دروس تمهيدية في القواعد الفقهية - ج1

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
209 /
7

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[مقدمة المؤلف]

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على اشرف الخلق محمد و على اهل بيته الطيبين الطاهرين.

ان الميّزة البارزة في دراساتنا الحوزوية دقة البحث و عمقه من جانب، و شموليته و استيعابه من جانب آخر. و هو ثري من هاتين الناحيتين.

بيد ان كثيرا من الجواهر و اللآلئ فيه مكنوزة تحتاج الى غواص يخرجها بالفاظ عذبة و منهجة مريحة.

و قد جاءت محاولتنا في القواعد الفقهية تنحو هذا المجال، و لا ندري كم هي موفقة في ذلك.

و كانت بذور المحاولة مجموعة محاضرات القيت خلال عامين على مجموعة من طلابنا الاعزاء في حوزة اهل البيت (عليهم السلام) و مدينتهم المقدسة قم المباركة.

و تعميما للفائدة قصدنا نشرها لتكون دروسا تمهيدية في القواعد‌

8

الفقهية، و ليتمكن الطالب من خلال المرور بها على استيعاب تلك القواعد التي سوف يواجهها في بحوث مرحلة الخارج بشكل اكبر دقة و عمقا و شمولا، و لنكون بذلك قد قدّمنا بعض الخدمة لحوزاتنا العلمية، و خففنا عن كاهلنا قسما من المسؤولية التي نشعر بها في اعماق انفسنا، و لنحوز بذلك ذرة من رضا مولانا و سيدنا و الحجة من قبل اللّه سبحانه علينا الحجة بن الحسن روحي و ارواح العالمين له الفداء. و لئن كنا موفقين في هذا المجال فذلك من توفيق اللّه سبحانه و الا ففي بقية الاخوة كامل الآمل.

باقر الايرواني‌

19 ربيع الثاني 1417 ه‍- قم المقدسة‌

9

المدخل

يجدر بنا قبل أن ندخل في صميم البحث عن القواعد الفقهية الاطلاع على ما يلي:

مدى أهمية البحث عن القواعد الفقهية

لا نكون مبالغين إذا قلنا بأن البحث عن القواعد الفقهية لا يقلّ في الأهمية عن البحث في القواعد الاصولية، فالقواعد الاصولية تكمن أهميتها من خلال وقوعها في طريق استنباط مجموعة من الأحكام الفقهية، و كذلك الأمر في القواعد الفقهية؛ فالفقيه يستعين بها في تحصيل مجموعة من الأحكام الفقهية.

فالمصلّي إذا نسي قراءة الفاتحة أو السورة في صلاته أو صلّى بدون وضوء أو اقتدى بشخص و اتضح كونه فاسقا أو اتضح كونه يصلّي نافلة أو ... ان هذه و أمثالها يمكن للفقيه أن يستحصل على‌

10

حكمها من خلال قاعدة لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود.

ان القاعدة المذكورة تدلّ على انّه متى ما حصل الإخلال بواحد من الخمسة المذكورة وجبت إعادة الصلاة، دون ما اذا حصل الإخلال بغيرها؛ فنسيان الحمد أو السورة لا يبطل الصلاة، لأنّه ليس أحد الخمسة المذكورة، و هكذا الصلاة خلف شخص اتضح كونه فاسقا أو يصلّي نافلة، بخلاف ما اذا صلّى بدون وضوء فان صلاته باطلة لأن الطهور أحد الخمسة المستثناة.

و على هذا المنوال يمكن أن نخرج بأحكام أخرى كثيرة بتوسط القاعدة المذكورة.

هذه واحدة من القواعد الفقهية. و على منوالها قواعد أخرى كثيرة لا تقلّ عنها أهمية.

فهل ترى بعد هذا استغناء الفقيه عن بحث القواعد المذكورة؟

تاريخ البحث في القواعد الفقهية

و الفقهاء لم يولوا القواعد الفقهية اهتماما كما أولوا القواعد الأصولية ذلك، فالقواعد الأصولية أ فردوها بالبحث و بعلم مستقل تحت عنوان علم أصول الفقه، و أخذ هذا العلم بالتطور تدريجا و بمرور الزمن حتى بلغ القمة في وقتنا الحاضر، بينما لا نجد هذا المعنى في القواعد الفقهية، فهي لم تفرد ببحث مستقل و انما يبحثها الفقيه في علم الأصول و بشكل استطرادي، أو في الفقه و بمناسبات خاصة.

فقاعدة لا ضرر بحثها الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في أصوله المسمى‌

11

بالرسائل، فبعد أن أنهى بحثه في البراءة و الاشتغال تعرّض إلى بحث آخر تحت عنوان خاتمة في شرائط جريان الأصول العملية، فذكر ان أصل البراءة لا يجري إلّا اذا فحص المجتهد عن الأدلة الاجتهادية الى حدّ اليأس عن العثور على دليل للحكم، انّه آنذاك يمكنه اجراء أصل البراءة، و إلّا فقبل الفحص لا يمكنه اجراء الأصل المذكور، ثم أخذ يتدرج في البحث المذكور حتى وصل إلى نقل رأي عن الفاضل التوني يقول فيه: ان من شرائط جريان البراءة عدم كون المورد مشمولا لقاعدة لا ضرر. و أخذ الشيخ بمناقشة الرأي المذكور، و لما أنهى مناقشته قال:

انّه لا بأس ان نبحث القاعدة المذكورة بشكل مستقل. و أخذ ببحثها، و تابعه على ذلك من جاء بعده.

ان القاعدة المذكورة نجدها قد بحثت في علم الأصول و لم تبحث في الفقه، فضلا عن إفرادها و اخواتها بعلم مستقل.

و هكذا نجد الأمر في مثل أصالة الصحة و قاعدة الفراغ و التجاوز قد بحثها الشيخ الأعظم في رسائله بمناسبة خاصة، و واكبه على ذلك من تأخّر عنه.

هذا شأن بعض القواعد الفقهية، و بعضها الآخر يبحثها الفقيه استطرادا في أبحاثه الفقهية كقاعدة لا تعاد أو نفي العسر و الحرج أو قاعدة اليد و القرعة و ...

و لعلّ أول من فكّر في افراد القواعد الأصولية ببحث مستقل هو الشهيد الأول في كتابه المعروف بالقواعد و الفوائد الذي طبع طبعة محققة في جزءين؛ و لكن الكتاب المذكور ليس ممحضا في القواعد الفقهية، بل يذكر قواعد أخرى أجنبية عن الفقه هي أشبه باللغوية أو‌

12

الأدبية أو الكلامية أو الأصولية.

فمثلا يذكر في القاعدة الأولى تفسير الفقه لغة و شرعا، و في القاعدة الثانية أقسام الحكم الشرعي، و في القاعدة الثالثة ان العبادات تتصف بالأحكام الخمسة ما عدا الاباحة، فالصلاة مثلا تكون واجبة أو مستحبة أو مكروهة أو محرّمة و لا تكون مباحة، و هذا بخلاف العقود فانها تتصف بجميع الأحكام الخمسة، و على هذا المنوال يذكر قواعد أخرى كثيرة.

و من هنا نجد ان تسمية الكتاب جاءت بالقواعد و الفوائد، فلم تقيد القواعد بالفقهية و عطفت الفوائد على القواعد.

و على أي حال ان بحث الكتاب المذكور عن القواعد الفقهية أمر نادر، و اذا بحثها اتفاقا بحثها بالشكل المناسب لتلك الفترة الزمنية، فهو لا يذكر مدرك القاعدة و جهات البحث فيها و كيفية الاستفادة منها.

و جاءت في الآونة الأخيرة بعض المحاولات الجيدة في هذا المجال؛ أخص من بينها بالذكر: القواعد الفقهية للسيد البجنوردي، و القواعد الفقهية للشيخ الشيرازي، و مائة قاعدة للسيد المصطفوي.

و لا ننسى الالتفات الى أن الفترة المتوسطة بين عصر الشهيد الأول و الآونة الأخيرة اشتملت على بعض المؤلفات الأخرى المخطوطة و المطبوعة.

فمن المطبوعة: عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام و مهمات مسائل الحلال و الحرام للشيخ النراقي، إلّا أنّه ليس بمستوعب لها، بل هو يشتمل على عشر قواعد تقريبا، و أكثره ناظر الى فوائد أخرى من قبيل البحث عن ولاية الفقيه، و تحقيق حال كتاب الفقه الرضوي،

13

و استعراض بعض الفوائد الرجالية؛ من قبيل: بيان معنى اسند عنه أو الفرق بين الكتاب و الأصل و النوادر، أو بيان معنى فلان مولى فلان، إلى غير ذلك.

و من الكتاب المخطوطة بعض الرسائل الخاصة بالقواعد الفقهية التي أشار لها الشيخ آقا بزرك في الذريعة، كرسالة السيد محمد مهدي القزويني، و رسالة المولى محمد جعفر الأسترابادي و غير ذلك.

القاعدة الفقهية و الفارق بينها و بين القاعدة الأصولية

في مجال التفريق بين القاعدة الفقهية و القاعدة الأصولية يمكن أن تقدم عدّة فوارق قد يكون بعضها قابلا للمناقشة، إلّا اننا نترك ذلك الى مستوى أعلى.

1- ان القاعدة الفقهية قاعدة تشتمل على حكم شرعي عام يستفاد من تطبيقها الحصول على أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام، بينما القاعدة الاصولية قاعدة تستبطن حكما عاما يستفاد من خلال تطبيقها استنباط أحكام شرعية كلية مغايرة لذلك الحكم العام.

مثال ذلك: قاعدة الطهارة التي هي قاعدة فقهية و التي تنص على أن كل شي‌ء يشك في نجاسته فهو محكوم بالطهارة.

انّ هذه القاعدة تتضمن حكما شرعيا عاما، و اذا طبقناها على مواردها لم نحصل على أحكام أخرى تتغاير و مضمونها، بل على أحكام تتفق و مضمونها، بيد أنها أضيق فاذا كان لدينا ملابس نشك في نجاستها، فمن خلال تطبيقها عليها نحكم بأنها طاهرة. و الحكم هذا‌

14

بالطهارة على الملابس التي يشك في نجاستها هو بنفسه مضمون قاعدة الطهارة و ليس شيئا غيره؛ غايته انّه أضيق و خاص بالملابس.

و هذا بخلاف قاعدة حجيّة خبر الثقة التي هي قاعدة أصولية، فانّه من خلال تطبيقها نستفيد حرمة العصير العنبي اذا غلى فيما اذا دلّ خبر ثقة على ذلك، و الحرمة المذكورة ليست مصداقا لمضمون حجيّة خبر الثقة، بل هما شيئان متغايران تمام التغاير، إلّا ان أحدهما يستنبط منه الثاني و يستحصل عليه من خلاله.

اذن القاعدة الفقهية حكم شرعي عام تستفاد من خلال تطبيقها أحكام شرعية جزئية هي مصاديق لذلك الحكم العام، بخلافه في القاعدة الأصولية فان ما يستحصل عليه منها هي أحكام شرعية مغايرة لذلك الحكم العام.

و يمكن أن نعبّر عن هذا الفارق الأول بتعبير ثان و هو ان القاعدة الفقهية يستفاد منها في مجال التطبيق على مصاديقها، بينما القاعدة الأصولية يستفاد منها في مجال الاستنباط.

2- ان القاعدة الفقهية تقدّم لنا من خلال تطبيقها أحكاما جزئية بخلاف القاعدة الأصولية فإنها تقدم لنا أحكاما كليّة. فبتطبيق قاعدة الطهارة و على مواردها نستفيد ان هذا الماء طاهر، و ذاك الطعام طاهر (1) بينما نستفيد من خلال تطبيق قاعدة حجيّة خبر الثقة أن العصير العنبي الكلي إذا غلى حرم، لا أن هذا العصير أو ذاك العصير الخاص يحرم إذا غلى.

____________

(1) يمكن التأمل في ذلك باعتبار انه قد يستفاد من القاعدة الفقهية حكم كلي كطهارة الحديد لو شككنا في طهارته في نفسه.

15

3- ان القاعدة الفقهية يتعهد بتطبيقها المكلّف العامي دون المجتهد، فالمجتهد يقدّم الى العامي كبرى قاعدة الطهارة و يقول له: انّ كلّ شي‌ء مشكوك النجاسة هو طاهر، اما ان هذا أو ذاك هو مشكوك النجاسة و من ثمّ هو طاهر فوظيفته راجعة إلى العامي، فهو الذي يقول:

هذا الطعام الذي في بيتي مشكوك النجاسة فهو طاهر. و لا يبقى منتظرا الرجوع إلى المجتهد ليتصدى للدور المذكور. هذا في مثل قاعدة الطهارة.

أما مثل كبرى حجيّة خبر الثقة فتطبيقها على مواردها وظيفة المجتهد، فهو الذي يبحث عن الخبر الدال على حرمة العصير و يبحث عن وثاقة الراوي و يطبق كبرى حجية خبر الثقة عليه بعد ثبوت كونه ثقة (1).

المسألة الفقهية و القاعدة الفقهية

بعد أن عرفنا الفرق بين القاعدة الفقهية و القاعدة الأصولية قد تسأل عن الفارق بين المسألة الفقهية و القاعدة الفقهية؟

و الجواب: ان الفارق هو أن موضوع الأولى خاص، بخلاف موضوع الثانية فانّه عام، فمثلا قولنا: «الصلاة واجبة» و «شرب الخمر محرم» مسألة فقهية، فالأولى خاصة بموضوع الصلاة، و الثانية خاصة بموضوع شرب الخمر.

و هذا بخلاف قولنا «كلّ شي‌ء لك طاهر حتى تعلم بأنّه نجس»‌

____________

(1) يمكن أن يورد على هذا الفارق بأن بعض القواعد الفقهية لا يمكن للعامي تطبيقها، مثل لا ضرر و لا تعاد و ...

16

فانّه قاعدة فقهية، حيث ان موضوعه عام و له جنبة شمولية لموضوعات متعددة و لم يؤخذ فيه موضوع معين.

و أما المسألة الأصولية و القاعدة الأصولية فهما واحد و لا فرق بينهما.

ما به الاشتراك و الامتياز

و من خلال ما سبق اتضح ان القاعدة الفقهية تلتقي مع القاعدة الاصولية في نقطة، و تفترق عنها في نقطة أخرى.

اما نقطة الالتقاء فهي ان كلتا القاعدتين لهما جنبة شمولية لأكثر من مسألة واحدة و لا تختصان بمورد معين.

و اما نقطة الافتراق فهي ان القاعدة الأصولية يستنبط منها حكم شرعي مغاير لها، بينما القاعدة الفقهية يستحصل من خلال تطبيقها على أحكام لا تغاير مضمونها، بل هي جزئيات و مصاديق لمضمونها الكلي.

القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين

حيث ذكرنا فيما سبق ان القاعدة الفقهية ترجع في حقيقتها إلى حكم شرعي عام، له سعة و شمولية لمجموعة مسائل فقهية هي بمنزلة المصاديق له يتضح أن القواعد الفقهية لا تنحصر في عدد معين بل يمكن من خلال مراجعة الرسائل العملية لفقهائنا العظام الحصول على قواعد فقهية كثيرة من قبيل قاعدة «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أو «البينة على من ادّعى و اليمين على من أنكر» أو «ان دين اللّه‌

17

أحق بالقضاء من دين الناس» أو «من حاز ملك» أو «كل شرط نافذ إلّا ما خالف الكتاب العزيز و مقتضى العقد» أو «ما على المحسنين من سبيل» و ....

القاعدة الفقهية على قسمين

و القواعد الفقهية على قسمين، فبعضها يختص بباب واحد، و بعضها يعمّ أكثر من باب.

مثال الأول: قاعدة لا تعاد، فانها خاصة بباب الصلاة، و قاعدة الطهارة فانها خاصة بباب الطهارة، و قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و بالعكس، فانها خاصة بباب المعاملات.

و مثال الثاني: قاعدة لا ضرر، و قاعدة نفي العسر، فانهما تعمّان أبوابا مختلفة.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

قاعدة لا تعاد

1- مضمون القاعدة

2- مدرك القاعدة

3- عدم شمول القاعدة للعامد

4- هل تختص بالناسي

5- هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه

6- معذورية العامد في بعض الحالات

7- هل تختص القاعدة بحالة الفراغ

8- عموم القاعدة لحالة الزيادة

9- نكتة عدم الإشارة إلى بعض الأركان

10- ما المراد بالطهور

11- هل تعم القاعدة الموانع

12- تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

توجد في باب الصلاة عدّة قواعد؛ من قبيل قاعدة لا تعاد، و قاعدة الفراغ و التجاوز، و قاعدة الحيلولة، و قاعدة لا شك لكثير الشك، و قاعدة عدم تحمل الركعتين الأوليين للسهو و ....

و نحن ننتخب الآن أهمها، و هما قاعدتان: قاعدة لا تعاد، و قاعدة الفراغ و التجاوز.

و نمنهج حديثنا حول قاعدة لا تعاد ضمن النقاط التالية:

1- مضمون القاعدة.

2- مدرك القاعدة.

3- عدم شمول القاعدة للعامد.

4- هل تختص بالناسي؟

5- هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه؟

6- معذورية العامد في بعض الحالات.

7- هل تختص القاعدة بحالة الفراغ؟

22

8- عموم القاعدة لحالة الزيادة.

9- نكتة عدم الاشارة الى بعض الأركان.

10- ما المراد بالطهور؟

11- هل تعمّ القاعدة الموانع؟

12- تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد.

1- مضمون القاعدة

و المقصود من قاعدة لا تعاد: ان من ترك بعض أجزاء الصلاة و شرائطها فصلاته لا تبطل، إلّا إذا كان الجزء أو الشرط من قبيل الركوع و السجود و الطهارة من الحدث و القبلة و الوقت.

ان الاخلال اذا كان بواحد من هذه الخمسة فالصلاة تبطل، حتى و لو كان الاخلال عن سهو أو جهل، اما اذا كان بغيرها فلا تبطل.

و ان شئت قلت: ان الاخلال اذا كان بأحد الأركان فالصلاة تبطل و إلّا فلا.

و اذا قلت: ان التكبير و القيام هما من الأركان أيضا فلما ذا لم يذكرا؟ كما ان الطهارة و القبلة و الوقت ليسا من الأركان فلما ذا ذكرت؟

قلت: ان الجواب يأتي فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2- مدرك القاعدة

و المدرك للقاعدة المذكورة هو صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و التي رواها الصدوق في خصاله تارة، و في الفقيه أخرى، كما رواها الشيخ الطوسي في تهذيبه.

23

ففي الخصال رواها الصدوق عن أبيه عن سعد عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود. ثم قال (عليه السلام): القراءة سنة، و التشهد سنة، و التكبير سنة، و لا تنقض السنّة الفريضة» (1).

و في الفقيه قال: «و روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود، ثم قال: القراءة سنّة، و التشهد سنّة، و لا تنقض السنّة الفريضة» (2).

و في التهذيب: «روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود. ثم قال: القراءة سنّة، و التشهد سنّة، فلا تنقض السنّة الفريضة» (3).

و الرواية صحيحة السند، فانها بطريق الشيخ و ان كانت قابلة للتأمل (4) إلّا انها بكلا طريقي الصدوق هي معتبرة (5). و يكفينا لاعتبار‌

____________

(1) الوسائل، الباب 1 من أ فعال الصلاة ح 14.

(2) الفقيه 1: 255.

(3) التهذيب 2: 152.

(4) لأن الطريق الذي ذكره الشيخ الى زرارة في الفهرست: 75 يمرّ بابن أبي عمير عن بعض أصحابه حيث قال «أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن سعد بن عبد اللّه و الحميري عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عنه».

هذا مضافا الى ان زرارة لم يكن له إلّا كتاب واحد و هو كتاب الاستطاعة و الجبر. و الشيخ حينما يذكر طريقه في الفهرست الى زرارة يذكر طريقه الى هذا الكتاب. و من البعيد أن الرواية المذكورة موجودة فيه. و على هذا فالرواية مرسلة.

(5) اما طريق الخصال فواضح لأن وثاقة نفس الصدوق و والده أبين من الشمس.

و اما سعد فهو كما قال النجاشي: «شيخ هذه الطائفة و فقيهها و وجهها».

24

الرواية صحّة أحد طرقها.

توضيح اجمالي

ورد في الرواية التعبير ب‍ «السنة» و «الفريضة». و يراد من مصطلح السنّة عادة ما سنّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و شرّعه، و من مصطلح الفريضة ما شرّعه اللّه سبحانه و فرضه.

و على هذا فالمعنى ان الركوع و بقية الخمسة واجبات فرضها اللّه سبحانه في حين أن بقية الأجزاء سنّها و شرّعها النبي (صلّى اللّه عليه و آله). و أي خلل يقع فيما فرضه اللّه سبحانه تبطل به الصلاة، بينما الخلل الواقع فيما سنّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا تبطل به الصلاة و لا يؤثر على صحّة ما فرضه اللّه سبحانه.

و هناك باب خاص قد عقده الشيخ الكليني في الكافي (1) تحت عنوان «باب التفويض إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إلى الأئمة (عليهم السلام) في أمر‌

____________

و أما أحمد بن محمد بن عيسى فهو كما قال الشيخ الطوسي: «شيخ قم و وجيها و فقيهها غير مدافع».

«و اما الحسين بن سعيد فهو كما قال الشيخ «صاحب المصنفات الأهوازي ثقة».

«و اما حماد فهو غريق الجحفة و الذي قال عنه النجاشي «كان ثقة في حديثه صدوقا».

و أما حريز فهو ثقة كوفي على حد تعبير الشيخ.

و اما زرارة فهو شيخ أصحابنا في زمانه و متقدمهم على حدّ تعبير النجاشي.

هذا بالنسبة الى طريق الخصال.

و اما طريق الفقيه فقد ذكر الصدوق في المشيخة المذكورة آخر الجزء الرابع من الفقيه هكذا: أبي رضي اللّه عنه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن محمد بن عيسى بن عبيد و الحسن بن ظريف و علي بن اسماعيل بن عيسى كلّهم عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة بن أعين. و جميع السلسلة المذكورة هم من الثقات.

(1) الكافي 1: 265.

25

الدين» يدلّ على ثبوت السلطة التشريعية للرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

3- عدم شمول الحديث للعامد

ينبغي أن يكون من الواضحات عدم شمول الحديث للمتعمد ترك الجزء أو الشرط، فان عدم وجوب الاعادة خلف فرض الجزئية و الشرطية، إذ كيف تجتمع جزئية الشي‌ء و شرطيته مع عدم بطلان العمل بتركه عمدا.

هذا مضافا الى انصراف التعبير ب‍ «لا تعاد» إلى من اعتقد اتيانه الصلاة بكامل متطلباتها ثمّ التفت بعد ذلك الى وقوع الخلل فيها.

و من الغريب ما نقله الميرزا في تقريرات صلاة تلميذه الكاظمي (1) من ذهاب بعض الى شمول الحديث في نفسه لكلّ مكلّف، غايته ان العامد خرج بالإجماع حيث قام على بطلان صلاته (2).

4- هل تختص بالناسي

لا اشكال في ان القدر المتيقن من الحديث هو الناسي، و انما الكلام وقع في شمولاه للجاهل.

اختار جمع؛ منهم الميرزا (قدّس سرّه) الاختصاص بالناسي و قرّب ذلك على ما في تقريرات الصلاة لتلميذه الكاظمي (3) بأن الجاهل حيث لم‌

____________

(1) التقريرات 2: 193.

(2) و في القواعد الفقهية للسيد البجنوردي 1: 62 نسبة دعوى امكان شمول الحديث للعامد الى الشيخ محمد تقي الشيرازي (قدّس سرّه).

(3) التقريرات 2: 194.

26

يأت بالواجب الثابت عليه واقعا فلا يخاطب بخطاب أعد أو لا تعد، بل بخطاب ائت بالسورة أو بالتشهد أو ... و هذا بخلاف الناسي فانّه حيث لا يكون مكلّفا حالة النسيان بما نساه لعدم امكان تكليف الناسي- من جهة عدم قدرته على فعل المنسي حالة نسيانه، و هذا بخلاف الجاهل فإن جهله لا يسلب قدرته على فعل الجزء- فمن المناسب توجيه الأمر بالإعادة له، فيقال له: أعد أو لا تعد (1).

و فيه: انه بناء على هذه التدقيقات يلزم عدم شمول الحديث للناسي أيضا، لأنّه ما دام لم يكلف بالسورة التي نساها فلا معنى لأن يقال له: أعد، فإن الأمر بالإعادة فرع وجود أمر سابق.

و الصحيح شمول الحديث للجاهل، لأنّه نسب الإعادة إلى الصلاة فقال لا تعاد الصلاة، و من الواضح ان الصلاة حيث أتي بها أولا بلا سورة مثلا، فمن الوجيه حينئذ التعبير بالإعادة نظرا إلى الاتيان بها سابقا.

5- هل تعمّ الجاهل بكلا قسميه

بعد التسليم بشمول الحديث للجاهل نسأل هل هو خاص بالجاهل القاصر أو يعمّ المقصّر أيضا؟

ذكر السيد الخوئي في المستند (2) انّه خاص بالقاصر لأن ظاهره التعرّض لحكم من هو معذور و ليس مكلفا بشي‌ء لو لا اتضاح الحال له‌

____________

(1) و قد نقل السيد الخوئي التقريب المذكور عن الميرزا فراجع التنقيح 1: 50، و فقه الشيعة 1: 225، و المستند 6: 17.

(2) المستند 6: 18.

27

و انه لم يأت ببعض الأجزاء، و من الواضح ان الجاهل المقصّر تجب عليه الإعادة بحكم العقل سواء انكشف له الخلاف أم لا، لتنجز التكليف الواقعي عليه و عدم كونه معذورا بعد فرض تقصيره.

و فيه: انه لا فرق بين المقصر و القاصر، فانّه بعد انكشاف الخلاف و انه لم يؤت ببعض الأجزاء فمن اللازم عليهما معا الإعادة، و قبل انكشاف الخلاف لا يجب عليهما الإعادة فيما اذا كانا قاطعين بالتمامية.

أجل الفرق بينهما يظهر في الجاهل البسيط بمعنى المتردد، فان المقصّر يلزمه التعلم بخلاف القاصر فانه لا يلزمه، و إلّا لم يكن قاصرا، إلّا ان هذا مطلب آخر لا ربط له بما نحن فيه.

و قد يقال بعدم الشمول للجاهل المقصّر بتقريب ان الحديث لو شمله كما شمل القاصر يلزم اختصاص الأحكام بخصوص العالمين بها و هو خلف فرض ضرورة الاشتراك.

و فيه: ان عدم الاشتراك لا محذور فيه بعد دلالة الدليل عليه- و هو اطلاق حديث لا تعاد- كما لم يكن فيه محذور في مثل مسألة الجهر و الاخفات و القصر و التمام.

على ان عدم وجوب الإعادة لعلّه من باب الاكتفاء بالناقص عن التام في مقام الامتثال، و ليس من باب اختصاص الحكم ابتداء بالعالم.

و عليه فدعوى الشمول للجاهل المقصّر أمر وجيه لو لا شبهة الاجماع على عدم معذورية الجاهل المقصّر من هذه الناحية.

و يؤيد الاجماع حكمهم بتخصيص معذورية الجاهل بخصوص مسألة الجهر و الاخفات و القصر و التمام، فان ذلك يدلّ على عدم‌

28

معذوريته في غير ذلك.

6- معذورية العامد في بعض الحالات

ذكرنا ان الحديث لا يشمل العامد. و نستدرك الآن لنقول: ان الحديث يشمل العامد فيما اذا كان إخلاله العمدي عن عذر، كما لو اقتدى بشخص باعتقاد انّه عادل و ترك قراءة الحمد و السورة، ثم اتضح انّه فاسق؛ ان ترك القراءة في هذه الحالة عمدي، إلّا انّه عن عذر حيث تخيّل عدالة الامام و تحمله القراءة.

و هكذا لو كان المكلف يصلّي منفردا فأتى في الركعة الثانية بالتسبيحات بتخيل انها الركعة الثالثة.

أو اقتدى بشخص بتخيل انّه يصلّي فريضة فاتضح انّه يصلّي نافلة، فان الصلاة محكومة في الحالات المذكورة بالصحة، إذ الخلل اما من ناحية نيّة الاقتداء بمن لا يصح الاقتداء به، أو من ناحية ترك القراءة عن عمد و اختيار، و كلاهما لا يضرّ لقاعدة لا تعاد.

ثم ان الوجه في شمول الحديث لحالة الترك العمدي عن عذر هو ان ما تقدّم من الوجهين السابقين لعدم الشمول لحالة العمد لا يعمّ الحالة المذكورة، فالمنافاة مع جزئية الجزء أو شرطية الشرط لا تلزم، كما ان الانصراف المدعى لا يتم هنا.

7- هل تختص القاعدة بحالة الفراغ

تارة يصلّي المكلف و بعد الفراغ منها يتضح له الخلل فيها بترك جزء أو شرط، كما اذا انكشف له عدم ستر عورته، و أخرى يتضح له‌

29

ذلك في أثناء العمل.

أما الحالة الأولى فهي القدر المتيقن من الحديث.

و اما الحالة الثانية فقد يقال بعدم شمول الحديث لها، لأن التعبير بالإعادة يدلّ على ضرورة الفراغ من العمل و إلّا فلا معنى للإعادة و عدمها. و هكذا التعبير بالصلاة يدلّ على إرادة تمام الصلاة.

و فيه: ان لفظ الصلاة كما يصدق على المجموع يصدق على البعض أيضا، فيقال مثلا: لا تتكلم في صلاتك، أي أثناءها و قبل اكمالها.

و التعبير بإعادة الصلاة كما يصح بلحاظ تمام الصلاة، كذلك يصح بلحاظ بعضها.

و عليه فمقتضى اطلاق الحديث شمولاه للحالة الثانية أيضا و عدم اختصاصه بالاولى.

8- عموم القاعدة لحالة الزيادة

تارة يكون الاخلال في الصلاة بسبب ترك جزء أو شرط و أخرى يكون بسبب زيادة ذلك.

و القدر المتيقن من الحديث هو الأول. و قد وقع الاختلاف في شمولاه لحالة الزيادة فقيل بعدم الشمول، لأن ثلاثة من الخمسة- و هي الوقت و القبلة و الطهور- لا يتصور فيها الزيادة.

و الصحيح هو الشمول.

اما بناء على ما هو المعروف من ان حذف المتعلق يدلّ على العموم فالأمر واضح، إذ الحديث لم يقل: لا تعاد الصلاة من النقيصة إلّا في خمسة، بل حذف المتعلق و قال: لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة.

30

و اما بناء على التشكيك في دلالة حذف المتعلق على العموم فيمكن التمسك بعموم التعليل و ان السنة لا تنقض الفريضة، ان هذا التعليل لا يتناسب و خصوص النقيصة بل يلتئم مع الزيادة أيضا، و واضح ان عموم التعليل قرينة على عموم الحكم المعلل و عدم اختصاصه بحالة النقيصة.

و من الغريب ما ذكره بعض (1) من ان التعليل يدلّ على الاختصاص بالنقيصة إذ المقصود منه ان الأجزاء التي فرضها اللّه سبحانه متى ما تحققت فلا يضرّ فقد غيرها.

و فيه: ان تفسير التعليل بهذا الشكل الضيق تفسير لا وجه له.

و اما ما استدلّ به من ان ثلاثة من الخمسة لا يتصور فيه الزيادة فيمكن دفعه بأن ذلك قرينة على عدم إرادة الزيادة في خصوص الثلاثة المذكورة، و لا يصلح قرينة على عدم إرادتها في مطلق الخمسة.

9- نكتة عدم الاشارة لبعض الأركان

نحن نعرف ان الأركان لا تختص بالركوع و السجود، بل النيّة و التكبير و القيام هي من جملة الأركان أيضا، فلما ذا لم يشر لها الحديث؟

و نعرف ان الوقت و القبلة و الطهارة من الحدث ليست من الأركان فلما ذا لم يذكرها الفقهاء من جملة الأركان بالرغم من ذكر الحديث لها؟

و الجواب: أما بالنسبة الى نكتة الاقتصار على الركوع و السجود‌

____________

(1) و هو الشيخ ناصر مكارم في قواعده الفقهية 1: 527.

31

فلعل ذلك من جهة ان العمل من دون نيّة لا يصدق عليه صلاة، فالمكلّف اذا لم ينو الصلاة لا يصدق انه دخل في الصلاة حتى يحكم عليه بإعادة الصلاة، و اذا لم يكبّر لم يتحقق منه الدخول في الصلاة حتى يحكم عليه بالإعادة أو بعدمها.

و اما القيام فالمعروف ان الركن منه هو القيام المتصل بالركوع، أي الذي يكون قبل الركوع بلحظة. و لعل عدم ذكره من باب ان تركه بشكل مستقل عن ترك الركوع لا يتحقق عادة، بل ان ترك القيام السابق على الركوع بلحظة يلازم ترك الركوع، و حيث ان الركوع قد أشير اليه في الحديث فلا حاجة للإشارة الى القيام.

و هناك قيام ثان قيل بركنيته و هو القيام حالة تكبيرة الاحرام.

و لعل عدم ذكره هو من باب عدم تحقق عنوان تكبيرة الاحرام بدونه، فإن العنوان المذكور متقوم بالقيام.

و اما ان الفقهاء لم يحكموا على الطهارة و القبلة و الوقت بالركنية بالرغم من انها مذكورة في النص، فلعلّ ذلك من جهة ان الركن لدى الفقهاء مصطلح يختص بالأجزاء التي تبطل الصلاة بتركها و لو عن سهو، و واضح ان الطهارة و القبلة و الوقت ليست أجزاء للصلاة، و انما هي شرائط لها.

10- ما المراد بالطهور؟

هل المقصود بالطهور خصوص الطهارة الحدثية أو ما يعمّ الطهارة الخبثية؟

قد يقال: بأن المراد هو الأعمّ أو لا أقل أن الكلمة مجملة و مرددة‌

32

بين إرادة الأعم أو خصوص الحدثية؛ الأمر الذي لازمه عدم امكان الاستدلال بالحديث على الصحة في موارد فوات الطهارة الخبثية، و الظاهر إرادة خصوص الطهارة الحدثية، لأن حديث لا تعاد اشتمل على ذيل و هو «القراءة سنّة و التشهد سنّة، و لا تنقض السنة الفريضة» فإن المراد بالفريضة ما ثبت بتشريع اللّه سبحانه، و بالسنّة ما ثبت بتشريع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و واضح ان الذي ثبت بتشريع اللّه سبحانه هو اعتبار الطهارة الحدثية دون الخبثية؛ قال تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... (1) و اما الطهارة الخبثية فقد دلّت على اعتبارها الروايات دون القرآن الكريم.

لا يقال: قد دلّ القرآن الكريم على اعتبار الطهارة من الخبث بقوله: وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (2).

فانّه يقال: ليس المراد من الأمر- فطهّر- طلب الطهارة الشرعية بل الطهارة العرفية بمعنى النظافة في مقابل القذارة العرفية، فإنّه كما قيل: النظافة من الايمان.

11- هل تعم القاعدة الموانع؟

ان الصلاة مركبة من أجزاء و شرائط و عدم موانع معينة كعدم القهقهة و عدم التكلّم.

و الحديث يشمل الأجزاء و الشرائط قطعا و ذلك هو القدر المتيقن‌

____________

(1) المائدة: 6.

(2) المدثر: 4.

33

منه. و اما عدم الموانع فقد يشكك في ذلك (1). فاذا ضحك المصلّى أو لبس ما لا يصح له لبسه و نحو ذلك، فلا يمكن تصحيح صلاته بالقاعدة المذكورة.

و الوجه في ذلك: ان العناوين المذكورة في المستثنى هي اما من قبيل الأجزاء كالركوع و السجود أو من قبيل الشرائط كبقية الخمسة، و ليس شي‌ء منها من قبيل عدم المانع.

هذا مضافا الى ان الامام (عليه السلام) في مقام التعليل قال: «ان القراءة سنّة و التشهد سنّة ...» و لم يذكر ما هو من قبيل عدم المانع.

و فيه: ان القادح بصحة الصلاة اذا كان منحصرا بالخمسة المذكورة فهل يبقى توقع ذكر ما هو من قبيل عدم المانع.

و اما الاقتصار في مقام التعليل على التشهد و القراءة فذلك من باب المثال، و إلّا فالترتيب و الموالاة شرط و مع ذلك لم يشر لهما.

و في الحقيقة ان الذي يقرأ الرواية يفهم من لهجتها الشمول؛ خصوصا و ان التعليل فيها يدلّ على ان فرض اللّه لا يحكم عليه بالبطلان بسبب غيره، سواء كان من قبيل اختلال الشرط أو من قبيل وجود المانع.

12- تطبيقات على ضوء قاعدة لا تعاد

ما هو الحكم في الفروع التالية على ضوء قاعدة لا تعاد؟

1- شخص صلّى العشاء قبل المغرب بتخيل اداء المغرب أو‌

____________

(1) من جملة من شكك في ذلك الشيخ ناصر مكارم في قواعده الفقهية 1: 523.

34

صلّى العصر قبل الظهر بتخيل اداء الظهر.

2- شخص كان يقلّد مجتهدا يقول بوجوب اداء الصلاة قصرا ثم قلّد ثانيا من يقول بوجوب التمام.

3- صلّى المكلف و هو لا يدري ان على بدنه أو ملابسه بعض أجزاء حيوان لا يحلّ أكل لحمه شرعا، كشعر القط مثلا.

4- لو نسي المكلف الركوع قبل تجاوز المحل- أي قبل الدخول في السجود- أو بعده.

5- لو سبّح المصلي بدل القراءة في الركعة الأولى أو أتى بتشهد فيها.

6- اذا اتضح عدم صحّة قراءة الامام بعد فترة من الزمن، أو عدم صحّة قراءة المكلف نفسه لو كان يصلّي فرادى.

7- اذا اتضح للمأموم ان الامام امرأة أو فاسق، أو يوجد حائل بينهما يمنع من صدق الجماعة؟

8- امرأة كانت تغتسل غسل الحيض قبل انقضاء حيضها فترة من الزمن.

9- شخص كان يغتسل أو يتوضأ فترة من الزمن و على بعض أعضائه حائل ثم التفت.

10- شخص كان يغسل أعضاء وضوئه ثلاث مرّات ثم التفت الى عدم جواز ذلك.

11- ما حكم من تيمم بدل الوضوء باعتقاد ضيق الوقت ثم انكشف سعته؟ و ما هو حكم العكس، أي من توضأ بدل التيمم باعتقاد سعة الوقت ثم انكشف الخلاف؟

35

قاعدتا الفراغ و التجاوز

1- مضمون القاعدتين‌

2- مدرك القاعدتين‌

3- قاعدتان أو قاعدة واحدة‌

4- عموم القاعدتين لغير الصلاة و الوضوء‌

5- استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز‌

6- هل يعتبر الدخول في الغير‌

7- ما المراد من الغير‌

8- احتمال الالتفات‌

9- تطبيقات‌

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

من القواعد المهمة التي يستفيد منها الفقيه كثيرا قاعدتا الفراغ و التجاوز، و قد جرت عادة الأعلام على جمعهما بالبحث في مورد واحد للتقارب الشديد بينهما.

و نمنهج الحديث عنهما كما يلي:

1- مضمون القاعدتين.

2- مدرك القاعدتين.

3- قاعدتان أو قاعدة واحدة.

4- عموم القاعدتين لغير الصلاة و الوضوء.

5- استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز.

6- هل يعتبر الدخول في الغير‌

7- ما المراد من الغير؟

8- احتمال الالتفات.

9- تطبيقات.

38

1- مضمون القاعدتين

وقع الاختلاف بين الأعلام في مضمون القاعدتين و كيفية التفرقة بينهما، فذهب جمع منهم الشيخ النائيني الى ان قاعدة الفراغ ناظرة الى الشك في صحة الكلّ، بينما قاعدة التجاوز ناظرة الى الشك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق (1).

توضيح ذلك: إنّ شكّ المصلّي في صحة صلاته له صورتان، فتارة يشك بعد فراغه من صلاته في صحتها؟ و أخرى يشك و هو في أثنائها في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق كأن يشك في الركوع بعد ما سجد مثلا.

فإن شك في صحة صلاته بعد فراغه منها حكم بصحتها. و هذا هو مضمون قاعدة الفراغ.

و إن شك في الجزء السابق بعد الدخول في اللاحق حكم بتحقق ما سبق و عدم الاعتناء بالشك. و هذا هو مضمون قاعدة التجاوز.

هذا ما ذهب اليه جمع من الأعلام.

و ذهب جمع ثان؛ منهم السيّد الخوئي (2) الى ان المصلي تارة يشك في صحة ما أتى به بعد جزمه بإتيانه به سواء كان ما شك في صحته هو الكل أو الجزء، و أخرى يشك في أصل اتيانه بالشي‌ء.

ففي الحالة الأولى يحكم عليه بصحة ما أتى به. و ذلك هو مضمون قاعدة الفراغ من دون تخصيصها بالشك في صحة الكلّ، بل‌

____________

(1) أجود التقريرات 2: 465.

(2) مصباح الأصول 3: 277.

39

تعمّ الشك في صحة الجزء أيضا.

و في الحالة الثانية يحكم بتحقق الجزء المشكوك. و ذلك مضمون قاعدة التجاوز.

و ان شئت قلت: انه على الرأي الثاني يكون مضمون قاعدة الفراغ الحكم بصحة ما اتي به، و مضمون قاعدة التجاوز الحكم بتحقق ما شك في اتيانه.

بينما على الرأي الأول يكون مضمون قاعدة الفراغ الحكم بصحة الكلّ بعد الفراغ منه، و مضمون قاعدة التجاوز الحكم بتحقق الجزء السابق عند ما يكون الشك أثناء العمل.

و قد وقع الاختلاف في ان القاعدتين المذكورتين هل ترجعان من حيث الروح الى قاعدة واحدة أو إلى قاعدتين. و سنوضح ذلك فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

2- مدرك القاعدتين

الأخبار الواردة في المقام على نحوين فبعضها ناظر الى الحكم بوجود الشي‌ء المشكوك و بعضها الآخر ناظر الى الحكم بصحة الشي‌ء المشكوك.

فمن النحو الأول: صحيحة زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل شك في الاذان و قد دخل في الاقامة. قال: يمضي.

قلت: رجل شك في الاذان و الاقامة و قد كبّر. قال: يمضي.

قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ. قال: يمضي.

قلت: رجل شك في القراءة و قد ركع. قال: يمضي.

40

قلت: شك في الركوع و قد سجد. قال: يمضي على صلاته.

ثم قال: يا زرارة اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء» (1).

و بمضمونها صحيحة اسماعيل بن جابر فقد روى عن أبي جعفر (عليه السلام) ما نصه: «ان شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض. و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض. كلّ شي‌ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 1.

و الرواية صحيحة السند لأن صاحب الوسائل رواها كما يلي: محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن زرارة.

اما محمد بن الحسن فهو الشيخ الطوسي الذي لا يحتاج لشهرته الى توثيق.

و أما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري «شيخ قم و وجيهها و فقيهها غير مدافع».

و أما أحمد بن محمد بن أبي نصر فهو البزنطي الذي قال الشيخ الطوسي في حقه «ثقة جليل القدر».

و اما حمّاد و حريز و زرارة فقد تقدم حالهم.

يبقى علينا ملاحظة سند الشيخ الطوسي الى أحمد بن محمد بن عيسى، و هو محلّ كلام بين الأعلام.

وسائل الشيعة: الباب 13 من أبواب الركوع ح 4.

(2) و الوجه في كونها صحيحة السند: ان الحر رواها هكذا: و باسناده عن سعد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن عبد اللّه بن المغيرة عن اسماعيل بن جابر.

و المقصود من قوله «و باسناده» أي و باسناد الشيخ الطوسي عن سعد بن عبد اللّه الأشعري.

و سند الشيخ الطوسي الى سعد صحيح لأنّه ذكر في مشيخة التهذيب 10: 74 ان ما أرويه عن سعد فقد أخبرني به الشيخ (رحمه اللّه)- أي المفيد- عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين-

41

و من النحو التالي:

أ- موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1).

ب- صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كل ما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض و لا تعد» (2).

____________

يعني الصدوق- عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه.

و أما سعد نفسه فقد تقدّم عن النجاشي انّه «شيخ هذه الطائفة و فقيهها و وجهها».

و أما أحمد بن محمد بن عيسى فقد تقدّم عن الشيخ الطوسي انّه «شيخ قم و وجيهها و فقيهها غير مدافع».

و أما والد أحمد الذي اسمه محمد بن عيسى الأشعري فهو على ما قال النجاشي «شيخ القميين، وجه الأشاعرة، متقدم عند السلطان».

و أما عبد اللّه بن المغيرة فهو على ما قال النجاشي: «ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته و دينه و ورعه».

و اما اسماعيل بن جابر فقد قال عنه الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الباقر «ثقة ممدوح».

(1) وسائل الشيعة: الباب 23 من أبواب الخلل ح 3.

و انما كانت موثقة لأن في سندها عبد اللّه بن بكير و هو فطحي و لكنه ثقة.

و قد رواها في الوسائل هكذا: و عنه عن صفوان عن ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام).

و ضمير «عنه» يرجع الى الحسين بن سعيد المذكور في السند السابق. أي و عن الشيخ الطوسي بإسناده الى الحسين بن سعيد.

اما الحسين بن سعيد فهو ثقة.

و اما عبد اللّه بن بكير فهو على ما قال الشيخ «فطحي إلّا انّه ثقة».

و اما صفوان فهو ثقة سواء كان صفوان بن مهران الجمال أو صفوان بن يحيى.

و اما محمد بن مسلم فهو كما قال النجاشي: «وجه أصحابنا بالكوفة فقيه ورع».

يبقى طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد. و هو صحيح. راجع مشيخة التهذيب 10: 63.

(2) وسائل الشيعة: الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ح 2.

42

و بمضمونها صحيحته الأخرى (1).

ج- موثقة بكير بن أعين قال: «قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ.

قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (2).

____________

(1) المصدر السابق ح 3.

(2) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 7.

و هي على ما رواه في الوسائل هكذا: و بإسناده- أي الشيخ الطوسي بقرينة ما سبق عليها من الروايات- عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان بن عثمان عن بكير بن أعين.

اما الحسين بن سعيد فقد تقدم انّه ثقة.

و اما فضالة فهو فضالة بن أيوب و قد قال عنه النجاشي: «كان ثقة في حديثه مستقيما في دينه».

و اما ابان بن عثمان فقد عدّه الكشي ممن أجمع على تصديقهم. و لأجل كونه ناووسيا عدت الرواية موثقة.

و اما بكير بن أعين فقد ورد بطريق صحيح ان الامام الصادق (عليه السلام) قال عنه لما بلغه موته:

«اما و اللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه و أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما)».

ثم ان موثقة بكير مضمرة، أي لم يذكر فيها الشخص المسؤول و انه الامام (عليه السلام) حيث قيل «قلت له ...». و لعل الضمير يرجع الى غير الامام (عليه السلام)، و معه تسقط الرواية عن الاعتبار.

و هناك كلام بين الأعلام يرتبط بالمضمرات و انّها حجّة أو لا.

و المشهور هو التفصيل بين ما اذا كان الشخص المضمر من أجلاء الرواة الذين لا يليق بهم السؤال من غير الامام (عليه السلام)- كزرارة و محمد بن مسلم و ...- فتكون مضمراته حجّة، و بين غيره فلا تكون حجّة.

و الصحيح حجيّة مطلق المضمرات بالبيان التالي: ان العرب لا يذكرون الضمير مجردا عن مرجع يرجع اليه بل متى ما ذكروا الضمير ذكروا معه المرجع الذي يرجع إليه، اما ذكره مجردا عن المرجع فهو أمر غير مألوف، اللّهم إلّا اذا فرض وجود عهد خاص بين الطرفين يستندان إليه في إرجاع الضمير.

و على هذا الأساس نقول ان ذكر بكير بن أعين للضمير من دون مرجع يرجع اليه لا يكون وجيها إلّا اذا افترضنا وجود شخص معهود يرجع اليه الضمير، و من الواضح انه لا يوجد شخص يليق أن يكون معهودا إلّا الامام (عليه السلام) فيتعين رجوع الضمير اليه. و هو المطلوب.

43

هذا هو المهم من الروايات. و يوجد غيرها كثير.

مستندات أخرى

و قد حاول البعض تجميع مستندات أخرى للقاعدتين المذكورتين- من قبيل التمسك بتسالم الفقهاء أو اصالة الصحة أو قاعدة نفي العسر و الحرج أو السيرة- إلّا انّها قابلة للمناقشة. و المهم هو الأخبار المتقدمة.

3- قاعدة واحدة أو قاعدتان

وقع الاختلاف بين الاعلام في أن القاعدتين المذكورتين هل ترجعان من حيث الروح الى قاعدة واحدة، و الاختلاف بينهما ليس إلّا‌

____________

و إذا قيل: لعلّ زرارة مثلا هو المعهود بين الطرفين و يقصدان إرجاع الضمير إليه دون الامام (عليه السلام).

كان الجواب: ان بكير حينما سجل الرواية في أصله أو نقلها للآخرين كان قاصدا بذلك ايصال الرواية الى الأجيال المستقبلية و عدم احتكارها على نفسه و الطرف الثاني الذي وقع طرفا للحوار، و مع افتراض توجّه نظره الى الأجيال فلا بد من تعيين المرجع و عهده لدى الجميع، و ليس هو إلّا الامام (عليه السلام).

ثم ان بعض المضمرات قد يشتمل على نكتة خاصة اضافية تصلح لتشخيص كون المسؤول هو الامام؛ من قبيل: ما ورد في رواية علي بن مهزيار، قال: كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل و انه أصاب كفّه برد نقطة من البول ... فأجابه بجواب قرأته بخطه ... الباب 42 من النجاسات.

ان السيّد الخوئي في التنقيح 2: 376 ذكر ان سليمان بن رشيد حيث اننا لا نعرفه فالرواية ساقطة عن الاعتبار إذ لعلّه كان قاضيا من قضاة الجمهور و سأل من أئمة مذهبه.

ان هذا الكلام يمكن أن يورد عليه بأن الرواية تشتمل على خصوصية تعين كون المسؤول هو الامام (عليه السلام) و هي تعبير ابن مهزيار «قرأته بخطه»، ان تأكيد رؤية خط المسؤول لا معنى له إلّا إذا كان المقصود اني رأيت خط الامام (عليه السلام).

44

من قبيل اختلاف مصاديق الشي‌ء الواحد أو ان كلّ قاعدة هي مستقلة عن الاخرى.

و ما هي الثمرة لهذا البحث؟ انها تظهر في بعض النقاط الآتية كما سيتجلى ان شاء اللّه (1).

و الآراء في هذا المجال ثلاثة:

1- ما يظهر من الشيخ في الرسائل في الموضع السادس من المواضيع السبعة التي بحثها في قاعدة الفراغ و التجاوز (2)، حيث ذكر ان القاعدتين ترجعان الى التعبد بشي‌ء واحد و هو التعبد بوجود العمل الصحيح. فمن شك في صحة العمل بعد الفراغ منه يكون شاكّا في وجود العمل الصحيح، و قاعدة الفراغ تعبده بوجود العمل الصحيح، و من شك في الاتيان بالجزء السابق بعد دخوله في الجزء اللاحق يكون شاكا في الاتيان بالجزء الصحيح و قاعدة التجاوز تعبده بوجوده.

اذن المجعول في كليهما هو التعبد بمفاد كان التامة، أي التعبد بأصل وجود الشي‌ء.

و اذا قيل بأن التعبد في قاعدة التجاوز انما هو بأصل وجود الجزء و ليس بوجوده الصحيح.

كان الجواب: ان التعبد بأصل وجود الشي‌ء دون وجوده الصحيح لغو.

و لم يذكر الشيخ وجها للاستدلال على ذلك.

و الميرزا (قدّس سرّه) أورد على مختار الشيخ أربع مناقشات ثم أخذ‌

____________

(1) أحد تلك المواضع ما يأتي: 49، 54.

(2) راجع الرسائل: 414 من طبع رحمت اللّه.

45

بدفعها فراجع أجود التقريرات (1).

2- ما اختاره الميرزا من ان المجعول من قبل الشارع هو قاعدة الفراغ فقط، أي الحكم بصحة العمل بعد الفراغ منه، غايته ان الشارع نزّل جزء العمل بمنزلة تمام العمل في الحكم بصحته و عدم الاعتناء بالشك من ناحيته.

و ذكر في توجيه ذلك: ان موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) تقول: «إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء انّما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» (2)، و المستفاد من قوله: «إذا كنت في شي‌ء لم تجزه» ان المدار على الفراغ من الشي‌ء و الخروج عنه من دون فرق بين الوضوء و الصلاة، فمتى ما فرغ المكلف من الشي‌ء بكامله فشكّه ليس بشي‌ء، و اذا لم يفرغ منه بالكامل فلا بدّ ان يعتني لشكه.

هذا و لكن في باب الصلاة بالخصوص و لمثل صحيحة زرارة الواردة في أجزاء الصلاة و التي قيل في آخرها: «كلّ شي‌ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» استفدنا ان الشارع نزّل في خصوص باب الصلاة كلّ جزء منها منزلة تمام العمل في عدم الاعتناء بالشك بعد الانتهاء عنه، و ان كان المناسب لو لا التنزيل المذكور الاعتناء بالشك لفرض عدم الفراغ من العمل بالكامل (3).

3- ما اختاره جمع من الأعلام منهم السيد الخوئي من أن‌

____________

(1) أجود التقريرات 2: 465- 467.

(2) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 2.

(3) أجود التقريرات: 468.

46

المجعول من قبل الشارع هو قاعدة التجاوز فقط، فالشارع حكم بأن الشك في وجود الجزء بعد تجاوز محله لا يعتنى به، و اما الشك في الصحة بعد الفراغ فهو مسبب دائما عن الشك في وجود الجزء أو الشرط للمركب، فالتعبد بالصحة بعد الفراغ يرجع الى التعبد بمنشإ الصحة و هو وجود القيد المشكوك (1).

عالم الاثبات و عالم الثبوت

ثم ان البحث في وحدة القاعدتين و تعددهما تارة يلحظ بالنسبة الى عالم الثبوت بأن يقال: هل يمكن ثبوتا و واقعا اتحاد القاعدتين أو لا؟

و كلامنا السابق كان ناظرا الى هذا العالم. و تقدم ان الميرزا قال:

المجعول هو قاعدة الفراغ فقط، و السيد الخوئي قال: ان المجعول هو قاعدة التجاوز فقط.

و أخرى يلحظ بالنسبة الى عالم الاثبات و الأدلة بأن يقال اننا لو رجعنا الى الروايات فهل يستفاد منها وحدة القاعدتين أو تعددهما.

و بلحاظ هذا العالم اختلف الميرزا و السيد الخوئي أيضا، فالميرزا (2) ذكر ما نصه: «ان روايات الباب آبية عن حملها على جعل قاعدتين مستقلتين، فان الرجوع اليها يشرف الفقيه على القطع بكون المجعول فيها أمرا واحدا ينطبق على موارد الشك في الأجزاء و الشك بعد العمل، فان اتحاد التعبير في موارد الأخبار الواردة في موارد التجاوز عن الأجزاء و الفراغ عن العمل يوجب القطع بوحدة القاعدة المجعولة، فالمقصود هو ضرب قاعدة كلية و هو عدم الاعتناء بالشك‌

____________

(1) مصباح الأصول 3: 271.

(2) أجود التقريرات 2: 467.

47

في تحقق المشكوك بعد تجاوز محله من دون فرق بين كون المشكوك وجود الجزء بعد تجاوز محله أو الكل بعد الفراغ عنه».

بينما السيد الخوئي ذكر ما نصه: «المستفاد من ظواهر الأدلة كون القاعدتين مجعولتين بالاستقلال، و ان ملاك إحداهما غير ملاك الأخرى، فان ملاك قاعدة الفراغ هو الشك في صحة الشي‌ء مع احراز وجوده، و ملاك قاعدة التجاوز هو الشك في وجود الشي‌ء بعد التجاوز عن محله» (1).

الصحيح من الاحتمالين

و لا يبعد كون الصحيح ما أفاده الشيخ الأعظم من كون المجعول قاعدة واحدة و هي البناء على صحة العمل الواقع خارجا أعم من كونه تمام العمل أو جزأه و أعم من كون الشك في أصل الوجود أو في صحة الموجود.

هكذا نقول. و لا نقول كما قاله الميرزا من كون المجعول هو قاعدة الفراغ فقط، أي البناء على صحة تمام العمل، كما و لا نقول بما ذكره السيد الخوئي من كون المجعول هو قاعدة التجاوز فقط و البناء على تحقق الوجود المشكوك.

أجل الشيخ الأعظم يظهر منه ان متعلق التعبد هو البناء على وجود العمل الصحيح بنحو مفاد كان التامة، و نحن نقول: ان بالامكان ان يدعى ان متعلق التعبد هو البناء على صحة العمل الواقع بنحو مفاد كان الناقصة، فلا يرد الاشكال بأن التعبد بوجود العمل الصحيح بنحو‌

____________

(1) مصباح الأصول 3: 279.

48

مفاد كان التامة ليس محلا للآثار، فان الآثار الشرعية مترتبة على صحة العمل الواقع لا على وجود العمل الصحيح.

و على أي حال: ان ظاهر الروايات هو ما أفاده الشيخ الأعظم؛ خصوصا لو قرأنا موثقة محمد بن مسلم التي تقول: «كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه و لا إعادة عليك فيه» (1) فانها ظاهرة في لزوم البناء على الصحة في الجزء و الكل معا.

4- عموم القاعدتين لغير الصلاة و الوضوء

وقع البحث في عموم القاعدتين لغير باب الصلاة و الوضوء، فالحج مثلا هل يمكن تطبيق ذلك عليه؟ سؤال اختلفت الاجابة عنه.

و المناسب أن يقال:

اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ فينبغي الجزم بعمومها، فان موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قالت: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (2)، تشمل بعمومها مثل الحج.

و هكذا موثقة بكير بن أعين «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (3)، فان النكتة المذكورة للزوم الحكم بالصحة بعد الفراغ تعم مثل الحج.

و عليه فلا ينبغي التشكيك في عمومها لبقية العبادات غير الصلاة و الوضوء، بل يمكن ان يقال بشمول موثقة ابن مسلم لباب‌

____________

(1) تقدم في: 42.

(2) المتقدمة في: 41.

(3) المتقدمة في: 42.

49

المعاملات أيضا.

و اما بالنسبة الى قاعدة التجاوز فيمكن أن يقال بعمومها أيضا فيما اذا بني على أحد الأمور التالية:-

أ- القول بوحدة القاعدتين بالشكل الذي أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، فانه بناء على ان الكبرى المجعولة فيهما واحدة، و ان الاختلاف بين قاعدة الفراغ و التجاوز ليس إلا من قبيل اختلاف مصاديق الشي‌ء الواحد، انّه بناء على هذا يلزم بعد البناء على عمومية قاعدة الفراغ البناء على عمومية قاعدة التجاوز أيضا. و هذا من أحد ثمرات البحث عن تعدد القاعدتين و وحدتهما.

ب- القول بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع من انعقاد الاطلاق، فانّه بناء عليه يمكن التمسك بإطلاق القاعدة التي ذكرها الامام (عليه السلام) في آخر صحيحة زرارة (1) حيث قال (عليه السلام): «يا زرارة اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء».

ج- القول بوجود عموم لموثقة ابن مسلم: «كلّ ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» للشك في صحة الجزء أو أصل وجوده و عدم اختصاصه بالشك في صحة المركب بعد الفراغ منه.

5- استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز

بعد البناء على شمول قاعدة التجاوز لجميع العبادات و عدم اختصاصها بالصلاة نعود لنستدرك من ذلك الوضوء، فإن من شك في‌

____________

(1) المتقدمة في: 40.

50

الجزء السابق من الوضوء بعد الانتقال الى الجزء اللاحق يلزمه العود اليه و الاتيان به بشكل صحيح، سواء كان شكّه في أصل الاتيان به أو في صحته.

أجل اذا فرغ من الوضوء و طرأ عليه الشك بعد ذلك فلا يعتدّ بشكّه.

اذن الوضوء شذّ عن قاعدة التجاوز و لم يشذّ عن قاعدة الفراغ.

و المستند في استثناء الوضوء من قاعدة التجاوز صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت الى حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شي‌ء عليك فيه ...» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء ح 1.

و هي صحيحة السند لأن الحر العاملي رواها هكذا: محمد بن الحسن عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن أحمد بن إدريس و سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).

اما محمد بن الحسن فهو الشيخ الطوسي و هو غني عن التعريف.

و اما المفيد فهو غني عن التعريف أيضا.

و أما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي هو من مشايخ المفيد، و لم يذكر في حقه توثيق، و لذلك وقع محلا للكلام.

و اما محمد بن الحسن بن الوليد فهو «شيخ القميين و فقيههم و متقدمهم و وجههم» على ما قال النجاشي.

و أما أحمد بن إدريس و سعد بن عبد اللّه فيكفينا وثاقة أحدهما، و من حسن الصدفة وثاقة

51

الوضوء و قاعدة الفراغ

و بعد أن عرفنا عدم جريان قاعدة التجاوز في باب الوضوء فهل الأمر في قاعدة الفراغ كذلك، أي لا تجري في الوضوء كما لم تجر قاعدة التجاوز؟

المناسب جريانها لعدم الموجب لاستثناء الوضوء من عمومها، و المفروض ان عمومها- المستفاد من موثقة محمد بن مسلم كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (1)- شامل للوضوء.

الغسل و التيمم

و هل الغسل و التيمم ملحقان بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز في أجزائهما؟

المنسوب الى الشيخ الأعظم الإلحاق بتقريب ان النكتة التي من أجلها لم تجر قاعدة التجاوز في الوضوء هي ان الواجب في باب الوضوء هو الطهارة المسببة عن الغسلات و المسحات، و الغسلات و المسحات ما هي إلّا محصّل لتحقق الطهارة، و حيث ان الطهارة الواجبة‌

____________

(1) كليهما فان أحمد بن ادريس هو المكنى بأبي علي الأشعري الذي قال النجاشي عنه «كان ثقة فقيها في أصحابنا كثير الحديث صحيح الرواية» و هو شيخ الكليني، و قد أكثر في الكافي الرواية عنه.

و سعد بن عبد اللّه قد تقدمت الإشارة له ص 23.

و اما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى، و قد تقدمت الاشارة له و بقية رجال السند ص 24.

ثم ان الرواية لها سند ثان ذكره الحر العاملي آخر الرواية. و لئن كانت هي بهذا السند قابلة للتشكيك في صحتها من ناحية أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد و لكنها بالسند الثاني صحيحة.

(1) راجع: 41.

52

أمر بسيط و ليست مركبة من أجزاء فلذا لم يجر الشارع فيها قاعدة التجاوز.

و ان شئت قلت: اذا أريد اجراء قاعدة التجاوز في باب الوضوء ففيم تجري؟ هل تجري في نفس الطهارة، و هذا لا معنى له لأنها أمر بسيط، أو في الغسلات و المسحات، و هذا لا معنى له أيضا لأنها ليست بنفسها واجبة بل هي محصلة للواجب. و عليه فالشك في حصول بعض الغسلات و المسحات يستلزم الشك في تمامية تحقق المحصّل للواجب، و واضح ان الشك في المحصّل مجرى للاحتياط.

هذه هي النكتة التي من أجلها لم تجر قاعدة التجاوز في الوضوء، و هي عامة للتيمم و الغسل أيضا و لا تختص بالوضوء، و معه فالمناسب عدم جريان قاعدة التجاوز في الغسل و التيمم أيضا.

و الصحيح عدم إلحاق الغسل و التيمم بالوضوء لأنّه حتى لو سلمنا بالمبنى الذي يرتكز عليه هذا البيان و هو ان الواجب في باب الطهارات الثلاث هو الطهارة المسببة دون نفس الغسلات و المسحات، فبالامكان ان نقول ان كون الغسلات و المسحات محصلا للطهارة الواجبة و ليست بنفسها مركز الوجوب لا يشكّل مانعا من جريان قاعدة التجاوز فيها، لأن مجرد كونها ليست واجبة بل محصلة للواجب لا يمنع من جريان القاعدة فيها.

و معه فاذا كان لدليل قاعدة التجاوز اطلاق يشمل الغسل و التيمم- كما هو المفروض- فلا ينبغي التوقف عن إعمالها فيهما.

و اذا قلت: إذا لم يكن ما ذكر صالحا لتشكيل مانع من جريان قاعدة التجاوز في الوضوء فلما ذا اذن لم يجر الشارع قاعدة التجاوز‌

53

في الوضوء.

كان الجواب: ان ذلك لنكتة لا يلزم أن نكون مطلعين عليها.

6- و هل يعتبر الدخول في الغير؟

وقع الكلام في انه هل يلزم لجريان قاعدة التجاوز و الفراغ الدخول في الغير؟ فمن شك في الركوع و بعد لم يسجد هل تجري في حقه قاعدة التجاوز؟ و من شك في صحة الكل أو صحة الجزء و بعد لم يدخل في غيره هل تجري في حقه قاعدة الفراغ؟

و الجواب:

اما بالنسبة الى قاعدة التجاوز- أي الشك في الاتيان بالجزء السابق- فلا اشكال في اعتبار الدخول في الجزء اللاحق لصراحة صحيحة زرارة المتقدمة في ذلك حيث قال (عليه السلام) في آخرها: «اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‌ء» (1).

و اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ فقد يقال باعتبار الدخول في الغير أيضا، فمن شك في صحة الجزء السابق- الذي يجزم بتحققه- فلا يجوز أن يا بني على صحته إلا بعد الدخول في الجزء اللاحق.

و يمكن توجيه ذلك بعدّة وجوه نذكر اثنين منها:

أ- ما أفاده الشيخ النائيني من ان عنوان المضي هو من قبيل الكلي المشكك فصدقه مع عدم الدخول في الغير ليس في درجة صدقه مع الدخول في الغير بل صدقه مع فرض الدخول في الغير أوضح،

____________

(1) المتقدمة: 40.

54

و معه فلا يكون المضي مع عدم الدخول في الغير مشمولا لأدلّة قاعدة الفراغ لانصراف المطلق عنه، و لا أقل من كون حالة الدخول في الغير هي القدر المتيقن في مقام التخاطب (1).

و فيه: ان اختلاف الأفراد في درجة الوضوح لا يمنع من شمول الدليل لجميعها، فمثلا صدق العالم على الأكثر علما أوضح من صدقه على الأقلّ علما و لكن ذلك لا يمنع من شمول أكرم العالم لجميع الأفراد.

أجل اذا كان صدق العنوان على بعض الأفراد خفيا جدا أمكن أن يكون ذلك موجبا للانصراف عنه، اما اذا لم يفرض مثل هذا الخفاء و انما كان الصدق على البعض أوضح و أظهر فلا يمنع ذلك من الشمول له.

ب- انه حيث اعتبر في قاعدة التجاوز الدخول في الغير فيلزم أن يكون ذلك معتبرا في قاعدة الفراغ أيضا بناء على وحدة القاعدتين و عدم اختلافهما في المجعول.

و هذا ما يمكن عدّه من أحد ثمرات البحث عن وحدة القاعدتين و تعددهما.

و فيه: ان قاعدة التجاوز لو كان يعتبر فيها الدخول في الغير فاعتباره في قاعدة الفراغ جيد، لاستظهار وحدة القاعدتين، إلا ان اعتبار ذلك في قاعدة التجاوز محل تأمل.

و الوجه في ذلك: ان الملاك لعدم الاعتناء بالشك هو المضي عن الشي‌ء، فإن موثقة محمد بن مسلم قالت: «كل ما مضى و شككت فيه ...»‌

____________

(1) أجود التقريرات 2: 471.

55

بيد ان المضي عن الشي‌ء يختلف محققه باختلاف كون الشك في أصل وجود الشي‌ء أو في صحته، فمتى ما كان الشك في أصل وجود الشي‌ء فالمضي عنه لا يتحقق إلا بالانتقال الى الجزء المتأخر عنه، إذ ما دام أصل وجود الشي‌ء مشكوكا فكيف يصدق المضي عن الشي‌ء؟ انه لا يصدق إلا باعتبار المضي عن محله- و إلا فالمضي عنه نفسه لا يمكن صدقه ما دام أصل وجوده مشكوكا- و المضي عن محل الجزء لا يتحقق إلا بالدخول في الجزء اللاحق.

و من هنا اعتبر في قاعدة التجاوز- أي عند الشك في أصل تحقق الجزء- الدخول في الجزء اللاحق.

ان اعتبار ذلك ليس لاعتبار الدخول في الجزء اللاحق بعنوانه بل لكون ذلك طريقا لتحقق المضي.

هذا في قاعدة التجاوز.

و اما بالنسبة الى قاعدة الفراغ- أي الشك في صحة الشي‌ء المتحقق سواء كان جزءا أم لا- فبما ان الشي‌ء المشكوك صحته يتيقن بوجوده فالمضي عنه لا يتوقف صدقه على الدخول في جزء لاحق بل بالانتهاء عنه يصدق المضي.

و الخلاصة: ان الشارع ألغى الشك بعد المضي عن الشي‌ء و لم يعتبر في إلغاء الشك سوى المضي عن الشي‌ء، إلا ان تحقق المضي عن الشي‌ء يختلف باختلاف كون الشك في أصل الوجود و كونه في صحة الشي‌ء الموجود، فعدم الاعتناء بالشك في أصل الوجود يشترط فيه الدخول في الجزء اللاحق، لأنّه لا يصدق المضي إلا بذلك، بينما عدم الاعتناء بالشك في صحة الموجود لا يلزم فيه ذلك لصدق‌

56

المضي بدونه.

و هذه من النكات المهمة التي يلزم الالتفات اليها، و هي انه في قاعدة التجاوز يعتبر الدخول في الغير، بخلافه في قاعدة الفراغ فانّه لا يعتبر ذلك بالرغم من وحدة القاعدتين، و ما ذاك إلا للبيان المتقدم.

7- ما المراد من الغير؟

ذكرنا ان شرط جريان قاعدة التجاوز- أي عدم الاعتناء بالشك في أصل الوجود- الدخول في الجزء الثاني، و ليس ذلك إلّا من باب توقف تحقق المضي عليه. و هنا نتساءل عن ذلك الغير.

و في هذا المجال نطرح عدّة أسئلة لنجيب عنها:-

الدخول في جزء الجزء:

أ- من شك في القراءة بعد الدخول في الركوع لا يعتني بشكه، لأنّه شك في الجزء السابق بعد الدخول في الجزء اللاحق. و نسأل عمّن شك في الحمد بعد الدخول في السورة فهل لا يعتني لشكه أيضا بعد الالتفات الى ان مجموع القراءة جزء واحد و ليست الفاتحة جزءا مستقلا في مقابل السورة؟ نعم لا يعتني لشكه؛ لأن عنوان المضي صادق.

هذا مضافا إلى ان مجموع القراءة اذا كان جزءا فأبعاضه أجزاء أيضا. و لم يفرض في قاعدة «اذا خرجت من شي‌ء و دخلت في غيره ...»‌

ان يكون الشي‌ء جزءا مستقلا.

لا يقال: ان صحيحة زرارة مثّلت بالشك في القراءة بعد الدخول في الركوع، و لم تمثّل بالشك في ابعاض القراءة.

فانه يقال: ان ذلك من باب فرض الشك في مجموع القراءة، و هذا‌