صلاة المسافر

- السيد أبو الحسن الأصفهاني المزيد...
238 /
3

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كلمة الناشر]

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين أبي القاسم محمد المصطفى و على آله الطيبين الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

و بعد، فلا يخفى على ذوي العلم و الفضيلة ما لكتب التقريرات التي يسطّرها الأفاضل من أهل التحقيق و التدقيق في الحوزات العلمية من دور مهمّ في عكس آراء الفقهاء و المجتهدين و نقل أنظارهم الاستدلالية في حقلي الفقه و الأصول التي اتبعوا فيها نفوسهم الشريفة و بذلوا أعزّ ما عندهم في سبيل تحصيلها و تنقيحها حتى أضحت مراجعة كتب التقريرات احدى الوسائل و الطرق لمعرفة الأعلم و تشخيصه من بين المجتهدين و الفقهاء المتصدّين للمرجعية و الزعامة العامّة. و قد عرفت الحوزات العلمية الشيعية بهذا الفنّ من التصنيف و على مدى عصور متمادية.

و على ضوء هذه التقريرات و درجة الدقّة في نقل آراء المقرّر له و إنظاره و ما يبديه المقرّر من مناقشة لرأي أستاذه و مدى عمق الملاحظات المطروحة يمنح المقرّر عادة درجة الاجتهاد من مشايخه في الفقه و الأصول.

و الكتاب- الماثل بين يديك- هو تقريرات فقهية لمباحث فقيه الطائفة و مرجع الشيعة الإمامية في وقته آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن‌

4

الأصفهاني- (صلّى اللّه عليه و آله الشريف)- كتبها و قرّرها أحد الأعلام المجتهدين من تلامذته و طلابه العالم الفاضل آية اللّه السيّد حسين العلويّ الخوانساري تغمّده اللّه برحمته الواسعة.

و وفاء للعهد الذي اتخذته المؤسّسة على عاتقها في إحياء علوم أهل البيت (عليهم السلام) و خدمة الحوزات العلميّة و تخليد تراثها الفكري تلقّت مشروع طبع هذه التقريرات و نشرها بالقبول متقدّمين بالشكر الجزيل و الثناء الجميل لولد المقرّر الفاضل حجّة الإسلام السيّد مرتضى العلوي الخوانساري على ما تفضّل به علينا من إعطاء نسخة هذه التقريرات الخطّية و نسخ خطّية لكتب أخرى سائلين اللّه عزّ شأنه له و لنا المزيد من التوفيق في خدمة العلم و أهله إنه خير موفّق و معين.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة‌

5

من حياة المقرّر

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هو سماحة آية اللّه الحاج السيد حسين ابن العلامة ميرزا محمد مهدي ابن آية اللّه العظمى السيد علي ابن مير أبو القاسم ابن السيد علي ابن السيد حسين ابن مير علي حسين ابن السيد حسين ابن السيد هاشم ابن السيد باقر ابن السيد رضا ابن السيد سليمان ابن السيد قاسم ابن السيد عبد اللّه ابن السيد يحيى ابن السيد زكريّا ابن السيد زين العابدين ابن السيد مهدي ابن السيد رضا ابن السيد صالح ابن السيد محمد بن القصير بن محمود بن حسين بن حسن بن أحمد ابن سند بن حسن بن عيسى بن يحيى بن حسن بن عبد اللّه ابن مولانا الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام).

ولد في مدينة خوانسار في سنة 1278 ه‍. شمسي في بيت علم و تقوى.

والده هو العلامة المرحوم آقا ميرزا محمد مهدي العلوي الخوانساري، و كان من التلامذة المبرّزين للعلمين الآيتين الآخوند الخراساني و السيد محمد كاظم اليزدي.

و قد كتب تقريرات في الأصول (دورة كاملة تقريرات كفاية الأصول) و الفقه (عدة رسائل فقهية) لدروس هذين العلمين (و هي الآن فعلا موجودة) و قد كان فقيها متضلعا و أصوليا متبحّرا و ذو أفكار بيّنة و شجاعة علمية خارقة.

6

و قد عاد الى خوانسار بأمر من أستاذه المرحوم الآخوند و ذلك بعد إتمام مرحلة التحصيل و تسلّم منصب فقيه العدلية و دكّة القضاء منشغلا بقضاء حوائج الناس و حلّ الخصومات و المنازعات.

و لم تدم الأيام حتى وقعت حادثة في منطقة «فريدن» فقد تعرّض عدّة من البهائيين لبعض المسلمين و اعتقل أحد وجهاء تلك المنطقة و أودع السجن فاضطرّ السيد للسفر الى تلك المنطقة و التدخل في القضية فوفّق لإطلاق سراحه.

و تقديرا لهذا العمل الكبير نصب الحاكم في تلك المنطقة وليمة و دعا السيد إليها، و بعد رجوعه من الوليمة تمرّض فعاد الى خوانسار (و يحتمل قد دسّ إليه السمّ من قبل الأيادي البهائية) و للأسف الشديد- و في أهمّ فترة من عمره و التي كان بالإمكان أن يقدم فيها الكثير من الخدمات الجليلة للإسلام و المسلمين- فارقت روحه الدنيا الفانية و عمره لا يتجاوز الخامسة و الثلاثين سنة. و شيّعت جنازته تشييعا مهيبا حضره أهل خوانسار و شخصيات البلد و بحضور والده آية اللّه العظمى السيد علي المجتهد و دفن خلف السوق القديم الخوانسار في منطقة تبعد 500 م باتجاه الجنوب الغربي من مقبرة آية اللّه السيد حسين الخوانساري أستاذ الميرزا القمّي، و قد كتب على لوح القبر: «نابغة الدهر العلّامة الثاني.»‌

و قد كان المترجم له حينذاك في سنّ السابعة أو الثامنة من عمره، و على هذا يكون قد افتقد نعمة الأب و هو في بدايات حياته، فتكفّله جدّه المرحوم آية اللّه العظمى السيد علي المجتهد.

أمّا المرحوم السيد علي المجتهد فقد كان معروفا في حياته و لحدّ الآن ب‍ «آقا سيد علي مجتهد» و قد فتح عيناه على الدنيا في سنة 1252 ه‍. ق. و والده آقا ميرزا أبو القاسم، و قد كان مثالا في التقوى و الورع و مشهورا بالعلم و الفضيلة، و اشتهر بلقب آقا ميرزا أبو القاسم المجاب إشارة إلى ردّ السلام عليه من قبل الروضة المقدّسة و الحرم المطهر لسيد الشهداء (عليه السلام) و التي وقعت في إحدى‌

7

زياراته لكربلاء المقدّسة و في حضور جمع من مرافقيه و أصحابه في سفره الروحاني ذاك. و قد كتب على لوح قبره: «سلمان عصره و فريد دهره».

و قد ترعرع السيد علي المجتهد في إحضان هكذا أب، فأكمل دراسته الابتدائية في خونسار، و لأجل تحصيل الكمال و الارتقاء العلمي و العملي قصد أصفهان فصار من مريدي و أتباع الفقيه النبيه و العارف المجاهد الشيخ محمد تقي المعروف ب‍ «آقا نجفي» و كان من جملة زملائه في الدرس المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي (قدّس سرّه)، و قد نقل عنه خاطرة جميلة كما نقلها السيد المجتهد هو أيضا، و هي أنّه كان يحضر في الصفّ الأول في صلاة الجماعة بإمامة «آقا نجفي» ثمانون مجتهدا مسلّم الاجتهاد، واحد منهم السيد محمد كاظم اليزدي، و كذا واحد منهم السيد المشار إليه و قد تعلّق به «آقا نجفي» و شمله برعايته الخاصّة حتى نقل عنه أنّه وصفه في أحد الأوامر- التي أصدرها و أرسلها إليه لاحقا- بالعالم العامل حجّة الإسلام. (1).

و بعد الاستفادة من محضر الأساتيذ الكبار في عصره توجّه صوب النجف الأشرف، فكان من أساتذته فيه الحاج الشيخ محمد باقر الأصفهاني و آية اللّه السيّد حسين الكوة كمري (قدّس سرّهما). و قد فقد بصره في النجف الأشرف و عجز الأطباء في بغداد عن مداواته و آيسوه من رجوع الباصرة إليه ثانية، و طبقا لما حكاه هو للمرحوم الوالد أنّه عوفي تماما و عاد بصره إليه ببركة الاكتحال بتربة الحرم المطهر لأمير المؤمنين (عليه السلام). و العجيب أنّه- و حتى اللحظات الأخيرة من عمره- كان يتمتّع بقوّة الباصرة بحيث كان قادرا على قراءة الفقرات و الكلمات الناعمة.

و قد شملته في إحدى المرّات يد العناية المباشرة لبقيّة اللّه الأعظم أرواحنا له‌

____________

(1) راجع مجلّة الحوزة: العدد السادس السنة السادسة.

8

الفداء، فبلغ درجة مهمة في السير و السلوك و العرفان، كما أخبر هو عن ذلك قبل وفاته بثلاثة أيام. (و هناك قصة عجيبة في خصوص هذه القضية). و قبل الموت بلحظات أنشد هذه الأبيات:

مضى الدهر و الأيام و الذنب حاصل * * *و جاء رسول الموت و المرء غافل

و بعد سنوات من الجد و الاجتهاد و السعي في نشر المعارف الإسلامية- و في وقت و بعد وفاة السيد اليزدي (قدّس سرّه) رجع إليه بعض علماء خوانسار و بإجازته بقوا على تقليدهم السابق- ودّع الدار الفانية و ذلك في سنة 1337 ه‍. ق و عرج الى الديار الحقّة الأبدية.

و العجيب أنّه لما أرادوا دفنه تشاور علماء المدينة فيما بينهم فاتّفق رأيهم على دفنه في قبر والده «مير أبو القاسم مجاب» باعتبار أنه قد مضى على دفنه سبعون عاما، و قد جرت العادة انعدام الأجساد و تحوّلها الى رميم في هكذا مدّة.

و لكن، و كما ينقل والدي نفسه حيث قال: كنت حاضرا في ذلك اليوم و شاهدت عندما شقّوا القبر أنهم وجدوا بدن والده «مير أبو القاسم مجاب» و بعد سبعين سنة ليّنا طريا و كأنّه قد دفن الآن، و لأجل ذلك دفنوا المرحوم الى جوار قبر والده، و هو الآن من المزارات المعروفة لأهل خوانسار، و قد كتب على لوح قبره: «محيي آثار الطريقة الجعفرية فقيه أهل بيت العصمة و الطهارة آية اللّه العظمى الآقا سيد علي مجتهد».

و كان المترجم له- سماحة آية اللّه العلوي- و بعد وفاة والده تحت رعاية جدّه المعظّم المرحوم آقا سيد علي المشار إليه آنفا، فأكمل المقدّمات و السطوح الوسطى في خوانسار على يديه و في محضره. و بعد وفاة جدّه المعظّم شدّ راحلا إلى أصفهان فواصل دراسته، و درس السطوح العالية فيها على يد علماء فطاحل نظير السيد محمد باقر درچه‌اى و آقا مير محمد صادق و السيد علي النجف‌آبادي.

و درس الكفاية عند الحاج آقا رحيم أرباب.

9

ثم آب راجعا الى خوانسار فدرس الحكمة و العرفان عند الفيلسوف الربّاني و الحكيم الصمداني المرحوم الآخوند ملا محمد علي حكيم إيماني المعروف ب‍ «آخوند حكيم» و الذي كان- بتعبير والده- بحرا في العلم. (و الظاهر أنّ الامام الراحل الخميني الكبير (قدّس سرّه) كان قد استفاد أيضا من محضره عندما كان في خوانسار و لمدة ستة أشهر استفادات علمية).

ثم لأجل الارتقاء في المراقي العلمية توجّه صوب النجف الأشرف على مشرّفها آلاف التحية و الثناء و بقي فيها سبع سنوات مستفيدا من أساتذة كبار مثل آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني و الشيخ آقا ضياء الدين العراقي و الميرزا النائيني و غيرهم (قدّس اللّه أسرارهم). و قد وردت عبارة في إجازة المرحوم الشيخ ضياء الدين العراقي له ما هذا لفظها: «فصار بحمد اللّه من العلماء الأعيان و ممّن يشار إليه بالبنان» و كذا في فقرة من إجازة المرحوم الميرزا النائيني هكذا لفظها: «و يحرم عليه التقليد فيما اجتهد».

و في سنة 1344 ه‍. ق قرّر دورة الأصول للمرحوم الميرزا النائيني فأتمّها، و كذلك رسالة تحقيقية في صلاة المسافر، و الظاهر أنّه عاد الى خوانسار في سنة 1348 ه‍. ق فأحيا المدرسة العلمية الموجودة فيها، و هي من البنايات الصفوية، و قد بنيت بإشارة من الآقا حسين الخوانساري، فشرع فيها نشاطاته العلمية و العملية و تربية التلاميذ و طلاب العلوم الدينية مضافا الى حلّ مشكلات الناس و المراجعين.

ذكريات أيام التحصيل:

قال (رحمه اللّه): في يوم من الأيام أصابني فقر شديد و جوع، و ضاقت بي الأمور فوق الحدّ، و كان هناك مجموعة من الخبز اليابس و الذي كان يصعب عليّ أكله، فوضعته في كيس و صمّمت في نفسي أن اذهب الآن إلى جوار مولى‌

10

الموحّدين أمير المؤمنين (عليه السلام) و أشكو إليه ما نزل بي و الى متى أبقى أنا على هذه الحالة و اتحمّل هذه المرارات، و فعلا حملت كيس الخبز اليابس و وضعته تحت العباءة و اتّجهت إلى الروضة الحيدرية المقدّسة و في الأثناء و على فاصلة مائتين متر تقريبا عن الحرم المطهّر اعترض مسيري شخص و ناداني باسمي قائلا: ليس من اللازم أن تشكو قصّة كيس الخبز اليابس و الذي أخفيته تحت عباءتك الى المولى (عليه السلام)، فهو (عليه السلام) طالما كان يأكل من هذا الخبز اليابس فارجع. فتأثّرت كثيرا بهذا الكلام و رجعت الى المدرسة، فالتفتّ الى نفسي فجأة و قلت: يا ترى من كان هذا الشخص و كيف اطّلع على نيّتي؟؟! حادثة ثانية: قال (رحمه اللّه): في يوم من أيّام الدراسة في النجف الأشرف نزل بي جوع شديد و آلمني و لمدّة ثلاثة أيام لم أكن أملك حتى الخبز، فضعفت عن الحركة و فقدت نشاطي، فألقيت نفسي في إحدى زوايا الغرفة، و كان الوقت قبل الغروب بقليل، فسمعت شخصا خلف باب الغرفة يناديني، ففتحت الباب، فإذا برجل بيده صرّة مملوءة بالأموال، فوضعها أمامي و قال لي: خذ، فقلت: لا احتاج الى ذلك، فكرّر عليّ القول: خذ، فأجبته: لا احتاج، فأقسم عليّ قائلا: بأمّك الزهراء أقسم عليك إلّا أن أخذت. و لكونه أقسم عليّ أخذت منها خمسة عشر تومانا لنفسي و خمسة عشر تومانا لطالبين يدرسان عندي، ثمّ ذهب فلم تمرّ لحظات حتى خرجت خلفه، فسألت من طلبة المدرسة: أين ذهب هذا الرجل؟ و هل أعطاكم شيئا من المال؟ فقالوا: إنّنا لم نر أحدا أصلا.

خصاله و سجاياه:

من أهمّ سجاياه انقطاعه عن الخلق و التوجّه بإخلاص للّه عزّ شأنه، و لأجل هذا ما تعلّقت نفسه بأي شخص أو شخصية من الشخصيّات، و في مقام الأمر‌

11

بالمعروف و النهي عن المنكر- و خاصّة ما يتعلّق بالمسؤولين في الإدارات الحكومية- كان يتكلّم باقتدار و شجاعة، لا يخاف في اللّه لومة لائم.

و كان للسيد العلويّ (رحمه اللّه) علاقة خاصّة بالشباب و كان يقضي في الغالب ساعات عديدة من يومه معهم. و كان متحلّيا بالفضائل الأخلاقية و متخلّيا عن الرذائل النفسانية، و كما قال هو عن نفسه: خلوت و بحمد اللّه من ثلاث صفات: الحسد و الغيبة و الكذب.

و كان الفقيد السعيد متواضع جدا بحيث كان مصداقا واقعيا للحديث الشريف المروي عن الصادق (عليه السلام): «. لم ير أحدا إلّا و يقول هو خير منّي».

و كان قسمه و يمينه معروفة و مشهورة في الأثير، و كان إذا رفعت إليه قضية أو خصومة و يصل الأمر إلى مرحلة اليمين يصيب أطراف النزاع الخوف من مغبّة ذلك.

و كان غالبا إذا ما رأى الفلاحين و العمّال يسألهم الدعاء، و قد شوهد مرّات عديدة يقبّل أياديهم و يقول: إنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يقبّل هذه الأيدي.

أمّا علاقته بمراجع التقليد فكان لا يذكرهم إلّا بالاحترام و التقدير، و كان يعتقد أنّ المرجعية أمر إلهيّ لا بدّ من تأييده من قبل الناحية المقدّسة على صاحبها آلاف الثناء و التحية.

و كان يشمل برعايته الفقراء و المحتاجين على حدّ المقدور، و كان ذلك ديدنه و فعله المستمر في حياته.

تأريخه الجهادي:

في عهد الشاه البائد كانت ترفع الكثير من قضايا الناس إلى المكاتب‌

12

و المحاكم الشرعية و من جملتها مكتبه الشرعي، و أتذكّر أنا أنّه إذا دار ذكر المحاكم و مراكز الشرطة كان يقول: الرجوع إليهم يكون بمثابة تأييد الظلم و الركون الى الظالمين، و إذا أردت أن تأخذ حقّك عن طريق هؤلاء فقد أخذت بالطاغوت و فعلت حراما. و على هذا الأساس كان يمنع الناس من الرجوع الى المحاكم الرسمية. و كان هو لأجل عدم حضوره في هكذا مجالس يتعرّض للأذية و الضغط من قبل السلطات الجائرة.

و كان لا يجيزنا- و نحن طلاب في المدارس الابتدائية و المتوسّطة و الثانوية- في الاشتراك في احتفالات الرابع من آبان و التاسع منه، و هما يوما تولّد الشاه و ولي العهد، و كذا في الاحتفالات و المراسيم الشاهنشاهية، و كان يعتقد بحرمتها.

قبل انتخابات السادس من بهمن أصدر السيد الخوانساري (رضوان اللّه عليه) بيانا حرّم فيه الانتخابات و وزّعها على شكل منشورات الى الأمصار، و من جملتها مدينة خوانسار، فأعطاها لأحد الطلبة و أمر بإلصاقها على الجدران، و في الساعة الحادية عشرة من مساء ذلك اليوم طرقت باب الدار فذهبت لفتحه و إذا برئيس الناحية في المدينة و رئيس قوّات الدرك و أحد كبار البلد فقالوا:

أيقظ السيد من النوم نريد اللقاء معه، فذهبت و أيقضت السيد فجلسوا معا و بعد تبادل السلام و التحية المتعارفة أخرج رئيس الناحية منشورا من المناشير من جيبه و قال: إنّ هذا المنشور قام بلصقه على الجدران أحد طلبتكم، فقال السيد: طلابي يعرفون تكليفهم الشرعي، فاشتدّت لهجة رئيس الناحية محاولا للضغط على السيد، ثمّ قال: إنكم مخالفون للإصلاحات الشاهنشاهية و لأجل ذلك تشتركون في مثل هذه الأعمال. فرأيت والدي ردّ عليه بعنف و بصوت عال جدّا و بعبارة حقّر فيها الشاه و والده قائلا إصلاحات!! أيّ إصلاحات!!؟ الإصلاحات المخالفة للقرآن!! قوموا و ولّوا عني و اخرجوا من‌

13

بيتي الساعة و افعلوا كلّ ما تريدون. طبعا القصّة طويلة حضرت فصولها و شاهدت شخصيّاتها، و كان (رحمه اللّه) من شدّة غضبه و انفعاله يأكل البرتقال مع قشره.

و كيف كان فقد أخرجهم من المنزل بعد أن هددوه و لما خرجوا وقف والدي على طرف باحة الدار و قال لي: برأيك ما ذا سيفعلون؟ وهنا و في الساعة الثانية عشر تقريبا طرقت باب الدار فذهبت لفتحه فرأيت رئيس قوّات الدرك فسأل: أين السيد؟ فخفت و لكن لمّا كان والدي واقفا طرف باحة الدار وقع بصره عليه و دخل فوقع على قدميه يقبّلها و هو يقول: سيّدنا لا تدعوا عليّ و لا تلعنّي فأنا لست من هؤلاء (الظالمين).

و بعد عدّة أيام من انقلاب السادس من بهمن قام قائم مقام «گلپايگان» مع مجموعة كبيرة من رؤساء الدوائر الحكومية بزيارة السيد، فطرح القائم مقام عدّة أسئلة و سمع أجوبتها ثم قال السيّد جناب القائم مقام: إنّ الحكومات على ثلاثة أقسام. حكومة تريد تحمّل رغباتها الناس و يقال لها الحكومة الاستبدادية و هذه حكومة لا دوام لها، و حكومة تريد تحقيق رغبات الشعب و هذه الحكومة أيضا تكون غير موفّقة لأنّ حاجيات الشعب و رغباته كثيرة، و حكومة تجعل في نصب عينها إصلاح المجتمع و نحن نعبّر عن هذه الحكومة بالحكومة الإسلامية و هي حكومة يكتب لها الدوام و الثبات.

و كان للسيد- على رغم كبر سنّه- حضور فعّال في مسيرة الثورة الإسلامية المباركة،: و كان له دور مهمّ في ترسيخ دعائم الحكم الجمهوري الإسلامي في المنطقة.

كراماته:

1- نقل لي أحد المثقفين ما نصّه: كنت و لمدة طويلة أذكر «يا حيّ يا‌

14

قيوم» بدل «بحول اللّه و قوته أقوم و أقعد» و لا أدري هل إنّ عملي هذا صحيح أم لا، الى أن وفّقت في أحد الأعياد من التشرّف بزيارة السيّد، و كان الناس يتواردون عليه و يقبّلون يديه و يجلسون في المجلس و يصغون الى كلماته، و كان السيد يتكلّم حول موضوع معين، و لكن لمّا ذهبت إليه لتقبيل يديه قطع كلامه و بدون أن أسأله أيّ سؤال قال: قل «بحول اللّه» و لا تقل «يا حيّ يا قيّوم».

2- بعد وفاة السيد جاء شخص و قال: أريد أن أحدّثكم بقضية مرتبطة بالسيد، قلت له: تفضّل، فقال: أنا من أهل خوانسار و لكن محلّ إقامتي الان في طهران، و قبل عدّة سنوات تشرّفت بزيارة السّيد لإعطاء الوجوهات الشرعية، و بعد المحاسبة بقي في ذمّتي مبلغ يعادل سبعة آلاف تومان على أن أوفيه له. و بعد مدّة تركت خوانسار و نسيت أن أبي للسيد الدين الذي في ذمّتي، فرأيت في إحدى الليالي السيد في الرؤيا و هو يقول: أعطني أموالي، فقلت له في عالم الرؤيا: على عيني يا سيدنا. و استيقظت و بقيت جالسا لمدّة نصف ساعة ثم نمت فرأيت السيّد ثانية في الرؤيا و هو يقول مجدّدا: أعطني أموالي:

فاستيقظت و للمرّة الثالثة نمت فرأيت السيد أيضا في الرؤيا و هو يطالبني بالأموال. فما أن أصبح الصباح حتى أخذت المبلغ المطلوب و سافرت من طهران قاصدا خوانسار، فلمّا تشرّفت بخدمته و بعد السلام عليه و قبل أن أتكلم بشي‌ء قال فورا: نعتذر للمزاحمة عرضت لي حاجة.

إصلاحاته و أعماله:

من آثاره المهمّة إحياء و تعمير المدرسة العلمية في خوانسار بنيت (مدرسة علمية علوي مريم بيگم) في زمان السيد حسين الخوانساري الذي كان رئيسا للوزراء و بأمر من مريم بيگم الصفوي، و قد ترعرع فيها و تربّى مجموعة من العلماء و الفطاحل‌

15

منهم الميرزا القمّي و آية اللّه العظمى الگلپايگاني و آية اللّه الصنعاني الخوانساري و الامام الخميني و غيرهم (قدّس اللّه أسرارهم).

و قد خرّبت هذه المدرسة و تحوّلت إلى أطلال خاوية. فتصدّى السيد- بعد رجوعه من النجف الأشرف- لتعميرها و تجديد بنائها مع المحافظة على هويّتها الأصيلة، فتحوّلت الى مدرسة معمورة، و جعل السيد درسه فيها، و لغلاقته الخاصّة بالاسم المبارك لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) سمّاها باسمه (مدرسة علوي).

و المدرسة الآن عامرة يسكنها عشرون طالبا و هو غاية ما تسعه من الطلاب الذين في مستوي دراسة السطوح في الحوزة العلمية. و في هذه المدرسة مكتبة تحوي ما يقارب على ألفي كتاب و أغلبها تعدّ من المصادر المهمّة مضافا الى وجود خمسين نسخة خطّية قديمة و قد نظم السيد رضا المختاري فهرسا مستقلا لها، و قد طبع في مجلّة «آينه پژوهش».

نشاطاته العلمية:

المرحوم آية العلوي كرّس ستين عاما تقريبا من عمره الشريف لتدريس العلوم الدينية في مرحلة المقدمات و السطوح و بعضها في مرحلة الخارج في الفقه. و تتلمذ على يديه طلاب أفاضل و كان قد خصّص في كلّ يوم ساعة من وقت الطلاب لقراءة القرآن، بحيث كان كلّ واحد من الطلبة مكلّفا بقراءة آية من القرآن، و ترجمتها و شرح تراكيبها الصرفية. مضافا الى ما كان يلقيه على الطلبة من البحوث الأخلاقية و التفسيرية و كان حافظا لإشعار حافظ الشيرازي و كثيرا من أشعار مولوي، و كان له اطّلاع و معرفة باللغة الفرنسية و كان حافظا لكثير من الأدعية من قبيل دعاء كميل و دعاء الصباح و دعاء السمات و زيارة عاشوراء و غيرها، و كان مداوما عليها.

و كانت جلسته في صلاة الجماعة جلسة علمية و كان يتعرّض لشرح‌

16

أحاديث أصول الكافي قبل الصلاة و لم تخلو جلساته من الأحاديث و المباحث العلمية أو الاشعار، و كان يرتّل آيات القرآن بدموع جارية و كان طالما يؤكّد على هذه الآيات و يستشهد بها في محافل مختلفة و مناسبات متفاوتة.

«وَ أَنْ لَوِ اسْتَقٰامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنٰاهُمْ مٰاءً غَدَقاً» (1).

و «إِنّٰا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» (2).

و «مٰا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّٰا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (3).

و «إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (4).

و «أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللّٰهَ يَرىٰ» (5).

و «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ» (6).

«إِنّٰا كُنّٰا نَسْتَنْسِخُ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (7).

و كذلك سورة العصر.

آثاره العلمية:

رسالة تحقيقه في صلاة المسافر.

رسالة في تقريرات أصول الميرزا النائيني.

و كان- مضافا الى ذلك- له علاقة خاصّة بسيد الشهداء عليه الصلاة و السلام، حيث كان يعقد مجلس العزاء الحسيني في كلّ يوم جمعة و لمدّة أربعين عاما، و في سنة 1366 ه‍. ش تعرّضت خوانسار لسيل شديد فخرّب بيته و المدرسة و المسجد، فلما تشرّفت بخدمته قال لي: أجّروا غرفة و أقيموا مجلس‌

____________

(1) الجن: 16.

(2) السجدة: 22.

(3) ق: 18.

(4) الأنبياء: 92.

(5) العلق: 14.

(6) الفرقان: 43.

(7) الجاثية: 29.

17

العزاء الحسيني.

و قبل عدّة سنوات زار مدينة خوانسار آية اللّه الحاج السيد محمد تقي الخوانساري (رحمه اللّه)، و كان قد استفتى شخص من السيد العلوي حول مسألة معيّنة كتابة فأجابه السيد العلوي: يجب كذا، فأخذ استفتاؤه و عرض على السيد الخوانساري، فقال: هل السيد العلوي كتب: يجب.؟! إذا كان كذلك فهذا حكم و يجب عليّ أيضا أطاعته.

قصة الوفاة:

في صباح اليوم الذي توفي فيه الامام الخميني- (قدّس سرّه)- عجلت في زيارة والدي على خلاف عادتي السابقة في زيارته و ذلك لأجل الالتحاق و المشاركة في مراسيم العزاء فبمجرّد وقع بصره عليّ سألني: ولدي العزيز كيف حال الإمام و هل عندك خبر جديد عنه؟ و لم أكن أريد مفاجأته بخبر ارتحاله دفعة واحدة فقلت: لا أعلم شيئا لكن المذياع عطّل برامجه و لا يبثّ غير تلاوة القرآن الكريم. فما أن قلت هذا حتى قال لي: ولدي العزيز إنا أيضا أموت و قد كنت مع الإمام الليلة الماضية في عالم الرؤيا و ساحدّثك عن هذا المنام إذا بقيت في الحياة.

و لم تدم الأيام ففي يوم 21/ 4/ 1368 ه‍. ش و بعد مرور ثمانية و ثلاثين يوما عن رحلة الامام (قدّس سرّه) و في حال جريان ذكر «لا إله إلّا اللّه» على لسانه المبارك فارقت روحه الدنيا الى حيث لقاء المعبود عزّ شأنه.

و كان لأهل خوانسار علاقة وثيقة و محبّة شديدة تجاهه، فحضر الناس و خرجت المدينة عن بكرة أبيها لتشييعه و حضور جنازته، و قد أقيم أكثر من خمسين مجلس فاتحة في نقاط مختلفة من المدينة و القرى المحيطة بها و في طهران و أعلن الحداد الرسمي من قبل محافظ أصفهان في مدينة خوانسار.

18

و بقلوب منكسرة و دموع جارية شيّع الناس و المسؤولون الفقيد الى مثواه الأخير في جوار جدّه الأجلّ المرحوم آية اللّه العظمى السيد علي المجتهد، و روضته الآن تعدّ من الأماكن التي يقصدها الناس للزيارة و التبرّك، و هناك مطالب كثيرة لا يسع المجال للتحدّث عنها فنكتفي بهذا القدر سائلين اللّه تعالى أن يتغمّد سيدنا الوالد برحمته و يسكنه فسيح جنّاته و الحمد للّه ربّ العالمين.

مرتضى العلوي الخوانساري‌

19

نبذة حول الكتاب:

عزيزنا القاري: الكتاب الماثل بين يديك هو تقريرات فقهية لأبحاث الخارج للحبر الأجلّ فقيه الطائفة و ملاذها آية اللّه العظمى السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدّس اللّه سرّه)، و قد سطّرتها يراعة العالم الفاضل و المحقّق المدقّق السيد حسين العلوي الخوانساري طيّب اللّه رمسه. و موضوع هذا التقرير «البحث في صلاة المسافر» و قد تفضّل علينا بالنسخة الخطّية الوحيدة لهذه التقريرات ولد المقرّر حجّة الإسلام السيّد مرتضى العلوي الخوانساري دامت تأييداته، و هي ذات خطّ جميل و واضح إلّا في بعض الموارد المشوّشة أو المحذوفة نتيجة تغيّرات الزمان فاعتمدناها في تحقيق هذا الكتاب بعد أن قمنا باستنساخها و مقابلتها و من ثمّ تقويم متنها و تخريج الآيات و الأحاديث و الأقوال. و بالنسبة للكلمات غير الواضحة أو المصحّفة فقد قمنا بتثبيت ما يقوي احتمال صحّته و الإشارة الى ذلك في الهامش.

و الجدري بالذكر أنه لم يتوفّر لدينا أكثر من هذا البحث فاقتصرنا عليه آملين من المولى عزّ شأنه التفضّل علينا بالقبول، و الحمد للّه ربّ العالمين.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

بِسْمِ اللّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيم

23

المقصد السادس في صلاة المسافر

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

المقصد السادس (1) في صلاة المسافر و تنقيح البحث يتمّ برسم مباحث:

الأوّل (2) لا إشكال في وجوب القصر على المسافر

، و هكذا الإفطار في الجملة، و كونه عزيمة لا رخصة، و ما يظهر عن بعض العامّة (3) من كونه رخصة لظهور «لا جناح» في قوله عزّ اسمه في آية الصوم (4) فيه ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه، لأنّه مضافا بورود بناء اللفظ في آية الحجّ (5) مع وجوب الطواف، و استعمال هذه الكلمة في نفي البأس و الوجوب كليهما الأخبار الدالّة على كونه عزيمة (6). فبعد صراحة الأخبار في ذلك و إجماع الإماميّة عليه يغنينا عن التكلّم في دلالة «لا جناح» على الرخصة أو العزيمة.

ثمّ إنّه يعتبر في التقصير أمور:

____________

(1) النسخة التي بأيدينا تبدأ من هذا المقصد.

(2) تطرّق المصنّف (قدّس سرّه) حول المبحث الأول فقط كما يبدو من النسخة التي بأيدينا.

(3) الأم: باب صلاة المسافر ج 1 ص 179.

(4) النساء: 102.

(5) آل عمران: 97.

(6) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 490.

26

الأوّل (1) المسافة

و هي الضرب في الأرض ثمانية فراسخ. و ما عن بعض العامّة بكفاية مجرّد الضرب في الأرض (2) لإطلاق الآية الشريفة (3)، أو اعتبار أزيد من ثمانية من يوم و ليلة و يومين أو ثلاثة أيّام كما عن بعض آخر منهم (4)، بين إفراط و تفريط، و يدلّ على خلافهما الأخبار المتكاثرة بل المتواترة (5)، فلا إشكال في فسادهما، إنّما الكلام في أنّ المدار على خصوص ثمانية فراسخ، أو يكفي السير في اليوم و إن لم يبلغ ثمانية فراسخ. و لكنّ الأقوى خصوص ثمانية فراسخ، فإنّ مسير يوم و إن ورد في الروايات لأنّه موجب للتقصير إلّا أنّ التأمّل في مجموعها يوجب القطع بأنّ مسير اليوم تحديد لثمانية، لا أنّه موجب للتقصير في عرضها، فيكون‌

____________

(1) أي الشرط الأوّل من شروط التقصير.

(2) الأم: باب صلاة المسافر ج 1 ص 179.

(3) النساء: 101.

(4) كتاب المبسوط: باب صلاة المسافر ج 1 ص 235.

(5) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 494.

27

مسير يوم نظير خمسة عشر رضعة و ارتضاع يوم و ليلة في أنّهما كاشفان عن إنبات اللحم و شدّ العظم الّذي هو موجب للحرمة.

و بالجملة: و إن كان ظاهر بعضها أنّ نفس سير اليوم موجب للقصر بلغ ما بلغ فهو في عرضها، إلّا أنّ الظاهر من المجموع أنّه في طول ثمانية فراسخ و بيان له، لأنّ الغالب بالنسبة إلى المتعارف تحقّق ثمانية بسير يوم، فمسير يوم جعل موجبا للقصر لكونه أمارة على تحقّق ثمانية، لا كونه بنفسه هو تمام الموضوع و عنوان خاصّ في عرض الآخر.

و يتّضح ما ذكرنا بذكر الأخبار الواردة في الباب: فعن فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) أنّه سمعه يقول: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ، لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لأنّ كلّ يوم بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم فما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله و لا فرق بينهما» (1). و هذه الرواية و إن كان ظاهرها أنّ المدار على مسير اليوم- و إنّما وجب القصر في سير ثمانية فراسخ لأنّها مسير يوم- إلّا أنّه معلوم أنّ كون ثمانية فراسخ مسيرة يوم حكمه للجعل لا أنّ اليوم هو الموضوع، فالمدار على الثمانية لكونه مسيرة يوم نوعا.

و يشهد لهذا ما ورد في العلل (2) و عيون الأخبار (3) زيادة على ما‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 490.

(2) علل الشرائع: ج 1 ص 266.

(3) عيون أخبار الرضا: باب علة التقصير في ثمانية فراسخ ج 2 ص 113.

28

تقدّم من قوله (عليه السلام): «و قد يختلف المسير» فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ، و سير الفرس عشرين فرسخا، و إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ، لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال و القوافل، و هو الغالب على المسير، و هو أعظم السير الّذي يسيره الجمّالون و المكارون» (1). فإنّ هذه الزيادة تدلّ على أنّ سير يوم من حيث هو لا أثر له، لاختلاف السائر في البطء و السرعة. فالمناط هو الثمانية، لأنّ نوع القوافل يسيرون ثمانية فراسخ في اليوم.

و عن الرضا (عليه السلام) في جواب زكريّا بن آدم: «التقصير في مسير يوم و ليلة» (2)، و عن أبي أيّوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن التقصير، قال: فقال: «في بريدين أو بياض يوم» (3).

و هذان الخبران ظاهران في اعتبار اليوم بناء على فعل الواو في الأوّل بمعنى «أو».

و كيف كان، الخبر الثاني بلحاظ العطف ب‍ «أو» ظاهر في أنّ مسير يوم مقابل للبريدين. و لكنّه لا يخفى أنّ مقتضى سائر الأخبار المصرّحة فيها بأنّ مسير اليوم إذا كان ثمانية فراسخ فهو الموجب للتقصير توجب التصرّف في هذا الخبر، بأن يكون المراد منه: أنّه إذا كان المقدار معلوما فهو، و إلّا يجعل السير في بياض يوم كاشفا عن المقدار، لأنّ نوع‌

____________

(1) عيون اخبار الرضا: باب علة التقصير في ثمانية فراسخ ج 2 ص 113.

(2) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 491.

(3) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 7 ج 5 ص 492.

29

القوافل تسير في بياض يوم ثمانية فراسخ.

و يشهد لذلك رواية سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال: «في مسيرة يوم، و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ» (1). و هكذا رواية ابن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: قلت: كم أدنى ما يقصّر فيه الصلاة؟ قال: «جرت السنّة ببياض يوم»، فقلت له: إنّ بياض يوم يختلف، يسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسير الآخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم، فقال: «إنّه ليس إلى ذلك ينظر، أما رأيت سير هذه الأثقال بين مكّة و المدينة، ثمّ أومأ بيده، أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ» (2). ثمّ يشهد لما ذكرنا سائر الأخبار المذكورة في الوسائل (3).

فالأقوى أنّ المدار على الثمانية الّتي هي بريدين، و هي عبارة عن أربعة و عشرين ميلا، فإنّ كلّ فرسخ شرعيّ ثلاثة أميال، فالتقصير لا يجوز إلّا في ثلاثة أميال، أي لا يجوز أقلّ من هذا المقدار، و لا يعتبر زيادة على هذا المقدار، فما ورد من طرقنا على خلاف ما ذكرنا في طرفي الزيادة و النقيصة إمّا موجّه بما يرجع إلى ما ذكرناه، و إمّا محمول على التقيّة، فما ورد أنّه يقصّر في البريد (4) يحمل على من أراد الرجوع ليومه، كما أنّ ما ورد من تحديد البريد بستّة أميال و بفرسخين (5) لا بدّ أن يحمل على‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 8 ج 5 ص 492.

(2) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 15 ج 5 ص 493.

(3) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 490- 494.

(4) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 494.

(5) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 495.

30

الفرسخ الخراسانيّ الّذي هو ضعف الفرسخ الاصطلاحيّ، لأنّ الراوي خراسانيّ.

و بالجملة: لا إشكال في أنّ المتّبع هو الثمانية الّتي فسّرت بالبريدين أو بأربعة و عشرين ميلا، كما أنّ بياض اليوم محمول على ما هو المتعارف من سير القوافل بأنّهم يسيرون في اليوم مقدار ثمانية فراسخ. و يدلّ عليه مضافا إلى ما تقدّم ما ورد عن الباقر (عليه السلام) في صحيح محمّد بن مسلم و زرارة: «قد سافر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم من المدينة، يكون إليها بريدان، أربعة و عشرين ميلا، فقصّر و أفطر فصار سنّة» (1).

ثمّ هل الفرسخ الّذي هو عبارة عن ثلاثة أميال تحقيقيّ كسائر التحديدات الشرعيّة كالكرّ و نحوه، أو تقريبيّ و المدار على ما يعدّ عرفا أنّه فرسخ؟ وجهان، و الأقوى هو الثاني، لأنّ التحديد التحقيقيّ إنّما يعتبر فيما يمكن إحرازه لعامّة المكلّفين، كالكرّ فإنّه و إن كان تحديدا للماء الكثير الّذي لا يستقذر بالنجاسة إلّا أنّه حيث يمكن إحرازه لعامّة المكلّفين بتحديده بثلاثة أشبار و نصف في مثله فيمكن اعتبار هذا المقدار تحقيقا، و أمّا ما لا يمكن إحرازه إلّا بالآلات أو رصد فلا يمكن جعله موضوعا لنوع المكلّفين.

و يشهد لما ذكرنا ما عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن حدّ الأميال الّتي يجب فيها التقصير،

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 491.

31

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) جعل حدّ الأميال من ظلّ عير إلى ظلّ و عير، و هما جبلان بالمدينة، فإذا طلعت الشمس وقع ظلّ عير إلى ظلّ و عير، و هو الميل الّذي وضع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عليه التقصير» (1). فإنّ جعل الحدّ بين الجبلين إنّما يتمّ لو كان التحديد تقريبيا كما هو واضح، لأنّ التحديد التحقيقيّ إنّما يتمّ لو يذرع بين الجبلين كما ذرعته بنو أميّة، ثمّ يذرع كلّ مسافة يسير فيها المسافر، إلّا أن يأخذ بالمتيقّن و يتمّ في غيره.

و بالجملة، لا يمكن أن يكون المدار على ثمانية فراسخ تحقيقيّ مع اختلاف الذراع و الأصابع و الشعيرات الّتي حدود الأميال بها. هذا مضافا باختلاف ما ورد في تفسير الميل من أهل اللغة (2)، و ما ورد في رواية زرارة عن الصادق (عليه السلام) في كون كلّ ميل ألفا و خمسمائة ذراع (3)، و ما ورد عنه (عليه السلام) في كون الميل ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع (4). و هذان الخبران و إن وجب إرجاعهما إلى أمر واحد- لأنّه لا يمكن الأخذ بكلا التحديدين- إلّا أنّه يدلّان على أنّه ليس المدار على التحقيق، و إلّا لجعلوا (عليهم السلام) التحديد بأمر لا يمكن أن يتفاوت، كما في الأشبار و الأرطال في الكرّ.

هذا مع أنّ الفرسخ و إن حدّد بثلاثة أميال إلّا أنّ الميل لم يحدّد في‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 12 ج 5 ص 497.

(2) القاموس المحيط: ج 4 ص 53 مادة: مال.

(3) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 16 ج 5 ص 498.

(4) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ذيل ح 13 ج 5 ص 497.

32

الأخبار، فيرجع إلى ما يسمّيه العرف، و الظاهر أنّ الموضوع له للميل تقريبيّ، لأنّهم فسّروه بمدّ البصر من الأرض (1)، أو بمقدار يتميّز به الفارس من الراجل. و معلوم أنّ هذا المعنى- بحسب الموضوع- هو المعنى الشامل لمقدار خاص لا يضرّ الزيادة و القلّة يسيرا، و ليس من قبيل المنّ و الحقّة اللذين وضعا لمقدار خاصّ لا يصدق على غيره إلّا بالمسامحة.

ثمّ إنّه هل يعتبر الثمانية الامتداديّة، أم يكفي التلفيق من أربعة ذاهبا و أربعة جائيا، إمّا مطلقا أو فيما إذا قصد الرجوع ليومه و إلّا فالتخيير بين القصر و الإتمام؟ أقوال، و قبل تنقيح الأقوال و بيان ما هو الأقوى لا بدّ من ذكر الأخبار الواردة في الباب، فنقول: هنا طوائف ثلاث: منها ما تقدّم ممّا ظاهره الثمانية الامتداديّة، منها ما يدلّ على التلفيق سواء قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد، و منها ما يدلّ على كفاية التلفيق إذا قصد الرجوع. ثمّ الطائفة الثانية بين ما هو ظاهر في كفاية الأربع في التقصير و بين ما يعتبر فيه الرجوع، فبعد حمل ما هو ظاهر في كفاية الأربعة على ما إذا قصد الرجوع لعدم العمل بكفاية ما هو ظاهر في كفاية الأربع مع أنّها مطلقات فيقيّد بما إذا قصد الرجوع تصير النتيجة:

أنّ الأخبار على طوائف ثلاث:

فالطائفة الثانية، مثل رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ» (2)، و رواية زيد‌

____________

(1) القاموس المحيط: ج 4 ص 53 مادّة: مال.

(2) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 10 ج 5 ص 497.

33

الشحّام قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «يقصّر الرجل الصلاة في مسيرة اثني عشر ميلا» (1)، و عن معاوية بن وهب قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه الصلاة، قال:

«بريد ذاهبا و بريد جائيا» (2)، و عن المروزيّ، قال: قال الفقيه:

«التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا و جائيا» (3)، و عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن التقصير، قال:

«في بريد» قلت: بريد؟ قال: «إنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (4).

و أمّا الطائفة الثالثة: ففي الفقه الرضويّ قال: «فإن كان سفرك بريدا واحدا و أردت أن ترجع من ذلك قصّرت، لأنّ ذهابك و مجيئك بريدان. إلى أن قال: فإن لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار، إن شئت أتممت و إن شئت قصرت» (5). و استدلّوا أيضا بما روى محمّد بن مسلم، فإن قوله (عليه السلام): «فقد شغل يومه» يشعر بأنّ الموضوع ما إذا كان الثمانية حاصلة من الرجوع في اليوم، و هكذا رواية ابن وهب فإنّها مشعرة كذلك.

إذا عرفت ذلك فنقول: الأقوى أنّ الملفّق من الثمانية حكمه حكم‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 494.

(2) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 494.

(3) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 495.

(4) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 496.

(5) فقه الامام الرضا (ع): ب 21 باب صلاة المسافر و المريض ص 159- 161.

34

الثمانية الامتداديّة، سواء قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد. أمّا عدم اعتبار خصوص الثمانية الامتداديّة فلأنّ غاية ما يدلّ عليه الأخبار ظهور الثمانية في الامتداديّة، فلا يعارض ما هو حاكم عليها، و يدلّ صريحا أنّ حكم الملفّق حكم الامتداديّة، فالقول باعتبار خصوص الامتداديّة كما حكي عن أبي المكارم (1) لا مدرك له، كما أنّ التخيير بين القصر و الإتمام كما عن الشيخ في كتابيه المعدّين للأخبار (2) لا وجه له، لأنّ التخيير فرع التكافؤ، و عدم إمكان الجمع بحسب الدلالة، و قد عرفت أنّ صريح الأخبار جعل الملفّق في حكم الامتداد، فلا تعارض بين الطائفتين، و لم يدلّ دليل خاصّ على التخيير في الأربعة الملفقة حتّى فيمن أراد الرجوع ليومه، بل صريح الأخبار الواردة في حكم أهل مكّة هو تعيين القصر حتّى لمن لم يرد الرجوع ليومه، فعن معاوية بن عمّار أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات، فقال (عليه السلام): «ويحهم- أو ويلهم- و أيّ سفر أشدّ منه، لا تتمّ» (3). و هكذا غيره من الروايات الدالّة على وجوب القصر و تعيينه.

و بالجملة، لم يدلّ دليل على التخيير لمن أراد الرجوع في يومه، و أمّا التخيير لمن لم يرد الرجوع ليومه- كما هو المشهور بين القدماء- فلا مدرك‌

____________

(1) غنية النزوع ضمن (الجوامع الفقهية): كتاب الحج ص 495.

(2) تهذيب الأحكام: ب 23 باب الصلاة في السفر ذيل ح 5 ج 3 ص 208، الاستبصار: ب 133 باب في مقدار المسافة ح 7 ج 3 ص 223.

(3) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 499.

35

له سوى الرضويّ (1)، و هو لا يعارض المطلقات المتقدّمة، بل المصرّحة في تعيين القصر لمن لم يرد الرجوع كما في الأخبار الواردة لأهل مكّة، فإنّهم لا يرجعون ليؤمهم مع أنّه وجب عليهم القصر، فراجع الأخبار (2).

و بالجملة، مقتضى الجمع بين الأخبار أنّ الثمانية الملفّقة في حكم الثمانية الامتداديّة، و هذا مضافا بصراحة بعضهما في هذا المعنى شهادة الآخر فيه، فإنّ قوله (عليه السلام): «فقد شغل يومه» (3) كالصريح في أنّ مقدار شغل اليوم من المسافة هو الموجب للقصر، سواء كان امتداديّا أو تلفيقيّا، و سواء قصد الرجوع ليومه أو لم يقصد، فإنّ حكم من لم يقصد الرجوع حكم من سافر في الثمانية الامتداديّة في ثلاثة أيّام أو أزيد.

ثمّ إنّ الاكتفاء في بعض الأخبار بالأربعة من دون ضمّ الرجوع إليه إنّما هو لأنّ الأربعة الامتداديّة كما هو ظاهرها مستلزم لأربعة أخرى، و يشهد له رواية محمّد بن مسلم (4)، فإنّ الإمام (عليه السلام) أجابه عن حدّ التقصير- أوّلا- بالأربع، و لمّا كانت الثمانية ارتكازيّا له تعجّب من هذا و قال: بريد؟ فأجابه (عليه السلام)- ثانيا- بأنّه كلّ أربع مستلزم لأربع، فقد يتمّ مقدار بياض يوم. فهذه الرواية شاهد للجمع بين الأربعة و الثمانية، فكلّ منهما بمعنى واحد، و لا تعارض بينهما أصلا، فلا وجه للتخيير في غير الثمانية للامتداديّة.

____________

(1) فقه الامام الرضا: ب 21 باب صلاة المسافر و المريض ج 1 ص 159.

(2) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 3، 4، 7، 8 ج 5 ص 499- 500.

(3) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 496.

(4) نفس المصدر السابق.

36

ثمّ لا دلالة في غير الرضويّ بأنّ الأربعة الملفّقة موجب للقصر إذا قصد الرجوع ليومه، و إلّا فالتخيير- كما هو المشهور بين القدماء- لا مدرك له سوى الرضويّ، و حيث إنّه لا يقاوم سائر الروايات الصريحة في عدم اعتبار الرجوع لليوم فالأقوى هو كفاية التلفيق مطلقا، لأنّ الرضويّ حجّة إذا علم أنّه مرويّ عن الإمام (عليه السلام)، و الظاهر أنّ هذا المضمون هو فتوى أحمد بن محمّد بن عيسى الّتي صارت منشأ فتوى الفقهاء.

و بالجملة، مع صراحة أخبار الباب في أنّ غير مريد الرجوع ليومه يجب عليه التقصير كما في أخبار باب مكّة (1)، بل يظهر من التواريخ أنّ التمام من بدع عثمان- عليه اللعنة- و تبعه معاوية- لعنه اللّه عليه- بعد أن صلّى أوّلا القصر (2)، فلا وجه لما ذهب إليه المشهور من القدماء، كما عرفت أنّه لا وجه لما ينسب إلى شيخ الطائفة من التخيير في الأربعة الملفّقة. و العجب من الروضة (3) أنّه نسب التخيير مطلقا إلى جماعة، و في خصوص الصلاة إلى خبرين، لأنّه ليس في الأخبار ما يدلّ على التخيير، حتّى فيمن أراد الرجوع ليومه.

إن قلت: لعلّ وجهه، إمّا من باب تعارض أخبار الثمانية و أخبار‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 5، 7، 8 ج 5، ص 500.

(2) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 500.

(3) اللمعة الدمشقية: فصل في صلاة المسافر ج 1 ص 780.

37

الأربعة، فبعد التكافؤ المرجع هو التخيير، أو من جهة أنّ أخبار الثمانية نصّ في وجوب القصر عند تحقّق ثمانية و ظاهر في اعتبار الامتداد، و أخبار الأربعة نصّ في كفاية الأربعة الملفّقة للتقصير و ظاهر في تعيين القصر، فيدخل ظاهر كلّ على نصّ الآخر ينتج التخيير في الأربعة الملفّقة.

و بعبارة أخرى، التحديد بين الأقلّ و الأكثر ينتج أنّ للمكلّف الأخذ بالحدّ الأكثر فيصلّى تماما و بالأقلّ فيصلّي قصرا، ففيما دون الثمانية الامتداديّة لا يتعيّن عليه القصر.

قلت: أمّا كون مدركه يعارض الأخبار فقد عرفت أنّه فرع التكافؤ، و بعد عدم المنافاة بين دليل الحاكم و المحكوم لا تصل النوبة إلى التخيير، لأنّ الأربعة الملفّقة و إن لم تكن سير ثمانية فراسخ حقيقة إلّا أنّها هي حكم، فبعد توسعة الموضوع في دليل الحاكم، و جعل المدار على سير الثمانية الأعمّ من الامتداديّة و الملفقة فلا تعارض رأسا.

و أمّا كون الملاك هو الجمع الدلالي (فأوّلا) هذا الجمع في كلّ مورد قيل به- حتّى في مثل ثمن العذرة سحت (1) و لا بأس ببيع العذرة (2)- لا يخرج عن الجمع التبرّعي أو التورّعي، لأنّ كلّ كلام مشتمل على مفاد واحد، و اشتماله على نص من جهة و ظهور من جهة ليس إلّا تحليليّا، فحمل ظاهر أحدهما على نصّ الآخر ممّا لا يرجع إلى محصّل.

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 126.

(2) وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 126.

38

و أمّا (ثانيا) فلأنّه لو كانت المتعارضتان من قبيل التحديد بين الأقلّ و الأكثر، بأنّ ورد نصّ على أنّ حدّ التقصير هو الثمانية و نصّ آخر على أنّه هو الأربعة مطلقا و لو لم يقصد الرجوع رأسا، لكان لهذا الجمع وقع، و أمّا بعد حمل الأخبار الأربعة على الأربعة الملفّقة، و حكومة أدلّة الأربعة الملفّقة على الأدلّة الظاهرة في الثمانية الامتداديّة فلا وقع لهذا الجمع أصلا. هذا مع ما عرفت في أنّ في الأخبار الملفقة ما هو نصّ في تعيين القصر.

و العجب من أستاذ الأساتيذ شيخنا الأنصاريّ (في حاشية نجاة العباد) (1) أنّه جعل الإتمام هو الأقوى لو لم يرد الرجوع ليومه، بعد أن احتاط الجمع بين القصر و بينه، لأنّ كون الإتمام متيقّنا لو كان الأمر من الدوران بين التعيين و التخيير لا نعرف له وجها، إلّا أن يكون- (قدّس سرّه)- نظره إلى قصور أخبار التلفيق عن الشمول لما لم يقصد الرجوع ليومه، أو إعراض الأصحاب عنها. و لكنّه لا يخفى ما في كليهما.

و كيف كان، فالمدار على الملاحظة الأدلّة لا الأقوال، و بعد عدم إعراض الأصحاب عنها فالمدار على ما يستفاد من مجموع الأدلّة، و بعد حمل الأخبار الأربعة المطلقة على المقيّدة- كما يشهد له عدّة أخبار- ينتج أنّ حد التقصير بحيث لا يجوز فيه التمام هو الثمانية الأعمّ من الامتداديّة و التلفيقيّة.

ثمّ إنّ هاهنا فروعا يجب التعرّض لها:

____________

(1) نجاة العباد: كتاب الصلاة ج 1 ص 180.

39

الأول: هل يكفي مطلق التلفيق

، و يختصّ بالأربعة ذاهبا و جائيا فما زاد، أو يفصّل بين ما إذا كان الذهاب أزيد من الإياب فيقصّرون (1)، ما إذا كان الذهاب ثلاثة و الإياب خمسة فيتمّ، و الأوسط هو الوسط.

أمّا الأوّل فلا مدرك له أصلا سوى ما يتوهّم من مثل رواية محمّد بن مسلم (2) أنّه جعل المدار على شغل اليوم، فإذا ذهب فرسخا و رجع سبعة فقد شغل يومه، و لكنّه فاسد بلا إشكال، لما عرفت أنّ شغل اليوم هو بنفسه ليس من موجبات القصر، بل لأنّ فيه يتحقّق الثمانية، و عرفت أنّ الثمانية ظاهرة في الامتداديّة- و إلّا عمّمنا ما في الملفقة أيضا، لظهور الأخبار المعمّمة- ينحصر موردها بالأربعة ذاهبا و الأربعة جائيا.

فلو كان أحد الطرفين أقلّ من ذلك فلا يدلّ على أنّه مثل الثمانية الامتداديّة دليل، بل في العلل أنّ أبا الحسن (عليه السلام) قال: «هل تدري كيف صار هكذا؟» قلت: لا، قال: «لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون التقصير في أقلّ من ذلك، فإذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة» (3) فهذا يدلّ على أنّ الأقلّ من الأربع في الطرفين لا يكفي، إلّا أن يقال: إنّ الظاهر منه‌

____________

(1) كذا في الأصل، و الظاهر أنّ «و بين» قد سقط هنا.

(2) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 496.

(3) علل الشرائع: ب 89 نوادر علل الصلاة ح 1 ج 2 ص 367.

40

عدم كفاية الأقلّ من الثمانية، لا عدم كفاية الأقل من الأربعة ذاهبا و الأقلّ منها جائيا. نعم ليس في الأخبار ما يدلّ على كفاية مطلق التلفيق، فالقول بكفاية مطلق التلفيق ممّا لا وجه له.

هذا مع أنّ السفر إنّما يتحقق بمقدار خاصّ من البعد، و مجرّد الخروج عن حدّ الترخّص أو الوصول إلى نصف فرسخ لا يعدّ مسافرا و لو رجع سبع و نصف.

نعم، هذا التعديل لا يجري فيما إذا كان الذهاب خمسة و الإياب ثلاثة، لأنّ البعد تحقّق فلو قلنا بأنّ الربعة ذهابا الربعة إيابا إنّما هو من باب المثال فإنّما يوجب التعدّي عمّا إذا كان الذهاب أزيد من الإياب، و أمّا إذا كان بالعكس فلا يمكن التعدّي إليه بلا إشكال. مع أنّه بعد صراحة ما في العلل (1) و محاسن البرقيّ (2) لا وجه للقول بكفاية مطلق التلفيق.

و بالجملة، لم يدلّ الدليل على كفاية التلفيق إلّا إذا كان كلّ من الذهاب و الإياب أربعة، و لو قيل بالتعدّي إلى ما كان الذهاب خمسة- مثلا- و الإياب ثلاثة فلا وجه للتعدّي إلى العكس.

الثاني: بعد ما عرفت أنّه ليس المدار على شغل اليوم فلا فرق بين أن يسير الثمانية الممتدّة في يوم واحد أو ليلة واحدة

و الأزيد (3) و من هذه‌

____________

(1) علل الشرائع: ج 1 ص 266.

(2) كتاب المحاسن: كتاب العلل ح 29 ص 312.

(3) كذا في الأصل: و الظاهر تصحيف «أو أزيد».

41

الجهة قلنا بأنّ الثمانية الملفّقة لا يعتبر فيها قصد الرجوع ليومه. و بالجملة، المدار على سير ثمانية فراسخ و لو في أيّام متعدّدة.

نعم، لا بدّ أن يصدق عليه عنوان المسافر، فلو خرج عن هذا العنوان- كما لو سافر كلّ يوم فرسخا له، للمشقّة عليه، أو كونه على عكس الماء، أو في الوحل و الثلج و نحوهما، بل للتنزّه و نحو ذلك، كمن يدخل في مضيف بعد أن خرج من الآخر المتقارب له- لا يدخل في عنوان المسافر.

الثالث: لا إشكال في أنّ مبدأ الثمانية أوّل آن صدق عليه اسم المسافر

، فإنّ اعتبار حدّ الترخّص إنّما هو لتخصيص حكم المسافر لا لبيان موضوع السفر، فإنّه يتحقّق غالبا بالخروج عن المنزل بقصد المسافرة و لو لم يخرج عن سوره، فضلا عمّا إذا خرج عن سورة، ففي موثّقة عمّار «لا يكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (1).

و بالجملة، لا يؤخذ مبدأ المسافة من حدّ الترخّص، و لا ملازمة بين عدم جواز التقصير قبل حدّ الترخّص، و كونه هو مبدأ المسافة كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا فرق- فيما ذكرنا- بين البلاد المتّسعة و غيرها، و لا بين أهل القرى و البوادي، فيؤخذ مبدأ الثمانية لو قيل بتحقّق السفر بالخروج عن خطّة البلد عن الخطّة حتّى في البلاد المتّسعة مثل أصبهان و تبريز، و لا‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 504.

42

اعتبار بالمحلّة إذا كانت متّصلة بمحلّة أخرى، بل و لو كانت منفصلة بنهر و شط كالحلّة و بغداد. نعم، إذا كانت البلدة منفصلة المحالّ، بحيث عدّ كلّ محل بلدة غير محلّة أخرى، فالحكم على المحلّة، كما أن بالنسبة إلى أهل البوادي لو خرج عن الحيّ و العشيرة الّتي سمّيت باسم واحد، فالمبدأ يؤخذ منه.

و بالجملة، المدار على الخروج عن البلد و ما بحكمه لا الخروج عن المحلّة. نعم، لو قلنا بأنّه يتحقّق صدق المسافرة بالخروج عن الدار فالحكم واحد.

و بالجملة، مجرّد وسعة البلد لا يوجب أن يؤخذ مبدأ المسافة من المحلّة، و يلاحظ حدّ الترخّص بالنسبة إليها أيضا، بل الحكم في المتّسعة و غيرها واحد بالنسبة إلى المبدأ و حدّ الترخّص، إلّا إذا عدّ كلّ محل بلدة و لو سمّي المجموع باسم واحد، كالهنديّة في عراق العرب، و الكزار في عراق العجم، و لنجان في أطراف أصبهان، و خوانسار بالنسبة إلى محالّها الثلاثة، فإنّ كلّ محلّة غير الأخرى، و هكذا جرفاوقان فإنّها و إن كانت اسما لمجموع القرى و نفس البلدة إلّا أنّ كلّ قرية منها غير الأخرى، و كلّ واحد غير نفس البلدة. و أمّا أصبهان فهي و إن كانت وسيعة إلّا أنّ محالّها متّصلة، نعم كلّ قرية منها غير الأخرى.

الرابع: لو قصد المسافة عرضا لا طولا

، بأن سافر على نحو الدائرة، فحكمه حكم الطولي فيجب القصر، و لا إشكال فيه، لصدق المسافة، إنّما الإشكال في أنّه يعدّ الثمانية الامتداديّة مطلقا، أو الملفّقة مطلقا، أو‌

43

يفصل بين ما إذا كان له في البين مقصد فمن خروجه عن خطّة البلد إلى المقصد يعدّ ذهابيّا، و من خروجه منه إلى بلده يعدّ إيابيا، فيعتبر أن يكون كلّ منهما أربعا، بناء على ما تقدّم من اعتباره فيهما، و يثمر الثمرة أيضا في الرجوع ليومه و عدمه.

و بالجملة، لو لم يكن له مقصد في محيط الدائرة، بل ليس له إلّا السير على نحو الدائرة، فيعدّ المجموع مسافة امتداديّة و إلّا فيعدّ تلفيقيّة، و ذلك ظاهر بالمراجعة إلى العرف.

و أمّا القول بأنّ الوصول إلى مقابل قطر الدائرة الّذي هو مقابل لبلده ذهابيّ و السير عنه إلى بلده إيابي و لو لم يكن له في رأس القطر مقصد فممّا لا يساعده العرف، لأنّ كلّ نقطة يمكن أن يجعل مبدأ القطر، و لا خصوصيّة للقطر الّتي مقابل البلد بالخطّ المستقيم.

و أمّا القول بأنّ كل الدائرة ذهابيّ و لو كان في وسطها بلدة تكون هي مقصد المسافر فممّا لا وجه له.

و على أيّ حال، فطريق الاحتياط واضح و إن كان الأقوى أنّ هذا النحو من السير لا يعدّ من الثمانية التلفيقيّة، لا لما ينسب إلى الشهيد (1)- (قدّس سرّه)- من اعتباره الرجوع من نفس الخطّ الّذي ذهب إليه، فإنّ هذا دعوى بلا دليل، لأنّ قوله (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (2) يشمل ما إذا رجع عن غير الخطّ الّذي ذهب‌

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 9 ج 5 ص 496.

44

عنه، بل لأنّ أخبار التلفيق لا يشمل هذا المقدار من البعد بين الخطّ الذهابيّ و الإيابيّ. و على هذا فلا يفيد وجود المقصد في البين في شمول أخبار التلفيق لهذه الصورة.

هذا مع أنّه يلزم- بناء عليه- اختلاف الذهاب و الإياب باتّحاد المقصد و تعدّده، لأنّه لو تعدّد المقصد فلا بدّ أن يجعل منتهى الذهاب آخر المقاصد، و هذا واضح فساده، فالحقّ أنّه لو جعل هذا من المسافة التلفيقيّة فمنتهى الذهاب هو المسامت لقطر الدائرة المقابل لنقطة السير، و مبدأ الإياب هو منتهى الذهاب و منتهى نقطة السير، و قلنا: إنّ طريق الاحتياط واضح.

الخامس: إنّما يجب القصر بعد العلم ببلوغ المسير حدّ المسافة، أو ما يلحق به كالبيّنة

، و أمّا العدل الواحد فلا دليل على حجّيّة قوله في الموضوعات مطلقا.

و يلحق به في المقام الشياع و لو لم يفد العلم، و ذلك لما تقدّم في صدر المبحث أنّ أصل التحديد تقريبيّ لا تحقيقيّ، ثمّ حمل سائر المواضع على التحديد التقريبيّ ليس إلّا تقريبا في تقريب، و ذلك لأنّه لو جعل الحدّ بين الجبلين- و هما العير و الوعير- فمع عدم ذرعهما يكون نفس الحدّ تقريبيّا، ثمّ استكشاف سائر المواضع و الموارد في أنّه بمقدار بين الجبلين ليس إلّا تقريبيّا، فيستفاد منهما أنّ المدار على ما يسمّى في العرف فرسخا، فإذا شاع بين الناس بأنّه بين النجف و كربلاء ثلاثة عشر فرسخا فالمدار على ما شاع.

45

ثمّ إنّ في الشبهة الحكميّة- كما لو شكّ في كفاية التلفيق، أو في اعتبار الرجوع ليومه- يجب الفحص عن الأدلّة أو عن فتوى مجتهده أو الاحتياط، و أمّا في الشبهات الموضوعيّة- كما في مورد تعارض البيّنتين و نحوه- فلو توقّف رفع الشبهة على مجرّد السؤال و نحوه فيجب، لعدم صدق الشبهة في مورد يمكن حصول العلم بالنظر و نحوه، ففي نحو هذه الموارد لا يجوز الرجوع إلى الأصول العمليّة.

و أمّا لو توقّف رفعها على أزيد من ذلك فحيث قد تبيّن في محلّه أنّ في الشبهات الموضوعيّة لا يجب الفحص، فالمرجع هو الأصول العمليّة، لأنّ المورد و إن كان من مورد العلم الإجمالي إلّا أنّه يؤثّر في التخيير لو لم يكن أحد طرفيه موافقا للأصل، و في المقام الأصل هو التمام و ذلك بتقريبين:

أحدهما: هو الاستصحاب الموضوعيّ، و هو عدم صيرورته مسافرا، فإنه قبل ذلك لم يكن مسافرا، فإذا شكّ في أنّه صار مسافرا فالأصل بقاؤه على هذا العنوان، و هذا ليس مثبتا، لأنّه لم يرتّب الأثر، أي التمام على عنوان الحاضر، بل التقصير رتّب على المسافر، و كلّ من كان متّصفا بنقيض هذا العنوان فعليه التمام. و على هذا فلا مجال لاستصحاب وجود التمام، لأنّ الاستصحاب الحكميّ مع الشكّ في الموضوع غير جار، و مع إحرازه بالاستصحاب فيرتّب عليه الحكم فلا نحتاج إلى استصحاب الحكم.

و ثانيهما: أنّ كلّ حكم علّق على أمر وجوديّ، ففي مورد الشكّ في‌

46

وجود المعلّق عليه لا بدّ من إحرازه، و إلّا يبنى على ضدّه أو نقيضه، و ذلك كالاعتصام المعلّق على الكرّ أو كونه جاريا أو مطرا و نحو ذلك، فإنّه لو لم يحرز الكرّيّة يحكم بنجاسته بالملاقاة، لا من باب قاعدة المقتضى و المانع فإنّها ليست قاعدة مبنيّة على أساس، بل لأنّ تعليق الحكم على قيد يدلّ بلازم الخطاب عرفا على أنّ مورد الشكّ مبنيّ على عدم حصول القيد و عدم الحكم، لا من باب استعمال اللفظ في الحكم الواقعيّ الظاهريّ فإنّه باطل، بل من باب الملازمة العرفيّة المستفادة من التعليق، و إلّا فاللفظ مستعمل في الحكم الواقعيّ. و من هذا القبيل تعليق الحلّيّة و الرخصة على طيب النفس، ففي الشكّ في رضا المالك لا يجوز له التصرّف، و في المقام الترخيص في القصر، و التسهيل على المسافر علّق على سير المسافة الخاصّة، فمع الشكّ في حصولها يبنى على عدمه.

السادس: لو صلّى قصرا ثمّ تبيّن عدم كون مقدار السير مسافة، فهل يجب الإعادة أو القضاء أولا؟ وجهان

، و الأقوى هو الوجوب، فإنّ الإجزاء مبنيّ على أحد من الوجهين، و كلاهما لا دليل عليه:

الأوّل: قاعدة الإجزاء المعروفة كلّيّة، و قد بيّنّا في الأصول أنّ مقتضى المذهب عدم الإجزاء، لا سيّما مع انكشاف الخلاف القطعيّ.

الثاني: أنّ حكم القصر مترتّب في المقام على الواقع و على ما قام عليه الطريق كليهما، فيدور القصر إمّا على الثمانية الواقعيّة، و إمّا على ما أحرز أنّه ثمانية إمّا بالبيّنة أو بالشياع الظنّي، و هذا و إن لم يكن تصويبا‌

47

باطلا- لأنّ التصويب في الموضوعات لا دليل على بطلانه، لا سيّما في موضوع خاص- إلّا ان الدليل على الإلحاق لا بدّ أن يكون قطعيّا، فإدخال الشياع الظنّيّ- و نحوه- في الموضوع الواقعيّ ممّا لا وجه له.

نعم، هنا شي‌ء تقدّم الإشارة إليه، و هو أنّ الموضوع في المقام ليس تحقيقا، بل المدار على ما يعدّ في العرف أنّه ثمانية فتبيّن الخلاف في المقام، لا بدّ أن يلاحظ بالنسبة إلى هذا النحو من الموضوع لا الثمانية الواقعيّة، ففي مورد وجب القصر، و لو علم أنّه لا يبلغ الثمانية التحقيقيّة لا إشكال أنّه لو انكشف عدم كونه كذلك لا يجب الإعادة و القضاء، فمحلّ الكلام أنّه لو تبيّن عدم كونه ثمانية عرفا، و الأقوى وجوب الإعادة و القضاء و لو اعتمد على أمارة ظاهريّة، كالبيّنة و نحوها من الشياع الظنّيّ.

و على هذا ظهر حكم عكس المسألة، و هو ما لو صلّى تماما ثمّ تبيّن كون ما قصد سيره مسافة، فإنّ الاستصحاب و إن كان مدركا له إلّا أنّه ليس حجّة مع تبيّن الخلاف في الواقع، فالأقوى وجوب الإعادة و القضاء في هذه الصورة أيضا.

48

الشرط الثاني (1) قصد المسافة

فمجرّد قطعها من دون قصد لا يوجب التقصير، فالهائم الّذي لا مقصد له، أو طالب الغريم أو الآبق الّذي يقصد الرجوع متى وجده لا يقصّر و إن زاد سفره على أضعاف المسافة، و الدليل عليه مضافا بأنّ القاعدة الأوّليّة المستفادة من مجموع أحكام المسافر يقتضي ذلك- فإنّ وجوب التقصير بعد الخروج عن حدّ الترخّص لا يعقل إلّا أن يكون قاصدا للمسافة، و إلّا لا بد أن يكون الحكم موقوفا على بلوغ المسافة خارجا- الأخبار الخاصّة، ففي مرسلة صفوان قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتّى بلغ النهروان، و هي أربعة فراسخ من بغداد، أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصّر؟ قال: «لا يقصّر و لا يفطر، لأنّه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنّما خرج يريد أن يلحق‌

____________

(1) أي الشرط الثاني من شروط التقصير.

49

صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الّذي بلغه، و لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار» (1)، و تقدّم في صدر المبحث موثّقة عمّار، فإنّ قوله (عليه السلام): «لا يكون مسافرا حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (2) ظاهر في أنّه يراد منه: حتّى يقصد سير ثمانية من منزله أو قريته. و في موثقة الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يخرج في حاجته و هو لا يريد السفر، فيمضي في ذلك يتمادى به المضيّ حتّى يمضي به ثمانية فراسخ، كيف يصنع في صلاته؟ قال:

«يقصر و لا يتمّ الصلاة حتّى يرجع إلى منزله» (3) فإنّ الرواية ظاهرة في حكم الرجوع، حيث أنّه يقصد المسافة.

و بالجملة، مجرّد قطع المسافة لا يوجب التقصير بل تقدّم أنّه لا يمكن الالتزام به مع وجوب القصر بمجرّد الخروج عن حدّ الترخّص.

ثمّ إنّ هاهنا فروعا:-

الأوّل: أنّه لو طرأ لغير القاصد القصد في الأثناء

، فهل يعتبر كون مقصوده بنفسه مسافة أو يكفي بلوغها و لو بضمّ الرجوع إلى الذهاب لو كان كلّ منهما أربعا، لأنّه لا خصوصيّة لهذه الصورة بحيث يكفي فيه مطلق التلفيق؟.

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 503.

(2) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 3 ج 5 ص 504.

(3) وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب صلاة المسافر ح 2 ج 5 ص 503.

50

فلو سافر ستّة فراسخ بلا قصد، أو يقصد خصوصها من دون قصد الرجوع، ثمّ بدا له سير فرسخ مع قصد الرجوع فلا موجب للتقصير، لأنّه و إن أنشأ قصد سير ثمانية فراسخ فرسخا ذهابيّا و سبعة إيابيّا إلّا أنّ التلفيق إنّما يكفي لو كان كلّ من الذهاب و الإياب أربعا، لما تقدّم أنّه لا دليل على كفاية مطلقة. و في حكم هذه الصورة من حيث عدم الإلحاق ما لو سافر سبعة فراسخ بلا قصد ثمّ قصد فرسخا مع قصد الرجوع، فإنّ هذا الفرسخ لا يضمّ إلى الإياب و إن كان بنفسه مسافة، بل يقصّر بعد الرجوع، و ذلك لأنّ قصد نفس الفرسخ لا أثر له في تحقّق المسافة، و القصر إنّما يشرع بعد تحقّق قصد نفس المسافة و هو يتحقّق بالشروع في الرجوع، فلو سافر ثمانية فراسخ بلا قصد، ثمّ بدا له سير فرسخ أو فرسخين أو ثلاثة مع الرجوع، فلا يجوز له القصر إلّا عند الرجوع، لأنّ الثمانية بلا قصد كالعدم، و ذهاب فرسخ أو فرسخين أو ثلاثة بنفسه ليس مسافة، و ضمّها إلى الإياب إنّما يفيد لو كان كلّ من الذهاب و الإياب بريدا، فقصد ما هو أقلّ من بريد لا أثر له.

الثاني: أنّه كما يعتبر القصد في الابتداء كذا يعتبر في الأثناء

، أي لا بدّ من استمرار قصد قطع المسافة، فلو عدل عنه في الأثناء يرجع إلى حكم الحاضر، و كذا لو تردّد في الأثناء.

و يدلّ عليه ما في العلل عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر لهم، فلمّا انتهوا إلى الموضع الّذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا، فلمّا أن صاروا‌

51

على رأس فرسخين أو ثلاثة أو أربعة فراسخ تخلّف منهم رجل لا يستقيم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أيّاما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة، أو يقيموا على تقصيرهم؟ فقال: «إن كان بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم، أقاموا أم انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصّروا»، ثمّ قال (عليه السلام): هل تدري. إلى آخره الّذي تقدّم ذكره في الشرط الأوّل (1).

و صحيحة أبي ولّاد قال: قلت لأبي عبد اللّه: إنّي خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، و هو من الكوفة على نحو عشرين فرسخا في الماء، فسرت يومي ذلك أقصّر الصلاة، ثمّ بدا لي في الدليل الرجوع إلى الكوفة، فلم أدر أصلّي في رجوعي بتقصير أو تمام، فكيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: «إن كنت سرت في يومك الّذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير، فإنّك كنت مسافرا إلى أن تصير إلى منزلك، قال: و إن كنت لم تسر في يومك الّذي خرجت فيه بريدا فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تريم (2) من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الّذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير إلى‌

____________

(1) علل الشرائع: ب 89 نوادر علل الصلاة ج 2 ص 367.

(2) التريم من باب رام، أي زال و فارقه. «منه (رحمه اللّه)».

52

منزلك» (1).

فإنّ هاتين الروايتين تدلان على أنّ الترديد أيضا في حكم العزم على العدم في انقلاب حكم القصر إلى التمام، و لا يضرّ اشتمال الثانية على وجوب إعادة ما صلاه قصرا الّذي ينافي مع صحيحة زرارة (2) الّتي هي المعمول بها عند الأصحاب من عدم وجوب الإعادة، و على الفوريّة في القضاء الّتي لا نقول بها، لأنّ عدم العمل ببعض مضمونها لا يضرّ بحجيّتها في الباقي، مع أنّه يمكن حملها على الاستحباب كما حملوا عليه رواية المروزيّ عن الفقيه، قال (عليه السلام): «التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و جائيا. إلى أن قال: و إن كان قصر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة» (3).

و بالجملة، كما يعتبر القصد في الابتداء كذا يعتبر في الأثناء، لأنّه لم يجعل القصر دائرا مدار مجرّد قصد الثمانية في خبر من الأخبار، بل على قطعها مع قصدها و إن تبعيّا اختياريّا أو مجبوريّا بل اضطراريّا، بحيث لو لم تكن صحيحة زرارة لقلنا: إنّ مقتضى القاعدة إعادة ما صلاه قصرا إذا رجع عن نيّته أو تردّد، حتّى لو قلنا بأنّ الأمر الظاهريّ موجب للإجزاء، لأنّه ليس ما صلاه قصرا مطابقا للأمر الظاهريّ، بل أمر خياليّ لم يقل أحد بكونه موجبا للإجزاء، فلو لم يستمرّ قصده يجب عليه التمام.

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب صلاة المسافر ح 5 ج 5 ص 504.

(2) وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب صلاة المسافر ح 1 ج 5 ص 541.

(3) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب صلاة المسافر ح 4 ج 5 ص 495.