بلغة الفقيه - ج4

- السيد محمد بن محمد تقي بحر العلوم المزيد...
332 /
5

الجزء الرابع

رسالة في الوصية

6

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

7

كتاب الوصية و فيه مباحث:

[المبحث الأول]

(المبحث الأول)

[تعريف الوصية]

الوصية تنقسم إلى قسمين: تمليكية، و عهدية. و عرفوها (1) بأنها تمليك عين أو منفعة، أو تسليط على تصرف بعد الموت. و هو تعريف لها بقسميها: التمليكية و العهدية، فالأول للأول، و الثاني للثاني (2) و أخذ التمليك جنسا دون النقل، مضافا الى الاقتصار على العين و المنفعة، يعطي عدم تعلقها بغير المال من الحقوق كحق التحجير و حق الخيار من الحقوق المنتقلة و هو ليس كذلك كما ستعرف. و العين تعم الموجودة بالفعل و بالقوة كالشجرة و الثمرة، و المنفعة تعم المؤقتة، و المؤبدة و المطلقة، و تقييد الموت يخرج المنجزات في الحياة.

____________

(1) و هذا هو تعريف الشهيد الأول صاحب اللمعة، و المحقق الحلي صاحب المختصر النافع. إلا أن فيهما كلمة (الوفاة) بدل الموت.

و الملاحظ: أن هذه التعاريف المذكورة كلها من حيث الاصطلاح الشرعي و لم يتعرض سيدنا المصنف لمعنى الوصية لغة و اشتقاقها من الثلاثي أو الرباعي و إن كان الظاهر من كتب اللغة: أنها اسم مصدر من الرباعي المضعّف أو المهموز و بمعنى العهد، و كما يظهر ذلك من جملة من آيات الوصية و رواياتها‌

(2) أي جملة (تمليك ..) تعريف للتمليكية، و جملة (تسليط ..)

تعريف للعهدية.

8

و زاد بعضهم في التعريف قيد التبرع (1) لإخراج التمليكات العوضية بناء على استفادة المجانية من أدلتها، و أنها قسم من العطايا و الصدقات المأخوذ فيها التبرع.

و آخر: أو فك ملك (2) لئلا يرد النقض عليه بالتدبير، سواء قلنا إنه عتق معلق أو وصية به، إذ لا تمليك فيه و لا تسليط، بل هو تحرير و فك ملك (3).

و عرفها الشهيد- (قدس سره)- في (الحواشي) المنسوبة إليه بأنها تنفيذ حكم

____________

(1) كما فعل العلامة الحلي في كتاب الوصايا من التذكرة، فقال:

انها «تمليك عين أو منفعة بعد الموت تبرعا» و أما في (قواعده) فاقتصر في تعريفها على جملة (تمليك عين أو منفعة بعد الموت) كما فعل المحقق في شرائعه بإبدال كلمة (الموت) بالوفاة.

(2) و هو السبزواري في كفايته فقال هكذا: «الوصية تمليك عين أو منفعة أو فك ملك بعد الوفاة، أو تسليط على تصرف بعدها».

(3) قال الشهيد الثاني في (المسالك) تعليقا على تعريف المحقق في شرائعه:

«و ينتقض في عكسه أيضا بالوصية بالعتق، فإنه فك ملك، لا تمليك للعبد نفسه، و كذلك التدبير على القول بأنه وصية، كما ذهب إليه الأكثر و الوصية بإبراء المديون، و بوقف المسجد، فإنه فك ملك أيضا،: و بالوصية بالمضاربة و المساقاة، فإنهما و ان أفادا ملك العامل للحصة من الربح و الثمرة على تقدير ظهورهما، الا أن حقيقتهما ليست كذلك، و قد لا يحصل ربح و لا ثمرة، فينتفي التمليك». و لكن الأقوى منع صحة الوصية بالمذكورات سوى التدبير، فإنه بالخصوص منصوص عليه، و أما غيره من المذكورات فلا دليل على صحة الوصية فيه، لبطلان الإنشاء المعلق- بأقسامه- بالإجماع، سواء كان التعليق على الموت أم على غيره.

9

شرعي من مكلف أو في حكمه بعد الوفاة.

و لعمري إنه أجود التعاريف و أشملها، فيشمل الحكم التمليك و التسليط و فك الملك من المكلف أو بحكمه كالمميز، فإنه بحكم المكلف في نفوذ وصاياه و بالقيد الأخير يخرج ما كان من ذلك في الحياة.

[أقسام الوصية و اعتبار القبول فيها]

و لا يتوهم ان التنفيذ فعل الوصي أو الحاكم، و هما غير الوصية التي هي فعل الموصي دون غيره، لان المراد من التنفيذ هنا ليس العمل بما نفذه الموصى في ماله من أحكامه و مقاصده المشروعة، بل تنفيذ ذلك فيه انما هو بوصيته، و لذا تتصف الوصية بكونها نافذة في ثلث ماله فهو المنفذ.

و في اعتبار القبول في التمليكية منها مطلقا أو عدمه كذلك أو التفصيل بين ما كان لمعين محصور، فيعتبر القبول فيه، و ما لم يكن لمحصور فلا يعتبر؟

احتمالات بل لعلها أقوال (1).

و تنقيح المسألة هو أن يقال: إن للإنسان أن يعين في ماله مقدار الثلث لمقاصده المشروعة بعد الوفاة، و حينئذ: فأما أن يعيّن شيئا منه للشخص قاصدا به إنشاء التمليك له، أو يعينه للنوع كالفقهاء أو بني هاشم أو يعين لإعمال يريد وقوعها بعده من وجوه البر كالأوقاف العامة من المدارس و الخانات و الرباطات و القناطر و الإطعام و الزيارات و غير ذلك من وجوه الخيرات

____________

(1) و لقد اختلف فقهاء الإسلام- من إمامية و غيرهم- في أصل الوصية: أنها من العقود المبتنية على جانبي الإيجاب و القبول، أم من الإيقاعات الحاصلة بطرف الإيجاب فقط. و الفريق الثاني اختلفوا في أخذ القبول شرطا للتمليك أم شرطا للصحة أم لا يعتبر شي‌ء من ذلك و إنما يكتفى بمحض عدم الرد من الموصى له أم لا يعتبر في تحقق الوصية شي‌ء من ذلك مطلقا حتى عدم الرد .. راجع في تفصيل ذلك: كتاب الوصية من الموسوعات الفقهية- من الفريقين-

10

و المبرات، و يتخذ من يتولى ذلك عنه بعده بإعطاء ولاية له على التصرف في ذلك بالوصية، فيكون وصيا له و قائماً مقامه في ذلك.

[الأول الوصية التمليكية]

و (الأول) هو المتيقن من الوصية التمليكية و لا إشكال في كونه عقدا يتوقف على القبول، لأن الدخول في ملك الغير شخصا بدون رضاه نوع سلطنة له عليه، و ليس لأحد سلطنة على غيره إلا فيما ورد من الشرع و لأنها تبطل بالرد بلا خلاف- كما قيل- و لا تبطل به لو دخل في ملكه قبل القبول، و ان خرج به عنه، لتحقق التمليك المقصود من الوصية، مضافا إلى حكاية الإجماع عليه المستفيضة المعتضدة بدعوى غير واحد عدم الخلاف فيه و لا يرد النقض على الأول (1) بالإرث الموجب للانتقال الى الوارث قهرا، و بتمليك اللاحقة المتلقية من الواقف بجعل الوقف (2) و بنذر النتيجة (3) لأن الإرث سبب شرعي له لا بتمليك من أحد، و تملك

____________

(1) أي التعليل الأول لتوقف العقد على القبول، و هو المشار إليه بقوله: لأن الدخول في ملك الغير ..

(2) أي البطون اللاحقة غير الموجودة في الوقف عليهم تبعا للبطن الموجود فعلا، فقد وردت الأدلة في تسويتهم مع الموجودين في تمليك المنفعة، و يسقط اعتبار القبض و القبول فيما سوى الطبقة الموجودة.

(3) و هو ما كان محط صيغة النذر نتيجة الفعل و المعنى الاسم المصدري منه ككون العبد حرا و الفرس ملكا، مقابلة لنذر السبب، و هو ما كان محط الصيغة نفس الفعل و المعنى المصدري منه كعتق العبد و تمليك العبد.

و على التحقيق في باب النذر من أنه التمليك و جعل الحق للّه سبحانه على الناذر، لا أنه التزام الناذر بالمنذور أمام اللّه سبحانه- كما قيل- فهل يصح نذر نتيجة الأفعال غير المقدورة التمليك بحد ذاتها لارتباطها بأسبابها- و هو الشرط- أم لا يصح ذلك؟ فلا بد من إيجاز القول في الشرط في ضمن العقد ليتضح‌

11

المعدومين بعد الوجود في وقف التشريك و الموجودين عند انقراض الاولى في الترتيب إنما هو بالتبعية لتملك الموجودين المتوقفة على قبولهم صحة الوقف الذي مقتضاه التأبيد و الدوام، و لذا بطل في المنقطع الأول، و نذر النتيجة ممنوع في التمليك، و ان سلم في فك الملك، للنص و عدم المانع كالانعتاق الحاصل بنذر العتق.

____________

الكلام في صحة نذر النتيجة و عدمها، فنقول: تارة يتعلق الشرط بنفس السبب كشرط البيعية بالمعنى المصدري أي إيقاعها من قبل البائع، و تارة يتعلق بالمسبب و النتيجة كالمبيعية و المعنى الاسم المصدري، لا شك في صحة الأول للتمكن منه بحكم تعلقه بالملتزم فتشمله أدلة الوفاء بالشرط، بخلاف الثاني، لعدم التمكن من المسببات المتعلقة بأسبابها الشرعية، و ليس الشرط من أسباب البيع و نحوه من المسببات، فلا تصح، و على هذا الغرار يكون التفصيل بين نذر السبب و نذر النتيجة بصحة الأول و بطلان الثاني إذ النذر كالشرط ليس من الأسباب المحصلة لمسبباتها شرعا، فيصح نذر عتق العبد و بيع الفرس، و تطليق الزوجة، و نحو ذلك من الأسباب المتعلقة بنفس الناذر، و لا يصح نذر حرية العبد و مبيعية الفرس و كون الزوجة طالقا و أمثال ذلك من نتائج الأفعال و مسبباتها المرتبطة في الوجود بأسبابها المجعولة شرعا و ليس النذر من أسبابها، فلو وقع النذر على ما ظاهره التعلق بالنتيجة فلا بد من تخريجه- كما في الأمثلة الآنفة الذكر- على جعل العبد حرا أو الفرس مبيعا أو الزوجة طالقا بجعل مستقل غير صيغة النذر، لا بنفس صيغة النذر، إذ الصيغة الواحدة لا تصلح لجعل المنسوب الذي هو مفاد كان التامة و جعل النسبة التي هي مفاد كان الناقصة، و لا يجتمع الأمران في أداء واحد. و لزيادة التفصيل يراجع بابا النذر و الشرط في ضمن العقد من كتب الفقه.

12

و إيجابه كل لفظ دال عليه بنفسه أو بمعونة قرينة كقوله: أعطوا لفلان بعد وفاتي كذا، فان التقييد قرينة تصرف العطية عن التنجيز إلى الوصية. و لو قال: (وصيت لفلان بكذا) لم يحتج الى ذكر التعليق بالموت لدلالة لفظ الوصية عليه. و لو قال: (هو لفلان) كان إقرارا ما لم يقترن بما يدل على التنجيز أو الوصية.

و القبول كل ما يدل على الرضا قولا أو فعلا كالأخذ و التصرف. و على الوصي تسليم الموصى به الى الموصى له عن الموصى.

[الثاني و هو التمليك للنوع]

و (الثاني)- و هو التمليك للنوع لا يعتبر فيه القبول كما عن الأكثر و إن قيل باعتباره، كما عن صريح بعض، و ظاهر من أطلق العقد على الوصية التمليكية، لعدم الدليل عليه بعد خلو الاخبار عنه، و عدم تضمنها له مع الحاجة إليه لو كان معتبرا دليل على عدم اعتباره، و لعدم ورود ما دل على اعتباره في الأول: من الإجماع المفقود هنا، و من السلطنة المنفية بأدلة الضرر، إذ لا سلطنة على النوع فضلا عن تعقل تضرره بها، و الدفع للفرد منه ليس تمليكا له، بل هو من الانطباق عليه لكونه مصداقا للكلي الذي يصلح أن يكون مالكا كما يصلح أن يكون مملوكا. و مع ذلك فتملكه يتوقف على رضاه المنكشف بقبضه، لأن الدخول في ملكه قهرا ضرر عليه و لو انحصر النوع في فرد، فتعين الملك له لو سلم فهو بسبب حصر الانطباق عليه لا بتمليك المالك حتى يوجب السلطنة له عليه، و من بطلان الوصية بتعقب الرد قبل القبول لعدم اعتبار القبول هنا حتى يكون الرد قبله مبطلا لها، بل هو فيما كان كذلك من الإيقاعات لا من العقود، بل يجري ذلك في كل ما كان تمليكا للنوع كالأوقاف العامة بناء على ما هو الأقوى: من كونها تمليكا لهم كالفقهاء و بني هاشم من حيث المنفعة الخاصة أو الانتفاع، بل كذلك على الجهة العامة كالقنطرة للعابرين و الحظرات

13

للخدّام و الزائرين، و المساجد للمصلين من حيث الجهات المخصوصة كالحقوق العامة نحو الزكاة للفقراء و الخمس لبني هاشم، غير أن التمليك فيهما من اللّه سبحانه و تعالى، و في الوقف من العبد، فلا يتوقف صحته على القبول بل هو من الإيقاع الذي يتحقق بالإيجاب وحده، كيف و لو توقف على القبول لتعذر أو تعسر، لأنه من الجميع غير ممكن، و من البعض ترجيح بلا مرجح، و الاكتفاء بقبول الحاكم لولايته عليهم في المصالح العامة متعسر غالبا، بل هو خلاف السيرة القطعية، سيما في الرباطات و الخانات و المساجد المبنية في الطرق و المفاوز و القرش و المعلقات و الإستار المرسولة إلى الكعبة و الحضرات. و الاكتفاء بقبول الناظر في تلك المصلحة- كما وقع من جدنا في الرياض (1) و غيره- لا وجه له، ضرورة أن الناظر المتولي للوقف- مع توقف تحقق ولايته على تحقق الوقف لتوقف ثبوت النسبة على تحقق الطرفين طبعا فكيف يتحقق الوقف بقبوله (2) لا ولاية له على الموقوف عليهم حتى يصح قبوله عنهم، و لا ولاية للواقف أيضا حتى يفيضها الى الناظر، إلا إذا كان مجتهدا، فله الولاية عليهم من حيث كونه مجتهدا لا من حيث كونها واقفا. نعم للناظر الولاية على إصلاح الوقف و تعميره و إجارته و أخذ منافعه لإيصالها إلى أربابها أو صرفها في مصارفها- حسبما عينه الواقف عليه- من الإطلاق، و التقييد و قياس القبول بالقبض الذي يكفي فيه قبض المتولي قياس مع الفارق، لان تلك التصرفات في العين المجعولة له بالوقف التي هي في الحقيقة من كيفياته موقوفة على قبض العين، و به يتحقق خروج العين عن سلطنة المالك

____________

(1) يلاحظ ذلك في أوائل كتاب الوقوف و الصدقات في شرح قول المصنف «و يعتبر فيه القبض، و لو كان الوقف على مصلحة عامة كالقناطر أو موضع عبادة كالمساجد قبضه الناظر فيها ..»‌

(2) للزوم الدور الظاهر و هو عقيم النتيجة- كما حقق في محله-

14

بالكلية، فهو من شئون سلطنة المالك في وقف ملكه، إذ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها (1) و أين ذلك من قبوله بدلا عن قبول من لا ولاية له عليه؟

[أما الثالث فهو وصية عهدية]

و (أما الثالث) فهو وصية عهدية يتولى الوصي من ذلك ما كان يتولاه الموصي لو كان حيا.

هذا و لو قيل بعدم اعتبار القبول (2) ففي مانعية الرد، و عدمه؟ احتمالان:

احتملهما شيخنا في (الجواهر) حيث أضافهما إلى الأقوال المتقدمة عليهما في كلامه قائلًا: «و قد يحتمل عدم مدخليته أصلا في الملك، و لا في اللزوم و انما الرد مانع، بل قد يحتمل عدم مانعية الرد أيضا» (3) انتهى.

و الى أحدهما يرجع كلام الشيخ في (الخلاف) حيث قال: «إذا أوصى لرجل بشي‌ء ثم مات الموصى، فإنه ينتقل ما أوصى به الى ملك الموصى له بوفاة الموصي- الى أن قال بعد نقل أقوال الشافعية-: دليلنا

____________

(1) في الوسائل باب (2) وجوب العمل بشرط الواقف حديث (2):

«محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى قال: كتب بعض أصحابنا الى أبي محمد (ع) في الوقوف و ما روي فيها، فوقع (ع): الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء اللّه».

(2) أي في مطلق الوصية بأنواعها التمليكية و العهدية، أم في بعض الأنواع- على الخلاف- و هذا يناسب القول بكونها من الإيقاعات لا العقود.

(3) أوائل كتاب الوصايا في شرح قول المحقق (و لا ينتقل بالموت منفردا عن القبول) يقول في أول هذه العبارة: «و قد ظهر بذلك أن الأقوال في المسألة ثلاثة: أحدها- أن القبول تمام السبب الناقل كباقي العقود، و الثاني- كونه شرطا في الملك كاشفا. و الثالث كونه شرطا في اللزوم، و قد يحتمل ..»‌

15

لا يخلو الشي‌ء الموصى به من ثلاثة أحوال: إما أن يبقى على ملك الميت أو ينتقل إلى الورثة، أو ينتقل الى الموصى له، و لا يجوز أن يبقى على ملكه، لأنه قد مات، و الميت لا يملك، و لا يكون ملكا للورثة، لقوله جل سبحانه (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ) فجعل لهم الميراث بعد الوصية، فلم يبق الا أن يكون ملكا للموصى له بالموت» (1) انتهى الا أنه بمعونة الإجماع (2) على تأثير الرد قبل القبول يقوي إرادته الأول من الاحتمالين. و عليه فلا مناص حينئذ عن رجوعه الى أحد الأقوال الآتية- كما ستعرف.

[الأقوال في تخريج أخذ القبول في الوصية]

و كيف كان فحيثما يعتبر القبول (3) ففي كونه جزء ناقلا للملك

____________

(1) راجع منه كتاب الوصايا: مسألة (18).

(2) كما ادعى ذلك في (الجواهر) و (الحدائق) و غيرهما من الفقهاء المتأخرين. و هو- مع تماميته- الدليل الحاسم في التأثير، و إلا فاطلاقات الأدلة مانعة عن ذلك.

(3) و يظهر من عبارة المصنف- (قدس سره)- الآتية: أن الأقوال- بناء على اعتبار القبول في الوصية- أربعة: (الأول): كونه جزء للعقد ناقلا للملك من حيث صدوره و هو المشار اليه بقوله: (ففي كونه جزء ناقلا). (الثاني)- كونه جزء للعقد كاشفا عن الملك من حين موت الموصي، و هو المشار اليه بقوله: (أو كاشفا عنه ..) (الثالث) كونه شرطا في استقرار الملك و لزومه لا في أصل ثبوته و هو المشار اليه بقوله: (أو شرطا للزوم الملك ..) (الرابع) كونه شرطا في حدوث الملكية المتزلزلة و تستقر بالقبض، و هو المشار اليه بقوله: (أو بالقبول يملك ..). و القولان الأخيران يناسبان القول بإيقاعية الوصية، كما أن الأولين يناسبان القول بعقديتها.

16

من حينه، أو كاشفا عنه من حين الموت، أو شرطا للزوم الملك فقبله يملك متزلزلا و يستقر بالقبول، أو بالقبول يملك متزلزلا و بالقبض يستقر؟ أقوال:

ذهب الشيخ في (المبسوط) إلى الأخير، حيث قال في موضع منه عند ذكر صور الرد من الموصى له: «الثالثة ان يردها بعد القبول و القبض فإنه لا يصح الرد لأن بالقبول تم عليه ملكه و بالقبض استقر ملكه ..

الرابع: أن يردها بعد القبول و قبل القبض، فإنه يجوز، و في الناس من قال لا يصح الرد لأنه لما قبل ثبت ملكه: إما بالموت أو بالشرطين، فاذا حصل في ملكه لم يكن له الرد، و الصحيح أن ذلك يصح، لأنه و ان كان قد ملكه بالقبول، لم يستقر عليه ملكه ما لم يقبضه، فيصح منه الرد (1).

و فيه: أنه مبني على اعتبار القبض، و ستعرف ضعف المبنى (2).

و أما الثالث: فإن أريد بالتزلزل قبل القبول: ما هو المصطلح من معناه، الراجع الى كونه أثرا للعقد و موجبا لانقسامه من هذه الحيثية إلى كونه عقدا لازما أو جائزا، فليس معناه إلا كون المتعاقدين أو أحدهما له الخروج عما ألزم به نفسه: من التمليك أو التسليط و أنه به لم تنقطع عنه علقة الملكية و السلطنة بالكلية، فجواز الرجوع حينئذ من شئون السلطنة السابقة و لذا كان من الأحكام، لا بسلطنة جديدة حدثت له بسبب شرعي أو بشرط منه و نحوه حتى يكون من الحقوق كحق الخيار- مثلا- فان البيع- مثلا- سبب قاطع للملكية بالكلية، و الخيار محدث لمن هو له سلطنة

____________

(1) راجع ذلك منه في ج 4 ص 33 الطبعة الثانية في المطبعة الحيدرية بطهران سنة 1388 ه‍. بعد أن ذكر الصورة الأولى و هي الرد قبل وفاة الموصي، و لا حكم لها، و الصورة الثانية: الرد بعد وفاة الموصي و حكمها الصحة، و انتقال المال الى ورثته.

(2) كما سيأتي قريبا في قوله: (و أما قول الشيخ .. ففيه)

17

جديدة، و لذا كان من الحقوق لا من الأحكام. و حينئذ فالملك المنتقل أو التسليط الحاصل بالعقد الجائز أو اللازم المتحقق معه ما يوجب الخيار ملك متزلزل: إما بنفس العقد أو بما هو متحقق معه. و هو هنا بهذا المعنى غير متصور قبل القبول، لعدم وقوعه من الموصى له حتى يكون له الخروج عما ألزم به نفسه بالقبول، و الموصي و إن كان له الخروج عن إلزام نفسه بإنشائه المعلق، الا أنه صار إنشاؤه لازما بموته، فلا موجب لاتصاف الملك بالتزلزل بالمعنى المصطلح المنحصر سببه بأحد الأمرين، و أما التزلزل بمعنى أن له قبل القبول أن لا يقبل و يرد، فهو بهذا المعنى ثابت لكل قابل قبل القبول و لو كان عقدا لازما.

و ان أريد به لا من حيث كونه أثر العقد أو أثر ما هو متحقق معه من أسبابه، بل من حيث أنه هو وجه الجمع بين الدليلين: (أحدهما) ما دلّ على خروج الموصى به عن ملك الموصي: من قوله تعالى «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ» و كون الميت لا يملك و أنه بموت الموصى له يكون اختيار القبول أو الرد لوارثه (الثاني) ما دل على اعتبار القبول و أن بالرد قبله تردد الوصية من إجماع و غيره، فوجه الجمع بينهما هو الحكم بانتقال الموصى به الى الموصى له متزلزلا، و بقبوله يستقر، و برده قبله يرد لتزلزله فيرجع الى ورثة الموصي.

(ففيه) أن ثبوت النتيجة انما هو بعد ثبوت المقدمتين، و الأولى ممنوعة، لأن إطلاق الوصية في الآية الشريفة و نحوها ليس مسوقا لبيان ما يعتبر فيها، بل هو مسوق لبيان عدم الانتقال الى الوارث مع الوصية بشرائطها، و عدم ملك الميت مسلّم بالنسبة إلى حدوثه له دون دوامه، فان قوله (ع): «له من ماله الثلث» في جواب السائل: «الميت ماله من

18

ماله» (1) الظاهر في بقاء الملكية إلى وقوع التصرفات الموصى بها، و لا أقل من كونه بحكم ماله، و نقل القبول أو الرد الى وارث الموصى له لو مات قبل قبوله أعم من ذلك لشموله لمن تشبث به بالوصية و موت الموصي، فهو بهذه الجهة ملك أن يملك، و هذا القدر كاف في نقله الى وارثه، بل هو أولى من نقله إليه لو مات قبل موت الموصي، مضافا الى النص- كما ستعرف- و حينئذ فلا إشكال في ضعف هذه الأقوال، و إنما الكلام في القولين الأولين: كونه ناقلا من حينه، أو كاشفا عن النقل من حين الموت، و الترجيح بينهما.

أما القول الأول، فاستدل له بأن الملك أثر شرعي، و سببه الإيجاب و القبول، فيستحيل تحققه قبل تحقق تمام سببه.

و أما الثاني، فاستدل له بوجهين: (أحدهما) استدل له جدنا (في الرياض) و محصله هو: أنّ مقتضى أدلة الوصية الدخول في الملك، و إطلاقها و ان كان يقتضي عدم اعتبار القبول، الا أنه من هذه الجهة مقيد بما دل على اعتباره، فيبقى من حيث تقييد الدخول في الملك به على إطلاقه و عمومه، و العام المخصص حجة في الباقي.

و فيه: ان ما دل على كون القبول ناقلا بعد تسليم أصل اعتباره للإجماع و غيره: من استحالة تقديم المعلول على علته لا يبقى حينئذ إطلاق حتى يقال بحجيته في الباقي.

(و ثانيهما) هو اقتضاء العقد لذلك بعد ان كان القبول هو الرضا بمدلول الإيجاب الذي هو التمليك عند الموت، و استحالة تحقق المشروط في

____________

(1) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 10 جواز الوصية بثلث المال حديث- 2- هكذا: «.. و بإسناده عن حماد بن عيسى عن شعيب بن يعقوب عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يموت:

ما له من ماله؟ فقال: له ثلث ماله، و للمرأة أيضا».

19

الواقع قبل تحقق شرطه المتأخر انما هو حيث يكون نفس الشرط بذاته شرطا، لا محققا لموضوع الشرط المقارن للإيجاب، و هو التعقب و كونه معقبا به. (و دعوى) أن التعقب أيضا منتزع من القبول المتأخر، و يستحيل تقدم المنتزع على منشأ انتزاعه (يدفعها) أن المنشأ ليس وجود القبول بذاته بل بعديته. و بعبارة أخرى: منتزع من أمر سيوجد لا من وجوده، و لذا يصدق حقيقة قبلية اليوم على الغد قبل تحققه للعلم بتحققه مع أن القبلية أمر منتزع، و ليس الا لكونه منتزعا من بعدية الغد المعلوم لحوقه لا من نفسه. و هذا الوجه يجري في كل شرط متأخر.

و يمكن تصحيح الكشف بوجه آخر، و هو: أن الوصية- سيّما بعد تحقق المعلق عليه و هو الموت- تحدث ربطا- و لو في الجملة- بين الموصى به و بين الموصى له ربط إضافة يشتد و يقوى بالقبول الناظر الى ذلك الربط الموجب لتحقق الملك المنبسط عليه، فالتأثير، و إن كان متأخرا إلا أن الأثر منبسط على ذلك الربط، لصيرورة المورد به قابلًا لسراية الأثر اليه.

و قد بسطنا الكلام في هذين الوجهين بالنسبة إلى الإجازة على الكشف في بيع الفضولي فراجع- ثمة (1)- فاذا القول بكون القبول كاشفا عن الملك من حين الموت هو الأقوى كما عليه الأكثر.

[تظهر الثمرة بين القولين في أمور]

و تظهر الثمرة بين القولين في أمور

[لو أوصى بعبده لغيره ثم مات الموصي]

«منها» لو أوصى بعبده لغيره ثم مات الموصي قبل هلال شوال و قبل الموصى له، فزكاته على الموصى له كما أن نفقته عليه أيضا على الكشف، و ليس عليه شي‌ء منهما على النقل

[لو كان العبد الموصى به كسوبا]

(و منها) لو كان العبد الموصى به كسوبا فكسبه الحاصل بين الموت و القبول للموصى له على الكشف، دون النقل.

[و منها لو ملك ابن أخ له]

(و منها) لو ملك ابن أخ له و أوصى به لأجنبي ثم مات الموصي و لم

____________

(1) يشير إلى الرسالة الثالثة من محتويات الجزء الثاني للكتاب.

20

يسكن له وارث سوى أخيه أب الموصى به، فعلى القول بالكشف بقي الولد رقا مملوكا للأجنبي، و على النقل انعتق على أبيه لتملكه له بالإرث، فلم يبق موضوع بعده للقبول، الا ان قلنا ببقائه على حكم مال الميت الى أن يتحقق الرد أو القبول، فيبقى حينئذ على الرق.

[و منها لو زوج جاريته ثم أوصى بها لزوجها]

(و منها) لو زوج جاريته ثم أوصى بها لزوجها: فان كان أجنبيا و مات الموصي بطلت الزوجية من حين القبول على النقل بسبب الملك الذي هو أقوى سببا من الزوجية، و من حين الموت على الكشف، و لو ردّ الوصية قبل القبول لم تبطل الزوجية مطلقا، الا على القول بالملك المتزلزل و ان القبول شرط للزوم فتبطل الزوجية بالملك و لو متزلزلا، و تبطل الملكية بالرد، و ان كان الزوج وارثا بطلت الزوجية من حين الموت بسبب الملك:

ما بالإرث أو الوصية.

نعم بناء على بقاء الموصى به على حكم مال الميت الى أن يقع الرد أو القبول، لم تبطل الزوجية حينئذ قبل القبول على القول بكونه ناقلا، لا كاشفا. و لو أوصى بها لغير زوجها و كان الزوج أجنبيا و مات الموصي لم تبطل الزوجية مطلقا، من غير فرق بين كون الموصى له وارثا للموصي أو أجنبيا، رد الوصية أو قبلها، ناقلا كان القبول أو كاشفا، لعدم وجود ما يوجب بطلانها من الملك، و ان كان وارثا بقيت على الزوجية ما دام لم يحصل الرد من الموصى له، بناء على عدم الانتقال الى الوارث قبل القبول على النقل، و أنه على حكم مال الميت، و الا فتبطل بملك الوارث، و ان خرج عنه بقبول الموصى له، الى غير ذلك من الثمرات التي يستخرجها الفقيه متفرعة على القولين بأدنى تأمل.

و أما قول الشيخ الذي هو رابع الأقوال المتقدمة، و هو كونه بالقبول يملك متزلزلا، و بالقبض يستقر (ففيه) أنه مبني على اعتبار القبض في

21

الوصية، و لا دليل عليه سوى الإلحاق بالهبة، و هو مع أنه قياس مع الفارق لاختلاف أحكامهما الكاشف عن اختلاف الماهية، كان مقتضاه كون القبض شرطا للصحة دون اللزوم، و هو لا يقول به.

و أما الاحتمالان الأخيران المبنيان على عدم اعتبار القبول (1) غير أن أحدهما كون الرد مانعا، و الآخر عدم مانعيته مطلقا و لو كان قبل القبول (فيضعف) الأخير منهما بقيام الإجماع على بطلان الوصية بالرد قبل القبول، مضافا الى دعوى قيامه على اعتبار القبول فيما إذا كانت الوصية لمعين محصور.

و كذا يضعّف الأول بأنه لا وجه له يكون به مغايرا و قسيما لما تقدم عليه من الأقوال المتقدمة، لان الموصى به: إما أن لا يخرج بالموت عن حكم مال الميت أو يخرج به عنه: و على الثاني: فاما أن يكون تملك الغير له لازما أو متزلزلا، و حينئذ فالرد إن كان مانعا عن الصحة التأهلية التي هي بمعنى كونه ملكا بالقوة الحاصل بالوصية و موت الموصي، ففيه:

أنه حينئذ لم يبق ما يوجب خروج الملك من القوة إلى الفعل، فلا بد من الالتزام: إما بالقبول اللفظي لذلك، أو الفعلي من الأخذ و التصرف، و حينئذ فإن كان ناقلا رجع الى القول الأول، و إن كان كاشفا رجع الى الثاني، و ان خرج بالموت من القوة إلى الفعل: فان كان لازما فلا وجه لمانعية الرد بعد اللزوم- كما عرفت- و إن كان متزلزلا فلا موجب للزوم إلا أحد الأمرين المتقدمين، فيرجع حينئذ إلى القول الثالث.

هذا كله في القبول

[أما الرد]

و أما الرد: فان وقع من الموصى له في حياة الموصي، كان له القبول بعده مطلقا، قبل موت الموصي و بعده، إذ

____________

(1) كما أشار إليهما- آنفا- بقوله: (و لو قيل بعدم اعتبار القبول ففي مانعية الرد و عدمه؟ احتمالان.

22

لا تأثير حينئذ للرد إلا إذا كان مسبوقا بالقبول فيبطله خاصة، و له تجديده بعده مطلقا كما عرفت، و ان وقع بعد موت الموصي و قبل القبول بطلت الوصية، سواء وقع قبل القبض أم بعده. و لو وقع بعد القبول و القبض معا، فلا تأثير للرد حينئذ بلا خلاف أجده و ان وقع بينهما بعد القبول و قبل القبض، ففيه الخلاف المتقدم للشيخ.

ثم إن إطلاق كلامهم بعدم تأثير الرد في حياة الموصي في الإيجاب يعطي عدم الفرق بين سبقه بالقبول و عدمه.

و لكن أشكل في (الجواهر) على الأول حيث قال: «ربما استفيد من إطلاق المصنف و غيره عدم الفرق في ذلك بين سبقه بالقبول و عدمه. و لكن يشكل ذلك بما ظاهرهم الإجماع عليه: من كون الوصية عقدا جائزا من الطرفين، و مقتضاه تسلط الموصى له على فسخه حينئذ، و لا ريب في اقتضائه بطلان العقد، إذ هو معنى الفسخ، كما أن معنى الرد و الفسخ واحد، و احتمال الالتزام بعدم الحكم لهذا الفسخ يقتضي مخالفتها للعقود الجائزة بالنسبة الى ذلك» (1).

قلت: الرد إنما يكون رافعا لحكم الإيجاب المنجز لأن أثره وجودا و عدما موقوف على القبول و عدمه. أما المعلق على شرط فأثره لا يمكن تحققه قبل حصول الشرط، فرده قبله واقع في غير محله، بل هو بمثابة الطلاق قبل النكاح المنقول صحته عن أبي حنيفة (2) و حينئذ فينبغي عدم

____________

(1) راجع ذلك في أوائل كتاب الوصية في شرح قول المحقق: (فان رد في حياة الموصي جاز أن يقبل بعد وفاته) و أول هذه العبارة في (الجواهر) هكذا: بقي شي‌ء في المقام، و هو انه ربما ..

(2) المتفق عليه بين فقهاء المسلمين- باستثناء أبي حنيفة و بعض المالكية- كما قيل- بطلان الطلاق المسبق المعلق على العقد المتأخر، باعتبار‌

23

الاعتداد برد الوصية في حال الحياة- مطلقا- و ان قلنا بجواز القبول المعلق فيها على نحو تعليق الإيجاب.

____________

أنه من شئون العقد، فلا يقع قبله. و لقد عقد الحر العاملي- (قدس سره)- في (الوسائل كتاب الطلاق) بابا خاصا بهذا المعنى، و هو باب 12 من مقدماته بعنوان: أنه يشترط في صحة الطلاق تقدم النكاح و وجوده بالفعل، فلا يصح الطلاق قبل النكاح و ان علقه عليه. و استعرض في ذلك الباب روايات كثيرة عن أهل البيت (ع) صريحة بهذا الخصوص أمثال قول الامام علي ابن الحسين (ع): «إنما الطلاق بعد النكاح» و قول الامام الصادق (ع):

«لا طلاق إلا بعد نكاح، و لا عتق الا بعد ملك» و قوله (ع): «لا يكون طلاق حتى يملك عقدة النكاح» و نحو ذلك المضمون كثير من الروايات المذكورة في نفس الباب و في نحوه من أبواب النكاح. و في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) تأليف عبد الرحمن الجزيري ج 4 ص 280 بعنوان أركان الطلاق قوله: «للطلاق أربعة أركان، أحدها- الزوج، فلا يقع طلاق الأجنبي الذي لا يملك عقدة النكاح، لأنك قد عرفت أن الطلاق رفع عقدة النكاح، فلا تتحقق ماهية الطلاق إلا بعد تحقق العقد، فلو علق الطلاق على زواج الأجنبية كما لو قال: زينب طالق ان تزوجتها، ثم تزوجها، فان طلاقه لا يقع، لقوله (ص): «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، و لا عتق فيما لا يملك، و لا طلاق فيما لا يملك» رواه أحمد و أبو داود و الترمذي، و حسّنه».

ثم يعلق على ذلك فيقول: «و المالكية و الحنفية قالوا: إذا علق طلاق امرأة على زواجها، فان طلاقه يعتبر و يقع عليه إذا تزوجها، فلو قال:

إن تزوجت فاطمة بنت محمد تكون طالقة، يقع عليه الطلاق بمجرد العقد و مثل ذلك ما إذا قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق ..».

24

و بالجملة: فالفرق واضح بين فعلية أثر العقد، و ان توقفت الصحة على الشرط المتأخر كالقبض في الوقف و الهبة، و بين تعليقه المدلول عليه بنفسه.

[بقي في المقام مسائل]

إذا عرفت ذلك، بقي في المقام مسائل:

[المسألة الاولى‌لا يشترط اتصال القبول بالموت]

(المسألة الاولى): لا يشترط اتصال القبول بالموت، بل يجوز تأخيره عنه مطلقا بلا خلاف، فضلا عن اعتبار مقارنته لإيجاب الوصية.

و في جواز تقديمه في حياة الموصي قبل موته بمعنى الاكتفاء به عن تجديده بعده؟ قولان: الأكثر على الجواز. و قيل بالعدم، كما عن (المختلف) و غيره، معللين:

بعدم وقوع القبول في محله بعد أن كان مدلول الإيجاب معلقا على الموت الراجع- في الحقيقة- إلى كونه تمليكا منجزا عند الموت، فيكون القبول حينئذ كالقبول قبل الوصية، و بيع ما سيملك، و الطلاق قبل النكاح و هو حسن، و إن تجرد الإيجاب عن المعنى الإنشائي و أنه محض إعلام لتحقق التمليك المنجز عند الموت، فيكون حينئذ من قبيل الواجب المشروط

____________

- و يظهر رأي أبي حنيفة في الجواز مما ذكره الكاساني الحنفي في كتابه (بدائع الصنائع ج 4 ص 1866) باختصار منا: «إن الطلاق لا يخلو:

إما أن يكون تنجيزا، و إما أن يكون تعليقا بشرط، و إما أن يكون إضافة الى وقت .. الى قوله-: و لو قال لأجنبية: أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك- ثم تزوجها- وقع الطلاق، لأنه أوقع الطلاق بعد التزوج، ثم أضاف الواقع إلى ما قبل التزوج، فوقع الطلاق، و لغت الإضافة و كذلك إذا قال: أنت طالق قبل ان أتزوجك إذا تزوجتك، فتزوجها يقع الطلاق، و يلغو قوله: قبل أن أتزوجك ..» إلى آخر العبارة التي يتراءى من خلالها القول بالجواز.

25

كالحج قبل الاستطاعة، مع أنه ليس كذلك، بل هو إنشاء للتمليك التقديري بحيث يكون التعليق في المنشأ دون الإنشاء، فيكون من قبيل الواجب المعلق دون المشروط، و أن إنشاء الأمر موجود فعلا، و إن تأخر زمان المنشأ و المأمور به، و به يتحقق مدار الإطاعة و العصيان، و إلا فعند الموت لا أمر و لا إنشاء حتى يتحقق به الامتثال و عدمه، مضافا الى تشبثه به و حصول ربط، و لو ضعيف، بين الموصى له و الموصى به بالوصية، فامتاز عن غيره، لأنه بها ملك أن يملك، فصار محلا للقبول، بخلافه قبل الوصية.

و بأنه لو جاز القبول في حياة الموصي لكان في الرد كذلك تأثير في بطلان الإيجاب، مع أن الأكثر لا يقولون بتأثير الرد و أن له تجديد القبول بعده في حياة الموصى و بعد موته مع قولهم بتأثير القبول، و بعبارة أخرى: لو كان القبول مجديا لكان الرد مؤثرا بعد أن كان تواردهما على مدلول الإيجاب و أن معنى الرد ليس الا ضدّ معنى القبول.

و فيه: منع الملازمة بين تأثير القبول بمعنى إغنائه عن القبول بعد الموت و تأثير الرد في بطلان الإيجاب بمعنى الحاجة الى تجديد الوصية. نعم له تأثير في بطلان القبول السابق عليه بحيث يحتاج بعده الى تجديد للقبول، دون تجديد الإيجاب.

و بأن القبول: إما كاشف أو ناقل، و هما معا منتفيان هنا، لمعلومية اشتراط الملك بالموت.

و فيه: ان الخلاف بين كونه كاشفا أو ناقلا إنما يتحقق، موضوعه في القبول بعد الموت، و إلا فقبله لا ملك حتى يقع الخلاف في زمان تحققه فموضوع الخلاف في المسألتين مختلف.

و بأن القبول لو كان مقبولا حال الحياة لم يعتبر قبول الوارث و لا رده لو مات الموصى له قبل موت الموصي.

26

و فيه: ان انتقال حق الرد و القبول الى الوارث إنما هو حيث لم يتحقق مطلق القبول من المورث، لا خصوص القبول الواقع بعد الموت، الا بناء على عدم تأثير القبول في الحياة، و هو عين الدعوى، فاذا لا مانع من جواز القبول قبل موت الموصي.

و يدل على جوازه و الاكتفاء به عن تجديده بعد الموت: إطلاق أدلة الوصية و وجوب تنفيذها، و عدم ورود ما دل على افتقار الوصية إلى القبول- هنا-: من الإجماع المفقود في المقام، و من أنّ الدخول في الملك قهرا ضرر: منفي بما دل على نفيه، لوقوع القبول منه بالفرض، و من اتفاقهم على كون الرد قبل القبول مبطلا للوصية الدال على توقف الملك عليه، الممنوع تحققه فيما لو كان مسبوقا بالقبول و لو في الحياة، بل دخوله في ظاهر اتفاقهم على بطلان الرد بعد القبول أظهر. و ما قيل من عدم صلاحية القبول المتقدم للوجوه المتقدمة، قد عرفت ضعفه، فاذا القول الأول هو الأقوى، و عليه الأكثر.

[المسألة الثانية لو أوصى بشي‌ء فقبل بعضه و ردّ بعضه]

(المسألة الثانية) لو أوصى بشي‌ء فقبل بعضه و ردّ بعضه، صح فيما قبله و بطل فيما ردة.

و تنقيح هذه المسألة هو أن يقال ان متعلق الوصية أي الموصى به:

إما أن يكون متعددا في الخارج كأن يقول: أعطو سيفي و فرسي لزيد بعد الوفاة، أو يكون واحدا شخصيا كأحدهما في المثال. و على الثاني:

فإما أن يقبل بعضه المعين أو بعضه المشاع المقدر بأحد الكسور التسعة كالنصف و الثلث- مثلا.

و على كل حال: فإما أن نقول بعدم اعتبار المطابقة بين القبول و الإيجاب فيما كان التمليك فيه لمحض التبرع، أو نقول باعتبارها فيه أيضا كسائر العقود، من غير فرق بين المعاوضات و التمليكات المجانية.

27

فإن قلنا بعدم اعتبار المطابقة بينهما، صح في خصوص ما قبله مطلقا إلا فيما لا يمكن فيه استقلالية المقبول عن الكل بالكلية على وجه لا يمكن تعلق الملك ابتداء به كقبول يد العبد أو رجله فيما لو قال: (أعطوا عبدي لفلان) و غيرهما من أجزاء البدن، إلا الرأس، لشيوع استعماله في إرادة الكل، و كذا الرقبة. و عدم الصحة فيما لا يقبل الاستقلالية كذلك في أو لعدم المطابقة، بل لعدم تعلق التمليك به بخصوصه لا ابتداء و لا استدامة.

و ان قلنا باعتبارها كسائر العقود لاتحاد المدرك: فان كان الموصى به متعددا في الخارج انحلّ الإيجاب المتعلق بهما إلى إيجابين، فإن العطف على المعمول بحكم إعادة العامل، فينحل في المثال الى قوله: أعطوا سيفي، و أعطوا فرسي لزيد بعد الوفاة، فبقبول أحدهما تحصل المطابقة بين القبول و إيجابه، بل و مثله يجري أيضا في عقد المعاوضة، كما لو قال: بعتك عبدي بمأة و جاريتي بخمسي، و قبل أحدهما دون الآخر، فان الأقرب فيه الصحة، بخلاف ما لو ضمّهما بثمن واحد، لظهوره في الاجتماع و ان لم يكن بنحو الاشتراط.

و إن كان المتعلق واحدا شخصيا» و قبل بعضه المعين، كما لو قال:

أعطوا بساطي- مثلا- فقال: قبلت هذا الجزء منه، فإنه يبطل حتى فيما قبله، لعدم المطابقة بعد فرض اعتبارها، بل لعل الأقوى حينئذ البطلان حتى لو كان البعض مشاعا أيضا بعد اعتبار المطابقة المنتفية هنا أيضا، و ان استقرب الصحة فيه شيخنا في (الجواهر) و أشكل في البعض المعين.

و لا أرى وجها للفرق بينهما بعد اعتبار المطابقة، إلا ما عسى أن يقال بالانحلال الى المتعدد في المشاع كالمتعدد في الخارج، بتقريب: أن الواحد بالعدد المؤلف منه الأعداد يتحد بالمفهوم و الحقيقة مع النصفين و ثلاثة أثلاث و أربعة أرباع- مثلا- و لذا لا يمكن زيادة الكسر على مخرجه، فلو فرض زيادته

28

عليه عبّر عنه بالواحد و تلك الزيادة، فيقال في ثلاثة أنصاف: واحد و نصف، و أربعة أثلاث: واحد و ثلث، و هكذا، فالواحد بلحاظ عين النصفين، و ثلاثة أثلاث: بلحاظ آخر، و في مرتبة أخرى، فإذا قبل كسرا منه فهو مطابق لما تعلق به من أفراد المخرج المنقسم إليها المتعدد بلحاظ آخر.

و بالجملة، فالنصفية منتزعة من الواحد بلحاظ النصفين، و الثلاثية منه بلحاظ ثلاثة أثلاث، و هكذا، فمنشأ الانتزاع حينئذ متعدد بتعدد كسورة، و هو كاف في تحقق المطابقة و تحليل الإنشاء إلى متعدد.

إلا أنه مع ذلك لا يخفى ضعفه، لأن المطابقة معتبرة بين القبول و الإيجاب بحسب ما تعلق به في الخارج من الوحدة و التعدد، لا بحسب التحليل العقلي في مرتبة وجوده الذهني، فالأقوى إلحاق قبول البعض المشاع بالبعض المعين في البطلان، لا ببعض المتعدد في الخارج في الصحة، بل حتى لو قبل البعض المشاع من كل من المتعدد، كما لو قال: قبلت نصف كل من العبدين أو ثلثا منهما، لعدم المطابقة أيضا.

[المسألة الثالثة في انتقال حق الرد و القبول إلى الورثة]

(المسألة الثالثة) اختلف الأصحاب في انتقال حق الرد و القبول إلى ورثة الموصي له لو مات هو قبل القبول، و عدمه على أقوال: ثالثها: التفضيل بين موته بعد موت الموصي، و قبله: بصحة الوصية في الثاني، و بطلانها في الأول و رجوع الموصى به الى ورثة الموصي. و رابعها: التفصيل بين ما لو علم تعلق غرض الموصي بخصوص الموصى له لمزيد علم أو صلاح- مثلا- و ما لم يعلم: ببطلان الوصية في الأول، و صحتها و انتقال الحق إلى الوارث في الثاني.

[القول الأول]

و القول الأول و هو الانتقال- مطلقا- نسبه جدنا في (المصابيح) الى الصدوق في (الفقيه) رواية و (المقنع) و (المقنعة) و (النهاية) و (التهذيب) و (الاستبصار) و (المراسم) و (الكافي) و (الوسيلة)

29

و (السرائر) و (الشرائع) و (الجامع) و (كشف الرموز) و (القواعد) و (التلخيص) و (التبصرة) و (اللمعة) و (الكفاية).

[القول الثاني]

و (الثاني) و هو البطلان مطلقا منسوب إلى جماعة- كما في المصابيح- حيث قال: «و به- أي البطلان مطلقا- قال ابن الجنيد، و اختاره العلامة في الإرشاد، و نفى عنه البأس في (التذكرة و المختلف) و حكاه في (الشرائع) قولا، و نسبه في (المسالك) إلى جماعة، و قوّاه. قال في التذكرة:

«و هو قول أكثر العامة رووه عن علي (ع): و به قال الزهري و حماد ابن أبي سلمة و ربيعة و مالك و الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي».

[القول الثالث]

و (الثالث) محكي في (المصابيح) عن جماعة حيث قال بعد ذكره: «حكاه في الدروس عن المحقق، و في (التنقيح): إنه ذهب الى ذلك في بعض فتاواه، و أسنده في (المسالك) الى بعض الأصحاب و مال اليه بعض الميل.

[القول الرابع]

و (الرابع) يحكي فيه عن الدروس و جواهر الكلمات و الروضة و موضع من المسالك- بعد ما قوى البطلان- (1)

[تقويم الأقوال]

قلت: و الأول هو الأقوى، و عليه المشهور. و حكاية الشهرة عليه مستفيضة، حكاها في (المصابيح) أيضا عن جماعة حيث قال: «و الشهرة مع ظهورها مما حررناه منقولة في كثير من كتب الأصحاب كالتذكرة و المختلف و الإيضاح و الدروس و غاية المرام و المهذب البارع و جامع المقاصد

____________

(1) يستعرض الأقوال الأربعة المذكورة تفصيلا كتاب (المصابيح) للسيد بحر العلوم- (قدس سره)- الذي لا يزال من نفائس المخطوطات: في كتاب الوصية تحت عنوان (مصباح): اختلف الأصحاب في أنه إذا مات الموصى له قبل قبول الوصية على أقوال: أحدها- صحة الوصية مطلقا و انتقالها الى وارث الموصى له .. إلخ‌

30

و المسالك، و في التنقيح: إنه قول الأكثر، و في (الكفاية): انه الأشهر و في الشرائع: انه أشهر الروايتين، و في النافع: بناء الحكم به على الأشهر و هو محتمل للأشهر فتوى و رواية و لعل مراده الثاني كما صرح به في الشرائع و في كشف الرموز: ان هذا القول هو الذي انعقد عليه العمل، و ظاهره الإجماع- الى أن قال بعد نقله ذلك- و لا ريب في أنه هو المذهب» انتهى (1) و يدل عليه- مضافا الى كونه حقا فيدخل في عموم: «ما ترك الميت من حق فهو لوارثه» (2) ما رواه المحمدون الثلاثة في الكتب الأربعة (3):

«عن محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: قضى أمير المؤمنين (ع) في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفي الموصى له قبل الموصى؟ قال: الوصية لوارث الذي أوصى له، قال: و من أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا فتوفي

____________

(1) هذه العبارة بطولها ذكرها سيدنا الجد الأعلى (بحر العلوم) في المصابيح بعد عرض الأقوال الأربعة المذكورة، و أول العبارة هكذا: «و القول الأول هو المشهور بين الأصحاب، و الشهرة ..».

(2) بالرغم من كثرة تواجد هذا النص في موسوعاتنا الفقهية و استشهاد فقهائنا العظام به كثيرا في كثير من أبواب الفقه، كالوصية و المواريث و الخيارات، و تعبيرهم عنه بالنبوي المقبول أو المشهور، و لكننا لم نألوا جهدا في تطوافنا و فحصنا له على مصدر روائي معتبر من كتب الحديث للفريقين و إنما الذي وجدناه في صحاح العامة: إذا ترك الميت مالا فللوارث، و بهذا المضمون على أن عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود، و اللّه العالم.

(3) يقصد بهم: محمد بن الحسن الطوسي صاحب التهذيب و الاستبصار و محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي، و محمد بن علي بن بابويه الصدوق صاحب كتاب «من لا يحضره الفقيه» و هذه الكتب الأربعة هي مركز اعتماد الفقهاء الإمامية كالصحاح السنة بالنسبة إلى فقهاء العامة.

31

الموصي، فالوصية لوارث الذي أوصى له، الا أن يرجع في وصيته قبل موته» (1) و هو نص في المطلوب بعد الأولوية فيما لو مات بعده، و الصحيح «عن مثنى قال سألته عن رجل أوصى له بوصية فمات قبل أن يقبضها و لم يترك عقبا؟ قال: اطلب له وارثا أو وليا فادفعها اليه، قلت: فان لم أعلم له وليا؟ قال: اجهد على أن تقدر له على ولي، فان لم تجده، و علم اللّه فيك الجهد فتصدق بها» (2) بناء على إرادة كونه مات قبل القبول و لو بقرينة قوله: (و لم يقبضها) حملا للقبض المنفي على القبول الفعلي الحاصل به غالبا في أمثال المقام: من العطايا و الهدايا. و خبر الساباطي قال: «سألت أبا جعفر (ع) عن رجل أوصى إلي و أمرني أن أعطى عما له في كل سنة شيئا، فمات العم؟ فكتب: أعط ورثته» (3) الشامل بإطلاقه للمقام، سيّما مع ترك الاستفصال.

و أورد على أول الدليلين في (المسالك): النقض أولا- بعدم إرث القبول في غير الوصية من العقود إجماعا، و بالحل- ثانيا- بما يرجع

____________

(1) في الوسائل، كتاب الوصايا، باب 20 من أحكام الوصايا، حديث (1) «محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس ..» و بعد ذكر الحديث يقول صاحب الوسائل: «و رواه الصدوق بإسناده عن عاصم بن حميد، و رواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم مثله».

(2) في المصدر الآنف الذكر يذكر الحديث عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن أيوب بن نوح عن العباس بن عامر. و في الأخير يقول:

و رواه العياشي في تفسيره عن المثنى بن عبد السلام عن أبي عبد اللّه (ع)

(3) في المصدر الآنف الذكر يذكر الحديث عن الساباطي، و يذكر في الأخير:

أن الصدوق يرويه عن عمرو بن سعيد. و الشيخ عن محمد بن يحيى.

32

(مرة) إلى إنكار الصغرى: من كون القبول حقا، إذ ليس كلّ ما يجوز فعله كان حقا (و أخرى) إلى منع الكبرى: من كونه من الحقوق التي تنتقل بالإرث، إذ رب حق متقوم بمستحقه لا يتعدى الى غيره، و لعل حق القبول من ذلك، بل الظاهر إنه كذلك، حيث أن الإيجاب تمليك للموصى له، و القبول تملك الوارث، فلا يتطابقان. و بعبارة أخرى: تملك الوارث إن كان بتمليك الموصي له فالمفروض عدم تملكه فكيف يملك، و ان كان بتمليك الموصي فلم يحصل منه إيجاب يوجب تمليكه (1).

و فيه: أما ثبوت الصغرى، فلأنه يكفي في ثبوت الحق حصول سبب الملك للمورث بحيث لا يتوقف الملك الا على شرط يحصل من قبله، و هو الرضا به، و ما يكون كذلك مما يترتب عليه المال بعد عند العقلاء كنفس الأموال في كونه حقا يصدق عليه أنه تركه، و به يحصل الفرق بينه و بين القبول في سائر العقود، فإنه جزء السبب فيها، و هنا شرط التأثير من الإيجاب على تقدير الموت- على ما تقتضيه عمومات الوصية التي هي لغة و عرفا مجرد الإيجاب- فالقبول هنا كالقبض و نحوه من الشرائط المتوقفة عليها صحة العقد، و تسميته مع ذلك عقدا لمجرد افتقاره الى القبول في مقابل الإيجاب الذي لا يفتقر اليه. و هذا القدر من الافتقار كاف في التسمية، و ان اختلفا في كون القبول هنا شرطا في التأثير، و في سائر العقود جزء السبب، و به اتضح الفرق بين القبولين، و ارتفع النقض بعدم إرثه في سائر العقود.

____________

(1) راجع ذلك في أول كتاب الوصايا من المسالك للشهيد الثاني في شرح قول المحقق: «و لو مات- أي الموصى له- قبل القبول قام وارثه مقامه ..» و أول العبارة التي يظهر منها هذا الرد المقتضب هي قوله:

و أما الاستدلال بكون القبول حقا للمورث ففيه .. إلخ‌

33

و أما ثبوت الكبرى، فلأن الحقوق التي لا تتعدى الى غيره ما كان الموجب لها: إما علة تامة أو كان من قبيل المقتضى و لكن اختص اقتضاؤه به بسبب آخر، كما تقدم منا بيانه في مسألة الفرق بين الحق و الحكم (1) و لا شي‌ء منهما موجود هنا، و المطابقة حاصلة بعد فرض قيام الوارث مقام المورث فيما هو له.

و احتج من قال بالبطلان مطلقا- بعد الأصل- بما رواه الشيخ عن أبي بصير و محمد بن مسلم جميعا: «عن أبي عبد اللّه (ع) أنه سئل عن رجل أوصى لرجل، فمات الموصى له قبل الموصى؟ قال: ليس بشي‌ء (2) و مثله، موثقة منصور بن حازم عنه (ع) (3).

____________

(1) راجع ذلك في ضمن الرسالة الأولى من الجزء الأول من هذا الكتاب: طبع النجف الأشرف (ص 17- 18) في بيان منشأ الاختلاف في المصاديق المشتبهة بين كونها حكما أو حقا.

(2) و هي صحيحتهما لأن الشيخ رواها بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن شعيب عن أبي بصير، و عن فضالة عن العلاء عن محمد بن مسلم جميعا: عن أبي عبد اللّه (ع)- على ما في الوسائل: كتاب الوصايا باب 30 من الأحكام، حديث (4).

(3) رواها الشيخ بإسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن العباس ابن عامر عن أبان بن عثمان عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (ع):

قال: «سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية: إن حدث به حدث فمات الموصى له قبل الموصي؟ قال: ليس بشي‌ء» المصدر الآنف من الوسائل حديث (5) و لعل وجه تسميتها بالموثقة لا الصحيحة، لوجود علي بن فضال في سندها فإنه من الفطحية.

34

و الجواب عن الأصل: بالخروج عنه بما تقدم (1) و عن الخبرين: بعدم مقاومتهما لمعارضة المتقدم (2) الصريح في صحة الوصية و انتقال حق القبول الى الوارث، مع اعتضاده بالشهرة فتوى و رواية، و مخالفته لفتوى من كان الرشد في خلافه (3)، فليحمل الخبران على التقية. بل و في العدول عن التصريح في الجواب فيهما إشعار بذلك، فان قوله (ع) (ليس بشي‌ء) يحتمل قويا: إرادة أن الموت ليس بشي‌ء ينقض الوصية، كما يعطيه تذكير الضمير المستتر في (ليس).

و احتج من ذهب الى القول الثالث: بالبطلان فيما لو مات قبل موت الموصي: بالأصل، و الخبرين الأخيرين، و بالصحة فيما لو مات بعده بخبري:

المثنى و الساباطي، بعد تقييد إطلاقهما بالخبرين الأخيرين: حملا للمطلق على المقيد. و بناء هذا القول على طرح حديث محمد بن قيس، مع كونه نصا على الصحة في صورة التقدم. و بما ذكرناه ظهر لك ضعف هذا القول أيضا.

و أما الرابع: فإن أريد تخصيص البطلان بما إذا اشترط الموصي خصوصية الموصى له دون وارثه، فهو حسن، بل الظاهر انتفاء الخلاف في ذلك- كما قيل- و ان أوهمه إطلاق كلام الأكثر، إذ لا مجال للتسرية إلى الوارث مع التصريح بالاختصاص بالمورث و إن أريد به التخصيص مع اختصاص الداعي إذا دلت القرائن على كون الباعث على الوصية اختصاص الموصى له بمزيد علم أو صلاح و نحو ذلك، ففيه خروج عن ظاهر النص و الفتوى من دون داع، فإن الدواعي لا يلتفت إليها في

____________

(1) من أقوائية القول الأول بالانتقال إلى وارث الموصى له.

(2) و هو خبر محمد بن قيس الآنف الذكر.

(3) إشارة الى أحد المرجحات السندية الواردة على لسان الأئمة الأطهار (ع) في مقام تعارض الخبرين، و هي قوله (ع): «خذ بما خالف العامة فإن الرشد في خلافهم». و مذهب أكثر العامة هو البطلان.

35

مثل ذلك، فاذا لا مناص عن القول الأول.

هذا، و ليعلم أن خبر مثنى الآمر بالصدقة يحتمل منه (ع) القبول لكونه وارثا، و له وضع ما يخصه فيما يشاء، و يحتمل تنزيله على تحقق القبول من الموصى له قبل موته، و حينئذ، فالقبض المنتفي قبض تسلم لماله و الأمر بالصدقة- حينئذ-: إما عن نفسه (ع) أو عن مالكه أما هو أو غيره إن كان له وارث في الواقع أخذا منه بالاحتياط، فيخرج الخبر- على الاحتمال الثاني- عن كونه دليلا هنا: من انتقال حق القبول للوارث.

[بقي هنا شي‌ء]

بقي هنا شي‌ء و هو ما لو مات الموصى له و لم يخلف وارثا غير الامام (ع): فعن الشيخين و الفاضلين: رجعت الوصية إلى ورثة الموصى. و نسبه في (الدروس): الى المعظم. و عن ابن إدريس: إنها للإمام (ع)، لأنه الوارث عند فقد غيره، و عن (المقنع و الجامع) (1) التصدق بها بعد الطلب. و قال جدنا في (المصابيح) بعد حكاية الأقوال ما لفظه:

«و ظاهر روايتي: محمد بن قيس و محمد بن عمر المتقدمتين رجوع الوصية الى الامام (ع)، و لا ينافيه الأمر بالتصدق بها بعد الطلب في حديث المثنى فان الحق للإمام (ع)، فله أن يضعه حيث شاء، و بمثله يحصل التوافق بين قول ابن إدريس و قول الصدوق و ابن سعيد، و هو الأقوى» (2) قلت: و الصواب ما عليه معظم الأصحاب، لا لعدم انصراف الوارث الى الامام (ع)- كما قيل- بل لعدم إمكان القبول منه (ع) في زمن

____________

(1) المقنع للشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381 ه‍- و الجامع لأبي القاسم جعفر بن سعيد المحقق الحلي صاحب الشرائع المتوفى سنة 676 ه‍.

(2) ذكر ذلك في أوائل المصباح الرابع من كتاب الوصية و الكتاب لا يزال من نفائس المخطوطات كما أشرنا.

36

الغيبة. و دعوى القبول من الحاكم فاسدة» لعدم الولاية له على إدخال الشي‌ء في ملك الامام (ع) و إن كان له الولاية على قبض ما هو له، و غير معلوم نظره- (عجل اللّه فرجه)- حتى يتولاه عنه، بل هو كذلك بالنسبة الى كل غائب أوصي له. نعم على الوصي إذا كان الموصى له غائبا إعلامه فورا، فإن أخل به عمدا كان مضمونا عليه، يغرم بدله عند التلف له إن حضر و قبل، و الا فلورثة الموصي. و لا ينافيه أمره بالصدقة في خبر المثنى لكونه في زمن الحضور و الحق له، فله القبول، و لم يعلم كونه حكما شرعيا مخصصا لأدلة الإرث في المورد حتى يجري ذلك في زمان الغيبة أيضا، و حصول التوافق- بين قول ابن إدريس و من قال بالتصدق بعد الطلب- مبني على أن يكون مذهبه في مصرف ما هو للإمام التصدق به، مع أن مذهبه في تلك المسألة هو وجوب الوصية به و إيداعه عند من يثق به و لا خصوصية للوصية المنتقلة إليه من بين أمواله في مصرفه بعد أن لم يكن حديث المثنى ظاهرا في إفادة الحكم الشرعي.

[بقي هنا فروع]

بقي هنا فروع:

[لا يجبر الوارث كالمورث على القبول]

(منها): هو أنه لا يجبر الوارث كالمورث على القبول بلا خلاف أجده، و إن أشعر به قوله في الاخبار: «الوصية للوارث» (1) المعلوم منه إرادة عدم بطلانها بموت المورث قبل القبول، و ان كان الموصى به ممن ينعتق عليه، كما لا يجب شراؤه إجماعا. نعم، لو كان الموصى به أحد عموديه و لم يستلزم القبول ضررا عليه، فالأقرب وجوبه عليه، سيما إذا استلزم عدمه إيذاءه

[أن الوارث يتلقى بقبوله المال من الموصي]

(و منها) أن الوارث يتلقى بقبوله المال من الموصي دون الموصى له

____________

(1) في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 15 جواز الوصية للوارث روايات كثيرة بهذا المضمون، منها حديث رقم (4) من الباب: «محمد ابن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن صفوان بن يحيى عن العلا عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال: الوصية للوارث لا بأس بها».

37

و ان ورث منه حق القبول، كما يعطيه ظاهر خبر محمد بن قيس- المتقدم- و هو على تقدير موته قبل موت الموصي واضح. و كذا لو مات بعد موته و قلنا بكون القبول ناقلا، و أما على القول بكونه كاشفا كشفا حكميا أو حقيقيا (1) فعن الأكثر انتقاله الى المورث، ثم منه الى الوارث بالإرث. و عليه، فاللازم نفوذ ديونه و وصاياه فيه، بخلافه على الأول، لعدم تملكه في الواقع حتى ينفذ فيه ذلك. و يحتمل قويا-- و لعله الأقوى بناء على الكشف أيضا- كشفه من حين ما يمكن كشف القبول عنه، و هو حين موت المورث، فعليه أيضا ينتقل من الموصي إلى الوارث، فلا تنفذ فيه أيضا وصايا المورث و ديونه. و على التقديرين، فالقسمة بين الورثة في صورة التعدد مع قبولهم بحسب قسمة المواريث.

[أنه لو كان الوارث متعددا]

(و منها): أنه لو كان الوارث متعددا كاثنين- مثلا- فلا إشكال في كون الحق غير متقوم بهما بشرط الاجتماع، بل لكل منهما القبول، لأنه حق موروث و غير متبعض بنفسه و ان تبعض متعلقة. و حينئذ: فإن توافقا في الرد أو القبول فواضح، و ان اختلفا في ذلك صحت الوصية فيمن قبل على النسبة و بطلت فيمن رد.

[لا إشكال في انتقال الوصية إلى الوارث مطلقا]

(و منها): أنه لا إشكال في انتقال الوصية إلى الوارث مطلقا، من غير فرق بين الوارث و وارثه، لإطلاق الدليل، ما لم يتقدم عليه بالإرث غيره كما لو انقرضت الطبقة الأولى، فينتقل حق القبول الى ورثتهم. و لو كان منها أحد كما لو مات الموصى له، و له ولدان- مثلا- و مات أحدهما و كان

____________

(1) للتعرف على المقصود من النقل و الكشف بأنواعه في ما يخص الإجازة في العقد الفضولي ليتضح المقصود من العبارة، يحسن مراجعة تعليقتنا المفصلة في بيان المراد من الإجازة في العقد الفضولي: أنها النقل أم الكشف بأنواعه و ثمرات الخلاف: من ص 13- 18 من الجزء الثالث من هذا الكتاب (البلغة)

38

له ولد، ففي اشتراك ولد الولد مع عمه في حق القبول، أو اختصاصه به لأنه الوارث حين الموت؟ وجهان، مبنيان: على أن انتقال حق القبول الى الوارث هل هو على القاعدة و أنه من التركة كنفس المال و النص فيه موافق لها، أو على خلاف القاعدة و انما قيل به للنص تعبدا، فعلى الأول شارك ولد الولد بقبوله الحق الموروث له عمه، ضرورة أنه حق موروث له قد استوفاه بإعماله له بالقبول، و على الثاني اختصت الوصية بالعم لأنه الوارث حينئذ دون ولد الولد.

[لو أوصى بجارية و حملها]

(و منها) لو أوصى بجارية و حملها حيث يملك (1) لزوجها و مات الموصى له قبل القبول، فقبل الوارث، انتقل الموصى به من الجارية و حملها اليه بقبوله و كان الولد رقا ان لم يكن ممن ينعتق على الوارث (2) سواء قلنا بكون القبول ناقلا أو كاشفا من حين موت المورث أو كان موته في حياة الموصى. و لا كذلك لو قلنا به كاشفا من حين موت الموصي فإنه ينعتق على أبيه لانكشاف تملكه له قبل موته. ثم الوارث ان كان واحدا انفرد بالإرث، و ان كان الولد ممن ينعتق عليه، لتأخر انعتاقه المتوقف على قبول الوارث عن تملك الوارث الحاصل بموت المورث، و ان كان متعددا

____________

(1) فيما إذا زوج مولى الجارية: جاريته لحر و شرط عليه رقية الحمل في ضمن العقد، و قبل الزوج الحر ذلك الشرط: فعلى المشهور يصبح الحمل ملكا لصاحب الجارية، أخذا بعموم «المؤمنون عند شروطهم»، و الأكثر على خلاف ذلك و بطلان الشرط. راجع تفصيل المسألة في نكاح الإماء من الموسوعات الفقهية.

(2) كما إذا كان الوارث ابنا و الحمل أنثى، إذ تكون حينئذ أخته، و الأخت النسبية من محرمات الرجل التي تنعتق عليه كالعمة و الخالة.

39

و كان ممن ينعتق على بعضهم (1) انعتق عليه بقدر نصيبه و دخل معهم في الإرث إن كان قبل القسمة، و لم يرث ان كان بعدها: على الكشف من حين موت الموصي، و شارك الوارث في الإرث مطلقا: اتحد أو تعدد، بل يحجب من تأخر عنه في الطبقة و يختص هو بالإرث دون من كان وارثا عند القبول، و لا يرث الولد المنعتق على الوارث أمه مطلقا: اتحد الوارث أو تعدد. و مع التعدد: قبل القسمة أو بعدها، لتأخر مرتبة انعتاقه عن تملك الوارث له و لأمه و لم يملك المورث للجارية حتى يرثها أو يرث منها ولدها. نعم يرثها مطلقا على القول بالكشف من حين موت الموصي، فتنعتق على ولدها المنعتق على أبيه.

هذا و قد ذهب الشيخ في «المبسوط» مع فرض انعتاق الولد الى عدم إرثه مطلقا، لاستلزامه الدور حيث قال: «الا ان الولد لا يرث من والده بحال، لأن صحة الوصية تقف على قبول جميع الورثة لأنه لو أراد بعض الورثة أن يقبل جميع ما قد أوصى به لأبيه لم يكن له، فلو جعلنا هذا الولد وارثا لم تصح الوصية به إلا بقبوله، و القبول منه لا يصح قبل حريته، فكان ذلك يؤدي الى إبطال حريته و حرية الأمة و إبطال الوصية فأسقطنا الإرث حتى حصلت الحرية له و لها» (2)

____________

(1) كما إذا كان وارث الزوج الموصى إليه ابنا و بنتا و الحمل أنثى فإنها تنعتق على الابن لأنها أخته، و لا تنعتق على البنت، إذ لا مانع من ملك الأخت للأخت، و انما موانع تملك المرأة أي الذين ينعتقون عليها: هم عموداها، و ابنها و بنتها و زوجها فقط.

(2) يراجع: كتاب الوصايا (ج 4 ص 31- 32) من الطبعة الثانية في المطبعة المرتضوية بطهران سنة 1388 ه‍. و مبدأ المسألة قبل هذه العبارة هكذا: «إذا زوج أمته من رجل ثم أوصى له بها و مات الموصي‌

40

و أجاب في (المسالك) عن لزوم المحذور «بأن المعتبر قبول الوارث في الحال لا في المآل، و قد حصل بقبول من كان وارثا حينئذ» (1) و فيه: أنه بعد انكشاف تملك المورث من حين موت الموصي و انعتاق الولد على أبيه من حينه بالفرض، تبين كونه كان وارثا- فعلا- في الواقع لتعقبه بتحقق القبول من الوارث الكاشف عن تحقق الشرط المقارن، فلا يجدي حينئذ ما ذكره في رفع محذور الدور.

نعم، الأحسن أن يجاب عن ذلك بأخصية الدليل من المدعى، لان

____________

و لزمت الوصية، ثم مات الموصى له قبل قبوله، فان وارثه يقوم مقامه في قبول الوصية، لأن الوصية من الحقوق المالية، و ذلك يثبت للوارث كما يثبت للموروث مثل الشفعة و القصاص، و فيها خلاف- الى قوله-: فمن قال بشرطين (يعني موت الموصي و قبول الموصى له) فالميت لم يملك شيئا لأنه مات قبل القبول، و إنما ينتقل من الموصي إلى ورثة الموصي له فتصير الجارية رقيقة له و الولد مملوكا- الى قوله-: و من قال: ينتقل إليه بوفاة الموصي فإنه يتبين بقبول الورثة أن الملك انتقل الى الموصى له بوفاة الموصي فيكون الحكم فيه كما لو قبل الموصى له ذلك قبل وفاته الى قوله: إلا أن ..

(1) في أوائل كتاب الوصايا: في أحكام الموصى له أثناء شرحه لقول المحقق (فرع لو أوصى بجارية و حملها لزوجها و هي حامل منه) و تمام هذه الجملة قوله: «و تحرير البحث يتم بأمرين: أحدهما- إثبات أصل الإرث، و وجهه واضح لان ثبوته معلوم، و إنما المانع من إرثه الرق، و قد زال بقبول الوارث حيث يعتق عليه أو على الميت، لأنه الفرض، و قد خالف في ذلك الشيخ، فمنع من إرثه مطلقا لأنه موقوف على قبول الوارث، فلو فرض كونه وارثا لا اعتبر قبوله في الإرث، و اعتبار قبوله موقوف على كونه وارثا فيدور و أجيب بأن المعتبر ..»‌

41

محذور الدور انما يمنع عن إرثه لحق القبول لا عن الإرث مطلقا، فحرمانه عن إرثه بخصوص هذا الحق من التركة كحرمان غير الولد الأكبر من أعيان الحبوة و اختصاصها به.

و بالجملة: وجود المانع عن إرث حق القبول لا يوجب عدم الإرث من سائر التركة بعد فرض عدم المانع عنه و وجود المقتضي له من البنوة و عدم الرقية.

ثم إن ثاني الشهيدين في (المسالك) علل إرث الولد المنعتق على أبيه من أمه بعدم القسمة بالنسبة إليها حيث قال: «و الثاني ما يرث منه، فنقول:

ان كان الوارث متحدا لم يرث هذا الولد مطلقا لاختصاص الوارث بالتركة قبل عتقه، و ان كان متعددا فلا يخلو: إما أن يكون موت أبيه الموصى له قبل موت الموصي أو بعده، ففي الأول لا يرث أمه مطلقا- الى أن قال-: و في الثاني يبنى على الكشف بالقبول، أو الانتقال، فعلى الثاني لا يرث من أمه شيئا أيضا لأنها لم تدخل في ملك أبيه، و على الكشف يرث منها لأنها صارت من جملة التركة، و الحال أنها لم تقسم حين الحكم بحريته لأن ذلك حين القبول، و ان كانت بقية التركة قد قسمت ..» (1) انتهى و أنت خبير بما فيه: من عدم وقوع التعليل في محله بناء على انكشاف تملك أبيه الموصى له من حين موت الموصي بالفرض لانعتاقه من حينه، و ان تبين و انكشف ذلك من حين القبول. و عليه فقد انكشف دخوله في الإرث من حين الانعتاق مطلقا. نعم يأتي الفرق بين تحقق القسمة و عدمها حيث كان الولد منعتقا على الوارث دون أبيه، و عليه فليست الجارية من التركة حتى يعلل الإرث منها بعدم قسمتها.

ثم إن عدم الإرث من المورث مع اتحاد الوارث أو تعدده بعد القسمة

____________

(1) يراجع ذلك في المصدر الآنف الذكر بعد الجملة المذكورة آنفا.

42

إنما يتم على النقل أو الكشف من حين موته دون موت الموصي أو كونه منعتقا على الوارث دون المورث.

[المسألة الرابعة لا تبطل الوصية بعروض الإغماء]

(المسألة الرابعة) لا تبطل الوصية بعروض الإغماء أو الجنون للموصي إجماعا- كما حكاه جدنا في (المصابيح) (1) و ان بطلت بأحدهما سائر العقود الجائزة كالوكالة و نحوها، لوضوح الفرق بينهما بشهادة بطلانها بالموت، و هو في الوصية شرط في نفوذها، فعدم البطلان بأحد العارضين أولى، مضافا الى عدم انفكاك المرض غالبا عن أحدهما- سيّما الأول منهما- فيلزم بطلان وصايا المريض الا نادرا، و اشتراط العقل عند الوصية لاعتبار الشعور في الكشف عن المقصود لا يدل على اشتراط دوامه في الصحة، فلتكن مستصحبة ما لم يرجع عنها.

[المسألة الخامسة لا تصح الوصية بالمحرم]

(المسألة الخامسة) لا تصح الوصية بالمحرم، للأصل، و لأنه لو صحت لزم إما خروج المحرّم بالوصية عن كونه محرما، أو وجوب ارتكاب المعصية على الوصي و الأول خروج عن الفرض، و الثاني ضروري البطلان، و للنص المفسّر للآية الشريفة «فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً» (2).

و لو أوصى بما هو محلل عنده اجتهادا أو تقليدا، و محرم عند الوصي كذلك كالوصية بنقله المؤدي إلى الفساد الى أحد المشاهد المشرفة، فلا إشكال في عدم جواز تنفيذه على الوصي، فضلا عن وجوبه. و في وجوب

____________

(1) راجع منه آخر كتاب الوصية (مصباح): «لا تبطل الوصية بالجنون و الإغماء، سواء استمر العارض الى الموت أو انقطع قبله إجماعا» و الفرق بين الجنون و الإغماء واضح، فإن الأول زوال العقل أو فساده، و الثاني عطل الحواس أو إيقافها مع تغطية للعقل.

(2) سورة البقرة- 182. و تمام الآية «فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» و الجنف- بالتحريك-: مصدر جنف- بالكسر من باب تعب- معناه: الميل و العدول عن الحق.

43

بتنفيذه على الحاكم المجوّز له بأن يأمر من يقوم مقامه في ذلك كما لو عرض العجز على الوصي، لعموم أدلة الوصية، و عدمه؟ وجهان: مبنيان على وحدة المطلوب، و تعدده (1).

و لو انعكس الأمر (2) ففي وجوب تنفيذها على الوصي لمشروعيتها عنده، فيشمله عموم «فَمَنْ بَدَّلَهُ» و ان أثم بالإيصاء عنده، أو بطلانها رأسا، لأنها عنده (3) وصية بالمعصية؟ وجهان: و لعل الأول هو الأقوى.

و لو أوصى لغير الولي بمباشرة تجهيزه- كلا أو بعضا- كالصلاة عليه مثلا- ففي تقديمه على الولي، أو تقديم الولي عليه؟ قولان: نسب الأول منهما الى ابن الجنيد، و عن الكركي احتماله، و عن المدارك نفي البأس عنه:

تقديما لأدلة الوصية على ما دل على أولوية الوارث، و أن حقه مقيد بعدم الوصية بها. و الثاني هو المشهور، كما في المسالك و غيره، بل في (المختلف) عدم اعتبار علمائنا ما عليه ابن الجنيد مؤذنا بالاتفاق، و هو الأقوى، لأن معارضة عمومات الوصية لعمومات أولوية الولي- بعد تسليمها- من تعارض العامين من وجه، و الثانية مرجحة بما عرفت (4) فتكون الوصية حينئذ وصية في حق الغير، و تقع لاغية. مع احتمال أن يقال: إن تجهيز الميت من فروض الأحياء كفاية و ان تعلق به، و ليس مما تركه الميت، حتى يكون له الإيصاء به، فتكون أدلة أولوية الولي سليمة عن المعارض. و يحتمل الفرق بين الدفن

____________

(1) سقوط الوصية و عدم الوجوب بناء على الوحدة بين الوصية و الوصي، و الوجوب بناء على التعدد و التفكيك بين الوصية و الوصي.

(2) بأن أوصى الميت بما هو محرّم عنده محلل عند الوصي.

(3) الضمير في كلمة (عنده) الأولى مرجعه الوصي و الضمير المستتر في كلمة (أثم) و الضمير في كلمتي (عنده) الأخيرتين مرجعه الميت.

(4) من الاتفاق و الشهرة على الأخذ بعمومات أولوية الولي في ذلك.

44

و غيره، فيتعين المدفن بتعيينه، لكونه منه بمنزلة دار السكنى من الحي، بل لعل الكفن كاللباس مثله دون التكفين و المواراة. مع إمكان أن يقال:

ان حق الميت بمضجعه انما يتحقق بعد وضعه فيه لا قبله، و ان عينه.

و في المسالك: «لا ولاية للموصى إليه بها على المشهور مع وجود الوارث نعم لو فقد كان أولى من الحاكم» انتهى. و لعل وجه تقديمه على الحاكم: هو أن الحاكم ولي من لا ولي له، و هذا له ولي بالإيصاء.

و فيه ان ذلك انما يتم لو قلنا بأن ولاية الحاكم هنا من حيث أنه ولي من لا ولي له، و هذا له ولي. و أما لو قلنا بها من حيث كونه نائبا عن الولي الوارث و هو الامام (ع) عند فقد من هو قبله من الطبقات الراجع في الحقيقة إلى تقديم الولي الوارث على الموصى إليه، فلا يتم الوجه المذكور.

اللهم الا أن يدفع: أن حق تقديم الامام من حيث الوارثية ليس من الحقوق التي يستوفيها الحاكم بالنيابة عنه كالأموال، بل هو من الحقوق الراجعة إليه (ع) من حيث فعله بالمباشرة أو الاذن، فافهم.

[فروع مبتنية على بطلان الوصية بالمحرّم]

بقي فروع مبتنية على بطلان الوصية بالمحرّم.

[الأول إذا أوصى بما يقع اسمه على المحلل و المحرم]

(الأول) إذا أوصى بما يقع اسمه على المحلل و المحرم كالعود المشترك بين عود اللهو و عود البخور، و النبل و القسي و العصا و نحو ذلك، و الطبل المشترك بين طبل للهو و طبل الحرب التي تضرب للتهويل و طبل الحجيج و القوافل التي تضرب لإعلام النزول و الرحيل، و الأواني المصوغة من الذهب و الفضة و المتخذة من النحاس و غيره، سواء كان مشتركا لفظا أو معنى، انصرف الى المحلل، فردا أو مصداقا، حتى أنه لو لم يكن المحلل في التركة وجب شراؤه و دفعه الى الموصى له، و لا يصلح اختصاص المحرم بالوجود في التركة قرينة على تعيينه كي يلزم البطلان، حملا للفعل على الصحيح، و صونا لكلامه عن اللغو، و لظهور حاله عند الوصية المقصود منها تنفيذها لتدارك

45

ما فاته من الحسنات في مستقبل الأوقات بعد الممات بنيل الخيرات بصرف ماله في وجوه المبرات و المثوبات، بل هو كذلك و ان كان المحرم هو المنصرف اليه اللفظ عند الإطلاق بالأظهرية فيه، لوجوب صرف الظهور اليه بقرائن الحال، لا بأصل الصحة تعبدا، لأن الأصل المزبور لا يصلح أن يكون قرينة لصرف ظواهر الألفاظ التي هي من الأدلة الاجتهادية.

[الثاني إذا أوصى بمعين له منفعة محرمة]

(الثاني) إذا أوصى بمعين له منفعة محرمة و منفعة محللة غير نادرة، صحت الوصية، لصحة الانتفاع به بالوجه المحلل.

[الثالث إذا أوصى بالفرد المحرّم]

(الثالث) إذا أوصى بالفرد المحرّم من ذلك كعود اللهو- مثلا:

فان كان بحيث يوجب زوال الصفة المحرمة، و لو بتغيير الهيأة انتفاء مالية المادة، فلا إشكال حينئذ في بطلان الوصية به.

و إن لم يكن كذلك بل أمكن زوال الصفة مع بقاء مالية المادة، ففي البطلان مطلقا، الصحة مع أمر الوصي بإزالتها و دفع المادة اليه، أو التفصيل بين ما يمكن زوالها مع بقاء الاسم و عدمه: بالصحة في الأول و البطلان في الثاني، أو بين ما كانت له مادة نفيسة كالذهب و الفضة- مثلا- فالصحة و ما لم يكن كذلك و لو كانت متقومة، فالبطلان؟ احتمالات، بل أقوال:

و لعل الأول هو الأقوى، لان الموصى به هو العين المركبة من المادة و الهيأة في قوله: أعطوا عود اللهو لزيد بعد الموت، أو أعطوا الآنية المصوغة من الذهب له بعده، و هي بهذه الصفة غير قابلة لتعلق الوصية بها، و خصوص المادة بعد تغيير الهيئة غير الموصى به و لو مع بقاء الاسم، و إرادة المسمى منه تجوّز لا يحمل عليه الا بالقرينة، و إزالة الصفة تصحيحا للوصية لا تصلح قرينة لصحة الاستعمال، كما لا تصلح نفاسة المادة قرينة لذلك، كما توهم: من أن الوصية بما كانت مادته نفيسة في الحقيقة متعلقة برضا منه لأنه خروج عن العمل بمداليل الألفاظ، و لا يجدي إلزام الوصي بزوال

46

الصفة بعد الوصية في الصحة، و لو مراعاة لعدم القابلية حين تعلقها.

نعم لو علم تعلق الوصية بخصوص المادة المجردة عن الصفة، فلا بأس بها، كما لا بأس بإزالة الصفة من العين ثم الوصية بها.

فظهر بما ذكرناه ضعف مستند الأقوال الباقية.

و لو كان الموصى به واحدا تعين تعلق الوصية به و لو كان متعددا تخير الوصي و الوارث في المتواطي (1) في دفع أي فرد منه، سواء أوصى بفرد مردد أو بالماهية الصادقة على جميع الأفراد بعد تحققها في ضمن كل فرد منها، فيتخير الوصي أو الوارث، لأنه المأمور بتنفيذ الوصية مع حصول الامتثال بدفع ما شاء منه و لو كان مشتركا لفظا كالقوس المشترك بين قوس النشاب و قوس الجلاهق الذي يرمى به البندق- كما قيل- (2)

____________

(1) الكلي: هو المفهوم الذي لا يمتنع صدقه على الأكثر من واحد- كالإنسان و البياض- و الجزئي بعكسه، فهو فرد من إفراد الكلي كزيد.

ثم إن الكلي ينقسم- من حيث تساوي مصاديقه بالنسبة إلى مفهومه- و اختلافها إلى: متواطى‌ء أي متساوي الأفراد، كالإنسان و الحيوان، فان جميع أفراده متساوية من حيث الإنسانية أو الحيوانية، و إلى مشكك، أي مختلف الصدق على أفراده من حيث القوة و الضعف كالنور و النار بالنسبة إلى مصاديقها، أو من حيث الكثرة و القلة، كالعدد بالنسبة الى أفراده، أو من حيث العلية و المعلولية كالوجود بالنسبة إلى الواجب و الممكن، أو من حيث التقدم و التأخر، و غير ذلك من موارد الاختلاف (عن كتب المنطق).

(2) الجلاهق- بضم أوله-: جمع جلهق- بالفتح أو الكسر:- معرب- البندق الذي يرمى، و القوس: و منه قول المتنبي:

كأنما الجلد لعري الناهق: * * *منحدر عن سبتي جلاهق

و السبتين: هما ما عطف من طرفي القوس (عن كتب اللغة)

47

و قوس الندف: فان علم- و لو بقرائن الحال- إرادة قوس خاص من الأقواس تعين، و لا اعتراض عليه للموصى له بدفع المراد بإرادة غيره، لأنه ليس الا بقول ما يدفعه المأمور بتنفيذ الوصية، إلا إذا ادعى عليه علمه بإرادة غير المدفوع، فعليه يمين نفى العلم. و ان علم إرادة المسمى كان مخيرا كالمتواطي في دفعه لما شاء من الأقسام لكون الموصى به حينئذ كليا منطبقا على كل قسم منها و ان علم إرادة قسم منها و اشتبه عليه الأمر لعارض النسيان أو غيره- عينه بالقرعة التي هي لكل أمر مشكل لم يندرج تحت قاعدة من القواعد الشرعية، و لا تخيير هنا لعدم الدليل عليه و لا أصل يقتضيه حتى يكون واردا على دليل القرعة و رافعا لموضوعها. و ان شك في انه أراد قسما منها أو المسمى به مع عدم قرينة معينة و لا صارفة الموجب لدوران الأمر بين الإجمال و التجوز، تعين الثاني، لأن الحمل على المجاز- و ان كان على خلاف قانون الاستعمال- أولى من الإجمال الموجب للغوية الكلام و سقوطه عن إفادة المرام، و على هذه الصورة ينزل كلام الأكثر بالتخيير في المشترك اللفظي، تقديما لاحتمال التجوز على الاحتمال الموجب للإجمال (و دعوى) إيجاب اللغوية بالإجمال إنما هو عند تأخير البيان عن وقت الحاجة دون وقت الخطاب و هو هنا عند الموت لا عند الوصية، فصحة الاستعمال بالحمل على الحقيقة تعين ارادة الفرد منه مع سعة الوقت لتأخير البيان و أنه ترك لعارض النسيان و نحوه، فتعيّن القرعة في هذه الصورة أيضا (فيها) من التكلف ما لا يخفى.

[المسألة السادسة عقد الوصية جائز من الطرفين]

(المسألة السادسة) عقد الوصية جائز من الطرفين: من طرف الموصي مطلقا ما دام حيا، من غير فرق بين متعلق الوصية بالمال أو بالولاية (1) و من طرف الموصى له ما لم يقبل بعد الموت، و ان قبل في الحياة. و في

____________

(1) فيما إذا كانت عهدية كأن يجعل شخصا وليا أو قيما على صغاره أو يوصي لشأن من شئون تجهيزه بعد الموت.

48

إطلاق الجواز عليه قبل القبول بالمعنى المصطلح نوع مسامحة، إذ لا عقد بالفرض بعد حتى يتصف بالجواز. و لازم لو قبل بعده، فليس له الرد بعد القبول إلا على القول بكون القبض شرطا للزوم، فجائز قبله و لو بعد القبول و إنما يلزم بعده. و بالجملة- فهو جائز من طرف الموصي مطلقا، و من طرف الموصى له في الجملة.

و يدل على الأول: النصوص المستفيضة (1) و الإجماع- بقسميه- و محكيّه فوق حدّ الاستفاضة، فله الرجوع عن الكل أو البعض، و تغيير الوصي أو الموصى له، و إبدال الموصى به بغيره أو العين بالمنفعة أو العكس و لو شك في الرجوع- و لو للشك في دلالة لفظ أو فعل عليه- فالأصل عدمه الحاكم على أصالة عدم الانتقال الى الموصى له، مع كونها معارضة بمثلها بالنسبة إلى ورثة الموصي، فيبقى الأول سليما عن المعارض، لو لم نقل بالحكومة في أمثال ذلك من مجاري الأصول و قلنا بالتعارض بين الأصل في السبب و الأصل في المسبب (2).

[يتحقق الرجوع بأمرين: بالقول، و بالفعل]

و يتحقق الرجوع بأمرين: بالقول، و بالفعل.

[أما الأول فيتحقق بكل لفظ دال عليه]

أما الأول فيتحقق بكل لفظ دال عليه بإحدى الدلالات (3) نحو رجعت عن وصيتي، أو أبطلتها

____________

(1) التي منها- رواية ابن مسكان: «عن أبي عبد اللّه (ع) قال قضى أمير المؤمنين (ع) أن المدبّر من الثلث و أن للرجل أن ينقض وصيته فيزيد فيها و ينقص منها ما لم يمت» كما في الوسائل: كتاب الوصايا، باب 18 من أبواب أحكام الوصايا. و غيرها في هذا الباب كثير.

(2) و لكن الحق أن الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي و مذهب لموضوعه، و أن الأصل المسببي في طول الأصل السببي لا في عرضه فكيف يتعارضان؟ و التفصيل في علم الأصول.

(3) أي الثلاثة: المطابقة و التضمن و الالتزام، كما هي مفصلة في علم المنطق‌

49

أو عدلت عنها، أو نقضتها أو فسختها، أو غيّرتها أو بدّلتها. و نحو ذلك مما يكون صريحا أو كالصريح في الدلالة عليه و لو قال: «هو تركتي» لم يكن رجوعا، لأن الموصى به من التركة، إذ ليس معنى التركة إلا كونها مالا، مات عنه المالك، لا خصوص ما يرثه الوارث.

[أما الثاني فيتحقق بالتصرف فيه]

و أما الثاني فيتحقق بالتصرف فيه بما يكون مفاده به مضادا لمفاد الوصية، و هو يتحقق بأمور:

[الأول إتلاف الموصى به]

(الأول): إتلاف الموصى به كما لو أوصى بطعام فأكله، فإنه كالتلف السماوي في انتفاء الموضوع.

[الثاني إزالة الملك عنه، منجزا]

(الثاني): إزالة الملك عنه، منجزا كالعتق أو معلقا كالتدبير سواء قلنا بكونه عتقا معلقا على الموت أو وصية بالعتق. و بحكمه المكاتبة- مطلقة كانت أو مشروطة-، و ليس الإعراض عن الموصى به كالتحرير في المنافاة للوصية، و إن قلنا بصيرورته مباحا بالإعراض، لامتناع تعلق الملك بالمعتق بعد حريته، و ليس كذلك المباح لإمكان تعلّقه به بالحيازة و نحوها، فلا موجب لبطلان الوصية، إذ ليس إزالة الملك بنفسها رجوعا إلا بدعوى اشتراط صحة الوصية ببقاء ملك الموصي إلى الموت، و هي ممنوعة، بل هو كذلك، و ان حازه غير الموصى له في حياة الموصي، لسقوط الحيازة عن التأثير حينئذ بتعلق حق الموصى له به و لو بنحو ملك أن يملك فهو قبل الموت من المباح المتعلّق به حق، و إن لم يكن مملوكا بعد كحق التحجير في المباح قبل الأحياء، بل ليس للموصي إبطال الوصية بعد الإعراض لأن جواز الابطال من شئون ملكيته، و المفروض زوال الملك بالإعراض و ان لم يملكه الموصى له قبل موته و ان حازه، لانتفاء شرط الملك و هو الموت، مع احتمال تملكه بها قبله و ان انضم اليه بعد الموت سبب آخر للتملك و هو الوصية، كما لعلّه الأظهر، و يحتمل بطلانها بسبب التملك

50

بالحيازة نظير بطلان زوجية الأمة بملك اليمين. ثم على هذا القول: لو رجع المعرض عن إعراضه لا يعود ملكه بنية الرجوع، لأنه كالأجنبي. و لا كذلك لو قلنا بكون المعرض عنه بحكم المباح- كما اخترناه في محله- و ان سبقه غيره باليد عليه، لسقوط اليد عن التأثير، لتعلّق حق الموصى له به و كفاية نية الرجوع في انتفاء حكم المباح لبقائه على الملكية بالفرض. و أولى بذلك ما لو قيل- بما عليه المشهور- من بقاء الملكية و إباحة التصرف و لو بعد الحيازة.

[الثالث إيجاد ما يمنع عن نفوذ الوصية]

(الثالث): إيجاد ما يمنع عن نفوذ الوصية كإيلاد الأمة الموصى بها لأنها تنعتق على ولدها، إلا إذا مات ولدها في حياة الموصي لزوال المانع حينئذ عن صحة الوصية، و الوطء غير مانع كتزويجها، لان ذلك من شئون الملكية في الحياة و غير مضاد بنفسه حتى يكون دالا على الرجوع و لا يتوهم أن إرث الولد أمه فتنعتق عليه في مرتبة ملك الموصى له لها بالوصية مع اتحاد زمان السببين و هو موت الموصي، فمانعيّته ليست بأولى من مانعية العكس، لان تشبث الإيلاد أقوى و أشد تأثيرا من تشبث الموصى له بالملك بسبب الوصية، و ان قلنا بكونه ملك أن يملك، و لذا لا يجوز بيع أم الولد إلا في موارد مخصوصة، و يجوز نقل ما اوصى به و سائر تصرفاته المنافية للوصية، و ان ملك بها أن يملك.

[الرابع نقله إلى غيره بعقد لازم]

(الرابع): نقله إلى غيره بعقد لازم أو جائز كالبيع و الصلح و الهبة مع الإقباض، و غير ذلك مما كان مفاده مضادا لمفاد الوصية و إن عاد اليه بفسخ أو إقالة أو رجوع، من غير فرق بين صحة العقد و بطلانه مطلقا: علم بفساده أو جهله، إذ الدلالة في الثاني على الرجوع إنما هي من حيث التسليط لا حصول التسلط و عدم ترتب الأثر الذي هو معنى فساد

51

العقد، إنما هو من حيث عدم التسلط لا عدم التسليط الذي به يتحقق الرجوع.

نعم لو كان نقله مع الغفلة عن الوصية بحيث لو كان ملتفتا الى سبق الوصية لم يقع منه ذلك: فان كان صحيحا نفذ و بطلت الوصية، و ان كان باطلا، فعن المشهور هنا و في نظائره إبطال الوصية به أيضا لكونه رجوعا عرفا بل عقلا، لأن إرادته مستلزمة لإرادة عدم الوصية التي هي ضده، فإن الشي‌ء لما توقف وجوده على عدم ضده كانت إرادته مستلزمة لإرادة مقدمته، و هي عدم الضدّ، فكأنه صرح بإرادة عدم الوصية، و ليس الفرق إلا الإجمال و التفصيل في الإرادة.

و نوقش فيه بأن ذلك مسلم فيما إذا لم يكن مسبوقا بفعل ضدّه المنافية صحته لصحته بحيث لو كان ملتفتا إليه لما فعله، بخلاف ما لو كان مسبوقا به لإمكان الفرق- بين سبق الإرادة إلى شي‌ء ثم إرادة ضده، غفلة عن الإرادة السابقة، كما فيما نحن فيه، و بين حدوث إرادة الشي‌ء غفلة عن مصلحة ضده التي لو التفت إليها لأراد الضد- بأن الإرادة السابقة مركوزة في ذهنه في الأول، و ان أراد ضده غفلة، بخلاف الثاني، إذ لم تحصل إرادة، و لا عبرة بالمصلحة الداعية إليها على تقدير الالتفات. و لذا صرح بعضهم بأنه لو نوى الصوم ثم اعتقد فساده فنوى الأكل لم يفسد الصوم، و ان قلنا بأن نية الإفطار مفسدة، و كذا لو نوى قطع الصلاة لاعتقاد فسادها فان ذلك لا ينافي استمرار النية في الصوم و الصلاة.

و يمكن دفعها- بعد الفرق بين الإرادتين- المسبوقة بإرادة غيرها و غير المسبوقة- في كون مريد الشي‌ء مريدا لترك ضده، و صدق العدول بالثانية عن الأولى التي لولاها لكانت باقية مستدامة، و عدم بطلان الصوم و الصلاة مع اعتقاد الفساد بمجرد نية الأكل، و القطع بفعل المنافي ما لم

52

يفعلهما انما هو لاعتقاد الفساد و أنه لا صوم أو لا صلاة باعتقاده، لا أنه عدول عن الصحيح و إبطال له حتى ينافي شرط الاستدامة، و لذا هؤلاء يقولون بالبطلان بمجرد نية الابطال ما لم يكن مسبوقا باعتقاد الفساد لانتفاء استدامة النية حينئذ.

ففي التنظير نظر، و التعليل عليل، فظهر بذلك قوة ما عن المشهور:

من كون ذلك رجوعا عن الوصية و إبطالا لها.

[الخامس فعل مقدمة أمر]

(الخامس): فعل مقدمة أمر إن تم كان مفاده مضادا لمفاد الوصية كالتوكيل على بيع الموصى به، و هبته قبل القبض، فان ذلك عند العرف يعدّ رجوعا عن الوصية، و ليس مجرد العوض على البيع- ما لم يكن منجزا- من الرجوع عرفا.

[السادس انقلاب ماهيته الى ماهية أخرى]

(السادس): انقلاب ماهيته الى ماهية أخرى كانقلاب الحنطة قصيلا ما لم يعلم تعلق الوصية بخصوص المادة و ان تغيرت صورتها النوعية، و ان عاد الى ما كان أولا كالمصّعد من ماء الورد- مثلا- فإنه كالعود اليه بالفسخ أو الإقالة، لأنه بالانتقال تبطل الوصية، و عودها موقوف على وصية جديدة، فضلا عما لو تولد منه بالانتقال غيره. و في صدق الرجوع بالمزج الرافع للتميز بأجود منه دون غيره أو العدم مطلقا؟ قولان و الثاني هو الأقوى، و ان أوجب الشركة الحكمية.

[السابع تسليط الغير على إتلافه]

(السابع): تسليط الغير على إتلافه و لو على تقدير كالأرهان، ضرورة مضادة نفس الاقدام عليه كذلك لمفاد الوصية و ان فكّه، بخلاف العكس و هو الوصية بالعين المرهونة، فإن مرجعها إلى الوصية بها بعد الفك، فتكون وصية عهدية.

[المسألة السابعة]

(المسألة السابعة)

[لا تثبت الوصية العهدية بشهادة النساء]

لا تثبت الوصية التي هي بمعنى إعطاء الولاية على التصرف في الأموال أو على المجانين و الأطفال بعد الموت أو الوصية

53

بالإيصاء كذلك (1) بشهادة النساء، لا منفردات، و لا منضمات الى العدل الواحد.

أما الأولى: فلاختصاص قبول شهادتهن كذلك بما يخفى- غالبا- على الرجال كعيوب النساء و نحوها و خصوص الوصية- كما يأتي.

و أما الثانية: فإنها تقبل شهادتهن مع الانضمام فيما إذا كانت الدعوى على مال أو متعلقة بالمال، و ليست الولاية بشي‌ء منهما، بل تثبت بشهادة عدلين كغيرها من الحقوق.

[تثبت الوصية بالمال بشهادة امرأتين أو ذميين مع فقد العدل]

نعم تثبت الوصية بالمال (2) دون كونه وصيا بشاهد و امرأتين كغيرها من الدعاوي المالية، بل بشاهد و يمين، للملازمة بينهما، فكل مورد قبل فيه أحدهما قبل فيه الآخر. نعم تختص هي- دون غيرها- في الثبوت بشهادة الذميين مع الضرورة و عدم عدول المسلمين، إجماعا- بقسميه- بل كما قيل: لا خلاف فيه. و الاخبار به مستفيضة، بل هي متواترة معنى و الأصل فيه قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ: لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ

____________

(1) و هي الوصية العهدية التي معناها: أن يعهد الموصي إلى شخص أو أكثر بعد موته بتنفيذ ما يريد تنفيذه في شئون نفسه أو في شئون ما يتعلق به من القاصرين.

(2) أو بما يؤول اليه- و هي الوصية التمليكية. فمثبتاتها: منه ما هو متفق عليه بين الفقهاء كشاهدين عدلين، و شاهد و امرأتين، و منه ما هو مختلف فيه كشاهد و يمين المدعي، و شهادة أربع نساء، و شهادة اثنتين مع يمين المدعي و شهادة الذميين و الشهرة، بتفصيل يتضمنه المتن.

54

فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً فَآخَرٰانِ يَقُومٰانِ مَقٰامَهُمٰا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيٰانِ، فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اسْمَعُوا وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰاسِقِينَ (1) و هو كالصريح في قبول شهادة غير المسلمين عند تعذر العدلين- بعد تنزيل قيد السفر فيه على الغالب من وقوع التعذر فيه دون الحصر- و الا فيقتضي التخيير بينهما في السفر، و هو من المقطوع عدمه.

مضافا الى ظاهر التعليل في الصحيح: «هل تجوز شهادة أهل ملة ممن غير أهل ملتهم؟ قال: نعم إذا لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم إنه لا يصلح ذهاب حق أحد» (1) بعد تقييده بما دل على اشتراط كونهما ذميين كما يقيد به إطلاق الآية، و بعض النصوص المطلقة نحو ما روي عن المشايخ الثلاثة- (قدس اللّه أرواحهم)-: «عن يحيى بن محمد قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قول اللّه تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال: اللذان منكم: مسلمان، و اللذان من غيركم: من أهل الكتاب فان لم تجدوا من أهل الكتاب، فمن المجوس، لان رسول اللّه (ص) سن في المجوس سنة أهل الكتاب في الجزية ..» (2) إلا انه- كما قيل-

____________

(1) الوسائل كتاب الوصايا، باب 20 من أبواب أحكام الوصايا حديث (3): (و عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سألته: هل تجوز ..)

____________

(1) سورة المائدة: الآيات: (106، 107، 108).

(2) المصدر الآنف من الوسائل حديث رقم (6).