المعالم المأثورة - ج4

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
404 /
3

الجزء الرابع

[تتمة كتاب الطهارة]

[مقدمة المقرر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين المكرمين الميامين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فهذا هو المجلد الرابع من تقريرات بحث العلامة الفهامة المحقق المدقق بل مركز دائرة التحقيق و التدقيق الأستاذ الأكبر في الحوزة العلمية المنورة بالبلدة الطيبة القم المشرفة المكرمة، آية اللّه العظيم الحاج ميرزا هاشم الأملى ادام اللّه ظله الشريف على رؤس المسلمين و سميناه بالمعالم المأثورة في شرح الكتاب القيم العروة الوثقى لمؤلفه الأعظم آية اللّه العظمى المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي (قدس سره) العزيز.

مع تذييلات و تعليقات على المتن و الشرح من المقرر العبد المحتاج الى عفو ربه الغفور محمد على الاسماعيل پور الشهرضائى (القمشه‌اى) مولدا و القمي مسكنا.

ثم انى استخرجت مصادر احاديث الكتاب من كتب الأحاديث، و حيث كان أكثرها من كتاب وسائل الشيعة للمحدث الأكبر الشيخ الحر العاملي (رضوان اللّه عليه) اكتفيت غالبا بذكر رقم الباب و الحديث رعاية للاختصار و ما كان عن غير هذا الكتاب ذكرت اسم الكتاب مع ذلك فليكن في ذكر منك كما ذكرت هذا في المجلد الأول أيضا، و باللّه الاستعانة في جميع الأمور.

4

[فصل في حكم الأواني]

فصل في حكم الأواني

[مسألة 1- لا يجوز استعمال الأواني من جلد نجس العين و الميتة فيما يشترط فيه الطهارة]

مسألة 1- لا يجوز استعمال الأواني من جلد نجس العين و الميتة (1) فيما يشترط فيه الطهارة من الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل بل الأحوط عدم استعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة أيضا و كذا غير الظروف من جلدها بل و كذا سائر الانتفاعات غير الاستعمال فإن الأحوط ترك جميع الانتفاعات منهما و اما ميتة ما لا نفس له كالسمك و نحوه فحرمة استعمال جلده غير معلوم و ان كان أحوط

أقول انه لا يخفى عليكم عدم كون الحرمة في استعمال الأواني نفسية بل طريقية من جهة حرمة أكل النجس و هذا واضح.

و المصنف (قده) احتاط بترك استعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة أيضا و دليله على ذلك عدم جواز الانتفاع مطلقا بنجس العين و الميتة عند المشهور و قد ادعى الشيخ (قده) الإجماع على عدم الجواز. و لكن التحقيق هو جواز الانتفاع منها في غير ما يشترط فيه الطهارة و لنا أيضا روايات في مقابل المشهور الذي يكون لهم روايات أيضا و استدلوا بها فما نستدل بها من الروايات، منها صحيحة البزنطي قال سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء أ يصلح له ان ينتفع بما قطع قال نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها (في باب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 6) و تقريبها واضح من جهة جواز الإسراج و عدم خصوصية فيه بل يكون جوازه لجواز مطلق الانتفاع بها و الصحاح في ذلك كثيرة و لا نكون في صدد بيانها في المقام و هي ناصة في الجواز و روايات المنع ظاهرة فيه فيحمل الظاهر على النص فيجمع بالكراهة أو يقال انها تكون في صورة إرادة استعمال ما ذكر فيما يشترط فيه الطهارة لا في غيره.

قوله: و كذا لا يجوز استعمال الظروف المغصوبة مطلقا و الوضوء و

____________

(1) لان شرط الأكل و الشرب طهارة المأكول و المشروب و يجوز استعماله فيما لا يشترط فيه الطهارة.

5

الغسل منهما مع العلم باطل مع الانحصار بل مطلقا (1) نعم لو صب الماء منها في ظرف مباح فتوضأ أو اغتسل صح و ان كان عاصيا من جهة تصرفه في المغصوب.

أقول ان الدليل على عدم جواز التصرف في مال الغير بناء العقلاء الذي أمضاه الشارع و كذلك تكون سيرة المتشرعة أيضا على عدم الجواز و دليل الإمضاء روايات: فمنها ما عن مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) و عج «لا يجوز لأحد ان يتصرف في مال الغير الّا بطيب نفسه» و هي صحيحة معمولة بها و هي عاملة شاملة للاستعمال مطلقا و قد استدل بعض المعاصرين بالنبوي و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله) «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (في الوسائل ج 8 باب 152 من أحكام العشرة ح 12) و تقريب الاستدلال بحرمة مال المسلم و دمه كليهما و الضمان في إراقة دمه و التصرف في ماله سواء و فيه ان (2) الاستدلال بها في صورة إتلاف العين صحيح و اما عدم جواز التصرف مع بقاء العين فلا يستفاد منها و الفرق بين اراقة الدم و التصرف في المال هو ان المال يجوز التصرف فيه برضاء من صاحبه و الدم لا يجوز إراقته و لو برضاء صاحبه و احترام المال لا يكون مربوطا بحرمة التصرف فيه، على ان الرواية مرسلة.

و منها موثقة سماعة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال من كان‌

____________

(1) هذا هو الأقوى و لا فائدة لعدم الانحصار و النسيان و الجهل في مبغوضية الوضوء من المغصوبة.

(2) سوق الرواية يدل على ان المال أهميته كأهمية الدم فكما انه يحرم إراقته و يحرم إيجاد كل شي‌ء يوجب إراقته و لا يكون لأحد التصرف فيه بنحو من الأنحاء كذلك المال فالرواية شبّه المال فيها بالدم أحسن تشبيه و يستدل به على منع التصرف فمن تصرف في مال الغير هتك احترامه مطلقا فكما انه لا يجوز إشراب الدواء الى شخص نعلم أو نحتمل ان يكون موجبا لهلاكه كذلك المال. و كيف كان لو لم تدل هذه لا ينحصر الدليل بها.

6

عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها فإنه لا يحل دم امرء مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه (في باب 3 من مكان المصلى ح 1) و تقريب الاستدلال بالفقرة الأخيرة و الاستثناء منوط بالمال لا بالدم هذا بالنسبة إلى الحكم التكليفي و اما الحكم الوضعي في الوضوء و الغسل بالإناء المغصوب فعن المصنف (قده) انه البطلان و لكن ينبغي البحث عن أدلة الوضوء و التيمم حتى نرى ما هو الحق.

فنقول الوضوء من الإناء المغصوب، تارة يكون بنحو الغرفة و تارة بنحو الارتماس و على الأول اما ينحصر الماء في الإناء المغصوب أو لا ينحصر و تارة يكون بالافراغ الى ظرف آخر، فنقول دليل الوضوء الآية و هي قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (الى قوله تعالى) فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (المائدة- 6) فيستفاد منها ان عدم الوجدان شرط لمشروعية التيمم و هو و ان كان ظاهرا في العقلي فقط و لكن بمناسبة ما بعد لآية من بيان حكم المريض و مورد الحرج نفهم كونه أعم من الشرعي و غيره و الفرق بين القيد الشرعي و العقلي هو ان الثاني لا يكون دخيلا في المصلحة و الملاك ففي صورة عدم الوجدان و لو عقلا تكون مصلحة الوضوء بحالها و لا تنقلب عما هي عليه و لكن القيد الشرعي يكون دخيلا في المصلحة فعلى هذا من لا ماء له من جهة كونه في الطرف المغصوب لا يكون واجدا شرعا من جهة حرمة التصرف في مال الغير و لا ملاك، هذا على فرض ان يصير الصدر مقيدا بالذيل فحيث قلنا ان القيد شرعي لا تكون مصلحة في الوضوء فيكون المقام مقام التيمم فقط اما على فرض القول بان الصدر يبقى بإطلاقه فأمر الوضوء مطلق حتى في حال عدم الوجدان و أمر التيمم أيضا يكون بحاله فيكونان من الواجب التخييري فهو مكلف اما بالوضوء أو بالتيمم فعلى هذا يصح الوضوء و ان عصى بالتصرف في الغصب لان الماء مباح.

فان قلت بعد سقوط خطاب الوضوء فبأي طريق يحرز وجود الملاك.

7

قلت على فرض سقوط الخطاب فإنه إما يتمسك بإطلاق الهيئة كما هو (1) المختار من عدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية أو بإطلاق المادة كما عليه القدماء و اما على فرض الجمع بين المطلق و المقيد فلا يسقط الخطاب أيضا لبقاء إطلاقه بحاله على فرض عدم التقييد.

و الحاصل على فرض بقاء إطلاق الصدر ففي المقام يكون من باب اجتماع الأمر و النهي، الأمر بالوضوء و النهي عن الغصب و الحق عندنا جواز الاجتماع في مرحلة الجعل (2) و منعه في مرحلة الفراغ فالوضوء باطل لعدم إمكان قصد القربة ممن يعلم ان عمله هذا تصرف في مال الغير الذي نهى عنه المولى و لكن في صورة الجهل بالغصبية تظهر ثمرة ما قلناه من بقاء الملاك بعد سقوط الخطاب فمن لا يلتفت الى الغصب يقصد القربة و لا اشكال.

هذا كله على فرض القول بأن القدرة في الدليل هي القدرة على جميع العمل قبله كمن يكون له الماء لجميع الوضوء و اما على القول بأن القدرة التدريجية تكفى لصدق كونه واجدا كمن يعلم انه إذا أخذ كفّا من الماء من شخص و غسل صورته يرحمه و يعطيه كفا آخر الى ان يتم الوضوء فهنا الأمر بالوضوء يكون على نحو الترتب فان هذا الشخص كلما أخذ غرفة و لو غصبا يقدر على إتيان جزء من الوضوء بالماء المباح و هكذا الى ان يتم.

و معنى الترتب هو انه يكون أمر التيمم متوجها إليه في هذا الحين فان عصى و غرف الغرفة فحيث يصير واجدا يذهب بموضوع التيمم فيجب عليه الوضوء مثل من لم يأخذ الغريق الأهم إنقاذه فيتوجه إليه أمر المهم فيكون أيضا مثل‌

____________

(1) أقول انه قد مر الإشكال في ذلك و تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في مقام الإثبات و انه لا طريق لنا الى بقاء الملاك بعد سقوط الخطاب.

(2) بل الامتناع في الجعل أيضا لأن المولى حين التشريع يرى بعينه الدقيقة جميع الأفراد منحلا و لا يمكن انحلال حكم النهي و الأمر على هذا الشخص.

8

الأمر بالإزالة و الصلاة فإن من عصى أمر إزالة النجاسة عن المسجد يتوجه إليه أمر الصلاة.

و الحاصل يقول المولى ان عصيت النهي عن التصرف في الغصب و تصرفت فتوضأ.

و قد أشكل شيخنا النائيني (قده) بان هذا لا يكون من باب الأهم و المهم لأن المهم إذا كان فيه الأمر في ظرف الأهم يكون من باب الترتب و اما على فرض عدم كونه كذلك كما في المقام فلا يكون مقامه فإنه بعد العصيان يتوجه إليه أمر الوضوء و حيث يكون الوجدان قيدا للأمر به فلا ملاك له فالوضوء واجب ان كان واجدا و التيمم واجب ان لم يكن كذلك فبالعصيان يتوجه إليه أمر الوضوء و يخرج عن الترتب لانه لا مصلحة له في ظرف التيمم أصلا.

و الجواب عنه اما بناء فهو عدم قبول قيدية الذيل للصدر بل الصدر مطلق و يكون للوضوء ملاك حين الغصب مضافا الى ان دائرة الترتب أوسع من كون الأمر في الأهم و المهم في ظرف واحد بل يشمل حتى هذه الصورة التي تحدّث المصلحة بعد العصيان و لا يكون مختصا بما استظهره الأستاذ (قده) فتحصل صحة الوضوء عند الانحصار مع عدم العلم بالغصب و عدمها مع العلم به.

و اما إذا لم يكن منحصرا فالفقهاء يقولون بصحة الوضوء لأن الأمر بالوضوء في هذا الحين موجود و المكلف بسوء اختياره اختار المغصوب و لا يكون مأمورا بالتيمم في هذه الصورة (1) و اما في صورة إفراغ الماء من الكأس الى كأس اخرى فهو أيضا و ان كان حراما و لكن يجب عليه الوضوء به لكونه واجد الماء بهذا النحو.

____________

(1) و أضف إليه انه في صورة العلم بالغصب أيضا على مبنى الأستاذ (مد ظله) باطل لعدم إتيان قصد القربة منه فيجب عليه الوضوء من ماء آخر بخلاف السابق فإنه كان مأمورا بالتيمم.

9

ثم انه قال بعضهم ان أخذ الماء من الظرف و إفراغه لا يكون استعمالا له فيصح الوضوء و فيه ان التصرف في كل شي‌ء يكون بحسبه و في المقام يكون التصرف صادقا و الطريق ما ذكرناه.

و اما صورة الارتماس في الظرف فحيث يكون التصرف و الوضوء بعمل واحد لا يمكن القول بصحة الوضوء و كذلك لاجتماع الأمر و النهي فالوضوء كذلك باطل ثم قال بعضهم بان الارتماس في الماء إذا لم يكن في الماء تموج لا يكون تصرفا في الظرف فيصح الوضوء.

و فيه هذا ممنوع جدّا من حيث الصغرى (1) لأن لارتماس يوجب التموج قطعا و لو لم يكن محسوسا و قيل ان لارتماس غير الوضوء بل مقدمة له و هو جرى الماء و هو يحصل بعده و حرمة المقدمة لا تسرى إلى حرمة ذيها.

و فيه ان هذا كلام دقى خارج عن فهم العرف (2) فإنه يرى الارتماس و الوضوء بعمل واحد فتحصل من جميع ما ذكر صحة الوضوء في غير صورة الارتماس مع عدم العلم بالغصب.

[مسألة 2- أواني المشركين و سائر الكفار محكومة بالطهارة ما لم يعلم ملاقاتهم لها]

مسألة 2- أواني المشركين و سائر الكفار محكومة بالطهارة (3) ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة المسرية بشرط ان لا تكون من الجلود و الا

____________

(1) أقول و كذلك من حيث الكبرى لأن التموج و لو لم يحصل و لكن التصرف عرفي فإنه يرى إدخال اليد في كأس الغير تصرفا فيه مثل من يدخل مع السبب المناسب في هواء دار احد فهل يمكن ان يقال انه ما تصرف فيه؟!

(2) و مخالف للدقة أيضا لأنه كلما يخرج جزء من يده عن الماء يتصرف بهذا الإخراج في ملك الغير اى يكون حين الجريان هو حين الغصب فلا يصح الوضوء.

(3) كما هو الحكم في كل مشكوك الطهارة و النجاسة إذا لم تكن حالته السابقة النجاسة.

10

فمحكومة بالنجاسة إلا إذا علم تذكية حيوانها أو علم سبق يد مسلم عليها و كذا غير الجلود و غير الظروف مما في أيديهم مما يحتاج إلى التذكية كاللحم و الشحم و الألية، فإنها محكومة بالنجاسة إلا مع العلم بالتذكية أو سبق يد المسلم عليه. و اما ما لا يحتاج إلى التذكية فمحكوم بالطهارة، إلا مع العلم بالنجاسة و لا يكفى الظن بملاقاتهم لها مع الرطوبة. و الشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من شحمه أو أليته محكوم بعدم كونه منه فيحكم عليه بالطهارة، و ان أخذ من الكافر.

أقول ان طرح هذه المسألة هنا بعد ما مرّ من الكلام في نجاسة الكفار لعله يكون لخصوصية تقديم الظاهر على الأصل مثل ظاهر يد المسلم على استصحاب النجاسة و لا فرق بين لباس الكفار في ذلك و إنائهم و الدليل عليه صحيحة ابن سنان (باب 74 من النجاسات ح 1) (لو لم يشمل عموم دليل الاستصحاب للمقام) قال سئل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا حاضر قال انى أعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علىّ فاغسله قبل ان أصلي فيه؟ فقال صل فيه و لا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن أنه نجسه الحديث.

و تقريب الاستدلال بأنه في صورة الشك لا يجب الاجتناب. و اما في صورة العلم فهو واجب على فرض وجود الحالة السابقة و اما على فرض عدم وجودها فقاعدة الطهارة محكمة فمع قطع النظر عن الروايات الخاصة في المقام فاوانى المشركين مثل سائر الأشياء فكل ما فيها من الاستصحاب و القاعدة يكون في المقام أيضا و المهم في المقام هو النظر الى ان الروايات هل كانت للتعبد أو للإرشاد إلى النجاسة، و هي طائفتان فمن الطائفة الأولى ما يدل على النهي عن استعمال أواني المشركين مطلقا مثل ما عن سعيد الأعرج (في باب 54 من الأطعمة المحرمة ح- 1) انه سأل الصادق (عليه السلام) عن سئور اليهودي و النصراني أ يؤكل أو يشرب قال: لا.

11

و من الطائفة الثانية صحيحة ابن مسلم (في الباب السابق ح 3) قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمة و المجوسي فقال لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر.

فإن الطائفة الأولى مطلقة من جهة كون النجاسة ذاتية أو عرضية في وجوب الاجتناب فمنه يفهم بالملازمة نجاستهم الذاتية و الا فلا معنى للاجتناب مطلقا و التعبد خلاف الظاهر (1) و الطائفة الثانية حيث يكون فيها احتمال ان النجاسة من جهة الخمر و الميتة فتدل بالالتزام على عدم نجاستهم الذاتية فتعارض الطائفتان و العجب عن بعض المعاصرين في المقام حيث جمع بينهما بالإطلاق و التقييد فحكم بان المراد من الاولى هو الاجتناب عنهم من حيث النجاسة العرضية لا الذاتية لأن المقام يكون المطلق و المقيد فيه من المثبتين و لا وجه للتقييد كما حرر في محله الا ان يقال باستفادة وحدة المطلوب و حصر لاجتناب بصورة النجاسة العرضية أو يقال في الجمع كما هو التحقيق (2) ان لأولى تكون لبيان الحكم الواقعي و هو نجاسة‌

____________

(1) أقول لكن إذا تأملنا في مجموع الروايات الواردة في نجاسة أهل الكتاب يعلم ان نجاستهم تكون من جهة شربهم الخمر و الخنزير فيلزم الاجتناب عنهم الا ان يعلم طهارتهم بطريق مثبت لها و اما المشركون فالقول بنجاستهم فيه القوة و لكن ادعى الإجماع على عدم الاجتناب من أوانيهم و هو محل تأمل.

(2) أقول ان ما ذكره مد ظله بيانا للطائفة الثانية كصحيحة محمد بن مسلم لا يكون فيه إشعار بصورة الشك حتى يجمع كذلك و اما رواية عبد اللّه بن سنان فهي و ان كان الظاهر منها انه في صورة الشك يحكم بطهارة اللباس استصحابا المحالة السابقة و لكن حيث يكون في السؤال قيد العلم بأنه يشرب الخمر يفهم ارتكاز السائل بان الذمي ليس نجسا ذاتا مضافا بأنه يكون في غير الانية و توافق مع رواية ابن مسلم فهذه يستظهر منها المعارضة مع رواية الأعرج الظاهرة في ان النهي لا يكون لعنوان عرضي و الجمع بينهما هو ان يقال بأن رواية الأعرج بإطلاقها تدل على النجاسة في صورة عدم النجاسة العرضية و رواية عبد اللّه بن سنان ينفى ذلك فيقيد إطلاقها بها و لا شبهة في انه في صورة العلم بعدم ملاقاتهم للأوانى و العلم بالطهارة لا يكون الإشكال في الطهارة.

و اما في صورة العلم بالملاقاة مع الرطوبة فيكون الاجتناب للنجاسة العرضية لرواية عبد اللّه بن سنان ففي صورة العلم بالملاقاة تكون النجاسة على القاعدة بالنسبة إلى المشركين لنجاستهم الذاتية و بالنسبة إلى الكفار للعرضية.

و اما في صورة الشك فتكون الطهارة على حسب القاعدة من ان كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قذر إذا لم يعلم له حالة سابقه و على حسب الاستصحاب إذا كانت تلك الحالة الطهارة كما نطق به رواية عبد اللّه بن سنان و منها نعلم عدم لزوم الاعتناء بشأن الغلبة فإن الثوب و الظرف إذا كان في يد الكافر يلاقيه مع الرطوبة غالبا بحيث يمكن ان يحصل الظن القوى و لكن لا اعتناء به ما لم يحصل العلم العيني كما في سائر الموارد في باب النجاسات حتى انه يمكن ان يقال ان الاطمئنان بالنجاسة أيضا غير كاف في ذاك الباب و نحتاج الى العلم العيني فعدم الاجتناب عن الأواني المشكوكة يكون لما هو المستفاد من رواية ابن سنان مع عدم القول بالفصل بالنسبة إلى الأواني و لا الفرق بين الاستصحاب و قاعدة الطهارة و اما الإجماع اللبي كما عن الأستاذ (مد ظله) فحيث يكون سنده ما ذكر لا وقع له

12

الكفار ذاتا و الثانية في مقام بيان حكم صورة الشك في ملاقاتهم لها مع الرطوبة أم لا لان القواعد في غيرها تدل على الطهارة فالمعاصرون يحملون الطائفة الثانية على الاحتياط لعدم قولهم بنجاستهم الذاتية و نحن على بيان حكم الشك و لكن الإجماع البتي على الخلاف اى ظروفهم سواء كان معرضا للنجاسة أم لا يحكم بطهارته فتحمل الروايات على التنزه.

هذا كله في صورة عدم كونه من الجلود و اما صورة كونه منها فلا يحكم بالطهارة‌

13

لأن أصالة عدم التذكية أصل موضوعي حاكم على أصالة الطهارة التي هي أصل حكمي فلا نجوز الصلاة فيها و يحكم بنجاستها كما هو المختار و خالف هذا الرأي المختار جمع منهم بالتفصيل بين الحكم بالنجاسة و غيرها من الآثار فقالوا بأن أصالة عدم التذكية تثبت عدم جواز الأكل و عدم جواز اللبس في الصلاة و لكن لا تثبت النجاسة لأن موضوع النجاسة هو الموت حتف الأنف و لا يثبت الأصل هذا العنوان و فيه ان موضوعهما عدم المذكى فجزء بالوجدان ثابت و هو الحيوان و جزء يثبت بالأصل و هو عدم كونه مذكى و لكن على كلا التقديرين في مقام الشك إذا كان في يد المسلم يحكم بالطهارة و ترتيب الآثار جميعا.

و اما إذا شك في كونه من الجلود أو من غيره مثل اللاستيك و أمثاله الذي يتخذ من النفط و غيره فمحكوم بالطهارة و ان أخذ من يد الكافر، اما من جهة أصالة عدم كونه من الحيوان كما يفهم من كلمة «منه» في عبارة المصنف أو من جهة قاعدة الطهارة كما هو المختار فعلى فرض جريان أصالة العدم الأزلية يكون السند ما عن المصنف و الّا فما نقول هو السند الوحيد، و بيان الاستصحاب ان نقول هذا حينما لم يكن في عالم الوجود ما كان جلدا و لا غيره فوجد و لكن لا ندري انه وجد حيوانا أو غيره فالأصل عدمه. و فيه ان هذا الأصل على التحقيق لا يجرى فيما كان من الأوصاف التي هي من لوازم الذات و يجرى فيما كان فيما دون الذات مثل العدالة فإن زيدا حين لم يكن لم يكن عادلا و العدالة صفة حاصلة بعد الوجود فيمكن استصحاب عدم حدوثها و اما الصفة في مقام الذات فهو يكون ملفوفا بها ففي كل صقع فرض الذات تكون الصفة معه مثل المقام فان المشكوك حين ما وجد وجد اما حيوانا أو غيره و الحيوانية لا تكون من الصفات العارضة بعد الوجود و اشكال الشارحين على المصنف من عدم الوجه لجريان الأصل لعدم كون المقام مقامه لعله من باب قولهم بعدم جريان أصل العدم الأزلي مطلقا (1).

____________

(1) و السند هو قاعدة الطهارة كما اختاره الأستاذ (مد ظله)

14

[مسألة 3- يجوز استعمال أواني الخمر بعد غسلها]

مسألة 3- يجوز استعمال أواني الخمر بعد غسلها و ان كانت من الخشب أو القرع أو الخزف غير المطلي بالقير أو نحوه و لا يضر نجاسة باطنها بعد تطهير ظاهرها ظاهرا و خارجا بل داخلا فقط نعم يكره استعمال ما نفذ الخمر في باطنه إلا (1) إذا غسل على وجه يطهر باطنه أيضا.

أقول ان ظروف الخمر تارة يكون الكلام في الصلبة منها اى ما لا ينفذ فيه الخمر و تارة في الظروف الرخوة مثل الخزف فقال صاحب الجواهر (قده) بان استعمال القسم الأول منها لا شبهة في جوازه و يكون من ضروريات الدين و لا يحتاج إلى إقامة دليل و اما الرخوة فالشهرة العظيمة على جواز استعمالها. و الدليل على ذلك كله هو وجود المقتضى و عدم المانع، اما وجوده فلان تلك الظروف قابلة للتطهير فيطهر ظاهره و باطنه على ما قلناه من ان الأشياء التي نفذ فيه النجس يكون نحو تطهيره نحوا خاصا عند العرف و لا يكون فيه الدقة العقلية و على فرض عدم طهارة الباطن يكفي طهارة الظاهر لجواز الاستعمال و لا تسرى النجاسة من الباطن الى الظاهر هذا مقتضى القاعدة على ان لنا روايات في المقام تدل على طهارة آنية الخمر (في باب 51 من أبواب النجاسات) (ففي ح 1) موثقة عمار بن موسى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سئلته عن الدنّ يكون فيه الخمر هل يصلح ان يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون قال إذا غسل فلا بأس الى ان قال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال يغسله ثلاث مرات. و في حديث 2- عن حفص الأعور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انى أخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه ثم نصبه فنجعل فيها البختج قال لا بأس به و في معناها روايات أخر كثيرة. و تقريبها أنها بإطلاقها شامل لجميع الظروف سواء كانت صلبة أو رخوة.

و اما المانع فقيل ان مقتضى القاعدة عدم حصول تطهير الإناء بالغسل لان‌

____________

(1) لا وجه للاستثناء على فرض القول بالكراهة الّا انها محل تأمل لا بأس بالعمل بها رجاء.

15

الخمر يكون أسرع نفوذا في أعماق الظروف و يكون مثل الدسومة التي يعسر تطهيرها.

و الجواب عنه هو منع ذلك و على فرض التسليم تحصل الطهارة و ينفذ فيه الماء بقدر نفوذ الخمر فيها فهذا الكلام منهم في غاية السقوط لا لما ذكره بعض المعاصرين من النقض بالبول لان مدعاه هو ان الخمر أسرع نفوذا منه بل لما ذكرناه من المنع. و ثانيا استدلوا بروايتين فيهما الاختلال فمنها ما عن محمد بن مسلم (باب 52 من أبواب النجاسات ح 1) و فيها قال (عليه السلام) نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الدبا و المزفت و زدتم أنتم الحنتم يعنى الغضار و المزفت يعنى الزفت الذي يكون في الزق و يصبب في الخوابي ليكون أجود للخمر قال و سألته عن الجرار الخضر و الرصاص فقال لا بأس بها.

و منها رواية أبي الربيع الشامي في الباب حديث 2- قال نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الدبا و المزفت و الحنتم و النقير قلت و ما ذلك قال الدبا القرع و المزفت الدنان و الحنتم جرار خضر و النقير خشب كان أهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها.

اما معنى لغات الروايتين فالدباء هو الظرف من الخشب أو القرع و الحنتم جرار خضر صلبة مصنوعة من الخزف و المزفت ما يطلى بالقير ثم ان كل ذلك من الظروف الصلبة فلا يتم دلالتها على مطلوبهم و على فرض التمامية فيمكن ان يكون إرشادا الى ان الذرات تبقى ففي ما لا يكون فيه الذرات و علمنا به و غسلنا لا وجه للقول بالنجاسة أو يحمل النهي على التنزه و الكراهة (1) بعد تمامية القاعدة و الروايات في جواز الاستعمال.

____________

(1) بيان المصنف للكراهة و استثنائه لا يخلو عن شي‌ء لأنا ان استعملناها فيما يسرى من باطنه النجاسة الى ذلك الشي‌ء لا يجوز استعماله و ان لم يسر يجوز و لا وجه للكراهة و كذلك على فرض حصول تطهير الباطن ففي صورة عدم تطهير الباطن و العلم بعدم السراية لا وجه للكراهة الّا ان يكون المستند الروايات و على فرض تماميتها مع العلم بطهارة الباطن أيضا يحكم بها لإطلاقها من جهة حصول تطهير الباطن و عدمه و ان كانت إرشادا الى عدم حصول التطهير فلازمه النجاسة الّا ان يقال ان المراد بقاء القذارة بمقدار يكون الاجتناب عنه محبوبا لا واجبا و على اىّ تقدير لا تختص بصورة عدم تطهير الباطن.

16

ثم ان النظر في الرواية الأولى يعطي عدم تماميتها من حيث الدلالة لأن الدباء بحسب أصل اللغة يكون الظرف سواء كان محفورا من الصلبة أو الرخوة و يكون نوع من اليقطين من احد مصاديقه فتكون بعموميتها معارضة بذيل الرواية الذي يدل على عدم البأس بما يكون صلبة و ثانيا في إحدى الروايتين قوله (عليه السلام) و زدتم أنتم الحنتم يعارض قوله في الأخرى نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عنه لان المراد بزيادته هو انه لا يكون فيه بأس و يؤيد عدم البأس به لو كان الحنتم هو الجرار الخضر لانه جرار صلبة مصنوعة من الخزف و ثالثا ان المزفت أيضا من الصلبة فكيف نهى عنه و لم ينه عما هو مثله في الذيل فكل ذلك مما يوجب ضعف الدلالة في الرواية الاولى و اما الرواية الثانية فسندها ضعيف لأن أبي الربيع الشامي و ان كان شيعيا و لكن لم يوثق به و دلالتها ضعيفة أيضا من جهة ان المزفت في السابقة يعني بالمطلى بالقير (1) و هنا بالدن و الحنتم منهي عنه فيها دون السابقة على انها بعد الغمض عما ذكر و اعراض المشهور معارض بما مر من الروايات الصحيحة على جواز الاستعمال و الجمع بينهما بأن الناهية في الرخوة و المجوزة في الصلبة ممنوع لإطلاق الروايات و مخالفة الإجماع و اما القول بالإرشاد بعدم حصول الطهارة أيضا في هذه بعيد لانه ربما يحصل و كذلك التعبد بعدم الاستعمال فلا وقع للروايتين و يجوز استعمال أواني الخمر مطلقا سواء كانت رخوة أو صلبة بعد الغسل و العلم لحصول الطهارة.

____________

(1) أقول ان الدنية لا تنافي كونها مطلية بالقير أيضا على ان المزفت معناه المطلي بالزفت و هو غير القير و يوجد في دكة العطارين فإذا عنى بالدّن يناسب ان يكون مطليا بالزفت لا مطلق الدن الّا ان تلك الروايات ضعيفة من سائر الجهات.

17

[في حرمة استعمال أواني الذهب و الفضة]

في حرمة استعمال أواني الذهب و الفضة

[مسألة 4- يحرم استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل]

مسألة 4- يحرم (1) استعمال أواني الذهب و الفضة في الأكل و الشرب و الوضوء و الغسل و تطهير النجاسات و غيرها من سائر الاستعمالات حتى وضعها على الرفوف للتزين.

أقول ان عدم جواز استعمال أواني الذهب من المسلمات بين الخاصة و العامّة و المخالف منهم داود، و لكن في خلاف الشيخ نقل الكراهة و الناظرون الى عبارته حملوها على الحرمة لأن المكروه في أصل اللغة ضد المحبوب و لأن (2)

____________

(1) الاجتناب عنها يكون موافقا للاحتياط و لا جزم بالحرمة.

(2) أقول ان النظر الدقيق في الروايات يقتضي عدم الجزم بالحرمة لو لا ادعاء الإجماع لأن ما ورد فيه النهي يشبه الروايات الأخلاقية ففي ذيل النبوي «فإنها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة» و في ذيل العلوي «انما يجرجر في بطنه نار جهنم» و هذه العبارات لا ظهور لها في الحرمة مثل انه ورد من تعمم و لم يحنك ابتلاء اللّه بداء لا دواء له فهل يستفاد من هذه العبارة وجوب التحنك؟ و نواهي النبي (صلى اللّه عليه و آله) في المكروهات كثيرة و كلمة لا ينبغي و لفظ الكراهة في سائر الروايات ظاهرة في عدم الحرمة.

فلو كنا نحن و الروايات نستفيد من مجموعها الكراهة و لا وجه لحمل الكراهة في عبارة الشيخ في الخلاف على الحرمة و اما فتوى المشهور على الحرمة فيمكن ان تكون لاستفادتهم و استظهارهم من الروايات الناهية الحرمة جزما و اعراضهم عن الدالة على الكراهة يمكن ان يكون من هذه الجهة لا من جهة الخدشة في السند ظنا منهم بان التعبير بالكراهة، و بلا ينبغي، في لسان الشرع لو لم يدل على الحرمة يكون في المقام دالا عليها بقرينة ما استظهروا من النواهي مع انه يمكن ان تكون الدالة على الكراهة قرينة لانصراف النهي عن ظهوره في الحرمة فلا يكون الاعراض ثابتا و مع الغمض عن ذلك فإجماعهم حيث يكون سنده تلك الروايات فلا أساس له فنحن إذا لم نستظهر من تلك الروايات الحرمة لا يبقى لنا وجه للقول بالحرمة.

نعم بعد قول الفقهاء قديما و حديثا بالحرمة و النواهي الصريحة في المقام أكثر مما ذكر في هذا الكتاب فالقول بالكراهة أيضا مما لا يرضى به الفقيه فالاحتياط الوجوبي هو ترك الأكل و الشرب منها.

18

الإجماع على خلافه و الدليل على ذلك الروايات فمنها ما تكون منقولة عن كتب العامة و في المستدرك من كتبنا، ففي الحدائق ان الجمهور رووا عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه قال لا تشربوا في آنية الذهب و الفضة و لا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة و عن على (عليه السلام) الذي يشرب في آنية الذهب و الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم.

و من التعليل في الأولى نفهم ان مطلق الاستعمال في الأكل و الشرب و غيره حرام فإن العلة معممة و الأكل و الشرب يكون من باب المثال و الغلبة و الرواية الثانية و ان نسبت إلى العامة و لكن لم توجد في كتبهم و انما تختص بالشرب فقط و اما الروايات عن طرق الخاصة فهي على ثلاث طوائف الأولى ما فيه النهي عن ذلك بلفظ النهي و غيره، الثانية ما فيه التعبير بالكراهة و الثالثة ما فيه التعبير بلا ينبغي و قد وردت في باب 65 من أبواب النجاسات فعن داود بن سرحان (ح 2) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) لا تأكل في آنية الذهب و الفضة و عن محمد بن مسلم (ح 3) عن ابى جعفر (عليه السلام) انه نهى عن آنية الذهب و الفضة و (ح 4) عن سهل عن على بن حسان عن موسى بن بكر عن ابى الحسن موسى قال آنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون.

و قد كانت الروايات في هذه الطائفة أيضا في تعابيرها اختلاف و تقريبها واضح و الأشكال في رواية سهل من جهة ضعفه كما قال الشيخ الأنصاري (قده)

19

سهل و قوله (قده) فيه لعله لوجود سائر الروايات أو كونه عنده موثقا و قد حملوا الرواية الأخيرة على الكراهة من جهة الذيل لعدم ظهوره في الحرمة.

و اما الطائفة الثانية في الباب أيضا ففي (ح 6) عن يونس بن يعقوب عن أخيه يوسف قال كنت مع ابى عبد اللّه (عليه السلام) في الحجر فاستسقى ماء فأتى بقدح من صفر فقال رجل ان عباد بن كثير يكره الشرب في الصفر فقال لا بأس و قال (عليه السلام) للرجل إلّا سألته أذهب هو أم فضة؟

و في (ح 10) عن على الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه كره الذهب و الفضة و الآنية المفضضة.

و اما الطائفة الثالثة فمنها (ح 5) عن سماعة بن مهران عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا ينبغي الشرب في آنية الذهب و الفضة.

ثم انّ الروايات الطائفة لأولى الناهية تعارض الروايات الطائفة الثانية الدالة على الكراهة فربما يقال بأن الثانية لما كانت صريحة في الكراهة و المنقصة و الأولى ظاهرة في الحرمة فتحمل على الثانية فيقال بكراهة الأكل و الشرب من الآنية الا ان يدعى ان الكراهة في زمن الأئمة (عليهم السلام) كانت ظاهرة و مستعملة في الحرمة و لا شبهة ان العرف اليوم يفهمون من الكراهة المنقصة و انما الكلام في انه هل كان في عصرهم (عليهم السلام) أيضا كذلك أم لا قال الفقهاء تارة تكون الحرمة بلسان المعلول عن الفساد مثل ان تبرز بالنهي، و تارة تبرز ببيان علتها فقالوا ان الكراهة بمعنى المبغوضية التي هي علة للحرمة و منشأها عند الجعل و فيه ان البغض كالحب يكون له مراتب فمن اين يحمل على المرتبة العليا ليفيد الحرمة اللهم الا ان يقال إذا لم تكن قرينة في المقام يحمل على أكمل الأفراد.

و لكن التحقيق ان هذه الروايات الدالة على الكراهة لإعراض المشهور عنها ساقطة.

و اما الروايات التي تكون التعبير فيها بلا ينبغي فلا شبهة و لا ريب في ان هذه‌

20

الكلمة في زماننا هذا يستعمل في صورة الكراهة، فبتشابه الازمان يمكن استفادة كونها في زمنهم (عليهم السلام) أيضا كذلك فتكون قرينة على ان المراد بالنهي في الطائفة الناهية أيضا الكراهة المصطلحة في لسان الشرع و الشافعي أيضا حمل النهي على ذلك.

و فيه ان الروايات الناهية أظهر و أكثر سيما رواية على (عليه السلام) و هذه الروايات لإعراض المشهور عنها و قلتها غير معتمد عليها.

لا يقال فيما ذكرت من الروايات لا يكون النهي عن الشرب في آنية الذهب و انما النهي عن الأكل فقط بخلاف الفضة فإن النهي فيها ورد عنهما اى عن الذهب و الفضة لأنا نقول في النواهي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) ورد النهي عنه أيضا كما في الوسائل (باب 65 من النجاسات ح 9) عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث المناهي قال نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الشرب في آنية الذهب و الفضة. و عمل المشهور جابر لضعفها، فتحصل ان استعمال آنية الذهب و الفضة حرام من جهة الأكل و الشرب لإعراض المشهور عن المعارض.

اما الاستعمال في الوضوء و الغسل و تطهير النجاسات أيضا فقد ادعى الإجماع على عدم جوازه كما ان المصنف تعرض لعدم الجواز و كذلك ادعى الإجماع على مطلقا التصرف و لو لم يكن استعمالا مثل الوضع على الرفوف كما تعرض له المصنف (قده) و لكن المهم في المقام هو الروايات فان فيها التصريح بالنهي عن الأكل و الشرب و لم يكن فيها النهي عن غيرهما بنحو صريح و لكن روايات النهي مطلقة من جهة الاستعمال بأي طور كان فإن النهي عن آنية الذهب و الفضة شامل لجميع الاستعمالات و يفهم منه مبغوضية الوجود. و يؤيد ما نقول ما ورد في صحيحة ابن بزيع (ح 1) و الحلبي (ح 10) أما الأولى ففي باب 65 من النجاسات قال سئلت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) بأنه كره آنية الذهب و الفضة فكرههما و الثانية مرت آنفا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) بأنه كره آنية الذهب و الفضة فإن التعبير بالكراهة يكون مانعا‌

21

عن العمل بهذه الروايات.

و الحاصل ان كراهة الآنية لا تكون مقيدة بالأكل و لا بالشرب و لا بسائر الاستعمالات الخاصة بل شاملة لمطلق التصرف و لو لم يكن استعمالا.

لا يقال ان الآنية من جهة التكوين و من جهة انها وجود من الموجودات لا تكون مكروهة و لا مبغوضة بل يلزم ان يتعلق النهي بفعل من الأفعال المتعلقة بها من الأكل و الشرب و لا وجه للنهى عن ذلك مطلقا. لأنا نقول النهي عنها في مطلق الاستعمال أيضا يكون من الشرع فإنه لا فرق بين كون الشي‌ء مبغوضا عنده كلا أو كان بعض منافعه كذلك و لا مانع من التشريع نعم المبغوضية المطلقة ما لم تصل الى حد الكمال لا توجب الحرمة و يؤيد مبغوضية الوجود ما في حديث موسى بن بكير (في باب 65 من النجاسات ح 4) من قوله (عليه السلام) «آنية الذهب و الفضة متاع الذين لا يوقنون» فمن كان موقنا لا يكون هذه متاعه و سلب المتاعية لازمه عدم جواز الاستعمال مطلقا و ضعف السهل فيها سهل كما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) لا يقال ان النهي عن كل شي‌ء يكون منصرفا الى ما هو المراد منه فإذا قيل، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ ينصرف الذهن إلى حرمة وطئهن أو إذا قيل أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ، يكون المنصرف منه الأكل. و كذلك إذا قيل حرمت عليكم الميتة و الدم ينصرف إلى أكلها. ففي المقام أيضا إذا قيل نهى عن آنية الذهب و الفضة فالمراد منه النهي عن الأكل و الشرب منهما لأن منفعة الإناء هي ذلك. لأنا نقول ان الواقع خلاف ذلك لان المنصرف من تلك الظروف هو التزيين حتى انه لو استعمل في الأكل و الشرب يكون بعنوان الزينة و الافتخار بين الاقران. هذا حكمه التكليفي اما ان الوضوء و الغسل بهما فهل يكون باطلا أم لا فسيجي‌ء في المسائل الآتية.

و اما وضعها على الرفوف للتزيين فان قلنا ان مطلق وجوده مبغوض لا إشكال في حرمته و لو لم يكن استعمالا. و قال العلامة: لو كان الاقتناء حراما لكان ذلك‌

22

أيضا حراما و قال صاحب الجواهر في صورة صدق الاستعمال حرام و الحق ما ذكرناه و اما دليل القائلين بأن الاقتناء و لو لم يكن استعمالا أيضا حرام فهو أولا ان ذلك إسراف و هو حرام لانه يوجب سلب المنافع المقصودة منها و فيه ان هذا منقوض بصورة كسره و حبسه فإنه أيضا يوجب منع الاستفادة عن منافعه و لم يقل أحد بأن هذا حرام الا ما حكى عن بعض قليل. و ثانيا ان ذلك يستلزم كسر قلوب الفقراء. و فيه ان هذا أيضا استحسان و قضية اخلاقية فان مجرد ان الفقراء إذا رأوا ان أحدا كان غنيا ينكسر قلوبهم بفقرهم غير مربوط بالقول بالحرمة فالتحقيق ما ذكرناه من مبغوضية صرف الوجود.

قوله: و يحرم (1) بيعها و شرائها و صياغتها و أخذ الأجرة عليها بل نفس الأجرة أيضا حرام لأنها عوض المحرم و إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه.

أقول الدليل على ذلك هو كونه مثل بيع الأصنام و الخمر نعم قال الشيخ الأنصاري (قده) بان بيع الأصنام أيضا إذا لم يكن المراد منها الهيئة بل المادة يكون جائزا فعلى هذا إذا لم يكن للهيئة دخل في البيع فيجوز بيع أصله بمادته و اما الحكم الوضعي و هو انه لو باع هل يكون باطلا أم لا إذا بيع بهيئته ففي مقامه في الأصول قلنا بأن النهي سواء كان عن السبب و المسبب لا يكون مسلكنا فيه مسلك من قال بالبطلان و لا مسلك أبي حنيفة القائل بأنه دال على الصحة و لكنا نقول بأن النهي إذا كان عن الأثر يكون كاشفا عن البطلان كما يقال ثمن العذرة سحت فإنه كاشف عن عدم حصول النقل و الانتقال و المقام أيضا كذلك (2)

____________

(1) على الأحوط.

(2) أقول انه لم يبين وجه ذلك في المقام و ان بين في الصياغة و وجهه اما من باب ان إطلاق الكراهة عن الشي‌ء يشمل حتى الثمن و اما من باب ما ذكره المصنف من ان اللّه إذا حرم شيئا إلخ قال استعمال الأواني محرم و ثمنه أيضا محرم و ضعف الرواية منجبر بعمل الأصحاب.

23

و اما صياعتها فهي على مسلك التحقيق من مبغوضية الوجود لا إشكال في حرمتها و اما على مسلك القائل بأن الاستعمال حرام فحيث لا يصدق عليها الاستعمال لا تكون حراما من هذه الجهة و اما بطلان الإجارة فقد تمسكوا له بأدلة لا نحتاج إليها بل نقول ان (1) القدرة على التسليم شرط شرعي و عقلي في كل عقد و المراد بها القدرة الأعم من الشرعي و العقلي و المقام حيث لا يكون للصائغ قدرة شرعية على تسليم ما أجير عليه للنهى عنه لا تصح الإجارة و اما الاستدلال بحديث «انّ اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» أو بنقل آخر «ان اللّه إذا حرم أكل شي‌ء حرم ثمنه» كما في كتب العامة فلضعف سنده لا يكون دليلا مع الاختلاف في النسخ و لكن المصنف (قده) الذي قال بذلك في المتن فلعله بين ما هو مقتضى القواعد من شرطية القدرة على التسليم.

[مسألة 5- الصفر أو غيره الملبس بأحدهما يحرم استعماله]

مسألة 5- الصفر أو غيره الملبس بأحدهما يحرم استعماله إذا كان على وجه لو انفصل كان إناء مستقلا و اما إذا لم يكن كذلك فلا يحرم كما إذا كان الذهب أو الفضة قطعات منفصلات لبس بهما الإناء من الصفر داخلا أو خارجا.

أقول ان العلامة و الطباطبائي و جمع على الحرمة لصدق الإناء على ما لبس إذا انفصل و لكن صاحب الجواهر شكك فيه اى في صدقها و لكن في النفس شي‌ء فلا يترك الاحتياط بترك الاستعمال في هذه الصورة و اما الصورة الثانية فحيث لا يصدق عليها اى على القطعات الإناء فلا اشكال فيها و قد جعل الطباطبائي المناط على‌

____________

(1) أقول ان القدرة على التسليم تكون امرا عرفيا و عدمها أيضا كذلك و نهى الشرع لا يوجب صيرورة المقدور غير مقدور بل النهي عن هذا العمل يوجب المنع بحيث لو فرض القدرة على التسليم أيضا يمنع عن المقدور فإذا نهى عنه الشرع سد جميع أبواب وجوده و منه الصياغة.

24

أكثرية الذهب أو الفضة فحكم بالحرمة و على أقليته عن خليطه فلا حرمة (1) في الصورة السابقة.

[الكلام في الأواني المفضضة]

الكلام في الأواني المفضضة

[مسألة 6- لا بأس بالمفضض و المطلي و المموه بأحدهما]

مسألة 6- لا بأس بالمفضض و المطلي و المموه بأحدهما نعم يكره استعمال المفضض بل يحرم الشرب منه إذا وضع فمه على موضع الفضة بل الأحوط ذلك في المطلي أيضا

أقول انه يجب النظر الى الروايات الواردة في المقام لنرى ان أيّة منها يمكن التمسك بها للمقام أو في مقام الجمع بينها. فنقول ان الروايات هنا على طائفتين الأولى ما دلت على الجواز اى جواز استعمال المفضض مطلقا فمنها ما (في باب 66 من أبواب النجاسات ح 4) عن معاوية بن وهب قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة قال لا بأس الا ان يكره الفضة فينزعها و منها (في الباب المتقدم ح 5) عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا بأس ان يشرب الرجل في القدح المفضض و اعزل فمك عن موضع الفضة.

الطائفة الثانية ما دلت على النهي فمنها ما (في باب 65 من النجاسات ح 10) عن عبيد اللّه بن على الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه كره آنية الذهب و الفضة و الآنية المفضضة.

و تقريب الاستدلال واضح لدلالتها على عدم جواز الاستعمال بأي نحو كان الا ان يقال بأنه منصرف إلى الأكل و الشرب.

و منها ما (في باب 66 من النجاسات ح 1) عن على الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) أقول ان المناط على صدق الإناء الذهبي و الفضوى لا على أكثرية الذهب و الفضة نعم الأكثرية ربما توجب صدق ذلك.

25

قال لا تأكل في آنية من فضة و لا في آنية مفضضة.

و تقريب الاستدلال ان هذه الرواية اما تكون لفظة «لا» فيها (1) زائدة فيصير المعنى لا تأكل في آنية من فضة و لا في آنية مفضضة أو لا تكون زائدة فمعناه لا تأكل في آنية مفضضة و منها موثقة بريد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه كره الشرب في الفضة و في القدح المفضض.

و قيل في مقام الجمع ان الروايات المجوزة لما يكون التجويز فيها مطلقا من حيث أطوار الاستعمالات و كذلك الناهية فالجمع يقتضي الحمل على الكراهة برفع اليد عن ظهور كل بنصّ الأخر، ضرورة أن المجوزة نص في الجواز ظاهر في عدم المنقصة و الناهية نص في المنع أي المنقصة و ظاهرة في الحرمة.

و قد أشكل عليهذا الجمع أولا بأن الرواية الواحدة كيف يمكن حمل بعضها على الحرمة و البعض الأخر على الكراهة فإن صدر رواية الحلبي يكون فيه النهي التحريمي عن أواني الذهب و الفضة و ذيلها النهي عن المفضضة و ثانيا انه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى ضرورة استعمال النهي الواحد تارة في الحرمة و اخرى في الكراهة.

و الجواب عنه أولا هو ان الاشكال غير وارد لانه يمكن استعمال اللفظ بنحو عموم المجاز مع القرينة في الكراهة و الحرمة و لا اشكال فيه. و لكن هذا (2)

____________

(1) أقول الظاهر انه لا وجه لكونه ذائدة و على اى تقدير لا يكون موجبا للفرق بين المعنيين.

(2) أقول الجواب عن الإشكال الثاني هو ان المعطوف في حكم المعطوف عليه و العاطف يوجب ان يكون الحكم على أحدهما مكررا على الأخر فمعنى «و لا في آنية مفضضة» لا تأكل فيها فالنهي متعدد و لكن السياق يقتضي ان يكون الحكم على المعطوف هو الحكم على المعطوف عليه لا غيره فلا محالة يؤل الأمر الى ما ذكره (مد ظله) من الحمل على الفرد الأكمل.

26

الجواب غير صحيح لأن الكراهة كما أنها محتاجة إلى القرينة كذلك الحرمة محتاجة إليها.

و لكن التحقيق كما حرر في محله هو ان استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد جائز و لكن المائز هنا هو ان الاحكام متضادة أعني الوجوب و الحرمة و الكراهة و الإباحة و الاستحباب و لا جامع بين الحرمة و الكراهة و النهي يكون لنسبة زجرية بين الموضوع و المحمول و عند عدم القرينة فلا محالة يحمل على الفرد الأكمل.

هذا ما قيل في المقام و ذكرناه تبعا لهم و لكن الحق انه لا معارضة بين الروايات أصلا بل (1) كل واحد يكون في مورد غير المورد الأخر فإن حسنة‌

____________

(1) أقول ان رواية الحلبي (ح 10 باب 65 من النجاسات) يكون لسانها مطلقا لقوله كره آنية الذهب و الفضة و المفضضة و حيث تكون مع الخاص في الأكل بنحو العموم و الخصوص و لا سبيل إلى إحراز وحدة المطلوب بعد كونهما مثبتين فلا مناص الّا ان يقال ان الكراهة غير الحرمة أو ان المشهور أعرضوا عنها في صورة كون الكراهة هي الكراهة المصطلحة في الذهب و الفضة فلا مناص الّا ان يقال بأن المجوزة على فرض عدم إثبات إعراض المشهور عن المطلق تخصص المطلقة في خصوص الشرب فينتج أيضا ما ذكره الأستاذ (مد ظله) .

و لكن الإنصاف ان المستفاد من الروايات بعد ملاحظة ما ورد في ان وجودهما اى الذهب و الفضة في الاستعمالات و خصوصا الأكل و الشرب منهما مبغوض و هنا أيضا يكون الكراهة في رواية الحلبي مطلقة، هو ان المراد الأكل و الشرب. و ما ورد في خصوص الشرب من عدم البأس يمكن ان يقال كان المورد مورد الشرب و ما ورد في خصوص الأكل يكون المراد منه هو الأعم من الشرب. و كيف كان فالفرق بينهما بعيد و القول بالحرمة مشكل و الجمع يقتضي الكراهة و اما موضع الفضة فيحرم الشرب منه للنهى بقوله (عليه السلام) «و اعزل فمك من موضع الفضة».

27

الحلبي لا تشمل الشرب فإن النهي فيه عن الأكل فقط و الروايات المجوزة تكون في الشرب فقط، فطائفة تدل على النهي عن الأكل و طائفة تدل على جواز الشرب و لا مانع لأن النهي ظاهر في الحرمة و الاتحاد في الحكم إذا عطفت المفضضة على الذهب و الفضة ممنوع فالأكل منها حرام و الشرب حلال، و اما سائر الاستعمالات فحيث لا دليل على حرمته فالأصل يقتضي الحلية.

ثم ان في معنى المفضض قد اختلف فحكى الشيخ الأعظم الأنصاري في طهارته (ص 352) عن صاحب البحار فيه ستة احتمالات: الأول ان الظروف التي بعضها نحاس و بعضها فضة المتميز كل واحد منهما عن الآخر كما يستعمل ظروف أصلها من الخزف أو غيره و فيها شي‌ء من الفضة. الثاني ما كان جميعه مموّها بالفضة، و هو قسمان: الأول ما كان مموها بالفضة و إذا عرض على النار لا ينفصل منه شي‌ء. الثاني ما كان متلبسا بالسبائك و شبهها و إذا عرض على النار ينفصل منه شي‌ء. الثالث ما علق عليه حلقة أو قطعة من سلسلة من الفضة، الرابع ان تخلط الفضة بغيرها و يصنع منه الآنية، الخامس ما نقش بالفضة.

هذا ما ذكره الشيخ (قده) من الاحتمالات نقلا عن البحار و اما الذي (1) يستفاد من الروايات فهو الاحتمال الأول و هو القول بان المفضض ما كان فيه قطعة من الفضة و لقوله (عليه السلام) في رواية ابن سنان «و اعزل فمك عن موضع الفضة».

و تقريب الاستدلال هو ان الظرف لو كان جميعه ممّوها بماء الفضة أو بها نفسها لا يبقى وجه للتفصيل بين موضع الفم و غيره، و اما غيره هذا الموضع فلا دليل على المنع منه و الأصل يقتضي البراءة عن الحرمة نعم لو قلنا بأن الرواية يكون حكمها على الفرض أي إذا كان بعض منه فضة و بعض آخر غيرها فأعزل فمك و اما إذا كان الجميع كذلك فلا.

و قال صاحب المدارك باستحباب العزل و عن جمع حرمة الوضع اى وضع‌

____________

(1) أقول ان الشيخ قده أيضا قد اختار الأول و الثالث.

28

الفم، و دليلهم ظهور الأمر في قوله (عليه السلام) «اعزل» في الوجوب و معناه ان العزل واجب و تركه حرام و عليه الطباطبائي بحر العلوم و المصنف.

و اما الدليل (1) على عدم البأس بذلك فما ورد من قوله (عليه السلام) «الا ان يكره الفضة فينزعها» (ح 4 باب 66 من النجاسات) و في نسخة «و اعزل فمه» فعلى هذا حيث لا تكون هذه الجملة ظاهرة في الوجوب فيمكن الحمل على الكراهة، و قال صاحب الجواهر ما رأيت رأيا على الحرمة فعلى هذا لا إجماع في المقام حتى يحذر منه و لا يتم ما استدل به للمرام و لكن الاحتياط لا يترك.

هذا كله في المفضض فهل المذهب (2) أيضا كذلك أم لا؟ التحقيق عدم كونه مثل المفضض لعدم الدليل عليه و لكن قيل انه مثل المفضض لوحدتهما عرفا. و فيه ان الأكل أيضا مثل الشرب فكيف لا يقولون بوحدتهما إذا دل الدليل على حرمة أحدهما في الرواية و أيدوا قولهم بأنه يستلزم كسر قلوب الفقراء و خلاف النظام الاجتماعي و لكن أمثال ذلك لا يمكن الاستدلال الفقهي به بل هو استحسان محضا فإنه لا فرق بين ضبطه في الصندوق و كونه منصوبا على شي‌ء في ذلك فلو كان المناط ذلك يجب ان يقال به في كلا المقامين و هو كما ترى.

____________

(1) أقول انه لا يكون هذا أيضا دليلا لأن النسبة بين هذه و ما يكون فيه الأمر فالعزل العموم و الخصوص المطلق لأن هذه دلت على عدم البأس عن المفضضة، موضع الفضة و غيرها و تلك الرواية على وجوب عزل الفم عن موضع الفضة و لا بأس باستعمالها، و حيث ادعى اختلاف النسخ فالاحتياط الوجوبي هو ترك وضع الفم على الفضة.

(2) حيث علمنا من الروايات مبغوضية استعمال الذهب و الفضة بنحو الإناء و هذا أيضا من شؤنه يمكن القول بأن الأولى و الأحوط ترك المذهب أيضا و لا يخفى ان هذا الوجه استحساني و لا دليل لنا على الحرمة.

29

[مسألة 7- لا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما]

مسألة 7- لا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما إذا لم يكن بحيث يصدق عليه اسم أحدهما.

أقول لأن المناط على صدق العنوان ففي صورة الغلبة كثيرا يمكن صدق أحدهما فعليه حكمه و اما صرف الامتزاج فلا اشكال فيه.

[مسألة 8- يحرم ما كان ممتزجا منهما]

مسألة 8- يحرم (1) ما كان ممتزجا منهما و ان لم يصدق عليه اسم أحدهما و كذا ما كان مركبا منهما بان كان قطعة منه من ذهب و قطعة من فضة.

أقول ان الدليل على هذا هو صدق الموضوع فإنه بضميمة الارتكاز لا يفرق فيه بين ما كان كل واحد منهما على حدة إناء أو مجموعا و يؤيده انه إذا ركب معجون من دم طاهر كدم المتخلف و ميتة طاهرة كميتة ما لا نفس له و لم يصدق عليه اسم أحدهما لا يكون حلالا لعدم حلية اجزائه و المقام أيضا من ضم الحرامين لا يحصل حلال في البين. و فيه ان التركيب فيما ذكره اعتباري لا شأن له بعد بقاء الاجزاء بحالها و على فرض تغيير الصورة النوعية أيضا لا يفيد لأن الحرام هو صورته الجسمية لا النوعية و في المقام يكون الحرام هو إناء من ذهب أو من فضة فهما بوصف الإنائية محرمان لا من حيث كونهما ذهبا و فضة و نحتمل ان يكون الخلوص من غيره دخيلا في الحرمة.

و استدلوا أيضا بأن الموضوع للحرمة هو الأعم فيصدق على الممتزج و الخالص و فيه انه لا معنى له فان الموضوع هو الجنس و له افراد و على فرض الشك في الحكم فالقاعدة تقتضي الحلية فتحصل عدم حرمة استعمال الآنية الممزوجة من الذهب و الفضة خلافا للمصنف و جمع لعدم الدليل عليه الا ان يخاف من ادعاء عدم الخلاف و أمثاله.

____________

(1) الأقوى عدم الحرمة و الأحوط الاجتناب.

30

[مسألة 9- لا بأس بغير الأواني إذا كان من أحدهما]

مسألة 9- لا بأس بغير الأواني إذا كان من أحدهما كاللوح من الذهب أو الفضة و الحلي كالخلخال و ان كان مجوفا و غلاف السيف و السكين و امامة الشطب بل و مثل القنديل و كذا نقش الكتب و السقوف و الجدران لهما.

أقول ان الكلام هنا في صورة القطع بعدم كون ذلك من الآنية و اما صورة الشك فيه فسيجي‌ء حكمه و التحقيق عدم البأس باستعمال ذلك كما عليه المصنف و الدليل عليه القاعدة لأن كل حكم كان على عنوان من العناوين ينتفي بانتفائه فإن الحكم هنا يكون على الآنية فلا يشمل غيره و يؤيده الروايات (في باب 67 من أبواب النجاسات) ففي (ح 3) عن صفوان بن يحيى قال سألت أبا الحسن عن ذي الفقار سيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال نزل به جبرئيل من السماء و كانت حلقته من فضة. و في (ح 4) عن يحيى بن ابى العلاء قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول درع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدمها و حلقتان من ورق (1) في مؤخرها و قال لبسهما على (عليه السلام) يوم الجمل و في (ح 5) عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألته عن المرآة هل يصلح إمساكها إذا كان لها حلقة فضة قال نعم انما يكره استعمال ما يشرب به قال و سألته عن السرج و اللجام فيه الفضة أ يركب به قال: ان كان مموّها لا يقدر على نزعه فلا بأس و الّا فلا يركب به.

و تقريب الاستدلال بالأولى هو عدم البأس حتى الكراهة لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يعمل مكروها و كذلك الرواية الثانية و احتمال ان ذلك من مختصات النبي (صلى اللّه عليه و آله) مندفع أوّلا بأنها تحتاج الى دليل خاص لم يكن في المقام و ثانيا ان عليا (عليه السلام) لم يكن له مختصات و قد لبس ما ذكر. و اما الرواية الثالثة فإن السرير مع كونه مفضضا و يكون هذا علامة أهل الدنيا بالنحو الأتم لا يكون فيه بأس و المرآة‌

____________

(1) أقول ان دلالتها تكون بعد ادعاء ظهور الورق أو كون المراد منه هو الفضة بقرينة سائر الروايات و اما استعمال الورق بإطلاقه فلا يفيد انه كان من فضة.

31

أيضا حلقتها كانت كذلك لا نفسها كما هو الظاهر و لا اشكال فيها.

و في مقابل هذه الروايات روايات في الباب المتقدم منها (ح 1) عن الفضيل بن يسار قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السرير فيه الذهب أ يصلح إمساكه في البيت فقال ان كان ذهبا فلا و ان كان ماء الذهب فلا بأس.

و الاشكال على الرواية هو ان لفظ «يصلح» لا يستفاد منه الحرمة بل يطلق في مورد احتمال الكراهة. و اما الإشكال عليها بالتفصيل بان يقال انه لو كان حراما لا فرق بين الذهب و مائه فحيث فصّل يكون هذا قرينة على ان المراد عدم الصلاحية لا الحرمة. فهو مندفع لانه يمكن ان يقال بحرمة الذهب و حلية مائة فلا يستفاد من التفصيل ما ذكروه.

ثم في مقام الجمع بين الطائفتين بعد دلالة الطائفة الثانية على المنع التحريمي فقيل بأنه في التمويه لا اشكال و اما في مثل الحلقة فهو يقتضي الكراهة. و فيه ان هذا ممنوع لأن ما ورد يكون بيانا لفعل النبي (صلى اللّه عليه و آله) و على (عليه السلام) و هما لا يفعلان المكروه أيضا.

و اما القول بان هذه الرواية و تلك الروايات تكون في موارد خاصة و لا يسرى حكمها الى غيره أيضا فلا يخفى ما فيه لانه لا قائل به و لا وجه للاختصاص فلا وجه للقول بالكراهة أو الحرمة فيمكن ان يقال بان المشهور بعد تمامية (1) دلالة هذه الروايات أعرضوا عنها و اعراضهم موجب لضعفها.

[مسألة 10- الظاهر ان المراد من الأواني ما يكون من قبيل الكأس و الصيني و القدر]

مسألة 10- الظاهر ان المراد من الأواني ما يكون من قبيل الكأس و الصيني (2) و القدر و السماور و الفنجان و ما يطبخ فيه القهوة و أمثال ذلك

____________

(1) أقول ان الظاهر عدم تمامية دلالتها و المشهور لعلهم لم يروا تمامية دلالتها فلا يثبت الاعراض و على فرض تمامية المعارضة فتلك الروايات أشهر و أكثر فهي المرجع دونها.

(2) و الحاصل ان المراد بها كل ما يكون معدا للأكل و الشرب.

32

مثل كوز القليان بل و المصفاة و البشقاب و النعلبكى دون مطلق ما يكون ظرفا فشمولها لمثل رأس القليان و رأس الشطب و قراب السيف و قاب الساعة و ظرف الغالية و الكحل و العنبر و المعجون و الترياك و نحو ذلك غير معلوم و ان كانت ظروفا إذ الموجود في الاخبار لفظ الآنية و كونها مرادفا للظرف غير معلوم بل معلوم العدم و ان كان الأحوط في جملة من المذكورات الاجتناب نعم لا بأس بما يصنع بيتا للتعويذ إذا كان من الفضة بل الذهب أيضا و بالجملة فالمناط صدق الآنية و مع الشك فيه محكوم بالبراءة.

أقول ان هذه المسألة تتضمن بيان معنى الإناء من حيث التطبيق و نحن إذا فهمنا معناه مفهوما لا يهمنا التطبيق و لكن العلماء (رضوان اللّه عليهم) تلقوا معناه بالعويصة و الاجمال و هو الحق لأنه لا يستفاد من اللغويين و العرف شي‌ء يقيد به فقال في مصباح اللغة الإناء و الأنية كالوعاء و الأوعية وزنا و معنى فنرى هذا التعبير يشمل حتى مثل الخرجين (1) و القربة على ان الوعاء يستعمل كثيرا مع المضاف اليه مثل ما يقال وعاء (2) من أوعية الماء و الإناء يستعمل مطلقا بدون المضاف اليه مضافا الى انه قد استعمل فيما لا يكون من الظروف المعمولة مثل قول على (عليه السلام) في نهج البلاغة «ان هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها» فيكون القلب أيضا وعاء و لا يكون آنية و مع الغمض عن جميع ما ذكرناه لا يكون قول اللغوي حجة بنفسه بل هو بيان لموارد الاستعمال و نحن إذا رجعنا الى العرف فهو أيضا لا يفيدنا معنى محصلا يكون ضابطة في سائر المقامات فتصل النوبة إلى الشك فلا محالة يؤخذ‌

____________

(1) أقول ان قوله تعالى «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعٰاءِ أَخِيهِ» (سورة يوسف) استعمل الوعاء في مثل الخرجين.

(2) لا دخل للمضاف إليه في معنى الوعاء و هذا الاستعمال يكون في الآنية أيضا مثل ان يقال إناء من آنية الماء.

33

بما هو المتيقن من الإناء و اما ما شك فيه فأصالة الحل حاكمة فيه هذا و لكن يمكن ان يستفاد من التدبر في الروايات في هذا الباب شي‌ء و هو ان ما فيه النهي عن الأكل و الشرب يمكن ان يقال ان المستفاد منه ان الظروف التي تكون معدة لهما يكون النهي عنها و اما ما لا يكون معدا لهما و ان صدق عليه الإناء فلا يكون تحت النهي و اما ما ورد فيه النهي المطلق مثل نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن آنية الذهب و الفضة فيحمل على ذلك بان يكون المراد منه استعماله فيهما.

ثم ان صاحب الجواهر و من تقدمه قالوا بان العرف دليل على إثبات مضى الآنية و فيه ان في زماننا لا يكون عرف دارج يمكن ان يثبت بعدم النقل ان زمان نزول الروايات أيضا كان المستعمل فيه لهذا اللفظ ما هو الدارج لآن ثم قال (قده) بعد العرف نرجع إلى اللغة و فيه ان المرجع لو كان العرف فلا وجه للمراجعة إلى (1) أقوال اللغويين و مع عدمه فلا فائدة في الرجوع إليهم فتحصل من جميع ما ذكرناه عدم ضابطة للإناء ففي موارد الشك يرجع الى أصالة الحل.

[مسألة 11- لا فرق في حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة بين مباشرتهما لفمه أو أخذ اللقمة منها]

مسألة 11- لا فرق في حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة بين مباشرتهما لفمه أو أخذ اللقمة منها و وضعها في الفم بل و كذا إذا وضع ظرف الطعام في الصيني من أحدهما و كذا إذا وضع الفنجان في النعلبكى من أحدهما و كذا لو فرغ ما في الإناء من أحدهما في ظرف آخر لأجل الأكل و الشرب لا لأجل نفس التفريغ فان الظاهر حرمة الأكل و الشرب لان هذا يعد أيضا استعمالا لهما فيهما بل لا يبعد حرمة شرب الچاى في مورد يكون السماور من أحدهما و ان كان جميع الأدوات ما عداه من غيرهما و

____________

(1) أقول ان المراجعة إلى قولهم بعد عدم استفادة موارد الاستعمال من العرف لا اشكال فيه فإنهم و ان كان قولهم غير حجة من حيث هو و لكن يكون بيانا لموارد الاستعمال و لذا رتبه على عدم وجدان المعنى من العرف و مراده (مد ظله) الرجوع إليهم من باب حجية قولهم.

34

الحاصل ان في المذكورات كما ان الاستعمال حرام كذا الأكل و الشرب أيضا حرام.

أقول ان المشهور هو حرمة الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة و منصرف سائر الروايات أيضا إليهما و جمع منهم صاحب الحدائق على حرمة مطلقا الاستعمالات أعم من صدق عنوان الأكل و الشرب أم لا، فعلى هذا الأخير من الرأي لا وجه لتدقيقات المصنف (قده) من بيان المصاديق من باب صدقهما و عدمه لانه سواء صدقا أو لم يصدقا كان التصرف فيهما حراما و اما على الاختصاص بالأكل و الشرب فلا محالة نكون بصدد صدق العنوان و لكن دخول المقدمات لهما أيضا يكون من باب صدق العنوان اى عنوان الأكل و الشرب فان الماء و ان كان يشرب من فم الإناء بوضعه على الفم و لكن الأكل لا يكون المعمول فيه كذلك فان المتعارف أن يؤخذ منها على الفم و لكن الأكل لا يكون المعمول فيه كذلك فان المتعارف أن يؤخذ منها باليد أو القاشق فعلى هذا أيضا لا فرق بين كون الروايات منصرفة إلى الأكل و الشرب أو مطلق الاستعمال و لا وجه لإرجاع النهي المطلق إلى الأكل أو بالعكس ليستفاد عمومية حرمة هذه الاستعمالات بل هي من شئون الأكل.

فما في المتن عن المصنف (قده) متين جدا و لا نحتاج الى القول بأن مقدمة الحرام حرام بل هي نفس المحرم فإن الأكل يكون له دائرة وسيعة ثمّ ان حرمة الأكل و الشرب في الإناء لا توجب حرمة المأكول و المشروب كما في متن المصنف (قده).

قوله: نعم المأكول و المشروب لا يصير حراما فلو كان في نهار رمضان لا يصدق انه فطر على حرام و ان صدق ان فعل الإفطار حرام و كذلك الكلام في الأكل و الشرب من الظرف الغصبى.

أقول ان هذا الحكم مخالف للشيخ المفيد (قده) حيث ذهب الى حرمة المأكول و المشروب هنا و دليله (قده) رواية النبوي (صلى اللّه عليه و آله) التي مرت في أوائل هذا البحث من ان الذي يشرب في آنية الذهب و الفضة إنما يجر جر في بطنه‌

35

نار جهنم فان هذا التعبير دليل على ان نفس المأكول يكون نارا في بطنه يجر جر اى يكون صوته صوت النار. و المخالف صاحب الجواهر و نسبه الى الأكثر لعدم كون هذا عنده دليلا بل هذه جملة اخلاقية صدرت عنه (صلى اللّه عليه و آله) .

و قال المعاصرون من العلماء وفقهم اللّه تعالى بان البحث عن ذلك بعد حرمة الفعل بأي عنوان فرض يكون لغوا.

و الجواب عنهم ان في المقام يكون وجهان لصحة البحث، الأول ان دليل المفيد (قده) تام فان التعبير بأنه نار يكون ظاهرا في انه يصير حراما من دون دخالة شي‌ء آخر كما انه يقال بأن الإنسان إذا أخذ مال نفسه بحكم حاكم الجور فإنه سحت فمال النفس يصير سحتا بواسطة كونه عن غير طريق الشرع فهكذا في المقام يصير المشروب و المأكول بواسطة الظرف ذا مفسدة واقعية فالبحث عن ذلك لا يكون لغوا. و الثاني يمكن ان يكون كلام الشيخ في مقابل من لم يقل بالحرمة العرضية أيضا فإنه يريد إثبات الحرمة بهذا البيان هذا كله على فرض عدم القول بان من أكل المغصوب أو المحرم يجب عليه ان يقي‌ء و اما على القول به فالبحث في المقام عن وجوب ذلك بحرمته الذاتية و عدمها في محله.

و اما الثمرة على كون الحرمة ذاتية أو عرضية فكثيرة ذكر بعضا منها المصنف في المقام و هو وجوب كفارة الجمع على الذاتية في صورة الإفطار في شهر رمضان دونه على فرض الحرمة العرضية و شبّه الغصب أيضا بالمقام و قد اتكلوا عليه في المشبه به و المشبه اما المشبه به و هو المقام فقالوا بأنه لا ثمرة لهذا البحث فيه بل يجب ملاحظة الدليل الدال على ذلك فان كان عاما شاملا للعرضى و الذاتي فيشمل المقام و على فرض الاختصاص بالذاتي فلا يشمل فهذا يكون منوطا بلسان الدليل.

و الجواب عنهم قد مر من عدم لغوية البحث ففي المقام نكون بصدد بيان إثبات الحرمة الذاتية ليكون الدليل على فرض الاختصاص بالذاتي أيضا شاملا له‌

36

و كذا البحث يكون في مقابل من قال بعدم الحرمة العرضية ليكون المقام مثبتا لها فيشمل الدليل له لو كان عاما فهذا من ثمراته و اما الإشكال في الغصب فهو غير وارد لأن المصنف (قده) وسّع الأكل في الآنية بمقدماته من باب صدقه حقيقة عليها و قال بحرمتها بنفسها لا من باب كونها مقدمة للحرام فلا ضير أن يقول في المقام بأن الأكل من آنية الغصب يشمل حتى ما تأخر عن أخذ اللقمة عن الظرف المغصوب أو صب الشاى من السماور المغصوب في الفنجان ثم الشرب بعده فان كل ذلك يصدق عليه انه أكل من الغصب فيكون المأكول و المشروب حراما لتوأمية الأكل و الغصب.

[مسألة 12- ذكر بعض العلماء انه إذا أمر شخص خادمه فصب الشاى من القورى في الفنجان الفرفورى]

مسألة 12- ذكر بعض العلماء انه إذا أمر شخص خادمه فصب الشاى من القورى في الفنجان الفرفورى و أعطاه شخصا آخر فشرب فكما ان الخادم و الأمر عاصيان كذلك الشارب لا يبعد ان يكون عاصيا (1) و يعد هذا منه استعمالا لهما.

أقول ان المأمور اما ان يكون مضطرا أو مختارا فعلى فرض كونه مضطرا لا وجه للقول بحرمة علمه لان الحكم لا يتوجه اليه لاضطراره و اما على فرض عدم كونه كذلك فلا ربط له بالآمر بل هو بنفسه فعل حراما و لا دخل للآمر فيه و اما المباشر فحكمه يتضح من المسألة السابقة فإن قلنا فيها بالإشكال من جهة عدم صدق الاستعمال أو الأكل و الشرب فهنا أيضا يكون مشكلا و اما على فرض عدم الاشكال فيها من جهة عدم صدق العناوين ففي المقام أيضا لا اشكال و الفارق بين المقامين هو ان في السابقة ان المفرغ كان نفس الشارب و هنا غيره و هذا لا يكون فارقا في الحكم لأن المناط صدق الاستعمال أو الأكل و الشرب من آنية الذهب و الفضة.

____________

(1) هذا هو المتعين مع علم الشارب بذلك و عدم اضطراره.

37

[مسألة 13- إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما]

مسألة 13- إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما ففرغه في ظرف آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به و لا يحرم الشرب أو الأكل بعد هذا.

أقول ان الاستعمال كما في المتن يكون اما بقصد التخلص من الحرام أو عدمه فعلى الأول حكم المصنف بعدم الاشكال فيه و على الثاني فيه الاشكال لعدم صدق الاستعمال في الصورة الأولى دون الثانية. و فصل بعض المعاصرين بين صورة كون الاستعمال فيما هو المتعارف من هذا الشي‌ء مثل ان يصب من السماور من الذهب في الفنجان الفرفورى و شرب فإن المنفعة في كل شي‌ء بحسبه و يصدق الاستعمال هنا و لا دخالة للقصد فيه و اما ان يكون فيما لا يكون متعارفا مثل ان يصب من السماور من الذهب في السماور من الرّصاص بقصد التخلص ففي هذه الصورة حيث لا يصدق الاستعمال لا يكون حراما.

و لكن ما هو التحقيق ان حكم هذا الفرع يختلف حسب اختلاف المباني فإن كان المبنى ما هو التحقيق من ان المستفاد من الروايات هو كراهة آنية الذهب و الفضة مطلقا سواء صدق الاستعمال أو لم يصدق فيكون التصرف حراما و لا فرق بين ان يقصد التخلص أو لم يقصد لأن التصرف على اى حال صادق و هو حرام و اما على مسلك المصنف القائل بأن الاستعمال إذا صدق يكون حراما و الا فلا ففي المقام كلام المفصل لا وجه له لأنه إذا قصد التخلص من الحرام لا يحسب التصرف كذلك استعمالا فيكون حلالا سواء كان من الاستعمالات المتعارفة أو لم يكن فلا بأس بالأكل و الشرب بعده.

[مسألة 14- إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين]

مسألة 14- إذا انحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين فإن أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب و إلا سقط وجوب الوضوء أو الغسل و وجب التيمم و ان توضأ أو اغتسل منهما بطل.

أقول ان في هذه المسألة ذكر فروع: الأول في وجوب إفراغ الماء في صورة‌

38

الإمكان ليتحصل الماء بلا اشكال للوضوء و لا فرق في إمكان التفريغ بين ان يكون في ظرف آخر أو في اليد، و استدلوا على وجوب التفريغ بان بقاء الماء في هذه الظروف يكون بقاء لاستعمال الآنية و حيث ان العقل إذ دار الأمر عنده بين محذور أقوى و محذور أخف يترجح عنده أقل المحذورين فهنا يحكم لا محالة بأن الإفراغ واجب للتخلص من الحرام.

و اما ما استدل به من ان مقدمة الواجب و هو الوضوء واجبة فيجب الإفراغ لوجوبه من باب المقدمة فممنوع من جهة ان الواجب على فرض عدم القول بحلية الإفراغ من جهة أخرى يتوقف على مقدمة محرمة فيجب المحاسبة بينهما فان كان ذو المقدمة أهم يرتكب الحرام و الا فلا وجه لارتكابه لكونه مقدمة.

الفرع الثاني و هو صورة عدم إمكان الإفراغ الى كأس آخر أو ظرف آخر و مثله و التوضي بالارتماس فتسالم الفقهاء على بطلان الوضوء لأن الغصب و الوضوء هنا واحد و المخالف كاشف الغطاء (قده) و قالوا انه لا وجه لكلامه و لكن يمكن ان يوجه كلامه بان الوضوء يكون هو جريان الماء على اليد و هو غير مربوط بالتصرف في الإناء و يمكن ان يقول بعدم تموج الماء ليكون تصرفا فيها و لكن كلامه خلاف الوجدان من جهة عدم دقة العرف في ذلك بل يرى الوضوء كذلك تصرفا في الإناء.

قوله: سواء أخذ الماء بيده أو صب على محل الوضوء بهما أو ارتمس فيهما.

هذه الصورة صورة أخذ الماء غرفة من الكأس أو الصبّ بهما و المشهور هنا على صحة التوضي و خالفهم المصنف (قده) دليلهم ان المقتضى موجود و المانع مفقود اما وجود المقتضى فلأنه يكون المقام مقام الترتب فان الشارع أمر بالتيمم في صورة عدم وجدان الماء شرعا و عقلا و هنا من مصاديق عدم الوجدان الشرعي و حيث قلنا بان القيد في ذيل الآية «ان لم تجدوا ماء» لا يكون دخيلا في الملاك‌

39

فالملاك للصحة موجود فإذا عصى المكلف النهي عن التصرف في الإناء و تصرف فيه و صار واجدا يشمله أمر المهم فيرجع الأمر الى ان يقول المولى تيمم في صورة عدم الوجدان فان عصيت و تصرفت في الإناء و صرت واجدا فتوضأ.

و قد أشكل المصنف و من تبعه في المقام بوجود المانع و هو أمور:

الأول ان المتوضي كذلك و ان كان بواسطة الإفراغ بالغرفة واجدا للماء المباح و لكن على التحقيق يصدق الاستعمال للآنية. و أجاب المشهور بان صدق الاستعمال حتى فيما تأخر عنه ممنوع لعدم توسعة التصرف له.

و الثاني ان القدرة الشرعية كالقدرة العقلية و هنا حيث لا تكون فلا يكون الملاك للوضوء موجودا و فيه انه قد مر ان القيد اى ان لم تجدوا ماء في الآية لا دخل له في الملاك.

و الثالث ان هنا يكون من باب التزاحم و هو ان النهي عن التصرف له مفسدة و الوضوء له مصلحة فيتزاحمان و النهي مقدم على الأمر.

و الرابع ان القدرة هنا تدريجية لعدم كفايتها ضرورة أنه بالأخذ غرفة لا يكون قادرا على جميع أفعال الوضوء و فيه منع وجوب القدرة على الجميع بل يكفي التدريجي أيضا فكلما أخذ الماء بعصيان يكون قادرا على جزء منه.

و الخامس ان الأمر بالوضوء ساقط و بعد سقوطه لا كاشف للملاك و فيه ما مر مرارا من ان الدلالة الالتزامية لا تكون حجيتها تابعة لحجية المطابقية و ان كانت في طولها وجودا على التحقيق و على مسلك القدماء نتمسك بإطلاق المادة و أقول تمام إشكالات المصنف قابل للدفع و انما الكلام في الأول فإنه يصدق الاستعمال خلافا للمشهور.

قوله: و ان كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ في ظرف آخر و مع ذلك توضأ أو اغتسل منهما فالأقوى أيضا البطلان لانه و ان لم يكن مأمورا بالتيمم الا ان الوضوء و الغسل حينئذ يعد استعمالا لهما عرفا فيكون منهيا عنه.

40

أقول ان الأقوال في هذا الفرع ثلاثة: البطلان كما في صورة انحصار الإناء و الصحة كذلك و التفصيل بين وجود ماء آخر فيصح الوضوء و عدمه فلا يصح كما عن العلامة البروجردي (قده) دليل المصنف (قده) على البطلان صدق الاستعمال فإنه سواء كان له ماء آخر أو لم يكن يصدق انه استعمل آنية الذهب أو الفضة فإذا كان الوضوء مساوقا مع عنوان محرم فلا يمكن قصد التقرب فيه فلا يكون مقربا و اما المخالف له فقد قال بان الوضوء صحيح اما لعدم صدق الاستعمال لان الوضوء هو الغسلتان و المسحتان و هما غير استعمال الإناء و اما للترتب فان الماء إذا أخذ عن الإناء يكون مباحا فيكون الأمر بالتيمم ساقطا فإنه بعد عصيانه أمر التوضي لا يبغى مجال للقول بعدم صحة وضوئه بعد وجود الماء المباح نعم تكون القدرة على الوضوء تدريجية و لا ضير فيها.

و اما دليل المفصل فهو انه في صورة عدم وجود ماء آخر يكون الوضوء ذا مقدمة منحصرة محرمة فالأمر به ساقط لعدم وجود ماء آخر تقديما لجانب النهي في صورة الاجتماع مع الأمر فهو يكون غير مقدور شرعا على فرض كونه استعمالا و اما في صورة وجود ماء آخر فحيث لا تكون المقدمة منحصرة فيكون الأمر على طبيعي الوضوء موجودا و ان كان أحد أفراده هذا الفرد المحرم و لكن حيث يكون قابلا للانطباق على غير هذا الفرد إذا طبّقه عليه يكون عاصيا و لكن بوجود الأمر و كشف (1) الملاك يكون الوضوء صحيحا في هذا الظرف و المحقق الخراساني الذي يكون مخالفا للترتب يقبل وجود الأمر على الطبيعي و كفايته للصحة و لو لم يكن للفرد أمر لوجود الملاك.

و الجواب عنه ان الملاك في صورة الانحصار أيضا موجود و ان سقط الأمر أو يكون له الأمر بنحو الترتب على ان في المقام أيضا الفرد الذي اختاره بسوء اختياره يكون قصد التقرب فيه غير ممكن على فرض صدق الاستعمال فلا وجه‌

____________

(1) أقول ان ما هو اللازم كشف ملاك هذا الفرد و هو حيث لا أمر له لا ملاك له.

41

للتفصيل في صورة صدق الاستعمال بين وجود ماء آخر و عدمه و على فرض عدم صدقة أيضا كذلك اى يصح الوضوء من غير فرق بين وجود ماء آخر و عدمه و كذا في صورة الانحصار على فرض القول بجواز اجتماع الأمر و النهي في مقام الامتثال لا وجه للتفصيل لحصول التقرب فتحصل انه على فرض صدق الاستعمال كما هو الحق لا فرق بين انحصار الماء و عدمه و متن المصنف (قده) متين.

قوله: بل الأمر كذلك لو جعلهما محلا لغسالة الوضوء لما ذكر من ان توضؤه حينئذ يحسب في العرف استعمالا لهما نعم لو لم يقصد جعلهما مصبا للغسالة لكن استلزم توضيه ذلك أمكن ان يقال انه لا يعد الوضوء استعمالا لهما بل لا يبعد ان يقال ان هذا الصب أيضا لا يعد استعمالا فضلا عن كون الوضوء كذلك.

أقول انه تارة يكون جمع الماء لغرض من الأغراض العقلائية مثل ان يجمعه ليتبرك به في كفنه أو يبيعه لمن يعتقد به و تارة لا يكون لقصد كذلك و ما قال به المصنف يكون لصدق الاستعمال عرفا اى الوضوء يكون استعمالا لهما و فيه ان الوضوء لا يكون له ربط به فان جمع الماء في الآنية يكون بعد تمام الوضوء و هو غير (1) مربوط به و العرف يكون مرجعا في تعيين المفاهيم و اما تعيين المصاديق فلا يكون له فيه نظر، أغمضنا عن ذلك و لكن يمكن ان يقال ان الحكم في المقام يكون لكون علة صب الماء و هو الوضوء محرمة فلتطبيق عنوان علية الحرام عليه يكون حراما لا من جهة صدق الاستعمال فيكون الاستدلال بالعرف خلطا بين المقامين هذا كله في صورة كون الصب لغرض جمع الماء.

____________

(1) لا ادرى كيف قالوا في صورة كون الإناء مغصوبا بأنه مثل آنية الذهب و الفضة في كون المأكول و المشروب محرما أم لا في مسألة 11 بتوسعة عنوان التصرف و الاستعمال الى ما بعده أيضا و لا يقولون به في المقام.

42

اما صورة عدم كونه لذلك فلم يفرق المصنف بينها و بين ما سبق و ان فرق في المتن بين كون المقصود هو جعل الإناء مصبا للغسالة و بين كون الصب فيها اتفاقيا غير مقصود و الدليل (1) عليه هو ان هذا يحسب مقدمة للحرام و هو حرام فيكون من باب اجتماع الأمر و النهي الأمر بالوضوء و النهي عن المقدمة المحرمة فيقدم جانب النهي و أشكل عليه صغرويا بعدم علية الوضوء للصب بل هو الغسلتان و المسحتان و ربما لا يكون فيه الصب من جهة قلة الماء المستعمل فيه و فيه ان الطبيعي و لو لم يكن موجبا و مقدمة للصب و الحرمة و لكن الفرد في المقام يكون ظاهر المقدمية.

و اما الإشكال كبرويا عليه بان العلة و المعلول يكونان منفصلين بحسب الذات فلكل حكمه فإن الوضوء شي‌ء و صب الماء في الإناء شي‌ء آخر فلا يسرى الحكم من المعلول إلى العلة. ففيه ان هذا يكون من باب الدقة العقلية و اما العرف فلا يرى فرقا بينهما و لا انفكاكا بل يرى الوحدة بينهما لا غير.

[مسألة 15- لا فرق في الذهب و الفضة بين الجيد منهما و الردى]

مسألة 15- لا فرق في الذهب و الفضة بين الجيد منهما و الردى و المعدنى و المصنوعى و المغشوش و الخالص إذا لم يكن الغش الى حد يخرجهما عن صدق الاسم و ان لم يصدق الخلوص و ما ذكره بعض العلماء من انه يعتبر الخلوص و ان المغشوش ليس محرما و ان لم يناف صدق الاسم كما في الحرير المحرم على الرجال حيث يتوقف حرمته على كونه خالصا لا وجه له و الفرق بين الحرير و المقام ان الحرمة هناك معلقة في الاخبار على الحرير المحض بخلاف المقام فإنها معلقة على صدق الاسم.

____________

(1) الظاهر ان دليل المصنف (قده) هو حسبان صدق الاستعمال كما هو الظاهر من كلامه فمن يشكل يجب ان يكون اشكاله على هذا الفرض و اما فرض المقدمية فهو و ان كان في نفسه كلام وجيه و لكن لا يكون مراد المصنف (قده)

43

[مسألة 16- إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صح]

مسألة 16- إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضة مع الجهل بالحكم (1) أو الموضوع صح.

أقول انه لا يخفى ان هذا الفرع يكون من باب اجتماع الأمر و النهي لا من باب النهي في العبادة لأن عنوان الحرمة شي‌ء و عنوان العبادة شي‌ء آخر و في ذاك الباب اما ان يقال بجواز الاجتماع أولا و اما ان يكون من باب التزاحم أو التعارض فعلى فرض كون الباب باب التزاحم سواء قلنا بجواز الاجتماع أو عدمه في مرحلة الامتثال فلا محالة في صورة الجهل لا يكون النهي عن استعمال الآنية منجزا و ان كان فعليا فالوضوء يقع صحيحا لحصول قصد التقرب و امّا على فرض كونهما متعارضين فلا وقع للجهل لأن المناط فيهما على الرجوع الى المرجحات السندية و الدلالية و حيث لا يرى المصنف (قده) الترتب في المقام بان يقال ان عصى النهي عن الأنية فالوضوء صحيح لا يكون الوضوء صحيحا عنده اللهم الّا ان يقال ان القدرة التدريجية تكفى للامتثال و هذا الجاهل يكون قادرا تدريجا على وجدان الماء المباح للوضوء فهو صحيح ثم من المتسالم في المقام هو ان الجهل القصورى يكون هذا حكمه و اما إذا كان الجهل عن تقصير في الحكم بعدم الفحص فيه فليس كذلك و هكذا إذا كان الجهل عن تقصير في الموضوع لعدم الفحص فيه في مورد يكون استقرار الشك متوقفا عليه و ان لم يكن الفحص عن الموضوع في نفسه لازما و ذلك من جهة ان من يحتاج علمه بدخول الوقت مثلا الى فتح العين ليرى الزوال لا يكون شكه مستقرا و كذا من يشك في بقاء الوقت و عدمه لا يكون شكه مستقرا ليترتب عليه آثاره إذا كان مما يحتاج إلى مؤنة قليلة و السر فيه هو انه في صورة التقصير يحتمل التكليف المنجز و حيث لا يتفحص لا يمكن ان يكون قصد القربة منه متمشيا فلا يصح وضوئه.

[مسألة 17- إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضة مع الجهل]

مسألة 17- إذا توضأ أو اغتسل من إناء الذهب أو الفضة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صح.

____________

(1) قصورا لا تقصيرا.

44

[مسألة 18- الأواني من غير الجنسين لا مانع منهما]

مسألة 18- الأواني من غير الجنسين لا مانع منهما و ان كانت أعلى و اغلى حتى إذا كانت من الجواهر العالية كالياقوت و الفيروزج.

[مسألة 19- إذا اضطر الى استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل و الشرب و غيرهما]

مسألة 19- إذا اضطر الى استعمال أواني الذهب أو الفضة في الأكل و الشرب و غيرهما جاز و كذا في غيرهما من الاستعمالات نعم لا يجوز التوضؤ و الاغتسال منهما بل ينتقل الى التيمم.

أقول ان الدليل على هذا الفرع هو فقرة من فقرات حديث الرفع و هي قوله (عليه السلام) «رفع ما اضطروا اليه» و قوله (عليه السلام) في مقام آخر «ليس شي‌ء حرمة اللّه الّا أحله لمن اضطر اليه» و هذا واضح انما الكلام في ان الاضطرار هل يصدق بالنسبة إلى الوضوء أم لا.

و التحقيق ان المراد بالاضطرار هو التكويني ففي صورة الاحتياج الى الماء للوضوء حيث يكون وجوب الوضوء بأمر من الشرع لا بالتكوين لا يشمله الدليل ثم انه لو توضأ فاما ان يكون الاجتماع في الأمر و النهي من باب التعارض أو التزاحم و اما يكون المبنى على التزاحم جواز الاجتماع أو عدمه فعلى التعارض يكون الوضوء باطلا لعدم الملاك و اما على التزاحم فلوجود الملاك بعد سقوط الأمر بالوضوء فيصح الوضوء بعد عصيان النهي فان النهي لا يوجب عدم المصلحة و الملاك له فكلام المصنف غير تام لانه ربما لا يكون لنا بدل مثل التراب أيضا‌

[مسألة 20- إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما أو استعمال الغصبى]

مسألة 20- إذا دار الأمر في حال الضرورة بين استعمالهما أو استعمال الغصبى قدمهما.

أقول ان الدليل في المقام على ما قيل انه لما يكون من باب دوران الأمر بين حق اللّه و هو التصرف في الآنية و بين حق الناس و هو التصرف في الغصبى فحق الناس مقدم لأن الدليل دل على ان حق اللّه معفو و اما حق الناس فلا يعفى عنه الّا برضى منهم. و ان شك في أهمية تقدم حقهم أيضا يقدم حقهم لأن الشك فيه أيضا يوجب تعيينه لا التخيير بينه و بين غيره لان الباب يكون باب الشك في التعيين‌

45

و التخيير هذا ما قيل، و لكن الحق هو ان الاضطرار لا يكون رافعا للطبيعى القابل للانطباق على الغصب و على الآنية من الذهب و الفضة بل في صورة الغصب لا يكون شاملا أصلا ضرورة ان دليل الاضطرار امتنانى لجميع الناس و لا يمكن ان يكون الامتنان لشخص و الضرر لشخص آخر بالتصرف في إنائه و نحن نقول بذلك في صورة عدم الدوران أيضا فإنه إذا اضطر من الأول إلى الغصب لا يجوز التصرف فيه الا ان يبلغ الى حد الحرج فإن الإجماع قد دل على جوازه و الحرج هو ان يترتب على ترك الاستعمال مرض أو نحوه و الاضطرار هو ان يكون في تركه مشقة شديدة مع إمكان التحمل كمن كان عطشانا يصعب عليه الصبر.

ثم في مقام بيان التزاحم و التقدم قد صدر عن صاحب الجواهر و الحدائق كلام و هو ان الدليل الدال على حرمة مال المسلم يكون قوله (عليه السلام) «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» فبالغ في النهي عن التصرف فيه حتى وصلت حرمته إلى حرمة الدم و اما حرمة التصرف في الآنية فتكون بلفظ «كره» و «لا ينبغي» و «ربما لا تأكل و لا تشرب» و المتدبر يرى الفرق بينهما من حيث الأهمية.

ثم أشكل بعض المعاصرين بان اقوائية الدلالة تكون من مرجحات باب التعارض لا التزاحم فما قيل لا يكون دليلا للأهمية و فيه ان مرادهم بذلك هو كشف أهمية الملاك فإنه لا سبيل لكشف أهميته إلّا ما ذكروه.

[مسألة 21- يحرم اجارة نفسه لصوغ الأواني من أحدهما]

مسألة 21- يحرم اجارة نفسه (1) لصوغ الأواني من أحدهما و أجرته أيضا حرام، كما مر.

[مسألة 22- يجب على صاحبهما كسرهما و اما غيره]

مسألة 22- يجب على صاحبهما كسرهما و اما غيره فان علم ان صاحبهما يقلد من يحرم اقتنائهما أيضا و انهما من الافراد المعلومة في الحرمة يجب عليه نهيه و ان توقف على الكسر يجوز له كسرهما و لا يضمن قيمة صياغتهما

____________

(1) على الأحوط.

46

نعم لو تلف الأصل ضمن و ان احتمل ان يكون صاحبهما ممن يقلد جواز الاقتناء أو كانت مما هو محل الخلاف في كونه آنية أم لا، لا يجوز له التعرض لهما.

أقول انه يختلف حكم هذه المسألة حسب اختلاف المباني فإن كان المبنى مبنى من يقول بحرمة الاقتناء أيضا يجب الكسر لانه مبغوض على اى حال و اما على مسلك القائل بأن الاستعمال فقط حرام أو ان الاستعمال إذا كان من قبيل الأكل و الشرب حرام فلا يحرم الاقتناء فلا يجب الكسر ثم بعد وجوب الكسر فاما ان يكون تصرفا في المادة أو لا فعلى فرض كونه تصرفا في المادة فيتزاحم دليل حرمة التصرف في مال الغير مع وجوب الكسر ففي هذه الصورة ان أقدم صاحبها على الكسر فلا يجوز للغير ان يكسرها ضرورة إمكان الجمع بين حق اللّه تعالى و حق الناس و العقل حاكم بان الجمع مهما أمكن لا تصل النوبة إلى طرح احد الدليلين و اما إذا لم يقدم صاحبه فيجب النهي عن المنكر أولا و امره بكسرهما فإن أثر فهو و الا يجب على غيره كسرهما ان قلنا بان دليل حرمة التصرف في ملك الغير منصرف عن هذا المقام الذي يدور الأمر بين حفظ حق اللّه تعالى و حق الناس و اما ان لم نقل بالانصراف فلا محالة يكون حق الناس مقدما على حق اللّه تعالى لأهمية حق الناس و وجه الانصراف هو ان نقول ان هتك المال يكون من قبل نفس صاحب المال الذي هتك حرمة اللّه.

ثم ان صار الكسر موجبا للضرر فهل يوجب الضمان على الكاسر أم لا؟

الأقوال هنا ثلاثة: الأول و هو المشهور هو انه يجب الكسر و يوجب الضمان.

الثاني عدم وجوب الكسر الثالث عدم لزوم الضمان بالكسر و دليل المشهور هو ان قاعدة من أتلف مال الغير فهو له ضامن تشمل المقام و وجوب الكسر حكم تكليفي لا يرفع الضمان كما في وجوب إزالة النجاسة عن مصحف الغير أو عن المسجد إذا كان منجسة غير المزيل.

47

و قد أشكل عليهم بان المقام يكون من دوران الأمر بين حق الناس و حق اللّه تعالى و لا شبهة في تقديم حقهم عليه تعالى لأن حقه تعالى قابل للعفو. و فيه ان الملازمة لا تكون غالبية فإن سائر أفراد الكسر لا يكون موجبا للضرر فان لزم من فرد منه ضرر لا يكون حقهم مقدما عليه تعالى.

و الحق في المقام هو وجوب الكسر و عدم الضمان لأنه بواسطة جعل ماله إناء كذلك هتك حرمة ماله فكأنه نفسه أتلف ماله فمن كسره لا يكون لزوم الضرر بسببه بل السبب يكون نفسه فيكون السبب هنا أقوى من المباشر حتى انه لو احتاج الكسر إلى مؤنة يجب على صاحب المال إنفاقها مثل من نجّس المسجد و احتاج الى مؤنة للإزالة فإنها واجبة على الناس و ضمان المؤنة على المنجس فظهر من بيان كلام المشهور وجه القول بعدم الضمان و هو ان الأقدام على الضرر كان من نفسه و وجه القول الآخر و هو عدم وجوب الكسر و هو لما قيل من ان حق الناس مقدم على حق اللّه تعالى و وجه القول المختار.

[مسألة 23- إذا شك في آنية انها من أحدهما أم لا]

مسألة 23- إذا شك في آنية انها من أحدهما أم لا أو شك في كون شي‌ء مما يصدق عليه الآنية أم لا، لا مانع من استعمالها.

أقول في هذه المسألة صور أربعة لأن الشبهة اما ان تكون مفهومية أو مصداقية و على التقديرين اما ان تكون الشبهة في الذهبية و الفضوية و عدمها أو الإنائية و عدمها فاما إذا كانت الشبهة مصداقية في الذهب و الفضة فربما يقال بجريان استصحاب العدم الأزلي فيها فإنه حين لم يكن هذا الشي‌ء موجودا لم يكن ذهبا و لا فضة فإذا وجد نشك في وجوده ذهبا أو فضّة فنستصحب عدمه و هذا يتوقف على جريان هذا الاستصحاب و عدمه على اختلاف المباني و فيه انا لا نحتاج الى الأصل الأزلي فإن العدم النعتي فيه متصور ضرورة ان ذلك من المعدنيات و حالته السابقة هي الحجرية و الترابية على ان أصالة حل التصرف تكون في المقام حاكمة بعد عدم جريان الاستصحاب و عدم التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

48

و اما إذا كانت الشبهة مفهومية مع العلم بالانانية من جهة عدم العلم بان الذهب و الفضة هل يصدق على الفرنجى منهما أو ما يكون خلطه كثيرا مثلا أم لا؟

فقال سيدنا الأستاذ الأصفهاني في حاشيته يجب اما الاحتياط فيه أو رجوع المقلد الى المجتهد و الناظرون الى عبارته (قده) قالوا انه من توضيح الواضحات ضرورة انه بعد عدم ارادة الاحتياط يجب التقليد و لكن عند التدبر تفهم ان حاشيته (قده) في محلها و بيانه ان الشبهة المفهومية تارة تكون طريق فهم حد المفهوم فيها الروايات فحينئذ لا يكون للمقلد الاحتياط بل يجب التقليد فقط لان مهار فهم الروايات بيد المجتهد و تارة لا يكون المبين لحد المفهوم الروايات بل الانظار العرفية ربما تكون أضيق أو أوسع من نظر المجتهد فقال في هذا المقام بالاحتياط أو الرجوع الى المجتهد و المقام أيضا يكون من صورة عدم طريق من الروايات الى فهم المفهوم و لذا ربما يكون نظر العرف مناطا.

و اما إذا كانت الشبهة في الإنائية من جهة الموضوع لظلمة و نحوها فاستصحاب عدم كونه آنية و أصالة الحل و أصالة البراءة كل ذلك يحكم بعدم البأس بالتصرف فيه. و الأكل و الشرب منه و اما عمومات الحل فلا تجرى هنا لأن الشبهة مصداقية و اما إذا كانت الشبهة مفهومية من جهة عدم العلم بحد الإناء مثل ان يكون لنا شي‌ء له عنق طويل لا ندري صدق العنوان عليه أم لا؟ أو كان بحيث لا ندري أنه صندوق أو إناء فاحتاط صاحب الجواهر فيه و لكن الحق هو ان المقام يكون تحت عمومات الحل بعد الشك في زيادة التخصيص و اما استصحاب الموضوع فلا تجرى فيه لأوله إلى الفرد المردد و اما استصحاب الحكم فعن المحقق الخراساني جريانه و لكن التحقيق عدم جريانه فيه أيضا لما مر منا مرارا و هو ان لسان لا تنقض هو ان كل ما أمكن خارجا يثبت بالاستصحاب تعبدا و الحكم بلا موضوع غير ممكن فإذا لم يمكن استصحاب الموضوع لا يمكن إثبات الحكم أيضا فتحصل من جميع ما ذكرناه ان جميع الصور الأربعة الحكم فيه هو الحلية و عدم الإشكال في التصرف فيه بوجه.

49

[فصل في أحكام التخلي]

فصل في أحكام التخلي

[مسألة 1- يجب في حال التخلي بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم]

مسألة 1- يجب في حال التخلي بل في سائر الأحوال ستر العورة عن الناظر المحترم سواء كان من المحارم أم لا رجلا كان أو امرأة حتى عن المجنون و الطفل المميز كما انه يحرم على الناظر أيضا النظر إلى عورة الغير و لو كان مجنونا أو طفلا مميزا.

أقول لا يخفى عليكم ان هنا بابين باب حرمة النظر و باب وجوب الستر و لكل مقام اما وجوب الستر فعن صاحب الجواهر إجماع المسلمين محصلا و منقولا عليه بل عليه ضرورة الدين في الجملة و نقل الإجماع عن جملة من الفقهاء كالحدائق و الرياض و الدليل عليه قبل الإجماع الكتاب و السنة اما الكتاب فقوله تعالى (في سورة نور الآية 30 و 31) «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ»- «وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا».

و تقريب الاستدلال هو ان حفظ الفرج يكون على أنحاء منها حفظها عن الزنا و منها سترها لئلا يرى و المراد بغضّ الابصار هو الغض عن النظر إلى عورة الغير و توهم ان المراد بذلك هو الطريقية لا الموضوعية فإنه لما كان النظر إلى عورة الغير و كذا كشفها للغير موجبا لهيجان الشهوة و الطمع فيها نهى عنه فلو لم يكن هذا لا يكون وجه لستره، ممنوع لأن الأحكام تابعة للمصالح الواقعية و لا نكشفها جميعا.

و اما السنة فروايات فمنها مرسلة الصدوق و نقلت في الوسائل مع عدة روايات (في باب 1 من أحكام الخلوة. ح 3) قال و سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ» فقال كل ما كان في كتاب اللّه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزناء إلّا في هذا‌

50

الموضع فإنه للحفظ من ان ينظر اليه و منها (ح 1) عن حريز عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه و منها (ح 5) من تفسير النعماني بسنده الآتي عن على (عليه السلام) في قوله عز و جل «قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا إلخ» معناه لا ينظر أحدكم إلى فرج أخيه المؤمن أو يمكّنه من النظر الى فرجه ثم قال «قل للمؤمنات الآية الى ان قال فالنظر سبب إيقاع الفعل من الزنا و غيره.

و الأشكال عليها بضعف روايتي الصدوق و ما نقل عن التفسير للنعمانى مضافا الى ان ذيل الأخيرة يدل على ان حرمة النظر و وجوب الستر يكون طريقا للوقوع في المحرّم فمن هذا الحيث صار حراما. و الحاصل ان المستفاد من الآية حرمة النظر و وجوب الستر و مع قطع النظر عنها فالروايات على ما تفحصت على اربع طوائف: ما لا سند لها و ما له السند دون الدلالة و ما له السند و الدلالة في خصوص النظر و ما له السند و الدلالة مطلقا و لكن له معارض و كل ما دل على حرمة النظر يكون مطلقا شاملا للمجنون و الصغير المميز.

و اما ما له السند فما عن حريز (باب 1 من أحكام الخلوة ح 1) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه. فإن هذه الرواية عامة للرجل مجنونا أو مميزا و بدليل الاشتراك شاملة للمرئة بأقسامها و ادعاء الانصراف عن المجنون و المميز ممنوع و الاخوة هي الإخوة الإسلامية و تكون في خصوص النظر.

و اما ما لا سند له (ح 2 من هذا الباب) عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حديث المناهي قال إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الأرض فليحاذر على عورته و قال لا يدخل أحدكم الحمام إلا بمئزر إلخ.

فإنها من جهة أنها نبوية ضعيفة السّند و لكن المشهور لمّا استندوا في فتاواهم إليها يكون استنادهم مؤيدا لها و رافعا لضعفها و اما المراد من كلمة فليحاذر فهو حفظه عن الزنا و عن نظر الغير اليه فيجب ستره و يستفاد من روايات الحمام حرمة النظر و الستر.

51

و منها حسنة عمر بن يزيد عن عمه محمد بن عمر عن بعض من حدثه ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر (باب 9 من أبواب الحمام ح 6) و منها (ح 7) عن ابى الحسن (عليه السلام) (في حديث) قال: لا تدخل الحمام إلا بمئزر و غض بصرك. و في أبواب الحمام (باب 9 و 10) أيضا روايات أخرى دالة على المطلوب فليراجع.

و منها رواية وردت في ان «عورة المؤمن على المؤمن حرام» و هذه و ان ذكرها الفقهاء و لكن ما وجدتها رواية مستقلة نعم هي في ذيل الروايات في باب 8 من أبواب الحمام و تقدير الجملة عورة المؤمن على المؤمن حرام النظر إليها و التمكن من النظر إليها. اما الروايات في الباب المذكور فمنها ح 1 عن ابن سنان عن حذيفة بن منصور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) شي‌ء يقوله الناس عورة المؤمن على المؤمن حرام فقال ليس حيث يذهبون انما عنى عورة المؤمن ان يزل زلة أو يتكلم بشي‌ء يعاب عليه فيحفظ عليه ليعيره به يوما ما. و ح 2 و 3 أيضا قريب من هذا المضمون.

و تقريب الاستدلال من جهة تطبيق العورة على العيب و الزلة و عدم إرادة العورة المعروفة واضح فيعارض مع سائر الروايات الدالة على حرمة النظر.

فقيل في الجمع بينهما ان للعورة معنى جامعا قابلا للحمل على كل واحد من المعنيين بواسطة القرينة فلا اشكال ان يستعمل و يراد به في المقام الجهة الأخلاقية و في غيره العورة المعروفة مضافا بأنها معارضة برواية حنان بن سدير (باب 9 من أبواب الحمام ح 4) عن أبيه قال دخلت انا و ابى و جدي و عمى حماما بالمدينة فإذا رجل في البيت المسلخ فقال لنا من القوم (الى ان قال) ما يمنعكم من الأزر فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال عورة المؤمن على المؤمن حرام قال فبعث أبي إلى عمى كرباسة فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منّا واحدا ثم دخلنا فيها (الى ان قال) فسألنا عن الرجل فإذا هو على بن الحسين (عليهما السلام).

52

و تقريب الاستدلال من حيث التطبيق على مورد الإزار واضح على انه يمكن ان يقال حرمة النظر و وجوب الستر يكونان من باب ان ذلك يوجب ان ترى عورته و يعاب بها فلا معارضة بينهما على انه يمكن ان تكون العورة في الجملة التركيبية و هي قوله (عليه السلام) «عورة المؤمن على المؤمن حرام» غير ما ذكر مفردا و صحة حمل هذه على الحكم الاخلاقى غير موجب لحمل غيرها أيضا عليه.

و اما ما لا دلالة له من الروايات على الحرمة فهو ما ورد بلفظ الكراهة (في باب 9 و 10 من أبواب الحمام ح 3) فعن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) قال و كره الغسل تحت السماء إلا بمئزر و في ح 4 «و كره دخول الحمامات بغير مئزر» فان الكراهة لا تدل على الحرمة و لا خصوصية للحمام و لا للمئزر بل المراد الستر فقيل مقتضى الجمع بينها و بين ما دل على الحرمة هو الكراهة.

و منها مصححة ابن ابى يعفور (باب 3 من أبواب الحمام ح 3) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أ يتجرد الرجل عند صب الماء ترى عورته أو يصب عليه الماء أو يرى هو عورة الناس قال كان ابى يكره ذلك من كل احد و الشاهد (1) للجمع ما روى (في باب 6 من أبواب الحمام ح 2) عن محمد بن على بن الحسين قال روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال إنما أكره النظر إلى عورة المسلم فاما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار.

و تقريبها هو ان غير الكافر يكون النظر الى عورته مكروها و اما هو فلا بأس به لانه مثل الحمار و لا إشكال في النظر الى عورته و فيها أولا ان الكراهة في أصل اللغة تكون بمعنى البغض و لها مراتب مرتبة شديدة و هي الحرمة اصطلاحا و مرتبة ضعيفة و هي النقض و ما هو شائع في الثاني يكون اصطلاحا جديدا‌

____________

(1) أقول لا يخفى ان هذه الرواية ليست لها دلالة أزيد مما مر على الكراهة و لا يكون فيها شهادة للجمع.