بلغة الفقيه - ج3

- السيد محمد بن محمد تقي بحر العلوم المزيد...
424 /
5

الجزء الثالث

رسالة في منجزات المريض

6

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

7

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد (ص) خاتم النبيين، و على آله الطيبين الطاهرين، المعصومين، حجج اللّه على الخلق أجمعين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(مسألة):

[في نفوذ منجزات المريض]

اختلفت كلمات الأصحاب في نفوذ منجزات المريض في مرض موته: من الأصل، أو الثلث، على قولين:

و تنقيح المسألة هو أن يقال: ان تصرف المريض في ملكه- عينا أو منفعة في مرض موته، تمليكا كان التصرف أو فك ملك كالعتق و نحوه (1)- لا يخلو: اما منجز، أو معلق و المعلق: اما معلق على غير موته- و ان وجد المعلق عليه بعد الموت- أو معلق على الموت. و هو:

اما أن يكون زمان ما بعد الموت ظرفا للمنشإ دون الإنشاء، أو يكون ظرفا لهما معا، كقوله: أعطوا زيدا بعد وفاتي ألفا.

ثم المنجز: اما ان يكون عن حق واجب عليه كالديون و الكفارات و أروش الجنايات و بدل الغرامات- و منه النذر المطلق- أو متبرعا به، مجانا كان كالوقوف و الصدقات، و العطايا و الهبات المجانية، أو بمعاوضة تساويه في المثل أو القيمة كالبيع أو الإجارة بثمن المثل و أجرته، أو بما دون ذلك، و يعبر عنها بالمعاوضة المحاباتية:

____________

(1) مثال الأول واضح، كأن يقول: ملكت فلانا داري، و شبهه و مثال الثاني، كالوقوف العامة على عموم المنتفعين بها من مواردها، مثل الحسينيات و المدارس و المساجد و المرابط و نحوها. فإنها تحرير الملكية و فكها الى غير عودة، و ليست تمليكا، لا لجهة، و لا لشخص.

8

إذا عرفت ذلك فنقول (1): اما ما كان معلقا على الموت و مؤجلا به، فمخرجه الثلث إجماعا- بقسميه- (2) من غير فرق بين ما كان وصية تمليكية أو عهدية (3) و ما هو ملحق بها حكما، و ان كان غيرها

____________

(1) الملاحظ: ان تفصيل الأقسام المذكورة غير جار على ضوء ترتيبها الإجمالي.

(2) الإجماع: هو اتفاق خاص من قبل عامة الفقهاء على فتوى شرعية، بحيث يعلم إجمالا بدخول المعصوم (ع) مع المجمعين- بنحو مقرر في علم الأصول.

و هو قسمان: محصل، و هو تحصيل ذلك الاتفاق المذكور على مسألة شرعية من قبل مدعيه، و الحق امتناع ذلك الاطلاع المباشر عادة في هذا الزمان و نحوه.

و منقول، و هو نقل ذلك الاتفاق المذكور بالخبر الواحد، فيكون من صغرياته، غير أن الفرق بينهما: ان الراوي للخبر ينقل قول المعصوم (ع) رأسا، و ناقل الإجماع ينقل السبب المثبت للحجة التي يعرف منها رأي المعصوم (ع).

و هذا القسم من الإجماع سهل الادعاء، ممكن الوقوع في هذه الأزمنة (لزيادة الاطلاع و التعرف على حقيقة الإجماع و حجيته و إمكانه تراجع كتب الأصول من الفريقين).

(3) الوصية: هي! عهد خاص بتمليك عين أو منفعة أو تسليط على تصرف- بعد الوفاة.

و اختلف الفقهاء في أنها: من العقود أو الإيقاعات. و الظاهر أنها من الإيقاعات، و لكنها- مع ذلك- بحاجة إلى القبول في تنفيذها.

و أركانها أربعة: الموصي، الوصي، الموصى به، الموصى إليه‌

9

موضوعا، كالتدبير، بناء على انه عتق، لا وصية بالعتق (1) و النذر المقيد بالموت- على الأقوى فيه (2) و لكون الخروج عن الملك في ذلك مقيدا

____________

أو له. و لكل منها شروط و أحكام مفصلة في مضانها من كتب الفقه و بحكم تعلق الوصية بالمال و المنفعة- تارة- و بالتصرف أخرى- يصح انقسامها الى:

وصية تمليكية. و هي إنشاء الموصي تمليك عين أو منفعة لشخص معين أو أشخاص، أو جهة معينة أو جهات و من ملحقاتها: الإيصاء بالتسليط على حق من حقوقه القابلة للانتقال كالشفعة- مثلا.

و وصية عهدية. و هي: إيصاء الموصي لشخص معين أو أكثر بتنفيذ وصيته التي رسمها مما يتعلق بتجهيزه أو استيجار الحج و الصلاة و الصوم و نحوها من العبادات عنه. و من ذلك: الولاية على أولاده الصغار أو المجانين و السفهاء من الكبار في إدارة شئونهم.

و من ملحقات العهدية- كما أشار في المتن: الإيصاء بتحرير الملك و فكه كإيقاف داره مسجدا أو حسينية، نحوهما. و من ذلك عتق عبده في سبيل اللّه. و لتفصيل الموضوع يراجع باب الوصايا من كتب الفقه للفريقين.

(1) التدبير: هو عتق المملوك مقيدا بوفاة مالكه. و انما سمي بذلك بحكم صيغته المتعارفة كأن يقول المالك لمملوكه: «أنت حر دبر وفاتي».

و هو قسمان: مطلق، كقول المالك لعبده: إذا مت فأنت حر، أو أنت حر دبر وفاتي. و مقيد كقول المالك لعبده- مثلا «إذا مت في سفري هذا فأنت حر».

و الظاهر ان التدبير- بقسميه- عتق و تحرير ملك، لا وصية بالعتق و ان جاز رجوع المولى فيه- بعد ذلك إذا كان بنحو الوصية.

(2) الضابط في متعلق النذر ملكية النذر للمنذور، و القدرة على‌

10

بما لا يملك عند تحققه الا الثلث من ماله.

و اما المعلق على غير الموت، فبحكم المنجز في التفصيل الآتي، و ان تحقق الشرط و المعلق عليه بعد الموت، ما لم يبطل التصرف به.

و اما المنجز: فان كان عن حق واجب عليه قبل المرض، فلا إشكال في خروجه عن محل النزاع، و انه ينفذ من الأصل.

و ان كان عن حق وجب عليه في مرضه بسبب من الأسباب، فإن كان من التسبيبات القهرية كالإتلاف و نحوه، نفذ من الأصل- بلا خلاف أيضا. و ان أوجد السبب في المرض اختيارا. و ان كان من قبيل الاستدانة المجانية كالضمان تبرعا عن الغير، و الكفالة التبرعية الموجبة لغرامة ما على المكفول عند تعذر إحضاره، فالظاهر نفوذه من الأصل أيضا، خلافا لبعض كالمحقق في (الشرائع) (1) لأن التصرف انما هو في نفسه و ذمته، دون ما له المتعلق به حق الوارث على القول بنفوذه من الثلث و ان استتبع الوفاء

____________

الوفاء به، لأن النذر تكليف، و هو محال في غير المقدور، و لقوله (ص):

«لا نذر فيما لا يملك ابن آدم»- كما في سنن ابي داود ج 3 باب النذر فيما لا يملك و هل يكتفى بتحقق ذلك الشرط حين النذر- فقط- أم لا بد من استمراره الى حين الوفاء بالنذر؟ فان اكتفي بمحض تحققه حين العقد كما- في المتن- فيصح النذر المقيد بالموت، لتحقق التملك و القدرة حينئذ. و الا فيشكل صحة النذر (التفصيل في كتاب النذر من كتب الفقه الموسعة).

(1) قال- في لواحق كتاب الضمان ضمن مسائل-: «الثانية إذا ضمن المريض في مرضه و مات فيه، خرج ما ضمنه من ثلث تركته على الأصح-» و يظهر رأيه أيضا في مسائل القسم الثاني من لواحق كتاب الوصية الخاص بتصرفات المريض.

11

من ماله فإن الذمة غير داخلة في الحجر المسبب عن المرض، كما انها غير داخلة في الحجر المسبب عن الفلس بعد أن كان الحجر فيه متعلقا بالمال دون الذمة.

لا يقال بالفرق بين الحجر لفلس و الحجر لمرض بتقريب: ان شغل الذمة في الأول لا يزاحم حق الغرماء بناء على اختصاص الحجر فيه بالموجود من المال بخلاف الذمة هنا فإنها تزاحم حق الوارث لتعلق حقه بماله الموجود، و بما يوجد عند تحققه الى زمان الموت، و الوفاء انما يكون من ماله الذي لا يمكن فرض تحققه إلا متعلقا به حق الوارث، فالذمة هنا مزاحمة لحقوق الورثة، و في الفلس لا تزاحم حقوق الغرماء، فالضمان مثلا يستلزم تفويت مال على الوارث لولاه لكان موروثا له.

لأنا نقول: لا يجدي الفرق المذكور لو سلم بعد أن كان الضمان بنفسه ليس تصرفا في المال الممنوع عنه، و به يتحقق عنوان الدين المقدم على حق الوارث، ضرورة أنه لا إطلاق في معقد إجماع أو متن رواية بالنسبة إلى ما يمنع عنه في مرضه حتى يعارض ما دل على نفوذ الدين من الأصل بنحو العموم و الخصوص المطلق أو من وجه حتى يمكن تقديمه عليه، بل الدليل الدال على نفوذه من الثلث بعد تسليمه وارد في موارد مخصوصة، و إنما يتسرى منها الى ما يكون مثلها بعد القطع باتحاد المناط، فيبقى دليل تقديم الدين سليما عن المعارض مندرجا تحت الأصول و القواعد الموجبة لنفوذه من الأصل.

و أما النذر المطلق المتبرع به الواقع في مرضه: فان كان متعلقا بمال في ذمته نفذ من الأصل أيضا، كما لو نذر في الصحة لما عرفت في الدين (1) و ينفذ من الثلث- بناء عليه- لو تعلق بعين من أمواله، كما لو نذر في مرضه

____________

(1) و ذلك من التعليل الذي ذكره- آنفا- بقوله: لأن التصرف انما هو في نفسه و ذمته، دون ماله.

12

أن يعطي فرسا من أفراسه أو كتابا من كتبه، للمنع عن التصرف فيه الموجب لعدم انعقاد النذر عليه فيما زاد على الثلث إلا بالإجازة.

و منه يظهر الوجه في التفصيل فيما لو اشترى من ينعتق عليه في مرضه بين ما لو اشتراه بثمن في الذمة فإن الثمن دين و الانعتاق قهري بحكم الشرع، و ما لو اشتراه بعين من أمواله، فإن الانعتاق و ان كان قهري بحكم الشرع، و ما لو اشتراه بعين من أمواله، فإن الانعتاق و ان كان قهريا الا أن الثمن مفوت على الوارث، فينفذ من ثلثه، و في الزائد يتوقف على الإجازة، من غير فرق بين كون الشراء بملزم كالنذر أو بغير ملزم في الصورتين.

و دعوى أن بذل الثمن المعين فيه انما هو بإزاء ما يساويه في القيمة و مثل هذه المعاوضة ينفذ من الأصل بلا خلاف، لعدم المحاباة فيه:

(مدفوعة) باتحاد المناط بينه و بين المحاباة في صدق التفويت عرفا عند الاقدام على هذه المعاوضة بعد إحراز عدم سلامة المعوض له فتأمل.

و لو تصدق طلبا للعافية لا لرجاء الثواب فكبذل الأجرة للطبيب و شراء الدواء في نفوذه من الأصل أيضا.

بل ينفذ منه أيضا بذل كل ما تعود منفعته لنفسه كمئونته و مئونة عياله و أضيافه و لو بنحو التوسعة، كما لو وقع منه ذلك في حال الصحة، بلا خلاف أجده فيه. و لو أجاز المريض المعقود على ماله فضولا بما يفيد التمليك بالمحاباة أو مجانا. بناء على جريانه في غير البيع أيضا، نفذ من الثلث على القول به، بناء على النقل، و كذا على الكشف لو وقع العقد في المرض أيضا و لو وقع قبله فالأظهر ذلك أيضا لكون الاستناد إلى المالك إنما هو بالإجازة الواقعة في المرض، لا سيما على الكشف الحكمي. و يحتمل نفوذه من الأصل فيه على الكشف الحقيقي (1)

____________

(1) أي بناء على جريان العقد الفضولي في غير البيع من أنواع‌

13

[إن التصرف الممنوع عنه يعم التصرف في العين أو المنفعة]

ثم إن التصرف الممنوع عنه يعم التصرف في العين أو المنفعة المملوكة بحيث لولاه لكان موروثا، فلا يشمل تصرفه بإجارة نفسه بدون أجرة المثل،

____________

العقود- كما هو الصحيح- لانطباق الأدلة عليه.

أقول: ذكر فقهاؤنا (رضوان اللّه عليهم)- في كتاب البيع من موسوعاتهم الفقهية: أن من جملة شروط المتعاقدين أن يكونا نافذي التصرف- فعلا- و فرعوا على ذلك مسألة عقد الفضولي و هو الشخص الثالث الكامل التصرف، غير المتعاقدين، و هو: إما أن يعقد للمالك، أو لنفسه، و الأول:

فقد يسبقه منع المالك، و قد لا يسبقه.

و القدر المتيقن من شمول أدلة الجواز و الصحة هو للفضولي العاقد للمالك غير المسبوق بالمنع، و إن قيل بالبطلان لأدلة ضعيفة.

و أما في صورة سبق المنع من المالك، فالقول بالبطلان معروف، و ان كان الأقوى و الأشهر الصحة أيضا لشمول الأدلة العامة له.

و كذلك الكلام في الصورة الثالثة المتمحضة في الغاصب- غالبا- فقد اشتهر القول بالبطلان لعدة أدلة، و لكن الحق و الأشهر هو الصحة لمشموليته أيضا للعمومات غير المفرقة بين المقامين.

هذا و قد اختلفوا في أصل جواز عقد الفضولي و عدمه مطلقا، و التفصيل المذكور بين العاقد للمالك- بقسميه- جوازا، و لنفسه منعا. و التفصيل بين العقود جوازا، و الإيقاعات منعا، الى غيرها من الخلافات المفصلة في بابها من كتب الفقه- و لكل قول أدلة و مؤيدات، لا يسع المجال استعراضها.

و الظاهر- كما تعضده الأدلة المفصلة في مضانها- صحة عقد الفضولي بل و إيقاعه أيضا، للعمومات الشاملة لجميع الأنواع، و لخصوص بعض الأدلة الواردة في موارد التفصيل المذكورة.

و كذلك- بناء على صحة الفضولية- لا فرق بين كون الثمن‌

14

و تزويج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل، لعدم التفويت على الوارث بخلاف نقل منفعة العبد أو الأمة بدون المثل لدخولها في المحاباة بعد أن كانت متمولة

____________

شخصيا، أو كليا في ذمة الأصيل، كما لا فرق أيضا في صحة الفضولي بين العقود اللفظية أو المعاطاة- على القول بإفادتها للملك في نفسها.

و لا بد أن يتعقب عقد الفضولي- بناء على جوازه مطلقا أو على بعض التفصيلات الآنفة الذكر-: أما اجازة المالك ذلك العقد- بحكم كونه أحد طرفيه، فيصح، و اما الرد، فيبطل. فالكلام- بايجاز إذا- حول الإجازة، و المجيز، و المجاز، فنقول:

أما الإجازة بالنسبة إلى عقد الفضولي، فلا بد من حصولها في تصحيحه:

اما بناء على كونها جزء السبب في التأثير، أو شرط الصحة على غرار الشرط المتأخر- بناء على إمكانه في نفسه- أو شرطية وصف التعقب المقارن للعقد- كما ستعرف- و على كل فقد اختلفوا في تخريج ارتباط الإجازة المتأخرة بالعقد المتقدم على أقوال:

الأول- النقل، أي انها ناقلة و مصححة للعقد من حين صدورها من المالك، و لا تترتب آثار العقد من النقل و الانتقال و الثمرات الأخرى إلا من حين صدورها، لا من حين صدور العقد، حتى كأن العقد الصحيح وقع من الآن، لا من ذي قبل.

هكذا قيل في تصوير النقل، و إن أشكل عليه بلزوم تأثير المعدوم، فان العقد المتقدم- حال الإجازة المتأخرة- معدوم، و ليست الإجازة تمام السبب في النقل، بل هي اما جزؤه مع العقد، أو شرط صحته، و تمام السبب هو العقد.

و لكن الحق صحة التصوير و دفع الإشكال بأن العقد ليس نفس الألفاظ حتى ينعدم بتصرم الزمن، و انما هو المعنى الاعتباري الحاصل من‌

15

مملوكة، بل و لا يشمل ما كان من الحقوق بإسقاطها نحو حق الشفعة و حق الخيار، و إن كان مآله المال، بخلاف الإبراء من الدين.

____________

الألفاظ إلى حين الإجازة، فهي ليست لا حقة بأمر معدوم، و ليس للأمر المعدوم- و هو الألفاظ- أي صعيدية في ترتب الآثار و الأحكام.

الثاني- الكشف، بمعنى أن الإجازة المتأخرة كاشفة عن صحة العقد السابق، و باعثة على ترتب الآثار من حينه، لا من حينها، حتى كأن الإجازة وقعت مقارنة للعقد.

و ربما قبل بامتناع الكشف على هذا التصوير لاستلزامه القول بالشرط المتأخر، و هو محال التعقل كتأثير المعدوم، و تقدم المعلول على علته.

و لكن الحق إمكان تصور الشروط المتأخرة في التشريعيات- كالتكوينيات- و لذلك عدة تخريجات، منها على رأي المحقق الخراساني- (قدس سره)- في كفايته: من أن العلة في الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها إلا بمنشإ انتزاعها ليس الا لحاظ ما هو منشأ الانتزاع، فكما يمكن لحاظ المقارن يمكن لحاظ المتقدم و المتأخر على حد سواء. و منها على رأي صاحب الفصول- على ما حكي عنه- من أن شرط الصحة في العقد الفضولي، هو وصف تعقب الإجازة، لا نفسها، و هذا الوصف و العنوان حاصل حين العقد، فليس من قبيل الشرط المتأخر واقعا.

و يظهر من القائلين بالكشف أنهم صوروه بتصويرات ثلاثة:

كشف حقيقي بمعنى أن الإجازة المتأخرة تكشف عن تأثير العقد من حين تحققه تأثيرا تاما، و هو القول المشهور بين الفقهاء الذين يتهضمون تأثير الشرط المتأخر- بالرغم من تأخر زمانه.

و كشف تعبدي، و هو نفس الأول مع تخريج التأخير بتصور اللحاظ- كما عليه الآخوند- أو التعقب- كما عليه الفصول- و ذلك مذهب‌

16

فظهر أن محل النزاع انما هو في المنجزات المتبرع بها، تمليكا كان أو فك ملك مجانا أو بمعاوضة محاباتية.

____________

غير المتهضمين لتأثير الشرط المتأخر من الفقهاء فهما- بحسب الواقع- معنى واحد، و ان اختلفا بحسب المبنى، و التخريج.

و كشف حكمي، و هو معنى وسط بين الكشف الحقيقي، و النقل، و التفصيل بين آثار العقد و أحكامه في ترتيب بعضها من حيث العقد و تعطيل بعضها الآخر الى حين الإجازة، فالإجازة المتأخرة لا تؤثر بالنقل و الانتقال في الملكية من حين العقد، و لكنها تؤثر- من حينه- في النماءات غير المملكة، فهو من حيث ترتب النماءات غير المملكة، كشف حقيقي، و من حيث عدم ترتب ملكية المبيع إلى المشتري الأصيل، نقل حقيقي، و لهذا كان وسطا بين الاثنين.

و هناك ثمرات و آثار تختلف في ترتبها باختلاف المباني في الإجازة بين الكشف بأنواعه و النقل، و لعل من أهمها موضوع النماءات الحاصلة بعد العقد، فبناء على الكشف الحقيقي و التعبدي هي لمن التقلت العين اليه، و هو المشتري الأصيل، و على الكشف الحكمي و النقل هي لمن انتقلت عنه، و هو المالك.

و هناك ثمرات بين أنواع الكشف و النقل ذكرت في أبوابها من كتب الفقه، لا يسعنا استعراضها في هذا المجال.

ثم ان الأنسب بالقواعد من أقوال الإجازة هو النقل ثم الكشف الحكمي ثم التعبدي. و أما الحقيقي- مع اعتبار الإجازة جزء سبب أو شرطا للتأثير، فمشكل بدون تأويل و تخريج- كما عرفت. و الإجازة من المالك قد تكون بالقول الصريح مثل (أجزت و أمضيت) و نحوهما، و قد‌

17

[بيان كون المنجزات من الأصل أو الثلث]

إذا عرفت ذلك، فنقول: ليعلم أولا، إن معنى كون المنجزات من الأصل- على القول به- واضح، و معناه- على القول به من الثلث-

____________

تكون بغيره، كالكتابة و الإشارة و الفعل، و كل ما يدل بصراحة على الرضا بمضمون العقد.

و لا تورث الإجازة، لأنها من الأحكام و من شئون السلطنة على الملك، و ليست من الحقوق القابلة للإرث. و ينبغي مطابقة الإجازة للعقد المجاز، إطلاقا و تقييدا من حيث الثمن و المثمن، و الاعتبارات الآخر، لأنها من متمماته، سواء قلنا بكونها جزء سبب أو شرطا في الصحة.

و يشترط في الإجازة: أن لا يسبقها الرد من المالك، لأنها تجعل المجيز أحد طرفي العقد، فلا بد من تحقق رضاه به، و مع سبق الرد لا يتحقق ذلك.

و لا تعتبر الفورية فيها، بل للمالك حق الإجازة أو الرد في أي وقت شاء، بحكم ارتباط العقد به، و لصدق العمومات عليه كآيتي البيع، و العقود في أي وقت، غاية الأمر أن ينفتح باب خيار الفسخ للمشتري الأصيل عند تضرره بالتأخير.

و أما المجيز- و هو المالك- فلا بد من كونه جائز التصرف بالبلوغ و العقل، و الاختيار و عدم الحجر المالي لفلس أو سفه و نحوهما أو مرض موت بناء على عدم نفوذ منجزات المريض من الأصل كما هو الحق في المسألة- بلا فرق في ذلك بين البناء في الإجازة على الكشف- بأنواعه- أو النقل.

و هل يكفي توفر ذلك الشرط- و هو جواز التصرف- حين الإجازة، أم لا بد من تحققه حين العقد أيضا؟ قولان في المسألة:

و الظاهر كفاية توفره حين الإجازة فقط، و إن كان حين العقد ممنوع‌

18

كونه موقوفا مراعي إلى أن يكشف الحال بالبرء الكاشف عن النفوذ من الأصل من حين التصرف، أو بالموت الكاشف عن نفوذه من الثلث كذلك

____________

التصرف، فلو كان محجورا حين العقد، و ارتفع حجره حين الإجازة صحت إجازته، بخلاف العكس، إذ الملاك صحة تصرفه فيما يؤول إليه من التصرفات بالخصوص، فإن الإجازة تصرفه، و العقد تصرف غيره.

و أما المجاز- و هو عقد الفضولي- فلا كلام لنا في اعتبار ما يعتبر في غيره من العقود اللفظية، لأنه من مصاديقها، بحكم الأدلة المجوزة و إنما الكلام في أن الشروط ههنا هل يعتبر اجتماعها في العقد حين العقد، أم حين الإجازة؟، أم من زمان العقد إلى زمان الإجازة؟ وجوه ثلاثة في المسألة؟

و التحقيق- كما يتراءى من أدلة المقام- التفصيل بين الشروط، فبعضها دخيل في ماهية العقد و تقومه كالقصد و العقل و التمييز و البلوغ- على القول به- في المتعاقدين، و كالمالية و الملكية في العوضين، و كالتنجيز و العربية- بناء عليها- في ألفاظ العقود، فهذه و نحوها لا بد من اعتبارها في حال العقد، إضافة إلى حال الإجازة، إذ بدونها يختل صدق العقدية حينئذ، و عقد الفضولي- كما هو الحق- هو العقد المتكامل القابل للتأثير لو لا رضا المالك.

و بعض الشروط ليس لها دخالة في تقوم العقد ككون المعاملة غير غررية أو غير ربوية و كون العوضين غير نجسي العين أو محرمين كالخمر و آلات القمار، و نحو ذلك، فلا حاجة الى توفرها حين العقد، بل يكفي توفرها حين تحقق الإجازة، و ان كانت حين العقد مفقودة.

(و في كتاب البيع من الموسوعات الفقهية بحوث مفصلة و فروع مفيدة في الإجازة و المجيز و المجاز لا يسع المقام ذكرها).

19

إذا كان بقدره، و نفوذ قدر الثلث منه إذا كان قاصراً عنه، و بطلانه في الزائد عليه مع عدم الإجازة من حين التصرف، فيكون الموت كاشفا عن تعلق حق للورثة بالمال من حين المرض الموجب لعدم نفوذ التصرف فيما لهم فيه حق الا بإجازتهم، كالوصية التي تبطل من حينها فيما زاد على الثلث مع عدم الإجازة (و توهم) الفرق بأن الوصية إخراج للمال عن الملك في زمان ينتقل فيه المال إلى الورثة لا يملك منه الا الثلث، و في المقام إخراج له عن ملكه حينما يملك المال كله (فاسد) لأنه يكفي في المنع تعلق حق الغير به كالرهن الممنوع عن تصرف المالك فيه، لتعلق حق الاستيفاء به، و ان كان مملوكا له.

لا يقال: لم لا نحكم بنفوذه من الأصل في الواقع، و للوارث إبطاله عند الانتقال إليه، فينفذ حينئذ من الثلث من حين الموت كالفسخ بالخيار الموجب للبطلان من حينه لا من حين العقد.

لأنا نقول: بعض التصرفات- بعد فرض وقوعه صحيحا في الواقع- لا يمكن طرو الفساد عليه كالعتق الموجب للتحرير، إذ لا يعود الحر ملكا و كالوقف المأخوذ في معناه التأبيد، و لا قائل بالتفصيل بين ما يقبل طرو الفساد و غيره. هذا بالنسبة الى حكمة المسألة في الواقع، و أما في مرحلة الظاهر، فهل للمالك المتصرف في مرضه تنفيذ تصرفه و تسليط المعطى له على المال بالتسليم له، أو التخلية بينه و بينه مطلقا أم لا كذلك؟ وجهان:

و الأوجه- بل الأقوى- هو الأول و يحتمل التفصيل بين ما يسعه الثلث حين التصرف و ما لا يسعه كذلك، فله التنفيذ في الأول، لأصالة سلامة المال عن التلف مع عدم تعين حق الوارث في خصوص ما تصرف فيه، و ليس له ذلك في الثاني، لأصالة

20

عدم تجدد مال له بعد التصرف حتى يتدارك به حق الوارث فيما تصرف فيه.

و فيه: أن شرط الصحة وفاء الثلث به عند الوفاة، لا حين التصرف، و أصالة سلامة المال لا يثبت بها عنوان الوفاء عند الوفاة، لأنها من الأصول المثبتة التي لا معول عليها (1).

____________

(1) المتيقن ان الشارع المقدس يأمر بعدم نقض اليقين و المضي عليه الا بيقين مثله: و ذلك هو معنى أصل الاستصحاب. أي أنه يوجب ترتيب آثار الشي‌ء المتيقن الثابتة بواسطة اليقين، و تلك الآثار لا بد أن تكون هي الآثار الشرعية المجعولة من قبل الشارع لأنه هو الآمر بترتيبها و لأنها هي القابلة للجعل الشرعي دون غيرها من الآثار العقلية و العادية.

و عليه فان المتيقن المستصحب: اما أن يكون نفسه حكما من الأحكام الشرعية المجعولة من قبل الشارع كوجوب شي‌ء أو حرمته أو إباحته و أمثالها، و اما أن يكون من الموضوعات الخارجية أو اللغوية و نحوهما كحياة زيد و موته، و كرية الماء و رطوبة الإناء و غير ذلك مما هو سوى الأحكام الشرعية و معنى الاستصحاب في القسم الأول هو أن المجعول في زمان الشك حكم ظاهري مساو للحكم المتيقن في زمان اليقين في جميع الآثار المترتبة عليه، و ذلك هو معنى وجوب البقاء عليه.

و أما في القسم الثاني فليس المجعول- في زمان الشك- جميع الآثار المترتبة على المتيقن في زمان اليقين، بل المجعول الآثار الشرعية منها فقط دون العقلية و العادية و دون ملزوماته و ما هو ملازم معه لملزوم ثالث يشتركان في الترتب عليه و غير ذلك، فاستصحاب حياة زيد مثلا معناه الأمر بوجوب ترتيب الآثار الشرعية فقط- التي كانت في حال اليقين- حال الشك كصيانة أمواله و حرمة تزويج زوجته و أمثالهما، و ليس معناه ترتيب جميع الآثار حتى العادية و العقلية كاستمرار نموه و نبات شعره و نحوهما. على أنه ربما‌

21

و وجه الثاني و هو المنع مطلقا- أن المريض بالمرض المعقب بالموت ليس له سلطنة تامة في ملكه كما كان له في حال الصحة، و جواز التنفيذ فرع وجود السلطنة كذلك عليه، و هو غير محرز بعد أن كان المرض محفوفا بظهور الأمارات الردية الكاشفة غالبا عن تعقب الموت. نعم ليس له أن يتصرف تصرفا منافيا للتصرف الأول ان كان ملزما، للزومه من قبله، و ان توقف نفوذه على انكشاف الحال، فهو نظير الأصيل في البيع الفضولي قبل الإجازة، بناء على لزومه بالنسبة إليه (1)، بل هنا أولى منه.

و فيه أيضا أن مرجع الشك في الجواز و عدمه الى الشك في تعلق

____________

يترتب على تلك الآثار العادية حكم شرعي كما لو نذر الصدقة عند نبات شعر ولده، و لكن المستصحب هو الحياة، فلا بد أن يكون المترتب عليها مباشرة هي الآثار المجعولة شرعا. و ما سوى ذلك من ترتب الآثار العادية أو العقلية هي المصطلح عليها بالأصول (المثبتة) التي لا يعول عليها الشارع الآمر بالاستصحاب. و نأتي في التطبيق على ما نحن فيه فنقول: إن سلامة المال من التلف ليس بنفسه حكما شرعيا حتى يصح استصحابه على ضوء القسم الأول، بل هو من الموضوعات الخارجية، و عليه فوفاؤه بالثلث وسعته له ليس من الآثار الشرعية للسلامة ليصح استصحابه على ضوء القسم الثاني منه. و انما ذلك أثر عادي و لازم خارجي للمال لا ينتمي إلى الشارع بصلة حتى يأمر بترتيبه على المال حال الشك، كما كان حال اليقين، الا على تخريج الأصل المثبت غير المعتبر شرعا- كما عرفت- هذا بإيجاز، و للتفصيل مظانه من كتب الأصول.

(1) يريد بالأصيل: طرف الفضولي، سواء كان بائعا أم مشتريا، فإن المعاملة من قبله لازمة الى أن يأتي دور الإجازة أو الرد من قبل المالك الحقيقي، و ان لم يجز له التصرف بما تحت يده حينئذ-

22

حق الغير به و عدمه، و الأصل عدمه، و هو مقدم على الظاهر حيث فرض وجوده إلا في مورد قام الدليل على تقديمه عليه.

و بالجملة: ليس مطلق المرض سببا للمنع عن التصرف و موجبا لتعلق حق الغير بالمال، بل السبب المرض الخاص، و هو المعقب بالموت، فالشك فيه شك في وجود السبب، و الأصل عدمه، و استصحاب السلطنة السابقة على المرض محكم، فالأقوى الجواز مطلقا، و لعله الوجه في قيام السيرة على عدم الضبط على المريض في تصرفاته و المنع عن بعضها، مع أن القول بنفوذه من الثلث منسوب إلى مشهور المتأخرين، بل في موضع من (المسالك) الى عامتهم (1) و منه يظهر ضعف الاستدلال به للقول بنفوذه من الأصل كما ستعرف.

هذا و لا فرق فيما ذكرنا من جواز التنفيذ مطلقا بين كون المنع عن التصرف لتعلق حق الغير به، أو للتعبد، و إن كان لحكمة الإرفاق بالوارث لأن الشك فيه حينئذ شك في التكليف، و الأصل عدمه، غير أن الأصل فيه على الأول موضوعي، و على الثاني حكمي (2).

____________

(1) قال الشهيد الثاني- (رحمه اللّه)- في كتاب الوصايا القسم الثاني من اللواحق في تصرفات المريض عند شرحه لقول المحقق: و أما منجزات المريض إذا كانت تبرعا .. «إذا تقرر ذلك فنقول: اختلف الأصحاب في تصرفات المريض المنجزة المتبرع بها على ذلك الوجه، فذهب الأكثر و منهم الشيخ في المبسوط و الصدوق و ابن الجنيد و سائر المتأخرين إلى أنها من الثلث كغير المنجزة».

(2) و الفرق بينهما أن الأصل الموضوعي ما كان فيه مجرى الاستصحاب من الموضوعات الخارجية كحياة زيد و موته- مثلا و الأصل الحكمي ما كان مجرى الاستصحاب فيه حكما من الأحكام الشرعية كوجوب الامتثال و حرمة‌

23

نعم ربما يظهر الفرق بينهما في نفوذ الإجازة و تأثيرها لو أجاز قبل الموت على الأول، لتضمنها معنى الاسقاط، و عدمه على الثاني، لعدم جريانها في الأحكام.

اللهم الا أن يقال بتأثيرها، و إن لم يتعلق حق بالمال، كالوصية التي تنفذ فيما زاد على الثلث لو أجاز الوارث في حياة الموصي و صحته، بناء على الأشهر فيه، مع عدم تعلق حق للوارث بالمال حين الإجازة، و ليس معنى الإجازة فيها الا الرضا بعدم الإرث، لا الإسقاط الذي لا يتعقل قبل ثبوت الحق، فليكن هنا كذلك و ان قلنا به للتعبد.

و لكن فيه مع ذلك: أن لزوم الالتزام بعدم الإرث في الوصية- على القول به- إنما هو لقيام الدليل عليه فيها المحمول على ذلك، دون الاسقاط المفروض كونه من إسقاط ما لم يجب، و لم يقم مثله دليل في المقام حتى يجب حمله على ذلك.

و عليه فتظهر الثمرة بينهما في ذلك، بل ربما احتمل ظهور الثمرة بينهما أيضا في نفوذ إقراره في مرض الموت على تقدير كون المنع للتعبد، لأن المنع عن التصرف لذلك لا يستلزم المنع عن نفوذ الإقرار بعد عموم دليله، و عدم نفوذه على تقدير كون المنع مسببا عن تعلق حق الغير به لكونه حينئذ من تعلق الإقرار بحق الغير فلا ينفذ، و لذا وقع الخلاف في نفوذه من أهل القول بنفوذ المنجزات من الثلث كما ستعرف.

و هو فاسد في كل من طرفيه! أما الأول، فعلى إطلاقه لأنه يمكن أن نقول بنفوذ المنجز من الثلث تعبدا، و نقول- مع ذلك- بعدم نفوذ

____________

الارتكاب مثلا، ففي مثال ما نحن فيه: يكون استصحاب تعلق حق الغير موضوعيا، لا تترتب عليه إلا آثاره الشرعية المجعولة فقط، بخلاف ما إذا كان المنع للتعبد الشرعي فإنه، استصحاب حكمي بنفسه‌

24

الإقرار مع التهمة، للدليل الدال على عدمه معها، المخصص لعمومات أدلة الإقرار. و أما الثاني فلأن حق الوارث بناء عليه إنما هو متعلق بمال المورث و تركته التي ليس المقر به منها بحكم أدلة الإقرار، و لا يقاس بعدم نفوذه في المفلس المحجور عليه لو أقر بالعين دون الدين، إذ لعل المانع عنه فيه هو حجر الحاكم الذي هو بمنزلة حكمه النافذ لا لتعلق حق الغرماء، و إن علل به في بعض عباراتهم، لكونه من المصادرة المحضة (1)، كيف و لولاه لأمكن دعوى نفوذ إقراره فيه أيضا، كما قيل به، و إن كان الأقوى عدم نفوذه هناك و نفوذه في المقام.

إذا تبين لك ذلك كله، فلنرجع إلى

[الأقوال في المسألة]

الأقوال في المسألة و أدلتها فنقول:

[القول بنفوذه من الأصل]

القول بنفوذه من الأصل هو المحكي عن (المقنعة) و اختاره الشيخ (في النهاية) و الخلاف، و هو صريح (الانتصار) و (الغنية) و بني حمزة و البراج و إدريس و (كشف الرموز) و القمي (ره) في (أجوبة مسائله) و جدي في (الرياض) و ولده الخال في (المناهل) و صاحب (الحدائق) حاكيا له أيضا عن الشيخ الحر العاملي، و المحدث الشيخ عبد اللّه بن صالح البحراني، و اختاره المقدس الأردبيلي في (شرح الإرشاد) و السبزواري في (الكفاية) و شيخنا المرتضى في بعض تحريراته، و عمنا الأستاذ في (ملحقات برهانه) بل في (السرائر): انه الأظهر بين الطائفة، و في موضع آخر منه: أنه الصحيح من المذهب، و في (الكشف للآبي) نسبته إلى الأكثر و قيل: أنه المشهور عند القدماء، بل في (الانتصار) و الغنية) دعوى الإجماع عليه.

و ها نتلو عليك جملة من عباراتهم تسهيلا للوقوف عليها عند الحاجة:

قال الشيخ في (هبة النهاية): «و الهبة في حال المرض صحيحة

____________

(1) المقصود من المصادرة: هو فرض الحكم و الدعوى بلا دليل‌

25

إذا قبضها و ليس للورثة الرجوع فيها، فان لم يقبضها و مات كان ما وهب راجعا إلى الميراث، و كذلك ما يتصدق به في حال حياته، و البيع في حال المرض صحيح كصحته في حال الصحة إذا كان المريض مالكا لرأيه و عقله (1) و قال في (الخلاف في باب الهبة): «إذا وهب في مرضه المخوف شيئا و أقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: لزمت الهبة في جميع الموهوب، و لم يكن للورثة فيها شي‌ء، و منهم من قال: يلزم في الثلث و يبطل فيما زاد عليه، و به قال جميع الفقهاء، دليلنا على الأول: أخبار الطائفة المروية في هذا الباب، و الرجوع إليها هو الحجة في هذه المسألة (2).

و فيه أيضا في باب الوصية: «تصرف المريض فيما زاد على الثلث إذا لم يكن منجزا لا يصح بلا خلاف، و إن كان منجزا مثل العتاق و الهبة و المحاباة فلأصحابنا فيه روايتان: إحديهما أنه يصح و الأخرى أنه لا يصح و به قال الشافعي و جميع الفقهاء، و لم يذكروا فيه خلافا، دليلنا على الأول الأخبار المروية من طرق أصحابنا ذكرناها في الكتاب الكبير» (3).

و فيه أيضا في باب الشفعة: «إذا باع في مرضه المخوف شقصا و جابى فيه من وارث صح البيع، و وجبت به الشفعة بالثمن الذي وقع عليه البيع، و عند الفقهاء يبطل البيع لأن المحاباة هبة و وصية، و لا وصية لوارث، و يبطل في قدر المحاباة- إلى أن قال- دليلنا أن هذا بيع صحيح فمن جعل المحاباة فيه وصية فعليه الدلالة» (4).

____________

(1) راجع: كتاب الوصايا، باب الإقرار في المرض و الهبة فيه، ص 620 طبع دار الكتاب العربي بيروت.

(2) راجع: مسألة (21) و هي آخر مسألة من كتاب الهبة.

(3) راجع: مسألة 12 من كتاب الوصايا. و يقصد بالكتاب الكبير: التهذيب.

(4) راجع: مسألة 40 من كتاب الشفعة

26

و قال في (السرائر) في (باب الهبات): «إذا وهب في مرضه المخوف شيئا و أقبضه ثم مات فمن أصحابنا من قال: تلزم الهبة في جميع الشي‌ء الموهوب، سواء كان الثلث أو أكثر من الثلث، و هو الصحيح من المذهب الذي تقتضيه الأصول» (1).

و أيضا فيه في باب الوصية: «لأن ذلك ليس بتدبير، و انما ذلك عطية منجزة في الحال، و العطايا المنجزة صحيحة على الصحيح من المذهب لا تحسب من الثلث، بل من أصل المال» (2).

و أيضا في موضع آخر منه: (قال محمد بن إدريس (ره) ان أراد بأنه بت عتقه في حال حياته و لم يجعله مدبرا بعد موته فإنه ينعتق جميعه و لا يستسعى في شي‌ء لأن هذه عطية منجزة في الحال- الى أن قال-: الا على مذهب من قال من أصحابنا أن العطايا المنجزة تكون أيضا مثل المؤخرة تخرج من الثلث إذا كانت في مرض الموت، و الأول هو الأظهر بين الطائفة و عليه الفتوى و عليه العمل» (3).

و فيه أيضا في باب المهور من كتاب النكاح: «و الصحيح أنها إذا

____________

(1) راجع باب الهبات و النحل من كتاب الوقوف و الصدقات ص 382 الطبعة الثانية المطبعة العلمية في قم سنة 1390 ه‍.

(2) راجع باب الوصية من كتاب الصدقات ص 386 الطبعة الثانية في قم، أثناء عرض مسألة: ما إذا أوصى بعتق عبده و كان عليه دين.

(3) المسألة في كتاب الصدقات، باب الوصية المبهمة و الوصية بالعتق ص 390 من الطبعة الآنفة. و هذه الجملة ذيل لكلام الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) و أصل المسألة هكذا: قال شيخنا (رحمه اللّه) في نهايته: و إن أعتق مملوكا له بعد موته و لا يملك غيره أعتق ثلثه و استسعى فيما بقي لورثته، قال محمد ابن إدريس ..

27

أبرأته من مهرها سقط جميعه، و صح الإبراء لأن هذا جميعه ليس بوصية و انما هو عطية منجزة قبل الموت و الوصية بعد الموت، و انما هذه الرواية على مذهب من قال من أصحابنا: إن العطاء في المرض، و ان كان منجزا يخرج من الثلث مثل العطاء بعد الموت، و الصحيح من المذهب أن العطاء المنجز في حال مرض الموت يخرج من أصل المال لا من الثلث لأنه قد أبانها من ماله و تسلمها المعطى و خرجت من ملك المعطي، لأنه لا خلاف أن له أن ينفق جميع ماله في حال مرضه، فلو كان ما قاله بعض أصحابنا صحيحا لما جاز ذلك و لما كان يصح منه النفقة بحال» (1).

و قال السيد في (الانتصار): «و مما انفردت به الإمامية أن من وهب شيئا في مرضه الذي مات فيه إذا كان عاقلا مميزا تصح هبة و لا يكون من ثلثه، بل يكون من صلب ماله، و خالف باقي الفقهاء في ذلك و ذهبوا الى أن الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث، دليلنا الإجماع المتردد، و لأن تصرف العاقل في ماله جائز، و ما تعلق للورثة بماله حق، و هو حي، فهبته جائزة، و لذلك صح بلا خلاف نفقة جميع ماله على نفسه

____________

(1) راجع هذه المسألة في باب المهور من كتاب النكاح ص 303 من الطبعة الآنفة الذكر، و العبارة هذه تتبع مسألة ما إذا أبوأت المرأة زوجها من جميع مهرها في حال مرضها و لم تملك سواه. و قبل هذه العبارة هكذا: و روي أنه لا يجوز للمرأة أن تبرئ زوجها من صداقها في حال مرضها إذا تملك غيره، فإن أبرأته سقط عن الزوج ثلث المهر و كان الباقي لورثتها، أورد هذه الرواية شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثالها مما لا يعمل هو به و رجع عنه، لأنها مخالفة للأدلة لأن الإنسان العاقل الغير مولى عليه مسلط على التصرف في ماله، يتصرف فيه كيف يشاء، و الصحيح‌

28

في مأكل و مشرب» (1).

و قال في (الغنية في باب الهبة): «و الهبة في المرض المتصل بالموت محسوبة من أصل المال لا من الثلث بدليل الإجماع المشار اليه» (2).

و قال ابن البراج في الوصية: «إذا جمع بين عطية منجزة و عطية مؤخرة دفعة واحدة و لم يخرجا من الثلث كيف يفعل بهما؟ الجواب: إذا جمع بين ذلك و لم يخرجا من الثلث قدمت العطية المنجزة لأنها سابقة و تلزمه في حق المعطي فيجب فيها ما ذكرناه من التقديم على المؤخرة التي لم تلزم انتهى» فتأمل (3).

و قال في الوسيلة في باب الوصية: «فإن أوصى في حال الصحة أو في المرض غير المخوف أو المشتبه و نجز كان من أصل المال» انتهى (4) و ظاهره يعطي القول به من الثلث و ان كان المحكي عنه على لسان غير واحد القول به من الأصل.

و في (كشف الرموز) بعد ذكر أدلة القولين: «و الأشبه أن جميع تصرفاته من الأصل لوجوه- الى أن قال- الرابع: لفتوى أكثر

____________

(1) راجع (الانتصار للمرتضى) بعنوان مسائل شتى: مسألة في الهبة أيضا: ص 224 طبع النجف الأشرف سنة 1391 ه‍.

(2) راجع: الغنية للسيد أبي المكارم بن زهرة المطبوعة ضمن (الجوامع الفقهية): فصل في الهبة.

(3) راجع كتاب: جواهر الفقه للقاضي بن البراج المطبوع ضمن الجوامع الفقهية في إيران آخر باب المسائل التي تتعلق بالوصايا.

(4) و تتمة العبارة هكذا: و ان لم ينجز كان من الثلث» راجع الوسيلة إلى نيل الفضيلة لابن حمزة المطبوع ضمن الجوامع الفقهية بعنوان فصل في بيان أحكام الوصية‌

29

الأصحاب (1) و قال السبزواري في (الكفاية): «و أما التبرعات المحضة كالهبات و الصدقات و ما في حكمها كالبيع بأقل من ثمن المثل و الشراء بأزيد منه في القدر الزائد مما أخذه من العوض، فاختلف الأصحاب في حكمها فقيل إنها تمضي من الثلث، و قيل: من الأصل، و هو أقرب، للأصل» (2).

[القول بنفوذه من الثلث]

و أما القول بنفوذه من الثلث فهو مذهب جمّ غفير من الأصحاب نتلو عليك أيضا جملة من عباراتهم:

قال الشيخ في (المبسوط) في باب الوصية: «رجل أعتق عبدا له، لا مال له غير، في مرضه المخوف، نظر فيه: فان لم يجزه الورثة بطل العتق في ثلثي العبد، و صح في الثلث، و يكون الولاء في الثلث له» (1).

____________

(1) كشف الرموز للحسن اليوسفي الآبي، و هو كشف و شرح رموز كتاب (المختصر النافع) لأستاذه المحقق الحلي، و لعله أول شرح لهذا الكتاب. و الكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات، يقول السيد بحر العلوم في رجاله المطبوع (ج 2 ص 182): في آخر الحديث عن الكتاب و مؤلفه: «و عندي من كتابه نسخة قديمة بخط بعض العلماء، و عليها خط العلامة المجلسي- طاب ثراه- و في آخرها: ان فراغه من تأليف الكتاب في شهر شعبان سنة اثنتين و سبعين و ستمائة، و تاريخ نقل النسخة سنة ثمان و ستين و سبعمائة».

(2) راجع: آخريات كتاب الوصية، الثالثة- من مسائل تصرفات المريض و قبل كلمة: (للأصل) هذه الجملة: و هو أقرب، مع قبول الأحاديث المعارضة للحمل على الوصية و عدم إبائها عن ذلك، كما فعل مولانا ..».

____________

(1) راجع ذلك في أوائل كتاب الوصايا (ج 4 ص 10) طبع المكتبة المرتضوية إيران

30

و قال في (الغنية) في عتق المالك عبده: «العتق في مرض الموت من أصل التركة، ان كان واجبا، و ان كان متبرعا به فهو من الثلث» (1).

و في (النافع) في كتاب الوصية: «الثامنة- تصرفات المريض:

ان كانت مشروطة بالوفاء فهي من الثلث، و ان كانت منجزة و كان فيها محاباة أو عطية محضة، فقولان، أشبههما أنها من الثلث» (2).

و في موضع آخر منه في الوصية أيضا: «و لو أعتق مماليكه عند الوفاة أو أوصى بعتقهم- و لا مال له سواهم- أعتق ثلثهم بالقرعة (3).

و في باب الحجر منه أيضا: «و المريض ممنوع من الوصية بما زاد عن الثلث، و كذا في التبرعات المنجزة على الخلاف» (4).

و قال في (الشرائع) في باب الحجر: «و المريض ممنوع من الوصية فما زاد عن الثلث إجماعا، ما لم يجز الورثة، و في منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا، و الوجه المنع» (5).

و في كتاب الوقف منه أيضا: «أما لو وقف في مرض الموت:

فان أجاز الورثة، و إلا أعتبر من الثلث كالهبة و المحاباة في البيع، و قبل:

____________

(1) بهذا المضمون- لا بنصه- يوجد في فصل الهبة من كتاب الغنية.

(2) المختصر النافع للمحقق الحلي، كتاب الوصايا، آخر أحكام الوصية ص 193 طبع النجف.

(3) نفس المصدر الآنف، و أوائل المسألة هكذا: «الخامسة إذا أوصى بعتق عبده أو أعتقه عند الوفاة، و ليس له سواه، انعتق ثلثه و لو أعتق ثلثه عند الوفاة، و له مال، أعتق الباقي من ثلثه ..».

(4) أنظر: آخر كتاب الحجر ص 170 من نفس الطبعة.

(5) راجع: آخر الفصل الأول من كتاب الحجر، أول ص 102 من ج 2 طبع النجف سنة 1389 ه‍،

31

يمضي من أصل الشركة، و الأول أشبه» (1).

و في كتاب الهبة منه أيضا: «السابعة إذا وهب في مرضه المخوف و برء صحت الهبة، و إن مات في مرضه و لم تجز الورثة اعتبرت من الثلث على الأظهر» (2).

و في كتاب العتق منه أيضا: «الحادية عشرة: العتق في مرض الموت يمضي من الثلث، و قيل: من الأصل، و الأول مروي» (3).

و قال العلامة في التبصرة «الخامس: المريض و تمضي وصيته في الثلث خاصة، و منجزاته المتبرع بها كذلك إذا مات في مرضه» (4).

و قال في وصيته أيضا: «و تصرفات المريض من الثلث، و ان كانت منجزة، و أما الإقرار: فإن كان متهما فكذلك و الا فمن الأصل» (5).

و قال في (التحرير) في كتاب الحجر: «الرابع عشر: المريض محجور عليه إلا في ثلث ماله في التبرعات كالهبة و الصدقة و العتق، و لو

____________

(1) راجع: أوائل كتاب الوقف: (ج 2 ص 212) من نفس الطبعة.

(2) راجع: آخر كتاب الهبات: (ج 2 ص 232) من نفس الطبعة.

(3) راجع: آخر مسألة من الملحقات بالفصل الأول (ج 3 ص 110) من طبع النجف.

(4) راجع: الفصل الثالث- من كتاب الديون- في الحجر و أسبابه الستة، و هي: الصغر و الجنون و السفه و الملك و المرض و الفلس ..

(5) راجع ذلك في آخريات الفصل الثالث في الوصايا من كتاب الهبات.

32

اشتمل البيع على المحاباة مضى ما قابل رأس المال من الأصل، و الزيادة من الثلث، و لو أجازت الورثة صح جميع ما أجازوا فيه» (1).

و قال في كتاب الهبة منه أيضا: «الثاني عشر: المريض، إذا وهب و أقبض: فإن برأ أو شرط ثوابا يوازن القيمة، خرجت من صلب المال، و ان تبرع بالهبة و مات في ذلك المرض أخرجت من الثلث» (2).

و في كتاب الوقف منه أيضا: «و أما المريض فإن برأ من مرضه صح وقفه، و ان مات فيه أخرج من ثلث المال، و لو أجاز الورثة خرج من الأصل» (3).

و في الوصية منه أيضا: «تصرفات المريض قسمان: مؤجلة و منجزة- الى أن قال-: و ان وقعت في مرض الموت فقولان أقربهما خروجها من الثلث، و كذا إذا وهب في الصحة و أقبض في مرض الموت، أما الإقرار: فإن كان المريض متهما كان من الثلث، و ان كان مأمونا أخرج من أصل المال» (4).

و في كتاب العتق منه أيضا: «و كذا لو أعتقه عند موته منجزا، و لا شي‌ء غيره، عتق من الثلث» (5).

و في موضع آخر منه: «و العتق في مرض الموت من الثلث على

____________

(1) راجع ذلك في آخر الفصل الأول من المقصد الرابع من كتاب الحجر برقم (يد) أي (14) بالحساب الأبجدي.

(2) الفصل الثاني من كتاب الهبة بعنوان (يب أي 12)

(3) راجع ذلك في خلال الفصل الثالث في شرائط الوقف من فصول المقصد الثاني في الوقف.

(4) راجع: الفصل الثامن منه في تصرفات المريض.

(5) راجع: الفصل الرابع منه في الأحكام بعنوان (ط 9).

33

الأقوى» (1).

و موضع آخر منه: «العاشر: لو أعتق المريض ثلاثة متساوية هي التركة، فعتق أحدهم بالقرعة، ثم ظهر عليه دين مستوعب، بطل العتق و القسمة» (2).

و قال في موضع آخر بعده: «إذا نذر المريض العتق فالوجه أنه من الثلث» (3).

و قال في (التذكرة) في باب الوقف: «مسألة: يصح وقف المريض كما يصح وقف الصحيح، إلا أن بين علمائنا خلافا في أنه هل يمضي من الأصل أم الثلث، و المعتمد الثاني» (4).

و قال بعده بمسألة: «تذنيب: و لو وقف في مرض موته و عليه دين مستوعب بطل الوقف على الأقوى، لأن منجزات المريض كالوصية عندنا» (5).

و قال أيضا في كتاب العتق منه: «قد بينا أن الوصية تعتبر من الثلث فتمضي فيه خاصة، و كذا التبرعات الصادرة في مرض الموت على الأقوى» ثم فرع على وقوعها من الثلث فروعا.

و في (المختلف): بعد نقل القول بالثلث عن جماعة قال: «و هو المعتمد) (6).

____________

(1) راجع: (حرف ز أي 7) من نفس الفصل.

(2) راجع: رقم (ي أي رقم 10) من نفس الفصل.

(3) راجع: رقم (يا أي 11) من نفس الفصل الآنف.

(4) راجع المسألة العاشرة من مسائل البحث الرابع في اللواحق، و التذنيب في المسألة الحادية عشرة منه.

(5) راجع المسألة العاشرة من مسائل البحث الرابع في اللواحق، و التذنيب في المسألة الحادية عشرة منه.

(6) راجع: كتاب الهبات و توابعها، الفصل الخامس في الوصايا:

مسألة: عطايا المريض المنجزة، قال: و للشيخ قول آخر في المبسوط إنها من الثلث و هو قول الصدوق .. إلخ.

34

و قال في (الإرشاد) في باب الوصية: «و أما المنجزات الواقعة في مرض الموت المتبرع بها كالهبة و العتق، ففيها قولان: أقربهما أنها من الثلث و لو برأ لزمت إجماعا» (1).

و في الوقف منه: «و لو اشترى المديون المريض أباه، لم يعتق إلا بعد الدين من الثلث، و لو اشتراه محاباة عتق قدر المحاباة.»

و قال في (القواعد) في باب الوصية: «الفصل الثالث في تصرفات المريض، و هي قسمان- إلى أن قال- و أما المعجلة للمريض، فان كانت تبرعا فالأقرب أنها من الثلث- ان مات في مرضه- و ان برأ لزمت إجماعا» (2).

و قال ولده في (الإيضاح) في شرحه: «اختلفت الفقهاء في تصرفات المريض المنجزة المتبرع بها، أعني التي بلا عوض غير الإقرار، فقال بعضهم: أنها من الثلث كالمعلقة بالموت، و هو اختيار والدي المصنف و الشيخ في (المبسوط) و الصدوق و ابن الجنيد، و مفهوم قول الشيخ في (الخلاف). و قال المفيد في (المقنعة) و الشيخ في النهاية و ابن البراج و ابن إدريس أنها من الأصل، و الأول هو الأصح عندي، لوجوه» (3)

____________

(1) راجع: إرشاد العلامة: المطلب الرابع في تصرفات المريض ضمن المقصد الرابع في الوصايا من كتاب العطايا.

(2) راجع: قواعد العلامة: الفصل الثالث في تصرفات المريض ضمن المقصد الرابع في الوصايا ضمن كتاب الوقوف و العطايا.

(3) راجع: (ج 2 ص 592- 594) الطبعة العلمية بقم سنة 1388 ه‍.

35

و قال أيضا في آخر المسألة: «خاتمة: المنجزة المتبرع بها تشارك الوصايا في خروجها من الثلث عندنا، و تأخرها عن الديون و تزاحم الوصايا» (1).

و في (القواعد) في كتاب الوقف منه: «و لو وقف المريض على ابنه و بنته و لا وارث غيرهما دفعة دارا هي تركته، فإن أجاز لزم، و الا صح في الثلث» (2) و في (جامع المقاصد في شرحه): «أي لو وقف المريض على ابنه و بنته- الى أن قال- فاذا رد لم يصح تصرفه فيما زاد على الثلث» (3).

و في وصية القواعد أيضا: «الفصل الثالث في تصرفات المريض، و هي قسمان: منجزة و معلقة- الى أن قال- و أما المعجلة للمريض، فان كانت تبرعا فالأقرب أنها من الثلث، ان مات في مرضه» (4).

و أيضا بعده قال: «الأقرب عندي أن كل تصرف وقع في مرض اتفق الموت معه سواء أ كان مخوفا أم لا، فإنه يخرج من الثلث، ان كان تبرعا و الا فمن الأصل، و قيل: ان كان مخوفا فكذلك و الا فمن الأصل كالصحيح» (5).

و قال أيضا بعده: «مسائل:- الأولى- الهبة و العتق و الوقف

____________

(1) راجع: (ج 2 ص 592- 594) الطبعة العلمية بقم سنة 1388 ه‍.

(2) راجع: الفصل الثاني في اللواحق من الكتاب.

(3) راجع ذلك في نفس العنوان (قوله): و لو وقف المريض ..

(4) راجع: الفصل الثالث في تصرفات المريض من المقصد الرابع في صفحة واحدة.

(5) راجع: الفصل الثالث في تصرفات المريض من المقصد الرابع في صفحة واحدة.

36

و الصدقة المندوبة محسوبة من الثلث كالوصية» (1).

و قال في (جامع المقاصد) في شرح كلام الماتن في المواضع الثلاثة:

قال في شرح الموضع الأول: «اختلف الأصحاب في تصرفات المريض المنجزة إذا كانت تبرعا: فقال الشيخ في (المبسوط) و الصدوق و ابن الجنيد: أنها من الثلث كغير المنجزة، و اختاره المصنف، و قال المفيد في (المقنعة) و الشيخ في (النهاية) و ابن البراج و ابن إدريس: أنها من الأصل، و المختار الأول» (2).

و قال في شرح قول الماتن في الموضع الثاني: «بعد أن علم أن تصرفات المريض من الثلث و إن كانت منجزة إذا كانت تبرعا» إلخ (3).

و قال في شرح الموضع الثالث: «وجه القرب عموم الأخبار الدالة على الحجر على المريض فيما زاد عن الثلث» (4).

و في كتاب الحجر منه بعد قول الماتن: «و ان كانت منجزة على رأي بشرط موته في ذلك المرض قال: «هذا هو الأصح عملا، بصحيح الأخبار» (5).

و قال الشهيد في (اللمعة) في باب الهبة: «و لو وهب أو وقف

____________

(1) راجع: الفصل الثالث في تصرفات المريض من المقصد الرابع في صفحة واحدة.

(2) العنوان الآنف الذكر في شرح قوله: و أما المعجلة للمريض .. إلخ

(3) راجع: نفس العنوان بعد ذلك في شرح قوله: في بيان مرض الموت: الأقرب عندي .. إلخ.

(4) راجع: نفس العنوان بعد ذلك بصفحتين- تقريبا- في شرح قوله: في التبرعات و فيه مسائل .. إلخ.

(5) راجع ذلك- في نفس الكتاب- في شرح قوله: و إن كانت منجزة.

37

أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث الا أن يجيز الوارث» (1).

و في باب الحجر منه أيضا: «و المريض ممنوع مما زاد عن الثلث، و ان تنجز على الأقوى» (2).

و فيه أيضا في باب العتق في شروط المعتق: «و يشترط بلوغ المولى و اختياره- الى أن قال- و كونه غير محجور عليه لفلس أو مرض فيما زاد عن الثلث» (3).

و في موضع آخر منه: «فمن أعتق شقصا من عبده عتق كله، الا أن يكون المعتق مريضا و لم يبرء، و لم يخرج من الثلث الّا مع الإجازة» (4).

و قال (في الدروس في باب العتق): «و وقف المريض: ماض من الثلث إذا لم يجزه الوارث» (5).

و أيضا فيه في كتاب الوصية: «درس، منجزات المريض المشتملة على

____________

(1) راجع ذلك بعنوان: الثاني- الهبة- (ج 3 ص 196) طبع النجف الأشرف سنة 1987 ه‍، و صاحب اللمعة هو الشهيد الأول.

(2) راجع ذلك بنفس المصدر الآنف (ج 4 ص 106 من طبع النجف الأشرف).

(3) راجع ذلك في كتاب العتق من شرح اللمعة للشهيد الثاني (ج 6 ص 240- 241) طبع النجف و العبارة هي المتن للشهيد الأول.

(4) المصدر الأنف نفسه (ص 261- 262) بعنوان السراية في العتق. و المقصود بالشقص- بالكسر-: الجزء.

(5) هذه الجملة مذكورة في أول كتاب الوقف بعنوان (و له شروط، أحدها- أهلية الواقف)

38

تفويت المال بغير عوض كالهبة و العتق و الوقف، أو على محاباة كالبيع بالثمن الناقص أو الشراء بالزائد، حكمها حكم الوصية في أصح القولين» (1).

و في (غاية المرام في باب الوصية): «القول إنها من الأصل قول الشيخ في النهاية- إلى أن قال-: و قال: في (المبسوط) و محمد بن بابويه و ابن الجنيد: أنها من الثلث، و اختاره المصنف و العلامة و هو المعتمد، و المستند الروايات» (2).

و قال في المسالك في كتاب الحجر- بعد قول المصنف و في منعه من التبرعات المنجزة- «و في وقوع هذه و شبهها من أصل المال أو من الثلث قولان: أحدهما إنها من الأصل- إلى أن قال- و الثاني أنها من الثلث، ذهب إليه جماعة من المتقدمين، منهم الصدوق و الشيخ في أحد قوليه، و اختاره عامة المتأخرين. و منهم المصنف و هو الأقوى» (3).

____________

(1) راجع: أوائل كتاب الوصية من الدروس للشهيد الأول بعنوان:

(و يعتبر في الموصي شروط ثلاثة- إلى قوله-: و ثالثها- خروجه من الثلث أو اجازة الوارث).

(2) غاية المرام في شرح شرائع الإسلام لمؤلفه الشيخ مفلح بن الحسن الصيمري، تلميذ أبي العباس أحمد بن فهد الحلي، و الكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات، رأيناه في مكتبة الشيخ الهادي من آل كاشف الغطاء جد الشيخ علي كاشف الغطاء حفظه اللّه. و قد عين نسبة الكتاب لمؤلفه المذكور المحقق الثبت الامام الطهراني- (قدس سره)- راجع: هذه الجملة في أخريات كتاب الوصية من الكتاب المذكور في منجزات المريض.

(3) مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام للشهيد الثاني- (قدس سره)- راجع ذلك في آخر الفصل الأول من كتاب الحجر، و عبارة المتن الكاملة- كما مرت عليك آنفا- هكذا: «و المريض ممنوع من الوصية‌

39

و أيضا فيه في كتاب العتق- بعد قول الماتن: أما لو وقف في مرض الموت فان أجاز الورثة، و الا أعتبر من الثلث كالهبة و المحاباة في البيع. و قيل يمضي من أصل التركة، و الأول أشبه- قال: «هذا هو الأظهر» (1).

و قال أيضا في باب الهبة: «و أما إذا اتفق موته في مرضه: فان كان المرض مخوفا بمعنى غلبة الهلاك معه فالأظهر أن منجزاته من الثلث حيث لا يجزى الوارث» (2).

و قال في (الروضة) في كتاب الحجر- بعد قول الماتن: «و ان تنجز على الأقوى: «للأخبار الكثيرة الدالة عليه منطوقا و مفهوما و قيل:

يمضي من الأصل» (3).

____________

بما زاد عن الثلث إجماعا، ما لم تجز الورثة، و في منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا و الوجه المنع».

(1) وجدنا هذه العبارة. متنا و شرحا- في أوائل كتاب الوقوف و الصدقات. و تتمة عبارة الشرح تحت عنوان (و قيل يمضي ..) هكذا:

«.. و قد تقدم الكلام فيه و سيأتي تحقيقه في الوصايا».

(2) راجع: آخر كتاب الهبات في شرح قول الماتن» إذا وهب في مرضه المخوف و بري‌ء صحت الهبة ..»، و قبل هذه الجملة قوله:

«لا خلاف في أن المريض إذا بري‌ء من مرضه ينفذ تصرفه مطلقا، و أما إذا اتفق ..» و تتمة العبارة: «و قيل: يكون من الأصل، و سيأتي تحقيق في الوصايا ..». و يشير في هذين الموردين الى التحقيق المسهب الذي شرح به قول الماتن «القسم الثاني في تصرفات المريض» من كتاب الوصايا.

(3) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني- (قدس سره)- راجع ذلك في شرح قول الماتن «و المريض ممنوع مما زاد على الثلث‌

40

و في باب الوصية منه: «و اعلم أن المنجزة تشارك الوصية في الخروج من الثلث في أجود القولين» (1).

و في باب الهبة منه أيضا- بعد قول الماتن: فهي من الثلث- قال: «على أجود القولين» (2).

و في (المهذب البارع) بعد قول الماتن: و كذا في التبرعات المنجزة على الخلاف: «أقول المشهور أنها من الثلث، و هو أحد قولي الشيخ في (المبسوط و النهاية) قاله الصدوق و أبو علي- و ظاهره الخلاف، و اختاره المصنف و (العلامة) و قال الشيخان في النهاية و المقنعة: أنها من الأصل- الى أن قال- و الروايات بالأول» (3). انتهى.

و عنه في (المقتصر) اختياره أيضا.

و في (المعالم لابن قطان): «و يحجر على المريض في ثلثي ماله، فلو تبرع منه بشي‌ء منجزا أو وصية لم يصح ان مات في مرضه و لم يجز الورثة» (4).

____________

و إن نجز على الأقوى»: ج 4 ص 106 طبع النجف.

____________

(1) راجع: الفصل الثالث في الأحكام من كتاب الوصايا (ج 5 ص 64) من طبع النجف.

(2) راجع: ج 3 ص 196 من طبع النجف في شرح قول الماتن:

و لو وهب أو وقف أو تصدق في مرض موته فهي من الثلث.

(3) المهذب البارع في شرح الشرائع لمصنفه أحمد بن محمد بن فهد الحلي، و لا يزال من نفائس المخطوطات، رأينا نسخته الخطية في مكتبة الشيخ علي حفيد (الهادي من آل كاشف الغطاء) حفظه اللّه. و المسألة مذكورة في أخريات كتاب الوصية منه

(4) معالم الدين للشيخ محمد بن شجاع القطان تلميذ الشيخ المقداد.

و الكتاب من نفائس المخطوطات.

41

و في (المقابيس للشيخ أسد اللّه التستري) بعد حكاية القولين عن الأصحاب قال: «و المعتمد الأول و هو أنها من الثلث» (1).

و في التنقيح بعد ذكر أدلة الثلث، قال: «و الفتوى على هذا» (2).

و هو مختار الفاضل الجواد في (شرح اللمعتين) (3) و شيخنا في (الجواهر) (4) وجدنا في رسالة مستقلة، و ان عدل عنه الى الأصل في الرياض (5).

هذا ما وسعنا من نقل عباراتهم، و الإنصاف أن القولين متكافئان

____________

(1) راجع: ذلك في كتاب الوصية منه بعنوان (مقباس، اختلف الأصحاب في منجزات المريض).

(2) التنقيح الرائع من مختصر النافع، شرح مفصل للمختصر في مجلدين ضخمين، تأليف الفاضل المقداد السيوري من أعلام القرن التاسع الهجري، و الكتاب لا يزال من نوادر المخطوطات.

(3) أشرنا في تعليق ص 124 من الجزء الأول من البلغة: أنه يحتمل أن يريد المصنف: شرح اللمعة المسمى بالأنوار الغروية للفاضل الشيخ محمد جواد بن الشيخ محمد تقي بن الشيخ محمد الأحمدي، الشهير بملا كتاب و هو من نفائس المخطوطات.

(4) قال- في كتاب الحجر: و السادس- المريض، و هو ممنوع من الوصية بما زاد عن الثلث- كالصحيح- إجماعا محصلا و محكيا مستفيضا أو متواترا .. الى آخر عبارة المتن و الشرح و يقول بعد ذلك: و في منعه من التبرعات المنجزة الزائدة عن الثلث خلاف بيننا- الى قوله-:

و لكن مع ذلك كله فالوجه المنع من التبرع بالزائد فلا ينفذ على الورثة إلا مع إجازتهم‌

(5) قال السيد الطباطبائي في كتاب الرياض (ج 2 كتاب الوصايا) متنا‌

42

في المعروفية بين الأصحاب، و الظاهر- تحقق الشهرة على الأصل بين القدماء، و على الثلث بين المتأخرين. و أما عند متأخري المتأخرين، و لا سيما بين المعاصرين فلا استبعد انقلاب الشهرة الى ما عليه أكثر القدماء.

[الاستدلال على كون المنجزات من الأصل بالروايات]

و كيف كان يدل على النفوذ من الأصل بعد الأصل (1) و عمومات

____________

و شرحا: «الثامنة- تصرفات المريض إذا كانت مشروطة بالوفاة، و يعبر عنها بالوصية، فهي من الثلث مع عدم اجازة الورثة .. و ان كانت منجزة غير معلقة عليها .. فقولان، أشبههما و أشهرهما بين المتأخرين أنها نخرج من الثلث .. إلى قوله: و الحلي و المرتضى و ابن زهرة أخرجوه من الأصل، و هو المشهور بين القدماء ظاهرا، بل لعله لا شبهة فيه جدا- الى قوله- و المسألة محل اشكال و ريبة لاختلاف النصوص و قبول جل منها التأويل مما يؤول إلى الآخر مع غموض المرجحات و تعارض الوجوه الاعتبارية من الطرفين، الا أن الترجيح للأخبار الأخيرة (أي أخبار الأصل)- إلى قوله-: و لقد كتبت في المسألة رسالة منفردة رجحت فيها خلاف ما هنا (أي الثلث) لغفلتي عن الشهرة القديمة، فالمصير الى القول الثاني أقوى ثم أقوى».

و سبب تعبير سيدنا صاحب المتن- عن صاحب الرياض ب‍ (جدنا) باعتبار أن السيد مير علي الطباطبائي- (رحمه اللّه)- صاحب الرياض أبو أمه، فهو جده لأمه.

(1) المراد من الأصل هنا: الاستصحاب التنجيزي، و هو استصحاب السلطنة على ماله التي كانت له قبل المرض الى ما بعده التي من آثارها نفوذ تصرفاته من الأصل. و أما جريان الاستصحاب التعليقي بأن يقال:

كان بحيث لو تصرف نفذ تصرفه من الأصل فيستصحب، فمبني على كون المستصحب حكما شرعيا و هو فرع كون الملازمة الثابتة بين التصرف و النفوذ من الأصل حكما للشّارع مجعولا منه للمالك من حيث هو مالك، لا أمرا‌

43

سلطنة الناس على أموالهم، و إجماعي الانتصار و الغنية المعتضدين بذلك و بالشهرة المحكية، بل المحققة بين القدماء-: الأخبار الخاصة التي منها موثقة عمار المروية في الكتب الأربعة: «عن ابن أبي عمير عن مرازم عن عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الميت أحق بماله ما دام فيه الروح، يبين به، فان قال بعدي فليس له الا الثلث» غير أن في (الفقيه) و ما حضرني من نسختي الكافي مكان فان قال بعدي (فإن تعدى) (1) و عليه فمعناه التعدي من زمن الحياة الى ما بعد الموت، فيكون موافقا لما في (التهذيبين) (2) في المعنى لا بمعنى التعدي عن الثلث

____________

اعتباريا ينتزعه العقل من الموضوع فيحكم به فكم من فرق واضح بين قولنا: عصير العنب إذا غلا كان حكمه كذا، و قولنا: العصير المغلي حكمه كذا، فيجري الاستصحاب التعليقي في الأول لكون الملازمة بين الغليان و التنجس مثلا ثابتة شرعا مجعولة منه للعصير بما هو عصير، و ان كان تنجزه بالغليان، و لا يجري في الثاني، إذ لا حكم للعصير شرعا مطلقا قبل الغليان. و في المقام يحتمل كون النفوذ حكما للتصرف بأن يكون موضوعه المالك للتصرف لا المالك إذا تصرف كان حكمه النفوذ، و عليه فلا يجري الاستصحاب التعليقي أيضا، إذ لا حكم للشارع مطلقا قبل التصرف، و ان أريد كون النفوذ من آثار السلطنة المجعولة للمالك فهو من الاستصحاب التنجيزي لا التعليقي فافهم (منه (قدس سره)).

(1) راجع: الكافي الكليني، كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بما له ما دام حيا، حديث رقم (7) و لم نجد نص الحديث بسنده المذكور في كتاب الفقيه للصدوق (ج 4 ص 149) طبع النجف باب 97 في أن الإنسان أحق بماله ..

(2) لعله يريد بالتهذيبين: كتابي الشيخ الطوسي في الأخبار (التهذيب‌

44

الى ما يزيد عليه، كما احتمله في (الجواهر) لعدم تقدم ذكر الثلث قبله حتى يوافق التعدي عنه الى ما زاد عليه.

و منها في (الكافي) بالسند المتقدم مروي هكذا: «قال قلت، الميت أحق بماله ما دام فيه الروح يبين به، قال نعم فإن أوصى به فليس له الا الثلث» (1) و الظاهر أنها رواية مستقلة، و هي موافقة لما في (التهذيبين) و مؤيدة لما احتملناه من (التعدي) في بعض نسخ الكافي، و دلالتهما على النفوذ من الأصل بمكان من الظهور.

و منها موثقته الثالثة في (التهذيب، و الاستبصار): «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه؟ فقال:

إذا أبانه جاز» (2) و ظاهر السؤال يعطي كون المرض مرض الموت، لأنه مظنة المنع عن التصرف فيه فيما زاد على الثلث، و النفوذ منه إذا كان بقدره فما دون كما عليه العامة، فناسب السؤال عنه من الامام.

____________

و الاستبصار) و التثنية باسم أحدهما للتغليب كالحسنين و القمرين لأهمية كتاب التهذيب و شهرته راجع من التهذيب: (باب 10 الرجوع في الوصية، حديث رقم (756) ج 9 ص 188 طبع النجف، و فيه جملة (فإن قال بعدي) كما في المتن. و هكذا يوجد في الاستبصار (ج 4 ص 122). طبع النجف، حديث رقم (463).

(1) لم نجد في الكافي بهذا الباب المذكور و السند المزبور الا تلك- الرواية الآنفة الذكر- فالظاهر أن الرواية واحدة- في المقامين- لا اثنتان، و اللّه العالم‌

(2) راجع- من التهذيب-: (ج 9 ص 190 طبع النجف) حديث رقم (864) باب الرجوع في الوصية، و من الاستبصار:

45

و منها موثقته الرابعة المروية في (الكتب الأربعة): «عنه (عليه السلام) قال: الرجل أحق بماله ما دام فيه الروح ان أوصى به كله فهو جائز له» (1) و اشتمالها على ما لا نقول به: من نفوذ الوصية بكل ماله لا يضر في الاستدلال بصدرها على المطلوب، فلتحمل الوصية فيها على التنجيز أو غيره من المحامل- كما قيل- و ان كان يحتمل غير بعيد- عندي إرادة أن الرجل أحق بماله في تعيين وصيته فيما شاء من أعيان ماله كله، إذ له تعيين ذلك، و عليه فلا دلالة في الرواية على المنجزات بالكلية لا من الأصل و لا من الثلث.

و منها موثقته الخامسة في (التهذيب و الفقيه و الكافي): «عنه (عليه السلام) قال: صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شي‌ء من الروح، يضعه حيث شاء» (2). و منها في (الكافي و التهذيب و الاستبصار) «عن أبي بصير

____________

ج 4 ص 120 طبع النجف باب 74 أنه لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث) حديث رقم (11).

(1) راجع من التهذيب: (باب 10 الرجوع في الوصية حديث رقم (753) ج 9 طبع النجف بسنده عن عمار الساباطي، و من الاستبصار (ج 4 ص 121 طبع النجف) باب 74 لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث حديث رقم (9). و من الكافي للكليني ج 7 ص 7 طبع الجديد طهران باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم 2 بنفس السند. و من كتاب (من لا يحضره الفقيه للصدوق) ج 4 ص 150 طبع النجف، باب 97 أن الإنسان أحق بماله، بنفس السند.

(2) راجع من التهذيب: ج 9 ص 186 طبع النجف باب 10 حديث رقم (1)، و من الفقيه (ج 4 ص 149 طبع النجف) باب 97 حديث رقم (1)، و من الكافي (ج 7 ص 7 باب أن صاحب المال أحق بماله) حديث رقم (1).

46

عنه (عليه السلام): «قال قلت له: الرجل له الولد يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ فقال: هو ماله يصنع به ما شاء الى أن يأتيه الموت، أن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حيا ان شاء وهبه و ان شاء تصدق به و إن شاء تركه الى أن يأتيه الموت، فإن أوصى به فليس له إلا الثلث، إلا أن الفضل في أن لا يضيع من يعوله و لا يضر بورثته» (1) و منها خبر سماعة في (الكافي و التهذيب): «قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون له الولد أ يسعه أن يجعل ماله لقرابته؟ قال:

هو ماله يصنع به ما شاء الى أن يأتيه الموت» (2).

و منها حسنة أبي شعيب المحاملي في (التهذيب و الكافي): «عنه (عليه السلام) قال: الإنسان أحق بماله ما دامت الروح في بدنه» (3).

و منها صحيح صفوان الذي أجمعوا على تصحيح ما يصح عنه في (الكافي): «عن مرازم عن بعض أصحابنا عنه (عليه السلام) في الرجل

____________

(1) راجع من الكافي: (باب ان صاحب المال أحق بماله حديث رقم 10)، و من التهذيب: باب الرجوع في الوصية حديث رقم 8 ج 9 ص 188 طبع النجف. و من الاستبصار: باب أنه لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، حديث رقم (12).

(2) راجع من الكافي: كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم (5) و من التهذيب، كتاب الوصايا باب 10 الرجوع في الوصية، حديث رقم (2) تسلسل (749).

(3) راجع من التهذيب: كتاب الوصايا، باب 10 الرجوع في الوصية، حديث رقم (4) تسلسل (751)، و من الكافي: كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم (5) طبع طهران

47

يعطي الشي‌ء من ماله في مرضه؟ فقال: إذا أبان به فهو جائز و ان أوصى به فهو من الثلث» (1).

و منها مرسلة الكليني في (الكافي) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «أنه أعاب رجلا من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم فقال:

تركت صبية صغارا يتكففون الناس» (2). و الاعابة مستلزمة للنفوذ من الأصل لأنه الموجب لحرمان الصبية الصغار.

و منها صحيحة محمد بن مسلم في (الكافي و الاستبصار): «عنه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكه و أوصى بوصية و كان أكثر من الثلث؟ قال: يمضي عتق الغلام و يكون النقصان فيما بقي» (3) بناء على أن تقديم العتق لنفوذه من الأصل، و إلا فينبغي تقديم ما هو مقدم في الذكر، و النقصان فيما بقي من المسؤول عنه، و هو الوصية لكونها أكثر من الثلث، لا كون مجموع العتق و الوصية أكثر من الثلث حتى يكون دليلا على نفوذه من الثلث.

و منها مرسلة ابن أبي عمير في (الكافي): «عنه (عليه السلام) في رجل أوصى بأكثر من الثلث و أعتق مملوكه في مرضه؟ فقال: إن كان

____________

(1) راجع من الكافي: كتاب الوصايا، باب أن صاحب المال أحق بماله، حديث رقم (6)، طبع طهران الحديث.

(2) راجع من الكافي: المصدر الآنف الذكر، آخر حديث رقم 10: ج 7 ص 9 طبع طهران الحديث.

(3) راجع من الكافي: المصدر الآنف الذكر، باب من أوصى بعتق أو صدقة، حديث رقم (4) و من الاستبصار: ج 4 ص 120، طبع النجف، حديث تسلسل (454).

48

أكثر من الثلث، رد إلى الثلث، و جاز العتق» (1) بإرادة جوازه من الأصل لا من الثلث بالتقريب المتقدم.

و بالجملة فالإنصاف: أن هذه الروايات وافية الظهور في الدلالة على النفوذ من الأصل، سيما ما كان فيها مقابلا للوصية النافذة من الثلث.

[الاستدلال به على النفوذ من الثلث بالاخبار]

و أما ما أستدل به على النفوذ من الثلث فأخبار: بعضها لا ظهور فيه على المدعى، بل على خلافه أظهر، و بعضها- مع ضعف السند- متضمن لما لا يلتزم به أحد، و بعضها- لو سلم ظهوره- فمع معارضته لما هو أقوى منه دلالة لا تكافئ ما تقدم من أدلة الأصل.

فمن الأول- أخبار: منها. النبوي: «ان اللّه قد تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم» (2).

و فيه أنها ظاهرة في إرادة بقاء مقدار مما ينتقل عنه إلى غيره بالموت لينتفع به بالوصية بعد الموت و هو المناسب للصدقة، دون التصدق ببعض ما كان كله له، كيف و هو من حرمانه من أكثر ماله حين ما يملكه.

و منها ما عن (البحار): «و ليس للميت من ماله إلا الثلث فإذا أوصى بأكثر من الثلث رد إلى الثلث» (3).

____________

(1) الكافي للكليني: كتاب الوصايا، باب من أوصى بعتق أو صدقة أو حج الحديث الأول.

(2) في مستدرك الوسائل، كتاب الوصايا، باب جواز الوصية بثلث المال الحديث هكذا: «و في درر اللئالي عن معاذ بن جبل عن النبي (ص) أنه قال: ان اللّه تعالى تصدق عليكم عند و فاتكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم».

(3) في الوسائل: كتاب الهدايا باب 10 جواز الوصية بثلث المال روايات كثيرة بهذا المضمون

49

فهو كما ترى من ظهوره في الوصية. و العجب ممن استدل به على المنجز.

و منها خبر أبي حمزة: «ان اللّه يقول يا بن آدم تطوّلت عليك بثلاث الى قوله و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خبرا» (1).

و فيه ما تقدم: من أن التطول يناسب العطية حيث ما يكون المقتضي للحرمان موجودا، و هو هنا الموت الموجب لانتقال ماله كله الى وارثه لو لا التطول عليه ببقاء ثلثه له للوصية به فيما ينفعه بعد موته.

و منها مصححة علي بن يقطين: «ما للرجل من ماله عند موته؟ قال:

الثلث، و الثلث كثير» (2).

و منها مصححة يعقوب بن شعيب «عن الرجل يموت، ماله من ماله؟ فقال: له ثلث ماله» (3).

و منها خبر عبد اللّه بن سنان: «للرجل عند موته ثلث ماله- قال بعد ذلك-: و ان لم يوص فليس على الورثة إمضاؤه» (4).

____________

(1) في الوسائل، كتاب الوصايا باب كراهة ترك الوصية نص الحديث هكذا: «عن أبي حمزة عن بعض الأئمة (عليهم السلام) قال:

ان اللّه تعالى يقول يا بن آدم تطولت عليك بثلاثة: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك و أوسعت عليك فاستقرضت. منك فلم تقدم خيرا، و جعلت إلخ ..».

(2) في الوسائل ج 13 ص 363 الطبعة الحديثة باب 10 حديث رقم 8 هكذا: قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) ما للرجل. إلخ.

(3) في الوسائل الجديدة (ج 13 ص 362) حديث تسلسل (24570) يرويه عن شعيب بن يعقوب و يرويه عن الكليني و الشيخ عن يعقوب بن شعيب- كما في المتن- و لعله الأصح، و تكملته: و للمرأة أيضا.

(4) راجع الوسائل ج 13 باب 10 حديث تسلسل (7) طبع الجديد

50

و التقريب هو ظهور كلمة (عند) و قوله (يموت) في الاشراف على الموت، دون تحققه بظهور اماراته المتحققة في المرض المتضمنة لكون الذي له في هذا الحال هو الثلث و ما عداه ليس له، المحمول على ارادة نفي مطلق التصرف فيما زاد عليه الذي منه المنجز.

و فيه مع وجوب تقييدها حينئذ بالتصرفات التبرعية ظاهرة أو محمولة على إرادة الوصية المتحققة قبل الموت عند الاشراف عليه غالبا، سيما بقرينة ذيل خبر ابن سنان، مع أن إطلاق (يموت) (و عند الموت) و ارادة وقوعه و تحققه شائع كثير فيه و في أمثاله من نحو الرجل يبيع و ينكح و يهب و يقف و نحو ذلك، مع أن خبر البحار المعبر فيه بالميت قرينة على إرادة السؤال عنه (عليه السلام) من حيث تحقق الموت و تلبسه به.

و بالجملة فلا مجال لإنكار ظهورها في الوصية.

و منها خبر السابري: «عن امرأة استودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: ان المال الذي دفعته إليك لفلانة الى أن قال في ذيله: و ان كانت متهمة فلا يحلف و يضع الأمر على ما كان، فإنما لها من مالها ثلثه» (1).

و فيه- مع كونه من مسألة الإقرار في مرض الموت دون المنجز فيه، و ستعرف القول به من الثلث مع التهمة- ضعيف السند ممنوع جبره.

و من الثاني أخبار: منها خبر أبي ولاد: «عن الرجل يكون لامرأته عليه الدين فتبرئه منه في مرضها؟ قال: بل تهبه له فتجوز هبتها. و يحسب

____________

(1) الوسائل الجديدة كتاب الوصايا باب 16 حديث تسلسل (2) و نص الحديث بسنده هكذا: عن العلا بياع السابري قال: سألت أبا عبد اللّه عن امرأة ..

51

ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئا» (1) و نحوه خبر سماعة أيضا: «عن الصادق (عليه السلام) عن الرجل يكون لامرأته عليه صداق أو بعضه فتبرء ذمته في مرضها؟ قال: لا، و لكن ان وهبت جاز له ما وهبته من ثلثها» (2).

و منها مصححة الحلبي «عن الرجل يكون لامرأته عليه الصداق أو بعضه فتبرئه منه في مرضها؟ فقال: لا» (3).

و فيه: أنها متضمنة لبطلان الإبراء رأسا، و لم يقل به أحد، و صحة هبة الدين لمن هو عليه، و لعل الأكثر لا يصححونه كبيع الدين ممن هو عليه، و ان كان من المحتمل قويا صحته، و كون مفاده الإبراء، لا التمليك الحقيقي، كما احتملناه أيضا في شراء أحد العمودين: أنه بيع يكون مفاده الانعتاق لا التمليك حقيقة، و لو آنا ما بناء على أن بدلية الثمن عن الدين في الأول مفاده السقوط، و عن الرقية في الثاني مفاده الانعتاق.

و بالجملة فالتفصيل بين الإبراء و الهبة ببطلان الأول، و صحة الثاني لم يقل به أحد، فكيف يمكن رفع اليد بها عن تلك الأدلة، مع ضعف السند، و عدم الجابر أيضا.

و من الثالث: روايات العتق التي هي العمدة لهم في الاستدلال على مطلوبهم.

____________

(1) الوسائل، كتاب الوصايا، باب إن من أوصى بأكثر من الثلث حديث رقم (11).

(2) الوسائل الجديدة، كتاب الوصايا، باب 17 حديث تسلسل 16

(3) المصدر الآنف الذكر باب 17 حكم التصرفات المنجزة حديث 15

52

و منها خبر علي بن عقبة: «في رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه؟ قال:

ما يعتق منه الا ثلثه، و سائر ذلك الورثة أحق بذلك، و لهم ما بقي» (1) و نحوه خبر عقبة بن خالد (2).

و منها خبر أبي بصير «أن أعتق رجل عند موته جارية له ثم أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية و أعتقت الجارية من ثلثه، الا أن يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية» (3).

و منها خبر السكوني: «ان رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: سمعت رسول (صلى اللّه عليه و آله) يقول: يستسعي في ثلثي قيمته للورثة» (4).

و منها النبوي العامي: «ان رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد له في مرضه و لا مال له غيرهم، فاستدعاهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) راجع: الوسائل للحر العاملي، كتاب الوصايا (باب 11 ان من أوصى بأكثر من الثلث) حديث رقم (4).

(2) ذكر نصه في الوسائل باب 17 حديث (13). و هذا نصه: «.. عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سألته عن رجل حضره الموت فأعتق مملوكا له ليس له غيره. فأبى الورثة أي يجيزوا ذلك، كيف القضاء فيه قال: ما يعتق منه الا ثلثه».

(3) الوسائل باب 11 حديث رقم (6) الا أن فيه كلمة (خادما) في أول الحديث بدل كلمة (جارية).

(4) في الوسائل، كتاب العتق باب 64 من أعتق بعض مملوكه حديث رقم (5) «.. عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (ع):

قال: إن رجلا ..»‌

53

و جزأهم ثلاثة أجزاء و أقرع بينهم فأعتق اثنين و أرق أربعة» (1) و منها رواية إسماعيل بن أبي همام: «في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابة و أعتق مملوكا و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث كيف يصنع في وصيته؟ قال: يبدأ بالعتق فينفذه (1).

و منها صحيحة ابن مسلم: «عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصية و كان أكثر من الثلث؟ قال: يمضي عتق الغلام و يكون النقصان فيما بقي» (2).

و منها حسنته: «في رجل أوصى بأكثر من ثلثه و أعتق مملوكه في مرضه؟ فقال: إذا كان أكثر من الثلث يرد الى الثلث و جاز العتق» (3) بدعوى ظهور لفظ (أعتق) في العتق المنجز، لأن الوصية بالعتق عتق في المستقبل دون الماضي، فيجب حمل اللفظ على معناه الحقيقي فإن تم في العتق تم في غيره بالأولوية، و عدم القول بالفصل.

____________

(1) ذكر هذا الحديث المرسل عن النبي- (صلى اللّه عليه و آله)- عن علي (عليه السلام) و عن الامام الكاظم (عليه السلام) بمضامين متقاربة في كتاب الجواهر كتاب الوصايا- في شرح قول المصنف: مسائل أربع:

الأولى- إذا أعتق أو اوصى بعتق عبيده و ليس له سواهم.

____________

(1) الكافي للكليني، كتاب الوصايا، باب من أوصى بعتق أو صدقة أو حج حديث رقم (3).

(2) سبق آنفا تخريج هذا الحديث عن الكافي و الاستبصار.

(3) الكافي للكليني كتاب الوصايا باب من أوصى بعتق أو صدقة.

حديث رقم (1).

54

و فيه- مضافا الى معارضتها لمرسلة الكافي المتقدمة (1) المتضمنة لا لإعابة النبي (صلى اللّه عليه و آله) المستلزمة لنفوذ العتق من الأصل، و الى شيوع إطلاق (أعتق) على التدبير و الوصية به في الأخبار و كلمات الفقهاء تبعا لها- يحب حملها على ذلك لوجود القرينة الصارفة عن الظهور- لو سلم في بعضها كخبر أبي بصير الموصف فيه- للوصية المعطوفة على العتق بثم كلمة أخرى الصريحة في كون الأولى وصية بالعتق لا عتق منجز، و تقديمه للتقدم بالذكر مع كونه مدلولا عليه بثم أيضا، مع ظهور البدأة بالعتق في بعضها و الجواز مطلقا في الآخر في كون العتق منجزا ينفذ من الأصل و الا يقتضي البدأة بالأقدم فالأقدم، و الجواز مع وفاء الثلث به لا مطلقا.

و منها: الأخبار الواردة في عتق المملوك و على المعتق دين لا يملك غيره و هي ثلاثة.

الأولى- صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «قال سألني أبو عبد اللّه عليه الصلاة و السلام: هل يختلف ابن ابي ليلى و ابن شبرمة؟ فقلت:

بلغني انه مات مولى لعيسى بن موسى و ترك عليه دينا كثيرا و ترك مماليك يحيط دينه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عيسى بن موسى عن ذلك فقال ابن شبرمة: أرى ان يستسعيهم في قيمتهم فيدفعها الى الغرماء فإنه قد أعتقهم عند موته، و قال ابن ابي ليلى، ارى ان أبيعهم و ادفع أثمانهم إلى الغرماء فإنه ليس له ان يعتقهم عند موته و عليه دين يحيط بهم، و هذا أهل الحجاز اليوم يعتق الرجل عبده و عليه دين كثير فلا يجيزون عتقه

____________

(1) تقدمت الإشارة إليها ففي آخر باب ان صاحب المال أحق بماله من الكافي: كتاب الوصايا: «و روي ان النبي قال لرجل من الأنصار أعتق مماليك له لم يكن له غيرهم فعابه النبي (ص) و قال: ترك صبية صغارا يتكففون الناس».