دروس تمهيدية في القواعد الفقهية - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
201 /
7

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين. و الصلاة و السلام على اشرف الخلق محمد و على اهل بيته الطيبين الطاهرين.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

قاعدة القرعة و الاستخارة

1- مضمون القاعدة 2- مدرك القاعدة 3- عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا 4- عموم القاعدة لغير باب التنازع و القضاء 5- القرعة أصل أو أمارة 6- اختصاص القرعة بالامام 7- القرعة رخصة أو عزيمة 8- مورد القرعة 9- كيفية القرعة 10- الاستخارة بين نصوص أهل البيت (عليهم السلام) و المتشرّعة 11- تطبيقات لقاعدة القرعة‌

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

من القواعد التي تعرّض لها الأعلام في الاصول تارة و الفقه اخرى قاعدة القرعة، فالشيخ النراقي في كتابه عوائد الأيّام (1) تعرّض للقاعدة المذكورة ضمن نقاط و بحث مسهب. و جاء بعده تلميذه الشيخ الأعظم في الرسائل (2) فتعرّض لها في أواخر مبحث الاستصحاب بشكل مختصر و ضمن ثلاثة أسطر تحت عنوان ان الاستصحاب إذا اجتمع مع القرعة فأيّهما المقدّم. و تبعه على ذلك بقية الاصوليين فتعرّضوا لها من الزاوية المذكورة و بشكل مختصر في الموضع المذكور.

هذا في الاصول.

و أمّا في الفقه فتعرّضوا لها في مناسبات مختلفة و بشكل عابر من قبيل ان العبد الذي يجوز له الزواج بأربع اماء بالعقد الدائم لو كان‌

____________

(1) عوائد الأيام: 222.

(2) الرسائل: 422 الطبع القديم.

12

عنده أربع اماء و صار حرّا فعليه طلاق ثنتين اما بتعيين ذلك من خلال اختياره- على احتمال- أو من خلال القرعة على احتمال آخر. و حينما ابرز احتمال مرجعية القرعة أخذوا بالبحث العابر عنها و من الزاوية التي يهمهم التعرّض لها في المسألة المذكورة. امّا البحث بشكل متكامل أو شبه متكامل فلم نعثر عليه في الكتب الفقهية و الاصولية.

و روايات القرعة تذكر في كتب الحديث في أبواب متعدّدة و بمناسبات مختلفة. و حاول الحر العاملي ان يجمع شطرا كبيرا منها في كتاب القضاء في الباب (12) من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى. هذا بالنسبة الى القرعة.

و امّا بالنسبة الى الاستخارة فهي- كما سنوضّح- مصداق من مصاديق القرعة أو قريبة من ذلك. و ليس لها تعرض في الكتب الاصولية و انّما تذكر في الكتب الفقهية في كتاب الصلاة عند البحث عن أقسام الصلاة المستحبة التي منها صلاة الاستخارة.

و قد ذكر الحر العاملي الأحاديث المرتبطة بذلك في كتاب الصلاة في المورد المذكور.

و على أي حال يقع البحث عن القاعدة المذكورة ضمن النقاط التالية:-

1- مضمون القاعدة.

2- مدرك القاعدة.

3- عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا.

4- عموم القاعدة لغير باب التنازع و القضاء.

5- القرعة أصل أو أمارة.

13

6- اختصاص القرعة بالامام.

7- القرعة رخصة أو عزيمة.

8- مورد القرعة.

9- كيفية القرعة.

10- الاستخارة بين نصوص أهل البيت (عليهم السلام) و المتشرّعة.

11- تطبيقات لقاعدة القرعة.

1- مضمون القاعدة

لعل مضمون القاعدة واضح، و هو ان الواقع إذا أشكل في مورد و لم يمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع و ذلك بكتابة قطع متعددة و سحب واحدة منها.

2- مدرك القاعدة

قد يستدل على حجية القرعة بالكتاب العزيز تارة و بالسنّة الشريفة ثانية و بسيرة العقلاء ثالثة.

اما الاجماع فهو و ان ادعي إلّا ان ثبوته بنحو يكشف عن موافقة المعصوم (عليه السلام) قابل للتأمّل بعد احتمال الاستناد إلى المدارك الثلاثة المتقدّمة.

و عليه فالمهمّ هو المدارك الثلاثة المتقدّمة.

امّا الكتاب الكريم فقد استدل منه بآيتين:

الاولى: قوله تعالى: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ

14

الْمَشْحُونِ* فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (1).

و قد ورد ان يونس لما لم يجبه قومه إلّا بالتكذيب و الرد دعا عليهم بالعذاب و أوعدهم بنزوله عليهم و خرج من بينهم الى ساحل البحر و إذا بسفينة مشحونة فركب فيها و لم تتمكن السفينة من مواصلة سيرها اما لاعتراض الحوت لها و عدم اندفاعه الا بالقاء واحد لها لتلتقمه أو لزيادة وزنها الذي تحتاج معه الى القاء أحد الركّاب منها. ثمّ تمّ الاتفاق على الاقتراع و خرجت القرعة باسم يونس و كان بذلك من المدحضين، أي المغلوبين. و ذلك ممّا يدلّل على حجيّة القرعة.

و قد يعترض على الاستدلال المذكور بالاعتراضين التاليين:

أ- ان الآية الكريمة تنقل قصّة وقعت في زمن غابر اشتملت على الاقتراع، و ذلك لا يدلّ على امضاء ما وقع فيها من أحداث حتى في تلك الشريعة فضلا عن شريعتنا.

و فيه: ان الآية الكريمة صريحة في اشتراك يونس- الذي هو نبي معصوم- في عملية المساهمة. مضافا الى ان السكوت عن تأنيب الفعل يستفاد منه الامضاء.

ب- ان الحكم المذكور لعلّه خاص بالشريعة السابقة و لا دليل على امضائه في شريعتنا.

و فيه: مضافا الى دلالة السكوت المتقدّمة يمكن التمسّك باستصحاب حكم الشريعة السابقة و عدم نسخه.

اذن الاعتراضان المذكوران غير تامّين.

____________

(1) الصافات: 139- 141.

15

الثانية: قوله تعالى: وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلٰامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (1) فانّه ورد في الأخبار ان «حنة» و «اشياع» كانتا اختين تزوجت الاولى بعمران أحد زعماء بني اسرائيل و لم تنجب أولادا فدعت اللّه سبحانه ان يرزقها مولودا فاستجاب دعاءها و أوحى سبحانه إلى عمران انّه سيهبه ولدا يشفي المرضى الذين لا يمكن علاجهم و يحيي الموتى بإذن اللّه. و حينما حملت حنة ظنّت انّه ذلك المولود فنذرته محرّرا لخدمة بيت المقدس. و حينما وضعته انثى قٰالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهٰا أُنْثىٰ ... وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَ إِنِّي سَمَّيْتُهٰا مَرْيَمَ (2) و حينما حملتها إلى بيت المقدس أخذ علماء بني إسرائيل بالتنافس في الفوز بتربيتها لكونها من اسرة آل عمران المعروفة و اتفقوا على الاقتراع و ألقوا أقلامهم- أي السهام أو الأقلام التي كانوا يكتبون بها الكتاب المقدّس- في النهر و غطس جميعها الا قلم زكريا فإنّه طفا، و ذلك ممّا يدل على حجيّة القرعة.

و الاعتراضان السابقان يردان هنا أيضا. و الجواب هو الجواب.

و الصحيح في الاعتراض على الآيتين الكريمتين ان يقال: انهما لا تدلّان على حجيّة القرعة بمعنى كونها المرجع المتعين من قبل الشرع المقدّس بحيث لا يمكن الحياد عنه إلى غيره عند تمشكل الأمر بل لعل ذلك من باب تسالم الخصوم على الرجوع لها و الأخذ بمضمونها نظير ما إذا تمّ الاتفاق على الأخذ بحكم شريف العشيرة أو ما يشبه ذلك. ان هذا محتمل في الآيتين، و معه لا يمكن التمسّك بهما لإثبات حجية القرعة‌

____________

(1) آل عمران: 44.

(2) آل عمران: 36.

16

و كونها المرجع الشرعي المتعيّن عند تمشكل الأمر.

و ممّا يؤكد ما أشرنا إليه من الاعتراض ان الآية الكريمة عبّرت بالادحاض حيث قالت فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، و مثل هذا التعبير لا يتناسب و الأخذ بوظيفة شرعية عينت من قبل الشرع للسير على طبقها عند تمشكل الأمر بخلاف ما إذا فرضنا ان الأخذ بها كان من باب تباني الخصوم عليها فان مثله لا حزازة فيه.

هذا مضافا الى انها حتى لو دلّت على حجّية القرعة و تعينها من قبل الشارع كمرجع عند تمشكل الأمر فهي خاصة بموردها و ليس لها اطلاق تدل بواسطته على مرجعية القرعة في غير موردها.

و عليه فالاستدلال بالآيتين الكريمتين على المطلوب غير ممكن.

و اما السنّة الشريفة فيمكن ان يدعى بلا مبالغة تواتر الأخبار الدالّة على حجيّة القرعة، بيد ان تواترها معنوي لا لفظي.

و يمكن تصنيفها إلى أخبار عامّة و أخبار خاصّة.

اما الأخبار العامّة فيمكن ان نمثّل لها بصحيحة محمّد بن حكيم:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن شي‌ء فقال لي: كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له: ان القرعة تخطئ و تصيب. قال: كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ» (1).

و دلالتها على العموم واضحة فانه و ان لم يحدّد فيها المقصود من كلمة «شي‌ء» و من المحتمل اختصاصه بمورد معين الا ان ذلك لا يمنع من استفادة العموم منها فان العبرة بعموم الجواب و لا يضر بذلك اختصاص السؤال بمورد معين.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 11.

17

و اما ما ورد على لسان الفقهاء من ان القرعة لكل أمر مشكل أو مشتبه فليس عليه رواية صحيحة. أجل في دعائم الإسلام قال: عن أمير المؤمنين و أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهم السلام): انّهم أوجبوا الحكم بالقرعة فيما اشكل (1).

و لكن الرواية المذكورة ضعيفة السند و لا أقل من جهة الإرسال.

و اما صحيحة محمّد بن حكيم فقد عبّر عنها في كلمات الاعلام بالرواية الذي هو مصطلح عادة للرواية الضعيفة، إلّا انّه يمكن تصحيحها، فانّها بطريق الشيخ الطوسي و ان كانت ضعيفة ب‍ «علي بن عثمان» لعدم ورود توثيق في حقّه إلّا انّها بطريق الشيخ الصدوق صحيحة.

أجل يمكن التأمّل في محمّد بن حكيم نفسه باعتبار ان الشيخ و النجاشي و ان ذكراه و لكنّهما لم يوثقاه.

الا انّه يمكن توثيقه من خلال ما نقله الكشي بطريق صحيح عن حماد: «كان أبو الحسن (عليه السلام) يأمر محمّد بن حكيم ان يجالس أهل المدينة في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ان يكلّمهم و يخاصمهم حتى كلّمهم في صاحب القبر فكان إذا انصرف إليه قال له: ما قلت لهم و ما قالوا لك و يرضى بذلك منه» (2) فإنّه ليس من المناسب للإمام (عليه السلام) ان يأمر شخصا بتمثيل المذهب الجعفري و التحدّث عن لسانه الا إذا كان له وثوق كامل به.

و اما الأخبار الخاصة فهي كثيرة تذكر كمثال لذلك صحيحة ابراهيم‌

____________

(1) مستدرك الوسائل باب 11 من أبواب كيفية الحكم حديث 1.

(2) رجال الكشي رقم 315.

18

بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حر فورث ثلاثة قال: يقرع بينهم فمن أصابه القرعة اعتق. قال: و القرعة سنّة» (1).

هذا و بالامكان عدّها من الاخبار العامة بقرينة التعبير في الذيل:

«و القرعة سنة».

و اما السيرة العقلائية فلا اشكال في انعقادها على العمل بالقرعة في الامور المشكلة و الأمثلة في حياتنا الاجتماعية اليوم كثيرة فيقرع بين الطلاب في المدارس إذا زاد عددهم عن الحدّ المقرّر للقبول و بين من تقدّم بطلب الحج إذا زاد العدد، و هكذا في أمثلة اخرى.

و هذه السيرة حيث لا نحتمل حدوثها جديدا و لم يرد عنها ردع بل ورد ما يدل على الامضاء- من قبيل جملة «و القرعة سنة» في الصحيحة السابقة- فتكون حجّة.

3- عموم القاعدة لما لا تعين له واقعا

الشي‌ء المجهول تارة يكون متعيّنا واقعا و مبهما ظاهرا، و اخرى لا يكون له تعين حتى واقعا.

فمن اعتق عبدا معيّنا من عبيده ثم اشتبه عليه بعد ذلك فهو من النحو الأول بينما لو اعتق من البداية عبدا غير معيّن من عبيده فهو من النحو الثاني.

و القدر المتيقن من أدلّة حجية القرعة ما إذا كان الشي‌ء متعينا واقعا و طرأ عليه الابهام ظاهرا.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 2.

19

اما إذا كان الشي‌ء مبهما واقعا أيضا فقد وقع الخلاف بين الاعلام في شمول عموم أدلّة حجية القرعة له. فالشيخ العراقي مثلا في نهاية الأفكار (1) استدل على عدم الشمول بالقصور في المقتضي بتقريب ان عنوان «المجهول» الوارد في أدلّة حجية القرعة لا يصدق عرفا إلّا على ما هو متعيّن واقعا و اشتبه و خفي ظاهرا و اثباتا.

و زاد في المستمسك ان بعض الأحاديث الشريفة و ان ورد فيما لا تعين له واقعا الا انّه خاص بمورده و لا عموم له، فصحيحة ابراهيم السابقة مثلا و ان كان موردها ذلك الا انّها خاصة بموردها و هو حرية أول مملوك و لا يمكن استفادة التعميم منها (2).

و من الغريب انّهم في الموارد الاخرى يستعينون بضم مقدّمة خارجية و هي عدم القول بالفصل بينما في المقام لم يجروا على سيرتهم المذكورة.

و المناسب الحكم بالتعميم، فان السيرة العقلائية لها عموم من هذه الناحية، و الأمثلة المتقدّمة التي ذكرناها للسيرة العقلائية هي ذات واقع غير متعيّن في نفسه، بل ان في نصوص أهل البيت (عليهم السلام) ما يدل على التعميم، فصحيحة ابراهيم المتقدّمة مثلا و ان كانت واردة في عتق أوّل مملوك و تختص بذلك الا ان ذيلها المعبر فيه «و القرعة سنّة» يفهم منه التعميم و عدم الخصوصية لموردها.

و من الملفت للنظر اختلاف رأي السيد الخوئي (قدّس سرّه) فبينما اختار في‌

____________

(1) نهاية الأفكار 4: 104.

(2) مستمسك العروة الوثقى 14: 104.

20

مصباح الاصول الاختصاص اختار في مباني العروة الوثقى التعميم فلاحظ (1).

4- عموم القاعدة لغير باب التنازع و القضاء

المورد المشكل الذي يراد فيه الرجوع الى القرعة تارة يكون مشتملا على التنازع و يحتاج في رفعه إلى القضاء الشرعي و اخرى لا يكون كذلك.

فمثلا إذا اختلف شخصان في طفل كلّ منهما يدّعي انّه ولده و أقام البيّنة على ذلك أو اختلفا في دار كل منهما يدّعيها و لا يدله عليها رجعنا إلى القرعة لرفع الخصومة و النزاع و كان ذلك مثالا للأول. اما إذا فرض في مثال الطفل ان كل واحد من الشخصين لا يقول هو ولدي بل يقول لا أدري هو ولدي أو لا مع علمهما بأنّه لا يعدوهما و هو ابن احدهما جزما كان ذلك مثالا للثاني.

و القدر المتقين من دليل حجية القرعة هو المورد الأوّل الذي فيه نزاع و خصومة و انما الكلام في عمومه للمورد الثاني.

و قد يفهم من تمسك الفقهاء في موارد مختلفة من باب القضاء بالقرعة اختصاصها بذلك و عدم حجيتها في غيره.

و الصحيح هو التعميم فان بناء العقلاء لا يختص بذلك و هكذا صحيح محمد بن حكيم المتقدّم الذي ورد فيه: «كل مجهول ففيه القرعة» مطلق من هذه الناحية. بل ان صحيح ابراهيم بن عمر المتقدّم‌

____________

(1) مصباح الاصول 3: 343، مباني العروة الوثقى 1: 189.

21

الوارد في حرية أوّل مملوك يملكه يختص بحالة عدم النزاع و الخصومة و ناظر للمورد المذكور، و تعبير الامام (عليه السلام) في الذيل «القرعة سنة» يدل على حجية القرعة فيما شابه المورد المذكور من الموارد التي ليس فيها نزاع و لا يختص به.

5- القرعة أصل أو أمارة

نحن نعرف الفارق بين الأمارة و الأصل فان ما جعله الشارع حجّة من جهة قوّة كاشفيته هو امارة و الا فهو أصل. و قد وقع الخلاف في القرعة و انها أمارة أو أصل. و كأن بعض الأخبار يوحي بكونها أمارة ففي صحيحة أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

«... ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم الى اللّه إلّا خرج سهم المحق» (1) فانّه قد يستفاد منها كاشفيتها الظنّية بل القطعية عن الواقع.

و هذا البحث لا نرى له ثمرة مهمّة فان القرعة حتى لو كانت امارة لا تتقدّم على غيرها امارة كان أو أصلا بل جميع القواعد الاخرى من امارات و اصول تتقدّم على القرعة باعتبار ان موضوع حجية القرعة هو الأمر المجهول و مع وجود قاعدة شرعية تحدّد الموقف الشرعي لا تبقى جهالة في المورد ليرجع الى القرعة.

أجل يمكن ظهور الثمرة بناء على حجيّة الامارة في لوازمها غير الشرعية- كما هو رأي المشهور من أعلام الاصوليين- فان القرعة لو كانت امارة و دلّت على شي‌ء كانت حجّة في لوازمها غير الشرعية‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 6.

22

بخلاف ما لو كانت أصلا.

و المناسب كون القرعة أصلا فان السيرة لو لاحظناها وجدنا ان العقلاء يأخذون بالقرعة لا من باب كاشفيتها بل من باب انّها الموقف العملي الأخير لحلّ المشكلة حيث لا حلّ غيره.

و اما الصحيحة السابقة فلا دلالة لها على الأمارية إذ هي لا تدلّ على ان جعل الشارع الحجية لها ناشئ من كاشفيتها بل لعل المقصود انّها أصل و لم تعتبر الحجية لها من جهة الكشف غايته ان المتقارعين إذا أجروا القرعة و توكلوا على اللّه سبحانه فهو من جهة انّهم أوكلوا أمرهم إليه يقرّر لها اصابة الواقع نظير من يدخل في عملية اصلاح بين طرفين طالبا بذلك رضا اللّه عزّ و جلّ فإنّه يسدّده و يجعل كلامه مؤثّرا و مواقفه مصيبة للواقع.

و الصحيحة نفسها تدلّ على ان تقدير اصابة الواقع لها مختص بحالة تفويض الأمر الى اللّه سبحانه، و هل يحتمل التفصيل و ان القرعة امارة في حالة تفويض الأمر الى اللّه عزّ و جلّ و أصل في غير الحالة المذكورة!

6- اختصاص القرعة بالامام

هناك كلام في ان القرعة هل هي من الوظائف الخاصة بالامام (عليه السلام) بحيث لا تحق لغيره أو تعمّ نوّابه المجتهدين أو تعمّ غيرهما أيضا؟ اختار الشيخ النراقي في عوائده (1) كونها‌

____________

(1) عوائد الأيّام: 228.

23

وظيفة للإمام (عليه السلام) و نوّابه.

و المناسب التفصيل بين ما اذا كان هناك نزاع يحتاج حلّه الى قضاء الحاكم الشرعي و بين ما اذا لم يكن ذلك، ففي الأوّل تكون وظيفة للحاكم كسائر ما يستعين به الحاكم في باب القضاء من البيّنة و القسم و في الثاني لا يكون وظيفة له.

و الوجه فيما ذكرناه: ان حلّ الخصومة بما انّه مطلوب شرعا و لا يحتمل اختصاص مطلوبيته بزمان حضور الامام (عليه السلام) فلا معنى معه لاحتمال كونها وظيفة خاصة بالامام (عليه السلام) بل ينبغي ثبوت ذلك لحكام الشرع أيضا كسائر ما يستعان به لحلّ النزاع.

و اما إذا لم يكن هناك نزاع فلا موجب للاختصاص بالامام (عليه السلام) و لا بنوّابه و تكفينا عمومات حجية القرعة من بناء العقلاء و اطلاق القرعة سنة و انّها لكل أمر مجهول.

أجل ورد في مرسلة حمّاد عمّن ذكره عن أحدهما (عليهما السلام): «القرعة لا تكون إلّا للإمام» (1) و في رواية يونس: «رجل كان له عدّة مماليك فقال: أيّكم علّمني آية من كتاب اللّه فهو حرّ فعلّمه واحد منهم ثم مات المولى و لم يدر أيّهم الذي علّمه انّه قال: يستخرج بالقرعة. قال:

و لا يستخرجه إلّا الامام لأنّ له على القرعة كلاما و دعاء لا يعلمه غيره» (2).

الا ان المرسلة مضافا الى ضعف سندها بالارسال يمكن ان تكون ناظرة الى باب النزاع و الخصومة و انّه مع وجوده تكون عملية‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الدعوى حديث 9.

(2) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب العتق حديث 1.

24

الاقتراع خاصة به، انّها ناظرة الى ذلك و الا فهل يحتمل عدم حجية القرعة في مثل زماننا و ابقاء الخصومة و النزاع على ما هما عليه؟!

و اما رواية يونس فمضافا الى ضعف سندها باسماعيل بن مرار الذي لم يرد في حقّه توثيق الا بناء على وثاقة جميع رجال كامل الزيارات، و مضافا الى كون الرواية مقطوعة بمعنى ان المسؤول هو يونس دون الامام (عليه السلام) يمكن ان يقال بظهورها في الاستحباب بقرينة التعليل المذكور فيها فان الدعاء ليس لازما عند الاقتراع جزما، و لو كان لازما يلزم اختصاص القرعة بزمان حضور الامام (عليه السلام) و هو أمر غير محتمل كما تقدّم.

7- القرعة رخصة أو عزيمة

وقع البحث في ان عملية الاقتراع في موارد تمشكل الأمر لازمة بحيث ليس للمكلف الحياد عنها أو جائزة يمكنه تركها. و بكلمة اخرى:

هل عملية الاقتراع رخصة أو عزيمة؟

و لعل السبب الباعث على ذلك ان أدلّة مشروعية القرعة لا يفهم منها الالزام و الحتمية فقولهم (عليهم السلام): «القرعة سنّة» أو «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم الى اللّه إلّا خرج سهم المحق» لا يستفاد منه إلّا الرجحان و المشروعية لا أكثر.

و التساؤل السابق يأتي نفسه في نتيجة القرعة، فلو تقارع الطرفان و عينت القرعة إحدى النتيجتين فهل يتحتم الأخذ بذلك؟

و المناسب في الجواب عن كلا التساؤلين ان يفصّل بين ما إذا كان اتخاذ القرار على طبق القرعة لازما- كما إذا تنازع شخصان في طفل‌

25

كل منهما يدّعي أنّه ولده أو كالمولود الذي ليس له فرج الذكور و لا فرج الاناث- فيكون الأخذ بها و بنتيجتها لازما و إلّا فلا. هذا هو المناسب.

و ليس من المناسب التفصيل بين وجود واقع مجهول يراد تعيينه- كمثال الطفل المتنازع فيه- فيكون الأخذ بالقرعة و بنتيجتها لازما و بين ما إذا لم يكن واقع مجهول- كمن قال أوّل عبد أملكه حر- فلا لزوم.

و الوجه في وهن ما ذكر: ان الواقع قد يكون له تعين مجهول و بالرغم من ذلك لا يكون الأخذ بالقرعة لازما كالدار التي اختلف في ملكيتها شخصان و تصالحا على تقسيمها نصفين أو تنازل أحدهما للآخر عنها.

و قد لا يكون تعين للواقع و بالرغم من ذلك يلزم الأخذ بالقرعة، كما لو نذر المكلّف اكرام أوّل داخل عليه فدخل عليه ثلاثة و هو لا يستطيع اكرام أكثر من واحد فان الأخذ بالقرعة لازم عليه بالرغم من عدم تعين الواقع.

8- مورد القرعة

و المورد الذي تجري فيه القرعة هو كل موضوع فقد القواعد الشرعية القابلة لتعيين الحال فيه، فانّا لو أخذنا سيرة العقلاء بنظر الاعتبار وجدنا ان العقلاء انّما يتمسكون بالقرعة في خصوص المورد المذكور، و لا أقل هي دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن و هو ما ذكرناه. و لو أخذنا النصوص بنظر الاعتبار وجدناها تحدّد موضوع‌

26

القرعة بالمجهول و هو لا يصدق مع امكان تعيين الحال من خلال قاعدة شرعية.

و بهذا يتّضح ان الشبهات الحكمية لا يمكن تطبيق القرعة فيها، فلو شككنا في حرمة التدخين أو نحو ذلك فلا يمكن الرجوع إليها لأنّه في مورد الشبهات الحكمية لا بدّ من وجود قاعدة تحدّد الموقف امّا بالبراءة فيما إذا كان الشك في أصل التكليف أو بالاحتياط فيما إذا كان الشك في المكلّف به أو بالتخيير فيما إذا كان الدوران بين المحذورين أو بالاستصحاب فيما إذا كان الشك في بقاء الحالة السابقة.

و هكذا لا تجري القرعة في الشبهة الموضوعية التي يمكن تحديد الحال فيها من خلال قاعدة شرعية، كما لو شككنا في ان الدار المتنازع فيها هي لزيد أو لعمرو و كان أحدهما صاحب يد أو بيّنة.

و عليه فينحصر مورد القرعة بالشبهات الموضوعية الفاقدة للقاعدة التي يمكن تحديد الموقف من خلالها، كما لو اختلف شخصان في دار و لكل منهما بيّنة بلا يد.

و بهذا تتضح عدّة امور:

أ- التأمّل في صحّة ما ذكره الشيخ العراقي في نهاية الأفكار (1) من ان القرعة انّما لا تجري في الشبهات الحكمية من جهة ظهور عنوان المجهول و المشتبه في كونه وصفا لذات الشي‌ء المردّد بين الأشياء و ليس وصفا لحكمه، و من الواضح ان الاشتباه في موارد الشبهات الحكمية ليس في ذات الشي‌ء بل في حكمه، فنحن نعلم مثلا ان هذا لحم‌

____________

(1) نهاية الأفكار 4: 105.

27

الأرنب و انّما نشك في حكمه و انّه يحرم أكله أو يحل.

و وجه التأمّل: ان تحديد الاشتباه بخصوص ما ذكر أوّل الكلام و عهدته عليه.

و كان بامكانه التمسك لإخراج الشبهات الحكمية عن دليل القرعة بما ذكرناه من عدم صدق عنوان المجهول بعد امكان الاستعانة بقاعدة من القواعد الشرعية.

ب- ان الاستصحاب و غيره من القواعد و الاصول متقدّم على القرعة بالورود، بمعنى انّها بجريانها ترفع عنوان المجهول الذي هو موضوع حجيّة القرعة.

ج- ورد في كلمات غير واحد من الاصوليين ان دليل القرعة لا يمكن التمسّك بعمومه في مورد إلّا بعد الانجبار بعمل الأصحاب و ذلك من جهة كثرة التخصيصات الطارئة عليه، و حيث ان كثرة التخصيص أمر مستهجن فيكشف ذلك عن كون الموضوع لحجية القرعة معنى خاصا لا يلزم منه كثرة التخصيص، و بما ان ذلك المعنى الخاص مجهول لنا فنبقى غير قادرين على التمسّك بعموم دليل القرعة.

قال الشيخ الأعظم في الرسائل: «ذكر في محله ان أدلّة القرعة لا يعمل بها بدون جبر عمومها بعمل الأصحاب أو جماعة منهم» (1).

و وجه النظر: ان محذور التخصيص الكثير غير وارد بعد اختصاص موضوع القرعة بالمجهول الذي لا يصدق مع امكان تطبيق أي قاعدة من القواعد الشرعية فان المورد المذكور نادر و قليل و لا يلزم‌

____________

(1) الرسائل الطبع القديم: 423.

28

من التزام القرعة فيه أي محذور.

9- كيفية القرعة

ورد في بعض الروايات كيفيات خاصّة للقرعة و قراءة دعاء خاص عندها، ففي صحيحة الفضيل بن يسار: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مولود ليس له ما للرجال و لا له ما للنساء. قال: يقرع عليه الامام أو المقرع يكتب على سهم عبد اللّه و على سهم أمة اللّه ثم يقول الامام أو المقرع: اللّهمّ أنت اللّه لا إله إلّا أنت عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. بيّن لنا أمر هذا المولود حتى يورث ما فرضت له في الكتاب. ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة ثم تجال السهام على ما خرج ورث عليه» (1).

الا ان الذي يقرأ النصوص يفهم ان الغرض لا يتعلّق بكيفية خاصة كما و ان الدعاء ليس أمرا لازما. أجل الدعاء وسيلة مهمّة للتسديد و الوصول الى الهدف في حياة المؤمن خصوصا في هذا المجال و به يتحقق استمداد العاجز من القادر على كلّ شي‌ء ف‍ «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلّا خرج سهم المحق».

10- الاستخارة بين نصوص أهل البيت (عليهم السلام) و المتشرّعة

من الجدير في البداية تعرّف معنى الاستخارة في اللغة ثم في نصوص أهل البيت (عليهم السلام).

____________

(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب ميراث الخنثى حديث 2.

29

الاستخارة لغة تعني طلب الخيرة (1). و استخير اللّه أي: أطلب من اللّه الخير (2).

و اما النصوص فقد وردت الاستخارة فيها في معنيين:

الأوّل: المعنى اللغوي المتقدّم نفسه. و قد دلّت على ذلك عدّة روايات. و بعضها دل على رجحان ان يكون ذلك بعد صلاة ركعتين، ففي صحيحة عمرو بن حريث: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): صلّ ركعتين و استغفر اللّه فو اللّه ما استخار اللّه مسلم إلّا خار له البتة» (3).

و هذه نكتة مهمة في باب الآداب الاسلامية، فالمؤمن متى ما أقدم على عمل كدرس أو تدريس أو زواج أو شراء دار أو ما شاكل ذلك طلب من اللّه سبحانه ان يقدّر له الخير و الصلاح فيه ليكون بذلك لائقا و معدا لمدّ يد المعونة إليه.

و في حديث الصدوق باسناده عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا أراد أحدكم أمرا فلا يشاور فيه أحدا من الناس حتى يبدأ فيشاور اللّه تبارك و تعالى. قال: قلت: جعلت فداك و ما مشاورة اللّه؟

قال: تبتدأ فتستخير اللّه فيه أوّلا ثم تشاور فيه فانّه إذا بدأ باللّه أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق» (4).

و من الراجح للمؤمن ان يكرّر الاستخارة- بمعنى طلب الخيرة-

____________

(1) الخيرة على وزن عنبة.

(2) لسان العرب 4: 258- 259.

(3) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 1.

(4) المصدر السابق باب 5 حديث 2.

و سند الشيخ الصدوق الى هارون و ان كان ضعيفا ب‍ «محمّد بن علي الكوفي» المعروف بالصيرفي و بأبي سمينة لكنها صحيحة بطريق البرقي.

30

خصوصا في الامور المهمّة، ففي حديث ناجية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«كان إذا أراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشي‌ء اليسير استخار اللّه فيه سبع مرّات فاذا كان أمرا جسيما استخار اللّه مائة مرّة» (1).

الثاني: الاستخارة بمعنى طلب المشورة من اللّه سبحانه، فالمؤمن إذا أقدم على عمل معين و هو لا يعرف ان فيه مصلحة أو لا يستشير اللّه عزّ و جلّ ليتعرّف من خلال ذلك وجود المصلحة و عدمها.

اما كيف تتحقق الاستشارة من اللّه سبحانه؟ ذلك اما من خلال الرقاع أو المصحف الشريف أو بالقبض على مقدار من خرز المسبحة و ما شاكل ذلك.

و قد ورد في غالب الطرق المذكورة روايات تتسم بشكل عام بضعف السند. و يمكن مراجعة تلك الروايات في كتاب وسائل الشيعة (2).

و قد قام صاحب الجواهر و الحدائق (3) باستعراض مجموعة من تلك الطرق بل و ألّف السيّد رضي الدين بن طاوس رسالة خاصّة في هذا المجال سمّاها برسالة الاستخارات.

و نلفت النظر الى ان مسألة الاستخارة لم تختص بها معاجم الحديث الشيعية بل وردت في معاجم حديث العامة أيضا، ففي كنز‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 1.

و الرواية ضعيفة بناجية نفسه لعدم ثبوت وثاقته.

(2) وسائل الشيعة. كتاب الصلاة. أبواب صلاة الاستخارة و ما يناسبها.

(3) جواهر الكلام 12: 155- 176. الحدائق الناضرة 10: 524- 533.

31

العمّال عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا هممت بأمر فاستخر ربّك فيه سبع مرّات ثم انظر الى الذي يسبق إلى قلبك فان الخير فيه» (1).

و في مستدرك الحاكم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من سعادة ابن آدم استخارته الى اللّه، و من شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللّه» (2).

الا انها كما ترى ناظرة الى الاستخارة بالمعنى الأوّل.

و بعد هذه اللمحة الموجزة عن الاستخارة نطرح تساؤلات ثلاثة:

التساؤل الأوّل

كيف نثبت اعتبار الاستخارة بشكلها المتداول اليوم بين المؤمنين؟

يمكن الاستعانة بالطريقين التاليين:

1- التمسك بروايات القرعة، ففي صحيحة محمد بن حكيم: «كل مجهول ففيه القرعة» (3)، فانّها باطلاقها تشمل كل مجهول بما فيه المورد الذي يقدم عليه المؤمن و يشك في وجود المصلحة و عدمها.

و قد تقدّم ان القرعة لا تنحصر بكيفية معينة بل يمكن ان تتحقق من خلال المسبحة و غيرها.

بل ان روايات القرعة الاخرى الناظرة الى حالة وجود التنازع من قبيل صحيحة أبي بصير: «... ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم الى اللّه إلّا خرج سهم المحق» (4) يمكن التمسك بها بعد الغاء خصوصية‌

____________

(1) كنز العمال 7: 813.

(2) مستدرك الحاكم 1: 518.

(3) وسائل الشيعة باب 13 من أبواب كيفية الحكم حديث 11.

(4) المصدر السابق حديث 6.

32

النزاع، فانّه يمكن ان يفهم منها ان تمام النكتة تمكن في وجود حق مجهول يراد تعرّفه، و بتفويض الأمر الى اللّه سبحانه يمكن الوصول الى ذلك الحق المجهول- و هو وجود المصلحة و عدمها في المقام- من خلال الاقتراع الذي له أنحاء متعددة من جملتها الاستعانة بالمسبحة.

2- نحن لسنا بحاجة في اثبات مشروعية الاستخارة بأشكالها المتداولة اليوم إلى قيام دليل خاص بل تكفينا أدلّة الحث الشديد على الدعاء و التي تجعل منه عبادة بأسمى معانيها وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ (1) اذ من الواضح ان الذي يقبض المسبحة و نحوها من وسائل الاستخارة يأخذ بالدعاء و الالحاح على اللّه سبحانه في تشخيص واقع الأمر المجهول عليه، و أي محذور في ان يطلب المؤمن أثناء دعائه تشخيص الواقع المجهول له من خلال المسبحة و غيرها؟

ان المسألة ما دامت مسألة دعاء فهي لا تحتاج بعد ذلك الى دليل خاص يدل على المشروعية و تكفي أدلّة مشروعية الدعاء و رجحانه.

كما ان المسألة بعد هذا لا تبقى منحصرة بالمسبحة و بطريقة خاصة بل من حق المؤمن الاستعانة بأي وسيلة شاء- سواء كانت هي المسبحة أو القرآن الكريم أو الرقاع الخاصة أو أي وسيلة اخرى- ما دام هو يدعو اللّه سبحانه و يطلب منه من خلال تلك الوسيلة الخاصة تشخيص الواقع المجهول له.

و أيضا ما دامت القضية ترجع الى كونها مصداقا من مصاديق‌

____________

(1) غافر: 60.

33

الدعاء فمن الراجح اختيار الوقت المناسب و المكان المناسب و الالحاح عليه سبحانه في اراءة الطريق من خلال المسبحة أو غيرها من الوسائل.

و الأجدر بالمؤمن ان يجمع بين كلا معنيي الاستخارة، فاذا أراد الاقدام على قضية معينة و كان شاكّا في سلامة نتائجها استخار بالمعنى الثاني من خلال المسبحة أو غيرها فاذا تشخص له الموقف الذي يلزمه اتخاذه استخار اللّه سبحانه بالمعنى الأوّل بمعنى طلب تقدير الخير و الموفقية في الموقف الذي صمم على اتخاذه.

و ينبغي الالتفات الى ان من أحسن وسائل الاستخارة بالمعنى الثاني و أقواها ان يدعو اللّه عزّ و جلّ أوّلا بتقدير الموفقية و الخير فيما سوف يتخذه من موقف و يدعو منضما الى ذلك بأن يلهم سبحانه قلبه بما هو سداد فيفكر و يهتدي في تفكيره الى ذلك أو يسترشد بعض اخوانه فيوفقون في ارشاده الى ذلك.

ان هذا الطريق كما هو عقلائي في نفسه و يدخل تحت مصداقية الدعاء قد دلّت عليه بعض الروايات، ففي رواية هارون السابقة:

«... تبتدأ فتستخير اللّه فيه أوّلا ثم تشاور فيه فانه إذا بدأ باللّه أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق» (1).

و في حديث الامام الصادق (عليه السلام): «إذا عرضت لأحدكم حاجة فليستشر اللّه ربّه فان أشار عليه اتبع و ان لم يشر عليه توقف. قال:

قلت: يا سيدي كيف أعلم ذلك؟ قال: يسجد عقيب المكتوبة و يقول: اللّهمّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 2.

34

خر لي مائة مرّة ثم يتوسّل بنا و يصلّي علينا و يستشفع بنا ثم تنظر ما يلهمك تفعله فهو الذي أشار عليك به» (1).

و ينبغي ان لا يغيب علينا ان الاستخارة بالمعنى الثاني بعد دخولها في مصداقية الدعاء فمن المناسب الاقتصار فيها على الحدود العقلائية للدعاء، فكما لا يليق للعاقل ان يدعو بنزول مائدة عليه من السماء بل اللائق ان يدعو بالموفقية في سعيه و طلبه للرزق كذلك من المناسب اقتصاره في الاستخارة بالمعنى الثاني على مثل ذلك فيستخير عند تحيره و عدم معرفته بالمصلحة و عدم وجود من يمكنه الاستعانة به في مقام الاستشارة.

و إذا قيل: بناء على ادخال الاستخارة بالمعنى الثاني في مصداقية الدعاء ينبغي الحكم باستحبابها كما يحكم باستحباب الدعاء.

كان الجواب: ان الطلب من اللّه سبحانه بأن يرزق عبده أموالا و أولادا دعاء جزما فاذا حكم باستحباب مثله فليحكم باستحباب الاستخارة بالمعنى الثاني أيضا و اذا لم يحكم باستحباب مثل ذاك لم يحكم باستحباب الاستخارة أيضا.

التساؤل الثاني

هل من الصحيح ايكال أمر الاستخارة الى شخص ثان و عدم تصدي صاحب القضية نفسه لها كما هو المتداول بين المتشرعة من المؤمنين يومنا هذا؟ أجاب صاحب الجواهر عن ذلك بأولوية استخارة المؤمن نفسه لنفسه لخلو النصوص من الاشارة الى فكرة النيابة بل‌

____________

(1) المصدر السابق باب 4 حديث 3.

35

لعل الأصل يقتضي عدم مشروعية ذلك لأنّها من المستحبات المشتملة على التضرّع و الدعاء ممّا لا يجري الاستنابة فيه و ان تعارف في زماننا هذا بل و ما تقدّمه بين العلماء فضلا عن العوام الاستنابة في ذلك (1).

هذا و المناسب الجزم بجواز ذلك لأنّ القضية ما دامت ترجع الى مصداقية الدعاء فما أجدر ان يكون الدعاء للمؤمن بلسان لم يرتكب به ذنبا فيدعو المؤمن لأخيه المؤمن من خلال المسبحة أو غيرها بارشاده الى طريق الصواب و الموفقية.

بل لعل الأجدر من زاوية هو النيابة حيث توحي بأن الشخص لا يرى لنفسه اللياقة في التحدث و طلب الحاجة من اللّه سبحانه. و قد جرت العادة في ان طالب الحاجة من السلطان العظيم لا يتقدّم إليه بنفسه بل بواسطة شفيع. و هو سبحانه و ان كان كما ورد في الدعاء:

«الحمد للّه الذي اناديه كلّما شئت لحاجتي و أخلو به حيث شئت لسري بغير شفيع فيقضي لي حاجتي» الا ان تقديم الشفيع أكثر تأدّبا و احتراما.

و بعد هذا البيان لإثبات جواز الاستنابة في الاستخارة لا نبقى بحاجة الى ما ذكره البعض من التمسك بأدلّة رجحان قضاء حاجة المؤمن بتقريب ان المؤمن إذا طلب من أخيه الاستخارة له فمن باب رجحان اجابة دعوته تشرع الاستخارة له.

التساؤل الثالث

قد يعترض على مشروعية الاستخارة بالنهي عن الاستقسام‌

____________

(1) جواهر الكلام 12: 175.

36

بالأزلام في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ السَّبُعُ إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلٰامِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ... (1) حيث قيل ان المراد به النهي عمّا كان متداولا زمن الجاهلية من الضرب بالسهام لاستعلام الخير و الشر في الأفعال و تمييز النافع من الضار، فمن يريد سفرا أو زواجا أو ما شاكل ذلك يضرب بالسهام لتشخيص ما فيه الخير فيعمل به، و الاستخارة المتداولة يومنا هذا من خلال الرقاع أو غيرها لتمييز ما فيه المصلحة عمّا ليس فيه ليست إلّا كالاستقسام بالأزلام المنهي عنه.

و من الغريب تسليم المحقّق الأردبيلي في كتابه زبدة البيان بهذا الاعتراض و حكمه بحرمة بعض أقسام الاستخارة المشابهة للاستقسام بالأزلام (2).

و هكذا قد يعترض على مشروعية الاستخارة بالنهي عن التفؤل بالقرآن الكريم الوارد في رواية الشيخ الكليني عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمّد بن عيسى عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا تتفأل بالقرآن» (3).

هكذا قد يعترض على الاستخارة.

و يمكن مناقشة الاعتراض الأوّل بأن المقصود بالاستقسام بالأزلام هو الميسر الذي قيل عنه بأنّه عبارة عن شراء جزور‌

____________

(1) المائدة: 3.

(2) زبدة البيان في أحكام القرآن: 626.

(3) وسائل الشيعة باب 38 من أبواب قراءة القرآن حديث 2.

37

و تقسيمها الى عشرة أقسام سبعة ذات نصيب و ثلاثة بلا نصيب و يكتب ذلك على سهام عشرة، و من خرج له أحد السهام السبعة دفعت له حصّة من الجزور بلا ثمن مقابل، و من خرج له أحد السهام الثلاثة تكفّل بدفع ثلث قيمة الجزور من دون ان يحصل على شي‌ء من اللحم.

ان المقصود من الاستقسام بالأزلام هو ما ذكر دون التفسير المتقدّم بقرينة سياق الآية فان جميع ما ذكر فيها هو من أقسام اللحوم المحرّمة.

هذا مضافا الى ان انطباق جملة «و ان تستقسموا بالأزلام» على المعنى الثاني الذي ذكرناه واضح و ليس فيه أي عناية لأنّه تطلب قسمة الجزور من خلال الأزلام و بواسطتها، و هذا بخلافه على المعنى الأوّل فانه و ان كانت فيه استعانة بالأزلام و لكن ليس فيه استقسام و لا قسمة و لا طلب للأقسام.

ثم انّه لو تنزلنا عن كلتا هاتين القرينتين فيكفينا الشك و احتمال ارادة المعنى الثاني لأننا أثبتنا فيما سبق مشروعية الاستخارة بواسطة أدلّة مشروعية القرعة و أدلّة مشروعية الدعاء، و بعد ثبوت المقتضي للمشروعية يشك في وجود المانع و المعارض، و حيث انّه مجمل و ذو احتمالين فلا يمكن التمسّك به و تبقى أدلّة المشروعية بلا معارض.

كما و يمكن مناقشة الاعتراض الثاني بأن الرواية الناهية عن التفؤل بالقرآن الكريم مضافا الى ضعف سندها بالارسال لا بدّ من حملها على النهي عن التفؤل بمعنى محاولة تعرّف الحوادث المستقبلية من سرور و خيرات من دون تعميم للاستخارة بمعنى محاولة تعرّف‌

38

وجود مصلحة أو مفسدة في ايقاع فعل معين بقرينة رواية اليسع القمي التي تحث على الاستخارة بالقرآن الكريم بلسان: «و افتتح المصحف فانظر الى أوّل ما ترى فيه فخذ به إن شاء اللّه» (1).

مناقشة ابن إدريس

رفض ابن إدريس بعض أقسام الاستخارة و اقتصر على الاستخارة ذات الصلاة و الدعاء بعدها. و استند في ذلك الى ان رواة بقيّة الأقسام فطحية لا يعتمد على روايتهم (2).

و وافقه على ذلك المحقق الحلّي قائلا: «اما الرقاع فيتضمن افعل و لا تفعل و في خبره الشذوذ فلا عبرة بها» (3).

و قد اتضح لنا من خلال ما تقدّم اننا في غنى عن خبر صحيح لإثبات كل نوع من أنواع الاستخارة بعد كونها جميعا من مصاديق الدعاء و التوجه الى اللّه سبحانه في جعل الرقاع و نحوها وسيلة لتعرّف وجدان الفعل الذي يراد الاقدام عليه للمصلحة أو المفسدة.

11- تطبيقات لقاعدة القرعة

1- إذا اختلط مال شخص بمال آخر فما هو الحكم؟

2- شخص عقد على امرأة معينة ثم حصل له التردّد فيها بين ثنتين فما هو الحكم؟

3- الامارة مقدّمة على الأصل إلّا في مورد واحد. و لما ذا؟

____________

(1) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب صلاة الاستخارة حديث 6.

(2) السرائر 1: 314.

(3) المعتبر 2: 376.

39

4- قطيع من الغنم تحقق وطء واحد منها من دون امكان تشخيصه فما هو حكمه؟

5- لو علم المكلف بأنّه نذر شيئا و لا يدري ما هو فما هو حكمه؟

6- إذا علم بنجاسة أحد انائين فلما ذا لا يستعان بالقرعة لتشخيصه؟

7- إذا وجد شخص مقتول و ادّعى اثنان ان كل واحد منهما هو القاتل و هكذا لو تحقّقت سرقة و ادّعاها اثنان فما هو الحكم؟

8- إذا كان لدينا اناءان احدهما نجس و الآخر طاهر و علمنا بوقوع نجاسة في أحدهما فهل يمكن تطبيق قاعدة القرعة؟ و لما ذا؟

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

قاعدة الطهارة

1- مضمون القاعدة 2- مدرك القاعدة 3- عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية 4- عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة 5- شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية 6- قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي 7- شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة 8- تطبيقات‌

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

من القواعد المسلمة التي لم يقع فيها خلاف في الجملة قاعدة الطهارة، و لئن كان هناك تشكيك فهو في سعتها و حدودها لا في أصلها.

و لم يبحثها الاعلام بشكل تفصيلي و مستقل بل يمرون عليها مرّ الكرام.

فمثلا السيد اليزدي في العروة الوثقى بعد ان أنهى استعراض النجاسات ذكر في المسألة الثانية ما نصّه: «كل مشكوك طاهر سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الأعيان الطاهرة» و اكتفى الاعلام في مقام التعليق بأن قاعدة الطهارة مسلمة لموثقة عمّار و غيرها من دون فرق بين أقسام الشبهة، و الحال ان صاحب الحدائق في المقدّمة الحادية عشرة أشار الى وجود خلاف في الشبهة الحكمية كما سيأتي إن شاء اللّه توضيحه.

و اذا كان للفقه قواعد تدور عليها رحاه فمن تلك قاعدة الطهارة.

و الكلام عنها يقع ضمن النقاط التالية:

44

1- مضمون القاعدة.

2- مدرك القاعدة.

3- عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية.

4- عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة.

5- شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية.

6- قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي.

7- شرطية الطهارة أو مانعية النجاسة.

8- تطبيقات.

1- مضمون القاعدة

ان مضمون القاعدة واضح، و هو الحكم بطهارة كل شي‌ء يشك في طهارته و تحتمل نجاسته بنحو الحكم الظاهري المغيى بالعلم بالنجاسة، فمتى ما تحقق العلم بالنجاسة ارتفع الحكم بالطهارة و متى لم يتحقق لم يرتفع و كان باقيا.

إذن ليس المقصود الحكم على الأشياء بالطهارة في مرحلة الواقع بل الحكم عليها بذلك في مرحلة الظاهر، أي ما دام لا يعلم بالطهارة و النجاسة واقعا، و متى ما علم اما بالطهارة واقعا أو بالنجاسة واقعا كان المدار على ذلك العلم دون قاعدة الطهارة.

2- مدرك القاعدة

يمكن الاستدلال على القاعدة المذكورة بأمور أربعة:

1- التمسك بموثقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كلّ شي‌ء نظيف‌

45

حتى تعلم انّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك» (1).

و دلالتها واضحة. و هي أهم ما يمكن التمسّك به.

2- التمسّك ببعض الروايات الخاصة التي قد يتصيد من مجموعها القاعدة الكلية.

من قبيل معتبرة حمّاد بن عثمان: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه قذر» (2).

و موثقة حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): «ما ابالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم» (3)، فان قوله: «إذا لم أعلم» يدل على كفاية الشك و عدم العلم في الحكم بالطهارة، و هذا ليس الا عبارة اخرى عن مضمون قاعدة الطهارة.

و صحيحة علي بن جعفر: «سألته عن الفأرة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أ يغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شي‌ء فاغلسه و إلّا فلا بأس» (4)، فان الحكم بعدم وجوب الغسل عند عدم الاستبانة لا وجه له إلّا الاستناد الى قاعدة الطهارة.

و في موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «رجل يجد في انائه فأرة و قد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة فقال: ان كان رآها في الاناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه ان يغسل ثيابه‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات حديث 4.

(2) المصدر السابق باب 1 من أبواب الماء المطلق حديث 5.

(3) المصدر السابق باب 37 من أبواب النجاسات حديث 5.

(4) المصدر السابق حديث 3.

46

و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة، و ان كان انّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا و ليس عليه شي‌ء لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه. ثم قال: لعلّه ان يكون انّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها» (1) فان ابراز احتمال السقوط تلك الساعة انّما ينفع بناء على تمامية قاعدة الطهارة. إلى غير ذلك من الروايات الخاصة.

و الاستدلال بالروايات الخاصّة المذكورة على قاعدة الطهارة يتم بشرطين: الغاء خصوصية المورد بتنقيح المناط و إلّا بقيت خاصة بموردها، و انحصار المستند في الحكم بالطهارة بقاعدة الطهارة و عدم وجود مدرك آخر كاستصحاب الطهارة.

و لئن تم الشرط الأوّل فالثاني غير تام لاحتمال أن يكون حكم الامام (عليه السلام) بالطهارة في رواية «الماء كلّه طاهر حتّى ...» مستندا الى استصحاب طهارة الماء الثابتة في بداية تولده. و ان يكون عدم مبالاة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الرواية الثانية مستندا الى استصحاب الطهارة الثابتة قبل احتمال اصابة البول. و ان يكون عدم لزوم الغسل عند عدم استبانة شي‌ء من الأثر في الثوب مستندا الى استصحاب طهارة الثوب أو عدم اصابة النجاسة له (2). و ان يكون عدم غسل الثياب في موثقة‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الماء المطلق حديث 1.

(2) و لا يعارض استصحاب عدم اصابة النجاسة للثوب باستصحاب بقاء النجاسة في رجل الحيوان إلى حين الاصابة.

و الوجه في عدم المعارضة: أنّ الغرض من استصحاب بقاء النجاسة في رجل الحيوان ان كان مجرّد إثبات بقاء النجاسة في رجل الحيوان و لو لم تكن مصيبة للثوب فذلك لغو و بلا فائدة، و ان كان الغرض من ذلك إثبات تحقّق اصابة النجاسة للثوب فذلك لا يتمّ إلّا بناء

47

عمّار مستندا الى استصحاب طهارة الماء ما دام لم يتيقّن بوقوع الفأرة فيه من البداية.

ثم انّه لو تنزلنا و سلّمنا بتمامية الشرطين المتقدّمين و من ثمّ تسليم امكان اقتناص قاعدة الطهارة من الموارد المذكورة فيمكن أن يقال ان المستفاد من الموارد المذكورة ثبوت قاعدة الطهارة في الجملة و لا يمكن استفادة التعميم لموارد الشك في الطهارة بنحو الشبهة الحكمية أو لموارد الشك في النجاسة الذاتية، و هذا بخلافه على المستند الأوّل فانّه يمكن التمسك باطلاقه.

3- التمسك بدعوى ان عادة الشارع قد جرت على بيان النجاسات و لم تجر على بيان الامور الطاهرة، فهو يقول: هذا نجس أو ذاك نجس، و لا يقول: هذا طاهر أو ذاك طاهر فان بيان الامور الطاهرة غير ممكن لعدم انحصارها بخلاف الامور النجسة.

و نظير هذا ما قيل في باب اصالة البراءة من ان عادة الشارع قد جرت على بيان المحرمات دون المباحات، فمن عدم بيانه لحرمة شي‌ء يفهم كونه مباحا، و هكذا الحال في المقام.

بل ان الشك في النجاسة يرجع أحيانا إلى الشك في الحرمة- كما لو اريد أكل شي‌ء مشكوك النجاسة- فيجري أصل البراءة بلا حاجة الى اجراء أصل الطهارة.

و إذا اريد الصلاة أو الطواف في الشي‌ء المشكوك أمكن اجراء البراءة عن تقيد الصلاة الواجبة و الطواف الواجب بعدم لبس المشكوك،

____________

على حجيّة الأصل المثبت، إذ لا دليل شرعي يدلّ على أنّ النجاسة إذا كانت باقية في رجل الحيوان فهي مصيبة للثوب و انّما ذلك ثابت بالملازمة العادية.

48

كما هو الحال في لبس ما يشك في كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، فكما تجري البراءة عن تقيد الصلاة أو الطواف بعدمه- باعتبار ان المانعية انحلالية بعدد افراد المانع، و الصلاة مقيّدة بعدم كل واحد من الموانع، و الشك في نجاسة المشكوك شك في حدوث مانع جديد و من ثمّ شك في حدوث تقييد جديد، و أصل البراءة يقتضي عدمه- كذلك تجري في المقام.

هذا هو المدرك الثالث.

و هو و ان كان وجيها و لكنّه خاص بما إذا كان الشك في الطهارة بنحو الشبهة الحكمية بأن شك في ان العصير العنبي إذا غلى هل حكم الشارع عليه بالنجاسة أو لا، و الأرنب هل حكم الشارع عليه بالنجاسة أو لا، و هكذا، و لا يتم في الشبهات الموضوعية، كما لو شك في ان هذا الثوب طاهر أو نجس و ذاك الماء طاهر أو نجس، و هكذا.

4- التمسك بالاستصحاب بأن يقال ان النجاسة نشك في جعلها للشي‌ء المشكوك، و مقتضى الأصل عدم جعلها.

و هذا الطريق ينفع في الموارد التي تكون النجاسة فيها مانعا دون الموارد التي تكون فيها الطهارة شرطا فانّه بالأصل يمكن نفي مانعية النجاسة و لا يمكن اثبات شرطية الطهارة.

هذه مدارك أربعة لإثبات قاعدة الطهارة، و المهم منها كما عرفنا هو الأوّل.

و اما التسالم فلا يمكن الاستناد إليه لاحتمال مدركيته بل يجزم بذلك.

49

الاشكال في سند موثقة عمّار

عرفنا ان المدرك المهم لقاعدة الطهارة هو موثقة عمار. و الموثقة المذكورة طويلة و لم تذكر في الوسائل مجموعة بل ذكرت مقطّعة في أبواب مختلفة و انما ذكرت مجموعة في التهذيب (1) و ذكر في آخرها الجملة المتقدّمة: «كلّ شي‌ء نظيف ...».

و ذكرت قطعة منها في الاستبصار (2) من دون أن تشتمل على الجملة المتقدّمة.

كما ذكرت قطعة منها في الكافي (3) من دون أن تشتمل على ما ذكر.

و ذكرت بشكل مرسل في الفقيه (4) من دون أن تشتمل على ما ذكر أيضا.

اذن ما يشتمل على الجملة المذكورة ليس إلّا التهذيب. و اذا لا حظنا سند الرواية فيه وجدناه بالشكل التالي: محمّد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و لا مشكلة في رجال السند بل كلّهم ثقات ما خلا أحمد بن يحيى المتوسط بين محمد بن أحمد بن يحيى و أحمد بن الحسن فانه لم‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 284.

(2) الاستبصار 1: 25.

(3) فروع الكافي 3: 9.

(4) من لا يحضره الفقيه 1: 10.

50

يعرف من هو. و يوجد بهذا الاسم أشخاص بعضهم ثقة و بعضهم ليس كذلك.

و هذا الشخص «أحمد بن يحيى» موجود في سند التهذيب فقط و لا يوجد في سند الاستبصار و الكافي. و لكن ذلك غير مجد بعد عدم وجود الجملة المطلوبة فيهما.

و يمكن التغلب على المشكلة المذكورة بأن السند المذكور- محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمّار- قد تكرّر من الشيخ في التهذيب و الاستبصار عشرات المرّات (1) و في الكل ذكر من دون توسط أحمد بن يحيى بين محمد بن أحمد بن يحيى و أحمد بن الحسن و انّما ذكر متوسطا فقط في هذا المورد لا غير، و هذا ممّا يحصّل الاطمئنان بأن ذكره قد حصل اشتباها.

و بهذا البيان نفسه يمكن التغلب على المشكلة لو قيل بأن جامع أحاديث الشيعة قد أشار الى ان بعض نسخ التهذيب قد ذكر فيها الشخص المتوسط باسم «محمد بن يحيى» بدل «أحمد بن يحيى»، و محمد بن يحيى هو المعاذي شيخ محمد بن أحمد بن يحيى، و هو ممّن لم يوثق بل قد استثني من رجال نوادر الحكمة.

____________

(1) كما في الجزء الأوّل من التهذيب حديث رقم 1011، 1352، 1373، و التهذيب، الجزء الثاني حديث 1421، 1466، 1548، و التهذيب، الجزء الثالث حديث 460، 470، 701، 788، 834، 836، 872، ...

و يدعم ذلك أيضا ان سند الاستبصار و الكافي لا يشتمل على الشخص المتوسط المذكور.

51

ان الجواب عن ذلك: ان محمد بن يحيى و ان كان شيخا لمحمد بن أحمد و يروي عنه إلّا انّه يمكن حصول الاطمئنان بأن ذكره هنا قد حصل اشتباها لنفس ما ذكر سابقا خصوصا و انا لو رجعنا الى الموارد التي يروي فيها محمد بن أحمد عن محمد بن يحيى لوجدنا ان محمد بن يحيى لا يروي عن أحمد بن الحسن بل كل مورد ذكر فيه أحمد بن الحسن فهو متصل بمحمد بن أحمد بن يحيى من دون توسط شخص بينهما.

3- عموم القاعدة للشك في النجاسة الذاتية

النجاسة المشكوكة تكون عارضة تارة و ذاتية اخرى. فاذا شككنا في تنجس الماء أو الثوب أو البدن و ما شاكل ذلك بملاقاة البول و نحوه كان ذلك شكّا في النجاسة العارضة، اما إذا شككنا في نجاسة الحديد أو الخمر أو الكافر و ما شاكل ذلك كان ذلك شكّا في النجاسة الذاتية إذ شكنا في النجاسة لم يحصل من جهة احتمال طرو نجاسة عارضة بل لاحتمال كون الشي‌ء نجسا في نفسه.

و لم يطرح في الكلمات تشكيك في عموم القاعدة لكلا النحوين إلّا انّه قد يشكك في شمولها للشك في النجاسة الذاتية و يبرز احتمال اختصاصها بالشك في النجاسة العارضة بتقريب ان من المحتمل كون كلمة «قذر» فعلا ماضيا، و المعنى: كل شي‌ء نظيف حتى تعلم انّه تقذر، و بناء عليه تختص القاعدة بالأشياء التي يحتمل طرو القذارة عليها بعد ان لم تكن قذرة في نفسها.

و يكفي مجرد ابراز هذا الاحتمال لصيرورة الرواية مجملة‌

52

و سقوطها عن قابلية الاستدلال بها في موارد الشك في النجاسة الذاتية.

و فيه: ان المقابلة لكلمة «نظيف» تستدعي أن تكون كلمة «قذر» اسما لا فعلا، بمعنى ان المتكلم لو كان يقصد الفعلية احتاج ذلك الى تحريك للحروف بشكل ملفت للسامع- قذر- بحيث لو كان ذلك ثابتا حقّا لنقله الراوي لنا تحفّظا منه على نقل كل ما هو ملفت للسامع.

4- عموم القاعدة لمورد استصحاب النجاسة

حالة المشكوك سابقا تارة يفرض هي الطهارة و يشك في عروض النجاسة عليه بعد ذلك، و اخرى يفرض العكس، بأن تكون حالته السابقة هي النجاسة ثم يشك في عروض الطهارة عليه، و ثالثة يفترض الجهل بالحالة السابقة.

اما الحالة الاولى و الثالثة فهما القدر المتيقن من مورد قاعدة الطهارة. و اما الحالة الثانية- و التي هي مورد لاستصحاب النجاسة- فقد يشك في شمول القاعدة لها، كما لو فرض ان الماء المتغيّر بالنجاسة زال تغيّره من قبل نفسه، أو فرض ان ثوبنا المتنجس شككنا قد غسل و طهّر أو لا.

و منشأ التشكيك ما أشرنا اليه في البحث السابق، فان من المحتمل كون كلمة «قذر» فعلا، أي كل شي‌ء طاهر حتى تعلم انه قد تقذر، و واضح انه في مقامنا حيث يعلم ان الشي‌ء قد تقذر سابقا فيلزم أن لا يكون محكوما عليه بالطهارة.

و الجواب: ما أشرنا إليه سابقا.

و قد تقول: ما هي الثمرة لهذا البحث بعد عدم امكان التمسّك‌

53

بقاعدة الطهارة عند كون الحالة السابقة هي النجاسة باعتبار ان استصحاب النجاسة مانع بالاتفاق من التمسك بقاعدة الطهارة؟

و فيه: ان الثمرة تظهر فيما اذا لم يمكن جريان الاستصحاب من جهة المعارضة، كما لو فرض ان الشي‌ء قد طرأت عليه سابقا حالتان الطهارة و النجاسة و لا يميّز المتقدّم عن المتأخّر فان الاستصحاب حيث لا يمكن جريانه للمعارضة فيبقى المجال مفتوحا لقاعدة الطهارة فتجري بناء على شمولها لموارد النجاسة المعلومة سابقا و إلّا فلا.

ثم انّه قد يقال بأن قاعدة الطهارة لو كانت تشمل موارد اليقين بالنجاسة سابقا فلما ذا علل الامام (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان- الواردة فيمن أعار ثوبه الذمي و هو يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير- عدم وجوب تطهير الثوب عند استرجاعه بقوله: «انّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن انّه نجسه» (1)، ان التعليل بكون الحالة السابقة هي الطهارة لا داعي له بعد جريان قاعدة الطهارة في موارد النجاسة السابقة بل المناسب التعليل بأنك ما دمت تشك في نجاسته بالفعل فاحكم بطهارته بلا حاجة الى ملاحظة حالته السابقة لأن في ملاحظتها اعمالا لعناية زائدة لا حاجة اليها.

و هكذا الكلام يأتي في صحيحة زرارة الثانية المذكورة في باب الاستصحاب حيث ان الامام (عليه السلام) علل عدم وجوب اعادة الصلاة في حق من ظن اصابة النجاسة لثوبه قبل الصلاة ثم رآها بعد الصلاة بقوله:

«لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 74 من أبواب النجاسات حديث 1.

54

اليقين بالشك أبدا» (1) فان اصالة الطهارة لو كانت تجري مع كون الحالة السابقة هي النجاسة فلا وجه لأخذ اليقين بالطهارة السابقة بعين الاعتبار.

و فيه: ان أقصى ما يدل عليه العدول الى الاستصحاب انّه مع وجود حالة سابقة معلومة لا تصل النوبة الى قاعدة الطهارة، و لعل ذلك ليس من جهة عدم وجود المقتضي لها بل من جهة وجود الحاكم و هو الاستصحاب.

5- شمول القاعدة لموارد الشبهة الحكمية

الشك في الطهارة و النجاسة تارة يكون بنحو الشبهة الحكمية- بمعنى كون الشك متعلقا بالحكم الشرعي الكلي كما اذا شك في تنجس الماء المضاف البالغ كرا أو اكرارا بملاقاة النجاسة له بمقدار رأس الابرة- و اخرى بنحو الشبهة الموضوعية، بمعنى كون الشك متعلّقا بالموضوع و الحكم الجزئي، كما لو حكمنا بتنجس المضاف بملاقاة النجاسة القليلة له و لكن شككنا في تحقق الملاقاة و عدمها.

و قد نقل في المقدّمة الحادية عشرة من المقدّمات المذكورة في بداية الحدائق ان الأمين الأسترآبادي في فوائده المدنية قد اختار عدم جريان القاعدة إذا كان الشك بنحو الشبهة الحكمية و مال الشيخ يوسف نفسه الى ذلك.

و استدل له بان المتيقن من الموثقة ان احتمال اصابة النجاسة‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 42 حديث 2.

55

للشي‌ء الطاهر لا يعتنى له دفعا للوساوس الشيطانية و الشكوك النفسانية، و امّا تطبيقها في حالات الجهل بالحكم الشرعي فلا يخلو من الاشكال و الجرأة (1).

و فيه: ان اطلاق الموثقة حجة تنتفي معه الجرأة و الاشكال.

6- قاعدة الطهارة حكم ظاهري أو واقعي

المعروف لدى الأصحاب ان قاعدة الطهارة تثبت طهارة ظاهرية عند الشك. هذا و لكن صاحب الحدائق اختار كون الطهارة واقعية لا ظاهرية (2)، بمعنى ان من لا يعلم بكون الشي‌ء نجسا واقعا فهو طاهر في حقّه واقعا لا ظاهرا فقط.

و يترتب على ذلك ان من تناول النجس و هو لا يعلم بنجاسته ثم اطلع على ذلك فلا يلزمه تطهير فمه و ملابسه و بدنه لأن ذلك النجس محكوم بالطهارة واقعا فترة عدم العلم.

و استدل (قدّس سرّه) على ذلك بلزوم العسر و الحرج و مخالفة ظواهر الأخبار لو كان المجهول نجسا واقعا. هذا مضافا الى التمسك بظاهر قوله (عليه السلام): «فاذا علمت فقد قذر» الدال على ان القذارة تثبت عند العلم بها.

و كان من المناسب ان يتمسّك بظاهر قوله (عليه السلام): «كل شي‌ء نظيف» فان كل وصف اخذ في القضية يحمل على إرادة الواقع منه دون الظاهر، خصوصا ان المقابلة في المقام تستدعي ذلك أيضا فان وصف‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 135.

(2) المصدر نفسه: 136.

56

القذر حيث يراد به القذر واقعا فالمناسب ان يراد من وصف النظيف ذلك أيضا.

و فيه:

أ- ان الموثقة قالت: «حتى تعلم انّه قذر»، و هذا يدل على ان الشي‌ء قذر واقعا و العلم يتعلّق بما هو قذر واقعا، و اذا كان الشي‌ء قذرا واقعا فكيف يحكم عليه بكونه نظيفا واقعا، انه تناقض واضح.

أجل لو كانت كلمة «قذر» ملحوظة بنحو المرآتية الى الأعيان النجسة- بأن كان المقصود منها الاشارة الى البول و المني مثلا- لم يتحقّق بذلك تناقض و لكن حمل الوصف المذكور على ذلك خلاف الظاهر، خصوصا ان كلمة «نظيف» لم يقصد منها المرآتية فمن المناسب ان لا يقصد ذلك من كلمة «قذر» أيضا.

ب- ان لازم كون الحكم بالطهارة واقعيا ان الدم مثلا طاهر واقعا في حق شخص و هو الشاك و نجس واقعا في حق آخر و هو العالم، و التفكيك الواقعي المذكور خلاف ما هو المرتكز لدى المتشرعة.

ج‍- ان الموثقة قالت بعد ذلك «و ما لم تعلم فليس عليك شي‌ء» و لم تقل: و ما لم تعلم فليس بقذر، و هذا ممّا يدل على ان القذارة قد تكون ثابتة واقعا و لكنّها ليست منجزة على المكلف ما دام لا يعلم بها.

د- ان للرأي المذكور لازما لا يمكن الالتزام به، و هو ان قطرة بول لو أصابت ماء قليلا مثلا و لم نعلم بالاصابة حين تحققها بل بعد فترة فلا يحكم عليه بالتنجس لا قبل الالتفات الى الاصابة و لا بعد ذلك.

اما عدم التنجس قبل الالتفات فلأجل ان قطرة البول آنذاك طاهرة واقعا فلا تكون موجبة للتنجس.