المعالم المأثورة - ج6

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
459 /
3

الجزء السادس

[تتمة كتاب الطهارة]

[مقدمة المقرر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على رسوله و حبيبه و خيرته من خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين المكرمين الميامين سيما خاتمهم و قائمهم الحجة بن الحسن العسكري (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين.

اما بعد فهذا هو المجلد السادس من الكتاب المسمى ب‍- المعالم المأثورة من تقريرات بحث العلامة الفهامة المحقق المدقق بل مركز دائرة التحقيق و التدقيق آية اللّه العظمى الحاج ميرزا هاشم الآملي (رضوان اللّه تعالى عليه) ، الذي كان هو الأستاذ الأكبر في الحوزة المنورة العلمية بقم أزيد من ثلاثين سنة بعد ارتحاله من النجف الأشرف الى هذه البلدة و حمل ما كسبه من المعاني اللطيفة و العلوم الدقيقة تحت لواء الولاية العظمى الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه الصلاة و السلام، الى طائفة أخرى من تلامذته و عموم المسلمين قدس اللّه نفسه و جعل الجنة مأواه مع المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) .

و هذا الكتاب شرح للكتاب القيم العروة الوثقى، لمؤلفه الأعظم آية اللّه العظمى السيد محمد كاظم اليزدي (قده).

ثم ان فيه تحقيقات و تذييلات على الشرح و تعليقات على المتن من المقرر،

4

العبد المحتاج الى عفو ربه الغفور محمد على الاسماعيل پور الشهرضائى (القمشه‌اى) مولدا و القمي مسكنا و وطنا.

مع استخراج مصادر احاديث الكتاب و جعله فيما بين الهلالين في نفس الشرح و حيث كان مصدر أكثر الأحاديث كتاب وسائل الشيعة للمحدث الأكبر الشيخ الحر العاملي (قده) اكتفى غالبا بذكر رقم الباب و الحديث ان كان الحديث منه و ما كان عن غير هذا الكتاب ذكر اسم الكتاب أيضا عند بيان المصدر فليكن في ذكر منك و باللّه الاستعانة و بالمعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)نستشفع الى اللّه تعالى- المؤلف‌

[تتمة بحث الحيض]

[تتمة بحث التجاوز عن العشرة]

[مسألة 2- المراد من الشهر ابتداء رؤية الدم الى ثلاثين يوما]

مسألة 2- المراد من الشهر ابتداء رؤية الدم الى ثلاثين يوما و ان كان في أواسط الشهر الهلالي أو أواخره.

أقول و ذلك لأن المدار في الحيضية هو رؤية الدم و لا وجه لأخذ أول الشهر بدون ذلك فلا محيص الا عن القول بان حساب الشهر يكون من أول رؤية الدم و الدليل عليه مضافا الى وضوحه و بداهته أمور الأول- موثقتا ابن بكير (في الوسائل باب 8 من الحيض ح 6 و 5) ففي الأولى قال في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلى حتى تمضي أكثر ما يكون من الحيض فإذا مضى ذلك و هو عشرة أيام فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلت فمكثت بقية شهرها ثم تترك الصلاة في المرة الثانية.

و في الثانية، قال المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمرّ بها الدم تركت الصلاة عشرة أيام ثم تصلى عشرين يوما.

و لا يخفى صراحتهما في ان المستحاضة تترك الصلاة في ابتداء رؤية الدم و هو أول شهرها، لا أول الشهر الهلالي فوسط الشهر و آخره سواء في ذلك.

و الثاني مرسل يونس القصير ففيها قوله (عليه السلام) «عدّت من أول ما رأت الدم الأول و الثاني عشرة أيام ثم هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة» (في باب 2 من الحيض ح 2).

5

و الثالث قاعدة الإمكان و كيف كان فالمسألة لا خلاف فيها (1).

[مسألة 3- الأحوط ان تختار العدد في أول رؤية الدم]

مسألة 3- الأحوط (2) ان تختار العدد في أول رؤية الدم إلا إذا كان مرجح لغير الأول.

أقول هذا المقام غير محرر في كلام الأصحاب كما اعترف به صاحب الجواهر (قده) (في الجواهر ج 3 ص 304- 303) في بعض ابحاثه الشريفة.

ثم انه لا شبهة في تخييرها من جهة العدد و لكن الكلام في أنها هل يكون لها التخيير من ناحية الوقت أيضا أم لا بد لها من تطبيق الىّ عدد اختارته على الأيام الأول من الرؤية فالمشهور بين الأصحاب ان المبتدئة الفاقدة للصفة و غيرها من من أمارات الحيض تتحيض إلى ثلاثة أيام ثم تستظهر إلى العشرة فإن انقطع دمها بلا تجاوز عنها و الا فترجع الى العدد المستفاد من الروايات فحينئذ هل ترفع اليد عن تلك الثلاثة الأولى التي جعلتها حيضا في أول الرؤية و تجعل الحيض في الوسط أو الآخر و تقضى الصوم و الصلاة اللذان تركتهما أو تجعل الحيض الثلاثة الأولى فيه خلاف، فأما الأول فبدعوى ان تطبيق العدد على الثلاثة و الاكتفاء بها في أول الرؤية كان مستندا إلى قاعدة الإمكان (3) فكان ذلك حكما ظاهريا استظهاريا كالحكم بالحيضية‌

____________

(1) أقول ما هو العمدة في المقام هو حساب الشهر ثلاثين يوما، لا حسب الشهور الهلالية التي يكون بعضها ثلاثين و بعضها تسعة و عشرين و المستفاد من الروايات هو الأول لقوله (عليه السلام) بالتحيض سبعة و بالطهر بثلاثة و عشرين يوما فعدم التحيض عند عدم الدم أظهر من الشمس و أبين من الأمس.

(2) بل الأقوى

(3) أقول استفادة كون الأول حيضا لا يكون بقاعدة الإمكان فقط بل من نفس روايات الباب و التصريح فيها نفهم ان المناط على جعل الحيض أول الدم ففي مرسلة يونس القصيرة (باب 12 من الحيض ح 2) قوله (ع) «عدت من أول ما رأت الدم الأول و الثاني عشرة أيام» فعلى ما هو المختار من عدم تمامية القاعدة يكون الدليل الرواية و ما ذكر موافق لارتكاز النساء في السؤال و الجواب فان الدم الذي تراه المرأة و يمكن ان يكون حيضا يكون السؤال عنه و عن حكمه من اوله، و ظاهر بقية الروايات أيضا هو ذا، و ان كان لبعضها الإطلاق في بدو النظر مضافا الى بقية الاستدلالات عنه (مد ظله) .

6

بعدها إلى العشرة فانكشف بعد التجاوز انها لم تكن تحت القاعدة فتندرج المبتدئة حينئذ في الروايات.

و بالجملة لو لم يتجاوز الدم عن العشرة كانت مندرجة تحت القاعدة و الّا فتندرج تحت روايات العدد و هذا مقتضى الجمع بين القاعدة و إطلاق أدلة الرجوع الى العدد الشاملة لمورد القاعدة أيضا و هكذا إطلاق القاعدة شامل لمورد الروايات فإذا حصل التعارض يجمع بينهما بما ذكر.

أو يقال بأن القاعدة واردة فيمن لم يتجاوز دمها عن الشهر و ان تجاوز عن العشرة و الروايات تكون واردة فيمن تجاوز دمها عن الشهر كما هو مقتضى بعض الروايات أو يقال قاعدة الإمكان مضروبة في ظرف الشك و عند فقد الأمارة على الحيض، و الأدلة الدالة على العدد أيضا كذلك فيقع التعارض بين اطلاقيها فلا مجال للأخذ بإطلاق واحدة منهما بل لا محيص عن العمل بمقتضى الاحتياط.

اما الثاني أي لزوم التطبيق على الأيام الأول من الرؤية فاستدل له بأمور:

الأول ظهور الروايات في تقديم التحيض على الاغتسال و التطهير بقرينة العطف بكلمة «ثم» كما في المرسلة حيث قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «تلجّمي و تحيّضي في كل شهر في علم اللّه ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي غسلا».

و فيه ان التقديم بشهادة العطف المذكور لا يستلزم ذلك إذ المستفاد المرسلة هو التحيّض في كل شهر ستة أو سبعة و هذا يصدق و يتحقق بتحيضها سبعا من آخر الشهر ثم تغتسل و تصلى و تصوم ثلاثة و عشرين يوما هذا في الدورة الأولى ثم تتحيض سبعة أيام من آخر الشهر الثاني و تغتسل و تصلى ثلاثة و عشرين يوما في الدورة الثانية في الشهر الثالث اللهم ان يقال ان هذا خلاف المتبادر من الأخبار‌

7

و المنساق منها هو التحيض و الاغتسال في شهر واحد لا ان تجعل السبع الآخر من شهر حيضا و ثلاثة و عشرين يوما من شهر آخر طهرا.

الثاني لزوم التوالي و التتابع في أيام الطهر في كل شهر لأنه المستفاد من جعل مجموع السبع حيضا و الثلاثة و العشرين طهرا و لا يتأتى ذلك الا بجعل أول الشهر أو آخره، و حيث لا قائل بتعيين الآخر و لا بالتخيير بينه و بين الأول فيتعين الأول بالإجماع المركب.

و فيه أولا انه لا يستفاد منها التوالي في أيّام الطهر بل المستفاد منها تحديد أيّام الحيض و الطهر في كل شهر و ان مقدار الحيض كذا و مقدار الطهر كذا. و ثانيا ليس هنا إجماع كذلك و القول بعدم الفصل فيمكن القول بالتخيير بين الأول و الآخر من الشهر لإطلاق أدلّة الرجوع الى العدد و لكن هذا أيضا غير تام لأن أدلة الشيخ على التعيين لو لم يوجب تعيين الأول يمنع عن القول بالتخيير هذا أولا، و ثانيا: لا يمكن أخذ الإطلاق لأنه يكون في مقام بيان حكم آخر و هو ان مستدامة الدم يكون أيامها محددة بكذا و امّا انّ اللازم هو اختيار الأيام في أول الشهر أو وسطه أو آخره فلا يكون في وسع هذا الدليل. و ثالثا: يكون المقام من دوران الأمر بين التعيين و التخيير اى تعيين الأول أو التخيير بينه و بين غيره و العقل حاكم باختيار المعيّن لأنه يوجب القطع ببراءة الذمة (1) و اما احتياط المصنف (قده) فيكون من باب عدم تمامية الأدلة من الطرفين و التأمل فيها.

[مسألة 4- يجب الموافقة بين الشهور]

مسألة 4- يجب الموافقة بين الشهور فلو اختارت في الشهر الأول أوله ففي الشهر الثاني أيضا كذلك و هكذا.

أقول: هي واضحة.

____________

(1) أقول: انه في المقام يكون مسلك الأستاد (مد ظله) البراءة لرجوعه الى الشك في طور التكليف و حيث ان التعيين زيادة كلفة يرفع بالبراءة و هو الحق.

8

[مسألة 5- إذا تبين بعد ذلك ان زمان الحيض غير ما اختارته]

مسألة 5- إذا تبين بعد ذلك ان زمان الحيض غير ما اختارته وجب عليها قضاء ما فات منها من الصلوات و كذا إذا تبينت الزيادة و النقيصة.

أقول يكون فرض البحث في صورة عدم فاصلة أقل الطهر بين الدمين فإنه يمكن القول بكونهما حيضا مع الفاصلة المذكورة الا ان يقال بما سيجي‌ء من انه مع الفاصلة أيضا لا يكون لهذه المرأة الّا حيض واحد و حينئذ حيث يكون جعلهما حيضا ممتنعا و الرجوع الى العدد كان أصلا و في طول العادة و التميز فإذا استمر الدم و دار الأمر بين الأخذ بالعادة في صورة تذكر الناسية عادتها أو التميز في صورة صيرورة الدم الى لون الحيض، فلا محالة تقدم الامارة على الأصل و تؤخذ بالعادة و التميز، قضت ما تركته من العبادات في أول الدم بظن كون الدم حيضا لحكومة الأمارات على الأصول و لا فرق بين العادة و التميز في ذلك بل العادة حيث تكون مقدمة على التميز أيضا حسب المستفاد من الأدلة تكون هنا أيضا العلم بها أقوى بالنسبة إلى الرجوع إليها و عدم الاعتناء بالعدد.

و العجب عن بعض المعاصرين حيث حكم بوضوح الرجوع الى التميز و لكن أشكل في العادة و ان كان مختاره هو الرجوع إليها لا الى العدد و حاصل الاشكال هو ان ناسية العادة يمكن ان يكون حكمها الواقعي هو الذي عملت على طبقها قبل، و الآن أيضا يصدق أنها ناسية العادة في ذلك الزمان. و الجواب هو ان ذات التميز أيضا يصدق عليها انها كانت فاقدة للتميز فيما مضى و يمكن ان يكون حكمها الواقعي في ذلك الظرف هو الأخذ بالعدد فكلّما يقول في هذا يجب ان يقال في العادة أيضا و الحق عدم الاشكال فيهما.

فان قلت يمكن كون العدد حيضا بحكم ظاهري و العادة و التميز حيضا بالحكم الواقعي فلا يلزم قضاء ما ترك من الصلاة و الصوم. قلت فيما يكون فاصلة الطهر بين الدمين أقل من العشرة لا يكون القول بحيضة كليهما مستقيما و على فرض كون الفاصلة بقدر العشرة فالقول بها و ان كان مستقيما في سائر الموارد و اما في المقام فاستفدنا‌

9

من الروايات ان هذه المرأة المستدامة الدم بدون الصفات و الامارات لا يكون لها في شهر واحد الّا حيض واحد نعم لو علمت بتعدد الحيض تعمل عليه للعلم به.

و اما ان قيل بان مفاد الروايات اى روايات العدد يكون في صورة كون الدم بلون واحد، الشهر و الشهرين و المقام حيث تعدد اللون فيكون خارجا عنها فنقول انهم لا يقولون بهذا القول كما سيجي‌ء (1).

ثم ان التبين الواقعي الوجداني لا يحصل بعد أخذ الأيام حيضا بل يكون هذا صرف التعبد و الأخذ بأمارة دون اخرى و لا ربط لنا بالواقع حتى نقول ما كان ذاك الدم في الواقع حيضا.

[مسألة 6- صاحبة العادة الوقتية إذا تجاوز دمها العشرة]

مسألة 6- صاحبة العادة الوقتية إذا تجاوز دمها العشرة في العدد حالها حال المبتدئة في الرجوع الى الأقارب و الرجوع الى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم.

أقول البحث في هذه المسألة يكون عن جهات: الجهة الاولى ان البحث هنا عام يشمل المضطربة و الناسية أيضا بشهادة قوله (قده) فيما بعد و إذا علمت كونه أزيد من الثلاثة فإن حصول العلم له يكون في صورة وجود عادة لها من حيث العدد ثم نسيت حدها و لكن ربما تعلم أنها أزيد من الثلاثة.

و الثانية ان دليل الأخذ بالعادة عام شامل لصورة كونها معيّنة بالوقت و العدد مع صورة كونها معينة في الوقت، ففي المقام يجب الأخذ به من حيث الوقت و لا يضره اضطراب العدد.

الجهة الثالثة في أنه لا شبهة في لزوم رجوعها إلى سائر الأمارات غير العادة‌

____________

(1) أقول انه لا يلزم ان يكون التبين بالقطع الوجداني ان هذا دم الحيض و ان غيره ليس كذلك بل الظاهر من الروايات هو أن الأمارة أولا هي العادة، ثم التميز ثم الأقارب، ثم العدد فإذا نسيت العادة ثم ذكرها وجدت ما هو وظيفتها، و تعلم بالأمارة ان السابق وقع اشتباها.

10

لو كانت فان الدم إذا كان بصفة الحيض فيما زاد عن الثلاثة مع عدم التجاوز عن العشرة يؤخذ بكونه حيضا بواسطة التميز و المدار عليه فلو كان الأقل من العشرة بصفة الحيض كالسبع مثلا يحكم بحيضيته دون ما تجاوز عنه و لو جاوز الدم بالصفة عن العشرة فالمدار عليها لا على التميز، و إطلاق دليل الأخذ بالصفة يشمل المقام، و لا يرجع الى قواعد أخر مثل استصحاب بقاء الحيض قبل العشرة مع كونه متيقنا من أول الوقت بواسطة العدد، و هكذا إذا كان لها أمارة في طول التميز مثل الرجوع الى الأقارب في غير الناسية فإن عموم الدليل يشمله و مع وجودها لا يرجع الى الأصل لأنها مقدمة عليه، الّا ان يقال باختصاص تلك الأدلة بالمبتدئة فقط و لا تشمل المضطربة فإنه بالنسبة إليها لا أمارية له و اما بالنسبة إلى المبتدئة تبقى الأمارية، و لا أظن ان يكون اختلاف العلماء في صورة وجود الأمارة و ان كان كلامهم مختلطا.

الجهة الرابعة فيمن لا تعرف العدد و تعرف الوقت و تكون فاقدة لجميع أمارات الحيض حتى الرجوع الى الأقارب (و النزاع ظاهرا يكون في هذه الصورة) فإنه هل يرجع الى العدد اى العدد الذي يكون معينا برواياته كالثلاثة إلى العشرة أو السبعة و الستة و الثلاثة كما عليه المصنف (قده)، أو استصحاب بقاء الحيض أو قاعدة الإمكان، أو الاحتياط فيما بعد الثلاثة إلى العشرة؟ وجوه و أقوال: و نحن نقول ان المستفاد من مجموع الروايات في مقام الرجوع الى العدد هو العموم و الإطلاق للمقام أيضا فإن المرأة بالنسبة إلى العدد مبتدئة أو مضطربة و ان كان بالنسبة إلى الوقت ذات عادة، فترجع في العدد الى الروايات و عليه فالاستصحاب و قاعدة الإمكان و الاحتياط ساقط.

و قيل و القائل صاحب المعتبر و غيره من الأساطين، تأخذ بأحكام المستحاضة فيما زاد عن الثلاث لأصالة عدم الزيادة في الحكم بالحيضية ظنا منهم ان الأدلة غير شاملة للمقام. و فيه مع فرض عدم شمول الأدلة فالاستصحاب حاكم لا أصالة عدم الزيادة و مع الاشكال فيه لكونه من التدريجيّات فأصالة البراءة أيضا مشكلة، قال صاحب‌

11

الجواهر المتعين الأخذ بالعشرة في كل شهر لقاعدة الإمكان و للاستصحاب و هذا القول أوفق بالقواعد من قول المعتبر.

قوله: و إذا علمت كونه أزيد من الثلاثة ليس لها ان تختارها كما انها لو علمت انه أقل من السبعة ليس لها اختيارها.

أقول هذه الصورة و ان كانت غير مصب الروايات من جهة العلم الإجمالي بالعادة و لكن حيث ان العلم كذلك لا يرفع التميز و الشك يكون في الحكم يتمسك بالروايات لرفع الشك، و بيانه ان يقال ان المرأة إذا علمت ان دمها كان أزيد من الثلاثة ليس لها اختيار الثلاثة من الأيام التي تكفل الرواية لبيان أخذها على التخيير و لكن بالنسبة إلى سائر المراتب فحيث لا تدري أن أيا منها كان عادتها تكون مخيرة بينها من الأربعة إلى العشرة على المختار أو الأخذ بالستة و السبعة على مختار المصنف.

و هكذا لو علمت انها تكون أقل من السبع ليس لها اختيارها و لكن لها اختيار الستة و الخمسة إلى الثلاثة ليرفع التحير من حيث الوظيفة.

ثم ان عبارة المصنف (قده) هنا شاملة للناسية أيضا مع انه في أصل المسألة قال بخروج الناسية عن حكم الرجوع الى الأقران فان لها الرجوع الى العدد بعد عدم الصفة فيمكن ان يقال بان نظره الشريف كان في هذا الى ان المخرج للناسية عن الرجوع الى الأقارب كان لإجماع و حيث انه دليل لبى يكون له المتيقن و هو غير هذه الصورة و هو من لم يكن له عادة أصلا، لا من يكون له العادة الوقتية.

[مسألة 7- صاحبة العادة العددية ترجع في العدد الى عادتها]

مسألة 7- صاحبة العادة العددية ترجع في العدد الى عادتها و اما في الزمان فتأخذ بما فيه الصفة و مع فقد التميز تجعل العدد في الأول على الأحوط (1) و ان كان الأقوى التخيير.

____________

(1) بل الأقوى ذلك لا التخيير و لا ادرى ما وجه ان المصنف في ما سبق (في مسألة 3) قال بأن الأحوط اختيار الأول بالاحتياط المطلق و هنا قال بأن الأقوى التخيير و قد مر منا هناك ان الدليل نص الرواية بأنها عدّت من أول ما رأت الدم إلخ هذا مضافا الى احتمال كون قاعدة الإمكان لو تمت مختصة بأول الدم و الاعتبار أيضا يساعده.

12

أقول هذه المسألة مثل المسألة السابقة الا ان هنا يكون المعلوم العدد، دون الوقت فبإطلاق روايات العادة يجب ان تأخذ بالعادة من حيث العدد و لو لم يكن التميز في المقام حيث أن الكلام فيمن يكون دمها بصفة واحدة و لا تميز لها حتى يكون هو الأمارة على الحيضية و ما دامت الأمارة للحيض موجودة لا يرجع الى الأصل فإن روايات العدد يكون أصلا و العادة امارة فهي متقدمة و لا وجه مع شمول النصوص للقول باستصحاب بقاء الحيض إلى العشرة و لا الاحتياط كما عن المبسوط فإنه (قده) قال في المقام باحتياط عجيب و هو الجمع بين أعمال المستحاضة و تروك الحائض فيما بعد الثلاثة و الغسل في كل آن احتملت الطهارة عن الحيض و قضاء الصلاة و الصوم بعد الأيام للعلم الإجمالي بحيضية الأيام في العشرة و لا تدري انها في الأول أو الوسط أو الآخر.

و قد أشكل عليه تارة بأن العلم الإجمالي في التدريجيات غير منجز و المقام حيث يكون منها لا ينجز العلم فيه. و فيه ان العلم الإجمالي في التدريجيات منجز على التحقيق و ان كان في بعض كلمات الشيخ التنجيز تارة و في بعضها الأخر عدم التنجيز أخرى و لكن يمكن ان يكون قوله بعدم التنجيز لخصوصية في المورد، لا ان التدريجيات لا ينجز فيها العلم.

و قد أشكل عليه ثانيا بان هذا موجب للحرج. و فيه ان الحرج على قسمين:

نوعي و شخصي اما النوعي فهو يوجب رفع الحكم مثل الحكم بطهارة الحديد و عدم القول بنجاسته من باب الحرج على النوع و هذا يكون ملاكا لحكم الشرع و يجب ان يكون البيان منه، و اما الشخصي فيكون دائرا مدار الشخص فإنه ربما لا يكون بالنسبة إلى شخص حرجيا كمن يكون في الحمام دلّاكا أو من يكون الصوم في أيام السنة شفاء لمرض له بالخصوص و هكذا غيره فلا يرفع الحكم به، نعم الاشكال عليه هو انه بعد شمول النصوص للمقام لا تصل النوبة الى ما ذكره (قده) فإنه اجتهاد‌

13

في مقابل النص. و اشكال آخر عليه هو أنه لم قال بالاحتياط كذلك هنا و لم يقل به في المسألة السابقة (1) و ما قال من الاحتياط فيها يكون مثل القول بالرجوع الى السبع في اختيار العدد في الروايات بعد فقد الامارات لا الجمع بين أفعال المستحاضة و تروك الحائض.

[مسألة 8- لا فرق في الوصف بين الأسود و الأحمر]

مسألة 8- لا فرق في الوصف بين الأسود و الأحمر فلو رأت ثلاثة أيام أسود و ثلاثة أيام أحمر ثم بصفة الاستحاضة تتحيض بستة.

أقول يكون النزاع هنا في انه هل يكون المدار على الصفات المنصوصة في الروايات أو يتعدى منها إلى أشباهها و لو لم يكن منصوصا فان المحكي عن جمع منهم العلامة و الشهيدان و المحقق الثاني ان المدار على القوة و الضعف فيمكن التعدي من المنصوصة إلى غيرها، و السند لهم هو ان الإقبال و الأدبار في الروايات يكون المراد منهما القوة و الضعف فقالوا ان القوة و الضعف اللذين يحصل بهما التميز تحصلان بصفات ثلاث: الاولى اللون فالأسود قوي الأحمر، و هو قوي الأشقر، و هو قوي الأصفر، و هو قوي الأكدر، كما في المسالك أيضا أو الأشقر قوي الأصفر و الأكدر.

الثانية الرائحة فذو الرائحة الكريهة قوى قليلها و هو قوى عديمها فذو الرائحة الكريهة أشبه به مما لا رائحة له و مما نقص فيها عنه. الثالثة الثخانة فالثخين قوى الرقيق.

و الاشكال عليهم أولا هو انه لو كان كذلك يجب ان يتداخل صفات الحيض‌

____________

(1) أقول: قال به في الجواهر ناقلا عن المبسوط و الظاهر ان المراد بالاحتياط كما فهمه صاحب الجواهر هو الجمع بين أعمال المستحاضة و تروك الحائض، و قال نقلا عن الشيخ ان الاحتياط هنا طريقة مشهور و لا يحضرني المبسوط لأنظر في كلامه (قده) و احتمال ان يكون هذا الاحتياط مثل الاحتياط باختيار السبع في الرجوع الى الروايات كما احتمله الأستاذ (مد ظله) بعيد.

14

و الاستحاضة لأن الأصفر الذي فرض من مراتب الأسود الذي هو منصوص إذا كان علامة الحيض كذلك يكون من علامة الاستحاضة أيضا لأنه منصوص فيها سيّما بقرينة قوله (عليه السلام) (1) في المرسلة «و تغير لونه من السواد الى غيره و ذلك ان دم الحيض اسود يعرف» عقيب ذكر الإقبال و الأدبار و قوله «إذا رأيت الدم البحراني فدعي الصلاة». ثانيا و الأحمر يكون منصوصا في الروايات و لا يكون من الصفات بالنسبة إلى الأسود بل هو منصوص بخصوصه. و ثالثا لم تكن الرائحة من العلامات فكيف يقال بان ماله رائحة كريهة حيض، و ما لا رائحة له استحاضة بصرف الإقبال و الأدبار كذلك، و هكذا الثخين و الضعيف.

فالحق ان ذكر هذه الصفات يكون لدخلها بخصوصها في الحيض لا بمراتبها و الّا يلزم عدم تميز الحيض من الاستحاضة لاشتراك المراتب فلا يتعدى عن المنصوص الى غيره.

[مسألة 9- لو رأت بصفة الحيض ثلاثة أيام ثم ثلاثة أيام بصفة الاستحاضة]

مسألة 9- لو رأت بصفة الحيض ثلاثة أيام ثم ثلاثة أيام بصفة الاستحاضة ثم بصفة الحيض خمسة أيام أو أزيد تجعل الحيض الثلاثة الاولى، و اما لو رأت بعد الستة الأولى ثلاثة أيام أو أربعة بصفة الحيض تجعل الحيض الدمين الأول و الأخير و تحتاط في البين (2) مما هو بصفة الاستحاضة لانه كالنقاء المتخلل بين الدمين.

____________

(1) لم يقرب الاستدلال لوضوحه عنده مد ظله و لكن لا يكون واضحا عندنا لان تغير اللون الى غيره أيضا يحتاج إلى إثبات أن الغير لا يمكن حيضا و كيف كان لا دلالة لهذه الفقرة، على ان الفقرة تكون هكذا «و تغير لها ألوانا فسنتها إقبال الدم و إدباره» و هكذا قوله: «إذا رأيت الدم البحراني» فإنه يكون كاشفا عن ان الدم يجب ان يكون بصفة السواد فإنه كالبحر يرى أسود، أو إشارة إلى كثرة الدم و ليس معناها ان غيره لا يكون من الصفات و لكن أصل المطلب صحيح فإنه لا يمكن التعدي من المنصوصة إلى غيرها و الا لضاع التميز بين الحيض و الاستحاضة.

(2) بل هو حيض أيضا لما مر في السابق.

15

أقول هذه المسألة متوقفة على بيان بعض المباني في الحيض، منها ان الطهر بين الدمين لا يكون أقل من عشرة أيام سواء كان الطهر حقيقيا أو تنزيليا و الثاني مثل الاستحاضة فإنه طهر تنزيلي و ان خالف صاحب الحدائق و قال بإمكانه فان الطهر طهر و الحيض حيض و قيل ان الطهر الحقيقي لا يكون أقل من عشرة أيام و لكن الطهر التنزيلي يمكنه ان يكون أقل. و منها ان الدم إذا تجاوز عن العشرة لا يمكن ان يحكم بحيضية الجميع من الأول إلى الآخر لان الحيض لا يكون أزيد من عشرة أيام فعلى هذا ففي المقام حيث تجاوز الدم عن العشرة لا يمكن القول بحيضية الدمين و لا يمكن القول بأن الثلاثة يكون طهرا على ما مر من مبنى المشهور.

فحينئذ اما ان يقال بما هو المنسوب الى المشهور من انه بعد تعارض الصفات في الدمين في الجناحين يرجع الى روايات العدد، و قاعدة الإمكان و ان كانت تنطبق على الثلاثة الأولى و لكن روايات العدد يكون مفادها التخيير بين جعل الحيض الأول أو الوسط أو الآخر (1) أو يقال بان صفات الاستحاضة امارة عليها كما ان صفات الحيض أيضا كذلك و لها مدلول التزامي و هو ان الجناحين و لو كانا حيضا و لكن الدم في الوسط استحاضة و هذا يكون سند القول بان الطهر التنزيلي يمكن ان يكون أقل من عشرة أيام فالدم الأول و الثالث حيض و لم يكن زائدا عن عشرة و يتعين الأولى في الحيضية لقاعدة الإمكان.

و فيه ان قاعدة الإمكان كما تجري في الأول تجري في الآخر أيضا فلا وجه لترجيح الثلاثة الأولى أو يقال بأن امارة الاستحاضة و هي كون الدم بصفتها متقدمة على روايات العدد لتقدم الامارة على الأصل و يتمسك بقاعدة الإمكان في اختيار الدم الأول للحيضية.

أو يقال بأن الامارة تنطبق على ما صار موضوعه فعليا فما هو المتقدم زمانا‌

____________

(1) الا ان يقال فيها أيضا يتعين الأول و التخيير يكون في اختيار حدّ الأعداد كما مر منه مد ظله و هو التحقيق أيضا.

16

هو المتقدم في الحكم بالحيضية كما عن النائيني (قده) و مبنى المصنف (قده) أيضا كذلك كما يقال في من له قدرة على القيام اما في الركعة الأولى أو الثانية فإنه على هذا المبنى يقدم القيام في الركعة الأولى لأنها أسبق زمانا.

و فيه ان المبنى غير تام فإن الأمارة تكون انطباقها على الأول و الثاني بنحو العرضية و لا دخل للزمان حتى تصير الحجية طولية و الأحكام عندنا فعليات حتى قبل تحقق موضوعاتها.

فتحصل مما ذكرنا ان الأقوى هو ما في المتن و الطريق ما أشرنا إليه من ان البناء على حيضية مجموع الدمين يرجع الى كون الدم المتجاوز عن العشرة حيضا و القول بحيضية ما زاد عن الثلاثة الأولى خلاف ما يقتضيه أوصاف الاستحاضة في الوسط فيتعين الثلاثة الأولى للحيضية لما مر من ان الروايات اى روايات العدد تنطبق على جعل الحيض أول الدمين.

و اما الفرع الثاني من المسألة و هو عدم تجاوز مجموع الدماء عن العشرة كما لو رأت بعد السنة الأولى ثلاثة أيام أو أربعة، فإن قلنا بمقالة المشهور من ان النقاء المتخلل بين الدمين لا يكون أقل من عشرة أيام ففي الفرض يكون تمام الدماء من الأول و الوسط و الآخر حيضا لأنه أقل من العشرة أو يكون بمقدارها فلا وجه للاحتياط بالنسبة إلى الوسط و على مسلك الحدائق يحكم بحيضية الطرفين و استحاضية الوسط لكونه واجدا لامارة الاستحاضة و في الحقيقة يكون هذا من الجمع بين الأمارتين أي الأخذ بصفات الحيض و الاستحاضة فان لم يحرز احد من المسلكين فلا بد من الاحتياط في الدم في الوسط كما هو رأى المصنف (قده) فان الاحتياط ناش عن عدم تمامية الأدلة و عدم الدليل على طرف واحد مما ذهب اليه الفريقان.

ثم انه ربما يقال كما في المستمسك بناء على المشهور من عدم تخلل الطهر أقل من عشرة أيام في أثناء الحيض الواحد انه يقع التعارض في أدلة التميز و هذه عبارته «فكما يكون الوجدان في الطرفين طريقا الى الحيض يكون الفقدان في الوسط‌

17

طريقا إلى الاستحاضة و حينئذ يمتنع صدقهما معا فيتكاذبان و يسقطان معا عن الحجية و تكون فاقدة للتميز كما جزم به في نجاة العباد و التذكرة» أقول منشأ القولين هو كون المستفاد من صفات الاستحاضة هو أماريتها في عرض أمارية صفات الحيض فيقع التعارض أو في طولها فلا يحصل التعارض إذ حينئذ لا يكون الفقدان طريقا إلى الاستحاضة إلّا فيما لا يكون الوجدان طريقا الى الحيض.

[مسألة 10- إذا تخلل بين المتصفين بصفة الحيض عشرة أيام بصفة الاستحاضة]

مسألة 10- إذا تخلل بين المتصفين بصفة الحيض عشرة أيام بصفة الاستحاضة جعلتهما حيضين إذا لم يكن كل واحد منهما أقل من ثلاثة.

أقول وجه جعلهما حيضين واضح لانه مقتضى أمارية التميز و ان استلزم حيضين أو أكثر في شهر واحد اللهم الا ان تعلم خلافه حسب طبعها و انها لا تحيض في شهر واحد الإمرة واحدة أو مرتين و لكن لا يخفى ان فرض الكلام يكون فيمن لإعادة لها فتكون اما مضطربة أو مبتدئة و هذا كله لا اشكال فيه انما الكلام فيما افاده الماتن من القيد بقوله إذا لم يكن كل واحد منهما أقل من ثلاثة وجه الاشكال ان التميز امارة الحيض و هذه الأمارية اما ان تكون محددة بما دل على ان الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام بمعنى انه لو كان أقل لا تكون الصفات امارة أو يكون التحديد لواقع الحيض اى الحيض لا يكون أقل من ثلاثة أيام واقعا و بينهما فرق، فعلى الثاني يحكم بحيضية الأقل من ثلاثة و أيام مما بصفة الحيض و لكن بمدلولها الالتزامي يضاف اليه يوم من أيام الاستحاضة ليكمل العدد فإن إطلاق أدلة التميز عليهذا، يحكم بحيضية الدم و لو كان أقل من ثلاثة، و لكن هذا يكون في صورة إمكان إدراج الغير حتى يكمل الأيام و اما إذا حصل الطهر الحقيقي فلا وجه لإدراجه حتى يكمل العدد و غير ذلك من المواضع التي لا يمكن ان يكون حيضا بمقتضى أدلة التميز و الأخذ بإطلاقها و اما على الأول فلا يمكن الحكم بحيضية الطرفين إذا كانا أو أحدهما أقل من ثلاثة أيام لأن معنى تحديد الأمارية هو أنها منوطة بالثلاثة فإذا لم تتم، لم تتم الأمارية فلا تكون الصفات امارة بدون الحدّ و لكن الأقوى ان اخبار التحديد يحدد الحيض لا اماريته فيمكن تتميم الأيام بإدراج بعض أيام الاستحاضة.

18

[مسألة 11- ما كان بصفة الحيض ثلثة متفرقة]

مسألة 11- ما كان (1) بصفة الحيض ثلثة متفرقة في ضمن عشرة تحتاط في جميع العشرة.

[مسألة 12- لا بد في التميز ان يكون بعضها بصفة الاستحاضة و بعضها بصفة الحيض]

مسألة 12- لا بد في التميز ان يكون بعضها بصفة الاستحاضة و بعضها بصفة الحيض فإذا كانت مختلفة في صفات الحيض فلا تميز بالشدة و الضعف أو غيرهما كما إذا كان في أحدهما وصفان و في الأخر وصف واحد بل مثل هذا فاقد التميز (2)

أقول تقدم آنفا في المسألة الثامنة الاختلاف في انه هل يكون المدار في الصفات على المنصوص في الروايات أو يتعدى منه الى غيره بشهادة الإقبال و الأدبار في المرسلة، و قلنا ان الأقوى هو الأول فلا يتحقق التميز بالقوة و الضعف في صفة واحدة بل لا بد فيه ان يكون بعضها بصفة الحيض و بعضه الآخر بصفة الاستحاضة فلو كان تمام الدم بصفة الحيض لكن بعضها شديد في صفة و بعضها ضعيف مثل الأحمر بالنسبة إلى الأسود أو الأصفر بالنسبة إلى الأحمر أو كان في بعضه صفتان من الحيض و في البعض الآخر صفة واحدة منه فلا أمارية للصفة بل مثل هذه المرأة فاقدة الصفة (3)

____________

(1) أقول حيث ان توالى الأيام الثلاثة هو الشرط و هو هنا مفقود تكون المرأة هذه فاقدة التميز فترجع إلى الأقارب و مع فقدهن فإلى العدد.

(2) إذا لم يكن الأيام الثلاثة متوالية في الحيض و الا فصفة واحدة أيضا ربما تكون امارة على الحيضية كالصفات و الصفتين.

(3) أقول على فرض القول بأن الصفات ليست خاصّة مركبة بل كل واحدة منها امارة على الحيضية أو الاستحاضة لا معنى للقول بان الدم الذي يكون بعضه واجدا لصفتين من الحيض مثل الحرارة و السواد و بعضه واجدا لصفة واحدة مثل السواد فقط يكون فاقد صفة الحيض فإنه حيض و لو بصفة واحدة منها و كذا إذا كان التفاوت في الصفة الواحدة مثل الأسود و الأحمر فإن الحمرة أيضا صفة الحيض فلا بد ان يكون معنى فقد الصفة هنا هو ان يقال بأنه فاقد صفة الاستحاضة لو كانت الصفات المختلفة من صفات الحيض و فاقد صفة الحيض لو كانت من صفات الاستحاضة نعم لو كان بعضه بصفة الحيض مثل يوم أو ما دون الثلاثة و بعضه الآخر في الثلاثة أيضا بصفة الاستحاضة أو بصفة غير منصوصة يكون مثل فاقد التميز إذا لم يكن ثلاثة أيام في ضمن العشرة بصفة الحيض و الّا فإن اشترطنا توالى الثلاثة فهو أيضا مثل الفاقد و الّا يكون كالواجد و الظاهر ان المسألة لا تكون في هذا الفرض.

19

قوله و لا يعتبر اجتماع صفات الحيض بل تكفي واحدة منها (1).

أقول هنا مقامان للبحث الأول في أنه هل يعتبر في أمارية الصفات على الحيض و الاستحاضة اجتماع جميع ما سمعته بحيث تكون صفات الحيض كلّها خاصة مركبة و يدور الحيض مدار الجميع أو تكفي واحدة منها و لا يعتبر الاجتماع، ذهب الى الأول جملة من الأعلام مثل صاحب المدارك تبعا لجدّه في الروض و تبعهما في ذلك بعض المتأخرين عنهما كصاحب الذخيرة و الحدائق و كذا في الجواهر (ج 3 ص 139) و ذهب الى الثاني المشهور فيجب لنا هنا ملاحظة الأدلة من الروايات الواردة في بيان صفات دم الحيض و الاحتمالات البدوية فيها أربع (2) الأول هو الإكتفاء بواحدة من الصفات في الحيض و الاستحاضة. و الثاني اعتبار اجتماع الصفات بنحو الخاصّة المركبة فيهما و الثالث الاكتفاء بواحدة في الاستحاضة و المتبادر الاجتماع في الحيض. و الرابع عكس الثالث.

ثم هذه الاحتمالات منشأها اختلاف الروايات في التعبير فأن في بعضها ذكر بعض الصفات و في بعضها الآخر ذكر الجميع و لذا اختلف عبارات الأصحاب أيضا في ذكر الأوصاف بعد اطباقهم على كونها مرجعا عند الاشتباه امّا كلمات الأصحاب فقال صاحب الشرائع في وصف دم الحيض «انه في الأغلب يكون اسود غليظا حارا يخرج بخرقة».

____________

(1) المناط على حصول الاطمئنان بالحيضية بالواحدة أو بالجميع.

(2) يدور أمر الروايات بين كون جميع الصفات امارة أو بعضها في الحيض و الاستحاضة و لا يستفاد منها الفرق بينهما و لم يذكر مد ظله أيضا وجهه.

20

و قال العلامة (قده) في التذكرة و هو في الأغلب أسود أو أحمر عبيط حار له دفع و امّا اخبار الباب ففي صحيحة حفص البختري أو حسنته (في الوسائل باب 3 من الحيض ح 2) قال دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أ حيض هو أو غيره فقال لها ان دم الحيض حارّ عبيط اسود له دفع و حرارة و دم الاستحاضة اصفر بارد فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلندع الصلاة.

و في الباب في صحيحة معاوية بن عمار (ح 1) انّ دم الحيض و الاستحاضة ليسا يخرجان من مكان واحد ان دم الاستحاضة بارد و انّ دم الحيض حارّ و في الباب ح 3 في موثقة إسحاق بن جرير، قال: دم الحيض ليس به خفاء هو دم حارّ تجد له حرقة و دم الاستحاضة فاسد بارد.

و تقريب الاستدلال للاختلاف واضح فان في الرواية الأولى عدّ جملة من الصفات و في صحيحة معاوية بن عمار عدّ واحدة منها و في الموثقة عدّ جملة من صفات الحيض و جملة من صفات الاستحاضة لا كلّها.

ثم انه ذهب أساتيدنا إلى الاكتفاء بواحدة من الصفات فإنهم قالوا ان مقتضى الجمع بين النصوص و ان كان الجمع بنحو الخاصّة المركبة كما قال به صاحب المدارك و هو كما أنه لو قيل للخادم اشتر اللحم و الخبز و التمر للضيف، لا يكون معناه ان كل واحد كاف بل المراد اشتراء الجميع.

و لكن يوهن هذا الظهور ذكر صفة واحدة في بعض الروايات مع كون الإمام (عليه السلام) في مقام بيان صفة الحيض رواية واحدة و في بعضها الآخر ذكر (عليه السلام) صفتين منها حتى انه (عليه السلام) في رواية حفص البختري ذكر جمعا من الصفات في صدر البيان و ترك بعضها في ذيله فذكر أوّلا الحرارة و العبيطية و السواد و الدفع ثم قال فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة فترك صفة العبيطية.

أقول ظهور النص المشتمل على اعتبار الجميع على طريق الخاصّة المركبة قويّ جدّا و لعل ذكر بعض النصوص البعض دون الآخر يكون لملازمة ذلك البعض‌

21

في الغالب لبقية الصفات فإن (1) الحرارة تلازم السواد و الدفع بحرقة مثلا.

امّا المقام الثاني في انّ أمارية الصفات في الحيض و الاستحاضة هل تكون عرضية أو طولية اعنى صفات الاستحاضة هل تكون امارة حتى في صورة وجود صفات الحيض أو تكون امارة عند فقد صفات الحيض فان كان في طول الصفات لا تحقق المعارضة بينهما أصلا و امّا على فرض العرضية تحقق في بعض الأحيان، كما إذا رأت الدم في الثلاثة الأولى على صفة الحيض و في الوسط بصفة الاستحاضة و في الثلاثة الأخيرة بصفة الحيض فإن حيضية الأولى تعارض استحاضية الوسط (2)

____________

(1) أقول الظاهر ان المشهور هو المؤيد و ما ذكره مد ظله إثباته مشكل فمن اين ثبت ان الدم الحار يكون أسود فإن الملازمة الواقعية غير متصورة و إثبات الغالب أيضا مشكل و اختلاف الروايات يكون لكفاية كل واحدة من الصفات، و هذا على مسلك المحقق الخراساني الذي قد استحسنه (مد ظله) من أن الصفات امارة للعلم و الاطمئنان فمهما حصل العلم أو الاطمئنان بواحدة أو بالجميع فقد حصل، و لا يكون تعبدا محضا بل إرشاد و هو الأقوى.

(2) هذا ما قرره في الدرس و لكن بعده حيث أطلنا الكلام معه بالنقض و الإبرام مثّل بمثال حسن أشار إليه في الدرس و لكن لم يبينه أصلا و قد اعترف بذلك و هو انّ الدم الواحد الشخصي في آن واحد يمكن ان يكون بصفة الحيض و الاستحاضة لكن مع المخالفة في سنخ الصفة مثلا لا يمكن ان يكون الدم الواحد الشخصي ذا لون اسود و هو لون الحيض و ذا لون اصفر و هو لون الاستحاضة في آن واحد و لكن يمكن ان يكون اسود و باردا فالأول امارة على الأول و الثاني امارة على الثاني فيتعارضان.

و أمّا الإشكال في المثال الأول فهو انه لا يتم المعارضة على مسلك صاحب الحدائق إذا لم يتجاوز الدم عن العشرة فإنه يقول بأن امارة الاستحاضة علامة لها و لا إشكال في كون الطهر بين الدمين أقل من العشرة فالوسط استحاضة و الجناحان حيض و اما إذا تجاوز عن العشرة فما زاد لا يكون حيضا، و امّا على مسلك غيره أيضا فإن الدم إذا لم يتجاوز عن العشرة يتسالمون لكونه حيضا خصوصا إذا كان في العادة يكون التصريح بأنه إذا كانت الصفرة و الكدرة في أيام الحيض حيض و هكذا إذا لم يكن في العادة، و قد مرّ منه البحث في أوائل هذا الفصل، و امّا مع التجاوز عن عن العشرة فالدم و لو كان بصفة الحيض فهو حيض و يمكننا ان يحمل كلمات القائلين بطولية الأمارتين على هذا و ان لم يكن تاما أيضا حيث انّ هذا يدلّ على سقوط امارة الاستحاضة في العشرة كما ان التجاوز عنها دليل على سقوط امارة الحيض أيضا و اما التقدم في الذكر مع انه لا يستفاد منه الطولية فمنقوض كما ذكره (مد ظله) و لا يشبه كلام طلبة فضلا عن فقيه، و امّا قاعدة الإمكان فمع انها لا تتم في محلها لا يكون لنا دليل على اختصاصها بأول الدمين بل يمكن ان يقال انّها عامّة، نعم الارتكاز على تطبيقها على الأول و لكن فيه تأمل.

22

و استدل للطولية بأنه حيث ذكر صفات الحيض في الروايات مقدّما على صفات الاستحاضة يكون هذا شاهدا على تقدمها في الأمارية. و فيه مع ان التقدم الذكرى لا يدلّ على ما ذكر يكون منقوضا بما في صحيحة معاوية بن عمار من تقديم صفة الاستحاضة على توصيف الحيض و قد مرت آنفا، اللهم الّا ان يقال بأن قاعدة الإمكان دليل على تقديم الحيض على فرض ان يقال انها تكون لأول الدمين لا آخرهما.

ثم انه على فرض عدم المعارضة و طولية الأمارتين لا يبقى مجال للبحث عن ان المعتبر الصفة الواحدة أو جميع الصفات من باب الخاصة المركبة.

[مسألة 13- ذكر بعض العلماء الرجوع الى الأقران مع فقد الأقارب]

مسألة 13- ذكر بعض العلماء الرجوع الى الأقران مع فقد الأقارب ثم الرجوع الى التخيير بين الاعداد و لا دليل عليه فترجع الى التخيير بعد فقد الأقارب.

[مسألة 14- المراد من الأقارب أعم من الابوينى و الابى أو الأمي فقط]

مسألة 14- المراد من الأقارب أعم من الابوينى و الابى أو الأمي فقط و لا يلزم في الرجوع إليهم حيوتهم.

[مسألة 15- في الموارد التي تتخير بين جعل الحيض أول الشهر أو غيره]

مسألة 15- في الموارد التي تتخير بين جعل الحيض أول الشهر أو غيره إذا عارضها زوجها و كان مختارها منافيا لحقه وجب عليها مراعاة حقه و كذا

23

في الأمة مع السيد و إذا و أرادت الاحتياط الاستحبابي فمنعها زوجها أو سيدها يجب تقديم حقها نعم ليس لهما منعها عن الاحتياط الوجوبي.

[مسألة 16- في كل مورد تحيضت من أخذ عادة أو تميز أو رجوع إلى الأقارب]

مسألة 16- في كل مورد تحيضت من أخذ عادة أو تميز أو رجوع إلى الأقارب أو الى التخيير بين الأعداد المذكورة فتبين بعد ذلك كونه خلاف الواقع يلزم عليها التدارك بالقضاء أو الإعادة.

[فصل في أحكام الحائض]

فصل في أحكام الحائض و هي أمور

[أحدها يحرم عليها العبادات المشروطة بالطهارة]

أحدها يحرم عليها العبادات المشروطة بالطهارة.

أقول ان الحرمة هنا يدل عليها الإجماع الذي حكاه جمع كثير بل في المنتهى «يحرم على الحائض الصلاة و الصوم و هو مذهب عامة أهل الإسلام» و عن شرح المفاتيح «انه ضروري» و يدلّ عليه النصوص الكثيرة المتفرقة في أبواب الحيض و العبادات المذكورة في المتن و هذا لا اشكال فيه في الجملة إنما الكلام في أنه هل تكون الحرمة ذاتية بمعنى أنها آثمة بفعلها أو ذاتية مع التشريعية بمعنى عدم الوقوع مع الإثم، أو تشريعية فقط، الأولى يستفاد من معاقد جملة من الإجماعات للتعبير بالحرمة فيها و الأخيرة يستفاد من معقد الإجماع المحكي عن المعتبر بقوله «لا ينعقد للحائض صلاة و لا صوم و عليه الإجماع» و الوسط يظهر من عبارة التحرير بقوله «يحرم على الحائض الصلاة و الصوم و لا ينعقدان لو فعلتهما».

فإن الظاهر من الحرمة الذاتية، و من عدم الانعقاد، التشريعيه. و ينبغي البحث هنا عن أمور: الأمر الأول في معنى النهي عن عبادة الحائض مع كونها عبادة فإنّ هنا اشكالا معروفا في النهي عن العبادة كما في الكفاية و سائر كتب الأصول و هو انه لا يتصور ان يكون العمل عبادة و مع ذلك يكون منهيا عنه فان مقوم العبادية وجود المصلحة المقربة للمولى ثم الأمر به فحيث لا تكون تلك المصلحة لا مقتضى للمحبوبية و المقربية و ان كانت موجودة لا وجه للنهى عنه فلا يتصور الجمع في مقام الجعل فضلا‌

24

عن الامتثال فوجه صاحب الكفاية النهي عن العبادة بأن العمل تارة يكون ذاته عبادة يتخذ منها عنوان الخضوع و الخشوع عرفا و هذا يسمى بعبادة ذاتية غير متوقفة على الأمر مثل الركوع و السجود فان صدق عنوان التعظيم بذلك في العرف واضح سواء كان مأمورا به أم لا و تارة يكون عباديته بواسطة الأمر بها فمقومها المصلحة ثم الأمر و ما لا يكون قابلا للنهى عنه هو الثاني لا الأول، و النهي عن الصلاة مثلا يكون من قبيل الأول لا الثاني و وجّه (قده) بعد الإشكال في القسم الثاني بأنه امّا ان تكون المصلحة فلا نهى، أو لا تكون فلا أمر، بأنه يمكن ان يقال بأن معنى النهي عنها هو انها لو كانت طاهرة لكانت عبادة فبهذا اللحاظ تكون عبادة منهية عنها.

و الجواب عن الوجه الأول هو ان العبادة الذاتية ان كان ملاك الخضوع فيها أقوى، لا وجه للنهى عما هو كذلك و ان كان الملاك مغلوبا لملاك النهي فلا عبادة له فإنه كيف يكون مقربا مع نداء المولى بأن هذا هتك لا عبادة و لا أقبله أصلا.

و اما عن الوجه الثاني فهو ان المراد ان يكون النهي عن صلاة الحائض و سائر عباداتها متصورا و اما الطاهر فلا يكون صلوته و غيرها منوطة بالحائض فإن موضوع الأمر غير موضوع النهي فان الفرض تصوير عبادية صلاة الحائض و عباداتها بعنوان انها كذلك، و العجب عن بعض المعاصرين حيث قال في العبادات الذاتية يكون النهي عن العبادة و اما في الطاهر و الحائض في ما لا يكون عبادة ذاتية يجب ان يلاحظ النهي عن هيئة العمل «و بالفارسية عن پيكرة العمل» و الأمر بها أيضا أي طبيعي الصلاة يكون النهي عنه و الأمر به مع ان النية (1) من مقومات العمل‌

____________

(1) أقول ما هو المطرح في كلمات الفقهاء القدماء دون المتأخرين من تقسيم الحرمة هنا هو ان الحرام التشريعي معناه عدم ترتب الأثر و الحرمة الذاتية هي كون عباداتها كسائر المحرمات مثل شرب الخمر، و بعضهم جمع في العبارة بين الحرمتين فانظر الى معاقد الإجماعات ترى صدق ما تقول، و اما الحرمة التشريعية بمعنى ان تجئ الحرمة من ناحية التشريع فهي تكون كبرى كلية لا يكون انطباقها على المقام لو فرض كون قصد المرأة التشريع الّا من باب انطباق الكلى على المصداق و لا يكون المقام بالخصوص محل بحثها.

25

و بها يتم صلاتية الصلاة و عباديتها.

ثم ان الحرمة التشريعية بمعنى التشريع في العبادات لا يتصور من مسلم معتقد بالدين فإن الحائض التي ترى نفسها بحيث يكون النهي متوجها إليها كيف يمكنها أن يأتي بالعمل بداعي الأمر الّا ان يكون إظهارها لاكتساب الدنيا مع عدم عقيدة لها بعملها كمن يكون مثلا رئيسا للبهائية يريد بإعماله الرئاسة و جمع الأموال مع علمه بأن اعماله باطل فالتشريع الذي هو حرام بعنوانه و يكون معناه إدخال ما ليس من الدين في الدين لا يكون هو الكذب بل هو شي‌ء آخر، و لا يتصور الا ان يرى المشرع نفسه نبيا يجعل الدين أو يرى قصورا في رسالة نبي فيتمه أو يرى تغيير المصلحة بتطور الأزمان مثل بعض من لا دراية له في زماننا و يقول بان الذبح في المني في اعمال الحج يكون مختصا بزمن الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و اما في زماننا هذا فحيث يضيع اللحوم لا يجب ان يكون هناك، بل يلزم ان يكون في بلد الحاج مثلا.

أقول اما العبادة الذاتية فلا تكون حيث ان الآتي بالصلاة مثلا لا يأتي بها كذلك عرفا بل يأتي بها بقصد ان تكون صلاة من حيث أنها مأمور بها عند الشارع و الّا فصرف الركوع و السجود لا يحسب عبادة عند اللّه تعالى فالقول بأنها عبادة و تجعلها صلة الى اللّه تعالى ممنوع فإنها بقصد الأمر تصير عبادة قابلة للصلة و حيث أن العبادية من ناحية الأمر أيضا غير ممكنة للنهى عن صلاة الحائض فعلا فلا بد ان يقال بأن النهي يكون عما يكون عبادة شأنية فعلية فإن شأن هذا العمل في غير هذا الحال هو العبادية فيكون النهي عنها بهذا اللحاظ.

و توهم انها في هذا الحال يكون مثل شرب الخمر ممنوع ضرورة ان الركوع و السجود و سائر الأفعال مع قطع النظر عن سائر الجهات لا يكون الا مباحا و اما الحرمة من ناحية التشريع فلم يتصور الا بالتسامح عند العوام كمن يعلم ان شرطا ما من‌

26

الشروط معدوم و لكن مع ذلك أيضا يقدم على العمل بخيال وقوعه و هو ليس تشريعا.

ثم انه على فرض كون الحرمة ذاتية لا يثبت الفساد بها لأنها يمكن ان تكون مثل البيع وقت النداء حراما و صحيحا من حيث عدم الاحتياج إلى الإعادة و القضاء اللهم الّا ان يقال انها فاقده للشرط فان قوله (عليه السلام) «لا صلاة إلّا بطهور» يكون شاملا لها من حيث ان المفروض أنها حائض لا طاهر فيكون الفساد من هذا الباب.

الأمر الثاني في ثمرة البحث عن ان الحرمة ذاتية أو تشريعية فقيل في المقام ان الاحتياط بجميع الجهات أو بعضها لا يمكن بالنسبة إلى الحرمة الذاتية فيما إذا كان الأمر دائرا بين كونه الدم حيضا أو استحاضة فإن إتيان الصلاة يدور امره بين ان يكون حراما أو واجبا فيكون من دوران الأمر بين المحذورين و لا يمكن الإتيان بها رجاء بنحو الصلة أو الإطاعة و اما إذا كانت تشريعية فيمكن الاحتياط لعدم التشريع غالبا (1).

و قد أشكل أولا عليه بان الحرمة الذاتية ملازمة للحرمة التشريعية و لا يمكن التفكيك، و بعبارة أخرى الأمر يدور بين عدم الحرمة رأسا و الحرمة تشريعا لأن الحائض اما ان تقصد في صلاتها الأمر أو لا تقصد شيئا منهما فعلى الأول يتحقق التشريع و على الثاني تنتفي الحرمة رأسا فلا حرمة حينئذ أصلا، لا ذاتا و لا تشريعا حيث لم تقصد امرا و لا ملاكا. و فيه ان كلامهم (قدس سرهم) يكون من جهة كون العبادة ذاتية‌

____________

(1) أقول لم يذكر (مد ظله) في الدرس الا هذه الثمرة و لكن في جزوته ثمرة ثانية و في الواقع يكون هو الذي في المستمسك من بيان الثمرتين فليرجع إليه (في ص 306 ج 3 طبع 3) و اما ما في الجزوه فهو ان صلاة الحائض حرام لو أتت بداعي أنها عبادة ذاتية و اما على الحرمة تشريعا فلا يكون حراما إذا التشريع لا يتحقق الّا بقصد الأمر و المفروض عدمه فلا تشريع. و فيه أولا ما عرفت من ان التشريع ليس الإتيان بعمل بدعوة الأمر بل لا بد ان يكون بأحد الوجوه المتقدمة المنتفية في مثل الحائض و ثانيا لا يمكن الإتيان بها بداعي انها عبادة ذاتية لمغلوبية الملاك في الفرض فكيف يكون عباديتها الذاتية داعية و محركة نحو العمل.

27

لا من جهة الأمر فالحرمة الذاتية عندهم تتصور حيث تتصور عبادة ذاتية و من المعلوم ان العبادة الذاتية لا تحتاج في عباديتها إلى شي‌ء من الأمر أو الملاك بل تتحقق بمجرد الصلة و الانتساب فإذا نهى عنها تصير حراما ذاتا بلا احتياج الى صدق عنوان التشريع معه فلا يجوز إيجادها مع الانتساب و ان لم يقصد أمر و لا ملاك.

و ثانيا عن المحقق الخراساني (قده) و حاصله انه قائل بحسن الاحتياط حتى على الحرمة الذاتية بل استحبابه بمقتضى الأصل و هذه عبارته في رسالة الدماء (ص 63 و 62) «قيل و انما تظهر الثمرة في حسن الاحتياط عند الشك في الحيض مع عدم أصل أو عموم يرجع إليه فإن قلنا بالحرمة الذاتية لم يحسن بها الاحتياط سيما بفعل المندوبة، قلت احتمال الحرمة الذاتية لها إذا كانت قضية الأصل عقلا و نقلا الأمن من تبعة مخالفتها لا يكاد يضر بحسن الاحتياط بإتيانها باحتمال الوجوب بل باحتمال الاستحباب أيضا فتستحق بذلك ثواب الإطاعة أو الانقياد غاية الأمر كان مع هذا الاحتمال احتمال عدم الإتيان باحتمال الحرمة أيضا من الاحتياط».

و فيه انه ان كان المراد بالأصل استصحاب عدم الحيض أو استصحاب الحيض فلا يكون المقام منه و ليست المرأة متحيرة عليه، و ان كان من باب أصالة عدم الحرمة الذاتية فمعارضة بأصالة عدم الحرمة التشريعية فإنهما متباينان، و ان كان مراده التخيير بين كون الحرمة ذاتية أو تشريعية فلا ربط له بالاحتياط بل تعمل على ما اختارته و ان كان مراده إمكان الاحتياط ببعض الجهات دون بعض فالتخيير هنا عقلي لا يحتاج الى الاحتياط (1).

____________

(1) أقول و على اللّه التوفيق ان الحرمة التشريعية بمعنى ان التشريع حرام في المقام لا يستفاد من معاقد الإجماعات كما مر ذكره بل يفهم منها كما هو التحقيق ان صلاة الحائض إما تكون لغوا أو تكون حراما ذاتا فان استفدنا الحرمة الذاتية لا يمكن الاحتياط بوجه و اما ان استفدنا عدم ترتب الأثر من الروايات بمعنى لغويته فيمكن الاحتياط و ما ذكره في المستمسك من الثمرتين و هكذا شيخنا الأستاذ مد ظله تبعا لمثل الشيخ في أصل بيان الحرمة و الإيرادات فلا يخلو عن نحو اعوجاج فإن الثمرة عندنا اثنان و هو انه في صورة احتمال الاستحاضة تأتى بالصلاة رجاء على فرض عدم ترتب الأثر فإن كان في الواقع حائضا يكون عمله لغوا و يكون له ثواب الانقياد و ان كانت مستحاضة فتصح صلوتها و كذا حرمة العمل في صورة العلم بالحيضية و عدم حرمته، و لكن مع ما ذهب اليه يشكل عليهم إثباتها و قد ذكر الأستاذ ثمرة واحدة في الدرس كما مر و ثمرة أخرى في جزوته و لكن بعد المراجعة اليه و الاشكال لم يثبت التعدد و قال بعدم الفرق بينهما و اما اشكاله بأن الحرمة الذاتية ملازمة للحرمة التشريعية بالبيان السابق ففيه ان عدم انفكاك الصلاة عن العبادية بالمعنى الذي يكون مقصود الآتي بها الأمر، يكون تشريعا لا محالة و الّا فلا تكون عبادة فإن الحرمة الذاتية ليس معناها التشريع حتى يقال انها ملازم له و لا ملازمة بينهما بمعناه الواقعي أصلا فإن المشرع ربما يشرع فيما لا حرمة له ذاتا و ماله حرمة ذاتا ربما لا يكون فيه التشريع.

و جوابه مد ظله عنه بأن الحرمة الذاتية تتصور حيث تتصور عبادة ذاتية غير تام فإن العبادة و لو لم تكن ذاتا عبادة مثل الصوم أيضا يأتي فيها الكلام عن الحرمة الذاتية و التشريعية.

و اما كلام المحقق الخراساني ففي غاية المتانة على المعنى الذي نقول من ان الحرمة التشريعية معناها عدم ترتب الأثر و إشكالات شيخنا عليه لا يتم فأن مراده قده من الأصل لا يكون استصحاب الحيض و لا غيره بل مراده أصالة البراءة عن الحرمة الذاتية و اشكاله عليه بالمعارضة بأصالة عدم الحرمة التشريعية لا معنى له لأن المشرع لا يحتاج الى الأصل بل اما هو مشرع فيعلم حاله و اما لا يكون مشرعا فلا حرمة أصلا من هذه الجهة، و هكذا لو كان الحرمة بمعنى عدم ترتب الأثر فإنه لا شك في عدم ترتب الأثر في صورة العلم بالحيضية و في صورة دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة فحيث انه إرشاد إلى الفساد لا يكون حكما حتى يرفع بأصالة البراءة، و لكن مراده هو المعارضة بالحرمة التشريعية بالمعنى الذي عنده و هو عدم تماميته واضح، لو كان لك تأمل في الثاني من المعنيين من جهة المعارضة و لا نكون بصدد زيادة بيان فان المطلب واضح و كلامه قده يكون في صورة احتمال الحرمة الذاتية و عدم استفادة شي‌ء من الأدلة و هذا قد مر منه مد ظله فيما سبق عن شيخه العلامة العراقي.

و من الشواهد على عدم سلاسة تعبيرهم في الحرمة التشريعية هو ان صاحب المستمسك (قده) بخصوصه في المقامات التي تريد الحائض الاحتياط فيما مر من المسائل قال بإمكانه و هنا رد الثمرة بكلا شقيه و لا ادرى كيف جعل (قده) الثمرة الأولى عنده ثمرة الحرمة الذاتية و التشريعية فيا ليته جعله ثمرة للتشريع و عدمه و مع ذلك كله لعل في أذهانهم الشريفة شيئا يقصر فهمنا عن البلوغ اليه و اللّه المؤيد.

28

الأمر الثالث في استظهار الحرمة الذاتية أو التشريعية من الروايات و الحق عدم الحرمة الذاتية بل هي تشريعية بمعنى عدم ترتب الأثر فإنه قد استدل للحرمة الذاتية بما ورد في الروايات من التعبير ب‍ «تحرم» و «لا يجوز» و «لا تحل» (في الوسائل باب 27 من الحيض ح 7 و في 30 ح 14 و في 51 ح 2 و في 39 ح 1) و انى لا أقول بعدم ظهور الروايات في ذلك و لا أقول أن النهي إرشاد إلى الفساد كما ان النهي عن الأجزاء إرشاد إلى المانعية لأن النهي هنا يكون عن طبيعي العمل لا جزئه بل أقول حيث أنه ثبت لنا من الخارج انه لا صلاة إلّا بطهور نستفيد ان الحائض حيث لا تكون واجدة للشرط فصلوتها باطلة فيكون في الواقع إرشادا الى عدم الانعقاد.

29

و يؤيد ما نقول رواية فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في باب 39 من أبواب الحيض ح 2 قال إذا حاضت المرأة فلا تصوم و لا تصلى لأنها في حد نجاسة فأحب اللّه ان لا يعبد الّا طاهرا و لأنه لا صوم لمن لا صلاة له.

فان القوم استدلوا بهذه الرواية للحرمة الذاتية من جهة كون الظاهر منها ان النجس يحرم عليها الصلاة و لكن الظاهر عندي هو عدم محبوبية الصلاة من باب عدم الانعقاد لفقد الشرط و هو الطهارة.

الدليل الثاني من الروايات ما ورد في الاستظهار فيمن استمر دمها بيوم أو يومين فإن الأمر بترك العبادة حينئذ يكون شاهدا على الحرمة الذاتية و الّا فلو كانت الحرمة تشريعية فالاحتياط يكون في فعلها لا تركها لأنها لو كانت حائضا فكان عملها لغوا و ان كانت طاهرة فتجب عليها الصلاة.

و الجواب عنها أولا هو ان الاحتياط و ان كان بالترك لكنه ليس من باب الحرمة الذاتية بل من باب ان اليوم و اليومين بعد أيام العادة يحسب عرفا و فطرة منها، و لقاعدة‌

30

الإمكان و الاستصحاب و استظهر المحقق الهمداني (قده) ان الاحتياط في المقام يكون من باب عدم وجود الاستصحاب و القاعدة.

و فيه انه على فرض عدمهما فلأي جهة يجب الاحتياط كذلك بترك العبادة.

و ثانيا ان ترك العبادة لا يكون احتياطا من جميع الجهات فإن الصلاة تجب عليها لو كانت في الواقع طاهرا و ان كان مثل دخول المسجد حيث لا يجب عليها مما يمكن الاحتياط بتركه.

و ادعاء ان ترك المفسدة أولى من جلب المنفعة كما هو محرر في الأصول ممنوع جدّا حيث ان هذا يدور مدار المصلحة فربما يكون مصلحة الصلاة التي هي قوام الدين و ركنه أقوى مفسدة إتيانها حال الحيض و هكذا نقول في جميع المقامات كما قلناه في الأصول.

و الدليل الثالث من الروايات رواية خلف بن حماد (في الوسائل باب 2 من الحيض ح 1) في اشتباه الحيض بالعذرة و فيها «فلتتق اللّه ان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة» الى ان قال «و ان كان من العذرة فلتتق اللّه و لتوضأ» و تقريب الاستدلال على الحرمة الذاتية بأن يقال انه لو لا ذلك ما كان معنا للتشديد عليه بالاتقاء في صورة كونها حائضا فإن معنى ذلك هو عدم جواز الصلاة في هذا الحال، و قال المحقق الهمداني في مقام ردّ هذا الاستدلال بأنه (عليه السلام) يقول بهذه المقالة في مقابل العامة حيث قالوا بأن المرأة تصلى في هذا الحال فأن كان الدم من العذرة فقد فعلت ما هو وظيفتها و ان كان من غيرها فيكون عملها لغوا فإنه (عليه السلام) يقول بأن الفحص واجب ليظهر الحال و قال بعض العلماء أيضا بأن المراد بالاتقاء هو الاحتياط بوضع القطنة ليظهر الحال و وجوب اعمال الأمارة للحيض أو العذرة و لا يكون معناه الاحتياط المطلق حتى يلزمه القول بالحرمة الذاتية.

و الدليل الرابع من الروايات رواية مسعدة بن صدقة (في باب 2 من أبواب الوضوء ح 1) «أن قائلا قال لجعفر بن محمد (عليهما السلام) جعلت فداك إني أمرّ بقوم ناصبية‌

31

و قد أقيمت لهم الصلاة و أنا على غير وضوء فأن لم ادخل معهم في الصلاة قالوا ما شاؤا ان يقولوا أ فأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت و أصلي؟ فقال جعفر بن محمد (عليه السلام) سبحان اللّه أ فما يخاف من يصلى من غير وضوء ان يأخذه الأرض خسفا.

و تقريب الاستدلال هو انه لو لا الحرمة الذاتية فلا وجه لخسف الأرض لمن يصلى بدون الطهور و منه الصلاة في حال الحيض. و أجيب بأن موردها يكون التقية اى انه (عليه السلام) قال بهذا القول خوفا منهم فلا يعمل عليها في موردها. و فيه ان التقية هنا في غير محله حيث انه لو توضأ و صلى معهم ما كان عليه خوف فإنهم يريدون منه الصلاة مع الوضوء لا بدونه فالحق ان الرواية يكون في مقام بيان حكم أخلاقي و هو ان الصلاة بدون الوضوء حيث يكون لغوا و المؤمن لا يلعب بالتكاليف، قال بأن الصلاة يلزم ان يكون مع الوضوء، لا انه لو فعل كان حراما ذاتيا حتى يقاس به الحيض.

فتحصل انه لا وجه للحرمة الذاتية بل هي التشريعية لو كان التشريع و الّا فلا حرمة أصلا وفاقا للمحقق الخراساني و مع الشك في ذلك فالأصل يقتضي البراءة عن الحرمة الذاتية.

[الثاني يحرم عليها مس اسم اللّه تعالى و صفاته الخاصة]

قوله الثاني يحرم عليها مس اسم اللّه تعالى و صفاته الخاصة بل غيرها إذا كان المراد بها هو اللّه.

أقول هذا قد مر في أحكام الجنب شرحه و لكن لا بأس بالإشارة إليه هنا أيضا اما مس كتاب اللّه تعالى فيكون عليه الإجماع صريحا و اما اسم اللّه تعالى فمن لا شك له في حرمة مسه في الجنب يكون له التشكيك هنا فضلا عمن يكون فيه التشكيك في الجنب و لكن لا وجه للترديد هنا فان اسم اللّه تعالى أيضا من القرآن فإنه مشتمل عليه.

فان قلت قصد القرآنية يوجب ان يصير المكتوب قرآنا لا مطلق الكتابة. قلت اسم اللّه تعالى لا يحتاج الى القصد في صيرورته قرآنا على انه نعلم انه لا يكون حرمة مس كتاب اللّه صرف التعبد بل يكون للتعظيم و هو لازم بالنسبة الى ذلك بالأولوية و هل يشك أحد في ان يكون مس بعض الأسماء من الموجودات الدانية في القرآن‌

32

حراما، و اما مس اسم اللّه في غيره فيكون غير حرام مضافا بأنه قد مر انه لا يجوز المس بدون الوضوء فان الحدث الأصغر إذا كان سببا لحرمة المس فكيف ظنّك بالأكبر فإن الحرمة فيه أقوى لملاك التعظيم و يؤيد ما ذكر برواية سعيد بن يسار (في باب 22 من الحيض ح 2) قال قلت لأبي عبد اللّه المرأة ترى الدم و هي جنب أ تغتسل عن الجنابة أو غسل الجنابة و الحيض واحد فقال قد أتاها ما هو أعظم من ذلك.

بتقريب ان يقال الحيض أعظم من الجنابة من حيث الحكم فكما لا يجوز المسّ في الجنب لا يجوز هنا أيضا و ان قيل بضعف الرواية.

و بما في صحيح ابن فرقد (في باب 37 من الحيض ح 1) عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن التعويذ يعلق على الحائض قال: نعم لا بأس و قال تقرأه و تكتبه و لا تصيبه يدها.

بتقريب ان التعويذ حيث يكون فيه اسم اللّه تعالى أيضا لا يجوز مسه لا انه يختص عدم الجواز بالتعويذ فقط بل في كل مورد، و لا يكون المراد عدم جواز مس أطرافه بتناسب الحكم و الموضوع و كيف كان فعدم الجواز أقوى، و اما أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) فحيث يكونون من مظاهرة التامة فمس أسمائهم يكون مثل مس اسمه تعالى و ان كل شي‌ء و ان كان مظهرا له تعالى بوجه و لكن بين المظاهر بون بعيد:

صد هزاران جان و دل تاراج رفت * * *تا محمد (صلى اللّه عليه و آله) يك شبى معراج

رفت

فإنه يكون فرق واضح بين ان يكون موجود صدر الموجودات أو في صف نعالها و هذا كله مر في الجنابة أيضا.

[الثالث قراءة آيات السجدة]

قوله: الثالث قراءة آيات السجدة بل سورها على الأحوط (1).

أقول لما مر من الروايات المشتركة في باب الجنابة عن محمد بن مسلم‌

____________

(1) أقول مر منه (قده) في الجنابة ان الأقوى الاختصاص بالآية و هو مناف لاحتياطه المطلق هنا الّا ان يجمع بين كلاميه بأن هذا احتياط مستحب و مرّ منا هناك عدم الاختصاص و البابان واحد.

33

و غيره و للإجماع في الآية و اما السورة فادعاء شمول لفظ السجدة لها بان يكون موضوعا لهما أو لها بالخصوص لا يتم عندنا فإنه اما ان يكون للإجماع و هو غير معلوم و اما لقرينة خفيت علينا و لو كانت ظاهرة لعلها لا يفيدنا شيئا و كيف كان فالاحتياط المطلق في عدم جواز مسها أيضا.

[الرابع اللبث في المساجد]

قوله: الرابع اللبث في المساجد

[الخامس وضع شي‌ء فيها]

و الخامس وضع شي‌ء فيها إذا استلزم الدخول.

أقول انه لا يحتاج الى مزيد بيان بعد ما مر من الدليل المشترك في الجنابة.

[السادس: الاجتياز من المسجدين]

قوله السادس: الاجتياز من المسجدين و المشاهد المشرفة كسائر المساجد (1).

____________

(1) قول المصنف و إذا حاضت في المسجدين يتيمم و تخرج- أقول قد مر شرحه عن الأستاذ في باب الجنابة و ذيلنا هناك بما حاصله هو ان الحق مع الماتن و ما عن بعض الأساطين في حاشيته من عدم المشروعية غير مقبول لأن الرواية الواردة هنا في الكافي مع هذا الذيل يحتمل ان تكون هي الرواية التي بدون الذيل مع اضبطية الكافي و مع ضعف الرواية أيضا و لو قلنا بعدم استفادة الاستحباب من أدلة التسامح في السنن لا أقل من استفادة أصل المشروعية و الإتيان برجاء الواقع مع عدم كون التيمم حراما ذاتيا و حيث ان التيمم يوجب تخفيف الحدث و لو لم يوجب الطهارة كما في تيمم الجنب للأكل مثلا عند عدم وجدان الماء للوضوء أو نفس الوضوء بالنسبة إليه، لا بعد في القول بوجوب التيمم للحائض و لو في حال الحيض هنا مع فتوى عدة من الأعلام بالوجوب مع انه لا يكون لهم متمسك الّا هذه الرواية.

و كيف كان فالقول بعدم الوجوب دونه خرط القتاد فضلا عن الإشكال في المشروعية، و فيما سبق زيادة توضيح فليرجع اليه.

قوله في مسألة 2 و يجب عليها سجدة التلاوة- أقول: في صورة الاستماع يكون وجوبها لغير الحائض اتفاقيا و اما في صورة السماع ففيه بحث في باب الصلاة و عدة من الأصحاب منهم ابن إدريس على ما حكى على الوجوب و عدة اخرى مثل الشيخ على عدم الوجوب و الأشهر الأول و اما في الحائض فالروايات مختلفة لا يخلو القول بالاستحباب جمعا بين ما دل على الوجوب و عدمه، خاليا عن الوجه في صورة الاستماع و اما في صورة السماع فمتوقف على القول بوجوبها مطلقا و كيف كان فالاحتياط إتيانها سمعت أو استمعت و الأقوى الوجوب بالسماع في غيرها.

34

أقول هذا و ان كان مما مر بيانه و لكن لا بأس بالإشارة إليه هنا لزيادة بيان فنقول اما المسجدان فقد مر حكمهما، و اما المشاهد المشرفة ففيه أقوال ثلاثة الأول ان يكون حكمها حكم المسجدين كما عن صاحب الجواهر في نجاة العباد و كذا عن النائيني (قده) و الثاني ان يكون حكمه حكم سائر المساجد. و الثالث ان يكون الرواق أو الصحن أيضا داخلا في الحكم كما عن النائيني في مقابل القول بان الحكم مختص بنفس المشهد.

اما الدليل على الأول فلأن ملاك الأعظمية و الاشرفية ليس هو البناء المزين مع سرج عديدة بل ما ورد في الروايات من الفضائل و نحن حيث راجعنا الى روايات شرف حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) نرى انه أشرف من حيث ثواب الصلاة فيه فكيف لا يكون مثل المسجدين و هكذا غيره، لعدم الفرق بينهم (عليهم السلام) فإنهم نور واحد:

و اما سند الثاني فهو ان النص يكون فيهما فقط و الإلحاق مشكل بل لا يلحق الّا بالمساجد.

و سند الثالث هذا مع ان الملاك التعظيم فقد قبل ان بعض الأعاظم في الصحن المطهر أيضا يخلع نعله و يمشى حافيا للاحترام (1) و اما ما ورد من الرواية بأن هذا الحكم يستفاد من الرواية في ان الدخول في بيوتهم حيث كان حراما بدون الطهارة و انهم لا فرق بين حيوتهم و مماتهم فلا يجوز في حرمهم أيضا فمنقوض في‌

____________

(1) هذا و ان كان حسنا و ينبأ عن شدة الربط بهم (عليهم السلام) و لكن كونه الدليل على وجوبه و ترتيب آثار المشاهد من عدم دخول الحائض ممنوع و اما أصل الإلحاق فهو قوى جدا.

35

محله حيث انهم (عليهم السلام) كانت إمائهم عندهم بعد المواقعة معهن و لم يخرجوهن من البيت و لكن يمكن الجواب عن هذا النقض بأنه فرق بين الزوجة و الخادمة و غيرهن فان كونهن عندهم كذلك لا يكون هتكا بخلاف غيرهن و لكن يمكن التأمل من جهة ان التشريفات الخاصة التي تكون لحرمهم الشريف لم يكن في حال حيوتهم و يمكن ان يكون من مختصات حال موتهم (عليهم السلام) كما انه يكون هذا الفرق في العرف أيضا و كيف كان الأحكام المشتركة حيث قد مرت في الجنابة لا تكون في صدد مزيد بيان هنا، كما أن الفقهاء حولوا بيان المقام الى هناك فاللازم البحث عن مختصاتها من الوطي و غيره.

[مسألة 1- إذا حاضت في أثناء الصلاة و لو قبل السّلام بطلت]

مسألة 1- إذا حاضت في أثناء الصلاة و لو قبل السّلام بطلت و ان شكت في ذلك صحت فان تبين بعد ذلك ينكشف بطلانها و لا يجب عليها الفحص و كذا الكلام في سائر مبطلات الصلاة.

[مسألة 2- يجوز للحائض سجدة الشكر]

مسألة 2- يجوز للحائض سجدة الشكر و يجب عليها سجدة التلاوة (1) إذا استمعت بل أو سمعت آيتها و يجوز لها اجتياز غير المسجدين لكن يكره و كذا يجوز لها اجتياز المشاهد المشرفة.

[مسألة 3- لا يجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز]

مسألة 3- لا يجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز بل معه أيضا في صورة استلزام تلويثها.

أقول شرح هذه المسائل يتضح مما مر.

[السابع وطئها في القبل]

قوله: السابع وطئها في القبل حتى بإدخال الحشفة من غير إنزال بل بعضها على الأحوط و يحرم عليها أيضا.

أقول اما أصل الوطي فحرام بالإجماع و بالضرورة من الدين و بالآية و الرواية و مع وجود الآية و الرواية لم أر من اعتنى بالإجماع في الفقه مثل اعتناء صاحب المدارك فإنه قال بما حاصله ان منكر هذا الحكم يكون منكر ضروري الدين و هو‌

____________

(1) مرّت التعليقة في ذيل صفحة 33.

36

كافر و يوجب فسق العامل به.

و قد أشكل على كونه ضروريا بان المقام مما دل الدليل على حرمته و ليس كل ما كان كذلك من الضروريات بل يلزم ان يعلمه كل احد حتى يصير ضروريا و فيه ان مدار إنكار الضروري الذي يجب به الحكم بالكفر هو ان يرجع الى إنكار النبوة و الرسالة بحيث لو التفت بهذا و أنكر يصير كافرا لإنكاره أصول الدين، و اما المراد بالضروري ففي كل شي‌ء يكون بحسب خبرة ذلك الفن فإنه ليس معنى ضروري الدين ان يعلمه علماء الفيزيك و الشيمى بل المدار على انه لو سئل علماء الإسلام أو يرجع الى كلماتهم مثل الشيخ و العلامة و غيرهم يكون ضروريا عندهم و ممّا لا شبهة فيه لأحدهم.

و أشكل على كونه موجبا للفسق بأنه يحصل تلك الصفة بواسطة إتيان الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة و المراد بالكبيرة هو ما يكون موعودا عليه بالنار لفاعله و الوطي لا يكون كذلك و الدفعة الواحدة لا تصدق عليها الإصرار فلا يوجب الفسق. و الجواب عنه هو ان العدالة ملكة في النفس و بواسطة إتيان ما هو منهي عنه يخرج عن الجادة المستقيمة موقتا فان تاب رجع الى حاله الأول و الّا فيكون الانحراف باقيا و اما ما ذكر من انه لم يوعد بالنار بالنسبة الى من فعل ذلك فجوابه انه ورد في الروايات ان الكبيرة ما يوعد عليها بالجزاء لا بالنار و الفاعل هنا يكون جزائه التعزير و الكفارة في الدنيا و العذاب في الآخرة.

قوله: و يجوز الاستمتاع بغير الوطي من التقبيل و التفخيذ و الضم نعم يكره الاستمتاع بما بين السرّة و الركبة منها بالمباشرة و اما فوق اللباس فلا بأس و اما الوطي في دبرها فجوازه محل اشكال (1) و إذا خرج دمها من غير الفرج فوجوب الاجتناب عنه غير معلوم بل الأقوى عدمه إذا كان من غير الدبر نعم لا يجوز الوطي في فرجها الخالي عن الدم حينئذ.

أقول ان هنا ثلاث مطالب الأول الاستمتاع بالفرج مع الإدخال و لو ببعض‌

____________

(1) بل هو حرام

37

الحشفة. و الثاني الاستمتاع بغير الدخول من السرّة إلى الركبة و لو بالفرج بغير الإدخال بالآلة أو غيرها بدون الانزال و بدون الوطي في الدبر. الثالث الاستمتاع بالإنزال و الوطي في الدبر.

أما المطلب الأول فالاستمتاع بالفرج بالإدخال و لو ببعض الحشفة و لو لم يوجب الجنابة من غير إنزال و الغسل فيكون عليه الإجماع اما أصل الإدخال في الجملة فلا كلام فيه و اما إدخال بعض الحشفة فأيضا كذلك و يدل عليه الروايات أيضا و لا يكون المقام مقام البحث عن حصول الجنابة و عدمه حتى يقال بأن إدخال أقل من الحشفة لا يوجبها و لكن يكون حكما خاصا بالنسبة إلى الحائض.

و الروايات على طوائف ثلاث الاولى ما يكون فيها التعبير بالايطاء و الغشي (في باب 24 من الحيض) و الثانية ما يكون التعبير فيها بالإيقاب (في باب 25 من الحيض) الثالثة (في باب 25) ما دلت على ان الاستمتاع بالفرج مطلقا سيما بالآلة حرام و لو قيل بانصراف الطائفتين الى الإدخال.

أما الطائفة الأولى فمنها (ح 1) ما عن معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) «لا يقربها بعلها» و في ح 2 «لا بأس ان يأتيها بعلها إذا شاء الّا أيام حيضها فيعتزلها زوجها» و في ح 4 قال النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «من جامع امرأته و هي حائض فلا يلومن الا نفسه» و في ح 10 «انه كره للرجل أن يغشى امرأته و هي حائض إلخ» و تقريب الاستدلال بان يقال ان القرب و الغشي و الاعتزال مطلقات تشمل الوطي بدخول الحشفة أو بعضها و تشمل مطلق الاستمتاع و ادعاء الانصراف إلى الوطي لا وجه له كما ان الإرشاد إلى انه لا يفعل كذلك ليقع في فعل الوطي أيضا خلاف الظاهر.

اما روايات الطائفة الثانية و الثالثة فمنها (ح 1) عن عبد الملك بن عمرو قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ما لصاحب المرأة الحائض منها، فقال كل شي‌ء ما عدا القبل منها بعينه. و في ح 2 «ما يحل لزوجها منها قال ما دون الفرج» و مثله ح 3 و في ح 4 «كل شي‌ء غير الفرج (ثم قال) إنما المرأة لعبة الرجل» و في ح 5 قال «إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم» و في ح 6 «في الرجل يأتي المرأة‌

38

فيما دون الفرج و هي حائض قال لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع» و في ح 7 «و من حملت امّه به و هي حائض» و هذه من الروايات من الطائفة الثالثة- و اما رواية الطائفة الثانية ففي ح 8 «ما بين أليتيها و لا يوقب» و تقريب الاستدلال انه لا يجوز للرجل أن يأتي فرج المرأة في حال الحيض فإنه يجب ان يجتنب عنها مطلقا سواء كان بإدخال الحشفة كلها أو بعضها سواء كان مع الدخول أو لم يكن أصلا بالآلة أو غيرها حتى يستفاد من إطلاقها أن المماسة باليد أيضا حرام (1) لأنها تنافي النهي و لو قيل بأن الروايات الطائفة الأولى منصرفة إلى الوطي فقط فهذه مما لا شبهة في شمولها لمطلق الاستمتاع و دعوى الانصراف إلى الوطي ممنوع جدا و كذلك دعوى الإرشاد إلى أنه يتقى موضع الدم لئلا يقع في الكثافات و الميكربات خصوصا بقرينة كراهة الأكل معها أيضا أو الإرشاد إلى أنه يتقى الفرج لئلا يؤل الأمر إلى الإدخال أيضا ممنوع فإنه (عليه السلام) يكون في مقام بيان الحكم الشرعي.

فالتحقيق أن الاستمتاع بالفرج و لو لم يكن بالآلة حرام و ما دلّ على جواز الاستمتاع بما بين السرة و الركبة لا يشمل الفرج و الفقهاء أيضا و ان لم يصرحوا بعدم الجواز و لكن لم يصرّحوا بالجواز أيضا فإن عبارتهم تدل على جواز الاستمتاع بما بين السرة و الركبة و لا تدل على جواز الاستمتاع بالفرج بخصوصها حتى يقال يكون الإجماع على الجواز هذا كله في المطلب الأول.

____________

(1) أقول يستفاد من رواية 8 في الطائفة الثانية من قوله (عليه السلام) «ما بين أليتيها و لا يوقب» ان الحرام هو الإيقاب على ان الوضع فيما بين الأليتين يلازم وصول الذكر الى الفرج و على فرض عدم قبول الملازمة فقوله (عليه السلام) لا يوقب صريح في ان الحرام هو الإيقاب لا غيره فالمماسة بالذكر أيضا لا تكون حراما فضلا عن اليد، نعم من يعلم بأنه يحصل الإيقاب بمجرد الوضع حوالي الفرج يحرم عليه من باب أنه مقدمة موصلة إلى الحرام في خصوص الذكر و لم يقل بالحرمة أحد من العلماء سوى شيخنا مد ظله و يدعى أنهم لم يذكر و الجواز بالنسبة إلى الفرج صريحا و قد أوردنا عليه بما ذكرنا و لم يأتنا بالجواب المقنع بل أنكر الملازمة و مر انه مع إنكارها نتمسك بقوله (عليه السلام) «لا يوقب» و هذا يؤيد بادعاء الانصراف و الإرشاد.

39

و اما المطلب الثاني و هو جواز الاستمتاع بما بين السرّة و الركبة بغير الإنزال و غير الوطي في الدبر فيدل عليه الروايات التي مرت في باب 25 من الحيض خصوصا في بعضها التعبير «بكل شي‌ء دون الفرج» و التعبير «بأن المرأة لعبة الرجل» في بعضها الآخر، و لا مخالف له الّا السيد المرتضى و الأردبيلي (قدس سرهم)ا) و قالوا بجواز ذلك من فوق الإزار و السند لهما آية «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ» و آية «لٰا تَقْرَبُوهُنَّ» فأن الاعتزال و عدم القرب منهن يدلّ على عدم جوازه. و فيه انها مخصصة بالروايات و الدليل الثاني هو الرواية في باب 26 من الحيض عن عبيد اللّه بن على الحلبي انه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض و ما يحلّ لزوجها منها قال تتزر بإزار إلى الركبتين و تخرج سرّتها ثم له ما فوق الإزار، و ذكر عن أبيه ان ميمونة كانت تقول أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يأمرني إذا كنت حائضا أن أتزر يثوب ثم اضطجع معه في الفراش و الجواب عنها أنها تكون لحكم أخلاقي و هو أن الاجتناب عن كثافات الحيض يقتضي ذلك خصوصا إذا كان فعل النبي (صلى اللّه عليه و آله) ذلك فإنه (صلى اللّه عليه و آله) يجتنب عن كل ما فيه حزازة و لو سلمنا دلالتها فهي ظاهرة، و روايات الطائفة الثالثة في باب 25 من الحيض ناصة بأن ما دون الفرج يجوز الاستمتاع به و الجمع العرفي يقتضي القول بالكراهة مضافا باعراض المشهور عن هذه مع موافقتها للعامة حيث قالوا بالحرمة بدون الإزار.

أمّا المطلب الثالث و هو الاستمتاع بالإنزال و الوطي في الدبر، امّا الأول فلو قلنا بجواز استمناء المرء بفخذ المرأة و أليتيها و هكذا بيدها خلافا للشهيد القائل بعدم جوازه بخصوص اليد فلا شبهة في جوازه هنا أيضا و هكذا لو قلنا بأن الوطي في دبر المرأة في حال الطهر جائز، ثم لا يخفى عليكم قبل بيان ما ذكرناه ان هنا نكتة قد أشرنا إليها فيها سبق و هي ان جواز النكاح لا يكون على التحقيق تعبدا محضا بل يكون مثل سائر المعاملات الدارجة بين الناس استمتاعا في مقابل الاستمتاع و يكون الدليل الشرعي إمضاء لما هو بناء العقلاء فيجب في حدّه ان ينظر ما هو الدارج بينهم فكل ما هو غير شئون الاستمتاع لا يكون لأحد أن يتصرف فيه بغير الإذن الشخصي فيما يصلح‌

40

أمره بالإذن و حيث ان العقلاء لا يرون الوطي في الدبر من شئون الاستمتاع إذا لم تكن راضية بذلك ليس للمرء حقّ التصرف فيه من هذه الجهة أي الوطي و امّا التصرف بعنوان آخر مثل إدخال إصبعه مثلا فهو أيضا يحتاج الى دليل خاص.

فإذا عرفت هذا فاعلم انّ ما هو المشهور من جواز الوطي في الدبر في الزوجة للزوج موهون لأن الرجل ليس له حق الاستمتاع كذلك لما ذكرناه و لا دليل على جواز التصرف بغير الوطي و لا فرق بين حال الطهر و الحيض.

ثم لو فرضنا الجواز في حال الطهر ففي حال الحيض لا دليل لنا على المنع فأن عمومات الحل لكل شي‌ء غير الفرج تشمله فأن المستثنى فقط هو الفرج لا غير و ادعاء انها تشمل الدبر من باب انه أيضا فرج بعنوان عام ممنوع للتنصيص بأنه يتقى موضع الدم و هو الفرج الخاص.

ثم انه مع عدم الجواز في حال الطهر بدون (1) رضايتها كما قلناه فالمقام أولى بالمنع للنهى عما هو حلال له في حال الطهر فضلا عما كان منهيا عنه بدون الحيض أيضا، لا أقول بأنه لا يكون له ملاك بل يمكن ان يكون الجواز في المقام أولى من حال الطهر لأنه يمكن ان يكون المنع عنه حال الطهر لعدم المنع من سبيل و هو الفرج و حيث صار ممنوعا بالحيض يفتح له الشرع بابا آخر لئلا يقع في الحرام و التعدي إلى سائر النساء الأجنبيات خصوصا فيمن يكون شابا شبقا، و لكني أقول لا دليل‌

____________

(1) أقول بيانه في النكاح و انه معاملة عقلائية متين جدا و قد مر منه فيما سبق في مسألة البحث عن اجرة حمام المرأة و التوقف على الرضاء على هذا الفرض متوقف على الجواز أصلا و هو و ان كان المشهور و لكن الآية و الرواية تأباه فإن المناسب للحرث في قوله تعالى «نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا» إلخ، يكون هو الفرج و يناسب ان يكون أنّى زمانية لا، مكانية، مضافا الى ما في الفقيه من قوله (عليه السلام) «محاشّ نساء أمتي على رجال أمتي محرمة» فإن التصريح بالتحريم في المقام دليل تام على عدم الجواز، مضافا الى أن القول لجوازه مما يأباه ارتكاز المتشرعة من الشيعة فما دل على الجواز يجب طرحه أو تأويله و البحث موكول الى محله.

41

عليه بل الدليل على خلافه في الروايات مثل قوله (عليه السلام) «اتقى كل شي‌ء غير الفرج» فأن معناه ان كل شي‌ء كان حلالا قبل الحيض يكون بعده أيضا حلالا و استثنى الفرج فقط و حيث فرضنا ان الدبر أيضا كان حراما قبل الحيض فبعده أيضا كذلك و لو شك في هذا التقريب بان يقال إطلاق كل شي‌ء يشمل حتى الدبر نقول بأن الإطلاق يكون واردا لبيان حكم آخر و هو أن الوطي في الفرج حرام و لا يكون في صدد تحليل ما يحل.

فعلى التحقيق لا يكون الوطي في الدبر جائزا بدون رضايتها لو لم يستفد من أدلة المنع حرمة مطلق الوطي و لو بالرضاء لكن على كراهية جمعا بين الأدلة.

و امّا الاستمناء فملاكه و ان كان موجودا حتى إذا كان بفرج المرأة أو فخذيه فضلا عن اليد لأنه يوجب ضعف الأعصاب و البصر و المخ و لكن لا دليل على المنع و خروجه عن حدّ الاستمتاع.

ثم انه قد اختلف في ان حرمة الوطي في حال الحيض هل يكون مختصة بالرجل أو يحرم على كليهما أو لا يحرم عليها الّا من باب الإعانة على الإثم و ثمرة كونه حراما من باب الإعانة أو ذاتا هو انه على الأول لا يكون عليها حراما في حال النوم لأنها لا تكون معاونة حيث يكون خارجا عن اختيارها و لا بعد في تفكيك الحكمين مع كون الدليل مساعدا بأنه يمكن ان يكون بينهما اختلاف في الجواز و عدمه في مورد حسب الاجتهاد أو التقليد فيكون أحدهما مقلدا لمن لا يجوّز أو اجتهد كذلك و الآخر مقلدا لمن يجوّز أو اجتهد كذلك و ما يكون موجبا لاحتمال اختصاص الحرمة بالرجل فقط هو انّ الوطي يكون منه لا من المرأة، و لكني أقول يكون النهي عن معنى اسم المصدر و هو العمل القائم بهما لا عن المعنى المصدري ليمكن توجهه الى الرجل فقط و التعبير بالوطي المصدري لعله يكون من جهة ان الغالب هو ان يكون الاقدام عليه من الرجال هذا كلّه حسب القاعدة و الاستفادة من العمومات.

لكن لنا دليل خاصّ يغنينا عن هذا و هو النصّ عن محمد بن مسلم (في‌

42

الوسائل ج 15 باب 16 من أبواب العدد ح 1) قال سئلته عن الرجل يطلق امرأته متى تبين منه قال (عليه السلام) حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها قلت فلها ان تتزوج في تلك الحال قال (عليه السلام) نعم و لكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم فأن معنى عدم التمكين من نفسها هو حرمة صيرورتها موطوئة في هذا الحال و امّا الاستدلال بآية المعاونة على الإثم بقوله تعالى «وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ» فلا يتم حيث (1) أنه لا يمكن ان يقال ان كلّما وقع في سبيل الحرام فهو حرام كما لا يقال بأن بيع اللحم حرام لأنه ربما يصير موصلا الى الزناء.

[مسألة 4- إذا أخبرت بأنها حائض يسمع منها]

مسألة 4- إذا أخبرت بأنها حائض يسمع منها كما لو أخبرت بأنها طاهر.

أقول نقل صاحب الحدائق عدم الخلاف فيه في ادعائها الحيض و قيل بأنه مجمع عليه إذا لم تكن متهمة بالكذب و تحصل الاتهام بواسطة استمرار الكذب في موارد كما في الجواهر و اما أصل احتمال الكذب فلا يصدق عليه الاتهام.

و كيف كان فاستدل له بأمور: الأول الرواية (في باب 47 من الحيض ح 2) صحيح زرارة «العدة و الحيض الى النساء» و في رواية الكليني (في الباب ح 1) زيادة و هو قوله (عليه السلام) «إذا ادّعت صدّقت» مؤيدا أو معتضدا بقوله تعالى «وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ» (بقرة 228)- و لا يخفى عليكم أن المقام يكون مما أخبر به بخبر واحد و يكون من الموضوعات و الأخبار بالموضوع و ان كان يحتاج الى التعدد حتى يصدق البينة في سائر الموارد و لكن حيث ان بناء العقلاء أوسع من ذلك تكون الرواية في خصوص المقام إرشادا الى ما هو المرتكز في أذهانهم و إمضاء له بخصوصه فإنهم كما يكون لهم البناء على قبول خبر الواحد في الأحكام يكون لهم هذا البناء فيما إذا كان الأخبار عن موضوع من الموضوعات.

ثم ان كان المراد بالتهمة الكذب فهو يكون في كل خبر فإنه يحتمل الصدق‌

____________

(1) أقول انه مد ظله قائل بأن المقدمات الموصلة إلى الحرام محرمة و لا شبهة ان هنا يكون كذلك و لا يكون من المقدمات البعيدة كبيع اللحم بالنسبة إلى الزنا.

43

و الكذب و حيث انه مطرود بواسطة دليل حجية خبر الواحد فلا يكون معناها الّا الاستمرار على الكذب، نعم إذا كان المدار في كل خبر على حصول الاطمئنان الشخصي لا يفيد إذا كان احتمال الكذب لعدم حصول الاطمئنان كذلك و لكن ليس كذلك.

الثاني بناء العقلاء في خصوص المورد لا البناء الذي يكون سند حجية الخبر و هو انه حيث يكون الحيض مما لا يعلم غالبا الا من قبلها، فهم يتبعون قول النساء و لا يكونون بصدد إقامة البينة لعسرها غالبا و لم يردع الشرع عنه بل أمضاه و هنا أيضا يأتي البحث عن معنى التهمة من أنها هو احتمال الكذب أو الاستمرار عليه و الحق هو الثاني.

و الثالث ان قول ذي اليد فيما بيده حجة و هنا يكون قولها حجة بالأولوية لأن هذا اخبار عن نفسها فضلا عما في اليد الذي هو خارج عنها فإذا كان اخبارها في الثاني مقبولا فبالأولوية يقبل بالنسبة إلى الأول و يأتي فيه أيضا البحث عن التهمة كما مر.

ثم انه لو كان بناء العقلاء على الفحص أزيد من التصديق عند الادعاء كما في صورة التهمة فللشرع التوسعة بأن يقول انها إذا ادّعت صدقت إلّا إذا ادعى الانصراف عن المتهمة على فرض كون الرواية في مقام التعبد المحض و لا تكون إرشادا فلا يؤخذ بإطلاقها، و الحاصل انه لو كان قبول قولها من باب بناء العقلاء من حيث ان الحيض مما لا يعلم الّا من قبلها تكون الرواية إرشادا إلى الارتكاز و للشرع التوسعة فيه و ان كان تعبدا محضا فيؤخذ بإطلاقها حتى في صورة التهمة بأن يقال بان المناط على ادعائها فكلما ادعت صدقت الّا ان يدعى الانصراف عن صورة التهمة.

و كيف كان فقد عارض هذه ما ورد (في باب 47 من الحيض ح 5) عن السكوني ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في امرأة ادّعت انها حاضت في شهر ثلاث حيض، فقال (عليه السلام) كلفوا نسوة من بطانتها ان حيضها كان فيما مضى على ما ادعت‌

44

فان شهدن صدقت و الّا فهي كاذبة.

و هذه الرواية لو كان الدليل بناء العقلاء فتردع عنه في صورة الاتهام و ان كان التعبد فيقيد بصورة عدم الاتهام. و فيه ان هذا لا يدل على ذلك لا من جهة ضعفها بالسكوني لأنها معمولة بها عند جمع و لكن لعدم دلالتها و هو انه في المقام حيث ادعت في شهر واحد ثلاث حيض و هو من النادر صار سببا لقوله (عليه السلام) بالفحص عن حالها و اما الاستدلال أو التأييد بآية «وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ» بتقريب ان يقال معنى عدم الكتمان هو ان كلما اظهرنها يجب القبول منهن و الا فلا معنى للنهى فهو غير تام لأن معناها هو عدم جواز الكذب لا انه يجب القبول منهن، هذا مضافا بأنها وردت في الولد (1) اى لا يكتمن ما في الرحم من الولد لا، في الحيض.

هذا كلّه بالنسبة إلى أخبارها بالحيض و امّا اخبارها بالطهر فلا دليل له بخصوصه إلّا الإجماع أو ادعاء ان تناسب الحكم و الموضوع يقتضي ان يكون قولهن في الطهر كقولهن بالنسبة إلى الحيض لأنه أيضا مما لا يعلم الّا من قبلهن.

[مسألة 5- لا فرق في حرمة وطي الحائض بين الزوجة الدائمة و المتعة و الحرة و الأمة]

مسألة 5- لا فرق في حرمة وطي الحائض بين الزوجة الدائمة و المتعة و الحرة و الأمة و الأجنبية و المملوكة كما لا فرق بين ان يكون الحيض قطعيا وجدانيا أو كان بالرجوع الى التميز أو نحوه.

____________

(1) أقول لا تختص الآية بالولد فإنها مضافا بأنها مطلقة من حيث كون ما في الأرحام من دم الحيض و الولد نقل في تفسير الصافي رواية عن المجمع (ص 66) عن الصادق (عليه السلام) بأنها وردت في الحبل و الحيض و هكذا نقل عن القميّ بهذه العبارة «لا يحل للمرأة ان تكتم حملها أو حيضها أو طهرها و قد فوّض اللّه الى النساء ثلاثة أشياء الطهر و الحيض و الحبل» و اما أصل الدلالة فغير منكر فأن وزانها وزان قوله تعالى «وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» فان الشاهد إذا شهد يقبل منه و بدليل آخر نحتاج الى التعدد لحصول البينة في بعض الموارد، و بتناسب الحكم و الموضوع أيضا يستفاد هذا من الآية و الّا فهي تحت عمومات الكذب فالحيض و الحبل و الطهر يثبت بقولهن.

45

أقول ان عدم الفرق بين أقسام الزوجة إجماعي، و اما عدم الفرق بين كونه بالتميز أو بالوجدان فمن حيث ان التميز امارة للحيضية و موضوع الحكم أيضا يكون الحائض و الامارة سواء كان بمسلك التحقيق حجّة من باب تتميم الكشف أو تنزيل المؤدي كما عليه الشيخ (قده) تكون مثبتة للواقع تعبدا اما على الكشف فإنه واضح حيث انها تكون كالعلم الوجداني بواسطة التعبد و اما على الثاني فلأن معناه ترتيب اثر الحيض و من لوازمه ان تكون المرأة حائضا و حيث ان مثبتات الأمارات أيضا حجية مثل مدلولها المطابقي يثبت ان المرأة حائض فيجب عليها ما يجب على الحائض، و كيف كان فلا إشكال في إثبات الموضوع بواسطة إثبات كون الدم حيضا، و اما الرجوع الى العدد فهو و ان كان أصلا و لكن حيث يكون التنزيل في الحائضية بقوله (عليه السلام) «تحيّضي» أو قوله (عليه السلام) «فوقتها سبع» لا إشكال في ترتيب الآثار.

على ان الحائضية من لوازم هذا الأصل و لو لم تترتب عليه لا يكون له اثر غيره فيجب الالتزام به فإنه في باب الاستصحاب أيضا يقال بان آثار الاستصحاب و لو كان مثبتا بالنسبة إليه يترتب عليه و اما آثار المستصحب فلا يترتب، و هنا يكون معنى هذا الأصل هو عدم كاشفيته عن الواقع لعدم جهة الكشف له، و اما أصل ترتيب أثره فلا بد ان يكون هو الحكم بترتيب أحكام الحائض و الّا فلا يبقى له فائدة.

ثم انه يكون اختيار المرأة لأي عدد للعدة سببا للتعبد بلوازمه فان اختار الثلاث أو السبع أو العشر مثلا في كل شهر يترتب عليه الأثر كما اختارته، و اما إذا كان السند قاعدة الإمكان أيضا فاما ان يترتب الأثر بالملازمة أو بالإجماع فإنه على فرض جريان القاعدة لا بد من ترتيب الأثر، و اما الحيض الثابت بالاستصحاب فان كان باستصحاب الحائضية أو استصحاب الحكم فيترتب عليه الأثر و امّا إذا كان إثبات الحائضية بواسطة استصحاب الدم فحيث يكون مثبتا لا يترتب عليه الأثر لأن استصحاب كون الدم حيضا لا يثبت كون المرأة حائضا.

46

كفارة وطي الحائض

[الثامن وجوب الكفارة بوطئها]

قوله الثامن وجوب الكفارة (1) بوطئها.

أقول اختلف بين الأعلام (2) في وجوب الكفارة و عدمه فجملة من القدماء‌

____________

(1) لا يبعد استحبابها و ان كان الاحتياط لا ينبغي تركه.

(2) أقول جملة من المتقدمين بل جلهم لو لا كلّهم أفتوا بالوجوب كما ذكره مد ظله و المتأخرين أفتوا بالاستحباب و نقل عن الشيخ الطوسي في نكاح المبسوط القول بالاستحباب أيضا و لكن لا يكون منه قولا واحدا حتى يقال انه متقدم و أفتى بالاستحباب لأن المنقول كما ذكروه عنه هو الوجوب أيضا و مع قرب المتقدمين بعصر الظهور و هم اعرف بمواقع الروايات يشكل الفتوى بالاستحباب فلعله كان نكتة في نظرهم لم تصل إلى المتأخرين. الآن يقال ان اختلاف الشيخ في القول يشعر بأنه كان الاختلاف من حيث وجود الجمع العرفي و عدمه و لا يبعد القول به و ما ذكره (مد ظله) بأن جميع موارد المتعارضين كذلك، لا يخلو من تأمل و ان كان الفقهاء يقولون بالتعارض و يجرون قواعده في مثل قوله (عليه السلام) «ثمن العذرة سحت و لا بأس بثمن العذرة» مع انه يمكن الجمع بالكراهة مع ورود أمثال التعبير بالسحت في موارد الكراهات، و في المقام أيضا يمكن ان يقال بأن ما دلّ على الوجوب نصّ في الرجحان و ظاهر في الوجوب و التعبير بالوجوب في بعض الروايات و ان كان نصّا فيه و لكن لا يضرّ مع ضعف تلك الرواية و لأن التعبير بالوجوب في مثل غسل الجمعة أيضا يكون في الرواية و لا يقول أكثرهم بالوجوب و امّا المعارض نصّ في عدم الوجوب و ظاهر في عدم الرجحان فيجمع بينهما بالاستحباب.

و يبقى للتعارض الموارد التي يدور الأمر بين الوجوب و الحرمة مثل صل و لا نصل أو صلّ الظهر و صلّ الجمعة مع العلم بعدم الوجوب الّا للواحد، و موارد الجمع بالكراهة أو الاستحباب غالبا يكون كذلك.

و مع قطع النظر عن الجمع العرفي فما ذكره (مد ظله) من ضعف الظهور في الوجوب لاختلاف الروايات من حيث العدد أيضا لا يخلو من تأمل و هو انّ المتقدمين و المتأخرين جميعا يكونون متفقين في العمل على طبق رواية داود بن فرقد و لم يكن لهم اعتناء بشأن ما يستفاد منه الاختلاف مع ضعفها فيكون عندهم مختفيا بالقرائن التي خفيت علينا فلا يصير سبيلا للقول بالاستحباب و يبقى القول بأن وجود الجمع العرفي و عدمه صار سببا للاختلاف في الفتوى، و لا يبعد القول بالاستحباب و ان كان الاحتياط لا ينبغي تركه.

47

من القدماء على الوجوب كما عن الصدوقين و الشيخين و علم الهدى و ابني حمزة و زهرة و ابني إدريس و سعيد و غيرهم و عن الغنية و الفوائد و الانتصار الإجماع عليه.

و العمدة هي روايات الباب منها ما ورد في باب 28 من الحيض ففي ح 1 عن داود بن فرقد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في كفارة الطمث انه يتصدق إذا كان في أوله بدينار و في وسطه نصف دينار و في آخره ربع دينار، قلت فان لم يكن عنده ما يكفر قال (عليه السلام) فليتصدق على مسكين واحد و الّا استغفر اللّه إلخ.

و هذه أضبط رواية في المقام و في مصحح ابن مسلم ح 3 «يتصدق بدينار و يستغفر اللّه تعالى» و في موثق ابى بصير في ح 4 «من اتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به» و في ح 5 «يتصدق على مسكين بقدر شبعه» و في ح 6 «من اتى امرئته في أول أيام حيضها فعليه ان يتصدق بدينار و عليه ربع حد الزاني خمسة و عشرون جلدة و ان أتاها في آخر أيام حيضها فعليه ان يتصدق بنصف دينار و يضرب اثني عشرة جلدة و نصفا».

أقول و اشتمال الرواية الأخيرة على التعزير سيجي‌ء تفصيله و كذلك بيان اختلاف الروايات في حدّ الكفارة و الآن نحن بصدد إثبات أصل الوجوب و هو مستفاد من جميع الروايات التي ذكرناها في الجملة.

و قد أشكل على هذا الاستدلال بأنه حيث يكون لنا روايات دالة على عدم الوجوب فالجمع يقتضي القول بالاستحباب و حمل اختلاف مراتب الكفارة على اختلاف مراتب الاستحباب فما هو أكثر يكون أحب.

و لا يقال كما عن الآخوند (قده) في الرسالة بأن اختلاف الروايات في التعبير‌

48

يوجب سقوطها حيث أن مفاد إحداها يوجب سقوط الأخرى مع وجود المعارض لأنا نقول لو لم يكن في المقام الروايات المعارضة لا وجه للقول بسقوطها من رأس اما المعارض و هو الدليل على عدم الوجوب فهو ما ورد في باب 29 من الحيض ففي ح 1- عن العيص صحيحا «قلت: فان فعل ذلك أ عليه الكفارة؟ قال (عليه السلام) لا اعلم فيه شيئا يستغفر اللّه».

فقوله (عليه السلام) لا اعلم فيه شيئا اما ان يكون للتقية حيث أن العامة قائلون بعدم الوجوب أو لعدم الوجوب و الأول النسب.

و في ح 2 عن زرارة موثقا عن أحدهما قال (عليه السلام) «ليس عليه شي‌ء يستغفر اللّه و لا يعود».

و في ح 3 عن ليث موثقا «سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطاء قال ليس عليه شي‌ء و قد عصى ربه».

و التعبير بالمعصية مع الخطاء يمكن ان يكون من باب الجهل بالحكم تقصيرا و قد جمع طائفة من المتأخرين مثل الفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني و من المتقدمين الشيخ في النهاية و نكاح المبسوط، بين الطائفتين بالاستحباب و اختاره في الوسائل و الشيخ الأنصاري (قده) في الطهارة و قال انه الأقوى، و اما الإجماع فضعيف عندهم لأنه سندي و اما موافقة العامة فهنا ليست مرجحة لأنها تكون كذلك إذا استقر التعارض و اما في صورة وجود الجمع العرفي كما في المقام فلا.

و اما إثبات الإعراض كما عن الطائفة الثانية فمشكل على ما قاله المحقق الخراساني (قده) لأن العاملين بها يكون فيهم مثل الشيخ من المتقدمين كما مر قوله في المبسوط، لكن يمكن الإشكال عليه بأن الجمع العرفي لا يكون المقام مورده لأنه يكون في صورة وجود الظاهر و النص و اما في صورة النص و النص فلا، ففي المقام كلمة «يجب» في رواية ابن مسلم (في باب 13 من أبواب بقية الحدود ح 1) في قوله (عليه السلام) «يجب عليه في استقبال الحيض دينار و في استدباره نصف دينار» نص‌

49

في الوجوب و كذلك كلمة «ليس عليه شي‌ء» في روايات الطائفة الثانية نص في عدم الوجوب فلا يجمع بينهما و لكن حيث يكون سند رواية ابن مسلم ضعيفا فلا يتم هذا الإشكال.

فأقول ان الموارد التي يكون دوران الأمر بين الوجوب و عدمه يكون من المتعارضين على القاعدة فإن الأمر بشي‌ء و النهي عنه لا يكون له طريق جمع و الّا فكل متعارضين يمكن ان يجمع بينهما بوجه من الوجوه، الّا ان يقال في المقام بان اختلاف الروايات من حيث المقدار بكفارة دينار تارة، و كفارة الإطعام تارة أخرى مع عدم وجود المراتب في الواجب و وجوده في المستحب يضعف ظهور الروايات الوجوب فيه و يمكن القول بالاستحباب فلهما جمع و لا يثبت اعراض المشهور و لا يضر مخالفة العامة، و الشاهد عليه هو عدم ذكر الكفارة في مرسل القمي مع ذكر حدّ التعزير فيها فالحق هو استحباب الكفارة بوطي الحائض وفاقا للمتأخرين.

الّا ان يقال بأن اختلاف المراتب في الروايات يكون له طريق جمع و هو أن يؤخذ برواية فرقد و يحمل ما يكون فيه خصوص الدينار، على ان السؤال كان في أول الحيض و ما يكون فيه خصوص النصف، على كون السؤال في وسط الحيض و ما يكون فيه الإطعام فهو بقدر الدينار و هو قيمة شبع السبعة، و هو بعيد.

قوله: و هي دينار في أول الحيض و نصفه في وسطه و ربعه في آخره.

هذا هو المشهور بين الأصحاب أي هذا الترتيب في أداء الكفارة و التقدير فيها سواء قلنا بالوجوب أو الاستحباب و السند رواية داود بن فرقد و مرسل المقنع في باب 28 من الحيض ح 7 لكن الأولى ضعيفة السند و الثانية مع احتمال وحدة الروايتين بان يكون ما نقله المقنع مرسلا هو رواية داود بن فرقد تكون ضعيفة بالإرسال.

و لكن يمكن الجواب عن الضعف بأنه منجبر بعمل الأصحاب جميعا على مضمونها، و توهم المعارض و هو ما لا يكون فيه ذكر عن المقدر المذكور مثل ما‌

50

يكون فيه خصوص الدينار فقط أو النصف فقط، مندفع بالجمع بالإطلاق و التقييد فان هذه مطلقة من حيث كونه الوطي في الأول أو الوسط أو الآخر و تلك مقيدة لها و مفصلة إياها، و الاشكال في صحيح الحلبي حيث يكون فيه التصدق على مسكين بقدر شبعه و الأشكل حسنته في باب 22 من أبواب الكفارات ح 2 و فيها يتصدق على سبعة نفر من المؤمنين بقدر قوت كل نفر منهم ليومه، و مرسل القمي أيضا كذلك حيث لا يكون فيه ذكر عن الكفارة بل يكون فيه التعزير فقط و لكن الذي يسهل الخطب هو عدم عمل الأصحاب بتلك الروايات فتضعف بذلك، نعم لقائل أن يقول بأنه يمكن حمل الاختلاف على اختلاف مراتب الاستحباب لو قلنا به.

قوله: إذا كانت (1) زوجة من غير فرق بين الحرة و الأمة.

أقول ان المتقين من الروايات و ان كان خصوص الزوجة و لكن عمومها أو إطلاقها يشمل غيرها أيضا، و ما يكون من الروايات متعرضا لحكم (2) الزوجة مثل رواية محمد بن مسلم محمول على الغالب، و التشكيك في العمومات و القول بانصرافها إلى الزوجة معارض بالتشكيك في ما هو مختص بالزوجة بالحمل على الغالب فيشكل الاختصاص بها فقط و لا يمكن القول بعدم الوجوب بالنسبة إلى غيرها بالدليل بل بواسطة الأصل بعد الشك يمكن القول بالبراءة و ثمرة كونه بالدليل أو بالأصل تظهر‌

____________

(1) بل إذا كان غيرها أيضا غير المملوكة لما سيجي‌ء.

(2) أقول ان المعمول به عندهم استحبابا أو وجوبا هو رواية داود بن فرقد و اما مثل رواية ابن مسلم فيجمع بينها أو بين رواية داود في تقدير الدينار بالحمل على ان المختص بالدينار أو نصفه يكون في صورة كونه في الأول أو الوسط حمل المطلق على المقيد، و اما إحراز وحدة المطلوب بحمل رواية داود أيضا على الزوجة فمشكل، فلا بد من التمسك بالأصل في الزاني بالأصل و لا غر و فيه من حيث كون الزنا أشدّ لأن الكفارة سبيل إلى النجاة و بالنسبة إلى الزاني لم يكن هذه العناية كما في قوله تعالى في مورد صيد الحرم «وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ» اعراضا عنهم، و لكن الاحتياط لا يترك في الزاني أيضا لأن الانصراف بدوي و ذكر الزوجة يكون للغلبة.

51

في الأمة فإن قلنا بأن الحكم يستفاد من إطلاق الدليل فحيث ان إطلاقه يشمل الأمة أيضا يعارض مع ما دل على عدم الوجوب بالنسبة إليها بخلاف كونه بالأصل فإنه لا يكون قابلا للتعارض لأنه في طول الدليل.

قوله: و إذا كانت مملوكة للواطى فكفارته ثلاثة أمداد من طعام يتصدق بها على ثلاثة (1) مساكين لكل مسكين مد.

أقول: ان كون كفارتها هذا المقدار يكون قول جملة منهم كما عن الفقيه و المقنعة و الانتصار و النهاية و السرائر و غيرها و عن السرائر نفى الخلاف فيه و عن الانتصار الإجماع عليه و لكن من حيث الدليل لا سند له خصوصا إعطاء كل مسكين مدا منه الّا ما في الفقه الرضوي (في المستدرك باب 22 من أبواب أحكام الحيض ح 1) «و ان جامعت أمتك و هي حائض فعليك ان تتصدق بثلاثة أمداد من طعام. و هو مشهور ضعفه و لم يثبت استناد المشهور في فتواهم عليه حتى ينجبر ضعفه و لذا افتى بالاستحباب المحقق في المعتبر و كذلك المنتهى و جامع المقاصد، الّا على مسلك المحقق الخراساني القائل بأنه لا يلزم إثبات الاستناد بل مجرد فتواهم على وفق الرواية كافية في جبرها أو نقول بمقالة صاحب الجواهر حيث يقول في أمثال الموارد نعلم ان السند اما يكون هذا أو رواية صحيحة مثله مضافا الى حسن عبد الملك (في الوسائل باب 28 من الحيض ح 2) «عن رجل اتى جاريته و هي طامث قال (عليه السلام) يستغفر اللّه تعالى ربه قال عبد الملك فان الناس يقولون عليه نصف دينار أو دينار فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فليتصدق على عشرة مساكين» فالصدر دال على عدم وجوبها و الذيل لم يقل به احد فيخصص بها عمومات الوجوب التي مرت.

و اما ما عن بعض المعاصرين من حمل الذيل على أفضل الفردين جمعا بينه و بين الرضوي ففيه ان القول بلزوم إطعام العشرة كما مر يكون خلاف الإجماع و لو فرض تمامية السند يكون معارضا للرضوى و اما وجوب الإعطاء إلى ثلاثة مساكين‌

____________

(1) لا يلزم التفرقة على الثلاثة و لا سند لها.

52

فلا سند له أصلا الّا ان يقال بأن الرضوي متعرض للمد و الحسن متعرض للعدد و هو عشرة مساكين فيلزم ان يعطى الأمداد بالعشرة و بهذا يرفع المعارضة أيضا لكنه خلاف الإجماع.

قوله: و لا كفارة على المرأة و ان كانت مطاوعة.

أقول قد يقال ان هذا، لعدم الدليل عليها بخصوصها و لا يشمله دليل اشتراك الرجل مع المرأة، لأن الروايات متعرضة لحال الواطى و هو الزوج و يكون التعبير بقوله (عليه السلام) «عليه الكفارة» بضمير المذكر. و فيه انه يكون في بعضها التعبير بالطمث و كفارته فيكون هذا كفارة الطمث و يشتركان فيه و إتيان الضمير مذكرا يمكن ان يكون من باب ان كفارة المرأة على الرجل الّا ان يدعى الانصراف الى الرجل فلا تجب عليها و قد ادعى الإجماع عليه كما في الروض (1).

قوله: و يشترط في وجوبها العلم و العمد و البلوغ و العقل فلا كفارة على الصبي و لا المجنون و لا الناسي و لا الجاهل بكونها في الحيض إذا كان جاهلا بالحكم أيضا و هو الحرمة و ان كان أحوط نعم مع الجهل بوجوب الكفارة بعد العلم بالحرمة لا إشكال في الثبوت.

أقول الروايات على طائفتين: الأول ما يكون فيه ذكر الاستغفار و الثانية ما لا يكون كذلك، و قد توهم من قال بعدم وجوبه على الصبي ان الاستغفار حيث لا معنى له بالنسبة إليه لأنه يكون للعصيان و لا يصدق بالنسبة إليه، فلا يجب عليه الكفارة.

و فيه أولا من اين يثبت انه يكون للعصيان و الطغيان بل يمكن ان يكون واجبا مستقلا (2)

____________

(1) قوله «نعم في المبعضة و المشتركة» لا يبعد إلحاق المشترك بالزنا لأنه لا يجوز وطيها الّا على فرض التحليل بالنسبة إلى سهم الشريك لو قلنا به» و كيف كان فالاحتياط بالجمع و الفرع نادر الوقوع في زماننا.

(2) و فيه انه خلاف الظاهر فإنه يكون مثل الاستغفار في سائر الموارد.