجماع، و الآية في إطلاقها لمثل هذه الصورة منع.

32

بالنجاسة يمكن القول بصحة الصلاة و هذا بالنسبة الى ما مضى في صورة كون الحدوث حين الصلاة واضح و كذا في غيره من الصورتين و بالنسبة الى ما سيأتي أيضا كذلك ضرورة عدم صدق التراخي و لو مع الإتمام على انه على فرض عدم صدق الفور العرفي فلما كان تقديم أمر الإزالة على أمر الصلاة فيما نحن فيه من باب التزاحم و ملاحظة الأهم و هو الإزالة ففيما نحن فيه لا يثبت لنا أهمية الإزالة على الصلاة فإن المتيقن منها هو صورة العلم بالنجاسة قبل الدخول فيها و اما بعده فلا فان الدليل منصرف عنه.

و الاشكال عليه هو ان الدليل على وجوب الإزالة لو كان الإجماع يمكن ان يؤخذ عنه القدر المتيقن و اما على ما هو التحقيق من انه لنا دليل لفظي عليها فلا لان قوله (صلى اللّه عليه و آله) «جنبوا مساجدكم النجاسة» ينحل الى جميع الأزمنة حتى الآن الأول فيرجع في الواقع إلى النهي فكما ان امتثال نهى شرب الخمر يكون في صورة ترك جميع افراده فكذلك المقام. و الانصراف الذي يمكن ان يدعيه في غير محله فإنه على فرض صدق التراخي و التوهين لا يمكن القول بان الواجب هو إتمام الصلاة و على ما نقول (1) أيضا لا يمكن سواء صدق التوهين أم لا.

الدليل الثاني للسيد (قده) هو الاستصحاب و بيانه انا قد علمنا وجوب الإتمام قبل العلم بالنجاسة و بعده إذا شك فيه فيستصحب و يترتب عليه عدم وجوب الإزالة في هذا الحين.

____________

(1) أقول ان القول بانّ الأمر بالاجتناب متحقق و لو لم يصدق الهتك و التوهين يرجع الى التعبد المحض و هو بعيد عن الذوق و يمكن ادعاء الانصراف في هذا المورد و اما صورة الصدق فلا.

33

و قد أشكل عليه بعض المعاصرين بان المقام لما يكون من دوران الأمر بين المتزاحمين لا مجال للاستصحاب فإنه يجب ملاحظة أقواهما ملاكا و على فرض عدم إحرازه فالتخيير و جريانه انما يكون في صورة عدم وجود الدليل الشرعي لا في صورة وجوده و بعبارة أخرى لما يكون منشأ الشك في هذه الصورة هو ترديد العقل بين ذا أو ذاك لا يمكن الاستصحاب.

و الجواب عنه هو ان عدم القول بالاستصحاب في سائر موارد المتزاحمين يكون لنكتة عدم الحالة السابقة لأحدهما فلو كان، يمكن استصحابه و اما الإيراد بأن منشأ الشك يكون من ترديد العقل فأيضا لا وجه له لأنا نحتاج في الاستصحاب الى يقين سابق و شك لا حق سواء كان منشأه العقل أو النقل فالإشكال بهذا الطريق غير وارد عليه.

و التحقيق في الجواب هو ان يقال ان المقام لما يكون لنا دليل شرعي لا تصل النوبة إلى الاستصحاب و الحالة السابقة في أحدهما لا توجب سقوط الأخر عن الدليلية فالاستصحاب أيضا غير جار فتحصل عدم تمامية الدليل الأول فلا محالة نقول بإبطال الصلاة و وجوب الإزالة قبلها.

و اما الدليل على القول بالتخيير فهو ان الدليلين اى دليل وجوب الإزالة و وجوب الإتمام اما ان يكونا لفظيين أو عقليين أو أحدهما عقلي و الأخر لفظي فإن كان من قبيل الأول فكل واحد منهما مطلق يشمل المورد فالنتيجة التخيير و ان كان من قبيل الثاني فأيضا كذلك بان نقول دليل وجوب الإزالة فورا يؤخذ فوريته من الإجماع و كذلك وجوب إتمام الصلاة و حرمة قطعها. فحيث لم يقم دليل لفظي على ذلك و ما ورد من ان تحريمها التكبير و تحليلها التسليم يكون لبيان الحكم الوضعي و ان القاطع و المانع يؤثر من هذا الحين فلا سبيل لنا الى القول بوجوب الإتمام فتصير النتيجة التخيير و اما ان كان دليل الإزالة لفظيا و دليل وجوب الإتمام عقليا فلازمه التقديم و كذلك العكس، و لكن لا يكون كذلك.

34

و الجواب عنه انه ثبت عندنا كما مر ان دليل وجوب الإزالة لفظي و دليل حرمة قطع الصلاة هو الإجماع و المتيقن منه غير هذه الصورة فتبطل الصلاة و تجب الإزالة مقدما عليها، هذا كله حكم من أراد موافقة التكليف و اما لو عصى أو تم صلوته فالكلام فيه هو الكلام فيما سبق فإنه مثل من كان عالما بالنجاسة من أول الصلاة فإن قلنا بالترتب فيه ففي المقام كما هو التحقيق نقول بصحتها أو القول بان هذه الصلاة مأمور بأمر الطبيعي و لو لم يكن لشخصها أمر أو نقول بما هو التحقيق من ان الملاك الملزم موجود و لو لم يكن له أمر كما مر. (1)

[مسألة 6- إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا]

مسألة 6- إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا بما يوجب تلويثه بل و كذا إذا كانت النجاسة أشد و أغلظ من الاولى و الا ففي تحريمه تأمل بل منع (2).

أقول ان النجاسة اما ان تكون متعدية إلى الأطراف أولا و مع عدمها اما ان تكون مما يوجب الشدة مثل البول بالنسبة إلى الدم أولا و على فرض العدم اما تكون موجبة لهتك المسجد مثل العذرة على البول أو لا يكون كذلك مثل ماء فم الكافر عليه و توضيح هذا المسألة يحتاج الى البحث عن أمور: الأول قد مر من ان المتنجس يتنجس ثانيا على ما هو التحقيق و ان قال المصنف (قده) بعدمه كما مر و حكم في صورة اختلافهما و احتياج أحدهما إلى التعدد بحكم ما هو أشد و كان في كلامه تهافت لأن أصالة عدم تداخل السبب و المسبب تكون مسلمة عندنا سواء‌

____________

(1) الى الآن ما حصل لي وجه وجيه لملزمية الملاك مع عدم الخطاب و هكذا ان الأمر بالطبيعى لا يكفي في كون الشخص مأمورا به فيبقى القول بالترتب و هو أيضا محتاج إلى التأمل في مثل المقام و ان كان الظاهر صحته في المقام أيضا لأن المناط فيه هو حكم العقل بإتيان المهم بعد ترك الأهم.

(2) بل الأقوى الحرمة.

35

كان الأسباب مختلفة مثل البول و الدم أو متحدة مثل البول مع البول فان كل فرد من النجاسة يوجب فردا آخر من النجس غاية الأمر لنا دليل آخر على ان الشي‌ء الذي تنجس بالبول مثلا مرات عديدة لا يحتاج إلى أزيد من الغسل مرتين و هذا في صورة اختلافهما واضح لأن نجاسة الدم و البول متخالفان لا متضادان و في صورة كونهما متماثلين أيضا لا يكون مثل المتماثلين الذين لا يمكن اجتماعهما في مكان واحد حتى يقال انهما كالمتضادين بل هي مما يقبل الشدة و الضعف فهو كانت النجاسات واقعيات كشف عنها الشرع نقول بهذا القول و ان لم يكن سوى الأمر بالاجتناب فكل فرد من النجاسة يوجب وجود موضوع آخر للأمر بالاجتناب عنه.

الأمر الثاني بعد قبول انها مما تقبل الشدة فإطلاق دليل وجوب الإزالة يشمله في صورة كون النجاسة الثانية مما يوجب الاشتداد من جهة الحكم كالنجاسة البولية بالنسبة إلى الدموية.

الأمر الثالث انه في صورة عدم كون النجاسة مما يوجب الاشتداد فاما يوجب الهتك كان يصير المتنجس بالبول مثلا متنجسا بالعذرة ثانيا و اما ان لا يوجب الهتك كان يصير نجسا ثانيا بلعاب فم الكافر فهل يشمله دليل الحرمة أم لا وجهان: فربما يقال بالأول لأن الآية الشريفة تشمل المقام أيضا و ما خرج من إدخال النجاسة في المسجد بالسيرة لا يشمل صورة كونه موجبا للتلويث المهتك و على اى حال ففي صورة لزوم الهتك يحرم لانه خلاف التعظيم الواجب.

الأمر الرابع و هو نتيجة الأمور الثلاثة فنقول على مبنى التحقيق و هو ان المتنجس ينجس ثانيا فلا إشكال في حرمة التنجيس ثانيا و كذا على فرض لزوم الهتك مع عدم القول بالاشتداد و اما باقي الفروض فمحل إشكال (1).

____________

(1) أقول ان النجاسة و ان كانت من جنس واحد كالدم مع الدم و لكن التعدد يوجب اشتداد الكثافة و حرمة تنجيس المسجد لا تختص بصورة كونه طاهرا بل يشمل جميع الصور مضافا الى صدق الهتك غالبا.

36

في وجوب الإزالة و ان توقفت على التخريب أو الحفر

[مسألة 7- لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز]

مسألة 7- لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب و كذا لو توقف على تخريب شي‌ء منه (1) و لا يجب طم الحفر و لا تعمير الخراب نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده بعد التطهير وجب

أقول هذه المسألة تتضمن لفروع ثلاثة: الأول جواز حفر ارض المسجد للتطهير و جواز تخريب شي‌ء منه، الثاني: عدم وجوب طم الحفر، و الثالث وجوب رد ما يمكن رده الى حاله الأول مثل الآجر.

اما الفرع الأول فدليله هو ان الإزالة واجبة و حفر الأرض من مقدماته و مقدمة الواجب واجبة فحفر الأرض واجب و لا يخفى ان الكلام في المقام يكون في المقتضى تارة و في المانع اخرى اما المقتضي فهو ملاحظة ان دليل الإزالة هل يكون له إطلاق بحيث يشمل صورة الاحتياج الى الحفر أم لا و على فرضه فهل المانع موجود أم مفقود فربما يقال بأن المقتضي في المقام غير موجود لان دليلها يكون عقليا و هو التوهين و الهتك و له القدر المتيقن و هو غير هذه الصورة و اما الآية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ إلخ و الروايات مثل جنبوا مساجدكم النجاسة، غير تامة عندهم بما مر من الاشكال عند الكلام فيه فلا دليل لفظي لنا ليتمسك بإطلاقه و على فرض التسليم ففي المقام يكون المانع موجودا و هو ان الإضرار بالمسجد في صورة الحفر يكون حراما أيضا فلا يمكن تقديم الإزالة و ارتكاب الحرام.

اما الجواب عن عدم تمامية المقتضي فهو ما مر من ان الآيات و الروايات تامة الدلالة على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد و تكون مطلقة و شاملة لجميع الموارد حتى المقام الذي يحتاج الى الحفر.

____________

(1) بحيث لا يوجب ذلك ضياع المسجد أو كان متبرع بالإعادة.

37

و اما المانع الذي توهموه في المقام و هو انه يلزم منه الإضرار بالمسجد فهو أيضا غير تام لان الحفر في بعض الموارد لم يصدق عليه الضرر إذا كان قليلا و كذلك الخراب لانه ربما يحتاج المسجد الى انفتاح باب لكثرة الجمعية فتخريبه لوضع الباب نفع لا ضرر، و كذلك ربما يحتاج الى خراب رأس جدرانه ليصير هوائه لطيفا أو الطف فكل خراب أو حفر لا يوجب الضرر و على فرض صدق الضرر فهو اما ان يكون لمصلحة ترجع الى المصلين أو الى المسجد فعلى الأول لا كلام في الجواز لان الغرض الأصلي منه منفعة المصلين فخراب شي‌ء منه يرجع إليهم يكون تعميرا لشأن المسجدية و اما لو كان لمصلحة ترجع الى نفس المسجد مثل خراب حجرة من بعض أطرافه أو سقفه الذي يحسب زينة و شرفا له ففي هذه الصورة اما ان يكون نفس الشخص الذي يخربه يكون له البناء على تعمير، فأيضا تجب الإزالة أو شخص آخر يبذل نفقة التعمير فأيضا تجب الإزالة بالخراب و الحفر لانه ضرر متدارك و هو لا يحسب في العرف ضررا و اما مع فرض عدم وجود باذل و عدم بناء هذا الشخص على التعمير فيجب ملاحظة أهمها أو التخيير.

و اما الفرع الثاني و هو عدم وجوب إصلاح ما خرب أو حفر فالدليل عليه هو عدم الضمان بالنسبة اليه و ان كان الضمان على من أتلف مال الغير ثابتا و النكتة في المقام هي ان الضرر كان باذن مالك الملوك فإنه بعد جواز هذا العمل بل وجوبه لا مجال له. فان قلت لا ينافي الأمر بعمل، الضمان عليه و نظيره في الإسلام غير عزيز فان من كان في مخمصة يجوز له ان يأخذ طعام غيره و يأكل و يضمن قيمته.

قلت النكتة في أمثال هذه المقامات هي ان العمل يكون منفعة له و إضرارا بالغير فللجمع بين الحقين يقال بجواز الأكل و ضمان قيمته اما في المقام فيكون الإضرار لمصلحة نفس المسجد و المصلين الذين كان صلوتهم فيه غاية له فبين المقامين بون بعيد.

38

ثم هنا كلام عن بعض المعاصرين أطال اللّه بقاه و هو ان قوله تعالى مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ لا يدل على عدم الضمان في المقام لأن الإحسان لا ينافي الضمان فان خراب دار شخص لإنجائه إذا لم يكن باذنه و ان كان إحسانا اليه و لكن عدم الضمان غير ثابت بل الدليل الذي دل على الضمان مثل «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» يكون الضمان فيه مترتبا على إتلاف مال الغير و ما لا يكون مالا، لا يشمله الدليل و المسجد لا يكون مالا بل كما ان العبيد يعتقون في سبيل اللّه و يخرجون عن المالية كذلك المسجد لا يكون ملكا لأحد حتى المصلين فحيث لا يكون مالا فلا دليل لنا غيره على ضمان التالف منه بالاذن من الشرع.

و الجواب عنه هو ان المسجد و ان لم يكن ملكا لأحد و لكن يكون مركز حق للمسلمين اى تعلق حقهم به ضرورة ان وقفه يكون لمصالحهم فهم ذو حق و لا يجوز إتلاف حق الغير فان من دخل المسجد يكون له حق الصلاة في المكان الذي شغله و لكن الحقوق تارة تكون مالية بحيث يمكن المعاوضة بالنسبة إليها و تارة غير مالية مثل المكان في المسجد و تقريب الإشكال بعبارة أخرى هو ان اذن الشرع تارة يتوقف على اذن المالك أو اذن الحاكم أو عدول المؤمنين بحيث يكون إذنهم موضوعا لحكم الشارع و اخرى لا يكون اذنه منوطا بإذنهم كما في المقام و مورد المخمصة فإذا تحقق اذن الشرع فلا وجه معه للضمان لكون هذا الشخص محسنا و ما على المحسنين من سبيل.

و الجواب عنه بعبارة أخرى أيضا ان المقام أيضا يكون مما يحتاج إلى إذن المؤمنين لأن المسجد مركز حقهم فيكون مثل سائر الأموال و دليل الضمان يشمل الحقوق أيضا و لو لم نقل بان من أخذ مكانا في المسجد للصلاة لا يجوز بيعه لأن الحق ليس بماليّ. ثم زعم بعض بان طم الحفر واجب لأن الإزالة واجبة و لها‌

39

مقدمات و هي واجبة و مؤنة الطم تكون من مقدمات إتيان الواجب فالضمان يكون لهذه الجهة.

و الجواب عن هذا هو ان المقدمية تصدق بالنسبة الى ما يكون في طريق حصول العمل و اما الذي يكون بعده فلا يصدق بالنسبة اليه و في المقام طم الحفر لا يكون من مقدماتها بل هو بعدها و لا دليل على وجوبه.

و اما الفرع الثالث و هو وجوب إرجاع مثل الآجر مما لا مؤنة له الى محله الأول فهو من المشكلات و فيه التهافت في كلام المصنف (قده) فإنه بعد القول بعدم ضمان طم الحفر و تعمير الخراب قال بوجوب الرد فيما أمكن رده و لا دليل عليه لان الواجب هو تطهيره لا غير، و كيف كان فربما يستدل له بالروايات التي دلت على عدم جواز إخراج الحصى من المسجد و وجوب رده اليه بعد الإخراج ففي المقام أيضا وجب الرد من هذا الباب.

و فيه (1) ان الروايات تكون في صورة الإخراج بغير اذن من الشرع و على فرض وجوب إرجاعه الى المسجد لا دليل على وضعه في محله الأول.

و بأنه وقف و الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها و الآجر وقف ليكون في محل كذا فلا يمكن المخالفة و فيه ان الشارع إذا أذن بتغيير الوقف فلا وجه بعده لهذه الكلمات فتحصل انه بعد القول بعدم طم الحفر كما في الفرع الثاني لا يمكن‌

____________

(1) أقول ان الكلام في المقام يكون في أعم من ذلك و الظاهر انه و لو حصل التطهير في المسجد يجب إرجاعه إلى محله الأول و لا ربط له بمسألة إخراج الحصى حيث لا إخراج على هذا الفرض و لكن على فرض إخراجه فإنه يجب إعادته الى المسجد وجوبا كفائيا لأنه مع عدم إرجاعه يوجب هذا العمل إتلاف الوقف و على فرض الاطمئنان بأن غيره لا يقدم على الإرجاع يجي‌ء الإشكال في إخراجه للتطهير أيضا لو توقف عليه و معه يتعين إرجاعه في حق هذا الشخص لان المسجد حق مالي للمسلمين و لا يجوز إتلافه.

40

المماشاة مع السيد (قده) في الفرع الثالث (1).

[مسألة 8- إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره]

مسألة 8- إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من إخراجه و تطهيره كما هو الغالب.

أقول: ان الكلام هنا في مقامين: الأول في ان آلات المسجد التي تكون فيه يكون حكمها حكمه أم لا و إدخال النجس أو المتنجس فيه جائز أم لا؟ و التحقيق عندي هو ان فرش المسجد من شئونه و كأنه يحسب منه و التوهين به بتنجيسه توهين بالمسجد كمن يكون له خادم أو ملازم لا ينفك عنه في جميع الأحيان فان الإهانة به تكون اهانة بمولاه فلو كان الدليل واردا بعنوان المسجد بقوله جنبوا مساجدكم النجاسة يكون له سعة يشمل مثل الحصير أيضا و بعض الأشياء مثل الأوتاد و أشياء أخر لا يحسب منه فلا يكون حكمه حكمه و اما جواز إدخال المتنجس فيه فالدليل عليه السيرة فهي قائمة على ان من كان ثوبه نجسا يضعه حين الصلاة في المسجد و لا ردع عنه و لكن إدخال الأعيان النجسة يكون توهينا به و لذا قلنا بعدم جوازه.

فتحصل على ما هو المختار لا يجوز تنجيس حصيرة و لو تنجس يجب تطهيره فما عن بعض المعاصرين من ادعاء عدم الدليل عليه لا وجه له فإنه يقول لو كان الدليل على حرمة تنجيس المسجد هو الإجماع من باب الهتك فالمتيقن منه المسجد لا فرشه و ان كان الإطلاقات فمثل الآية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ إلخ لا ربط له بالنجاسة الظاهرية و اما النبوي و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله) جنبوا إلخ فأيضا ضعيف و رواية على بن جعفر يكون العنوان فيه المسجد و الحصير لا يكون مسجدا. و الجواب عنه هو ان هذا رجوع إلى أول البحث عن دليل جواز التنجيس و عدمه و بعد فرض‌

____________

(1) أقول أمثال ذلك عدم وضعه في مكانه يحتاج الى دليل مع عدم الاحتياج الى المؤنة لذلك.

41

تمامية الدليل اللفظي عليه لا مجال لما ذكره بما ذكرناه.

اما المقام الثاني و هو طريق تطهيره و غسله فالحق ان هذا لا كبرى و لا ضابطة له بخصوصه بل يختلف حسب اختلاف الموارد فرب مورد يكون الغسل أصلح و رب مورد يكون القطع أصلح مثل بعض الحصر في مسجد الكوفة فهي بحيث لو حرك الى الخارج يفسد و يضيع.

[مسألة 9- إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه اجمع]

مسألة 9- إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه اجمع كما إذا كان الجص الذي عمر به نجسا أو كان المباشر للبناء كافرا فان وجد متبرع بتعمير بعد الخراب جاز و الا فمشكل (1).

أقول انه في صورة وجود المتبرع بالتعمير لا إشكال في وجوب إزالتها عنه فإنه على فرض عدم النجاسة أيضا يفتون بأنه لا إشكال في التخريب ثم البناء على وجه أشرف من سابقه و اما في صورة عدم وجود المتبرع فلا يمكن ان يقال انه بمجرد الأمر بالإزالة يجب الخراب و هذا له صورتان إحداهما هي ان الخراب يمنع عن الصلاة و اخرى لا يمنع اما عدم تقديم أمر الإزالة في صورة عدم الإضرار بالصلاة فلان الحكم يكون في صورة وجود الموضوع فان المسجد يجب تطهيره و اما على فرض خرابه فهو من قبيل إعدام الموضوع فلذا لا يجوز.

في عدم جواز تنجيس المسجد الذي صار خرابا

[مسألة 10- لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا]

مسألة 10- لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا و ان لم يصل فيه احد و يجب تطهيره إذا تنجس.

أقول لهذه المسألة صورتان إحداهما ما تعرض له المصنف و هو ان يكون لكثرة ما فيه من التراب و الزبالات مع حفظ عنوان المسجدية بأن يقال هذا مسجد خراب و ثانيتهما هي ان يجعل طريقا أو حماما أو حانوتا و أمثال ذلك بحيث‌

____________

(1) و الأظهر عدم جواز التخريب.

42

تغير العنوان و سيجي‌ء حكمها، أما الصورة الأولى فيتوقف حكمها على بيان ان الغرض في الوقف إذا تغير هل يوجب سلب العنوان أو سلب الحكم أم لا؟ ففي المقام الغرض من المسجد الصلاة فيه فعلى فرض العدم كالعناوين التي مثلناها و بعض المساجد الذي كان في طرق المارة و منازلهم في الأزمنة السابقة و الان صار متروكا كبعض المساجد في طريق الكربلاء أو النجف، و الظاهر ان الوقف يكون غير سائر الأملاك فإن البيع لو لم يحصل الغرض منه أيضا صحيح كمن يشترى البطيخ للضيف فلا يجي‌ء و اما الوقف فالغرض الأصلي منه هو تسبيل الثمرة و لا يكون لحبس الأصل غرضا غير ذلك فاذن يمكن القول بان تغيير الغرض يوجب تغيير العنوان أو تغيير الحكم فإنهم يفتون بان المدرسة التي لا تكون محل استفادة للطلاب يجعل للزوار لأنه أقرب الى نظر الواقف فإزالة النجاسة عن هذه المساجد غير واجبة على هذا التقرير الا ان الذي يوجب الاشكال هو ان ملاحظة غرض الواقف و الرجوع الى ما هو الأقرب يكون في صورة عدم إمكان استفادة الغرض الأصلي فإن أمثال هذه المساجد يمكن تعميره و الصلاة فيه و لو قليلا و الحاصل ان الغرض في سائر المعاملات لا يكون من الجهات التقييدية و في الوقف يكون، و لكن المانع هو ما ذكرناه و كذلك استصحاب كونه مسجدا يترتب عليه الحكم أو يستصحب نفس الحكم.

[مسألة 11- إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة]

مسألة 11- إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه ان أمكن إزالته بعد ذلك كما إذا أراد تطهيره بصب الماء و استلزم ما ذكره.

أقول ان الوجه لقول المصنف (قده) هو ان الدليل على عدم جواز تنجيس المسجد اما يكون عقليا مثل الإجماع و المتيقن منه غير هذه الصورة و اما يكون لفظيا مثل الايات و الروايات و هي أيضا منصرفة عن المقام لان التنجيس من مقدمات الإزالة و لا اشكال فيه و هذا توهم عن بعض المعاصرين، و لكن التحقيق هو ان‌

43

الدليل كما اخترناه يكون لفظيا و لا وجه للقول بالانصراف في المقام لانه يمكن في بعض المقامات التطهير بغير التنجيس كالاتصال بالكر فعلى فرض الإطلاق لا يجوز التطهير بغير الكر و اما في صورة عدم الإمكان أو في صورة كونه حرجيا فيقع (1) التزاحم بين دليل عدم جواز تنجيس المسجد و وجوب تطهيره فإذا كان كذلك فلا محالة يقدم الإزالة على كون المسجد نجسا لانه يدور الأمر بين كون المسجد نجسا أبدا أو تنجيس بعض آخر منه ثم ازالة الجميع و هذا أقل محذورا من الأول.

في توقف التطهير على بذل المال

[مسألة 12- إذا توقف التطهير على بذل مال وجب]

مسألة 12- إذا توقف التطهير على بذل مال وجب و هل يضمن من صار سببا للتنجيس وجهان لا يخلو (2) ثانيهما عن قوة.

أقول انه إذا احتاج تطهيره على بذل مال مثل تهيئة الآلات و شراء الماء مثلا فاما ان يكون للمسجد مال كان يكون له أموال موقوفة أو صندوق للوجوه الخيرية أو لا يكون، و اما ان يكون المنجس فاعلا مختارا كالإنسان أو غيره كالهرّ، فالكلام في المقام في ثلاث صور: الاولى ان يكون المنجس غير انسان و للمسجد مال و الثانية هذه الصورة مع عدم مال للمسجد و الثالثة ان يكون الفاعل مختارا سواء كان للمسجد مال أم لا و هذه مسألة عويصة و لتوضيحها نحتاج الى البحث عن أمور: الأول ان العناوين التي تكون في النفقة مما له مقدمة هل تجب مقدمتها أم لا فمثل التطهير أو التكفين أو التغسيل الذي يحتاج الى الماء و الكفن هل يجب تحصيله أو يكون‌

____________

(1) بعض معاصريه مد ظله كان متوجها الى ذلك و تكلم على فرض التزاحم أيضا و اما الإشكال عليه بعدم تمامية الانصراف فهو أيضا مما فيه التأمل لأن التطهير مع الكر أيضا يلازم غالبا التنجيس و لو آنا ما قبل التطهير.

(2) بل الأول لا يخلو عن قوة إذا كان عن تفريط.

44

بنحو لو وجد الكفن يجب التكفين أو لو وجد الماء يجب الغسل و التطهير، فان كان الخطاب في ذلك مطلقا فلا محالة يجب تحصيل مقدماته و ان صار معلقا فلا يجب.

فعلى الثاني يمكن ان يقال إذا احتاج الميت الى الكفن و لم يكن له باذل تبرعا لا يجب التكفين بل يدفن عريانا و في مقامنا هذا لو احتاج تطهير المسجد الى المؤنة و لم يكن باذل لها يجب ان يقال ان الإزالة ليست واجبة و الظاهر هو ان يكون الخطابات التي تكون بهذا النحو مطلقة و نحن في الواجب المعلق أيضا نقول بوجوب تحصيل المقدمات بعد كشف ارادة المولى و مطلوبية العمل الذي له مقدمة.

الأمر الثاني: ان الواجب إذا كان له مقدمات حاصلة فهل يجب تحصيله على المكلفين أم لا فان المسجد إذا كان له موقوفات من الدكاكين و أمثالها فهل يجوز ان يصرف من ذلك المؤنة التي يكون له أم يجب للمسلمين ان يصرفوا المال من كيسهم؟ الظاهر الأول لأن المؤنة الحاصلة تكون مثل الماء الذي يكون في حوض المسجد فإنه يصرف في تطهيره.

الأمر الثالث انه لو كان صرف المؤنة على المسلمين حرجيا أو ضرريا فهل قاعدة نفى الحرج و الضرر تكون حاكمة على الأحكام الأولية؟ الحق عدم تطبيق قاعدة لا ضرر على المقام لانه يلزم منه فقه جديد فان الوضوء و الغسل أيضا يحتاج الى الماء فلو كان ملاحظة هذا الضرر موجبا لرفع التكليف يرفع أكثر التكاليف و اما الحرج ففي كل مورد لزم نسلمه و لا غرو، فما عن بعض المعاصرين من التمسك بلزوم الضرر و تطبيقه قاعدة لا ضرر عليه غير تام.

الأمر الرابع ان الضمان هل يكون مختصا بمن نجّسه أو يكون على جميع المسلمين كما ان تطهيره واجب كفائي عليهم، الظاهر اختصاصه، بمن نجّسه و ان كان الواجب تطهيره على كل احد بالوجوب الكفائي فاللازم على المنجس هو الضمان للعين و وجوب الإزالة بنفسه كفائي بالنسبة اليه و سائر المسلمين و نحن‌

45

نلاحظ ذلك في أموال الناس حتى يظهر الحال في المسجد فنقول لا إشكال في ان من أوجد نقصا ماليا في مال الغير فهو له ضامن بمقتضى قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن و التنجيس أحد أفراده فإن من نجس لبن احد، أوجد نقصا في ماله بحيث لا يمكن إصلاحه لأنه من المائعات و لا يقبل التطهير فاللازم إرجاع المثل لو كان مثليا و القيمة لو كان قيميا و لو كان مما يمكن إصلاحه مثل من نجس ثوب الغير فيجب عليه إرجاعه الى حاله الأول و مؤنة التطهير عليه و لا يخفى انه في باب الضمانات متى أمكن رد التالف فهو واجب فلو قتل حمار احد ثم أحياه نفس عيسوية يجب رد هذا الشخص لانه ماله.

إذا عرفت ذلك ففي المقام نقول تنجيس المسجد يكون إحداث منقصة فيه و هو و ان لم يكن مالا لأحد و فكّ عن الملكية في سبيل اللّه و لكن يكون مركز حق للمسلمين و لا منافاة بين عدم كونه ملكا و كونه مالا و من أتلف مال الغير فهو له ضامن يشمل حتى الحقوق المالية فإن من نجس المسجد أوجد نقصا في حق مالي للمسلمين فإنه لو لا ذلك يمكنهم استيفاء حقهم من المسجد و هو الصلاة فيه و لكن مع النجاسة فهم ملزمون بالتطهير أولا ثم الصلاة فيه هذا بالنسبة إلى أصل الضمان و لكن وجوب إزالة النجاسة يكون كفائيا و هذا مثل من غصب مالا فإن الأيادي المتعاقبة كلها مأخوذة و لكن يمكن للغاصب الذي كان غير الأول ان يرجع الى الأول و لو أخذ من الأول لا يرجع الى احد ففي المقام أيضا يكون التشبيه من هذه الجهة و هو ان هذا الشخص لو طهر المسجد لا يرجع الى احد في المؤنة و لو طهر غيره يرجع اليه فيها.

[مسألة 13- إذا تغير عنوان المسجد]

مسألة 13- إذا تغير عنوان المسجد بان غصب و جعل دارا أو صار خرابا بحيث لا يمكن تعميره و لا الصلاة فيه و قلنا بجواز جعله مكانا للزرع (1)

____________

(1) مع حفظ عنوان المسجدية فجعله مكانا للزرع مشكل بل ممنوع خصوصا في بعض الموارد الذي يحسب هتكا له و هذا ليس مثل التكلم في المسجد الذي هو جائز في أمور الدنيا و لا يزاحم مع العبادة نعم ان خرج عن عنوان المسجدية بحيث كان تالفا كالأرض على جنب الوادي التي صارت جزء المسيلة أو الجادة بحيث لا يرجى عودها يجوز تنجيسه و لا يجب تطهيره لخروجه عن عنوانه.

46

ففي جواز تنجيسه و عدم وجوب تطهيره كما قيل اشكال و الأظهر عدم جواز الأول بل وجوب الثاني أيضا.

أقول انه يجب البحث في هذه المسألة عن أمور:

الأمر الأول هو ان المسجد هل يخرج بالخراب عن كونه مسجدا أو يبقى باطنا كذلك و ان صار في الظاهر متغير العنوان كما مثل له المصنف فقد ذهب بعض المعاصرين الى عدم خروجه عن هذا العنوان و دليله هو ان المسجد إذا صار وقفا يصير حرا لوجه اللّه تبارك و تعالى و لا يأتي تحت يد احد و لا يمكن ان يتغير بان يصير ملكا لغيره.

و حاصل الجواب عنه هو ان المسجد إذا صار حرا في وجه اللّه للصلاة لا غرو في الالتزام بذلك و التزام خروجه عن كونه مسجدا لانه و ان سلمنا انه لا يأتي تحت ملك احد بعد الوقف و لكن لا غرو في ان يكون من المباحات الأولية التي لا تكون تحت يد احد فيخرج عن المسجدية و يصير مباحا و لكن لا يمكن القول بأنه يجوز تملكه و حيازته لان حق الاختصاص بالمسلمين لا ينافي ذلك فان الكوز المنكسر لا يكون ملكا لصاحبه و لكن يكون له حق الاختصاص إلا إذا أحرز الإعراض هذا أولا و ثانيا في باب الوقف كلام و هو ان وقف المسجد الذي لا يمكن الصلاة فيه عادة هل ينعقد أم لا فعلى فرض عدمه حدوثا فإذا صار بقاء بحيث لا يمكن استفادة المسجدية عنه يمكن ان يقال يسقط عن الوقفية لأن إمكان الاستفادة كان من علل صحة الوقف حدوثا و بقاء فإذا زالت العلة زال المعلول فعلى مقتضى القاعدة لا إشكال في التصرف في المسجد بما لا ينافي شأن المسجدية مثل إجراء صيغة‌

47

البيع و غيره فيه و الكلام فيه لأمر الدنيا كما هو المعمول في المساجد المعمورة أيضا هذا على مقتضى القاعدة و القول به لا اشكال فيه الا ان يكون في المقام إجماع على عدم الجواز.

ثم لو شك في بقاء العنوان فاستصحاب الموضوع و هو المسجدية و استصحاب حكمه مما لا اشكال فيه و عليه فيجب ان يقال بحرمة تنجيسه باستصحاب العنوان و وجوب ازالته لو كان الاستصحاب للحكم التعليقي جائزا بأن يقال هذا المسجد حين لم يصر خرابا كان تطهيره واجبا فكذلك بعده.

الأمر الثاني في ان المسجد الخراب الذي لا يمكن الصلاة فيه هل يجوز بيعه لمصالح المسلمين أم لا و لو لم يخرج عن العنوان فقد قيل بعدم جواز بيعه لتوهم ان البيع لا يكون إلا في ما كان في ملك (بكسر الميم) فقالوا بأنه وقف و لا يجي‌ء تحت ملك احد فلا يجوز بيعه و اما على ما هو التحقيق من ضم الميم في الملك فالشرط في صحة البيع هو الملك و السلطنة و في المقام تكون السلطنة لحاكم الشرع فلا يرد الاشكال من هذه الجهة الا ان يكون في المقام إجماع على عدم الجواز.

و اما الإجارة من الحاكم الشرعي فهل تجوز أم لا قال كاشف الغطاء بالجواز في المقام و لكن الإشكال الذي يكون في المقام أيضا هو على فرض صيرورته من المباحات الأولية يجوز تصرف كل من تصرف فيه و لكن الحق كما مر هو ان حق الاختصاص للمسلمين لما يكون في المقام يجوز للحاكم ذلك و لا فرق بين المسجد و المدرسة فإنهم في الثاني حكموا بأنه إذا صار بحيث لا يمكن الاستفادة المقصودة منها و هي تحصيل الطلاب فيها يمكن ان يستفاد منها استفادة اخرى أقرب الى نظر الواقف مثل جعلها مكان الزوّار في الأمكنة المشرفة أو بيعه و صرف ثمنه في مصالح المسلمين. فان قلت نظر الواقف بالنسبة إلى سائر منافعها مهمل و لذا يجوز، و لكن المسجد لا يكون كذلك.

48

قلت ان المسجد أيضا يكون مهملا بالنسبة الى غير منفعة الصلاة.

الأمر الثالث: في انه هل يجوز التصرف فيه بدون الإيجار أم لا فقد استدل بالسيرة فإنه من دأب المسلمين استفادة المنافع التي لا تزاحم الصلاة عن المسجد و الغرض في المقام ان المسجد الخراب لا يمكن الصلاة فيه عادة فلا مصلى له حتى يتصور التزاحم فيجوز كما هو جائز في المساجد المعمورة و المدارس التي لا ينافي تصرف الغير تصرف أهلها فيها فإن المدرسة إذا وقفت لطلابها أيضا يمكن ان يقال بأنه يجوز الوضوء من حوضه إذا لم يكن منافيا لوضوئهم و لا يجوز في صورة قيد العدم في الوقف و الا فصرف كونها وقفا خاصا لا يمنع التصرف من التصرف فيها.

و بقصور الدليل بان يقال ان الدليل الدال على حرمة التصرف في المسجد منصرف عن المقام لو كان لفظيا بل هو فيما كان العنوان فيه محفوظا و يكون مسجدا بالفعل و لو كان الإجماع أيضا فيكون المتيقن منه غير هذه الصورة.

في رؤية الجنب نجاسة في المسجد

[مسألة 14- إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد]

مسألة 14- إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها و الا فالظاهر وجوب (1) التأخير الى ما بعد الغسل لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الإمكان و ان لم يكن التطهير الا بالمكث جنبا فلا يبعد جوازه بل وجوبه و كذا إذا استلزم التأخير الى ان يغتسل هتك حرمته (2).

أقول انه قد تعرض المصنف قده في هذه المسألة لأربعة فروع:

الأول ان تكون إزالة النجاسة بدون المكث في المسجد ممكنة بان يمرّ‌

____________

(1) هذا مشكل بل لا يبعد التخيير.

(2) مثل وجود عين العذرة في المسجد فيتعين تقديم الإزالة.

49

و يطهر، في المساجد التي يكون المرور فيها اجتيازا جائزا أعني غير المسجدين ففي هذه الصورة يتعين تقديم الإزالة علي الغسل لان وجوبها فوري و اما ما كان مثل المسجدين (مسجد النبي (صلى اللّه عليه و آله) و مسجد الحرام) فهو يصير من قبيل الصورة الثانية و الكلام فيه الكلام فيها.

الفرع الثاني هو ان لا يمكن التطهير كذلك بل يحتاج الى المكث فحكم هو (قده) بتقديم الغسل على الإزالة و ما يمكن ان يكون دليلا عليه هو ان المقام لما يكون من باب المتزاحمين و هو ان المكث في المسجد في حال الجنابة حرام و ازالة النجاسة فورية واجبة فرأى (قده) أهمية المكث في حال الجنابة فقدم الغسل أو احتمل الأهمية و معه يصير من دوران الأمر بين التعيين و التخيير و في صورة الشك فلا محالة يقدم ما احتمل تعيينه لانه على فرض التساوي يكون هذا أحد فردي الواجب المخير و على فرض التعيين فهو المطلوب أيضا لأن العقل حاكم بالتعيين هذا.

و لكن لا وجه للقول بأن أدلة حرمة المكث في المساجد جنبا أقوى من أدلة الإزالة لأن المناط بعد تمامية الحجة على كلا الطرفين على الواقع و الخارج و ملاحظة الأهمية لا الدليل الدال على كل طرف.

و قد أشكل عليه بما عن النائيني (قده) من الكبرى التي تكون في المتزاحمين و هي ان احد المتزاحمين تارة يكون له بدل و اخرى لا يكون كذلك ففي الفرض الأول يرجع الى البدل فيما يكون كذلك فعلى هذا في مقامنا هذا يكون للغسل بدل و هو التيمم فيرجع اليه و يؤتى بالإزالة فورا.

و الجواب عنه هو ان التيمم تارة يحتاج الى وقت أكثر من الغسل و تارة يساويه و تارة لا ينافي الفوريّة فعلى الأول يعود المحذور لان الرجوع الى البدل كان لدفع تأخير الإزالة عن الآن الأول و الفرض خلافه و ان كان من قبيل الثاني فلازمه التخيير بين الغسل و التيمم و التخيير بين الفردين الطوليين غير متصور لان‌

50

التيمم في طول الغسل، ثم الغسل و التيمم يجب ان يكون له غاية فالغاية في المقام هي ضيق وقت الإزالة فهل يمكن ان يغتسل لضيق الوقت؟ فيه إشكال لأن الإزالة لا تكون من الواجبات التعبدية حتى تحتاج إلى الطهارة و تكون مقدمة لها فإذا لم يكن كذلك فلا يمكن ان يقال لضيق الوقت يتيمم أو يغتسل و لا تكون مثل الصلاة التي إذا ضاقت وقتها يرجع فيها من الطهارة المائية إلى الترابية.

و المجوز للتيمم في غير هذا الفرض هو عدم وجدان الماء و هو في المقام موجود فالمقدمية الشرعية لا تكون في المقام، نعم الإناطة عقلية فإن من الأمر بالإزالة و حرمة المكث يستفاد ان التطهير يجب ان يكون عن غير الجنب ففي المقام يجب ملاحظة الأهم لان الإناطة تكون من الطرفين فكما ان الإزالة تنوط بالغسل كذلك الغسل ينوط بتركها فلا يمكن ان تصير الغاية في المقام ضيق الوقت فلا تنطبق الكبرى التي ذكرها (قده).

الفرع الثالث هو صورة عدم إمكان التطهير الا بالمكث جنبا بحيث لو تركه يترك من أصله كمن هو مسافر جنب يمر بمسجد في طريقه و لا يمكنه الغسل ففي هذا المقام يدور الأمر بين ترك الإزالة مطلقا أو ارتكاب المكث فحكم هو (قده) بالجواز بل الوجوب و السر فيه ان الإزالة هنا أهم و لا يمكن هنا الجمع بين الغرضين فيقدم تطهير المسجد و يرتكب المكث.

الفرع الرابع هو ان يكون الغسل ممكنا و لكن ترك الإزالة الى ما بعده يعد في العرف هتكا للمسجد مثل ان يكون ملوثا بالعذرة ففي هذه الصورة أيضا تقدم الإزالة كما حكم به (قده) و هو حق.

في حكم تنجيس مساجد اليهود و النصارى

[مسألة 15- في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال]

مسألة 15- في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال و اما مساجد المسلمين فلا فرق بين فرقهم.

51

أقول ان البحث في ذلك تارة يكون في إثبات الموضوع و تارة في ترتب الحكم، لا إشكال عندي في ان المساجد التي لليهود و كانت قبل الإسلام كانت مسجدا و من بيوت اللّه المعدة للعبادة و كانت محترمة مثل مسجد الأقصى و سائر المساجد التي كانت قبله و ان لم يكن اسمه مسجدا فان المناط لا يكون على الاسم بل على المسمى.

و بعد الإسلام أيضا لما لا يكون الإسلام شرطا للوقف فيصح بدونه و عنوان العبادة فقط غير شرط فيه و الا فإن مساجدنا أيضا يعمل فيه ما لا يكون عبادة كالتكلم لأمور الدنيا و مجالس الختم و الروضة و أمثال ذلك و اليهود و النصارى أيضا يذكرون اللّه تعالى في معابدهم و لهم تسبيح و تهليل و لكن لا يقبلون نبوة نبينا (صلى اللّه عليه و آله) و ان كانوا يفعلون فيه ما يخالف الشرع من اللهو و اللعب فلا اشكال من جهة صدق المسجدية على معابدهم واقعا.

و اما الكلام في الحكم فهو ان نقول ان الدليل على حرمة نجاسة المسجد اما ان يكون آية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ فهي تكون في خصوص ذاك المسجد و بتنقيح المناط يمكن ان يتعدى الى سائر المساجد للمسلمين أو بالإجماع تثبت حرمة تنجيسه و لكن التعدي إلى البيع و الكنائس و باصطلاح اليوم كليسا فهو مشكل.

و اما الروايات فمنها رواية وردت في زقاق فيه عذرة في طريق المسجد و يكون السؤال فيها عن مورد خاص و هو مسجد المسلمين و كذلك رواية وردت في الدابة التي تبول و روايات الكنيف الذي يجعل مسجدا فان الجميع كما مر يكون في مساجد المسلمين.

و لو كان الدليل عليه الإجماع أيضا فهو أيضا غير محقق في هذه المعابد.

و اما ما عن بعض المعاصرين من ان اللازم من ذلك هو إزالة النجاسة عن معابدهم لأنهم يشربون الخمر فيه و كذلك بنائه إذا كان بيد الكافر فعلى فرض قبول‌

52

الموضوع و الحكم لا وجه له لان غايته لزوم الحرج ففي كل مقام تحقق لا تجب الإزالة و هذا لا يوجب جواز تنجيس معابدهم مطلقا لان الحرج شخصي و ليس ملاكا للحكم الكلى.

[مسألة 16- إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد]

مسألة 16- إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءا من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير، و حرمة التنجيس بل و كذا لو شك في ذلك و ان كان الأحوط اللحوق.

[مسألة 17- إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المسجدين]

مسألة 17- إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما.

[مسألة 18- لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا]

مسألة 18- لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا. و اما المكان الذي أعده للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم.

غير محتاجة إلى الشرح لوضوح حكمها مما سبق.

[مسألة 19- هل يجب اعلام الغير إذا لم يتمكن من الإزالة]

مسألة 19- هل يجب اعلام الغير إذا لم يتمكن من الإزالة الظاهر (1) العدم إذا كان مما لا يوجب الهتك و الا فهو الأحوط.

أقول التحقيق ان الاعلام في صورة التوهين واجب كما ان إعلام الغير لإنقاذ نبي عن الغرق بعد عدم التمكن واجب مثل ان تكون النجاسة عذرة ظاهرة على الجدار أو سائر أمكنة المساجد و اما صورة عدم الهتك فاما ان يلاحظ كونه إرشادا أو إلزاما من باب مقدمة الواجب، اما الإرشاد فهو لا كلام فيه فان شاء يعلم الغير. و اما وجوبه من باب مقدمة الواجب بان نقول كما ان المؤنة التي تحتاج الإزالة إليها واجبة من باب المقدمية ففي المقام يكون له مقدمة قليلة المؤنة و هو التكلم بكلام فهو واجب كما عن بعض المعاصرين.

فلا وجه له و الحق مع المصنف (قده) لانه يمكنه (2) ان يقول في جواب‌

____________

(1) لا يبعد الوجوب فلا يترك الاحتياط.

(2) أقول ان هذا المعاصر يدعى انه أحرز من الأدلة الأعمية و الأهمية و هو آنس بالذهن بعد ملاحظة تشديد الأمر بحيث يجب فورا و يجب صرف المؤنة و لو بلغ ما بلغ و ان كان إحراز كون وجود النجاسة في المسجد مبغوضا للشرع مطلقا و لا ينوط بشخص خاص لا يخلو عن تأمل.