المعالم المأثورة - ج5

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
408 /
3

الجزء الخامس

[تتمة كتاب الطهارة]

[مقدمة المقرّر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطيبين الطاهرين المكرمين الميامين و لعنة اللّه على أعدائهم و غاصبي حقوقهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

اما بعد فهذا هو المجلد الخامس من الكتاب المسمى ب‍ المعالم المأثورة من تقريرات بحث العلامة الفهامة المحقق المدقق بل مركز دائرة التحقيق و التدقيق الأستاذ الأكبر في الحوزة المنورة العلمية بالبلدة الطيبة قم المشرفة المكرمة صانها اللّه تعالى عن كل ما يحذر و يخاف، آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي النجفي أدام اللّه ظله الشريف على رؤوس الأنام.

و هو شرح الكتاب القيّم العروة الوثقى لمؤلفه الأعظم آية العظمى السيد محمد كاظم اليزدي (قدس سره) العزيز.

مع تذييلات على الشرح و تعليقات على المتن من المقرر، العبد المحتاج الى ربه الغفور محمد على الاسماعيل پور الشهرضائى (القمشه‌اى) مولدا و القمي مسكنا و ملجأ، ثم انى استخرجت مصادر أحاديث الكتاب من كتب الأحاديث و حيث كان أكثرها من كتاب وسائل الشيعة للمحدث الأكبر الشيخ الحر العاملي (رضوان اللّه تعالى عليه) اكتفيت غالبا بذكر رقم الباب و الحديث رعاية للاختصار و ما كان عن غير هذا الكتاب ذكرت اسم الكتاب أيضا عند بيان المصدر فليكن هذا في ذكر منك. و باللّه‌

4

الاستعانة و بالمعصومين (عليهم السلام) نستشفع اليه تعالى.

[تتمة فصل شرائط الوضوء]

[تتمة الشرط الثالث عشر]

[في العلم ببطلان أحد الوضوئين]

في العلم ببطلان أحد الوضوئين‌

[مسألة 39- إذا كان متوضئا و توضأ للتجديد و صلى ثم تيقن بطلان أحد الوضوئين]

مسألة 39- إذا كان متوضئا و توضأ للتجديد و صلى ثم تيقن بطلان أحد الوضوئين و لم يعلم أيهما لا إشكال في صحة صلاته و لا يجب عليه الوضوء للصلوات الاتية أيضا بناء على ما هو الحق من أن التجديدي إذا صادف الحدث صح.

أقول: ان في هذا الفرض من المسألة يكون الأقوال ثلاثة: الأول: صحة الصلاة و الوضوء كليهما و الثاني: عدمها مطلقا و الثالث: التفصيل بين ما مضى من صلاته فيحكم بصحته و ما بقي فيحكم بوجوب الوضوء له.

و لا يخفى انه قد مرّ ان الاختلاف واقع في أن الوضوء هل يكون حقيقة واحدة لا يختلف باختلاف الأمر الوجوبي و الاستحبابي و لا باختلاف الغاية أو يختلف و قد اخترنا في ذاك المقام انه حقيقة واحدة لا يختلف بذلك فعلى هذا من توضأ لو قصد رفع الحدث في موضع قصد التجديد لا إشكال في صحة وضوئه في المقام لأن أحد الوضوئين يكون باطلا و الآخر يكون صحيحا و الصلاة تحتاج الى الطهور و هو حاصل.

و اما على مذهب القائل باختلافه باختلاف الغايات ففي المقام حيث لا يحرز كونه على الطهارة حين الصلاة لأن الذي يمكنه الصلاة معه هو الذي يكون رافعا للحدث و قصد ذلك عنده و يحتمل ان يكون ما قصد به رفع الحدث هو الباطل و لذا تمسك القائل ببطلان الصلاة و الوضوء كليهما في المقام باستصحاب بقاء الحدث بعد الشك في زواله و بقاعدة الاشتغال لوجوب إتيانها ثانيا و القائل بهذا القول الكملون من الأصحاب.

و الجواب عن هذا القول هو ان العلم الإجمالي ببطلان أحد الوضوئين لا يكون له التأثير في المقام لأنه يكون ذا أثر في صورة عدم جريان الأصل في طرفيه و وجود أثر عملي له و في المقام ان كان الوضوء التجديدي هو الباطل لا يكون له‌

5

أثر (1) لأنه قد حصل رفع الحدث بواسطة الابتدائي من الوضوء و بالنسبة إليه يكون الشك في الصحة و البطلان من الشبهة البدوية و تجري قاعدة الفراغ بالنسبة اليه إلّا أن يدعى ان القاعدة تكون جارية في صورة كون الشك ساذجا و اما في صورة العلم بوقوع شي‌ء يمكن ان يكون مبطلا كما في المقام الذي نعلم ببطلان احد الوضوئين فلا و هذا غير صحيح عندنا و على فرض الغمض عن جريان القاعدة في الوضوء فان جريانها في الصلاة مما لا اشكال فيه، فقد ظهر ان القول بصحة الصلاة و الوضوء كليهما و جواز إتيان بقية الصلوات به أيضا مما لا اشكال فيه و قول القائل بالبطلان مطلقا أو قول المفصّل لا وجه له.

قوله و اما إذا صلى بعد كل من الوضوئين ثم تيقن بطلان أحدهما فالصلاة الثانية صحيحة و اما الأولى فالأحوط إعادتها و ان كان لا يبعد جريان قاعدة الفراغ فيها.

في هذا الفرع لا يخلو حكم المصنف (قده) على حسب مبناه عن الإشكال لأن الوضوء التجديدي و الرافع إذا كانا واحدين من حيث الحقيقة فالصلاة الثانية صحيحة قطعا كما اعترف به لأنه يكون مع الوضوء و كذلك يصح سائر الصلوات كما مرّ و اما الأولى فتكون صحيحة عندنا أيضا و يلزم ان يقول بجريان قاعدة الفراغ فيها قطعا لا أن يقول «لا يبعد» لأن العلم الإجمالي ببطلان أحد الوضوئين لا أثر له بالنسبة إلى الصلاة الأولى لأن التجديدي ان كان باطلا فلا أثر له بالنسبة إلى الاولى و يكون كالحجر بجنب الإنسان و الأول مشكوك البطلان من هذه الجهة فيصير العلم الإجمالي منحلّا فقاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة التي مضت و يكون الشك في صحتها جارية و لعل المصنف (قده) خاف من المشهور و من أمثال صاحب الجواهر و الحدائق‌

____________

(1) على فرض جريان قاعدة الفراغ في المستحبات أيضا فيكون للوضوء التجديدي أثر و هو عدم الحكم باستحباب الإعادة على فرض الصحة و الحكم بها على من يريد درك فضيلة التجديدي فالأصلان متعارضان و لكنه الوضوء التجديدي و الابتدائي حقيقة واحدة على فرض القول بأن الاشتباه كان في التطبيق.

6

فلذا تأمل في الفتوى على طبق جريان القاعدة.

و الاشكال الذي يكون في المقام في أذهانهم هو ان التعبد بصحة الصلاتين مع العلم ببطلان وضوء إحداهما لا يجتمع و يخالف العلم الإجمالي.

و الجواب عنه هو ان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة الأولى جارية لأن موضوعها الشك في صحتها و حيث يحتمل أن يكون الوضوء الصحيح هو الأول لا شبهة في جريانها و اما بالنسبة إلى الصلاة الثانية فلا يكون المتمسك هو القاعدة بل القطع بصحة الوضوء و الصلاة لأنا نقطع على فرض كون الأول و التجديدي موجبا لرفع الحدث بوقوع الصلاة الثانية مع الوضوء فالعلم الإجمالي ببطلان أحد الوضوئين لا يؤثر في صحة الصلوات الماضية و الآتية.

هذا كله على مبنى المصنف من أنهما حقيقة واحدة و اما على فرض القول بتعددهما فان الوضوء الثاني يكون مقطوع البطلان لأنه اما أن يكون التجديدي فلا أثر له للصلاة لو كان صحيحا و اما ان يكون باطلا من أصله فلا أثر له أصلا فالعلم الإجمالي ينحلّ و يبقى جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الوضوء الأول بدون المانع فجميع الصلوات من الأولى و الثانية صحيحة و كذا ما بعدهما.

[مسألة 40- إذا توضأ وضوئين و صلى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما]

مسألة 40- إذا توضأ وضوئين و صلى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلاة الاتية لانه يرجع الى العلم بوضوء و حدث و الشك في المتأخر منهما و اما صلاته فيمكن الحكم بصحتها من باب قاعدة الفراغ بل هو الأظهر.

أقول: ان المقام يكون من باب توارد الحالتين من مجهولي التاريخ و القول بوجوب الوضوء للصلوات الآتية و القول بقاعدة الفراغ فيما مضت من الصلاة، يكون على مبنى المصنف (قده) من جريان قاعدة الفراغ في الصلاة حتى في صورة العلم بحدوث شي‌ء نعلم ببطلان أحد الوضوئين به و اما على فرض كونها في الشك الساذج فلا يجري في المقام و كذا على فرض كون الوضوئين حقيقة واحدة و اما فرض كونهما‌

7

حقيقتين فلا تصح الصلاة.

[مسألة 41- إذا توضأ وضوئين و صلى بعد كل واحد صلاة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما]

مسألة 41- إذا توضأ وضوئين و صلى بعد كل واحد صلاة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلوات الاتية و اعادة الصلاتين السابقتين ان كانا مختلفتين في العدد و الا يكفي صلاة واحدة بقصد ما في الذمة جهرا إذا كانتا جهريتين و إخفاتا إذا كانتا اخفاتيتين و مخيرا بين الجهر و الإخفات إذا كانتا مختلفتين و الأحوط في هذه الصورة اعادة كلتيهما

أقول: ان الاتفاق واقع من الجواهر و الحدائق و غيرهما على بطلان الوضوئين و اما الصلاة فمقتضى العلم الإجمالي بصحة أحد الوضوئين هو العلم الإجمالي بصحة إحدى الصلاتين و قد أشكل على العلم الإجمالي كذلك بان الاشتغال اليقيني يحتاج إلى البراءة اليقينية و حيث يكون المنشأ للشك هو الاشتغال فلا وجه للقول بصحة إحدى الصلاتين ما دام لم يحصل العلم بالفراغ.

و فيه ان المنشأ لا يكون هو الاشتغال بل المنشأ هو العلم بوجود حدث و طهارة و صلاة بعد طهارة إجمالا فنعلم إجمالا ببراءة الذمة عن إحداهما لا على التعيين فالعلم بالصحة إجمالا أيضا يكون في المقام.

ثم انه قيل بأنه لا فرق بين أن تكون الصلاتان اللتان اتى بهما أدائيتين أو قضائيتين من جهة القول بصحة إحداهما دون الأخرى و هو الحق، و لكن توهم في المقام انه لو كان بعد الوقت و كانت قضاء لا تجب إعادتها لأن القضاء بالأمر الجديد و هو بعد الوقت مشكوك فيه و الأصل البراءة عنه، و لأن الوقت حائل و قضية الوقت حائل هي أن لا يكون القضاء واجبا لأنه من الشك بعد الوقت و للتأثير للعلم الإجمالي بالنسبة إلى غيره إذا لم يكن الأمر بما مضى وقته.

و فيه ان المبنى في القضاء غير صحيح فإنه ليس بالأمر الجديد بل بالأمر القديم على نحو تعدد المطلوب فالاشتغال به، يجب الفراغ عنه و الشك بعد الوقت يكون سنده الوقت حائل و هو مع غمض العين عن ضعفه يكون مورده الشك في‌

8

أصل الوجود لا ما وجد و نعلم إجمالا ببطلانه أو بطلان شقه الآخر، مضافا بأنه يكون مثل قاعدة الفراغ و كيف يمكن التعبد بصحة الصلاتين مع العلم ببطلان إحداهما فإنه يلزم منه مخالفة عملية في العلم الإجمالي سواء كان مقتضيا للتنجيز أو علة تامة، لعدم جريان الأصل في طرفيه لأن أصالة صحة الاولى و الثانية متعارضتان فلا وجه لهذا القول.

ثم انه بعد العلم الإجمالي بصحة إحدى الصلاتين ففي صورة الاتفاق العددي و الكيفى مثل الظهر و العصر لاتحاد عدد الركعات و كيفية الإخفات، فقال المصنف (قده) بكفاية صلاة واحدة بقصد ما في الذمة و الحق معه في ذلك و سرّه ان ما في الذمة عنوان مشير الى الواقع ظهرا كان أو عصرا.

و قد أشكل عليه بأن العنوان إلى الظهرية و العصرية مثلا عنوان قصدي فما دام لم يقصد لم يتعين و حيث يكون مجملا لا يمكن قصده و لا يكفى قصد ما في الذمة لأنه ليس فيها العنوان الخاص.

و الجواب عنه انه لا دليل لنا على تعيين العنوان على أزيد من الطريقية إلى الواقع فإذا دار الأمر بين الصلاة عصرا أو ظهرا و اتى بإحداهما صحيحا يعين الآخر (1) بهذا النحو أيضا، و اما القول بأن معنى ما في الذمة هو انه ان كان ظهرا فهو و ان كان عصرا فكذلك و هذا لا يكون قصدا بل يكون ترديدا أيضا، مندفع لأنه حصل القربة و قد مرّ عدم الدليل على وجوب أزيد من قصد القربة و تعيين ما في الذمة بهذا العنوان.

و اما في صورة اختلاف الكيف و اتفاق العدد كصلاة الظهر و العشاء فحيث تكون كيفية إحداهما جهرا و كيفية الآخر إخفاتا فالقاعدة لا تقتضي تمامية إحداهما‌

____________

(1) أقول: انه لو لم يكن قصد الخلاف مضرا فيما قبل، فإنه يمكن ان يكون الصحيح هو الذي قصده ظهرا قبل ذلك فإنه لم يحرز ان ما أتى به يكون عنوانه ما قصده أم لا.

9

لأن الكيفية لا يمكن ان تصلح بقصد ما في الذمة الّا انه قد ادعى هنا روايتان في مقام النسيان و بتنقيح المناط قالوا تشملان المقام أيضا، إحداهما مرسلة على بن أسباط عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: من نسي صلاة يومه واحدة لم يدر أي صلاة هي، صلى ركعتين و ثلاثا و أربعا (في باب 11 من قضاء الصلوات ح: 1).

و الأخرى مرفوعة حسين بن سعيد قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة من الصلوات لا يدرى أيتها هي؟ قال: يصلى ثلاثة و أربعة و ركعتين فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى أربعا و ان كانت المغرب أو الغداة فقد صلى (في الباب المتقدم ح: 2).

و تقريبهما انه (عليه السلام) في الأربعة لم يعتن بان الجهر و الإخفات لا يحرز بذلك و حيث ان المشهور عمل بهما في المورد ينجبر ضعفهما و لا يخلو تنقيح المناط من قوة الّا ان الاحتياط سبيل النجاة.

و اما الإشكال بأن الامتثال التفصيلي لازم لا الإجمالي فقد حرّر في الأصول ان الامتثال الإجمالي أيضا لو لم يكن أقوى يكون كافيا في جميع الموارد و اما صورة اختلاف الصلاتين عددا فلا شبهة في وجوب اعادة كلتيهما.

[مسألة 42- إذا صلى بعد كل من الوضوئين نافلة]

مسألة 42- إذا صلى بعد كل من الوضوئين نافلة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما فالحال على منوال الواجبين لكن هنا تستحب الإعادة إذ الفرض كونهما نافلة و اما إذا كان في الصورة المفروضة إحدى الصلاتين واجبة و الأخرى نافلة فيمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة و عدم معارضتها بجريانها في النافلة أيضا لأنه لا يلزم من اجرائهما طرح (1) تكليف منجز الا ان الأقوى عدم جريانها للعلم الإجمالي فيجب إعادة الواجبة و يستحب إعادة النافلة.

____________

(1) لا يلزم أن يكون التكليف إلزاميا في منجزية العلم الإجمالي

10

أقول: انه لا بد في هذه المسألة من تقديم مقدمتين:

الاولى: انه هل يكون تنجيز العلم الإجمالي في صورة كون كلا طرفية مستلزما للحكم الإلزامي أو يكون منجزا مطلقا سواء كان موجبا للتكليف الإلزامي أو لم يكن مثل ان يكون موجبا للتكليف الاستحبابي ثم ان جريان الأصل في المستحبات الموقتة مثل صلاة الليل على فرض الإطلاق يكون منجّزا و اما في النوافل الابتدائية تمسكا بمثل «الصلاة خير موضوع» فلا يجرى من باب انه لا يصدق الإعادة بالنسبة الى ما يريد ان يأتي به ثانيا بل هو نفسه أيضا مستحب ابتداء و حكم هذه المسألة يختلف حسب اختلاف المبنى في المقام.

الثانية: انه قد حرّر في محله الاختلاف في ان العلم الإجمالي هل هو مقتض أو يكون علة تامة و الفرق بين المقامين هو ان جريان الأصل في الطرفين إذا استلزم مخالفة عملية قطعية يكون منجّزا للتكليف على فرض الاقتضاء و على فرض العليّة يكون التنجيز مطلقا سواء استلزم ذلك أم لا.

إذا عرفت ذلك فجريان قاعدتي الفراغ بالنسبة إلى الصلاة المستحبة و الواجبة لا يمكن لأنه موجب للعلم بمخالفة العلم الإجمالي على فرض القول بأن العلم الإجمالي منجزّ للتكليف مطلقا، بمقتضى المقدمة الاولى، و علة تامة للتنجيز بمقتضى المقدمة الثانية، و اما على فرض عدم القول بذلك فلا ينجز في المستحبات و حيث ان جريان أصالة الصحة في الصلاة الواجبة لا تعارض مع أصالة الصحة في المستحبة على هذا المبنى يمكن القول بعدم إعادة الفريضة دون النافلة لأنها لا تكون العلم بالنسبة إليها منجزا و لا يحتاج إلى إعادتهما و كذا لا مانع من القول بعدم الإعادة في صورة كون كلتيهما مستحبتين إذا قلنا بجريان قاعدة الفراغ و عدم تنجيز العلم لأنه لا يوجب تكليفا إلزاميا و لكن الحق مع المصنف لأن العلم الإجمالي علة تامة و لا فرق في أطرافه بين ان يكون تكليفا إلزاميا أم لا.

ثم اعلم ان شيخنا النائيني (قده) كان ينكر ثمرة البحث عن كون العلم الإجمالي‌

11

مقتضيا أو علة تامة و لكن ظهر في هذه المسألة ثمرة مهمة و هو انه لو كان مقتضيا يمكن جريان أصالة الصحة بالنسبة إلى الواجبة و المستحبة و لا يلزم منها مخالفة عملية بخلاف صورة كونه علة تامة.

[مسألة 43- إذا كان متوضئا و حدث منه بعده صلاة و حدث و لا يعلم أيهما المقدم]

مسألة 43- إذا كان متوضئا و حدث منه بعده صلاة و حدث و لا يعلم أيهما المقدم و ان المقدم هي الصلاة حتى تكون صحيحة أو الحدث حتى تكون باطلة، فالأقوى صحة الصلاة لقاعدة الفراغ خصوصا (1) إذا كان تاريخ الصلاة معلوما لجريان استصحاب بقاء الطهارة أيضا الى ما بعد الصلاة

أقول: انه لا يخفى ان هذه المسألة هي مسألة توارد الحالتين الطهارة و الحدث لشخص واحد و قد مر بعض الكلام فيهما في السابق في صورة عدم وقوع صلاة بعدهما و هنا يكون الكلام في وقوع الصلاة بعدهما فلذا قال المصنف بوجوب تحصيل الطهارة و اما في المقام فحيث صلى و فرغ منها تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إليها لاحتمال وقوعها بعد الطهارة و اما قول المصنف (قده) في خصوص مورد معلومية تاريخ الصلاة بجريان الاستصحاب فيه ما لا يخفى لأنه مثبت ضرورة انه لا يثبت استصحاب بقاء الطهارة إلى وقت الصلاة و ما بعدها، ان الصلاة وقعت عن طهارة فإن ذلك من الآثار العقلية له.

[مسألة 44- إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء انه ترك جزء منه و لا يدرى انه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي]

مسألة 44- إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء انه ترك جزء منه و لا يدرى انه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي فالظاهر (2) الحكم بصحة وضوئه لقاعدة الفراغ و لا تعارض بجريانها في الجزء الاستحبابي، لأنه لا أثر لها بالنسبة اليه. و نظير ذلك ما إذا توضأ وضوءا لقراءة القرآن، و توضأ في

____________

(1) معلومية التاريخ في الصلاة لا توجب الخصوصية.

(2) بل الأقوى عدم الصحة لتنجيز العلم الإجمالي و عدم جريان قاعدتي الفراغ في طرفيه لأن القاعدة في المستحب أيضا لها الأثر.

12

وقت آخر وضوءا للصلاة الواجبة ثم علم ببطلان أحد الوضوئين فان مقتضى قاعدة الفراغ صحة الصلاة و لا تعارض بجريانها في القراءة أيضا، لعدم أثر لها بالنسبة إليها

أقول: ان هذه المسألة إلى آخرها تكون خلاف مبنى المصنف (قده) من ان قاعدة الفراغ جارية في المستحب و الواجب و الحاصل انها جارية سواء كانت موجبة لحكم إلزامي أو لحكم غير إلزامي كما مر (في مسألة 42) من قوله: «ان الأقوى وجوب اعادة الواجب و المستحب» فليرجع اليه فكيف يقول في المقام ان قاعدة الفراغ في الجزء الاستحبابي لا تعارض بها في الجزء الوجوبي الّا ان يقال بأن قاعدة التجاوز جارية في العنوان الإجمالي، مثلا من علم بأنه اما ترك جزءا واجبا من الصلاة أو جزءا مستحبا فبقاعدة التجاوز يمكن القول بصحتها، و لكنها لا تجرى على ما هو الحق لأن العنوان الإجمالي لا ينطبق عليه القاعدة، نعم إذا علم انه اما ترك القنوت أو ترك السورة فإن قاعدة التجاوز جارية لكون العنوان معينا بكونه قنوتا أو سورة و قد تجاوز عن محلهما لأنه شك في وجود الجزء الواجب.

في الشك في أثناء الوضوء أو بعد الفراغ

[مسألة 45- إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء]

مسألة 45- إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء فان لم تفت الموالاة رجع و تدارك و أتى بما بعده و اما ان شك في ذلك فاما أن يكون بعد الفراغ أو في الأثناء فإن كان في الأثناء رجع و أتى به و بما بعده و ان شك قبل مسح الرجل اليسرى في غسل الوجه مثلا أو في جزء منه و ان كان بعد الفراغ في غير الجزء الأخير بنى على الصحة لقاعدة الفراغ و كذا ان كان الشك في الجزء الأخير ان كان بعد الدخول في عمل آخر، أو كان بعد ما جلس طويلا، أو كان بعد القيام عن محل الوضوء، و ان كان بعد ذلك أتى به ان لم تفت الموالاة و الا استأنف.

13

أقول: ان كلام المصنف (قده) في صورة اليقين بفوت الجزء صحيح لا محيص عنه و اما في صورة الشك إذا كان في الأثناء فهو مبنى على عدم جريان قاعدة الفراغ في أثناء الطهارات الثلاث و ادعى لذلك الإجماع عن العلماء (رضوان اللّه عليهم) .

و لكن المهم في المقام ملاحظة روايات الباب و هي على ثلاث طوائف:

ما ورد في الوضوء، و ما ورد في الصلاة و لا كلام هنا فيه. و الروايات العامة:

فما في الوضوء منها (في باب 42 من أبواب الوضوء ح: 1) صحيحة زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‌ء عليك فيه، الحديث.

و تقريب الرواية لجريان قاعدة الفراغ في الوضوء واضح فإنها ناصّة في ذلك.

و تعارضها موثقة ابن أبى يعفور (في الباب المتقدم ح: 2) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء إنما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجزه.

فان الظاهر من قوله (عليه السلام) «في شي‌ء من الوضوء» هو الجزء منه لا ان يكون الشي‌ء توطئة لذكر الوضوء، بمعنى ان يكون من بيانية أي إذا شككت في شي‌ء هو الوضوء، مضافا بان الذيل يكون متهافتا مع الصدر لو قلنا بأنه يكون للفراغ من الوضوء لأنه قد تعرض بان الشك في شي‌ء لم يتجاوز عنه و هو ينطبق على قاعدة التجاوز أيضا لأعمية كون الشك في أصل الوجود أو في صحة الموجود فتحصل ان الرواية ظاهرة في ان قاعدة التجاوز جارية في الوضوء.

و قد تصدى جمع من العلماء شكر اللّه مساعيهم منهم المحقق الهمداني (قده) للجمع بين الروايتين بأن يقال ان كلمة «من» في صدر الرواية بيانية. و فيه انه خلاف‌

14

الظاهر فان الظاهر منها أنها للتبعيض فلا ينطبق على قاعدة الفراغ على ان قاعدة التجاوز تكون جريانها في صورة كون الشك في أصل الوجود لا في صحة الموجود و الظاهر من الشك في شي‌ء من الوضوء الشك في صحته لا أصل وجوده و يؤيده أن الذيل أيضا يكون أعم من كونه في أصل الوجود أو في صحة الموجود.

و منهم الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) فإنه قال ان الوضوء حقيقة واحدة يوجب مرتبة واحدة من النور و أيّده بأن الوضوء لا يتبعض فإن الذي لا يكون فيه التبعيض لا يكون فيه مجرى لقاعدة التجاوز لأنها متوقفة على التجزي و على هذا الفرض لا يكون فيه ذلك. و فيه انه منقوض بالصلاة فإنه أيضا عمل واحد مرتبط الأجزاء و فكيف تجرى فيها قاعدة التجاوز، و اما قوله ان الوضوء لا يتبعض فإنه و ان كان صحيحا و لكنه لا يوجب تصحيح الرواية للانطباق على قاعدة الفراغ بل بدليل آخر نتمسّك بها.

ثم قد جمعوا بين الروايتين بأن الموثقة تكون في مقام بيان ضرب القاعدة في الوضوء و هي تكون في الوضوء بقرينة الصحيحة و الإجماع و قاعدة الفراغ.

و فيه ان هذا إلقاء لهذه الموثقة فالصحيح (1) أن يقال ان الشي‌ء في صدر الرواية بقرينة الصحيحة ينزل منزلة الجميع و بهذا التنزيل ترتفع جميع الإشكالات و لا ينافي كون كلمة «من» بيانية و لا تهافت الذيل معه كما هو واضح فتكون الرواية الصحيحة حاكمة عليها و شارحة لها و اما لو لم يكن هذا مرضيا فآخر الكلام هو ان الموثقة معرضة عنها عند الأصحاب فنأخذ بالصحيحة.

و اما الطائفة العامة من الروايات مثل قوله (عليه السلام): «كلما مضى من صلاتك‌

____________

(1) أقول: ان التنزيل يحتاج الى دليل مثل ما ورد من ان الطواف في البيت صلاة الدال على شرطية الطهارة له كالصلاة و لا يكون لنا شاهد عليه فلو كنا و هذه الرواية لا نفهم منه انه قاعدة التجاوز لا تجري في الوضوء. نعم بعد كون الرواية مجملة مثلا يقال يمكن ان يكون المراد ما هو مفاد الصحيحة و لا طريق للإثبات و كيفما كان فنحن في غنى من جهة الصحيحة سواء صح الجمع أم لا.

15

و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك» (باب 42 من الوضوء ح: 6) فهي بعد رفع التعارض بين الصحيحة و الموثقة تخصص بالصحيحة فلا يبقى إشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء.

هذا كله في صورة الشك في وجود الجزء و اما إذا كان شكه في وسط الوضوء في صحة الموجود فهل تجري القاعدة أم لا فيه خلاف، فقد ادعى الإجماع على عدم جريانها أيضا، قال المحقق الهمداني (قده) ان الشك في الصحة يكون مجرى قاعدة الفراغ و لا يصدق الفراغ في وسط العمل فان الوضوء أمر واحد فان قلنا به فلا إشكال في عدم الجريان و اما على فرض الاشكال فيه بأنه يمكن جريان القاعدة و الفراغ من كل شي‌ء بحسبه فإذا فرغ من جزء يصدق الفراغ، فعلى القاعدة تجري القاعدة في وسطه أيضا الّا أن الصحيحة التي مرّت مانعة عن جريانها بقوله (عليه السلام): «إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت (1) فيه انك لم تغسله» فان قوله (عليه السلام): «و على جميع ما شككت» شامل لصورة الشك في أصل الوجود أو صحة الموجود و قوله انك لم تغسله يكون بيانا لمصداق منه فالدليل على عدم جريان قاعدة التجاوز في وسط العمل إذا كان الشك في صحة الموجود هو الرواية لا من جهة ان قاعدة الفراغ تختص بصورة كون الشك في الصحة و الشك فيها يرجع الى الشك في أصل الوجود الشرعي فلا محالة تجري في وسط العمل أيضا و كيفما كان فاما ان يكون الوضوء خارجا عن القاعدة تخصصا لعدم صدق الفراغ في وسطه أو تكون خارجة من باب التخصيص و لا فرق بين كون القاعدتين واحدة أو متعددة في سائر الأبواب فإنه لا أثر له في الوضوء.

و لا فرق في عدم جريان القاعدة في الاجزاء في الوضوء بين الجزء الأخير مثل ما عن المصنف من المثال بأن يكون الشك في مسح الرجل اليسرى أو في الجزء‌

____________

(1) ظاهرها هو عدم صورة كون الشك في الصحة بل في أصل الوجود و الشاهد عليه ان جملة انك لم تغسله صفة على ما شك فيه فلا دلالة للرواية على ذلك.

16

الوسط كما سيجي‌ء اما إذا كان الشك بعد الجزء الأخير في شي‌ء من الوضوء فهل مناط جريان قاعدة الفراغ على الدخول في غيره أم لا فيكون مورد البحث فنذكر بعض الروايات في المقام أي في مقام الاستدلال لقاعدة الفراغ بعد الجزء الأخير ليظهر المرام.

ففي صحيحة ابن مسلم (باب 42 من الوضوء ح: 6) «كلما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك فيه» و (في الباب المتقدم ح: 7) عن بكير بن أعين قال: قلت: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك».

و (في باب 23 من أبواب خلل الصلاة) عن محمد بن مسلم (ح: 3) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو.

و (في الباب المتقدم ح: 1) «يا زرارة إذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشككت فشكك ليس بشي‌ء».

ثم في تقريب الاستدلال بحيث يمكن شمولها للمقام أيضا ينبغي البحث في كلمة «المضي» فإنه ان كان معناه المضي الشرعي فهو مسلم انه لم يمض شرعا و لذا يتعبد به بقوله (عليه السلام) «فامضه» فحينئذ يجب ان يبين الشارع مضى كل مورد، و لا يمكن التعدي من باب الصلاة الى باب الوضوء، و في كل باب أيضا يجب ان يكون بيان المضي في كل جزء من الشارع ففي مقامنا هذا و هو الوضوء يجب ان يكون البيان منه و ان كان المراد المضي العرفي فهو يكون في صورة عدم إمكان الرجوع مثل الصلاة إذا دخل في ركن منها بعد ما شك في جزء قبله، و اما في مثل الوضوء فحيث لا ركن له يمكن الرجوع.

فنقول في الوضوء بعد ما شك فيه مع العلم بإتيان الجزء الأخير لا شبهة في صدق عنوان المضي لأن كل مركب اعتباري إذا تم جزئه الأخير فقد تم و يصدق المضي و الفراغ منه لأنه ليس وراء عباد ان قرية فان الآمر طلب هذه الأجزاء و قد‌

17

تمت فلو لم يكن لنا دليل آخر غير روايات المضي المطلقة بقوله (عليه السلام): «كلما مضى من صلاتك و طهورك فامضه كما هو» لقلنا بجريان قاعدة الفراغ في هذه الصورة الا أن في صحيحة زرارة التي مرت (باب 23 من أبواب الخلل ح: 1) يكون قوله (عليه السلام): «إذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره».

فإنها كما ترى يكون فيها قيد الدخول في الغير ففي مقام الجمع اما ان يقال بان القيد محمول على الغالب لأن الغالب ان من فرغ من عمل يدخل في غيره، فيؤخذ بالإطلاقات و يقال بأنه ليس شرط جريان قاعدة الفراغ فيما كان الشك في غير الجزء الأخير، الدخول في الغير مثل الصلاة أو غيرها، أو يقال بأن الإطلاق (1) منصرف إلى صورة الدخول في الغير أيضا و يكون القيد في صحيحة زرارة احترازيا فلا تجري القاعدة إلّا بعد الدخول في الغير.

و الحق هو جريان قاعدة الفراغ في المقام لا من باب ان القيد غالبي لأن من الممكن أن يكون احترازيا بل من باب ان المناط على الظهورات فليس كل‌

____________

(1) أقول: ان الانصراف غير محرز فانا لا نجزم به في الاعتباريات الّا ان يقال ان معنى المضي حتى في الاعتباريات يكون على عهدة العرف و هو لا يرى المضي الا أن يرى المتوضي في غير حال الوضوء و لو بمدة قليلة فمن مسح رجله و تكون يده على الكعب و ان تم مسحه و لكن لا يصدق الفراغ من وضوئه بذلك.

و اما كون القيد غالبيا فهو خلاف الظاهر فان الظاهر منه الاحتراز، و اما إنكار قرينية الذيل للصدر في المقام و ادعاء الاجمال فمشكل جدا و لو كان الصدر في مقام من المقامات قرينة على الذيل لا يكون لنا في المقام دليل عليها خصوصا بعد ما ذكرناه من ان عنوان المضي عن العمل كأنه في العرف يحتاج إلى مؤنة زائدة عن تمام العمل.

و يؤيده ان في الصحيحة قال (عليه السلام): «إذا كنت قاعدا على وضوئك» و لم يقل إذ كنت مشغولا به أو يبعض أجزائه، و القعود أيضا من باب المثال و كاشفية أنه يكون على حال الوضوء. فادعاء جريان قاعدة الفراغ إذا كان الشك في غير الجزء الأخير مشكل و الحق مع المصنف.

18

خاص يقدم على كل عام بل ربما كان ظهور العام أقوى من ظهور الخاص و في المقام يكون الظهور في العام مجملا لاحتمال كون القيد احترازيا و أن يكون غالبيا، بل من باب ان الوضوء حيث يكون من المركبات الاعتبارية و هو يتم بتمام آخر جزئه و هو مسح الرجل اليسرى و يصدق المضي و حيث لا يكون لنا دليل من الشارع على وجوب الدخول في الغير نفهم أنه أو كل الأمر إلى نظر العرف و العقلاء ففي المقام لا بيان منه و أحرزنا المضي، فنقول بجريان قاعدة الفراغ فيما بعد الجزء الأخير.

و يؤيده ذيل موثقة أبي يعفور التي قد مرت (باب 42 من الوضوء) «انما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» و معنى هذه العبارة هو أن الدخول في الغير لا يلزم بل إذا جاوز الشي‌ء لا اعتبار بشكه و هذا يكون قرينة على ان الصدر يكون المراد من الدخول في الغير فيه تمام العمل فهو دليل جريان القاعدة فيما إذا كان الشك في غير الجزء الأخير.

و اما صحيحة زرارة فلا يكون الدخول في الغير فيها قرينة لأنه كما ان الذيل يمكن أن يكون قرينة الصدر كذلك الصدر يمكن أن يكون قرينة للذيل أيضا فتكون الرواية مجملة أيضا فالدليل الوحيد ما ذكرناه.

اما إذا كان الشك في نفس الجزء الأخير مثل الشك في مسح الرجل اليسرى فهنا يكون محل البحث عن أن المضي هل يصدق أم لا لأن الشك يكون في المركب الاعتباري و في الجزء الأخير و حيث ما أحرزناه ما أحرزنا تمامية العمل فيمكن أن يقال ان الدخول في الغير يمكن (1) أن يكون محقق عنوان المضي.

و قال في الجواهر: الشك فيه يكون كالشك الساري في أصل الوضوء فلم يصدق الفراغ فلا تجرى قاعدته.

أما قاعدة التجاوز (2) ففي هذه الصورة إذا كان الغير الذي دخل فيه هو‌

____________

(1) أقول: ان هذا هو المتعين فإذا دخل في عمل آخر فقد فرغ و تجري قاعدة الفراغ فيه.

(2) مع جريان قاعدة الفراغ لا ثمرة مهمة لادعاء جريان قاعدة التجاوز.

19

الغير الشرعي مثل قراءة القرآن أو الصلاة، فهي جارية لأن الدليل الدال على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء مختص بمورده، و اما ما كان له ترتيب شرعي مثل الصلاة المترتب على الوضوء فتكون الأدلة شاملة، و اما قاعدة الفراغ فتكون جارية بصرف الدخول في الغير سواء كان شرعيا أم لا، لأنه يصدق الفراغ و يدل عليه الصحيحة المتقدمة عن زرارة المخصصة لعمومات قاعدة التجاوز و الموافقة لما دل على الفراغ.

في عدم اعتبار شك كثير الشك في الوضوء

[مسألة 46- لا اعتبار بشك كثير الشك]

مسألة 46- لا اعتبار بشك كثير الشك سواء كان في الاجزاء أو الشرائط أو الموانع.

أقول: انه يكون عنوان هذا البحث منهم في الصلاة عند بيان شك كثير الشك و الروايات واردة فيها و لكن الحلي في السرائر جعل عنوانه في الوضوء أيضا و تبعه من بعده.

و كيفما كان فالمهم البحث عن الدليل فنقول: أولا: انه يكون فرق بين الوسواس و كثرة الشك، فإن الأول يكون حين الالتفات إلى إتيان الأجزاء تفصيلا ثم يقول الوسواسى ما وقع صحيحا أعاذنا اللّه من ذلك، و أما كثير الشك فلا يكون ملتفتا إلى إتيان العمل تفصيلا ففي صورة كثرة الشك مقتضى القاعدة الأولية هو الاشتغال و استصحاب عدم الإتيان كما مر في من كان شكه عاديا فإن قاعدة التجاوز غير جارية بالنسبة إليه فضلا عمن كان شكه خلاف المتعارف و لكن حيث ان مقتضى فهم العرف من دليل الاستصحاب هو ان الشك العادي يكون حكمه البناء على اليقين السابق و اما من كان غير عادى فلا يجرى الاستصحاب بالنسبة إليه فهذا الشخص لا يكون له قاعدة التجاوز و لا استصحاب عدم الإتيان.

فنقول حيث ان الفطرة السليمة في جميع الأعمال يحكم بأن من كان مشغولا بعمل فهو يأتي به على وجهه حين هو مشتغل به، و امضى الشارع هذه الفطرة و هذه السيرة العقلائية في جميع الموارد فيرجع هذا الشخص أيضا الى فطرته و يقول بصحة‌

20

العمل، و اما قاعدة التجاوز فتكون غير جارية في الوضوء بمقتضى الصحيحة المخصصة في الوضوء و لكن بالنسبة الى من كان شكه عاديا و اما بالنسبة إلى غيره فالأصل يقتضي بقاء العمومات على عمومه بقوله (عليه السلام): «كلما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه.» فالعام يكون تاما في عمومه و لم يخصص بشي‌ء و يكون دليلا لإمضاء الشرع في هذا المقام لما تقتضيه الفطرة و قاعدة الفراغ لا اشكال فيها أصلا إذا كان الشك بعده.

و قيل: ان قاعدة التجاوز و ان لم تكن جارية في الوضوء و لكن حيث يلزم من عدمه الحرج فبدليل نفى الحرج يرفع الحكم الحرجي و هو عدم جريان القاعدة و يقال بجريانها هنا. فان قلت: أن الحرج لازمه عدم الحكم و نفيه بعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء و اما صحته فمن أين تثبت.

قلت: أنه إذا رفع الحكم بعدم الجريان الذي استفدناه من المخصص تبقى العمومات بلا مانع فهي جارية بالنسبة اليه و يحكم بصحة وضوئه. هذا كله مقتضى القاعدة.

و اما الروايات فهي واردة في الصلاة و بذكر التعليل في ذيلها يستفاد ان كلما كان الشك من الشيطان يجب ان لا يتوجه اليه لئلا يعتاد الخبيث.

(و هي في الوسائل ج: 5 باب 16 من أبواب الخلل) فمنها (ح: 1) عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فإنه يوشك أن يدعك انما هو من الشيطان» بتقريب ان كثرة السهو تكون من الشيطان بقوله (عليه السلام) «انما هو. إلخ» فيجب ان لا يعتمد عليه حتى يدعه الشيطان و لا اختصاص له بالصلاة.

و منها (ح: 2) و فيه قوله ثم قال: «لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطعموه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرن نقض الصلاة فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد اليه الشك» قال زرارة: ثم قال:

21

انما يريد الخبيث ان يطاع فإذا عصى لم يعد إلى أحدكم».

و تقريبه أن إطاعة الشيطان في ذلك يلازم معصية اللّه تعالى و معصيته يلازم اطاعة اللّه تعالى، و الظاهر من التعليل انه من عادة الشيطان ذلك فيجب طرده في كل عمل سواء كان هو الوضوء أو غيره و ذكر الصلاة يكون لبيان مصداق من المصاديق و لا شبهة في ان الشك في الوضوء أيضا من الشيطان لا من الرحمن.

و قد أشكل عليه أولا بأن الروايات تكون في مقام بيان حكم الشك الذي يكون من الشيطان و إحراز الموضوع شرط لتطبيق الحكم عليه فيمكن أن يكون الشك في الوضوء من النفس لا من الشيطان فإن كثرة الشك في الصلاة حيث يكون مورد كلام المعصوم (عليه السلام) يكون هذا محرزا فيه بخلاف الوضوء فهو يكون من الشبهة المصداقية و لا ندري ان الشك فيه من الشيطان أم لا.

و ثانيا بأن العلة أيضا لا توجب التعميم فإنه إذا قيل بأن الخمر لسكره حرام يمكن أن يقال ان الحصة الخاصة من السكر يكون سببا للحرمة و هي التي تكون من الخمر لا من غيره.

و الجواب عن الأول هو ان الروايات ناطقة بأن كثرة السهو يكون من الشيطان بعد ما حكم بالمضي عن كثرة الشك كما مر بيانه، فلا تكون الشبهة في كون الشك في الوضوء أيضا منه لا من الرحمن.

و اما الجواب عن الثاني فهو واضح لظهور التعليل في التعميم لا غير.

ثم انه قد وردت الرواية الصحيحة في الصلاة و الوضوء عن ابن سنان باب 10 من أبواب مقدمة العبادات ح: 1.

و يمكن الاستدلال أو التأييد بها للمقام قال ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل مبتلى بالوضوء و الصلاة قلت هو رجل عاقل فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و اى عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت: له و كيف يطيع الشيطان فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شي‌ء هو فإنه يقول لك من عمل الشيطان. فإن الرواية صريحة في ان الابتلاء بالوضوء أيضا‌

22

يكون من عمل الشيطان.

و قد أشكل عليها بأن هذه الرواية تكون مختصة بالوسواس و هو فوق كثير الشك و غيره فكيف تنطبق على المقام.

و الجواب عنه (1): هو ان أقل درجات الوسواس و هو كثرة الشك بقرينة سائر الروايات أيضا يفهم انه من الشيطان.

ثم انه قد ذكر في المقام ما توهم معارضته مع الروايات و هو ما عن الواسطي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك أغسل يدي فيشككنى الشيطان أنى لم أغسل ذراعي و يدي قال: إذا وجدت برد الماء على ذراعيك فلا تعد.

و تقريب التعارض هو انه بعد السؤال عن الشك الذي يأتي من قبل الشيطان حكم (عليه السلام) بأن عدم الاعتناء بالشك يكون في صورة وجود امارة مثل برد الماء على اليد فعدم الاعتناء مطلقا لا وجه له، و حيث ان الرواية حاكمة على سائر الروايات لا يعتنى بضعفها من جهة الواسطي (2) فنقول (3) على فرض عدم التعدي من روايات‌

____________

(1) أقول: هذا مضافا الى أن الابتلاء بالوضوء لا يفهم منه الوسواس فقط بل يشمل الابتلاء القليل أو الكثير.

(2) أقول: ان الحاكم بعد إثباته يقدم على المحكوم و ضعف السند يمنع عن إثبات أصل وجوده تعبدا فكيف يعتنى بشأن الراوي فيه لو فرض انه ضعيف فوجه هذا القول غير معلوم و لعله وقع خلط في البيان من جهة تقديم الحاكم و لو كان أضعف ظهورا بهذا.

(3) أقول: ان كل شك سواء كان كثيرا أو قليلا يكون من الشيطان حتى ان الخضر (عليه السلام) إذ قال لموسى (عليه السلام) «آتِنٰا غَدٰاءَنٰا» كما في القرآن الكريم فذكر أنه بقي في الطريق قال «وَ مٰا أَنْسٰانِيهُ إِلَّا الشَّيْطٰانُ» فكل شك يكون من الشيطان حتى لو كان واحدا و نحن نحتاج في جميع موارد الشك للخروج عن الأصول التي قررت للشاك الى دليل.

فنقول: هذه الرواية لا يستفاد منها كثرة الشك و ما خرج السائل عن الطبع العادي، و لذا جعل له ما هو معدم للشك فان برد الماء دليل على انه توضأ فلا تستقيم المعارضة إلا بدعوى ظهورها في انه كان كثير الشك و هو غير ظاهر في ذلك لو لم يظهر في عدمه.

و الشاهد على ان المناط في الوضوء أيضا كثرة الشك أعنى بنحو العموم الذي من أفراده الوضوء ما ورد (في باب 16 من الخلل في الصلاة ح: 8) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا سهو على من أقر على نفسه بسهو.

(و في الباب المتقدم ح: 7) إذا كان الرجل يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو فان مدخول «كل» لا يكون الصلاة أو غيره و هو و ان كانت في صدد بيان مناط كثرة الشك و لكن يستشم منها العمومية للمقام أيضا.

23

الصلاة الى الوضوء فلا معارضة معها إنما المعارضة مع الرواية التي عن ابن سنان في الوضوء أو الصلاة الا أن يقال بأن ما عن ابن سنان يختص بصورة الوسواس و هذا يكون فيما لا يصل الى حده فلا معارضة و كيفما كان فحيث لا تكون الرواية معمولا بها لا يعتنى بمعارضتها.

في قاعدة الفراغ و التجاوز في التيمم

[مسألة 47- التيمم الذي هو بدل عن الوضوء لا يلحقه حكمه]

مسألة 47- التيمم الذي هو بدل عن الوضوء لا يلحقه حكمه في الاعتناء بالشك إذا كان في الأثناء و كذا الغسل و التيمم بدله، بل المناط فيها التجاوز عن محل المشكوك فيه و عدمه، فمع التجاوز تجري قاعدة التجاوز، و ان كان في الأثناء، مثلا إذا شك بعد الشروع في مسح الجبهة في انه ضرب بيده على الأرض أم لا، يبنى على انه ضرب بهما، و كذا إذا شك بعد الشروع في الطرف الأيمن في الغسل انه غسل رأسه أم لا، لا يعتنى به، لكن الأحوط إلحاق المذكورات أيضا بالوضوء.

أقول: الكلام هنا في ان القاعدة في التيمم الذي يكون بدلا عن الوضوء هل تكون مثل الوضوء فإذا قلنا بعدم جريان قاعدة التجاوز فيه يقال به في بدله و كذلك الغسل أم لا؟ و كذلك الكلام في جريان قاعدة الفراغ فيهما خلاف،

24

و هذا لا يكون في عنوان بحث الفقهاء في المقام بخلاف الوضوء فإنه قد مر، و الحلي عنونه في السرائر و تبعه من بعده فيجب لنا ملاحظة العمومات.

فنقول: الحق ان قاعدة الفراغ جارية فيهما كما في الوضوء لعموميتها فيما كان الشك في صحة الموجود لتعدد القاعدتين على ما هو التحقيق فان قوله (عليه السلام) في الرواية المتقدمة «فامضه كما هو» معناه فامضه كما هو عليه من الإتيان به فكأنه فرض أصل وجوده مفروغا عنه و لهذا عبر بهذه العبارة و لكن الإشكال الذي يأتي في التيمم هو ان الفراغ يكون صادقا بالنسبة إلى العمل الذي لا يمكن الرجوع اليه بعده مثل الدخول في عمل غيره بعد فرضه مركبا اعتباريا واحدا مثل الصلاة التي تبطل بفقد الموالاة و اما مثل التيمم أو الغسل الذي لا يكون الموالاة بين أجزائه معتبرا فيمكن الرجوع اليه و لذا قيل بأنه لو دخل في عمل يكون عادته الدخول فيه بعده تجري قاعدة الفراغ و الا فلا، و كيف كان فالاحتياط في الفراغ بأن يكون داخلا في الغير طريق النجاة.

و اما قاعدة التجاوز فقد ادعى الشيخ (قده) الاتفاق على عدم جريانها في التيمم و الغسل مثل الوضوء و قال صاحب الجواهر: ما رأيت مخالفا الا صاحب الرياض.

ثم انه اما أن يقال بان هذه القاعدة مختصة بالصلاة أو يقال بان مقتضى العمومات عدم الاختصاص و نحتاج الى مخصص في كل ما يدعى خروجه فعلى الأول يحتاج جريانها بالنسبة إلى التيمم و الغسل الى دليل لخصوصه و على الثاني عدم الدليل على التخصيص يكفى لبقاء العام على عمومه و هذا هو مذهب شيخنا العراقي (قده) و صاحب الجواهر (قده) أيضا كذلك.

ففي صحيحة زرارة (باب 23 من الخلل ح: 1) «إذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء» فإن الشي‌ء عام يشمل كل عمل من الأعمال الشرعية.

و كذا صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض كل‌

25

شي‌ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه (باب 13 من أبواب الركوع ح: 4).

و تقريب الاستدلال بكلمة «كل» الداخلة على الشي‌ء بعد كون الشي‌ء شاملا لكل عمل من الوضوء و الغسل و التيمم و الصلاة، و الكل دال بالوضع على العموم كما هو التحقيق خلافا للمحقق الخراساني (قده) و من تبعه بأن الكل يكون لتوسعة ما يراد من المدخول و ما يراد منه لا يكون محرزا الا بمقدمات الإطلاق و حيث ان المقام يكون الكلام في أجزاء الصلاة نحتمل أن يكون قرينة على ان المراد من الشي‌ء هو الأجزاء الصلاتية فقط لا غير و اما على التحقيق فذكر المورد لا يكون موجبا لخصوصية الذيل الذي هو عام به فقط الا ان يدعى الانصراف عن الغير في المقام.

ثم ان المحقق الهمداني قال: ان الاجزاء إذا كانت ذات شأن تجري القاعدة فيها.

فنقول: كل أجزاء العمل يكون له شأن مثل الأذان فإنه كما في النص الوارد في محله فرض كل جزء منه قد جاوز عنه مصداقا للتجاوز و ينطبق عليه الحكم.

و اما ما قيل من أن بدلية التيمم عن الوضوء تقتضي أن تكون بحكمه في عدم جريان القاعدة، ففيه ما لا يخفى من جهة أن البدلية لا يلزم أن تكون في جميع الأحكام أيضا بل يكفى كونها في بعض الآثار.

[مسألة 48- إذا علم بعد الفراغ من الوضوء انه مسح على الحائل]

مسألة 48- إذا علم بعد الفراغ من الوضوء انه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل أو غسل في موضع المسح و لكن شك في أنه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة أو ضرورة أو تقية أولا، بل فعل ذلك على غير الوجه الشرعي الظاهر الصحة حملا للفعل على الصحة لقاعدة الفراغ أو غيرها و كذا لو علم انه مسح بالماء الجديد و لم يعلم انه من جهة وجود المسوغ أو لا، و الأحوط الإعادة في الجميع.

أقول: ان المقام يكون مقام بيان جريان أصالة الصحة و لذا نبين شطرا من الكلام‌

26

فيها مختصرا فنقول: ان الشخص اما أن يكون حين الشك ملتفتا إلى كيفية صدور العمل حين صدوره أو لم يكن و اما أن يعلم الحكم تفصيلا أو لا يعلم مثل ان بعض الناس بالنسبة إلى المسائل في الصوم و الصلاة و غيرهما جاهلون بالحكم أيضا و يحتمل صدور العمل منهم مطابقا للواقع اتفاقا.

اما صورة انحفاظ صورة العمل عنده فمثل من يعلم ان صلاته وقعت إلى الجهة الفلانية و لا يعلم ان تلك الجهة قبلة أم لا، و المتيقن من جريان الأصل غير هذه الصورة و من موارد انحفاظ صورة العمل هو بيع الوقف مع عدم العلم بأنه هل حصل له المجوز أم لا و مثله في الحكم صورة إتيان صلاة لا يدرى انها في الوقت أو خارجه فان الشك هنا يرجع الى الشك في أصل الوظيفة و التكليف بالصلاة حينما وقعت أم لا، و قاعدة الفراغ تكون بالنسبة إلى العمل الذي يكون التكليف بالنسبة إليه محرزا، ففي جميع هذه الصور يحكم ببطلان العمل للقطع بصدوره عن خلاف الواقع، و المقام الذي نكون فيه يكون في صورة انخفاظ صورة العمل و هو أن يعلم ان الغسل وقع في موضع المسح و الشك يكون في العنوان الطاري و هو ان ذلك هل كان عن مجوز شرعي أم لا فعلى مسلك القائل بعدم الجريان في تلك الصور لا تجري القاعدة في هذه الصورة و اما شيخنا العراقي (قده) فهو قائل بأن القاعدة جارية في كل ما يحتمل مصادفته مع الواقع باحتمال من الاحتمالات.

[مسألة 49- إذا تيقن انه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله]

مسألة 49- إذا تيقن انه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله و لكن شك في انه أتمه على الوجه الصحيح أو لا بل عدل عنه اختيارا أو اضطرارا الظاهر عدم جريان قاعدة الفراغ فيجب الإتيان به لان مورد القاعدة ما إذا علم كونه بانيا على إتمام العمل و عازما عليه الا انه شاك في إتيان الجزء الفلاني أم لا و في المفروض لا يعلم ذلك و عبارة أخرى مورد القاعدة صورة احتمال عروض النسيان لاحتمال العدول عن القصد.

أقول: ان الأقوى هنا جريان قاعدة الفراغ لان العقلاء على أصولهم إذا‌

27

دخلوا في عمل يتمونه و لا يتركونه في وسطه لأنهم لا يكونون بصدد اللغو و ان كان في بعض الموارد يحصل القطع بحدوث عارض من العوارض أو الاختيار و لكنه نادر خصوصا بالنسبة إلى العمل الذي يكون له وحدة اعتبارية و في المقام حيث يكون الشك في صحة الموجود بعد إحراز أصل العنوان تجري القاعدة.

و اما ما ذكر من انه مناط القاعدة هو الأذكرية حين العمل و في المقام حيث لا يحرز انه كان في العمل الى آخره أم لا، فلا تنطبق القاعدة فلا وجه له لما ذكرناه و لأن هذه حكمة لا علة على انه يكون في دليل قاعدة التجاوز لا في دليل قاعدة الفراغ فلا وجه لقول المصنف الّا من باب الاحتياط.

[مسألة 50- إذا شك في وجود الحاجب و عدمه]

مسألة 50- إذا شك في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء أو في الأثناء وجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه ان لم يكن مسبوقا بالوجود و الا وجب تحصيل اليقين و لا يكفى الظن.

و ان شك بعد الفراغ في انه كان موجودا أم لا بنى على عدمه و يصح وضوءه، و كذا إذا تيقن انه كان موجودا و شك في انه ازاله أو أوصل الماء تحته أم لا نعم في الحاجب الذي قد يصل الماء تحته و قد لا يصل إذا علم انه لم يكن ملتفتا اليه حين الغسل و لكن شك في انه وصل الماء تحته من باب الاتفاق أم لا، يشكل جريان قاعدة الفراغ فيه فلا يترك الاحتياط بالإعادة و كذا إذا علم بوجود الحاجب المعلوم أو المشكوك حجبه و شك في كونه موجودا حال الوضوء أو طرأ بعده فإنه يبنى على الصحة إلا إذا علم انه في حال الوضوء لم يكن ملتفتا إليه فإن الأحوط الإعادة حينئذ.

[مسألة 51- إذا علم بوجود مانع و علم زمان حدوثه]

مسألة 51- إذا علم بوجود مانع و علم زمان حدوثه و شك في ان الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده يبنى على الصحة لقاعدة الفراغ إلا إذا علم عدم الالتفات اليه حين الوضوء فالأحوط الإعادة حينئذ.

28

[مسألة 52- إذا كان محل وضوئه من بدنه نجسا فتوضأ]

مسألة 52- إذا كان محل وضوئه من بدنه نجسا فتوضأ و شك بعده في انه طهره ثم توضأ أم لا بنى على بقاء النجاسة فيجب غسله لما يأتي من الاعمال و أما وضوؤه فمحكوم بالصحة عملا بقاعدة الفراغ الا مع علمه بعدم التفاته حين الوضوء إلى الطهارة و النجاسة و كذا لو كان عالما بنجاسة الماء الذي توضأ منه سابقا على الوضوء و يشك في انه طهره بالاتصال بالكر أو بالمطر أم لا فان وضوءه محكوم بالصحة و الماء محكوم بالنجاسة و يجب عليه غسل كل ما لاقاه و كذا في الفرض الأول يجب غسل جميع ما وصل اليه الماء حين الوضوء أو لاقى محل التوضؤ مع الرطوبة.

أقول: ان كل هذه المسائل واضح الحكم لا يحتاج الى شرح جديد بعد ما مر من الكلام في أمثالها.

[مسألة 53- إذا شك بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه]

مسألة 53- إذا شك بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه بنى على صحتها لكنه محكوم ببقاء حدثه فيجب عليه الوضوء للصلوات الاتية و لو كان الشك في أثناء الصلاة وجب الاستئناف بعد الوضوء و الأحوط الإتمام مع تلك الحالة ثم الإعادة بعد الوضوء.

أقول: اما الفرع الأول في المسألة و هو الشك بعد الفراغ من الصلاة فالمشهور فيه جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة، و اما الوضوء فيجب الإتيان به للصلوات الآتية كما ذكره المصنف (قده) و هو الحق، و ذلك لا ينافي العلم الإجمالي بأنه اما أن تكون الصلاة باطلة أو الوضوء، فكيف يمكن الانفكاك بينهما بصحة أحدهما دون الآخر لأنه لا يلزم من هذا العلم الإجمالي مخالفة عملية لأنه يقال بأنه بعد الصلاة يجب الإتيان بالوضوء فلا يلزم منه مخالفة عملية.

و اما الفرع الثاني فهو صورة الشك في أثناء الصلاة فالأقوال فيه ثلاثة: الأول الصحة مطلقا أعني بالنسبة إلى بقية الصلاة و بالنسبة إلى الصلوات الآتية كما عن‌

29

كاشف الغطاء (قده) الثاني: عدم الصحة مطلقا. الثالث: التفصيل بين الصلاة التي كان فيها فيصح الوضوء بالنسبة الى ما مر منها، و اما بالنسبة إلى بقية الصلوات و بقية الأجزاء فلا يتوضأ في الوسط أو بعدها.

و سند الأول: هو ان المستفاد من الآية الكريمة: «أن أقمتم إلى الصلاة.

إلخ»، هو ان الصلاة من المترتبات الشرعية على الوضوء فكما أنه تجري قاعدة التجاوز فيها كذلك تجرى إذا كان الشك في الوضوء و هي لا تجري في نفس الوضوء اما في المقام فلا دليل على عدم جريانها.

و قد أشكل عليه أولا بأن الوضوء شرط مقارن للصلاة فإنه لا صلاة إلا بطهور و كل جزء من أجزائها يجب أن يكون مع الطهور فلا فائدة في تقدم الوضوء، و لا رتبة له بالنسبة إلى الصلاة و فيه انه لو كانت الطهارة هي المحصل من الغسل و المسح و هو النور الحاصل منها مع الصلاة فلا ينافي أن يكون رتبة الغسل و المسح قبلها و هما المأمور بهما قبلها.

و قد أشكل ثانيا بأن التجاوز بالنسبة إلى بقية الأجزاء لا يصدق و ان صدق بالنسبة الى ما مضى. و فيه ان احتمال صحة الوضوء لما مر بجريان القاعدة يكفى لبقية الأجزاء.

و قد أشكل ثالثا بعدم الترتب الشرعي بين الوضوء و الصلاة. و فيه ان الآية مر آنفا انها شاهدة له، مضافا الى الغريزة بأن من دخل في الصلاة بعد الوضوء يرى متجاوزا عنه.

و اما المفصل فهو الشيخ الأنصاري (قده) فإنه قال: بأن إحراز الطهارة لازم فإذا كان في وسط الصلاة يجب عليه الوضوء ليحرز إتيان البقية مع الطهارة فلذا يجب أن يتوضأ في الوسط لو لم يوجب الإخلال بالموالاة و الا فالصلاة باطلة.

و فيه انه لو قلنا بصحة الوضوء بواسطة قاعدة التجاوز لا وجه للتخصيص بالنسبة الى الأجزاء، و أما القائل بعدم الصحة مطلقا فلعدم جريان القاعدة بنظره أصلا‌

30

كما مر في مطاوي الإشكال على القول الأول.

و كيف كان فالأحسن مذهب كاشف الغطاء، و بعده مذهب الشيخ الأنصاري (قده) و هو مذهب المصنف كما في المتن، و هو استئناف (1) الوضوء و يكون موافقا للقائل بعدم الصحة مطلقا، فتحصل ان الحق في الفرعين هو صحة الوضوء و الصلاة كليهما بالنسبة الى ما مضى و ما سيأتي من الأجزاء و الصلوات.

[فصل في أحكام الجبائر]

فصل في أحكام الجبائر و هي الألواح الموضوعة على الكسر و الخرق و الأدوية الموضوعة على الجروح و القروح و الدماميل.

فالجرح و نحوه اما مكشوف أو مجبور و على التقديرين اما في موضع الغسل أو في موضع المسح ثم اما على بعض العضو أو تمامه أو تمام الأعضاء ثم اما يمكن غسل المحل أو مسحه أو لا يمكن. فإن أمكن ذلك بلا مشقة و لو بتكرار الماء عليه حتى يصل اليه لو كان عليه جبيرة أو وضعه في الماء حتى يصل اليه، بشرط أن يكون المحل و الجبيرة طاهر بن، أو أمكن تطهيرهما وجب ذلك. و ان لم يمكن، اما لضرر الماء أو للنجاسة، و عدم إمكان التطهير أو لعدم إمكان إيصال الماء تحت الجبيرة و لا رفعها فان كان مكشوفا يجب غسل أطرافه و وضع خرقة طاهرة عليه و المسح عليها مع الرطوبة و ان أمكن المسح عليه بلا وضع خرقة تعين ذلك ان لم يمكن غسله كما هو المفروض و ان لم يمكن وضع الخرقة أيضا اقتصر على غسل أطرافه لكن الأحوط ضم التيمم اليه و ان كان في موضع المسح و لم يمكن المسح عليه كذلك، يجب

____________

(1) أقول: اما احتياطه ذيلا فوجهه واضح من جهة احتمال أن يكون متوضئا فيكون قطع الصلاة حراما، فيتم الصلاة ثم يأتي بالوضوء ليوافق الاحتياط.

31

وضع خرقة طاهرة، و المسح عليها بنداوة و ان لم يمكن سقط، و ضم اليه التيمم و ان كان مجبورا وجب غسل أطرافه مع مراعاة الشرائط و المسح على الجبيرة ان كانت طاهرة، أو أمكن تطهيرها و ان كان في موضع الغسل و الظاهر عدم تعين الغسل حينئذ فيجوز الغسل أيضا، و الأحوط إجراء الماء عليها مع الإمكان بإمرار اليد من دون قصد الغسل أو المسح.

و لا يلزم أن يكون المسح بنداوة الوضوء إذا كان في موضع الغسل و يلزم أن تصل الرطوبة إلى تمام الجبيرة و لا يكفى مجرد النداوة، نعم لا يلزم المداقة بإيصال الماء الى الخلل و الفرج، بل يكفى صدق الاستيعاب عرفا، هذا كله إذا لم يمكن رفع الجبيرة و المسح على البشرة، و الا فالأحوط تعينه، بل لا يخلو عن قوة إذا لم يمكن غسله، كما هو المفروض. و الأحوط الجمع بين المسح على الجبيرة و على المحل أيضا بعد رفعها و ان لم يمكن المسح على الجبيرة لنجاستها أو لمانع آخر، فإن أمكن وضع خرقة طاهرة عليها و مسحها يجب ذلك و ان لم يمكن ذلك أيضا، فالأحوط الجمع بين الإتمام بالاقتصار على غسل الأطراف و التيمم.

أقول: انه لا يخفى أولا ان الجبائر جمع الجبيرة، و لا خصيصة لصيغة الجمع من جهة الحكم، بل يكون الجمع بعنوان الموارد فلا وجه لتوهم ان الموضوع للحكم هو صورة كون المورد جمعا لا مفردا، و تعريف الجبيرة كما في المتن يكون عن الشيخ الأنصاري (قده) و قال بعضهم في تعريفها بما يشمل صورة الكسر فقط، و عرّفه بعض بما يشمل القروح و الجروح.

و أما الشيخ القائل بالأعمية فيقول لم أعثر على رواية دالة على الأعمية فإن‌

32

الروايات الواردة تكون في الجبيرة في العضو الكسير، و مراده (قده) هو أن ورودها بهذه اللفظة لا يكون إلا في الروايات التي وردت في مورد الكسير، و الا فالروايات كما نقلها (قده) أيضا في الطهارة تكون بالنسبة إلى القرح و الجرح أيضا، و كيف ما كان فالبحث في المقام يكون في مقامات:

المقام الأول: في أنه لا شبهة و لا ريب في انه مع إمكان العلاج بأن يرفع الخرقة أو الخشبة و غيرها، ثم غسل الموضع يجب ذلك، لأن العنوان الأولى في الدليل يجب أن يكون منحفظا في جميع الموارد، الّا ما خصص بالدليل، و لا شبهة في أن العنوان الأولى هو الغسل و المسح في الوضوء، فيجب أن ينحفظ ما دام يمكن ذلك.

ثم انه لا شبهة في أن الكلام يكون في الجبيرة الطبية، بحيث يلزم أن تكون على العضو للمعالجة و تحسب من البدن، لأن الملاك في ذلك هو الحرج النوعي، لما في صحيحة عبد الأعلى آل سام (باب 39 من الوضوء) بعد السؤال عن انه قطع ظفره، فجعل عليه مرارة، فقال (عليه السلام): يمسح عليه، يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه تعالى، من جهة أنه ما جعل في الدين حرج، و طبق (عليه السلام) الحرج النوعي على المورد فلو لم يكن في مورد بالخصوص حرجيا، فحيث يكون الحرج ملاكا للحكم مثل كونه ملاكا لطهارة الحديد، لا اشكال فيه إذا كانت مما يحسب من البدن لا غيره.

و لا يخفى ان بدلية المسح على المرارة في الصحيح المتقدم لا توجب توسعة في الملاك، بأن يقال إذا لم يمكن الغسل بأعلى مراتبه، فيكفي المسح الذي هو أنزل مرتبة منه لأن مقومة جريان الماء و لا يكون هو في المسح لو لم يكن لنا فيه دليل بالخصوص فيجب ملاحظة الروايات في المقام الذي أنها هل تكون في صورة إمكان الغسل العادي، أو في صورة عدم إمكانه بأن يقال في هذه الصورة يكون مخيرا بين نزع الجبيرة إن أمكن حفظ عنوان الغسل، و بين أن يغمس في الماء ليصل اليه أو يكرر عليه، حتى يصل إليه أم يتعين النزع، لأن مقوم الغسل هو الجريان، و بدون‌

33

النزع لو أمكن فلا اشكال، و كذلك الترتيب بين أجزاء العضو بأن يكون من الأعلى إلى الأسفل، و هو أيضا لا يحصل بالغمس في الماء أو تكراره عليه و كيف كان فلو لم نستفد من الروايات التخيير يجب حفظ العنوان الأولى.

و أما ادعاء اللاخلاف أو الإجماع على التخيير، فحيث يكون سنده معلوما، و هو الروايات فلا يعبأ به هذا، مضافا الى احتمال أن يكون بعض القائلين به ممن لا يقول بوجوب الترتيب بين أجزاء العضو أو لا يرى ان مقوم الغسل الجري.

و اما الروايات فهي في باب 39 من أبواب الوضوء، باب أجزاء المسح على الجبائر في الوضوء و ان كانت في موضع الغسل مع تعذر نزعها و إيصال الماء الى ما تحتها، و عدم وجوب غسل داخل الجرح.

ففي ح: 2 عن الحلبي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه و نحو ذلك من موضع الوضوء، فيعصبها بالخرفة و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضأ، فقال: إذا كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و ان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها، قال: و سألته عن الجرح كيف أصنع في غسله، قال: اغسل ما حوله.

و في ح: 1 صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة، كيف يصنع بالوضوء و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة، فقال: يغسل ما وصل اليه الغسل، مما ظهر مما ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته.

و أمثال هذه الرويات كما ترى، تدل على ان حفظ العنوان الأولى و هو الغسل لازم و النزع، ثم الغسل في صورة الإمكان هو المتعين و لا تخيير كما مر.

المقام الثاني: في انه إذا لم يمكن النزع و الغسل، ففي هذه الصورة هل اللازم هو الغسل على ظاهر الجبيرة أو يكفي المسح؟ وجوه و أقوال: فإن الروايات في هذه‌

34

الصورة قد توهم لها معارضات داخلية و خارجية، أما الداخلية: ففي نفس الباب، و أما الخارجية: فعند ملاحظتها مع روايات باب التيمم، و أما تقريب المعارضة الداخلية فهو ان في رواية 3 من الباب، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) عن عبد اللّه بن سنان قال: و سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه، قال: يغسل ما حوله، و كذلك ما في ذيل رواية الحلبي، مع ان بقية الروايات دلت على وجوب المسح، و غسل الحوالى مع وجوب المسح، متعارضان من باب ان لازم وجوب غسل حول الجبيرة عدم وجوب المسح عليها.

و الجواب عنها: هو ان غسل ما حولها لا ينافي وجوب المسح عليها، لأنها ساكتة عنه و سائر الروايات يبينه، فلا معارضة أصلا.

و اما المعارضة مع روايات باب التيمم (في باب 5 من أبواب التيمم) فلأن في بعضها يكون التهديد بالغسل في موضع التيمم، مثل ما عن محمد بن مسكين و غيره قال: قيل له ان فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسلوه فمات، فقال: قتلوه، ألّا سألوا ألّا ييمموه. إلخ.

و هكذا ما ورد عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة، فغسلوه فمات، فقال: قتلوه، ألّا سألوا. إلخ.

و هذه الروايات و أمثالها الدالة على جواز التيمم في صورة عدم إمكان الوضوء لأنه بدل عنه، تنافي ما ذكرناه في هذا الباب من وجوب المسح على الجبيرة.

و الجمع بين الطائفتين يكون على وجوه:

منها: حمل روايات التيمم على مورد الغسل، و روايات الجبيرة على الوضوء و فيه ان الإجماع دل على عدم الفرق بين الوضوء و الغسل في ذلك لتنقيح المناط.

و منها: حمل روايات التيمم على غير مورد الجبيرة، مثل المجدور، و من أصابه البرد، و روايات الباب على موردها. و فيه ان الفرق بين الوضوء و الغسل من جهة الجبيرة مشكل.

35

و منها: ان تلك الروايات تحمل على صورة كون الجبيرة أو الجرح مستوعبة مثل الجدري و هذه على عدم كونه كذلك، مثل ان تكون الجبيرة في بعض العضو، و فيه انه في صورة كون جميع أعضاء الوضوء مستوعبا. و ان كان كذلك، و اما إذا كان بعض الأعضاء مستوعبا بالجبيرة فلا.

و الصحيح أن يقال: ان مساق روايات التيمم هو صورة عدم إمكان الغسل بوجه من الوجوه، و لزوم الضرر، و روايات الباب محمولة على صورة إمكان الوضوء أو الغسل، و بعبارة اخرى ان تلك الروايات تكون مبينة لموضوع عدم الوجدان الشرعي الذي هو شرط التيمم فان عدم وجدان الماء، اما عقلي و اما شرعي، و هنا يكون عدمه للمنع شرعا، و في صورة عدم الضرر لا وجه للمنع، فلا إشكال في وجوب المسح على الجبيرة أصلا.

ثم ان المراد بالمسح الواجب، هل يكون هو الذي يكون واجبا في مواضع المسح في الوضوء، أو يجب أن يكون من أقل درجات الغسل؟ التحقيق انه هو المسح الذي يكون مفهومه مبينا، و لا وجه لما قيل من انه بدل الغسل، فيجب أن يكون بأقل مراتبه.

و كذا ما عن المصنف (قده) من ان المسح يكون إرفاقا بالمكلف، و لا يكون الأمر به أمر عزيمة، بل الواجب في موضع الغسل هو الغسل، لكن لمصلحة التسهيل جعل المسح مكانه. فعلى هذا إذا أمكن أن يكون المسح بأقل درجات الغسل يجب ذلك، و ذلك لأنه بعد معلومية مفهوم المسح، لا وجه للخروج عنه، فإنه كما في موضع الجبيرة على موضع المسح يكون بمعناه الحقيقي، كذلك في موضع الغسل يكون بمعناه الحقيقي.

و الظاهر من الأمر هو العزيمة لا الرخصة، ليترتب عليه ما ذكره، على أنه لو كان الواجب أقل درجات الغسل، فيجب أن يقال بأنه يكفي رشح الماء على الجبيرة لحصول ذلك به و هو ممنوع عند القائل أيضا، و الأضعف من ذلك هو القول بتعيين غسل موضع الجبيرة بحيث يغسل ما عليه لعدم الدليل له.

36

هذا كله في صورة كون الغسل مضرا بالمحل، و عدم إمكان غسل ذلك من جهة الضرر، و أما إذا كان عدم إمكان غسل المحل من باب عدم إمكان رفع الجبيرة، و لو على فرض رفعه لا يضر الماء، فقد ادعى صاحب الجواهر الإجماع على صحة الوضوء الناقص، و حيث ان معقده لا يكون مطلقا، لا يمكن القول بشموله للمقام على انه سندي لاحتمال، أن يكون سنده الروايات التي نستدل بها.

فمنها صحيحة عبد الأعلى مولى آل سام (في باب 35 من الوضوء ح: 5) فان الحكم فيها بعدم رفع المرارة، يكون لعدم إمكان رفعها، و حيث أن ذيلها يدل على ان هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه تعالى، نستفيد منها ان كل موضع من مواضع البدن إذا لم يمكن رفع الجبيرة عنه يمسح عليه.

لا يقال لو أخذنا بعموم العلة، فيجب أن يقال بأن المسح على اللباس في صورة البرد و غيره، بل على اللحاف أيضا كاف، لأنا نقول ان المراد بقرينة الارتكاز هو ان الوضوء كذلك يلزم أن يحسب ميسور الوضوء الواجب، و من كان على أعضائه جبائر مستوعبة أو يخاف من جهة البرد. لا يصدق الميسور بالنسبة إليه.

لا يقال انه ورد في صحيحة ابن الحجاج (ح: 5 في الباب) قوله (عليه السلام): «و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله، و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته» فإنها دلت على ان المسح على الجبيرة غير لازمة من جهة ان لازمه العبث بالجراحة.

لأنا نقول: يكون المراد من العبث هو العبث بنفس الجبيرة، بان يرفعها و يغسلها، و أما المسح عليها فلا يكون من العبث.

و أما إذا أمكن رفع الجبيرة و لكن لا يمكن المسح عليها على المحل، لأنه نجس و غسله يوجب الضرر، فمقتضى رواية الحلبي و الأسدي بمناط أن أذية النفس إذا كانت لازمة ذلك، هو عدم وجوب المسح على المحل، لأنه يؤذيها فيمسح على الجبيرة.

هذا في صورة كون الرفع ضرريا، و أما إذا كان رفع الجبيرة موجبا لتضاعف النجاسة بواسطة الغسل لعدم الماء الكافي للوضوء و الغسل جميعا، لا للضرر، فهل‌

37

ينتقل إلى الجبيرة إذا كان الوضوء ممكنا بهذا الطريق أم لا؟ فيه خلاف، فان القول بالانتقال إليها يحتاج الى دليل، لأنه يكون ممن لا يجد الماء الّا لرفع النجاسة أو الوضوء فقط، فان قلنا بتقدم رفعها عليه يقدم و ينتقل الى التيمم، الّا أن يقال بقاعدة الميسور، و الاحتياط بالجمع بينه و بين التيمم، و قد نسب إلى الأصحاب عدم صحة الوضوء و عن بعضهم الصحة كما عن الشرائع و السرائر و التذكرة.

و أما الإشكال بالقاعدة كبرويا بأنها لا تنطبق في التعبديات، لأن تحديدها منوط بنظر الشرع و لا طريق للعرف إليها ليفهم الميسور، فهو مندفع بأن الشارع إذا لم يبين مورد القاعدة مع إطلاقها، فقد أو كل الى نظر العرف فيها أيضا بعد بيانه لأجزائها و شرائطها و اما في المقام فلا يكون الصغرى أيضا منطبقة لها، لأن الغسل لا يكون من التعبديات بل يكون من الأمور العرفية، و العرف قاض بميسوره، و لا نقول في المقام حيث لا يكون الغسل ممكنا فالمسح واجب من جهة أولويته على الترك، بل من باب ان الوضوء الاضطراري لا يكون الّا بهذا النحو و فرد غسله الاختياري في حال الاضطرار هو المسح على الجبيرة.

لا يقال ان رواية ابن سنان و ذيل رواية الحلبي (في باب 39 من الوضوء) كما مر تدل على انه لا يجب الّا غسل ما حوله لا نفس الجرح. فعلى هذا فالمسح على الجبيرة أيضا غير لازم. لأنا نقول يمكن أن يقال ان ذلك مختص بالجرح المكشوف و على فرض تسليم كونها في المشدود فنقول: مقتضى الجمع بين روايات المسح على الجبيرة و هذه، هو القول بوجوب المسح لعدم منافاة غسله ما حوله، و عدم وجوب غسل نفس الجبيرة بمقتضى هذه، وجوب المسح بمقتضى روايات المسح.

هذا كله في صورة كون الجرح غير منكشف، أما إذا كان منكشفا فالحق هو أن يقال بوجوب شدّه بحيث يحسب من البدن ثم المسح عليه، لأن الدليل الأولى دل على وجوب الغسل في الوضوء و في صورة عدم إمكانه، دل الدليل في الجبيرة‌

38

على وجوب المسح بدله ففهمنا من نظر الشارع أنه لا يرفع اليد عنه بمقتضى عدم إمكانه، و القول بالرجوع الى التيمم بل الرجوع الى ما هو كالبدل له و الى ما هو كالميسور لمعسوره، ففي هذا المقام أيضا حيث لا يمكن الغسل، نقول بأنه يجب المسح على الجبيرة و لا يرجع الى التيمم بمقتضى قاعدة الميسور، و فهمنا عدم رفع اليد عن الغسل بمجرد عدم إمكانه.

و اما إذا كان الجرح منكشفا فهل يكفى مجرد وضع الخرقة أم لا بل يجب الشد؟ و الحق هو الأول لأنه المتيقن.

ثم انه قد توهم من رواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة بقوله (عليه السلام) «اغسل ما حوله» ان وضع الخرقة غير واجبة من باب ان الحكم يكون في هذه الصورة مسلما مع عدم إمكان المسح على الجرح، و الحكم لا يقتضي إيجاد موضوعه بأن يقال ان الدليل الدال على المسح على الجبائر في موضع الغسل يحكم بأنه إذا لم يكن الجرح و القرح مشدودا يجب شدّه ليمكن المسح عليه.

و الجواب عنه: ان المراد هو ان غسل ما يمكن غسله و هو ما حول الجرح يكون مقتضى الأدلة الأولية لوجوب الغسل، و حكم غيره يجب أن يفهم من سائر الأدلة الواردة في الباب.

ثم هل ينتقل الى التيمم بأن يقال يكون هذا الشخص مثل غير الواجد الشرعي للماء؟ لأنه يشك حينئذ في أنه هل الواجب عليه الوضوء مع الجرح أو التيمم؟

فيه خلاف، و الحق ان البراءة عن الوضوء هنا غير جارية لأن الشك يكون في المحصل و المتيقن من رواية «اغسل ما حوله» هو هذه الصورة أي صورة كون الجرح منكشفا و لا إهمال فيها هنا، لو قلنا بإهمالها في صورة كونه مشدودا بالخرقة فمقتضى العلم الإجمالي على فرض بقاء الشك هو الجمع بين الوضوء و التيمم، و لو كانا طوليين، هذا كله في صورة الغسل.

و أما المسح فالسند له هو رواية عبد الأعلى مولى آل سام المتقدمة و فيها قوله (عليه السلام)

39

«امسح على المرارة» فإنه (عليه السلام) في صورة عدم إمكان رفع الجبيرة لضرر في العضو أو لضرر في الرفع، حكم على المسح عليها و على أشباهها، فلذا قيل في مقام عدم إمكان رفع الجبيرة لضرر في رفعها بوجوب المسح عليها، دون غسل موضع الغسل إذا كان المانع في الرفع، و لا يدرى كيف يلتزم الفقيه بذلك مع عدم الفرق بينهما من حيث كون الوضوء التام غير ممكن و الناقص ممكن.

[مسألة 1- إذا كانت الجبيرة في موضع المسح و لم يمكن رفعها]

مسألة 1- إذا كانت الجبيرة في موضع المسح و لم يمكن رفعها و المسح على البشرة لكن أمكن تكرار الماء الى أن يصل الى المحل هل يتعين ذلك أو يتعين المسح على الجبيرة؟ وجهان (1) و لا يترك الاحتياط بالجمع.

أقول: انه في صورة عدم ضرر الماء للمحل و عدم إمكان رفع الجبيرة من جهة أخرى، كما هو مفروض المسألة، فالمتعين المسح على الجبيرة و لا يجب إيصال الماء إليه، لأن الدليل الدال على كفاية المسح على الجبيرة، اما أن يكون حديث عبد الأعلى مولى آل سام، و يكون مورده الدواء الموضوع على الجرح (2) فلا يشمل صورة عدم كون المانع هو الجرح فقط و يمكن إيصال الماء تحته، فنحتاج الى دليل آخر، و اما ان يكون الدليل قاعدة «الميسور لا يسقط بالمعسور» و هي أيضا لا تشمل المقام، لأن الواجب هنا هو المسح على البشرة، و لا يمكن أن يقال يكون المسح ممكنا و لو على الجبيرة و غيرها و المباشرة لا تمكن فيجب إيصال الماء بدونها، و كذلك المسح بدون ذلك و من هنا ظهر تعارض الميسورين (3) بأن يقال إيصال الماء ميسور‌

____________

(1) بل المتعين المسح على الجبيرة.

(2) أقول: ان أغلبية كون الجبائر بحيث لا يمكن إيصال الماء الى المحل، بحيث يكون الغير نادرا ينصرف عنه الخطاب ممنوعة، بل ما لا يكون عليه الدواء المانع من إيصاله و غيره أيضا كثير، فرب جبيرة يحتاج الموضع إليها فقط أو يكون الدواء مثل بعض الأدهان الذي لا جرم له بحيث يمنع عنه.

(3) أقول: ان مقتضاه الجمع بينهما كما في متن المصنف (قده) لأن نفى الثالث و هو التيمم يكون مفاد كلتيهما.

40

المسح فهو المتعين لا غير و المسح بدون إيصال الرطوبة هو الميسور أيضا، فهو المتعين لا الإيصال، و حيث انا نعلم انه لا يكون الواجب علينا الّا المسح الواحد، فلا وجه للقول بالجمع بينهما فتتساقط القاعدتان بالتعارض فتصل النوبة إلى التيمم، و كيف كان لا تصل النوبة إلى الجمع بين التيمم و الوضوء لأنه اما يكون دليل الجبيرة تاما، فتجب الجبيرة، و اما يكون دليل التيمم حاكما.

[مسألة 2- إذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد]

مسألة 2- إذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد من الأعضاء فالظاهر جريان الأحكام المذكورة و ان كانت مستوعبة لتمام الأعضاء، فالاجزاء مشكل، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين الجبيرة و التيمم (1).

أقول: انه توهم بعض المعاصرين في الفرع الأول من المسألة عدم جريان دليل الجبيرة أيضا، كما في الفرع الثاني صار محل الاشكال، و لكن لا وجه له لأن إطلاق الروايات يشمله، و لا وجه لادعاء الانصراف ضرورة، أن استيعاب العضو الواحد لا يصيّر الوضوء غير ممكن، و كان سيدنا الأستاذ الأصفهاني (قده) بصدد ان يقول بالاحتياط بالجمع بينها و بين التيمم كما في حاشيته، و كنا نورد عليه بالإطلاق.

و أما الفرع الثاني: و هو أن يكون الأعضاء كلها مستوعبة فقيل بانصراف دليل الجبيرة لعدم إمكان الوضوء، و لكن حيث ان الملاك في العضو الواحد يكون في جميع الأعضاء، لأن الميسور من الغسل على البشرة هو المسح على الجبيرة، و هو لا فرق بينه في عضو و بين جميع الأعضاء مضافا الى أن العرف أيضا يرى التساوي بينهما، و كيف كان فلا تصل النوبة إلى ضم التيمم، لأن الشرط هو إحراز عدم وجدان الماء عقلا أو شرعا كما في صورة المنع عن التصرف في الماء، و المقام‌

____________

(1) التيمم أيضا يكون فيه اشكال الوضوء لكون مواضعه على الفرض منجبرة، فيتعين الوضوء رجاء، و اعادة الصلاة أو قضائها بعد رفع العذر بحيث يمكن الوضوء الميسور أو التام أو التيمم كذلك احتياطا.

41

نظيره، اما الشك فيه فلا يصح التيمم (1) فالحق هو المسح على الجبيرة.

[مسألة 3- إذا كانت الجبيرة في الماسح فمسح عليها بدلا عن غسل المحل]

مسألة 3- إذا كانت الجبيرة في الماسح فمسح عليها بدلا عن غسل المحل، يجب أن يكون المسح (2) به بتلك الرطوبة، أى الحاصلة من المسح على جبيرته.

أقول: انه حيث ان المسح في موضع الغسل إذا كان عليه جبيرة يصدق، فيمكن أن يكون كلام المصنف (قده) (3) بأن المسح يجب أن يكون بتلك الرطوبة مطلقا، من حيث ان الغسل في موضع الجبيرة أيضا مسح و لازمه أن يقال بأن الواجب هو ان المسح مقام الغسل أيضا يجب أن يكون بتلك النداوة كما في المسح و لا يجوز بماء جديد و هو ممنوع لأن المسح في موضع الغسل يكون بدله، فكما انه لا يلزم أن يكون رطوبة الوضوء كذلك بدله، و اما وجوب كون المسح بالرطوبة فهو على القاعدة فلا يصح إطلاق كلامه (قده).

[مسألة 4- انما ينتقل الى المسح على الجبيرة إذا كانت في موضع المسح بتمامه]

مسألة 4- انما ينتقل الى المسح على الجبيرة إذا كانت في موضع المسح بتمامه، و الا فلو كان بمقدار المسح بلا جبيرة يجب المسح على البشرة مثلا لو كانت مستوعبة تمام ظهر القدم مسح عليها، و لو كان من أحد الأصابع و لو الخنصر الى المفصل مكشوفا، وجب المسح على ذلك و إذا كانت مستوعبة

____________

(1) أقول: هذا مضافا الى أن التيمم في المقام أيضا لا يمكن المباشرة فيه لكون أعضائه أيضا منجبرا، فاما أن يقال بكون هذا الشخص مثل فاقد الطهورين، من باب عدم كون الميسور بالنسبة الى كل صادقا، أو يقال بتقديم الوضوء من باب ان الاشكال يكون مشترك الورود، و حيث انه يمكن الإتيان بما هو في طوله التيمم يجب و لا تصل النوبة اليه، و معه أيضا لا يترك الاحتياط بإعادة الصلاة أو قضائها.

(2) أى المسح في الرأس و الرجل لا المسح الذي يكون مقام الغسل فإنه لا يلزم أن يكون بتلك الرطوبة.

(3) ظاهر كلامه (قده) هو ان مراده المسح بالحمل الشائع لا ما يكون مسحا بالعناية حتى يشكل عليه.

42

عرض القدم مسح على البشرة في الخط الطولى من الطرفين و عليها في محلها.

[مسألة 5- إذا كان في عضو واحد جبائر متعددة يجب الغسل]

مسألة 5- إذا كان في عضو واحد جبائر متعددة يجب الغسل أو المسح في فواصلها.

[مسألة 6- إذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة]

مسألة 6- إذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة فإن كان بالمقدار المتعارف مسح عليها و ان كان أزيد من المقدار المتعارف فإن أمكن رفعها، رفعها و غسل المقدار الصحيح، ثم وضعها و مسح عليها و ان لم يمكن ذلك مسح عليها، لكن الأحوط ضم التيمم أيضا خصوصا إذا كان عدم إمكان الغسل من جهة تضرر القدر الصحيح أيضا بالماء.

[مسألة 7- في الجرح المكشوف إذا أراد وضع طاهر عليه]

مسألة 7- في الجرح المكشوف إذا أراد وضع طاهر عليه و مسحه يجب أولا أن يغسل ما يمكن من أطرافه ثم وضعه.

[مسألة 8- إذا أضر الماء بأطراف الجرح أزيد من المقدار المتعارف يشكل كفاية المسح على الجبيرة]

مسألة 8- إذا أضر الماء بأطراف الجرح أزيد من المقدار المتعارف يشكل كفاية المسح على الجبيرة التي عليها، فالأحوط غسل القدر الممكن و المسح على الجبيرة ثم التيمم، و اما المقدار المتعارف بحسب العادة فمغتفر.

[مسألة 9- إذا لم يكن قرح و لا جرح و لا كسر]

مسألة 9- إذا لم يكن قرح و لا جرح و لا كسر بل كان يضره استعمال الماء لمرض آخر، فالحكم هو التيمم لكن الأحوط (1) ضم الوضوء مع وضع خرقة و المسح عليها مع الإمكان أو مع الاقتصار على ما يمكن غسله.

أقول: انه إذا كان الضرر غير محرّم الارتكاب فعلى ما هو التحقيق، لا إشكال في أنه إذا توضأ يكون وضوئه صحيحا، و كذلك إذا كان محرّما فعلى ما هو التحقيق أيضا من ان الوضوء الضرري و الحرجي يكون له الملاك فأيضا صحيح، و اما على‌

____________

(1) لا يترك.

43

مسلك القائل بأن الضرر و الحرج يوجب عدم الملاك فلا يمكن الوضوء و يجب التيمم كما نسبه في مفتاح الكرامة إلى المشهور، أو وجدان دليل حاكم على القاعدتين.

ففي المقام يستدل للحكومة بوجوه:

الوجه الأول: قاعدة الميسور في المقام بأن يضع خرقة عليه بحيث يحسب جزءا من العضو و المسح عليه لئلا يضر.

و أشكل عليها أولا بأن الوضوء يكون هو المحصل من الغسلات و هو أمر بسيط لا يتبعّض و لا يكون له مراتب حتى يكتسب مرتبة منه بالجبيرة، و ثانيا على فرض كونه ذا مراتب فلأي دليل تكفى المرتبة الضعيفة بالمصلحة الطهورية.

و فيه ان ما ورد من «ان الوضوء على الوضوء نور على نور» دلنا على انه يكون ذا مراتب، و أدلة الجبيرة دلتنا على كفاية الميسور منه لمصلحة الطهورية، نعم يكون الاشكال على الميسور بأن وضع الخرقة هنا مما لا يكون جزء البدن لا دليل عليه.

الوجه الثاني: التمسك بالاستصحاب بأن يقال ان غسل بقية الأجزاء كان واجبا و لا ندري انه سقط عن وجوبه بواسطة الضرر في بعض الأجزاء أم لا؟ فيستصحب بقاء الوجوب، أو يقال ان الوضوء كان واجبا أجزائه سواء كان بالوجوب النفسي أو في ضمن الكل، فنشك في وجوبه فيستصحب بنحو الاستصحاب الكلى.

و قد أشكل عليه بأن الاستصحاب لا يثبت، ان ما يؤتى به من الوضوء هو المجزي لكونه طهورا. و فيه (1) ان شأن الاستصحاب التوسعة في منطبق الحكم و جعل‌

____________

(1) أقول: ان الأمر و ان كان كذلك و لكن في المقام حيث ان الموضوع غير منحفظ لعدم بعض أجزائه قطعا بدون الشك لا يجرى الاستصحاب مع قطع النظر عن الميسور، فإذا كان الماء كرا و أخذ بعض منه لا يحكم بكرية البقية بعد ارتباط الحكم بالمجموع من حيث المجموع، و الوضوء أمر واحد اعتباري مرتبط الأجزاء.

44

المشكوك منزلة المتيقن و لو كان في الواقع مخالفا للواقع، و الحاصل ان الإجماع دل على ان الوضوء لو كان مشروعا يكون محصلا للطهارة و الاستصحاب يحكم بمشروعيته.

لا يقال ان إطلاق أدلة الأجزاء و الشرائط يحكم بأن الجزء و الشرط يكون جزئيته و شرطيته باقيا حتى في حال الاضطرار، و بالدلالة الالتزامية نفهم انه إذا صار متعذرا يسقط المركب بتعذر بعض أجزائه لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بشي‌ء مع عدم إمكانه و لا وجه لضم التيمم بل هو المتعين، فلا وجه للقول بجريان الاستصحاب و قاعدة الميسور لأن الإطلاق حاكم على الأصل لأنه دليل اجتهادي و هذا بخلافه.

لأنا نقول: اما أن يحرز إطلاق الدليل كما ذكر، أو يحرز عدم إطلاقه فعلى كلا التقديرين لا إشكال في إمكان الإتيان ببقية الأجزاء أو كفايته أو عدم وجوبه انما الكلام في صورة كون الدليل مهملا، ففي صورة الإهمال يكون المرجع قاعدة الميسور، لأنا لا ندري إن البقية واجبة أم لا فيحكم الميسور بوجوبها، و كذا حديث الرفع بفقرة «رفع ما اضطروا اليه» يرفع الجزء و كذلك الاستصحاب، و في صورة الإطلاق و ان كان الميسور أيضا دليلا اجتهاديا و لكن لا يمكنه المعارضة مع الإطلاق لأنه يكون في طوله، و الإطلاق طارد للشك.

و أما الجمع بين الوضوء و التيمم يكون على فرض عدم الإطلاق و عدم القول بتطبيق الميسور و الشبهة المصداقية في التيمم، لأن موضوع وجوبه عدم الوجدان للماء و يكون هذا مشكوكا من حيث احتمال وجوب الوضوء و عدم منعه شرعا حتى يصير ممنوعا شرعيا كالممنوع العقلي.

الوجه الثالث: لتصحيح الوضوء في المقام هو التمسك بالروايات الواردة في الجبائر، فإنه قد تقرر انه يمكن التعدي منها الى كل قرح و جرح، فلا إشكال في التوسعة، بأن يقال تشمل كل ضرر و كل مانع.

و فيه ان وضع الخرقة لا يكون في رواية من الروايات بل يكون موردها صورة‌

45

كون العضو منجبرا بالخرقة، و اما الجرح المكشوف فيغسل ما حوله، و أما ما ادعيناه من الارتكاز في الميسور في السابق عند قولنا بوجوب شدّ الجرح و المسح عليه لعدم الفرق ما كان مشدودا أو ما يمكن شده في كونه ميسورا للوضوء فلا يسرى هنا لأن مورد الارتكاز هو الجرح و أما مطلق الضرر فلا.

و الوجه الرابع: ما في صحيحة الحلبي (باب 39 من الوضوء ح: 2) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة، و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضأ، فقال: إذا كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة الحديث.

بتقريب ان قوله «أو نحو ذلك» يدل على ان ما كان مثل القرحة و لو بواسطة الضرر يكون حكمه حكمها، فإنه أيضا يعصب بالخرقة، و العلة هي ان الماء إذا كان يؤذيه لأي شي‌ء كان، كان حكمه الوضوء جبيرة.

و من الروايات أيضا الصحيحة المعروفة عن عبد الأعلى مولى آل سام، فان الضابطة فيها هي ان الحرج موجب للحكم بالمسح على المرارة فلا فرق بين كون الحرج من جهة الجرح أو من جهة أخرى.

و الجواب عنها: هو أنها غاية ما تدل عليه هي ان الميسور لا يترك بالمعسور لكن هذه الرواية يكون سندها صحيحا بخلاف روايات الباب فإنه قيل بضعف سندها.

فتحصل انه لو شمل أدلة الجبيرة للمقام فلا يحتاج الى ضم التيمم و لو شك فيه فيجب الجمع للعلم الإجمالي.

[مسألة 10- إذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء]

مسألة 10- إذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء لكن كان بحيث يضر استعمال الماء في مواضعه أيضا فالمتعين التيمم.

[مسألة 11- في الرمد يتعين التيمم إذا كان استعمال الماء مضرا]

مسألة 11- في الرمد يتعين التيمم إذا كان استعمال الماء مضرا مطلقا اما إذا أمكن غسل أطراف العين من غير ضرر و انما كان يضر العين فقط

46

فالأحوط (1) الجمع بين الوضوء بغسل أطرافها، و وضع خرقة عليها و مسحها و بين التيمم.

أقول: انه لا خصوصية لرمد العين من حيث القول بوجوب الجبيرة في غيره دونه. الّا ادعاء الإجماع و يمكن أن يكون الفارق هو عدم الاعتياد بجعل الجبيرة على العين الا بمثل عمل الجراحي و الأمر بعد مشكل فلو شك يجمع بين الوضوء و التيمم و لا فرق بين صورة كون الجبيرة مضرة بالعين أو أطرافها من حيث الحكم.

[مسألة 12- محل العضد داخل في الجروح]

مسألة 12- محل العضد داخل في الجروح، فلو لم يمكن تطهيره أو كان مضرا يكفى المسح على الوصلة التي عليه ان لم يكن أزيد من المتعارف و إلا حلها و غسل المقدار الزائد ثم شدها كما انه إذا كان مكشوفا يضع عليه خرقه و يمسح عليها بعد غسل ما حوله و ان كانت أطرافه نجسة طهرها و ان لم يمكن تطهيرها و كانت زائدة على القدر المتعارف جمع بين الجبيرة و التيمم.

[مسألة- 13- لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح أو نحوه حدث باختياره]

مسألة- 13- لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح أو نحوه حدث باختياره على وجه العصيان أم لا باختياره.

أقول: انه قد توهم الفرق بين كون الحدوث باختيار المكلف و عدمه من باب ان أدلة الجبيرة تكون امتنانية لأن للشارع أن يجعل الحكم الأصلي و لو لزم الحرج أو الضرر و قد رفعه منة على العباد مع بقاء المصلحة الوضوئية، و العامد يكون الدليل منصرفا عنه و لا منة على المقدم مثل من أقدم على البيع الغبني مع علمه بأنه كذلك لا يشمله حديث اللاضرر و كذلك من أجنب نفسه مع علمه بأن الماء مضر له فإنه يجب عليه الغسل و لو كان مضرا بالنسبة اليه و لزم منه الهلاكة.

و الجواب: اما عن كون الدليل منصرفا عنه هو ان الانصاف يقتضي خلافه‌

____________

(1) لا يترك في صورة الإطلاق.

47

و لو كان الامتنان صحيحا لإطلاق دليل الجبائر، و اما ادعاء وجوب الغسل على من أجنب نفسه بدعوى الرواية و ان كان القائل به صاحب الوسائل و بعض المتقدمين و لكن الرواية في مقامها غير صحيحة فضلا عن قياس المقام به مع انها لو كانت صحيحة أيضا كانت مختصة بموردها لعدم صحة القياس.

[مسألة 14- إذا كان شي‌ء لاصقا ببعض مواضع الوضوء]

مسألة 14- إذا كان شي‌ء لاصقا ببعض مواضع الوضوء مع عدم جرح أو نحوه و لم يمكن إزالته أو كان فيها حرج أو مشقة لا تتحمل مثل القير و نحوه يجرى عليه حكم الجبيرة، و الأحوط (1) ضم التيمم أيضا.

أقول: انه تارة يكون المحل محتاجا الى وضع شي‌ء عليه مثل الدواء (2) و لا شبهة في وجوب الجبيرة عليه و صحة الوضوء لأن الروايات (في باب 39 من الوضوء ح: 9 و 10) ناطقة بذلك، و اخرى لا يكون المحل محتاجا الى ذلك الشي‌ء و لكن لصق بالمحل، اما بإلصاقه عبثا أو تصادفا كالمار في الطريق يلصق برجله القير ففي هذه الصورة وجهان، و قد ادعى صاحب الجواهر (قده) ان القطع بعدم وجوب التيمم على من كان كذلك مدى عمره، و هذا استبعاد محض فإنه أي مانع من القول بوجوب التيمم عليه لو لم يدل الدليل على كفاية الجبيرة، و قيل في المقام بأن اللازم هو غسل ظاهر القير و مثله، لا المسح عليه و هو الحق، لأن المسح هنا يكون بدل الغسل فإذا أمكن بالمرتبة الحقيقية بدون قيد المباشرة يتعين ذلك، فلا إشكال في ذلك من هذه الجهة أيضا.

[مسألة- 15- إذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا لا يضره نجاسة باطنه]

مسألة- 15- إذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا لا يضره نجاسة باطنه.

[مسألة- 16- إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا]

مسألة- 16- إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا لا يجوز المسح

____________

(1) لا يترك في صورة عدم المانع في أعضاء التيمم فيه و في كل صورة يكون من هذا النحو، و الّا يكفي الوضوء فقط.

(2) من المعلوم أنه لا يكون هذا محل الكلام و لا يكون ظاهرا من عبارة المصنف بل الظاهر منها كالصريح، غيره.

48

عليه بل يجب رفعه و تبديله و ان كان ظاهرها مباحا و باطنها مغصوبا، فان لم يعد مسح الظاهر تصرفا فيه فلا تضر و الا بطل، و ان يمكن نزعه أو كان مضرا فان عد تالفا: يجوز المسح عليه و عليه العوض لمالكه، و الأحوط استرضاء المالك أيضا أولا، فان لم يعد تالفا وجب استرضاء المالك و لو بمثل شراء أو إجارة و ان لم يمكن فالأحوط الجمع بين الوضوء بالاقتصار على غسل أطرافه و بين التيمم.

أقول: انه في صورة صدق التصرف بالمسح لا شبهة في حرمته و بطلان الوضوء به إذا أمكن رفعه و في صورة عدم صدق التصرف مثل أن يكون فوقه خرقة مباحة لا يوجب المسح عليها مثلا تحريك ما تحته، فلا شبهة في صحة الوضوء لعدم كونه متصرفا في مال الغير به، و اما مع صدق التصرف و إمكان النزع فيجب ذلك و الوضوء بالمسح على غيره من الخرق المباحة لأن الواجب عليه هو الوضوء عليها، و من مقدماته رفع المغصوبة و وضع المباحة.

لا يقال النزع أيضا تصرف حرام. لأنا نقول حيث يكون للتخليص عن الغصب لا اشكال فيه. لا يقال ان الجرح بعد الكشف يصير كالجرح المكشوف الذي يجب غسل أطرافه فقط، لا وضع الخرقة عليه. لأنا نقول الفرض يكون في صورة كون المحل نفسه يحتاج (1) الى الشد بحيث لو لم يكن مشدودا يكون مضرا بحاله.

لا يقال ما المرجح للرفع و عدم الاكتفاء بغسل ما حوله؟ لأنا نقول لما مر من انه تخليص، و الوضوء عبادة و يجب أن يكون على وجهه بما أمكن، و هنا يمكن المسح على الجبيرة المباحة.

لا يقال هذا كلّه يصح في صورة كونه هو الغاصب، و أما صورة كون غيره‌

____________

(1) أقول: انه لو لم يكن محتاجا الى الشد أيضا، فحيث يقول بوضع الخرقة على الجرح المكشوف يجب أن يقال به في المقام أيضا مع الأولوية.

49

غاصبا و شدّه على عضوه فلا يجب عليه رفعه لعدم كونه باختياره. لأنا نقول ابتداء و ان لم ينسب اليه الغصب و لكن بقاء ينسب اليه، فالنزع على أى حال واجب، و أما في صورة عدم إمكان النزع فان كان تالفا عرفا فهل يصح الوضوء و ضمان العوض أم لا؟ فيه خلاف يتوقف على المسلك في باب الضمان، فان كان التلف موجبا لانتقال الشي‌ء إلى المتلف و العوض الى المالك، فلا إشكال في الوضوء و ان كان العوض عوض الوسم الذي استقر على المالك بتلف ماله فالمال أيضا ماله و لا يصح الوضوء عليه مع اضافة مسلك آخر و هو ان المقام و ان كان التالف لا يصدق عليه المال، و يصدق عليه الملك، و لكن على مبنى القائل بأن أدلة حرمة التصرف في مال الغير تشمل حتى الملك يكون الوضوء باطلا، و أما على فرض عدم شمولها له فهو صحيح و للمالك العوض فقط.

أما في صورة عدم كونه تالفا مع عدم إمكان النزع فيكون وجوب الاسترضاء من باب المقدمية، أي حيث يجب الوضوء يجب تحصيل مقدماته، و من مقدماته التخلص من الغصب و هو يحصل بالاسترضاء، فيجب ذلك، نعم (1) في صورة كون الغصب لا باختياره لا يجب عليه الاسترضاء، و كذا في الصورة الاولى يكون الكلام في أنه هل يكون الاسترضاء من شرط الواجب بالنسبة إلى الوضوء الذي يجب تحصيله مثل الطهارة للصلاة، أو يكون من شرط الوجوب بحيث انه لا يكون الوضوء واجبا عليه حتى يجب تحصيل شرطه، و اما القول بأنه مع عدم إمكان النزع يكون الواجب عليه الوضوء و العوض كما في الأكل في المخمصة، فهو ممنوع، فالاحتياط لا يترك.

[مسألة- 17- لا يشترط في الجبيرة أن تكون مما يصح الصلاة فيه]

مسألة- 17- لا يشترط في الجبيرة أن تكون مما يصح الصلاة فيه فلو كانت حريرا أو ذهبا أو جزء حيوان غير مأكول لم يضر بوضوئه فالذي

____________

(1) أقول: انه لا فرق في كون الغصب باختياره أو لا، لأنه بعده يكون غاصبا بقاء كما مر منه آنفا، و الظاهر ان الشرط يكون شرط الواجب و لا فرق بين الوضوء جبيرة أو غيره حتى يقال بأن الشروط فيها شرط الوجوب بخلاف غيره.

50

يضر هو نجاسة ظاهرها أو غصبيته.

[مسألة- 18- ما دام خوف الضرر باقيا يجرى عليه حكم الجبيرة]

مسألة- 18- ما دام خوف الضرر باقيا يجرى عليه حكم الجبيرة، و ان احتمل البرء، و لا تجب الإعادة إذا تبين برؤه سابقا، نعم لو ظن (1) البرء و زال الخوف وجب رفعها.

أقول: ان هنا فروعا:

منها: انه لو زال العذر هل يكفى الوضوء كذلك للصلوات الآتية؟ و هل تصح الماضية في الوقت أم لا؟ بل تجب الإعادة، و من فروع هذا الفراغ هو هذه المسألة و هو ان الخوف من الضرر هل يكون جاريا مجرى الجبيرة أم لا؟ و المصنف قدم هذا الفرع و أخر ذاك (لمسألة 31) و كان الأولى التقديم له.

و كيف كان فالدليل على هذه المسألة: هو رواية كليب الأسدي (باب 39 من الوضوء ح: 8) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال: ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصلّ.

و تقربيها بأن يقال: ان المدار على الخوف على النفس سواء احتمل البرء أم لا. و فيه ان الإطلاق يكون على الموضوع الثابت، فإن إثبات الخوف الضرري لازم حتى يشمله الدليل، و في المقام أصل الخوف وجداني و لكن الضرر يستصحب بقائه، فيضم الوجدان الى ما وجدناه بالاستصحاب حتى يكون الوضوء كذلك صحيحا، ثم إذا علم بعد ذلك بأن البرء كان سابقا على الوضوء كذلك فيتوقف القول بالصحة على القول بالاجزاء في الأوامر الاضطرارية و عدمه، فقيل بأن الواجب عليه الإعادة لأن الخوف كان طريقا الى الضرر و قد ظهر خلافه.

و قال الشيخ الأنصاري في طهارته بأن الخوف صار سببا لحكم الشارع بدخوله‌

____________

(1) لو كان بمعنى حصول الاطمئنان فهو، و الا فالظن الذي لا يكون بمرتبته لا يوجب رفعها.

51

في العمل فيكون منسوبا اليه (1) فعلى هذا يكون للخوف موضوعية، و لكن ظاهر التعليل في بعض الروايات بأنه «إذا كان الماء يؤذيه فعليه الجبيرة» هو طريقيته و عدم الصحة عند كشف الخلاف.

و قال المحقق الخراساني (قده) بأن المدار على كليهما. و فيه ان أنس النفس بأن الخوف طريق يمنعنا عن القول بالجمع لا من باب عدم كفاية الأمر الظاهري و اجزائه.

و كيف كان فكلام المصنف (قده) على الموضوعية أي موضوعية الخوف و قوله بالصحة صحيح. و أما إذا كان الظن بالبرء، فان بلغ الى مبلغ الاطمئنان فهو المتبع و الا فاستصحاب الضرر حاكم.

[مسألة- 19- إذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحل لكن كان موجبا لفوات الوقت]

مسألة- 19- إذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحل لكن كان موجبا لفوات الوقت هل يجوز عمل الجبيرة؟ فيه اشكال بل الأظهر عدمه و العدول الى التيمم.

أقول: في هذه المسألة حيث أن الباب باب التزاحم أى تزاحم مصلحة الوقت و الوضوء فقيل (2) بأن مراعاة مصلحة الوقت لازمة لأن الوضوء مما له بدل و هو التيمم و لا بدل للوقت.

و فيه انه قد مر منا انه يجب ملاحظة الدليل لأقوائية ملاك أحدهما على الآخر و ان مجرد وجود البدل لا يوجب تقديم الطرف الأخر لأنه من الممكن أن يكون‌

____________

(1) أقول: و عليك بعبارته «لأنه حين الوضوء متعبد بظنه بالضرر فالعذر الواقعي في حقه منع الشارع له عن الوضوء التام لا الضرر الواقعي حتى يكون ظنه طريقا اليه فيدخل في مسألة من أدى تكليفه بالطريق الظاهري فانكشف خلافه».

(2) أقول: أنّا لا نحتاج الى ما قيل في تقديم مصلحة الوقت بل نصوص التيمم حاكم بتقديم الوقت عند الضيق، و أما في المقام فأدلة الجبائر قاصرة فالمتعين هو التيمم.

52

الباقي من مصلحة الوضوء أقوى من مصلحة الوقت، و لكن في المقام يمكن أن يقال بأن الوقت مقدم لأن الوضوء مما ينتقل منه الى التيمم بمثل الأمر الأخلاقى و هو فساد الماء على القوم كما ورد في رواية «لا تفسد على القوم مائهم» فمصلحة الوقت مقدمة بالأولوية. ثم انه بعد القول بعدم الوضوء التام فهل يرجع الى الناقص و هو الجبيرة أم المتعين التيمم؟ الظاهر هو الثاني لأن الدليل الدال على الجبيرة لا يشمل المقام الذي يكون الاحتياج إليها لضيق الوقت و من أراد الاحتياط فليجمع بينهما استحبابا، و الا فالمتعين هو التيمم على الأقوى.

[مسألة- 20- الدواء الموضوع على الجرح و نحوه إذا اختلط مع الدم]

مسألة- 20- الدواء الموضوع على الجرح و نحوه إذا اختلط مع الدم و صار كالشي‌ء الواحد و لم يمكن رفعه بعد البرء بأن كان مستلزما لجرح المحل و خروج الدم فان كان مستحيلا بحيث لا يصدق عليه الدم بل صار كالجلد فما دام كذلك يجرى عليه حكم الجبيرة و ان لم يستحل كان كالجبيرة النجسة يضع عليه (1) خرقة و يمسح عليه.

أقول: ان الدواء و الدم تارة يصير جزء البدن فلا إشكال في وجوب الغسل لأنه بدن و تارة يستحيل و يصير كالجلد و لا يصير جزء البدن، فعلى فرض كون عين النجس مع الدواء المتنجس ففي القول بالطهارة إشكال، لأن الاستحالة إذا كانت عن عين النجس كالكلب إلى شي‌ء آخر بحيث تحوّل صورته النوعية توجب الطهارة لأن الحكم يكون على الصورة النوعية فإن الكلب نجس لا الملح، و أما إذا كان مع المتنجس فحيث (2) ان الموضوع في ذلك هو الصورة الجسمية و هو باق بعد تحول‌

____________

(1) على الأحوط.

(2) أقول: ان المناط في الاستحالة هو تغيير الحال بحيث يشك في بقاء الحكم من جهة تغيير الموضوع و عدم إمكان جريان الاستصحاب و لا شبهة في أن الموضوع في الاستصحاب عرفي و هو يرى الرماد غير الخشب و لا يكون دقيقا في التحليل بين الصورة الجسمية و النوعية.