بلغة الفقيه - ج1

- السيد محمد بن محمد تقي بحر العلوم المزيد...
352 /
9

الجزء الأول

[الخطبة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه جاعل العلم حياة القلوب من الردى، و نور الأبصار من العمى، و رافع قدر العلماء بتفضيل مدادهم على دماء الشهداء (1).

و الشكر له على انتظامنا في عدادهم، أو مكثري سوادهم. و أفضل صلواته و أكمل تحياته على أهل علمه المخزون، و سره المكنون، حملة علم الكتاب: محمد و آله الأطهار الأطياب.

و بعد فيقول الراجي عفو ربه الغني محمد بن محمد تقي آل بحر العلوم الطباطبائي: إني- و ان كنت أول الأمر عند استقبال العمر لم أقصر في طلب العلوم حسب إمكاني، و لم يضع في غيره إلا القليل من زماني، فكم سهرت لتحصيلها طوال الليالي، و استخرجت بغوص الفكر في بحارها غوالي اللئالي، أجيل في مضاميرها سوابق أفكاري، و أصيب غوامضها بصوائب سهام انظاري- لكني لم أحفظ بالتحرير ما استحصلته من

____________

(1) هذا مضمون أحاديث نبوية كثيرة متقاربة اللفظ، منها ما «عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن علي- (عليه السلام)- قال قال رسول اللّه (ص) إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء».

راجع- عن فضل العلم و العلماء- كتاب العلم من (بحار الأنوار ج 1- 2) من الطبعة الجديدة. فقد جمع فأوعى كل الآيات و الأحاديث الواردة في ذلك الموضوع:

و ذكر العجلوني في (كشف الخفاء ج 2 برقم 2276) الحديث بلفظ «مداد العلماء أفضل من دم الشهداء» و استعرض ألفاظ الحديث المختلفة، فراجع.

10

الضياع، إذ كل علم ليس في القرطاس ضاع.

حتى إذا تألب (1) عليّ صروف الزمان، و اختلف باختلاف أغراضي الجديدان (2) و ولى من العمر أفضله، و أدبر مستقبلة، و ذهب بصري، فخفت أن يذهب- كذهاب عيني- أثري.

فهممت بتحرير بعض المسائل المهمة- لو ينفع بالشيخ الهمّ بذل الهمة- أخذا بقولهم- (سلام اللّه عليهم)-: «ما لا يدرك كله لا يترك كله» (3) و الميسور لا يسقط بالمعسور (4).

قصرت أملي على من حضرني- على اختلاف معرفتهم و اختلاف شئونهم في تشتيت البال و كثرة المعوقات من الاشتغال.

فحيثما عثرت على تعقيد في التعبير، أو سماجة (5) في التحرير فقد عرفت أمره و أسلفنا لك عذره.

و قد سميتها (بلغة الفقيه لما يرتجيه) رجاء أن يبلغنا اللّه تعالى بها مبالغ رضاه، و يجعلها من أحسن الوسائل يوم نلقاه.

فنقول:

____________

(1) تآلب: تجمّع و تحشّد.

(2) الجديدان و الأجدان: الليل و النهار، لأنهما لا يبليان أبدا، و هما لا يفردان فلا يقال: للواحد منهما: الجديد أو الأجد.

(3) حديث نبوي شريف، ذكره العجلوني في (كشف الخفاء ج 2 رقم 2258). و ذكر ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه (غوالي اللئالي):

أنه علوي.

(4) حديث علوي- كما ذكره في كتاب (غوالي اللئالي)- راجع الحديثين أيضا في (حاشية الاشتياني على رسائل الشيخ الأنصاري ص 189) طبع إيران.

(5) سمج- بالضم- سماجة و سموجة: قبح.

11

رسالة في الفرق بين الحقّ و الحكم

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

مسألة

[الفرق بين الحق و الحكم بحسب المفهوم و الحقيقة]

لما خفي الفرق على كثير بين الحق و الحكم، و التبس الأمر بينهما، مع ابتناء كثير من الفروع الفقهية عليهما، و الفرق في الحقوق بين ما يقبل النقل و الاسقاط، و بين ما لا يقبلهما أو يقبل أحدهما دون الآخر.

أحببت أن أشير إلى الفرق بينهما بحسب المفهوم و الحقيقة، و تحصيل ما هو الميزان الفارق بينهما و الثمرات المترتبة عليهما، و ميزان الفرق في الحقوق بين ما يسقط بالإسقاط و ما لا يسقط به، و ما تصح المعاملة عليه- مجانا- أو بعوض، و ما لا تصح بهما أو بأحدهما، و معرفة مصاديق الحكم أو الحق مما وقع الخلاف فيه، و مصاديق الحقوق القابلة للإسقاط و النقل و غير القابلة لهما أو لأحدهما، و حكم صورة الشك في كل من الأمرين بحسب ما تقتضيه الأصول و القواعد. فنقول- و باللّه المستعان-:

اما الحكم: فهو جعل بالتكليف أو بالوضع، متعلق بفعل الإنسان من حيث المنع عنه و الرخصة فيه، أو ترتب الأثر عليه. فجعل الرخصة- مثلا- حكم، و الشخص مورده و محله، و فعله موضوعه. و هو لا يسقط بالإسقاط، و لا ينقل بالنواقل- بالبديهة- لأن أمر الحكم بيد الحاكم لا بيد المحكوم عليه. نعم، لو كان معلقا على موضوع، و كان داخلا فيه، كان له الخروج عنه، فيسقط به- حينئذ- لا بالإسقاط.

و أما الحق فهو يطلق- مرة- في مقابل الملك، و أخرى- ما يرادفه.

و هو- بمعنييه-: سلطنة مجعولة للإنسان من حيث هو على غيره و لو بالاعتبار: من مال أو شخص أو هما معا، كالعين المستأجرة، فإن للمستأجر سلطنة على المؤجر في ماله الخاص.

14

و هو أضعف من مرتبة الملك، أو أول مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدة و الضعف.

و له طرفان: أحدهما- طرف النسبة و الإضافة، و يعبر عن المنسوب اليه بصاحب السلطنة، و ذي السلطان، و الآخر- طرف التعلق، و يعبر عن متعلقة بالمسلط عليه.

و هو: قد يكون مستقلا بنفسه كحق التحجير، و قد لا يكون مستقلا بنفسه، بل متقوم بغيره كحق المجني عليه على الجاني، و حق القصاص، فهو كالملك الذي قد يكون متعلقة مستقلا، و قد لا يكون كالكلي في الذمة و قد يتحدان في المورد، و إنما يختلفان بالاعتبار كسلطنة الإنسان على نفسه و لذا قيل: «الإنسان أملك بنفسه من غيره». و منه قوله تعالى- حكاية عن كليمه- إِنِّي لٰا أَمْلِكُ إِلّٰا نَفْسِي وَ أَخِي (1) فما به التعلق عين ما إليه الإضافة، و انما يختلف بالاعتبار.

و من فروع هذه السلطنة: تملكه للمباح الأصلي و العرضي بالحيازة، الذي مرجعه الى حصول الربط بها بين الحائز و المحوز، و إرجاع أمر المال الى نفسه، و جعل نفسه في وثاق المال و بعهدته، بحيث لو كان مما يجب عليه الإنفاق و كسوته و حفظه لاحترامه، كان أولى به، فتعلق المال بالمالك معنى له طرفان: الغنم، و الغرم، و أولويته به ليس في خصوص النفع و كل ذلك من فعل نفسه بنفسه، و ليس إلا لسلطنته عليها، و منه يظهر للوجه في توقف نفوذ التمليكات المجانية كالهبة و الوصية على قبول المتهب و الموصى له، لأن المالك لا سلطنة له على غيره حتى يدخل المال في ملكه قهرا عليه، و إلّا لكان من الإيقاعات لا من العقود. نعم، له التمليك

____________

(1) و تمام الآية قٰالَ: رَبِّ إِنِّي لٰا أَمْلِكُ إِلّٰا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفٰاسِقِينَ سورة المائدة: آية 25.

15

لأنه من آثار سلطنته على ماله.

و أما التملك، فمن آثار سلطنة المتملك على نفسه. فالسلطنة المجعولة حق، و صاحبها مالك، و ذو سلطان، و ان كان جعلها له حكما.

و كذا الآثار العارضة لها و المتعلقة بنفسها بحيث تكون نسبتها إليها نسبة العارض الى المعروض، فيكون الحق موضوعا لذلك الحكم، دون ما كان منتزعا منها، بحيث تعد من شعبها و تطوراتها، فإنها من الحقوق أيضا.

و هنا كثيرا ما يقع الاشتباه بين القسمين من الآثار في المصداق و أنه من العوارض على السلطنة أو من شعبها ..

ثم الإسقاط الذي مرجعه الى العفو: عبارة عن قطع طرف التعلق عن متعلقة، و مورده الإنسان، و يشبهه في الأعيان الأعراض، بناء على خروج المعرض عنه عن الملك و عوده إلى الإباحة الأصلية، و إلّا- كما هو المقرر في محله من عدم الخروج به عنه كما هو المشهور- انحصر مورده بالحقوق المتعلقة بالإنسان، و لو في ماله، بناء على ما هو الحق: من أن أولوية السبق في المساجد و المدارس و الخانات و الرباطات و القناطر و الطرق النافذة، و نحو ذلك من الأحكام التي تنتفي بانتفاء موضوعها بالإعراض عن المحل، و هو التزاحم الذي هو موضوع المنع و الحرمة، لا من الحقوق التي تسقط بالاعراض.

و لعلك تقف على توضيح ذلك في بيان المصاديق المشتبهة بينهما.

و النقل: هو تحويل طرف الإضافة منه الى غيره: بعوض، أو مجانا فكل من النقل و الاسقاط من عوارض السلطنة و أحكامها.

ثم الحق قد يضاف اليه تعالى، فيكون متعلقة ما سواه من الممكن، و سلطنته عليه من أتم مراتب السلطنة و أكملها، لأنه سلطنة عليه بالإيجاد و الربوبية، ضرورة افتقار الممكن في تحققه الى الواجب، لعدم الاستقلالية

16

له في الوجود.

و من فروع هذه السلطنة و حقه على الممكن أن يعبد و يوحّد.

و من رشحاتها: ولاية النبي (ص) على المؤمنين (1) و هي- و ان لم تكن من سنخ سلطنة اللّه تعالى- إلا أنها سلطنة عنه تعالى بالاستخلاف.

و ولاية خلفائه الطاهرين، و نوابهم المجتهدين.

فهي في طول سلطنة اللّه على خلقه. و لذا كان النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- خليفته في أرضه و الأئمة خلفاءه في أمته، و العلماء نوابهم في شيعتهم.

و هي أقوى و أشد و أولى و أكمل من سلطنة الإنسان على نفسه مع كونها في غاية الشدة و الكمال، لأن منشأ انتزاعها هو كون الشي‌ء نفسه.

و الى السلطنتين و اكملية الأولى من الثانية أشار (ص) في قوله بغدير خم: «أ لست أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ثم جعلها بعد الاعتراف منهم توطئة لبيان ولاية علي (عليه السلام)، فقال:- بعده-: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» (2) فولايته على الأمة التي هي بمعنى الأولوية بالتصرف: مشتقة من أولوية النبي (ص) المشتقة من سلطنته تعالى على خلقه.

[الحق- بما هو حق- يختلف بحسب اختلافه في سقوطه بالإسقاط، و عدمه]

ثم إن الحق- بما هو حق- يختلف بحسب اختلافه في سقوطه بالإسقاط، و عدمه، و نقله الى غيره مجانا أو بعوض، و عدمه، و انتقاله قهرا بالإرث، و عدمه- إلى أنحاء شتى:

____________

(1) قال اللّه تعالى في كتابه المجيد- سورة الأحزاب- 6- النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ..

(2) راجع- في هذا الموضوع سندا و دلالة-: الجزء الأول من كتاب الغدير للحجة الأميني حفظه اللّه.

17

منها- ما لا يجوز عليه شي‌ء من ذلك، فلا يسقط بالإسقاط، و لا ينقل بالنواقل، و لا ينتقل بالإرث و نحوه: كحق الأبوة، و ولاية الحاكم و حق الاستمتاع بالزوجة للزوج، و حق الجار على جاره، و المؤمن على أخيه. فإنها حقوق لأربابها لا تسقط، و لا تنتقل الى غيرهم بوجه من الوجوه.

و منها- ما يجوز فيه كل ذلك، كحق الخيار، و حق القصاص، و حق الرهانة، و حق التحجير، و حق الشرط المطلق.

و منها- ما يسقط بالإسقاط، و لا ينقل و لا ينتقل، كحق الغيبة، و الإيذاء بضرب أو شتم أو إهانة أو نحو ذلك- بناء على كونه حقا- و لذا يجب الاستحلال منه، و لا يكتفى بالتوبة في التخلص عنه (1).

و منها- ما يسقط بالإسقاط، و ينتقل بالإرث- على قول- و لا ينقل بالنواقل كحق الشفعة للشريك المسبب عن بيع شريكه.

و منها- ما ينقل- مجانا لا بعوض- كحق القسم بين الزوجات بناء على عدم مقابلته بالأعواض.

و منها- المصاديق المشتبهة بين كونها حكما أو حقا.

و ان وقع الخلاف في ذلك في بعض ما تقدم- أيضا- كحق الرجوع في المطلقة الرجعية و حق السبق في المسجد، و الأوقاف العامة، و الطرق النافذة و منشأ هذا الاختلاف: هو ان الموجب للحق: إما أن يكون علة تامة، فيستحيل انفكاكه عنه بسقوط أو انتقال، لاستحالة تخلف المعلول عن علته التامة، كولاية الآباء و الأقارب، و الحاكم، و منصوبة. و العزال

____________

(1) و ربما قيل: إنها محض الحكم بالإثم، و يكفي بالتخلص عنه بمحض التوبة شأن كل إثم بين العبد و ربه.

18

المنصوب بالعزل إخراج له عن الموضوع، لا إسقاط للحق مع بقاء منشأ انتزاعه.

و إما أن يكون من قبيل المقتضي فيمكن فيه التخلف بحسب ما يوجبه من السقوط أو النقل أو الانتقال، إلا إذا كان المنع عنه من جهة قصور في كيفيته بحسب الجعل، كأن يكون الحق متقوما بشخص خاص أو عنوان خاص، كحق التولية في الوقف إلى المتولي الخاص أو الحاكم، فلا يجوز العدول الى غير المجعول له بجعل الواقف من الشخص أو أفراد عنوان آخر و كذا حق الوصاية المجعول من الموصي لشخص خاص من حيث هو هو، أو كان مختصا له بالشرط، كحق الخيار المجعول لصاحبه بشرط مباشرته للفسخ بنفسه. فإن أمثال هذه الحقوق إنما هي متقومة بذوات مخصوصة أو عناوين خاصة، فلا تنتقل الى غيرها لعدم التقوم إلا بها، و ان جاز إسقاطها لعدم كون الموجب لها من العلة التامة.

فتلخص مما ذكرنا: أن الحق: إن كان موجبه علة تامة له، امتنع انفكاكه عنه مطلقا من غير فرق بين السقوط بالإسقاط، و النقل بالنواقل و الانتقال القهري بالإرث.

و ان كان من قبيل المقتضى له، و كان مختصا و متقوما بشخص خاص، فهو، و ان جاز سقوطه بالإسقاط لكونه مالكا، و ليس الموجب علة تامة حتى يلزم التخلف المستحيل، إلا أنه لا يجوز نقله لمنافاته الاختصاص المجعول بالأصل أو بالعارض بشرط و نحوه.

و ان لم يكن كذلك بأن لم يكن الموجب علة تامة، و لا الحق مختصا و متقوما بشخص خاص، جاز إسقاطه و نقله و انتقاله، لوجود المقتضي، و هو كونه مالكا للحق، و عدم المانع من علية الموجب له أو الاختصاص بما يوجب الخصوصية، كحق الخيار المطلق الذي يجوز إسقاطه و نقله و انتقاله.

19

هذا، و استفادة ما يتميز به الحكم من الحق و كيفية الحق من بين سائر الحقوق من الموازين المتقدمة، إنما هي من الأدلة بحسب ما يستفيده الفقيه منها، لا ما قيل في إثبات ذلك بالرجوع الى ثبوت الآثار و عدمه من النقل و السقوط، لأن ذلك- مع كونه مستلزما للدور- غير مطرد، ضرورة أن الحكم مما لا يسقط و لا ينقل، لا كل ما لا يسقط و لا ينقل كان حكما، فان الحقوق بعضها كالأحكام لا يسقط بالإسقاط و لا ينقل بالنواقل- كما عرفت.

نعم، لو دل الدليل على السقوط أو الانتقال أفاد كونه حقا، لأن الأحكام بأسرها لا تقبل شيئا من ذلك. و حيثما شك في شي‌ء من ذلك كان المرجع فيه الى ما تقتضيه الأصول و القواعد. فلو شك في شي‌ء بين كونه حكما أو حقا نفي كل أثر وجودي مترتب على كل منهما بالأصل، فلا يبنى على السقوط بالإسقاط، و لا على الانتقال بالنواقل، لابتناء ذلك على إحراز كونه حقا، و يكفى الشك فيه، فضلا عن كون مقتضى الأصل عدمه، و إن لم يثبت بذلك كونه حكما، لأنه من الأصل المثبت. و كذا لو شك في قابلية إسقاط الحق و نقله بعد إحراز كونه حقا، للشك في علية الموجب و عدمها، أو في اعتبار ما يوجب الاختصاص و عدمه، و ان أحرز كون الموجب مقتضيا، فإنه لا يترتب عليه شي‌ء مما يتوقف ترتبه على إحراز القابلية- أولا- نعم، يجوز التمسك بالعمومات بعد إحراز الصدق العرفي و القابلية العرفية عند الشك في القابلية الشرعية المنبعث عن الشك في تخطئة الشارع لما هو عند العرف، أو تصرّف منه فيه باعتبار شي‌ء فيه، أو مانعية شي‌ء عنه. فيدفع بالعمومات المتوجهة نحوهم الدالة على إمضاء ما هو المتعارف عندهم. إلا أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لمعلومية اختلاف الحقوق شرعا في جواز الاسقاط و عدمه، و جواز النقل و عدمه. و انما الشك في اندراج المشكوك في أي قسم منهما مصداقا، و بالعموم لا يتميز المصداق- قطعا.

20

[المصاديق المشتبهة بين الحق و الحكم]

إذا عرفت ذلك، فلنذكر المصاديق المشتبهة بين كونها حقا أو حكما و الحق من بين سائر الحقوق:

فمنها- جواز الرجوع في المطلقة الرجعية.

فقد ذهب المحقق القمي- (قدس سره)- و تبعه بعض من تأخر عنه- إلى كونه حقا يجوز الصلح عليه، مستدلا بعمومات أدلة الصلح التي منها:

«الصلح جائز بين المسلمين» (1) أي: نافذ، من: جاز السهم:

إذا نفذ:

و أنت خبير بما فيه، لأن الشك فيه: إن كان للشك في كونه حكما أو حقا، فهو من الشبهات المصداقية التي لا يجوز فيها التمسك بالعمومات- قطعا- و إن كان للشك في كونه من الحقوق التي تنقل بالصلح أو لا تنقل بعد البناء على كونه حقا- فمرجع الشك فيه إلى الشك في القابلية التي لا يتمسك لإثباتها بالعمومات- أيضا- اللهم إلا أن يجاب عن تمسكه بها- بعد البناء منه على كونه حقا كما هو صريح عبارته في كتاب (أجوبة

____________

(1) و هو حديث نبوي- من طريق الخاصة. و تتمة الحديث «.. إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا» راجع: شرح اللمعة للشهيد الثاني و وسائل الشيعة للحر العاملي، كتاب الصلح. و في الوسائل: عن أبي عبد اللّه (ع): «الصلح جائز بين الناس ..»‌

و المراد بالمحقق القمي هو الميرزا أبو القاسم القمي. قال في كتابه المشار إليه في المتن بأجوبة المسائل، المسمى ب‍ (جامع الشتات) كتاب الطلاق، باب جواز الصلح على الطلاق: ص 535 طبع حجري إيران: «.. و اما اندراجه في الصلح فبأن يجعله عوضا للصلح، فتقول المرأة: صالحتك هذه الفدية بأن تطلقني، و طلقها في عوضه، و يشمله عمومات أدلة الصلح، و أنه جائز بين المسلمين إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا».

21

المسائل) (1) بإرادة جواز وقوع الصلح عليه، بمعنى سقوط حق الرجوع الثابت للزوج بالصلح عليه، لا نقله به منه الى غيره، حتى يقال فيه:

من المحتمل أنه من الحقوق المتقومة بالزوج و مختص به، فلا ينتقل الى غيره، بل هو من الصلح الواقع في مورد الاسقاط و الإبراء، مع منع كون الموجب له علة تامة، حتى يمنع عن ذلك أيضا، فيكون الشك في نفوذ الصلح المتضمن للسقوط و عدمه من الشك في التخصيص الذي يرجع فيه الى العموم، دون الشك في التخصص.

نعم، تبقى المناقشة معه في كونه حقا، بل الظاهر أنه من الأحكام لا من الحقوق.

توضيح ذلك: أن المطلقة إن كانت زوجة- بعد- كما يعطيه صدق «وَ بُعُولَتُهُنَّ» الظاهر في الاتصاف الفعلي، و ترتب أحكام الزوجية الظاهر في كونها زوجة حقيقة، فمرجعه الى ضعف سبب الفرقة و هو الطلاق و أنه لم يؤثر قطع علقة الزوجية بالكلية، فالقدرة على الرجوع من آثار بقاء علقة الزوجية التي مرجعها إلى إبقاء تلك العلقة و إرجاعها كما كانت، و كما أن قطع العلقة بمعنى فكها عن الزوجية بيده، كالعتق في فك الملك بيد المالك فكذلك إبقاؤها على الزوجية. فكل من الإمساك و التسريح بيد الزوج و من أحكام سلطنته على الزوجة، لأنّها من عوارضها المتعلقة بها، فيكون الرجوع في العدة للزوج من قبيل جواز الرجوع في العقود الجائزة الذي هو من الأحكام، لكونه من آثار علقة الملكية السابقة، بناء على ضعف سببية العقد الجائز في قطع علاقة الملكية.

و ان قلنا بخروجها عن الزوجية بالطلاق، و ان ترتب عليها حكم

____________

(1) راجع: جامع الشتات للمحقق القمي المعروف ب‍ (أجوبة المسائل) كما في المتن: كتاب الطلاق باب جواز الصلح على الطلاق.

22

الزوجة- تعبدا- كما يشعر به قوله تعالى: .. أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ (1) لظهور الرد في الرجوع بعد الخروج. غير أنه تحدث للزوج سلطنة جديدة على إرجاعها و إبطال سببية الطلاق للفرقة. كما تحدث لذي الخيار سلطنة على فسخ العقد اللازم، و أن زمان العدة- نظير ثلاثة أيام الخيار الحيوان- كان حقا، لا حكما، كحق الخيار في العقود اللازمة. و حيث أن المستفاد من الأخبار، و كلمات علمائنا الأخيار: أنها زوجة- حقيقة- لا حكما تعبديا، و ان علقة الزوجية باقية، لا جرم اتجه كونه حكما، لاحقا، فلا يسقط بالإسقاط، و لا ينقل بالنواقل.

هذا، و قد حكى المحقق المتقدم عن بعض معاصريه: أن اثر الصلح مع الزوج على حق الرجوع ليس إلا الحرمة التكليفية، و إلا فلو رجع بعده نفذ رجوعه في إبطال الطلاق. و تعجب من ذلك غاية العجب.

قلت: و تعجبه في محله ان أراد تأثير الرجوع بعد سقوط حقه بالصلح عليه، إذ لا حق بالفرض حتى يرجع به. و لكن من المحتمل- قويا- أن يريد بوقوع الصلح كون المصالح عليه ترك الرجوع و نفس عدم الفعل الذي مرجعه الى مجرد الالتزام بعدم استيفاء حقه، لا سقوط الحقية من أصله.

و عليه، فله وجه وجيه يتمسك على صحته بعموم أدلة الصلح بناء على الأقوى من كونه عقدا مستقلا إن كان المصالح عليه نفس الترك و مجرد عدم الرجوع، لا نفس جوازه الذي هو حكم الحق و أثر من آثاره، لما عرفت من أن الحكم لا يسقط و لا ينقل لأن أمره بيد الحاكم، بل و يجوز

____________

(1) تمام الآية وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذٰلِكَ إِنْ أَرٰادُوا إِصْلٰاحاً ..: البقرة- 228.

23

الصلح على هذه الكيفية، حتى لو قلنا بأن حق الرجوع في العدة من الأحكام لا من الحقوق، لأن المصالح عليه بالفرض نفس الترك و عدم الرجوع، لا الحكم بجوازه.

فلا فرق في جواز الصلح على هذا التقرير بين كونه مصداقا للحق أو للحكم، غير أنه على التقديرين ينفذ رجوعه لو رجع بها، و إن أثم به، إلا أن الغالب وقوع الصلح في أمثال المقام لئلا يتمكن من الرجوع بحيث لا ينفذ رجوعه لو رجع، و هو لا يتم إلا بالصلح على الحق، لا مجرد عدم الرجوع مع بقاء الحق، فافهم.

[و منها- الخيارات]

و منها- الخيارات، فإنها من الحقوق- قطعا- لكونها سلطنة مجعولة بأحد أسبابها للمتعاقدين أو الأجنبي على إبطال العقد اللازم و حله، و موردها العقود اللازمة، و إلا فالعقد الجائز لا خيار فيه ما دام جائزا، إلا إذا عرض عليه اللزوم بسبب، فيؤثر- حينئذ- سبب الخيار فيه خيارا.

و كيف كان، فالظاهر جواز المعاوضة عليه بما يوجب نقله، فضلا عن سقوطه لعمومات أدلة المعاوضة، مضافا الى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) بعد إحراز القابلية بما دل على سقوطه بالإسقاط و انتقاله بالإرث الكاشفين عن عدم كون الموجب له علة تامة، و عدم كون الحق متقوما بذاته من حيث هو ذاته، و إلا لم يكن لينتقل عنه بالإرث.

[و منها- الأولوية بالسبق في المساجد و المدارس]

و منها- الأولوية بالسبق في المساجد و المدارس و القناطر و الرباطات و الطرق النافذة، و نحو ذلك من الحقوق الراجعة إلى عموم الناس أو المتلبس بعنوان منهم. فالذي يظهر من كثير منهم أنه من الحقوق، و لعله نظرا إلى إطلاق الحق عليه في حديث: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد كان

____________

(1) تمام الآية يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. المائدة- 1‌

24

أحق به» و في آخر: «كان له» بدل قوله «أحق به» (1) بناء على ظهور اللام فيه.

و يحتمل- قويا، بل لعله الأقوى- كونها من الأحكام، بمعنى تحريم مزاحمة السابق فيما سبق اليه مما له فيه حق بجعل الواقف الذي هو و غيره فيه شرع- سواء بذلك الجعل، ضرورة أن الواقف لم يجعله وقفا على السابق منهم حتى يختص به هو دون غيره، و لا أحدث السابق حقا جديدا له وراء ما جعل له الواقف حتى يكون له حقان: استحق أحدهما بالوقف كغيره، و الآخر استحقه بالسبق دون غيره، فيسقط هو بالإعراض عنه دون المجعول بالوقف، بل السبق سبب لحرمة مزاحمته فيه و مدافعته عنه مطلقا. و لو كان المزاحم من مصاديق عنوان الموقوف عليه، فتقديم السابق في تزاحم الحقوق كتقديم الأهم في تزاحم الواجبات في كونه من الأحكام. فبالاعراض عن المحل يرتفع التزاحم الذي هو موضوع الحكم بالتحريم، بل لعله يشعر به التعبير بالأحق في الحديث، و الزيادة لاختصاص الاستيفاء، و اللام لمطلق الاختصاص.

و ان أبيت إلا عن كونه حقا، كما لعله المشهور أو الأشهر بتقريب أن السبق يوجب تعيين العنوان الكلي في المصداق الخاص ما دام سابقا و شاغلا للمحل أو غير معرض عنه كتعيين مصداق المالك بالقبض في الخمس و الزكاة من السادة و الفقراء، فليس- هناك- للسابق إلا الحق المجعول بالوقف للعنوان أو الجهة المتعين له بالسبق، فيكون- حينئذ- من الحقوق، لا من الأحكام، فتظهر الثمرة.

مع انه على القولين- يسقط بالاعراض، و لا ينقل و لا يورث فيما

____________

(1) في (الجامع الصغير للسيوطي) و (كنوز الحقائق للمناوي- بمادة من- الحديث هكذا «من سبق الى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو له».

25

لو زوحم و دفع عن المحل كان المزاحم غاصبا، و صحة الصلاة فيه مبنية على مسألة اجتماع الأمر و النهي (1) بناء على كونه حقا، و أما على كونه حكما، فيصح تصرفه فيه، لأنه من التصرف في حقه بجعل الواقف، و ان فعل محرما بدفع السابق عنه، بل لعله ينعكس الأمر بعده، فيحرم على المدفوع مزاحمة الدافع. و لو تنزلنا و قلنا ببقاء الحرمة ما لم يعرض المدفوع عنه، فصحة الصلاة فيه- حينئذ- مبنية على مسألة الضد (2) لا مسألة اجتماع الأمر و النهي. فافهم.

[و منها- جواز الصلح على حق الدعوى و نفوذه]

و منها- جواز الصلح على حق الدعوى و نفوذه قال في (القواعد):

«لو صالح الأجنبي المدعي لنفسه ليكون المطالبة له، صح- دينا كانت الدعوى أو عينا» (3).

____________

(1) في شخص واحد و مصداق معين، لكن مع تعدد الجهة و الحيثية كالمثال في المتن، فان شخص الصلاة مأمور بها من حيث كونها صلاة و عبادة، و منهي عنها من حيث كونها تعديا و غصبا و المسألة خلافية، و ان كان المشهور امتناع ذلك، يقول الشيخ حسن صاحب المعالم في (معالمه): «. الحق امتناع توجه الأمر و النهي إلى شي‌ء واحد، و لا نعلم في ذلك مخالفا من أصحابنا و وافقنا عليه كثير ممن خالفنا.» راجع في تفصيل ذلك عامة كتب الأصول: باب مباحث الألفاظ‌

(2) المشهور ان الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن الضد العام بمعنى الترك، لا الضد الخاص، و لا عن أحد الأضداد الوجودية لا بعينه. و ان زعم البعض اقتضاء الأمر النهي عن مطلق الأمر النهي عن مطلق الأضداد: العامة و الخاصة، و المثال في المتن يمكن تصويره من باب الضد الخاص فان الدافع مأمور بإتيان الصلاة، و ذلك الأمر يقتضي نهي المدفوع عن إيجادها في الخارج. راجع عن تفصيل هذه المسألة- مباحث الألفاظ من كتب الأصول.

(3) راجع: قواعد العلامة الحلي: كتاب الصلح، الفصل الثالث في التنازع‌

26

قلت: الصلح مع المدعي: اما أن يكون من الأجنبي لنفسه «أو من المدعى عليه. و على التقديرين، فاما أن يكون الصلح على المدعى به، أو على مجرد حق الدعوى لأنه من الحقوق لا من الأحكام، فان كان على المدعى به- و كان من الأجنبي- انتقل اليه حق الدعوى، تبعا لما انتقل اليه بالصلح من المدعى به- عينا كان أو دينا- و ان كان من المدعى عليه، سقط الحق عنه، لأنه لا يملك على نفسه، و ينتقل إليه المدعى به إن كان عينا و لم يكن له في الواقع مع فرض صحة الصلح منه. و ان كان على حق الدعوى مجردا عن المدعى به، فالظاهر بطلان الصلح و عدم نفوذه لعدم استقلالية هذا الحق لنفسه حتى يصح الصلح عليه، ضرورة كونه منتزعا من الحق المدعى به و مسببا عنه، دائرا مداره وجودا و عدما، فلا استقلالية له في الوجود: بل وجوده وجود عرضي يتحقق بوجود معروضة. كيف، و ما كان كذلك يستحيل تفكيكه عنه و نقله بالصلح، لأنه من تخلف المعلول عن علته التامة، و هو الوجه في عدم جواز الصلح عليه مجردا، إلا ما قيل: من أنه لو صالح عليه و أثبت المدعي به ليس له أخذه، لأنه لم يصالح عليه حتى يجاب عنه- كما في جامع الكركي- بأنه بالصلح يقوم مقام المدعي في أخذ المدعي به بعد إثباته (1).

____________

(1) راجع: جامع المقاصد في شرح قواعد العلامة: ج 1 كتاب الصلح:

الفصل الثالث في التنازع، فإنه علق على نفس عبارة العلامة الآنفة بعبارة طويلة آخرها قوله: «.. و كذا لقائل أن يقول: لم لا يجوز الصلح على استحقاق الدعوى فقط، فان ذلك حق و يجوز الصلح على كل حق، لكن يرد عليه- حينئذ- أنه لو ثبت الحق امتنع أخذه لعدم جريان الصلح عليه. و يجاب بان الصلح لو جرى على أصل الاستحقاق، فان ثبت الحق أخذه و الا كان له استحقاق الدعوى و طلب اليمين. و بالجملة: فيقوم مقام المدعى ..»‌

27

هذا، و لكن الأظهر بطلان الصلح على المدعى به قبل إثباته لأنه محكوم ظاهرا بملكيته للمدعي عليه، و هو مستلزم لبطلان الصلح عليه ظاهرا لأنه من الصلح على مال الغير شرعا، و هو باطل. فمرجع الصلح- حينئذ- ليس إلا الصلح عن حق الدعوى الذي يكفي في ثبوته احتمال صحته، و انتقاله اليه بهذا المعنى مستلزم لانتقال متعلقة في الواقع إن كان له ليقوم الاحتمال في حقه أيضا، تصحيحا للمعاملة، و ان لم يكن له فالمصالح عليه هو نفس هذا الحق المنتزع من احتمال كون متعلقة له.

و لعله مراد (الكركي) في الجواب، بأنه بالصلح يقوم مقام المدعي في أخذ المدعي به بعد إثباته، و إلا فكيف يستحق المدعى به بعد الإثبات مع انه لم يجر الصلح عليه؟.

و كيف كان، فالصلح يبطل ان وقع عن المدعى به- فقط- و كذا إن وقع عن حق الدعوى بشرط التجرد عنه، و إنما يصح لو جرى على حق الدعوى- لا بشرط- هذا، و لو جرى الصلح على نفس ترك الدعوى دون حقها لم يسقط حقه و كانت دعواه مسموعة، و إن وجب عليه الترك، و لكن، هل يجوز له أن ينقله الى غيره، فيطالب الغير به؟ الأقرب ذلك، لعدم منافاته لما التزم به بالصلح من عدم المطالبة- بنفسه أو بوكيله. و لو مات انتقل الحق إلى وارثه فله المطالبة به لعدم التزامه بما التزم به مورثه، و لو مات من كان عليه الدعوى- في الفرض- فله المطالبة من وارثه لأنه غير من التزم له بتركها إن وقع الصلح على ترك مطالبته، و ان وقع على ترك الدعوى على العين استمر المنع الى ما بعد الموت- أيضا- لأن الملتزم به ترك الدعوى على العين لا على من كانت بيده، بخلاف الأول، و مثله يجري التفصيل بين الإطلاق و التقييد فيما لو نقل العين الى غيره، فافهم.

[و منها- حق اليمين]

و منها- حق اليمين فإنه من الحقوق التي يصح الصلح عليها حيث

28

ما يستحق الإحلاف فيكون مفاد الصلح عليه هو الاسقاط.

[و منها- حق الغيبة، و سائر أنواع الإهانة]

و منها- حق الغيبة، و سائر أنواع الإهانة لأخيه المؤمن مما يوجب إدخال النقص عليه فإنها تسقط بالاستحلال لو أسقط، و لا ينقل و لا يورث. فالذي يتراءى- في بادئ النظر أن هذه الأفعال من الغيبة و الشتم و الإيذاء و نحو ذلك، أسباب توجب حدوث حق جديد للمغتاب و نحوه.

و لكن في الحقيقة ليس الأمر كذلك، بل هي متلفات للحق الثابت له بأصل الشرع، فهي من تضييع الحق و إتلافه، و ليس عليه إلا ما ضيعه من الحق التالف.

توضيح ذلك: إن للمؤمن- أو المسلم- حقوقا على أخيه، منها واجبة و منها مندوبة. و من الأول احترام عرضه، فإنه حق له مستمر على أخيه المسلم و احترام ماله من احترام نفسه. و لذا من لا حرمة له في نفسه لا حرمة لماله، كالحربي الذي يملك ماله، و لذا كان مكلفا بالعبادات المالية كالخمس و الزكاة، و ان لم يصح منه إلا بالإسلام، غير أنه يجوز لنا مزاحمته في ماله، لعدم احترامه. و المسلم، و ان كان ماله محترما، إلا أن زمام احترام ماله بيده، فله إسقاطه لعدم منافاته لاحترام نفسه، و لا كذلك احترام عرضه، فليس بيده زمامه حتى يسقط بإسقاطه. و لذا لا تحل غيبة من جعل الناس في حل من غيبته، و حرمة عرضه مستلزمة لتحريم كل ما يلزم منه عدمها، لأنها موجب لإتلاف حقه و تضييعه و عليه بدل التالف لاحق جديد، و وجوب الاستحلال مع عدم المحذور- لو قلنا به- فإنما هو للتخلص عن ضمان البدل الأخروي من تحمل ذنوبه أو تحويل حسناته اليه، كما ورد في بعض الأخبار، و هو أمر آخر، مع أنه يحتمل أن يكون ذلك كله أصلا و فرعا من الأحكام، و ان أطلق عليها لفظ الحق فتأمل.

[و منها- حق الشفعة]

و منها- حق الشفعة الذي دل الإجماع- بقسميه- و السنة المستفيضة

29

بل المتواترة معنى- على ثبوته للشريك ببيع شريكه حصته، فله سلطنة انتزاع المبيع- قهرا- من المشتري بنفسه، و هو يسقط بالإسقاط، إجماعا من المسلمين لكونه رخصة، لا عزيمة، شرع إرفاقا للشفيع بدفع ضرر الشركة عن نفسه، و لعدم كون الموجب له علة تامة، و ينتقل بالإرث على الأشهر- بل المشهور- للإجماع المحكي نصا و ظاهرا، المعتضد بالشهرة العظيمة، و للنبوي المنجبر: «ما ترك الميت من حق فلوارثه» (1) المؤيد بعمومات أدلة الإرث، كتابا و سنة.

و أما نقله بمعنى تحويله منه الى غيره، فلم أعثر على من جوزه، بل الظاهر، اتفاقهم على عدمه، من غير فرق بين نقله مستقلا أو منضما الى حصته.

و في سقوطه ببيع حصته، فللمشتري الشفعة فيه أو بقاؤه للأصل مع كون الشركة علة الحدوث دون البقاء- وجهان: و لعل الأول هو الأقوى نعم يصح الصلح المتضمن للإسقاط عليه مطلقا، و لو من الأجنبي فيسقط بمجرده من دون حاجة الى إنشاء الإسقاط، إلا إذا صالحه على نفس الاسقاط فيجب عليه فعله، و لا يسقط بدونه، و لكن، لو تركه و أخذ بحقه، ملكه، و إن أثم بالترك. و مثله ما لو وقع الصلح على مجرد ترك استيفاء الحق دون نفس الحق، فله استيفاؤه لبقاء الحق بالفرض، و ان أثم به.

اللهم إلا أن أن تدعى الملازمة بين السقوط و الالتزام بعدم الاستيفاء و لكنه على عهدة مدعيها.

نعم يبقى هنا سؤال الفرق بين الانتقال القهري بالإرث و النقل الاختياري إلى الأجنبي بأحد النوافل منضما معه حصته- أيضا- كي ينتقل

____________

(1) راجع: كتاب الرياض للسيد الطباطبائي: ج 1 فصل 3 الخيار، باب أن الخيار يورث.

30

في الأول، و لا ينتقل في الثاني مع اتحادهما في تحقيق الشركة و تجددها، و لعله لكون الإرث مرجعه الى قيام الوارث مقام المورث، و تنزيله منزلته. و لذا كان له ما ترك من حق، و لا كذلك النقل بالنواقل، فإنه من تحويل الملك من المالك الى غيره، لا من قيام الغير مقام المالك.

و ان أبيت عن ذلك، فنقول: الفارق بينهما هو قيام الدليل على ثبوت هذا الحكم المخالف للأصول و القواعد في الانتقال القهري من الإجماع و غيره و عدم قيامه في غيره مع منع عموم يقضي بصحة النقل في كل حق إلا ما خرج، مع أنه قد يقال: إن مرجع الشك- هنا- الى الشك في القابلية التي لا يمكن إجراؤها بالعموم، لو فرض وجوده- فتأمل.

[و منها- النفقات]

و منها- النفقات. و الأقرب: أن بعضها حقوق، و بعضها أحكام أما نفقة الزوجة، فهي من الحقوق- قطعا- لإطلاق الحق عليها في بعض النصوص. و لذا تقضى لو أخل بها الزوج مع تمكينه من نفسها- إجماعا- بقسميه، و منقوله فوق الاستفاضة، معتضدا بدعوى غير واحد عدم الخلاف فيه، فيسقط بالإسقاط و ينقل بالنواقل و ينتقل بالإرث كغيره من الديون.

و أما نفقة الأقارب من الأبوين- مطلقا- أو الأدنين منهما و الأولاد، فالأقرب إنها من الأحكام، إذ غاية ما يستفاد من أدلتها وجوب البذل للمواساة و سد الخلة، و لذا لا يقضيها من وجب عليه البذل لو أخل به، و إن أثم- بلا خلاف- كما عن جماعة بل إجماعا كما عن غير واحد (1)

____________

(1) قال المحقق في (الشرائع آخر كتاب النكاح باب القول في نفقة الأقارب «.. و لا تقضي نفقة الأقارب لأنها مواساة لسد الخلة فلا تستقر في الذمة». و قال سيدنا في (الرياض- في هذا الكتاب و الباب) «.. و تقضى نفقتها (اي الزوجة) دون نفقتهم (أي الأقارب) بلا خلاف في شي‌ء من ذلك، بل حكى جماعة الإجماع‌

31

و ليس إلا لما ذكرناه من كونه حكما لا حقا، و الا فالأصل في الحقوق المالية أن تقضى، و دعوى الخروج عنه في المقام بالإجماع و أنه من الإجماع على خلاف القاعدة- كما صرح به شيخنا في (الجواهر) (1) ممنوعة جدا، إذ لا موجب للالتزام بكونه حقا، حتى نلتزم بالخروج عن القاعدة للإجماع.

و حينئذ، فلا تسقط بالإسقاط و لا تنقل بالنواقل. و مثلها نفقة المملوك، فإنها تجب على المالك للمواساة و سد الخلة- أيضا- مضافا الى عدم إمكان فرض حق له عليه.

[و منها- الوصية]

و منها- الوصية التي هي عبارة عن إعطاء ولاية التصرف للوصي من الموصي في ثلث ماله بعد الموت. فهي من الحقوق، لأنها منتزعة من سلطنة المالك في ملكه، بل هي هي بعد تنزيل الوصي منزلة الموصي بأدلة الوصية، فانتقل منه ما كان له من ملكية التصرف إليه، فهي لا تسقط و لا تنقل بوجه من الوجوه.

____________

عليه و هو الحجة فيه مع النص الآتي في الأول مع تأمل يظهر وجهه. و عللوا الثاني بأن وجوب النفقة فيه على وجه المعاوضة في مقابلة الاستمتاع بخلاف نفقة القريب فإنها انما وجبت للمواساة و رفع الخلة .. فلا تستقر في الذمة و لا يجب قضاؤها» و بمثل هذا الحكم و التعليل في اللمعة و شرحها للشهيدين و الجواهر- في نفس الكتاب و الباب.

(1) قال شيخنا في (الجواهر- كتاب النكاح، باب نفقة الأقارب) في شرح قول المحقق (و لا تقضى نفقة الأقارب) «.. نعم قد يشكل أصل عدم وجوب القضاء بأن الأصل القضاء في كل حق مالي لآدمي، و دعوى كون الحق هنا خصوص السد الذي لا يمكن تداركه، واضحة المنع بعد إطلاق الأدلة المزبورة و حرمة للعلة المستنبطة عندنا .. فالعمدة حكم الإجماع فهو مع فرض تماميته في غير المفروض».

32

و لعل مثلها الوكالة على بيع الرهن في ضمن عقد الرهانة، فإنه من التولية عليه دون التوكيل، و لذا لا يملك عزله- على الأقوى- بخلاف غيره من العقود اللازمة لو اندرجت وكالة فيه، فإنه يملك عزله و ينعزل به، و إن أثم فيه- على رأي قوي- بل و لو شرط عدم نفوذ العزل كان من الشرط الفاسد الموجب للخيار، ضرورة منافاته لماهية الوكالة و حقيقتها التي هي عبارة عن مجرد الاذن الخاص في التصرف و محض الرخصة فيه و لذا كان جواز التصرف فيها من الأحكام لا من الحقوق. و لتفصيل الكلام فيه محل آخر. و بالجملة، غير بعيد دعوى الفرق بين جعله وكيلا على بيع الرهن في عقد الرهانة ليحصل الوثوق التام بالاستيفاء و الوكالة على غيره في سائر العقود اللازمة بجعل الأول من التولية التي لا بأس بها لو قلنا بأنه لا يملك عزله، و الثاني من الوكالة التي ينافيها عدم نفوذ العزل فيه.

[و منها- إجازة المالك في بيع الفضولي]

و منها- إجازة المالك في بيع الفضولي، فإنها من الأحكام لأن معناها إمضاء البيع الواقع في ملكه، فهو كما لو باعه بنفسه من الآثار المتعلقة بنفس السلطنة التي هي له، و مثلها الرد الذي مرجعه إلى إبقاء ملكه على ما كان، و كل من النقل و البقاء من الأحكام، لا من الحقوق.

هذا ما وسعني من الكلام في هذا المقام على تشتت البال و ضيق المجال و هو الموفق للسداد و الهادي إلى سبيل الرشاد [1].

33

التعليق

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

قال سيدنا الحجة خالنا المرحوم السيد محمد آل بحر العلوم- تغمده اللّه برحمته و أسكنه فسيح جنته- في رسالته في (تحقيق الفرق بين الحق و الحكم): «أما الحكم فهو جعل بالتكليف أو الوضع» الى أن يقول- (قدس سره)-: «و أما الحق فهو يطلق مرة- في مقابل، الملك و أخرى ما يرادفه ..» الى آخر كلامه- (رحمه اللّه).

أقول: قد يطلق الحق على عنوان عام شامل لكل ما جعله الشارع المقدس بالجعل التأسيسي، و الإمضائي. و هو بهذا الإطلاق عبارة عن التحقق و الثبوت. و يشمل الحكم الشرعي تكليفا و إمضاء.

و له إطلاق آخر أخص من هذا العنوان العام في اصطلاح الفقهاء، خصوصا المتأخرين منهم، و هو عبارة عن مرتبة ضعيفة من الملك، و إضافة ناقصة مجعولة من المالك الحقيقي- تبارك و تعالى- لذي الحق، أعم من وجود من عليه الحق أو عدمه.

و عبر عنها بعض المعاصرين بالملكية غير الناضجة، و هو تعبير حسن فان المرتهن للعين المجعولة من الراهن وثيقة لدينه الذي له عليه- و ان كان ذا إضافة و سلطنة عليها- و من هنا يمنع الراهن من التصرف فيما ملكه من العين المرهونة- مطلقا- أو خصوص التصرف المنافي لحق المرتهن- على‌

34

الخلاف- و لكن ليس للمرتهن بالنسبة إلى الرهن من التصرف فيه، سوى استيفاء دينه منه ببيعه و أخذ مقدار حقه من ثمنه عند امتناع تحصيله من المديون. و كذا من له الخيار في عقد البيع- مثلا- فإنه- و ان كان ذا حق متعلق بالعقد و سلطنة عليه من حيث القدرة على فسخه و إقراره أو متعلق بالعين التي خرجت عن ملكه الى ملك طرفه بالتسلط على إعادتها إلى ملكه بفسخ العقد، و من هنا يمنع طرفه من التصرفات المنافية لحقه فيما انتقل اليه و ملكه بالعقد- لكن حقه المجعول له لا يتجاوز التسلط على فسخ العقد أو إقراره، أو التسلط على استرجاع العين التي نقلها الى طرفه اليه- بناء على تعلق حقه بنفس العين المنقولة إلى طرفه- و هكذا كل من له حق بالمعنى الأخص، فإن له شأنا من شئون الملك. فان من له حق الشفعة فيما باعه شريكه في شركته، له أخذ الشقص [1] و تملكه من مشتريه بما اشتراه من الثمن- قهرا عليه- و من حجر على موات من الأرض، أو سبق الى وقف على عنوان يشمله، فأشغله بنفسه أو بمتاعه، فما له من الحق هو اختصاصه به و عدم الحق لآخر في مزاحمته عليه، و ان كان ممن يشمله عنوان الموقوف عليه- بناء على ما هو المشهور من كون ذلك من قبيل الحقوق- و ان احتمل سيدنا المصنف بل قوى كون ذلك من قبيل الأحكام- على ما سبق من رسالته- فراجع و مثله حق الاختصاص فيما لم يكن متمولا من الأشياء كالخمرة القابلة للتخليل، و نحو ذلك.

و الحاصل: إن العلقة و الإضافة الحاصلة بين المضاف و المضاف إليه إذا كانت تامة صالحة لأنحاء التقلبات تسمى ملكا. و إذا كانت ناقصة‌

____________

[1] الشقص- بالكسر- السهم و النصيب، مأخوذ من قولهم: شقص الذبيحة أي قطعها سهاما معتدلة بين الشركاء.

35

لا تصلح إلا لنحو من التقلب لقصور في نفسها أو متعلقها- تسمى حقا، كالإضافة الحاصلة للمرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة و الحاصلة للشفيع بالنسبة إلى حصة شريكه المبيعة في شركته، فان المرتهن ليس له سوى استيفاء دينه من الرهن إذا لم يفه المديون. و الشفيع ليس له من السلطنة إلا تملك ما اشتراه المشتري من الحصة بالثمن الذي اشتراه به. و كذا الإضافة الحاصلة لذي الخيار، فإنه- بناء على تعلق حقه بما خرج عن ملكه الى ملك طرفه- ليس له الا التسلط على إعادته إلى ملكه بفسخ العقد.

و أما بناء على تعلق حقه بالعقد و تسلطه على فسخه و إقراره، فالقصور في متعلق الإضافة.

و نظيره من هذه الجهة: حق التحجير على موات من الأرض و حق السبق الى مكان مباح أو وقف عام، فان الموات لا يملك بالتحجير عليه، و المباح و الوقف لا يملكان بالسبق إليهما. و غاية ما يحصل لمن حجر أو سبق حق اختصاص فيما حجر عليه أو سبق اليه لا يجوز غصبه منه و مزاحمته عليه.

[تعريف الحق و الحكم بيان المائز بينهما]

ثم ان المائز بين الحكم و الحق: هو ان الحكم لا يسقط بالإسقاط إذ هو مجعول من الشارع المقدس على موضوعه، فزمامه بيده، و أمر وضعه و رفعه اليه بخلاف الحق، فإن قوامه قابليته للإسقاط و العفو ممن جعل له و هو- و ان كان كالحكم من حيث الجعل من الشارع الأقدس- إلا أن نحو الجعل مختلف، فان الحق جعل لصاحبه بنحو يكون زمامه بيده، فله الأخذ به، و له العفو و الإسقاط، بخلاف الحكم فإنه مجعول من الشارع المقدس على موضوعه بنحو يكون رفعه بيد جاعله كوضعه.

و بالجملة: فان الحق سلطنة مجعول زمامها بيد ذي الحق فله القدرة على الإعمال و الاسقاط.

36

فما ذكره سيدنا الخال- (قدس سره)- حيث يقول: «منها- أي من الحقوق-: ما لا يجوز عليه شي‌ء من ذلك فلا يسقط بالإسقاط و لا ينقل بالنواقل و لا ينتقل بالإرث كحق الأبوة و ولاية الحاكم، و حق الاستمتاع بالزوجة و حق الجار على جاره و المؤمن على أخيه فإنها حقوق لأربابها لا تسقط و لا تنتقل بوجه من الوجوه» انتهى.

[المناقشة مع المصنف فيما يراه من الحقوق بأنها من الاحكام]

قابل للمناقشة، إذ الحق الذي هو سلطنة ضعيفة على الشي‌ء و مرتبة ناقصة من الملك بجميع اقسامه و أنحائه، قابل و صالح للإسقاط بمقتضى طبعه- كما حكي ذلك عن شيخنا الشهيد- (قدس سره)- و جعل ذلك هو الضابط في الفرق بين الحكم و الحق.

و ما افاده سيدنا: من تنظير ما لا يسقط بالإسقاط بحق الأبوة و ولاية الحاكم .. الى آخر ما ذكره من الأمثلة.

غير واضح، فإن جملة ما ذكر من الأمثلة ليس من الحق بالمعنى المصطلح الذي هو مرتبة ناقصة من مراتب الملك و انما هي من قبيل الأحكام- فان ما مثل به من (حق الأبوة) إن كان مراده بحق الأبوة وجوب إطاعة الولد للأب و حرمة معصيته مما كان مستلزما لعقوقه و سخطه، فإنه ليس من قبيل ما نحن فيه من الحق الذي هو بمعنى الملكية الضعيفة، و انما هو حكم شرعي إلزامي على الولد بالنسبة إلى والديه ثبت بدليله الخاص- احتراما لهما و جزاء على إحسانهما اليه، كما أنه لو كان المراد سلطنته على التصرف في مال ولده الصغير بما يحصل به حفظه عن التلف و ما يرجع الى مصلحته من البيع أو الشراء له بما له، و نحو ذلك، فإنه- أيضا- من الحكم الشرعي الثابت بدليله للأب فيما يرجع الى مال الولد و الترخيص في تصرفه فيه و نفوذه عليه، و ليس من الحق الاصطلاحي المذكور لمن له الحق مما يعود فيه نفع لذي الحق.

37

نعم، ثبت للأب عند مسيس الحاجة- جواز أخذ مال الولد و صرفه على نفسه و على من يعول به، ما لم يكن مجحفا و مسرفا في ذلك.

فعن الشيخ- (قدس سره)- بإسناده «عن محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه- (صلوات اللّه عليه)- قال: سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه قال (عليه السلام) يأكل منه ما شاء من غير سرف» قال و قال(ع) و في كتاب علي (ع): إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه، و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء .. الى قوله: و ذكر أن رسول اللّه (ص) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك».

و عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام): «أن رسول اللّه (ص) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج اليه مما لا بد منه، إن اللّه لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» [1].

و لعل سيدنا- (قدس سره)- يريد من حق الأبوة ما ذكرناه- أخيرا- و على كلّ، فالظاهر كون ذلك- أيضا- ليس من الملك الضعيف الذي هو حق اصطلاحا، و انما هو حكم من الشارع و ترخيص منه بأخذه ما يحتاج اليه من مال ابنه عند الحاجة الماسة اليه، و لا معنى لسقوطه بالإسقاط و لا نقله بالنواقل، و لا انتقاله بالإرث.

و أما ولاية الحاكم، فما لا إشكال فيه كون الفقيه الجامع للشرائط له ولاية التصرف في مال الطفل و الغائب- في الجملة- لمصلحتهما- و سيأتي‌

____________

[1] راجع هذين الحديثين في كتاب التهذيب- المكاسب- ج 6 ص 343 طبع النجف الأشرف.

و حديث «أنت و مالك لأبيك» تذكره عامة الصحاح عن النبي (ص) راجع كشف الخفاء للعجلوني: ج 1 ص 207 حديث (628)

38

بيانه في مبحث الولاية. و هي بالمعنى المذكور ليست من الحق الاصطلاحي أيضا، و انما ذلك حكم من الشارع و ترخيص منه للحاكم في التصدي لذلك رعاية لمصلحة المولى عليه، و لا يعود منه نفع للحاكم غير الأجر و الثواب.

و أما حق الاستمتاع للزوج بالنسبة إلى زوجته، فعدم كونه من الحق- بمعنى الملك- واضح، فان مرجعه الى حكم من الشارع على الزوجة بعدم جواز امتناعها و ترفعها عن ذلك عند ارادة الزوج له فيما لو كان ملتزما بحقوقها الواجبة عليه، و لا مناسبة بينه بالمعنى المذكور- و بين الحق بمعنى الملك.

كما أن مرجع حق الجار على جاره أو الأخ المؤمن على أخيه: المحافظة على مقام الاخوة و الجوار و عدم التصدي الى ما ينافيه.

و بالجملة، هذه الحقوق و نظائرها، و ما ذكره سيدنا بعد ذلك من حق الغيبة و الإيذاء بضرب و شتم أو إهانة أو نحو ذلك: الظاهر أنها من الأحكام، و ليست من الحقوق بمعنى الملك، و وجوب الاستحلال من المستغاب أو المتاذي أو المهان- على فرضه- انما هو من جهة ظلمه بهتك عرضه أو إيذائه و نحوه، لا لثبوت حق مملوك له عليه.

كما أن حق التولية المجعول من الواقف للمتولي على الوقف و حق الوصاية المجعول من الموصي لشخص خاص على أطفاله أو على التصرف في ثلث ماله، و نحو ذلك مما يكون من شئون ولايته على الأطفال و سلطنته على نفسه أو على ماله، كل ذلك- على الظاهر- أنها من قبيل الحكم لا الحق بالمعنى المصطلح.

و ما ثبت بالدليل أن الموصى إليه له رد الوصية في حياة الموصي فتبطل وصايته بشرط بلوغ الرد للموصى، و إمكان نصبه غيره على وجه موافق للاحتياط‌

39

ليس ذلك من حيث كون الوصاية حقا للوصي و الرد إسقاطا له و إلا لجاز له ذلك و صلح- مطلقا- بلا شرط.

و بالجملة، فالظاهر أن الولايات على إطلاقها و شعبها المجعولة ممن له الجعل و النصب لأشخاص أو أنواع من حيث الترخيص في تصرفاتهم في مال الغير أو نفسه و صحتها و نفوذها- و منها باب الوصاية- من قبيل الأحكام الثابتة لموضوعاتها في مواردها- ترخيصا أو إمضاء- و من هنا لا تقبل الإسقاط، فهي من قسم الحق بالمعنى العام، لا من الحق بالمعنى الأخص الذي هو من مراتب الملك القابل للإسقاط بمقتضى طبعه.

فما ذكره سيدنا- (قدس سره)-: «من أن الوصية من الحقوق، لأنها منتزعة من سلطنة المالك في ملكه، بل هي هي بعد تنزيل الوصي منزلة الموصي بأدلة الوصية، فانتقل منه ما كان له من ملكية التصرف فهي لا تسقط و لا تنتقل بوجه من الوجوه ..»

غير واضح، فإن أصل سلطنة الشخص على ماله من قبيل الحكم المجعول من الشارع بقوله: «الناس مسلطون على أموالهم» لا من الحق بمعنى الملك الضعيف، و لذلك لا يسقط بالإسقاط فكيف ما ينتزع منها و يتفرع عليها؟.

نعم ربما يكون بعض ما هو حق بالمعنى الأخص غير قابل للإسقاط عمن هو عليه، فيكون- من هذه الجهة- بمنزلة الحكم في عدم قبوله للإسقاط. و ذلك كحق الخمس و الزكاة المتعلق بمال الغير لأربابه و مستحقيه- بناء على كونهما من الحق- بالمعنى الأخص كما هو الأقوى- و قبل بيان وجه عدم قابلية هذا النوع من الحق للإسقاط- مع أنا ذكرنا أن قوام الحق قبوله للإسقاط-: لا بد من توضيح نحو هذا النوع من الحق و كيفية تعلقه بموضوعه، فنقول:

لا إشكال- بل لا خلاف- في عدم كون الحق المذكور من قبيل‌

40

التكليف الصرف و محض الوجوب على المالك نظير وجوب نفقة الأقارب و انما هو من قبيل الوضع.

[الخمس و الزكاة من الحقوق التى هى بمنزلة الأحكام]

و عليه، فهل الحق المذكور إنما يتعلق بذمة المالك و العين الزكوية، مثلا ليست محقوقة به؟ ربما يحكى عن بعض الأصحاب ذلك، و ينسب الى بعض العامة و هو خلاف ظاهر آية الزكاة، و آية الخمس. بل خلاف صريح بعض الأخبار، و كلمات الأصحاب، و الفروع المتسالم عليها عندهم فإنها صريحة بتعلق الفريضة بنفس العين.

و عليه، فهل الحق المذكور المجعول لأربابه من قبيل الملك في العين و أن الفقراء- مثلا- يملكون قسطا من مال المالك بنحو الشركة الحقيقية و الكسر المشاع- كما نسب الى ظاهر المشهور- أو من قبيل الكلي في المعين كما يظهر من بعض آخر- و لعل ذلك لما يظهر- من بعض الاخبار من قوله- (عليه السلام)- «.. فيما سقت السماء العشر» [1] و «في كل عشرين مثقالا من الذهب نصف مثقال» [2] و قوله (عليه السلام): «إن اللّه تعالى شرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال» و قول علي عليه الصلاة و السلام- كما في نهج البلاغة فيما كان يكتبه لمن يستعمله على الصدقات-:

«فان كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له» [3]

____________

[1] بهذه الألفاظ و بقريب منها يذكر الحديث عن النبي (ص) في عامة كتب الصحاح، و كتب الأخبار في كتاب الزكاة باب زكاة الغلاة.

[2] بهذا اللفظ و بهذا المضمون ذكره (الكافي في كتاب الزكاة، باب زكاة الذهب و الفضة).

[3] راجع: شرح ابن أبي الحديد (ج 15 ص 151) طبع دار احياء الكتب العربية.

41

حيث أن الظاهر منه: ان بعضها- و هو ما عد الأكثر- للمستحق، جعله اللّه له ..

الى غير ذلك من أخبار الزكاة و أدلة الخمس، كالآية الشريفة وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ .. [1]

و ما عن الشيخ و الكليني- (قدس سرهما)- في الصحيح: «عن محمد ابن مسلم- رضي اللّه عنه- عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن معادن الفضة و الصفر و الحديد و الرصاص؟ فقال- (عليه السلام)- عليها الخمس جميعا» [2].

و أظهر منها صحيح الحلبي- رض- في حديث قال: «سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الكنز: كم فيه؟ قال (عليه السلام) الخمس، و عن المعادن: كم فيها؟ قال (عليه السلام) الخمس، و عن الرصاص و الصفر و الحديد و ما كان من المعادن كم فيها؟ قال: (ع): يؤخذ منه كما يؤخذ من معادن الذهب و الفضة ..» [3].

الى غير ذلك مما هو ظاهر في الشركة في المال بنحو الكسر المشاع هذا، و لكن الالتزام بذلك و الأخذ بهذا الظهور لا يجتمع مع بعض التصريحات و الأمارات في غير واحد من الاخبار، و كلمات الأصحاب و الفروع المسلمة عندهم على الظاهر، بل لا يتناسب مع آية الزكاة من قوله تعالى:

إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ .. إلخ فإن ظاهرها و مفادها: أن‌

____________

[1] سورة الأنفال- 41

[2] راجع: التهذيب للشيخ الطوسي (ج 4، كتاب الزكاة، باب الخمس و الغنائم) حديث (345) طبع النجف الأشرف.

[3] راجع: التهذيب للشيخ الطوسي (ج 4 ص 121 باب الخمس و الغنائم) طبع النجف الأشرف.

42

ما فرضه اللّه تعالى في أموال الأغنياء للفقراء هو صدقة يجب على الغني دفعها من ماله تقربا الى اللّه تعالى، و لا محصل للتصدق على شخص بما يملكه فعلا.

هذا مضافا الى أن الظاهر ان استحقاق الفقير في الأموال التي يستحب أداء زكاتها كمال التجارة و الخيل و الإناث و ما يكال أو يوزن من الحبوب عدا الغلاة الأربع و غير ذلك مما يستحب أداؤه، مساو لما فرض فيه الزكاة كالغلاة الأربعة و الأنعام الثلاثة و النقدين- كما يشهد بذلك اشتمال بعض الروايات الواردة في بيان ما ثبت فيه الزكاة على الواجب و المستحب [1] فان الظاهر من سياقها اتحاد نحو الاستحقاق غير أن بعضه فرض و الآخر ندب و هو ما سوى الأعيان التسعة.

و من المعلوم عدم إمكان الشركة الحقيقية و الملكية الفعلية في المستحب أداؤه، على ان المال المشترك بين مالكين بنحو الإشاعة ليس لأحدهما التصرف فيه إلا بإذن الشريك.

و لا إشكال بل الظاهر عدم الخلاف في جواز تصرف المالك فيما عدا مقدار الزكاة من النصاب مع العزم على الأداء من الباقي.

بل الذي يظهر من صحيحة عبد الرحمن، صحة بيع جميع النصاب و لزومه لو أدى البائع مقدار الزكاة من ماله للآخر- و أن ما يؤديه هو عين الزكاة لا بد لها: قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل لم يزك إبله أو شاته عامين، فباعها على من اشتراها أن يزكيها لما مضى؟ قال (ع): نعم يؤخذ زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدي زكاتها البائع» [2]

____________

[1] راجع ذلك في كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي أوائل كتاب الزكاة بأبواب متفرقة.

[2] وسائل الشيعة: ج 6 كتاب الزكاة، باب لو باع النصاب قبل أداء الزكاة طبع جديد طهران.

43

و من الواضح أن مؤدى هذه الصحيحة لا يجتمع مع الشركة الحقيقية بل و لا مع الملكية الفعلية، و لو كانت بنحو الكلي في المعين فان مقتضى ذلك كون البيع المذكور بالنسبة إلى مقدار الفريضة فضوليا يتوقف نفوذه على اجازة من له الولاية على الزكاة، فيأخذ من الثمن للمستحق مقدار حصته، و لا يجدي في نفوذه أداء البائع مقدار الزكاة من ماله الآخر كما هو مفاد الصحيحة المذكورة.

ثم ان ظاهرها من حيث سكوتها عن نماء حصة المستحق في المدة المذكورة في السؤال: أنه ليس على المالك أداء الموجود منه، و لا ضمان ما استوفاه أو فات و تلف تحت يده، و أنه ليس عليه إلا أداء الزكاة فقط، و هو خلاف ما تقتضيه قاعدة تبعية النماء للملك.

[فرض الزكاة متعلق بالعين لا بالذمة]

و بالجملة: فالذي يستفاد من الآية الشريفة، و مجموع الأخبار و الفروع المتسالم عليها من الأصحاب: أن فريضة الزكاة متعلقة بالعين لا بالذمة، و ان تعلقها لم يكن بنحو الملك الفعلي في العين- لا بنحو الشركة الحقيقية و لا بنحو الكلي في المعين- و انما هو حق معين فرضه اللّه تعالى على المالك متعلق بماله المعين. و على ما استظهره الأستاذ النائيني- (قدس سره)- في تعليقته على العروة الوثقى: كونه حقا متعلقا بمالية النصاب، لا ملكا في العين بشي‌ء من الوجهين [1] و عليه فيلزم المالك أداؤه من نفس العين أو من ماله الآخر، فهو ملك للمستحق شأنا لا فعلا.

و باصطلاح الفقهاء: حق، لا ملك. و على ما عبر به البعض: ملك غير ناضج.

ثم ان الظاهر عدم كونه من قبيل حق الرهانة حيث أن مرجع كونه من قبيله: أن فريضة الزكاة في ذمة المالك، و العين الزكوية وثيقة عليها‌

____________

[1] أي الآنفي الذكر، و هما: الشركة الحقيقية، و الكلي في المعين.

44

كما أن الرهن وثيقة على الدين الذي هو في ذمة الراهن، و من آثاره كون المالك ممنوعا من التصرف في شي‌ء من النصاب ما دام لم يؤد الفريضة، كما أن الراهن ممنوع من التصرف في الرهن قبل فكه من الرهانة، كما أن مقتضاه كون تلف النصاب بلا تفريط كلا أو بعضها إنما يكون من المالك، و لا يرد شي‌ء منه على المستحق، كما أن تلف الرهن بلا تفريط انما هو من الراهن، و لا ينقص شي‌ء بسببه من دين المرتهن.

و كل ذلك خلاف ما هو المتسالم عليه في باب الزكاة.

أما كون فريضة الزكاة متعلقة بذمة المالك فلم ينقل عن أحد معين من أصحابنا، نعم عن ابن حمزة نسبته الى بعض غير معين. بل المتسالم عليه بينهم أنها متعلقة بالعين- على اختلاف مشاربهم في نحو التعلق.

و أما منع المالك من التصرف في النصاب قبل أداء الفريضة فإنه لا إشكال في جوازه فيما سوى مقدار الفريضة، مع العزم على الأداء من الباقي: و لعله مما لا خلاف فيه.

نعم مقتضى القول بالشركة الحقيقية توقفه على اذن الحاكم الشرعي.

و أما ورود التلف- كلا أو بعضا- على المالك فقط فهو مبني على تعلق الحق بالذمة لا بالعين. و أما بناء على تعلقه بالعين، فظاهر النص و الفتوى: أن ما يتلف من النصاب بلا تفريط من المالك يرد على المستحق منه بنسبة حصته من النصاب. نعم مع التفريط- و منه تأخير دفعها و إيصالها إلى المستحق مع التمكن من ذلك- يضمن المالك حصة المستحق.

[حق الزكاة ليس من قبيل حق الرهانة]

و بالجملة فالظاهر عدم كون حق الزكاة من قبيل حق الرهانة، كما انه ليس من قبيل حق الفقير بالمال المنذور التصدق به عليه، إذ لا إشكال في أن المال المنذور التصدق به لا يجوز التصرف فيه بما ينافي الصدقة، و يتعين على الناذر التصدق به. و لا يجدي إبداله بمال آخر. و لا إشكال و لا‌

45

إشكال و لا خلاف- على الظاهر- في جواز دفع معادل فريضة الزكاة من مال آخر.

هذا، و ليس تعلقها بالعين من قبيل تعلق حق غرماء الميت بتركته فان حق الغرماء غير المستوعب للتركة يتعلق بمجموع التركة بحيث لو تلف منها شي‌ء و كان الباقي بمقدار دينهم على الميت، كان لهم استيفاء الدين بكماله من الباقي و لا يرد عليهم النقص بسبب التلف- على الظاهر- و هذا بخلاف حق المستحق المتعلق بالنصاب، فان تعلقه بنحو البسط و السريان في جميع النصاب بحيث لو تلف منه شي‌ء بلا تفريط من المالك يسقط عن المالك جزء من الفريضة نسبته إليها كنسبة التالف الى مجموع النصاب.

و بعبارة أخصر: ان التلف- هناك- يختص به الوارث، و هنا يتوزع على المالك و المستحق بالنسبة. و منشأ هذا الاختلاف اختلاف سنخ الحق في الموردين بحسب ما يستفاد من الأدلة، فإن الغرماء لهم دين معين على الميت اشتغلت به ذمته حال الحياة و قد جعل اللّه تعالى لهم حق استيفاء دينهم بتمامه من تركته- مهما بلغت قليلة كانت أم كثيرة- بقيت أم تلف بعضها- ما دامت التركة وافية بذلك الدين.

و ما هو للوارث من تلك التركة- حسب المستفاد من الأدلة كتابا و سنة- متأخر عن حق الغرماء، و في طوله. و مقتضى ذلك ورود التلف على ما يخص الوارث من المال المتروك و سلامة حق الغرماء، و لا فرق في ذلك بين القول بأن التركة باقية على حكم مال الميت ما دام الدين باقيا- و بين القول بأنها تنتقل الى الوارث محقوقة للغرماء.

و أما فريضة الزكاة، فإنها متعلقة بنفس النصاب لا بذمة المالك- كما ذكرنا- و لا فرق بين ما يملكه المالك من النصاب و ما يستحقه الفقير- مثلا- منه سوى أن ملكية المالك تامة فعلية، و ملكية المستحق ناقصة‌

46

شأنية معبر عنها بالحق- اصطلاحا- و على كل هما في عرض واحد و التلف الوارد على العين كما يرد على ملك المالك كذلك هو وارد على متعلق حق الفقير- مثلا- فاختصاص ما يتلف من العين بالمالك بلا وجه. نعم لو كان التلف بتفريط المالك- و منه تأخير دفعها و إيصالها إلى المستحق عند التمكن من الدفع و الإهمال في الأداء- فقد ذكرنا أن المالك ضامن لحصة المستحق ففي صحيحة محمد بن مسلم- أو حسنته-: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل بعث بزكاة ماله لتقسم، فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال (عليه السلام): إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها و ان لم يجد لها من يدفعها اليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان لأنها خرجت من يده و كذلك الوصي الذي يوصى اليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه اليه، و ان لم يجد فليس عليه ضمان» [1].

و صحيحة زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت، فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدي ضمان قلت: فإنه لم يجد لها أهلا ففسدت و تغيرت أ يضمنها؟ قال:

لا و لكن إذا عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها» [2].

[ليس تعلق حق الزكاة بالعين كتعلق جق الجناية بالعبد الجاني]

هذا و ليس تعلق حق الزكاة بالعين نظير تعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني خطأ، و ان كان يشبهه في الجملة من حيث ان مالك العبد يخير بين دفعه للمجني عليه أو وليه ليتملكه أو يتملك ما قابل الجناية فيما لو كان أرشها أقل من قيمته، و بين أن يفديه بأرش الجناية أو بأقل الأمرين من الأرش و قيمته- على الخلاف ما بين الشيخ (قدس سره) و المشهور‌

____________

[1] الكافي للكليني: كتاب الزكاة، باب (الزكاة تبعث من بلد الى بلد .. فتضيع) حديث 1.

[2] الكافي للكليني: كتاب الزكاة، باب (الزكاة تبعث من بلد الى بلد .. فتضيع) حديث 4.

47

و على كل يتخير المالك بين دفعه و بين فدائه، كما ان المالك- في باب الزكاة- يتخير بين دفع الفريضة من العين و بين القيمة- كما ان العبد الجاني يجوز بيعه، و لكن نفوذه يتوقف على فك رقبته بأداء فدائه، و إلا كان للمجني عليه أو وليه تملكه، فيبطل البيع، و كذلك العين المتعلقة لحق الزكاة لا مانع من بيعها، و ينفذ البيع لو أدى المالك الزكاة من ماله الآخر، و إلا كان لمن له الولاية على الزكاة أخذها من العين فيبطل البيع بالنسبة إلى مقدار الزكاة.

و لكن فرق حق الجناية عن الزكاة: أن حق الجناية ليس امرا مفروضا على مالك العبد يلزمه أداؤه لمستحقه، و إنما هو كسائر الحقوق موكول لمن له الحق إن شاء أخذ به- و حكمه ما ذكرنا- و ان شاء عفا فيسقط بخلاف حق الزكاة فإنه فرض من اللّه تعالى على مالك النصاب، يلزمه أداؤه- من العين أو بدلها- لمستحقه، و ليس لأحد إسقاطه و العفو عنه من غير فرق بين من له الحق، و بين من له الولاية عليه كالحاكم الشرعي و لعل السر في ذلك: أن من له الحق لم يكن شخصا معينا جعل زمام الحق بيده كسائر الحقوق المجعولة لأشخاص معينين لهم الأخذ بالحق و إسقاطه، و انما جعل هذا الحق لطوائف و أصناف.

و ببيان آخر: الحق المذكور مجعول للكلي، لا لفرد أو أفراد، و إنما يملك الفرد ما وصل اليه من الحق ملكية فعلية تامة، فمن جعل له الحق- و هو الصنف بنحو الكلي- لا معنى لإسقاطه، و الفرد أو الأفراد لا أثر لإسقاطهم، إذ لم يجعل الحق لهم.

و من هنا: ليس لهم أخذ الحق من المالك جبرا، أو استيفاء بنحو من أنحاء الاستيفاءات، كما يجوز ذلك للمغصوب حقه من الغاصب إلا بإذن من الحاكم الشرعي، و توكيل خاص له بأخذ الحق من المالك الممتنع.

48

و أما من له الولاية- على هذا الحق- و هو الحاكم الشرعي- فولايته مقصورة على أخذ الحق ممن هو عليه، و إيصاله لأربابه و صرفه في مصارفه، و لا تتعدى ولايته إلى جهة إسقاط الحق الذي هو خلاف مصلحة الأصناف و حكمة جعل ذلك الحق لهم.

و من هنا: ليس له بخس حق المستحق بالمصالحة مع من عليه الحق على شي‌ء يسير لا يعادل الحق المجعول للمستحق.

و الحاصل: إن هذا الحق من هذه الجهة كالحكم الشرعي على موضوعه غير قابل للإسقاط، كما أنه غير قابل للانتقال الى الغير- لا بإرث و لا بغيره- كما لا يخفى.

هذا و قد ظهر لك مما ذكرنا الوجه في عدم قابلية حق الزكاة للإسقاط و الانتقال، كما أنه ظهر أن فريضة الزكاة من سنخ الحقوق، و ليست ملكا في العين لا بنحو الإشاعة و لا بنحو الكلي في المعين.

[بيان الفرق بين ارث الزوجة من غير المنقول و حق الزكاة]

و ظهر أيضا أنه ليس من قبيل ما ذكرناه من الحقوق و ان كان ربما يشبه بعضها من بعض الجهات، بل هو حق مستقل متعلق بمالية العين لا بخصوصيتها، فهو من هذه الجهة يشبه إرث الزوجة مما سوى الأرض كالأبنية و النخيل و الأشجار فإنه حق متعلق بماليتها غير أنه من قبيل الملك الفعلي للزوجة، و ليس من سنخ الحقوق اصطلاحا مما هو ملك شأنا، إذ لا شبهة في اتحاد كيفية إرث الزوجة من الأموال المنقولة و غير المنقولة سوى أن إرثها من الأول يتعلق بالعين، و من الثاني يتعلق بماليتها و قيمتها و لا إشكال في أن إرثها من المنقول بنحو الملك الفعلي، فليكن إرثها من غير المنقول كذلك و مقتضاه جواز المصالحة على حقها مع الوارث أو الأجنبي فينتقل ما تستحق من القيمة اليه.

و لا أظن أن فقيها يلتزم بجواز المصالحة على الزكاة قبل أخذها ممن‌

49

هي عليه: لما ذكرنا من أن الحق المذكور غير صالح للنقل مطلقا- لا الى من هو عليه و لا الى غيره.

و فرق آخر بين إرث الزوجة من غير المنقول و بين حق الزكاة، و هو أنه لا إشكال و لا خلاف في أن الخيار في الزكاة للمالك بين دفعها من العين المتعلقة للحق و بين دفعها من مال آخر للمالك و ليس للمستحق و لا للحاكم الشرعي المشاحة مع المالك بخلاف إرث الزوجة من غير المنقول فان الوارث لو اختار دفع حقها من نفس العين دون القيمة، في إجبار الزوجة على القبول إشكال و خلاف.

و لعل منشأ الفرق بين الحقين- مع ان كلا منهما متعلق بالمالية-: هو أن ظاهر أدلة باب الزكاة أنها في العين، و لكن ثبت أيضا- نصا و إجماعا- جواز دفع المالك القيمة إرفاقا به، بخلاف إرث الزوجة، فان ظاهر الأدلة تعلقه بنفس القيمة، و إن ظهر من بعضها: أن علة حرمانها من العين الإرفاق بالوارث لكن لا يبعد كون ذلك من قبيل حكمة الجعل و الحرمان من العين.

و بالجملة، لا دليل على جواز إجبارها على أخذ العين بدلا عما تستحقه من القيمة و لم يثبت ذلك بنص أو إجماع، كما ثبت في باب الزكاة جواز دفع القيمة بدلا عن العين، فاجبارها على أخذ استحقاقها من العين في غاية الإشكال، فلا يترك الاحتياط بالمصالحة معها على ذلك.

ثم ان الكلام في الخمس هو الكلام في الزكاة و المختار فيه هو المختار فيها، إذ الظاهر أنه حق فرضه اللّه تعالى لأربابه- و هم بنو هاشم- في أموال خاصة عوضا عما فرضه لغيرهم من الصدقات التي حرمها عليهم من غيرهم تكريما لهم و إعلاء لشأنهم.

و بالجملة، فالظاهر اتحاد نحو الحقين، و اللّه تعالى هو العالم.

50

ثم إن مقتضى ما ذكرنا من أن الحق نحو من الملك و مرتبة من مراتبه:

كونه بحسب طبعه قابلًا للانتقال بالإرث، و يشمله النبوي المشهور: «ما ترك الميت من حق فهو لوارثه» [1] و غيره، ما لم يستفد من دليله- أو من الخارج- أنه متقوم بخصوص ذي الحق، و ليس له قابلية الانتقال بالإرث فمثل حق القسم الذي هو للزوجة على الزوج- و ان كان قابلًا للنقل إلى ضرتها [2] بالصلح عليه مجانا فقط- كما عن جماعة من أصحابنا- (قدس سرهم)- أو حتى إذا كان بالمعاوضة عليه- كما هو مقتضى القاعدة ما لم يقم إجماع على خصوص المجانية- و لكنه غير قابل للانتقال بالإرث، حتى إلى الضرة، كما لو تزوج شخص بامرأة، ثم تزوج بعمتها أو خالتها، ثم ماتت إحداهما و كان الوارث لها ضرتها، فإنها لا ترث حق القسم منها و لعل الفرق بين النقل و الانتقال بالإرث: أن الحق المذكور انما هو للزوجة ما دام الحياة بمعنى أن قوامه الحياة فلها نقله و تفويضه الى مثلها، و بموت الزوجة ينعدم موضوع الحق و ينتهي أمده، فلا متروك حتى يورث و بالجملة، فظاهرهم التسالم على عدم انتقال الحق المذكور الى الوارث مطلقا.

[من الحقوق غير القابلة للنقل حق الغيبة و مطلق الاهانات]

و من الحقوق- غير القابلة للنقل بل و لا الانتقال على الظاهر:- ما كان من قبيل حق الغيبة و الشتم و الضرب و الإيذاء- بناء على كونها من الحقوق و عدم كفاية التوبة فيها بل لا بد من إرضاء ذي الحق و إبرائه‌

____________

[1] راجع: كتاب مكاسب الشيخ الأنصاري، باب الخيارات، الكلام في أحكام الخيار.

[2] الضرة- بالفتح و التضعيف-: تطلق على كل من زوجتي الرجل أو زوجاته، فهما ضرتان، و هن ضرائر.

51

و الأظهر: أنها ليست من الحقوق بالمعنى الذي ذكرناه من الحق و ان قلنا بعدم كفاية التوبة فيها، فإنها لم تكن من مقولة الملك و من مراتبه و وجوب استحلال الإنسان ممن استغابه أو آذاه بالضرب أو الشتم- على فرضه- إنما هو من حيث ظلمه له بهتك عرضه أو إيذائه، لا لثبوت حق له عليه بمعنى الملك.

ثم إنه لا ملازمة بين قبول الحق للنقل و بين قبوله للانتقال بالإرث، فقد يكون الحق قابلًا للنقل و لا يقبل الانتقال، كما ذكرنا من حق القسم و قد يقبل الانتقال بالإرث و لا يقبل النقل كحق الرهانة و حق الشفعة و حق الخيار- على الأظهر- من عدم قبوله للنقل، و قد لا يقبلهما بل و لا الإسقاط كما ذكرنا من حق الخمس و الزكاة، و قد يقبلها جميعا كحق التحجير على موات من الأرض- مثلا- ثم إن ما يقبل النقل قد يكون قابلًا للنقل الى كل أحد كحق التحجير فإنه قابل للنقل الى كل أحد بالمصالحة عليه مع العوض و بدونه، بخلاف حق القسم للزوجة، فإنه إنما يقبل النقل إلى الضرة- فقط.

فان قلت: إذا كان حق الرهانة و حق الشفعة و حق الخيار قابلًا للانتقال الى الوارث، و لم يكن متقوما بذي الحق، فلم لا يكون قابلًا للنقل الى الغير بالمصالحة عليه ..؟

قلت: وجه الفرق بين انتقال الحقوق المذكورة بالإرث و بين نقلها بالمصالحة متوقف على بيان حقيقتها فنقول:

إن حق الرهانة مرجعه إلى سلطنة للمرتهن حاصلة له بعقدها على استيفاء دينه الذي هو على الراهن من العين المرهونة ببيعها و أخذ مقدار دينه من ثمنها عند حلول الدين بالشروط المذكورة في باب الرهن، و هذه السلطنة لا يعقل نقلها الى الراهن- كما لا يخفى- و أما نقلها الى ثالث له دين‌

52

أيضا على الراهن، و ان كان غير ممتنع عقلا و لكنه يتوقف على أن يكون العقد الواقع بين الراهن و المرتهن مقتضاه كون الرهن وثيقة على ما يعم دينه و دين غيره على البدل، ليصح للمرتهن تحويل ماله من الحق في العين المرهونة إلى غيره ممن له دين على الراهن، و من الواضح أن عقد الرهانة الواقع بين الراهن و المرتهن إنما يقتضي كون الرهن وثيقة على خصوص دينه الذي هو على الراهن، لا الأعم من دينه و دين غيره، فالسلطنة الحاصلة للمرتهن محدودة غير صالحة للتعدية و التحويل الى الغير.

و بالجملة فكما لا يمكن نقل الحق المذكور و تحويله الى من هو عليه كذلك لا يمكن تحويله و نقله الى ثالث و ان كان ذا دين أيضا على الراهن بل الحق خاص بالمرتهن إن شاء أخذ به، و ان شاء أسقطه.

[حق الرهانة و الشفعة و الخيار غير قابل للنقل]

نعم لو نقل المرتهن الدين الذي له على الراهن الى ثالث بالبيع و نحوه فالظاهر أن الرهن يتبعه في الانتقال الى المنقول اليه، فيكون ذا الحق في العين المرهونة فإن العقد الواقع بين الراهن و المرتهن مفاده و مقتضاه كون الرهن وثيقة على شخص الدين الذي كان للمرتهن على الراهن، و بانتقال الدين الى مشتريه- مثلا- لم يكن المنقول الا نفس ما كان الرهن وثيقة عليه. لا غيره. غاية الأمر اختلف مالك الدين، و هو غير ضائر.

و بالجملة ليس هذا كنقل الحق إلى ثالث له دين آخر على الراهن الذي منعنا منه- كما لا يخفى.

و أما حق الشفعة الذي هو عبارة عن ملكية الشريك و سلطنته على المشتري لحصة شريكه المبيعة حال شركته لتملك تلك الحصة و أخذها منه قهرا بالثمن الذي اشتراها به من شريكه، فهذا المعنى غير قابل للنقل الى من عليه الحق، و هو المشتري، إذ هو مالك لتلك الحصة بالاشتراء، فلا معنى لنقل حق التملك منه اليه. و كذا لا يقبل النقل الى ثالث، إذ لو كان‌

53

النقل اليه بمعنى تسليطه على أخذ الحصة من المشتري الى ذي الحق، و هو الشريك نفسه، فهذا ليس من نقل الحق اليه، و إنما هو توكيل و استنابة في الأخذ بحق الشفعة لذي الحق و هو الشريك.

و ان كان المراد تسليط الغير على أخذ الحصة من المشتري و تملكها لنفسه، فهذا التسليط لم يجعل للشريك، فان الحق المجعول له من الشارع إرفاقا به هو السلطنة على تملك الحصة المبيعة في شركته من مشتريها بالثمن الذي اشتراها به و إضافتها إلى حصته، و من هنا سمي الحق المذكور بحق الشفعة، إذ الشفيع بأخذه به و إعماله يشفع حصته و يجعلها شفعا و زوجا بنصيب شريكه الذي ابتاعه المشتري منه.

و بالجملة، فليس الذي هو للشريك من الحق مجرد تملك الحصة من مشتريها قهرا عليه ليمكن نقل ذلك الى الغير، بل الذي له من الحق تملكها بما أنها شفعة، و أنه شفيع و جاعلها منضمة إلى حصته و شفعا بها، و الحق بهذا المعنى لا يمكن نقله الى الغير. نعم إذا أخذ بشفعته و تملكها و صارت له فلينقلها الى من شاء، فان الناس مسلطون على أموالهم، و أما قبل التملك فليس له نقل الحق المذكور و تحويله الى غيره.

هذا، و أما نقل حق الخيار الى غير من جعل الحق له، و تحويله إليه، ففي إمكان ذلك و عدمه خلاف، فصريح شيخنا الأنصاري- (قدس سره)- في أول كتاب البيع من (مكاسبه) عدم قابليته للنقل [1] و صريح سيدنا- (قدس سره)- فيما سبق من كلامه: قابليته للنقل حيث يقول:

«فالظاهر جواز المعاوضة عليه بما يوجب نقله ..»‌

____________

[1] قال: «.. و أما الحقوق فان لم تقبل المعاوضة بالمال كحق الحضانة و الولاية فلا إشكال، و كذا لو لم يقبل النقل كحق الشفعة و حق الخيار ..»

54

و قبل بيان ما هو المختار من الرأيين و تحقيق ذلك نقول:

المتبايعان- تارة- ينشآن البيع بينهما بالتعاطي فيعطي كل منهما ماله للآخر قاصدا تمليكه إياه بعوض ما يأخذه منه. و أخرى- ينشآن البيع بالعقد المشتمل على الإيجاب و القبول كبعت و اشتريت. أما في صورة إنشاء البيع بالتعاطي فان فعلهما الخارجي، و ان كان على ما هو المختار، مصداقا للبيع حيث أن مفهومه تمليك عين بعوض أو تبديل طرف إضافة مالكية بطرف اضافة مثلها لآخر كما هو المختار أو مبادلة مال بمال مع كون المعوض عينا، كيف ما كان، فالمفاهيم المذكورة تنطبق على فعلهما الخارجي و تشمله آية أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ .. (1) و آية التجارة عَنْ تَرٰاضٍ (2) و يصح بذلك و يحصل الملك لكل منهما فيما أخذه من صاحبه، و لكنه ملك جائز ليس فيه اقتضاء اللزوم، فإن غاية ما يستفاد من تعاطيهما بقصد الملك ملكية كل منهما ما أخذه من الآخر. و أما التعهد و الالتزام من كل منهما بالثبات و البقاء على ما ملكه للآخر، فلا دلالة لفعلهما عليه، و الآيتان إمضاء و تصحيح لما يستفاد من فعلهما، و هو أصل الملكية ليس إلا كما أن السيرة التي استدل بها على حصول الملك بالمعاطاة غاية ما يستفاد منها معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك و ترتيب آثاره عليه، و أما لزوم الملك و عدم جواز الرجوع فيه، فلا دلالة لها عليه، و لعل منشأ تسالم الأصحاب ممن قال بإفادتها الملك أو الإباحة على عدم اللزوم: هو القصور في المقتضي لا لوجود دليل على عدمه- من إجماع و نحوه.

هذا إذا كان إنشاء البيع بالفعل. و أما في صورة إنشائه بين المتبايعين‌

____________

(1) البقرة: 275.

(2) النساء: 29.

55

بالعقد المشتمل على الإيجاب و القبول، فهيأة الماضي- مثلا- الواردة على مادة البيع و الشراء، و ان دلت على تمليك العين بالعوض و تملكها به، كالتعاطي بقصد الملك إلا أن إنشاء التمليك و التملك بالقول كما يدل على ما دل عليه الإنشاء بالفعل بالمطابقة و هو تمليك العين و تملكها بالعوض، كذلك يدل بالدلالة الالتزامية العرفية على التعهد و الالتزام من كل من المتعاقدين بهذا المدلول المطابقي، و الثبات عليه ما لم يكن في البين خيار مجعول له، و من هنا أطلق العقد على الإنشاء بالقول فإنه: العهد الموثق المحكم، لما فيه من الأحكام. و يشهد لذلك: أن المعاملات الخطيرة ذات الشأن إنما تنشأ- نوعا- بالعقود دون المعاطاة من جهة فقدان المعاطاة لما كان العقد واجدا له من الالتزام و الإحكام. و آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. (1) إنما تمضي و تلزم بالوفاء بالعقود باعتبار وجود المدلول الالتزامي فيها، و هو التزام كل من المتعاقدين لصاحبه بالثبات و البقاء على ما يقتضيه العقد من التمليك و التملك بالعوض.

و دليل الخيار المجعول بأسبابه و موارده- و منها اشتراط ذلك في ضمن العقد- يكون مخصصا لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

[عدم قابلية حق الخيار للنقل]

و حقيقة الخيار نظرة و مهلة لمن هو له فيما التزمه لطرفه بإنشاء العقد من الثبات عليه و الالتزام بمقتضاه، و سلطنة له على نقضه و حله أو إقراره و إبرامه، و هو- بهذا المعنى- حق بالمعنى الأخص لمن هو له. و هل هو متعلق بالعقد من حيث أنه يملك فسخه و إقراره، أو أن متعلقة العين الخارجة من ملكه الى طرفه من حيث أن ذا الخيار يملك إعادتها إلى نفسه بفسخ العقد؟ وجهان:- بل قولان- و عليهما يبتني جواز تصرف من‌

____________

(1) سورة المائدة: 1.

56

عليه الخيار في العين المنقولة إليه ممن له الخيار تصرفا منافيا لحق ذي الخيار و عدم جوازه، كما هو مذكور في فصل أحكام الخيار.

فان قلنا: إن متعلق حق الخيار لمن جعل له، هو العين الخارجة عن ملكه الى ملك طرفه و انه يملك إرجاعها إليه بفسخ العقد، فلا يجوز لطرفه التصرف المنافي لحقه فيما انتقل منه إليه، إذ هو تصرف في متعلق حقه مناف له فإنه لو اختار فسخ العقد لا يقدر على إرجاع العين اليه فيما لو كان تصرف من عليه الخيار فيها بالبيع- مثلا- أو العتق أو الإتلاف نعم لو قلنا بأن متعلق حق ذي الخيار نفس العقد من حيث قدرته على فسخه و إقراره، فإن التصرف بالبيع و العتق و نحوه ممن عليه الخيار لا ينافي حق ذي الخيار من حيث الاقتدار على فسخ العقد لو كان هو المختار. غاية الأمر ان المتصرف يضمن له عند فسخه مثل ما تصرف فيه أو قيمته.

و هل الخلاف بين سيدنا الخال المصنف، و الشيخ الأنصاري- (قدس سرهما)- في جواز نقل الخيار و تحويله الى غير من هو له و عدم جوازه مبنيّ على الخلاف في متعلقة؟ الظاهر عدم الابتناء عليه، فان الشيخ- (قدس سره)- في فصل أحكام الخيار- يختار- أو يقرب- تعلقه بالعقد، حيث أنه بعد أن يذكر حجة القول بمنع التصرف و ان الخيار حق يتعلق بالعقد المتعلق بالعوضين من حيث إرجاعهما بحل العقد الى ملكهما السابق، فالحق- بالآخرة- متعلق بالعين التي انتقلت منه الى صاحبه فلا يجوز أن يتصرف فيها بما يبطل ذلك الحق بإتلافها أو نقلها الى شخص آخر- يقول:

«هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه المنع، لكنه لا يخلو عن نظر، فان الثابت من خيار الفسخ بعد ملاحظة جواز التفاسخ في حال تلف العينين هي سلطنة ذي الخيار على فسخ العقد المتمكن في حالتي وجود العين و فقدها‌

57

فلا دلالة في مجرد ثبوت الخيار على حكم التلف جوازا و منعا، فالمرجع فيه سلطنة الناس على أموالهم- الى أن يقول-: فالجواز لا يخلو عن قوة في الخيارات الأصلية».

و هنا يجزم بعدم قابليته للنقل، حيث يقول- في أول كتاب البيع-:

«و أما الحقوق فان لم تقبل المعاوضة بالمال كحق الحضانة و الولاية، فلا إشكال و كذا لو لم تقبل النقل كحق الشفعة و حق الخيار».

و على كل، فالظاهر عدم قابلية نقل حق الخيار و تحويله الى غير من جعل له- مطلقا- سواء قلنا إنه متعلق بالعين المنقولة منه الى صاحبه أم إنه متعلق بالعقد.

أما على القول بتعلقه بالعين، بمعنى أن ذا الخيار فيما إذا كان هو البائع- مثلا- يملك إرجاع المبيع الى ملكه قهرا على المشتري بفسخ العقد فعدم صلاحية نقل الحق المذكور بهذا المعنى إلى المشتري من الوضوح بمكان، فإنه إذا صار ذا خيار- فرضا- بنقل البائع خياره اليه، فمرجع ذلك الى أنه يملك إعادة الثمن اليه قهرا على البائع بفسخ العقد، و هذا غير ما كان للبائع من الحق، و إنما هو حق جديد له إذ العلقة و الإضافة الضعيفة المعبر عنها بالحق كانت بين البائع و بين ما نقله بالبيع إلى المشتري، و هو المبيع و الحادثة اضافة ناقصة بين المشتري و بين الثمن، و هي غير الإضافة التي كانت للبائع. و من الواضح ان ذا الحق إنما يتسلط على نقل حقه الى الغير فيما إذا كان قابلًا للنقل و التحويل، و ليس له جعل حق للغير لم يكن هو المجعول له إذ جعل الحقوق لأربابها من وضائف الشارع المقدس.

هذا إذا قلنا: إن متعلق حق البائع هو العين المبيعة. و أما إذا قلنا إن متعلق الحق هو العقد الواقع بينهما، فعدم جواز نقله و تحويله الى الغير‌

58

و ان لم يكن بذلك الوضوح، فإنه يمكن أن يقال: إن العقد الواقع بين البائع و المشتري كان متعلق حق البائع فيما لو كان الخيار له، فزمامه بيده فله حله و نقضه، و له إقراره، و إحكامه. و هذا الحق الذي كان للبائع بالمعنى المذكور، أعني السلطنة على فسخ العقد و إقراره يمكن نقله و تحويله إلى المشتري بالمصالحة عليه بعوض أو بدونه، و عمومات الصلح تشمله، فيكون المشتري ذا الخيار بعد الصلح، و تسليم زمام الحق إليه.

هذا و لكن لقائل أن يقول: إنا ذكرنا فيما سبق أن إنشاء البيع الذي حقيقته تبديل طرف إضافة مالك المثمن بطرف إضافة مالك الثمن إذا كان بالعقد المشتمل على الإيجاب و القبول فإنه كما يدل بالمطابقة على تبديل كل من المتعاقدين المثمن بالثمن في عالم الاعتبار و الإنشاء، كذلك يدل بالدلالة الالتزامية على التزام كل منهما لصاحبه بالثبات و البقاء على هذا التبديل و بمقتضى إمضاء الشارع و حكمه بلزوم ما التزمه كل منهما لطرفه بإنشائه بقوله تبارك و تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يملك كل منهما على صاحبه- مضافا الى المال الذي ملكه إياه- ثباته و التزامه بعدم التعدي عن حدود التبديل المنشأ بالعقد. و من هنا سمي اللزوم المذكور «لزوما حقيا» فان كلا منهما له على طرفه حق الالتزام بما تعهده له من الثبات و البقاء على ما أنشأه من التبديل.

هذا إذا لم يكن لأحد المتعاقدين خيار مجعول من الشارع المقدس أو من المتعاقدين بالشرط في ضمن العقد.

و أما لو كان لأحدهما خيار مجعول من الشارع أو من المتعاقدين فمن له الخيار منهما كما يملك ما التزم به صاحبه له، كذلك يملك ما التزمه هو لصاحبه، فمن حيث ملكيته لما التزمه صاحبه له يكون العقد بالنسبة الى صاحبه لازما لا ينفسخ بفسخه، و من حيث ملكيته لما التزمه لصاحبه يكون‌