سند العروة الوثقى - صلاة المسافر

- الشيخ محمد السند المزيد...
363 /
3

كلمة الافتتاح

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً

صدق اللّه العليّ العظيم‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آل بيته الطيبين الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

و بعد ..

البحث في صلاة المسافر و أحكام السفر من مهمات الأبحاث الفقهية التي اهتم بها الفقهاء قديما و حديثا.

و لعل الباعث نحو هذا الاهتمام- مضافا إلى الحاجة الماسة لهذه الأحكام إذ هي مورد للابتلاء الكثير لغالبية المكلفين- هو محاولة التوفيق بين الأدلة المتعددة بنحو منتظم و معالجتها بوجوه دقيقة و نكات فقهية.

و قد توالت مدونات الفقهاء في هذا الباب فملئ بالمطارحات الفنية و السجالات المتينة المستلزمة لروية علمية دقيقة لحلحلتها و تنقيحها و ملاحظة آثارها و لوازمها المختلفة.

و لهذا نجد كثرة احتياط الفقهاء في مسائل و فروع هذا الباب، حتى من‌

6

مثل الشيخ الكبير كاشف الغطاء و صاحب الجواهر- قدس سرهما- ذوي الجرأة الفقهية المتميزة في مسائل الفقه.

و هذا الكتاب ثمرة جهد لمجموعة من المحاضرات ألقاها سماحة الاستاذ الشيخ محمد سند البحراني على جمع من الطلبة في حوزة قم المقدسة، ابتداءً من شهر شوال عام 1412 و انتهاء في شهر ذي الحجة الحرام 1413.

و يمتاز بتدقيق لحقيقة الشروط الثمانية للتقصير منسجمة مع لوازمها و آثارها المتباينة المدلول عليها في الأدلة، و لحقيقة القواطع حيث ان دائرتها و حدودها موضع تشويش، مضافا إلى حل كثير من العقد الصناعية، مع التتبع الوافر للوصول إلى الجو الفقهي الخاص بكل مسألة في عصر الصدور لتحصيل المفاد الصحيح للرواية و الجهة المنظورة إليها فيها و غيرها من النكات.

و قد أولاني الاستاذ رعاية هذا المدوّن و القيام بإخراجه بهذه الحلة، من تخريج مصادر الروايات و الأقوال التي وقع عليها النقض و الإبرام و عنونة المطالب و المواضيع مع بعض التعليقات التوضيحية- بحسب ما استفدته حضورا- المرموزة بحرف (ح).

و الحمد للّه رب العالمين.

أحمد الماحوزي في ذي الحجة الحرام 1413‌

7

[كلمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله المنتجبين و عجل اللّهم فرجهم و صبحهم الأبلج.

و بعد ..

فهذه مقتطفات دونتها بصورة التعليق و الشرح لمتن المرحوم الفقيه السيد كاظم اليزدي- قدس سره- مما كنت أبحثه مع عدة من الاخوة طلاب العلم و الفضيلة، عسى أن يكون موضع فائدة و قبول لدى أهل النقد و التحقيق.

* وجوب القصر على المسافر‌

* الاستدلال بالآية الكريمة‌

* القصر في الرباعيات‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[فصل في صلاة المسافر]

فصل في صلاة المسافر لا إشكال في وجوب (1) القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية

____________

صلاة المسافر وجوب القصر على المسافر

(1) وجوب القصر بالشروط الآتية لا إشكال و لا خلاف فيه بيننا، و إجماع الفقهاء بل ضرورة المذهب قاضية بذلك.

أما أصل المشروعية و الجواز فمما لا خلاف فيه بين جميع فقهاء المسلمين قاطبة.

و يدل عليه قوله تعالى: وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (1).

و تقريب الدلالة ان في الآية شرطين لتقصير الصلاة و حيث علم من الخارج أن شرطية الخوف للتقصير غير مقيدة بالسفر و لازمه أن يكون السفر شرط مستقل و إلا لكان لغوا.

و أما دلالتها على الوجوب فنفي الجناح فيها لا يعني الاستحباب، بل كما هو الشأن في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا

____________

(1) النساء: 101

10

[القصر في الرباعيات]

بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات (1) و أما الصبح و المغرب فلا قصر

____________

جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا (1).

فنفي الجناح في الآية انما هو لدفع توهم الحظر في السفر حيث ان الصلاة في السفر تنقص عن الصلاة في الحضر، فجاءت الآية بصيغة- لا جناح- لدفع توهم الحظر في نقصان الفريضة و كذا أيضا الكلام في المورد الثاني حيث كان على الصفا و المروة في الجاهلية مجموعة من الأصنام فجاءت الآية لدفع توهم الحظر في السعي بين الصفا و المروة.

و هذا هو مفاد صحيحة (2) زرارة و محمد بن مسلم (3).

و العجب من بعض فقهاء العامة القائل بتعين التقصير في صلاة الخوف عدم التزامه بتعين التقصير في صلاة المسافر.

و في المقام طوائف كثيرة من الروايات المستفيضة التي وردت عن العترة الطاهرة و التي لا يبعد تواترها الإجمالي، و هي موزعة على أبواب صلاة المسافر و سيأتي ذكر كثير منها في أثناء البحث في فصول هذا الباب.

القصر في الرباعيات

(1) بلا خلاف في ذلك للنصوص المستفيضة بل المتواترة، و الظاهر من آية‌

____________

(1) البقرة: 158

(2) و هي: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي و ما هي؟ فقال (عليه السلام): ان اللّه عز و جل يقول: وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ ... الآية فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر قالا قلنا: انما قال اللّه- ليس عليكم جناح- و لم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام): أو ليس قد قال اللّه عز و جل: إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا ألا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض، لأن اللّه عز و جل ذكره في كتابه و صنعه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كذلك التقصير في السفر شي‌ء صنعه النبي و ذكره اللّه تعالى في كتابه. (ئل: أبواب صلاة المسافر ب 22 حديث 2). (ح)

(3) و يمكن تنقيح الحال في المقام بهذا البيان: حيث ان أصل الصلاة واجب فلم يبق في المقام للقصر فيها-

11

فيهما

____________

التقصير ان الجعل الأولي كان التمام ثم ورد الأمر بالتقصير و لا ينافيه ما في بعض الروايات كما في الصحيح عن سعيد ابن المسيب انه سأل علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هي اليوم عليه؟ فقال (عليه السلام): بالمدينة حين ظهرت الدعوة و قوي الإسلام و كتب اللّه عز و جل على المسلمين الجهاد زاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الصلاة سبع ركعات، في الظهر ركعتين، و في العصر ركعتين ... الحديث (1).

و غير ذلك من الروايات من الخاصة و العامة من أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أضاف ذلك للحاضر المقيم و أقر الظهرين للمسافر، حيث ان المقصود ان الجعل‌

____________

- إلا احتمال التخيير في الوجوب بينه و بين التمام أو تعينه.

و حيث ان في تشريع القصر في السفر نحو تخصيص للعموم الأولي، فهو إما أفرادي من رأس أو أحوالي بمعني استثناء تعيينية التمام، فكلمة لا جناح في بادئ النظر قرينة على الثاني، إلا أن الالتفات إلى المورد و هو توهم حزازة النقصان في الفريضة- نظير ما توهمه بعض المسلمين عند نزول آية التقصير في الصيام فسماهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) العصاة- تكون لا جناح واردة لنفي ذلك التوهم لا مفادها السابق البدوي، فبالنظر إلى مورد نزول الآية تنصرف لا جناح عن ظهورها الأولي.

نظير ما إذا ورد الأمر مورد توهم الحظر، فإنه ينسلب عن ظهوره الأولي في الطلب و يكون مستعملا في الجواز، و كذا النهي إذا ورد مورد توهم الوجوب فإنه ينسلب عن ظهوره الأولي في الزجر و يكون مستعملا في الجواز و دفع توهم الوجوب.

ففيما نحن فيه و إن كانت لا جناح المسند إلى التقصير هي للجواز بمعنى التخيير بينه و بين التمام إلا أن توهم الحضر في التقصير يسلب لا جناح عن ذلك الظهور البدوي، و تكون للدلالة فقط على أصل مشروعية التقصير لا الجواز تخييرا مع التمام.

فلب البيان: ان كلمة لا جناح منصبة على أصل المشروعية و دفع توهم اللامشروعية لا لكيفية الشي‌ء المشرع انه تخييري جائز الترك لا تعييني.

هذا خلاصة ما أفاده الشيخ الاستاذ و استفدناه منه في توضيح دلالة الآية على الوجوب و الأمر سهل بعد دلالة جملة من الروايات عليه. (ح)

(1) الوسائل: أبواب أعداد الفرائض باب 13 حديث 19.

12

..........

____________

الأولي على المكلفين عامة هو التمام، و التقصير لطرو عنوان السفر.

و المهم في المقام تأسيس الأصل الأولي و عموم وجوب التمام إلا ما خرج كالمسافر بالشرائط الآتية، و ان موضوع العموم هو المكلف من دون قيدية الحضر أو المقيم.

ففي مصحح الفضيل بن اليسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول (في حديث) ان اللّه عزّ و جل فرض الصلاة ركعتين عشر ركعات فأضاف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى الركعتين ركعتين و إلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر و أفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر و الحضر ... إلى أن قال: و لم يرخص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لأحد تقصير ركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض اللّه عز و جل بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا و لم يرخص لأحد في شي‌ء من ذلك إلا للمسافر .. الحديث (1).

و كذا ما دل من المطلقات و العمومات على ان الفريضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة، و ورود عنوان الحضر و المقيم في بعض الروايات كما في الرواية السابقة و كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث قال: فزاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر و العصر و العشاء الآخرة، و ركعة في المغرب للمقيم و المسافر (2).

ورود مثل هذه الروايات لا ينافي ما قدمناه إذ من الواضح انه لو أحيي ميت من العصور الماضية أو خلق إنسان بالغا لكان وظيفته التمام، على ان مقتضي عنوان المقيم أو الحاضر هو غير المسافر و كذا ما دل على ان المسافر غير الواجد للشرائط يتم و كذلك ما دل على قاطعية الاستيطان إذ لا ربط كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل أبواب أعداد الفرائض باب 13 حديث 2.

(2) الوسائل أبواب أعداد الفرائض باب 13 حديث 12

13

الفصل الأول شروط القصر

الأول: المسافة‌

الثاني: قصد المسافة‌

الثالث: استمرار القصد‌

الرابع: الخلو من القاطع‌

الخامس: إباحة السفر‌

السادس: أن لا يكون بيته معه‌

السابع: عدم كثرة السفر‌

الثامن: الوصول إلى حد الترخص‌

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

[الشرط الأول المسافة]

و أما شروط القصر فأمور: الأول: المسافة. و هي ثمانية (1) فراسخ امتدادية ذهابا أو إيابا أو ملفقة من الذهاب و الإياب

____________

شروط القصر الشرط الأول: المسافة

(1) أخذ هذا الشرط قيدا في موضوع القصر و بهذا المقدار مما لا خلاف فيه بيننا، و ذهب الشافعي إلى الضعف مرحلتين و أبو حنيفة إلى ثلاث مراحل، و داود الظاهري إلى مطلق السفر الطويل و القصير.

و يدل عليه النصوص المتكاثرة ففي حسنة الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) أنه سمعه يقول: انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر لأن ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة و القوافل و الأثقال فوجب التقصير في مسير يوم و لو لم يجب في مسير يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة ... الحديث (1).

و صحيحة أبي أيوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التقصير قال:

فقال: في بريدين أو بياض يوم 2.

و مثله موثقة سماعة 3 و صحيح أبي بصير 4 و موثق العيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) قال: التقصير حده أربع و عشرون ميلا 5. و غيرها من الروايات، و ما ورد بغير ذلك فموافق للعامة و ضعيف سندا أو دلالة.

و الكلام في المقام هل الأصل في التقصير هو الحد الزماني أو المكاني أو هما معا أو أنهما يشيران إلى جامع بينهما؟ و هل الإشارة و العلامية ظاهرية أو واقعية؟ و هذه المحتملات سيالة في التحديدات الشرعية الواردة في الأبواب الفقهية المتفرقة.

و المقام قد دلت الروايات على كون الأصل فيه هو المقدار المكاني كما في‌

____________

(1) 1 و 2 و 3 و 4 و 5 الوسائل: أبواب صلاة المسافر باب 1 حديث 1، 7، 8، 11، 14.

16

إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد بل مطلقا على الأقوى (1) و إن كان الذهاب فرسخا و الإياب سبعة، و إن كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع

____________

حسنة الفضل المتقدم، و صحيحة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي انه سمع الصادق (عليه السلام) يقول في التقصير في الصلاة: بريد في بريد أربع و عشرون ميلا ثم قال: كان أبي يقول: ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواء و الدابة الناجية و انما وضع على سير القطار (1).

و هذا يدل على ان المسير يراد به اسم للمكان و ان المدار عليه، و وجه الدلالة ان أخذ الزمن المعين مع السرعة المعينة انما هو للحصول على المسافة المعينة و إلا لما كان وجه للتقييد بسرعة معينة فيكون العبرة بالمسافة و إن كان الزمن قصيرا مع السرعة الفائقة، إذ المسافة حاصلة من ضرب الزمن في السرعة.

و كذلك رواية العلل و العيون 2 و كذا ما ورد من تفسير مسير يوم بالثمانية فراسخ. نعم بياض يوم علامة شرعية على ذلك في ما كان المسير بالجمال عند الجهل بالمقدار المكاني.

التلفيق في المسافة

(1) الأقوال في المسألة متعددة تبعا لتعدد و اختلاف الروايات، ففي المقام عدة طوائف من الروايات.

الطائفة الأولى: ما دلت على القصر إذا كان الذهاب أربعة و الإياب أربعة:

مثل صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ قال: بريد ذاهبا و بريد جائيا (3).

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: أبواب صلاة المسافر باب 1 حديث 3 و 2.

(3) الوسائل: أبواب صلاة المسافر باب 2 حديث 2.

17

..........

____________

و كذلك الصحيح إلى سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه (عليه السلام): التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و جائيا (1).

و صحيحة زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير فقال: بريد ذاهب و بريد جائي (2).

و مثل ذلك ما رواه الصدوق في العلل عن عبد الواحد بن عبدوس النيسابوري عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان فيما حكاه من العلل لابن قتيبة و ذكر في آخرها انها من الرضا (عليه السلام) و فيه: لأن ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا و بريد جائيا 3.

و ما في تحف العقول مثل ذلك 4.

الطائفة الثانية: ما دلت على التقصير إذا كان الذهاب أربعا مطلقا:

مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: التقصير في بريد و البريد أربعة فراسخ (5).

و صحيحة زيد الشحام- أيضا- (6) و غيرها من الروايات الدالة على ذلك.

الطائفة الثالثة: ما تقدم مما دل على الثمانية فراسخ الظاهرة في الامتداد.

الطائفة الرابعة: ما تدل على مطلق الثمانية التلفيقية:

مثل موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن التقصير؟ قال: في بريد. قلت: بريد؟! قال: انه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه (7).

____________

(1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر باب 2 حديث 4

(2) 2 و 3 و 4 نفس المصدر حديث 14 و 18، 19.

(5) نفس المصدر باب 2 حديث 1.

(6) نفس المصدر باب 2 حديث 3.

(7) نفس المصدر باب 2 حديث 9.

18

..........

____________

و وجه الاستدلال بهذه الموثقة أن شغل اليوم يحصل بمطلق الثمانية التلفيقية.

و صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير؟ فقال: بريد ذاهب و بريد جائي، قال: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتى (ذبابا) قصر و ذباب على بريد و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ (1).

و موضع الشاهد من الصحيحة هو قوله (عليه السلام) «و انما فعل ذلك لأنه إذا ...» حيث ان التعليل بكون المجموع ثمانية تلفيقية لا لقيد آخر وراء ذلك من كون الذهاب أربعة أو بضميمة لأن الإياب أربعة أيضا، و التعبير بانما للحصر.

و مروي الصدوق و الكليني (2) عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر لهم فلما انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا فلما أن صاروا على رأس فرسخين أو ثلاثة أو أربعة فراسخ تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ فقال (عليه السلام): إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصروا، ثم قال (عليه السلام): هل تدري كيف صار هذا؟! قلت: لا أدري، قال: لأن التقصير في بريدين و لا يكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة، قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي‌

____________

(1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر باب 2 حديث 14 و 15.

(2) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 3 حديث 10. و من قوله (عليه السلام): «هل تدري» لم يرده في الكافي ..

19

..........

____________

خرجوا منه؟ قال: بلى انما قصروا في ذلك الموضع لأنهم لم يشكوا في مسيرهم و ان السير سيجدّ بهم في السفر، فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا.

و تقريب الدلالة- كما في الصحيح السابق- بل فيه التصريح مكررا كقوله (عليه السلام): «لأن التقصير في بريدين ... فلما كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير» و علاوة على هذا ان في الرواية تعليل لاعتبار البريد في السير، و البريد في الانصراف لأنهم لو كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن قد قطعوا سفر التقصير و هو مجموع البريد، و هذا كالمفسّر لما تقدم من الطوائف و سيأتي المزيد من الكلام في ذلك.

الجمع بين الروايات تعددت الوجوه و الأقوال في الجمع بين تلك الطوائف من الروايات، و الكل على رفع اليد عن ما دل على الثمانية الامتدادية، و أما التلفيقية فمن قائل باعتبار الأربعة في كل من الذهاب و الإياب للطائفة الأولى و حمل الثانية عليها، و من قائل باعتبار الأربعة فما زاد في الذهاب فقط مع كون المجموع ثمانية.

الأوجه من الأقوال و الأوجه ما عليه الماتن- قدس سره- و ذلك لأن الطائفة الأولى لو لا كون الغالب في طرق السفر اتحاد طريق الذهاب و الإياب لكان الأصل في القيود الاحترازية، و لكن لما كان الغالب كذلك كان من الواضح الظاهر ان اعتبار البريد في الذهاب و الإياب لتحقيق الثمانية لتساوي طريق الذهاب و الإياب لاتحادهما أو تقارب طولهما فيما اختلفا في النادر، لأن مقدار البريد معتبر في كل منهما.

و لذا ترى في الطائفة الثانية اطلاق اعتبار البريد في السفر من دون ضميمة‌

20

..........

____________

البريد الآخر، و وجهه ان الذهاب إذا كان بريد فالإياب عادة ما يكون كذلك فتتحقق المسافة التي هي ثمانية فراسخ حينئذ.

و هذا هو مفاد موثقة ابن مسلم السابقة حيث حدد (عليه السلام) المقدار أولا بالبريد، فلما أظهر ابن مسلم التعجّب فسّر (عليه السلام) له ان البريد في الذهاب يلازم عادة البريد في الإياب فتتحقق الثمانية.

و كذا ما ورد في صحيح أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

أدنى ما يقصد فيه المسافر؟ قال (عليه السلام): بريد. و وجهه ما تقدم.

و أيضا صحيح زرارة «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أتى ذبابا قصّر و ذبابا على بريد و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» فهو صريح في ان اعتبار البريد في الذهاب لتحقيق البريد في الإياب لتلازمهما و وحدتهما عادة و غالبا.

و من هنا نرفع اليد عن صحيح معاوية بن وهب حيث فيه: ان أدنى التقصير بريد ذهابا و أربعة إيابا، و نكتة التعبير بأدنى أنه لو كان الذهاب أقل من أربعة لصار الإياب أقل أيضا لوحدتهما غالبا، فيقل عن المقدر من المسافة، و إلا فكيف يكون أخذ الأربعة فيهما أدنى من الملفق بصورة أخرى، إذ فيها زيادة من جهة و نقص من جهة أخرى، فلا يكون أخذ الأربع زيادة من كل وجه، فتدبّر.

و يؤيد ذلك ما مر من حسنة الفضل من التعبير بأن الثمانية لا أقل منها، و- أيضا- ما في الدعائم عن الصادق (عليه السلام) قال: أدنى السفر الذي تقصر فيه الصلاة و يفطر فيه الصائم بريدان و البريد اثنا عشر ميلا (1).

____________

(1) مستدرك الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 1 حديث 4.

21

..........

____________

فمفاد الطائفتين الأولتين إذن لا تنافي الأخيرة، و وجهه انه لبيان لزوم الثمانية، و انه لا اعتبار بالأقل فلا ظهور لها في القيدية الزائدة على ذلك لما عرفت من غلبة كون طريق الذهاب هو طريق الرجوع فلو قل الذهاب لقل الرجوع و لقل المجموع عن الثمانية. نعم في الطريق الجبلي يكون طريق الذهاب غير الإياب و لكن لا نظر للروايات له.

إشكالات مدفوعة الأول: ما في المستند من الإشكال على ذلك بأن عموم التعليل لو عمل به لشمل ما لو تردد بميل ذاهبا و آئبا أربع و عشرين مرة و نحو ذلك، و لشمل أيضا ما لو دار حول المدينة على بعد يزيد عن حد الترخص بقليل بحيث يقطع الثمانية فراسخ و هو واضح البطلان فيعلم منه عدم كون التعليل موضوعا للحكم، بل حكمة للتشريع.

و فيه: انه سيأتي في المسألة (12) الآتية اعتبار كون المجموع ذهابا واحدا و إيابا واحدا غير متعدد، و وجه ذلك- بعد عدم رفع اليد عن ظهور وحدتهما في القيدية كما سيأتي- عدم صدق المسافر على المتردد مرات متعددة دون الأربعة في بعض الصور، فأين ذلك مما نحن فيه؟! إذ الكلام بعد صدق المسافر و كون المجموع ذهابا واحدا و إيابا واحدا.

و أما النقض بالمثال الثاني ففيه أن ذلك لا يعدّ مسافرا بل متنقلا في ضواحي المدينة، و إلا لو ابتعد أكثر فالكل يلتزم بالتقصير في المسافة الدورية كما سيأتي في المسألة 14.

الثاني: ما في المستمسك من أن التعليلات لما لم تكن في بيان تعليل الحكم في مقام الثبوت بل في مقام الإثبات لم تصلح للحكومة إلا على نصوص الثمانية، فتدل‌

22

..........

____________

على ما يعم الملفقة، فلا تعرض فيها لإلغاء الأربعة، نعم إطلاق التلفيق قاض بذلك، و لكن يحمل على المقيد بالأربعة بعد عدم الحكومة.

فيرد عليه: ان المراد من مقام الثبوت و الإثبات هو الواقع و الكاشف، و من الواضح ان التعليل لا ينحصر بما في ذيل موثقة ابن مسلم «فقد شغل يومه» حيث ان بياض اليوم علامة على المسافة المكانية عند الجهل.

بل ما في صحيح زرارة المؤيد بخبر إسحاق بن عمار التعليل بالثمانية من دون شي‌ء وراء ذلك، مع الحصر بانما.

هذا مع ان العلامة و الكاشف تارة تكون مع الواقع من وجه أي يخطئ و يصيب، و أخرى يلازم الواقع أي علامة واقعية و لازم واقعي، و التعليل لا يحسن بما يكون من قبيل العلامة الأولى لكون المقام في موثقة ابن مسلم مقام تشريع الحكم فلا محالة تكون العلامة من القبيل الثاني، و هي لا بد أن تكون أخص أو مساوية و إلا لتهافت التحديد بكل من المقدار الزماني و المكاني كما لا يخفى.

و أما أن إطلاق التلفيق يحمل على المقيد بالأربعة لعدم كونه حاكما.

ففيه: ما تقدم من عدم ظهور ما دل على الأربعة في التقييد، بل ذلك لكونه هو الغالب في تحقيق الثمانية كما فصلنا بيانه، و لا يحمل المطلق على القيد الغالب غير المحترز به، هذا مع ان اطلاق التلفيق كيف لا يكون حاكما على المقيد على فرض ظهوره في التقييد بعد التعليل به، أ فلا يكون التعليل حاكما على المعلل؟!

الثالث: الاعتراض بأنه إذا كان الذهاب بمقدار أربعة صدق عرفا ان المسافة بريد و إن كان الإياب أقل منه، و بعكس ذلك لو كان الذهاب أقل من أربعة لم يصدق عرفا انه سافر بريدا، و أما ذكر البريد في طرف الإياب فلكون الفرد الغالب فيما يكون الذهاب بريدا و لا يرى العرف لخصوصيته دخلا في الحكم.

23

..........

____________

ففيه: يا ليته رفع الخصوصية من الذهاب أيضا لكون الغالب كذلك إذ قلته تلازم قلة الإياب فيلزم قلة المجموع عن المقدار. و رفع اليد عن أحدهما دون الآخر تحكم بعد دلالة صحيحة ابن وهب.

و أما صدق انه سافر أربعة فيما لو كان الذهاب كذلك بخلاف ما لو كان أقل ففيه انه سيأتي في اشتراط قصد المسافة انه لو لم يقصد و ذهب بقدر ثمانية فإنه لا يقصر إلا إذا قصد الرجوع فإنه يقصر لكونه مسافة بنفسه، و هو منصوص و متفق عليه مع انه رجوع فلا ينحصر صدق السفر بالذهاب فقط، و عرفا الحال كذلك أيضا.

مؤيد لما ذكرنا و مما يؤيد ما ذكرناه الحكم في المسافة الدورية فإن أكثر المحشين مع ذهابهم إلى اشتراط الأربعة في الذهاب و الإياب الا انهم في المسافة الدورية فيما لو كان المقصد دون الأربعة مع كون المجموع ثمانية قالوا بالتقصير، و ذلك لجعلهم منتهى الذهاب هو النقطة المسامتة لنصف الدائرة التي هي منتهى البعد و التي هي مبدأ للإياب حيث يأخذ في الاقتراب شيئا فشيئا.

و وجه التأييد ان على ذلك يتحد المسلكان في غالب الصور، حيث انه إذا كان أحد الطريقين أطول من الآخر فبسبب استدارة الطريق نحوا ما لا محالة فمنتهى البعد حينئذ يكون أربعة و إن لم يكن المقصد على رأس الأربعة.

و يمكن أن يقرب التأييد بأن الذهاب و الإياب بحسب المقصد عرفا، و مجرد الابتعاد لا يطلق عليه ذهاب إذا كان مؤدي للرجوع، فارتكاز شمول الأدلة لذلك و لو كان المقصد دون الأربعة شاهد على مطلق التلفيق، سيما و ان بعض صور المسافة المستديرة ليس فيها نقطة أبعد تجعل غاية للذهاب، و جعل الغاية نقطة المنتصف‌

24

..........

____________

اعتبار و فرض.

نعم يبقى موارد افتراق بين المسلكين في غير المسافة الدورية كما في من تمادى به السير من دون قصد ثم أراد المضي قليلا ثم الرجوع بحيث كان مقدار ما بقى من الإياب و الذهاب ثمانية مع نقصان الباقي من الأول عن الأربعة، بل و كذلك في الدورية فيما كانت بنحو بيضاوي و غير الكروي فان منتهى البعد لا يكون في نصف المسافة فيقصر أحدهما عن الأربعة.

مؤيد آخر و مما يدل على مطلق التلفيق موثقة عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة له و هو لا يريد السفر فيمضي في ذلك فتمادى به المضي حتى تمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال: يقصر و لا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله (1). حيث انه (عليه السلام) أطلق وجوب القصر بعد حصول الثمانية سواء ضم إليها شي‌ء من الذهاب أو رجع بعد تمام الثمانية و توهم ان مفادها مناف لاعتبار قصد المسافة ممنوع لأن قوله (عليه السلام) «حتى يرجع إلى منزله» قرينة على تجدد إنشاء قصد السفر و لو فرض شمولها لما قبل ذلك فغاية الأمر تقيدها بما دل على الإتمام قبل إنشاء السفر.

و من ذلك يظهر وجه عدم منافاة موثقه الآخر 2 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ اخرى أو ستة فراسخ و لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع؟ قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة. حيث ان غاية ما يدل عليه هو لزوم الثمانية أعم من‌

____________

(1) 1- 2 الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 4 حديث 2 و 3.

25

و الأقوى (1) عدم اعتبار كون الذهاب و الإياب في يوم واحد أو في ليلة واحدة أو في الملفق منهما مع اتصال ايابه بذهابه و عدم قطعه بمبيت ليلة

____________

التلفيقية أو الامتدادية.

و العجب مما يظهر من بعض الأعلام (1) من التقصير في الذهاب المتجدد للمتمادي في صورة كون الرجوع بنفسه مسافة لأن اشتراط الأربعة فيه انما هو إذا لم يكن أحدهما مسافة بنفسه، و وجهه ان على القول بأن الأصل في المسافة امتدادية و ان التلفيقية بريد في بريد حكومة و تعبد خاص في ذلك فتكون الصورة المزبورة خارجة عن كلا القسمين، فالذهاب المتجدد دون الأربعة يتم فيه حتى يأخذ في الرجوع لأنه مسافة امتدادية على القول بالتلفيق الخاص.

زمان التلفيق (2)

(1) الأقوال في المسألة متعددة فالمشهور على الاشتراط و إلا فيتخير بين القصر و التمام و عن المرتضى و الفاضلين في بعض كتبهما و الحلي التمام لغير قاصد الرجوع ليومه، و عن التهذيب و المبسوط التخيير لمريد الرجوع ليومه و التمام لغيره و عن المفيد و سلار و والد الصدوق التخيير لمريد الرجوع لغير يومه في الصلاة دون الصوم و غيرها.

____________

(1) تعليقة السيد الخوئي (دام ظله) على مسألة 13.

(2) فروض المسألة ثلاثة:

الأول: فيما إذا كان عازما على الرجوع ليومه أو ليلته و هذا مما لا إشكال و لا خلاف في وجوب القصر عليه بل كما عن الصدوق في الأمالي انه من دين الإمامية.

الثاني: إذا كان عازما على المكث عشرة أيام على رأس أربعة فراسخ من سفره و في هذه الحالة أيضا لا خلاف في وجوب التمام عليه.

الثالث: إذا بقي على رأس أربعة فراسخ من سفره أقل من عشرة أيام فهل يجب عليه التمام أو القصر أو انه مخير بينهما، أو التفصيل بين الصلاة و الصوم فيكون مخيرا بين القصر و التمام في الصلاة أما الصوم فيأتي فيه أقوال متعددة. (ح)

26

فصاعدا في الأثناء بل إذا كان من قصده الذهاب و الإياب و لو بعد تسعة أيام يجب عليه التقصير فالثمانية الملفقة كالممتدة في ايجاب القصر إلا إذا

____________

الأوفق من الأقوال و الأوفق ما أفاده في المتن بعد إطلاق ما دل على التقصير بالتلفيقية كما في ما دل على الامتدادية ما لم يحصل أحد القواطع مضافا إلى خصوص روايات التقصير لأهل مكة في عرفات المشددة النكير لفعلهم التمام، الدالة على تعين ذلك عليهم بأنحاء شتى كما سيأتي التعرض لها، هذا بعد عدم تمامية ما استدل به من الروايات على التمام تعيينا أو تخييرا. و الروايات هي:

الرواية الأولى: ما في ذيل صحيحة ابن مسلم السابقة «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».

حيث قيدت التلفيق باليوم أي مقداره و لا أقل من أن ذلك يوجب انصراف أدلة المسافة التلفيقية إلى الذهاب و الإياب المتصل غير المنقطع بمبيت و نحوه لا سيما ما ورد في بعضها ان السفر لقضاء حاجة الظاهر في تحقق الإياب في يوم الذهاب و حينئذ يرجع إلى اصالة عموم التمام التي سبق تأسيسها.

و فيه: قد تقدم ان التقدير الزمني لما كان مقيد بسرعة معينة يكون اشارة إلى المسافة المعينة إذ هما حاصل ضرب الأولين كما هو محرر في علم القوى من الرياضي «الميكانيكا» و حينئذ يكون التعليل عبارة اخرى عن التقدير المسافي. و حينئذ لا يكون التعليل المزبور موجبا لانصراف الأدلة.

و أما خصوصية موارد بعض روايات المسافة التلفيقية فلا يزاحم مطلقها و مجرد هذا الانصراف البدوي لو بني عليه لكان الحال كذلك في المسافة الامتدادية.

نعم هناك شبهة اخرى من ان التقطيع بمبيت و نحوه موجب لتعدد السفر‌

27

كان قاصدا للإقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره، أو حصل أحد القواطع الاخر فكما انه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره، فكذا

____________

و سيأتي الكلام في ذلك.

الرواية الثانية: و هي ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ و يأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع؟ قال: لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة (1).

حيث ان المعتاد رجوع صاحب الحاجة دون العشرة أيام، و هي و إن استفيد منها الإطلاق لما إذا رجع ليومه و لكن تقيد بما دل على التلفيق إذ هو القدر المتيقن من مفاده (2).

و فيه انه ليس في مفروض السؤال التقييد بالرجوع و لا تقدير مدة النزول و المكث في القرية بما دون العشرة و لا كونه قاصدا ذلك من الأول و إلا لكان مفاد الرواية مخالفة لما دل على الامتدادية أيضا.

الرواية الثالثة: ما رواه الشيخ- أيضا- في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: ان لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي حاجة أنتفع بها أو يضرني‌

____________

(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 4 حديث 3.

(2) قد تحمل الرواية على من كان يريد البقاء على رأس خمسة أو ستة فراسخ عشرة أيام أو أزيد و لم يقصد منذ خروجه من منزله ثمانية فراسخ و هذا هو الظاهر من قول الإمام (عليه السلام) «لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة». (ح)

28

في الملفقة فيقصر و يفطر، و لكن مع ذلك الجمع بين القصر و التمام و الصوم و قضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط.

____________

القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأني لا أدري أصوم أو أفطر؟ فقال لي:

فاخرج فأتم [و أتم] الصلاة و صم فإني قد رأيت القادسية ... الحديث (1).

حيث ان الحاجة العارضة الطارئة لا تستلزم في العادة الإقامة عشرة بل يوم أو يومين، و حينئذ يرفع اليد عن إطلاق ترك الاستفصال فيها فيما إذا رجع ليومه، و القادسية كما حكى غير واحد عن المغرب تبعد خمسة عشر ميلا عن الكوفة.

و فيه: ان الإتمام فيها لكون الراوي صاحب ضيعة في القادسية كما فرض الراوي، و هي مما قد سكنها و استوطنها و القرينة على ذلك موثقة عبد اللّه بن بكير حيث سأل عن الخروج إلى القادسية و أمره (عليه السلام) بالتقصير و لم يفرض فيها وجود الضيعة (2).

و لنعم ما صنع صاحب الوسائل حيث أدرج الأولى في قواطع السفر و الثانية في باب المسافة التلفيقية، و من هنا يظهر انه لا معارضة مستقرة بين الروايتين لا سيما مع ملاحظة اطلاق أدلة التلفيق و أدلة قاطعية المنزل المستوطن (3).

الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ في الموثق (4) عن سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ، و من سافر قصر الصلاة و أفطر إلا أن يكون رجلا مشيعا لسلطان جائر أو خرج إلى صيد أو إلى قرية‌

____________

(1) نفس المصدر باب 14 حديث 4.

(2) نفس المصدر باب 2 حديث 7.

(3) فخلاصة ما أفاده الاستاذ الشارح ان طريق الجمع بين الصحيحة و الموثقة هو بحمل الضيعة في صحيحة ابن الحجاج على انها وطن شرعي للسائل أو ان السائل ينوي اقامة عشرة أيام فيها، و يرفع اليد عن إطلاقها و ذلك بتقييدها بموثق ابن بكير و حمل الموثق على من لم تكن الضيعة وطنا شرعيا له أو أراد المكث فيها أقل من عشرة أيام سواء أراد الرجوع ليومه أم لا. (ح)

(4) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 8 حديث 4.

29

..........

____________

له تكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر و لا يفطر.

حيث استثني فيها من عموم المسافر القاصد لثمانية فراسخ الثلاثة موارد بعد كونه جامعا للشرائط مما عداها، و المورد الثالث هو المسافر القاصد للثمانية التلفيقية الراجع ليومه و لكنه انقطع سفره بسبب مروره في انتهاء ذهابه بقريته التي هي وطن أو سكن له، و حينئذ يظهر منها اعتبار الرجوع ليومه في التلفيقية غاية الأمر في المورد المزبور حصل قاطع لسفره.

و أما وجه دلالة الرواية على كون المورد الثالث مسافة تلفيقية و انه راجع ليومه فهو أن البيتوتة في الأهل هو في بلد الخروج لا القرية بقرينة ان قراهم في الوطن و حيث يقر الشخص و لو أريد كون الأهل في القرية لما فرض عنوان الخروج بل لذكر العود بدله، و حينئذ تقييد مسيرة يوم بذلك للدلالة على كونها تلفيقية مستغرقة لبياض اليوم بحيث يعود و يرجع ليلا إلى أهله.

و هذه الموثقة رواها الشيخ أيضا في كتاب الصوم من التهذيب لكن بدل «يبيت» لا يبيت بالنفي (1)، و في الجواهر عن بعض النسخ «لا يلبث» باللام، و الظاهر أن ما أخرجه الشيخ في باب الصلاة عن كتاب محمد بن علي بن محبوب لبدء السند به، و ما في الصوم عن كتاب الحسين بن سعيد لذلك أيضا.

و يمكن تقريب الاستدلال- أيضا- على هذه النسخة بأن يكون الأهل في القرية فيكون اشارة إلى التلفيقية مع الرجوع ليومه أيضا، أو الأهل هم في بلد الخروج و عدم البيتوتة عندهم كناية عن البيتوتة في القرية، فعدم التقصير لعدم الرجوع ليومه أيضا.

ثم ان الاستدلال بالموثقة يتم بناء على ظهور البيتوتة في المكث في الليل لا‌

____________

(1) تهذيب الأحكام ج 4 ص 222.

30

..........

____________

مطلق الصيرورة كما ذكره الفيومي في المصباح و ابن عباد في المحيط يقال: بات في موضع كذا أي صار به في ليل كان أو في نهار، و بات أمر فلان كذا أي صار حاله إلى كذا.

و يتم أيضا بناء على كون محل الاستثناء في الموارد الثلاثة على نسق واحد و هو القصر في الطريق لا أن المورد الثالث في خصوص المقصد دون الطريق و أن القرية ملكا له أو فيها ملكا له بحيث يعد من سكنتها و مستوطنيها، و أن مسير يوم لا للتقدير بل لفعلية الحد الزمني.

و بعد كل هذا يظهر مدى التكلف في اثبات ظهور الرواية في اشتراط الرجوع لليوم لتقييد المطلقات في التلفيقية فضلا عن أدلة التقصير في سفر عرفات الدالة على تعين التقصير فضلا عن مشروعيته بحيث لا تقبل الجمع و الحمل على التقييد.

الرواية الخامسة: و هي مرسلة الصدوق في المقنع قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى سوقا يتسوق بها و هو من منزله على أربعة فراسخ فإن هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم و إن ركب السفن لم يأتها في يوم؟ قال: يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما و يفطر صاحب السفن (1) و في نسخ المقنع صومه بالإضافة إلى الضمير بدل صوما بالتنكير، و سبع فراسخ مكان أربع فراسخ.

بتقدير لا النافية قبل يرجع و يكون المعنى ان الراكب حيث ان مسافته تلفيقية فإذا لم يرجع ليومه لا يتعين عليه التقصير و لذا يتم الصوم، و أما صاحب السفينة فيقصر لكون مسافته امتدادية.

و تعين التقدير للزوم الشذوذ في مفاد الحديث مقابل التسالم في الفتوى‌

____________

(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 3 حديث 13.

31

..........

____________

و الروايات حيث يكون الراجع ليومه في التلفيقية لا يتعين عليه التقصير، بل إما يتعين عليه التمام- و هذا مما لم يقل به أحد- أو يتخير، و مفهومه ان غير الراجع يتعين عليه التقصير دونه، و المنطوق نادر القائل به، و تفصيل المفهوم مما لم يقل به أحد.

هذا مع ان سؤال السائل عن الذي لا يرجع بقرينة أن المتسوق يقضي بعض المدة في السوق، هذا هو ملخص ما أفاده العلامة الطباطبائي (قدس اللّه روحه) في رسالته.

و يرد عليه: بعد ضعف السند بالإرسال انه يحتمل قريبا في المعنى ان الذهاب و الإياب في بعض يوم و استعمال اتيان الموضع بمعنى مجموع المسير متعارف في الاستعمالات و لا استبعاد في طي الثمانية في بعض اليوم، كما هو الشأن في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) حيث فرض فيها طي خمسة عشر فرسخا في بياض اليوم.

و استغراق مدة في السوق يختلف بحسب الحاجة، و حينئذ فيكون فرض الراوي ان الراكب يرجع قبل الزوال سيما إذا كان خروجه قبل الطلوع كما هو المتعارف في من يعزم على السفر أو لربما ليلا، و حينئذ فما احتمله صاحب الوسائل و البحار في معنى الرواية قريب جدا.

الرواية السادسة: ما رواه في البحار عن شرح السنة للحسين بن مسعود قال: روي عن علي (عليه السلام) انه خرج إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين ثم رجع من يومه (2).

حيث ان التقصير لا بد منه لكون النخيلة على بعد بريد من الكوفة، و لا استبعاد في ذلك بعد كونها معسكرا لها.

و ذكر الراوي الرجوع في اليوم ظاهر في دخله في موضوع التقصير حسب‌

____________

(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 1 حديث 15.

(2) بحار الأنوار كتاب الصلاة مجلد 89 ص 15.

32

..........

____________

فهم الراوي.

و فيه بعد ضعف السند عدم الاعتبار بفهمه، و لعل ذلك من باب سرد الواقعة لا ان الرجوع في اليوم له دخل في حكم التقصير.

هذا، و أما الاستدلال بصحيحة عمران بن محمد قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك أن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ فربما خرجت إليها فاقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم اقصر؟

فقال: قصر في الطريق و أتم في الضيعة (1).

فهي محمولة على التقية إما لكون المسافة ليست موجبة للقصر فيتم في الضيعة لذلك، أو لأن الإقامة عندهم تتحقق بذلك فتقطع السفر (2).

خلاصة الكلام فتحصل ان ما استدل به للقول بالإتمام تعيينا أو تخييرا غير ناهض، و توهم أن مقتضى الجمع بين أدلة المسافة الامتدادية و ما دل على التلفيق هو التخيير مدفوع بأنه لا تنافي كي يرتكب الجمع المزبور حيث ان الثانية مفسرة و حاكمة موضوعا على الأولى فتكون مقتضى القاعدة التمسك بإطلاق ما دل على التلفيق.

مضافا إلى روايات عرفات الدالة على عدم اعتبار الرجوع في اليوم و الليلة.

كصحيحة معاوية انه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات؟ فقال: ويلهم أو ويحهم و أي سفر أشد منه، لا، لا تتم (3).

____________

(1) الوسائل باب 14 حديث 14.

(2) حمل الضيعة على انها وطن شرعي للراوي أولى من حملها على التقية، لا سيما و ان الإمام أمره بالتقصير في الطريق، فلعل الضيعة قد اتخذها منزلا قد استوطنه و أقام فيه ستة أشهر، و لعل صحيحة ابن بزيع تقيد هذه الصحيحة و التقييد أولى من حملها على التقية و اللّه العالم. (ح)

(3) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 3 حديث 1.

33

..........

____________

و أيضا ما رواه الشيخ في الصحيح إلى سليمان بن محمد (1) عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في كم التقصير؟ فقال: في بريد، ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقصروا (2).

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و فيها: ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قصر في إقامته في منى ثلاثة في حجه و كذلك صنع أبو بكر و عمر و عثمان ست سنين ثم ابتدع التمام ... ثم تمارض ليشد بذلك بدعته فقال المؤذن اذهب إلى علي (عليه السلام) فقل له فليصل بالناس العصر فأتى المؤذن عليا (عليه السلام) فقال له: ان أمير المؤمنين يأمرك أن تصل بالناس العصر، فقال: إذن لا اصلي إلا ركعتين كما صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فذهب المؤذن فأخبر عثمان بما قال علي (عليه السلام) ... الحديث. و فيه أيضا انه أصر على ذلك و أبى علي (عليه السلام) ذلك، و ان معاوية صلى بمنى الظهر ركعتين فاعترض عليه بنو أمية ذلك و جوابه لهم بأن ذلك سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من أتى بعده (3).

و كذا أيضا مرسلة المقنعة قال: قال (عليه السلام): ويل لهؤلاء الذين يتمون الصلاة بعرفات أ ما يخافون اللّه؟! فقيل له: فهو سفر؟ فقال: و أي سفر أشد منه (4).

و ما تمحل للجواب عن مفادها تكلف (5) و إن روت العامة انه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لأهل مكة عام الفتح: يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر، الذي يظهر منه عدم انقطاع سفره بالمرور فيها، و انه أعرض عنها بدليل انه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حينما عرض عليه بالنزول في داره قال: و هل ترك لنا عقيل من دار؟!

____________

(1) مهمل ذكر البرقي انه من أصحاب الباقر (عليه السلام).

(2) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 3 حديث 6.

(3) نفس المصدر باب 3 حديث 9.

(4) نفس المصدر باب 3 حديث 12.

(5) البدر الزاهر: 91.

34

..........

____________

و كالذي ترويه العامة عن عثمان انه اعتذر عند ما أنكرت عليه الصحابة اتمامه بمنى بقوله: اني تأهّلت بمكة منذ قدمت، إذ لا ريب في وجود أهل مكة معه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الحج حيث ورد الأمر بإفاضتهم من حيث أفاض الناس، و بعد كون الروايات كثيرا منها وارد في خصوصهم مع شدة اللحن بعد استعمال ويح في ذلك أيضا.

مضافا إلى ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح- كما هو محتمل كلام الفقيه و جعلها في الوسائل مرسلة-: «و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أتى ذبابا قصر» و ذباب على بريد و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ.

نعم صحيحة زرارة الاخرى التي رواها الصدوق في أول باب المسافر و في الوسائل الباب الأول في ذيلها «و قد سافر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة و عشرون ميلا فقصر و أفطر فصارت سنة، و قد سمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قوما صاموا حين أفطر العصاة، قال (عليه السلام): فهم العصاة إلى يوم القيامة و انا لنعرف أبنائهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا.

و نقلنا هذا للتدليل على كونه من الرواية لا من كلام الصدوق كما نبه على ذلك بعض الأعلام لخطأ صاحب الوسائل من عدها من كلام الصدوق فراجع.

فهذه الصحيحة لا تخلو عن دلالة على تعين القصر لغير الراجع ليومه حيث دلت على ان التقصير لتحقق موضوع السفر لا لكونه حكم إرفاقي ثبت مخيرا بينه و بين التمام، و من ذلك تظهر الثمرة بين القول بالتعيين و التخيير في الصوم فإنه على الأول الإفطار و على الثاني الصوم، حيث ان الملازمة انما بين التقصير تعيينا و الإفطار‌

35

و لو كان من قصده الذهاب و الإياب و لكن كان متردّدا في الإقامة في الأثناء عشرة أيام و عدمها لم يقصر (1) كما ان الأمر في الامتداد أيضا كذلك.

[مسألة 1: الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع]

(مسألة 1) الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع و عشرون إصبعا (2) كل إصبع عرض سبع شعيرات، كل

____________

المدلول عليها بما ورد مستفيضا «إذا قصرت أفطرت» و مفهومه انه إذا لم تقصر أي تتم لم تفطر أي تصوم، و من الواضح انه في موارد التخيير بين الإتمام و القصر لا يمكن جريانها لحصول التعارض بصدق كلا الشرطيتين بعد عدم تأتي التخيير في الصيام، و حينئذ يرجع إلى العموم الأولي فيه.

و من هنا لا يصوم المسافر في مواطن التخيير الأربعة و لو أتم صلاته.

(1) حيث أنه لا يكون قاصدا للمسافة الملفقة مع هذا التردد كما في الامتدادية، بعد كون المسافة المقطوعة بالإقامة ليست بموضوع للتقصير.

نعم على القول بكفاية أربعة فراسخ من غير ضم الإياب كما ينسب إلى الكليني- (قدس اللّه سره)- و بعض المتأخرين يكون قد قصد موضوع القصر و لكنه شاذ كما عرفت.

حد الفرسخ و الميل

(2) حدد الفرسخ بثلاثة أميال تبعا لمجموعة من الصحاح، مثل صحيحة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي و صحيحة العيص بن القاسم و عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة و غيرها.

كما و قد ورد تحديد الثمانية فراسخ بامور اخرى:

منها مسير يوم، سير الجمال و القوافل، و منها ما بين المدينة و ذي خشب، كما‌

36

شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط شعر البرذون.

____________

في صحيحة أبي بصير (1) و هو وادي على مسيرة ليلة من المدينة المنورة كما في معجم البلدان، و منها ما بين ظل عير إلى في‌ء و عير، و هما جبلان بالمدينة كما في مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (جعل) حد الأميال من ظل عير إلى ظل و عير و هما جبلان بالمدينة، فإذا طلعت الشمس وقع ظل عير إلى ظل و عير، و هو الميل الذي وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) التقصير (2).

و سيأتي انه مقدار أربعة فراسخ أي بريد.

و منها: مرسلة محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيه جواب أبي جعفر (عليه السلام) ان التقصير في بريد نزل به جبرائيل (عليه السلام) و البريد ما بين ظل عير إلى في‌ء و عير حينما سأله وال لبني أمية عن التقصير و ان بني أمية ذرعوا ما بين ظل عير إلى في‌ء و عير ثم جزءوه على اثني عشر ميلا فكانت ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كل ميل.

و ان بني هاشم لما ظهروا وضعوا جنب كل علم علما لأن الحديث هاشمي 3.

و منها: ما أرسله 4 الصدوق عن الصادق (عليه السلام)، و هو مضمون المرسل المتقدم، إلا أن فيه «فكان كل ميل ألف و خمسمائة ذراع و هو أربعة فراسخ» و لم يذهب إليه أحد.

كما قد ورد في الروايات حصول البريد بين مواضع مثل ما بين الكوفة و القادسية و ما بين مكة و عرفات و ما بين بغداد و النهروان، لكن ذلك بحسب الموضع في زمن الصدور.

ثم ان العلامة الأولى و الثانية لم نقف على اعتبارها بعد و كذلك الثالثة.

____________

(1) الوسائل أبواب صلاة المسافر باب 1 حديث 12.

(2) 2- 3- 4 نفس المصدر باب 2 ح 12، 13، 16.

37

..........

____________

و أما الرابعة و الخامسة فهي و إن رجعت إلى الثالثة و لكن يعد تحديدا برأسه و يأتي الكلام فيه.

قول أهل اللغة و أما اللغويون فقد حددوا الميل بثلث الفرسخ، ففي المصباح «الميل» بالكسر عند العرب مقدار مدى البصر من الأرض قاله الأزهري، و عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، و عند المحدثين أربعة آلاف ذراع، و الخلاف لفظي لأنهم اتفقوا على ان مقداره ستة و تسعون ألف إصبع، و الإصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى الاخرى.

ثم قال: و لكن القدماء يقولون الذراع اثنتان و ثلاثون إصبعا، و المحدثون يقولون أربع و عشرون إصبعا ... إلى أن قال: و الفرسخ عند الكل ثلاثة أميال، و يقال للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل، و انما اضيف إلى بني هاشم فقيل «الميل الهاشمي» لأن بني هاشم حددوه و أعلموه.

و قريب منه ما في القاموس إلا أنه زاد: و منار يبنى للمسافر أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد، و ظاهر عبارته ان الاختلاف معنوي.

و في الصحاح «الميل من الأرض منتهى مد البصر عن ابن السكيت» و في النهاية «القطعة من الأرض ما بين العلمين و قيل هو مد البصر».

و في مجمع البحرين الميل بالكسر بنيان ذو علو و الميل أيضا مسافة مقدرة بمد البصر أو بأربعة آلاف ذراع بناء على ان الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، و في المغرب في كلام العرب مقدر بمد البصر في الأرض، و كل ثلاثة أميال فرسخ.

و في السرائر «و الميل أربعة آلاف ذراع على ما ذكره المسعودي في كتاب مروج الذهب فإنه قال: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود و هو الذراع الذي‌

38

..........

____________

وضعه المأمون لذرع الثياب، و مساحة البناء و قسمة المنازل، و الذراع أربعة و عشرون إصبعا».

و ذكر صاحب معجم البلدان في الباب الثالث من المقدمة «قالت الحكماء ...

و الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع، فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، و الذراع أربع و عشرون إصبعا، و الإصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض. و قيل: الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة تكون بذراع المساحة و هي الذراع الهاشمية، و هي ذراع و ربع ... إلى أن قال: قال ابن السكيت: و قيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل».

و في المعجم الوسيط «منار يبنى للمسافرين في الطريق يهتدى به و يدل على المسافة- و مسافة من الأرض متراخية- و مقياس للطول قدر قديما بأربعة آلاف ذراع و هو الميل الهاشمي و هو «الآن في الزمن الحديث» بري و بحري، فالبري يقدر الآن بما يساوي 1609 من الأمتار، و البحري بما يساوي 1852 من الأمتار».

و في تاج العروس بعد ذكر ما في القاموس «و منه الأميال التي في طريق مكة المشرفة و هي الأعلام المبنية لهداية المسافرين ... إلى أن قال: و في شرح الشفاء الميل أربعة آلاف ذراع طولها أربعة و عشرون إصبعا، و قيل: الميل أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام يوضع قدم أمام قدم و يلصق به، و قال شيخنا أو ثلاثة أو أربعة، و قد يقال لا تغاير بين تقدير بالأذرع و بالأصابع على الثاني، لأن الذراع أربع و عشرون إصبعا عرض كل اصبع ست حباب شعير ملصقة ظهرا لبطن فإذا ضربت في أربعة آلاف حصل ستة و تسعون ألف و على الأول «أي ثلاثة آلاف» يكون اثنين و سبعين ألف اصبع و الصحيح ان الميل أربعة آلاف خطوة و هي ذراع و نصف».

39

..........

____________

و لا يخفى تفرده فيما صححه و شذوذه و لعله لذلك قال: «فتأمل» في آخر كلامه.

خلاصة كلامهم و الحاصل من كلامهم ان الميل الهاشمي كان معهودا مشهورا في طريق مكة المشرفة كما يفهم ذلك من صحيحة ابن الحجاج عن الصادق (عليه السلام)، و هي الأعلام المبنية لهداية المسافرين و انه أربعة آلاف ذراع كما في المتن و هو المعروف عند المحدثين، نعم ذكر ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري قال: قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع و الذراع أربع و عشرون إصبعا معترضة معتدلة و الإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة.

و هذا الذي قاله هو الأشهر، و منهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان، و قيل: هو أربعة آلاف ذراع، و قيل: بل ثلاثة آلاف ذراع نقله صاحب البيان، و قيل: و خمسمائة، صححه ابن عبد البر.

لكنك قد عرفت ان المشهور بحيث يعد مقابله نادرا هو أربعة آلاف ذراع، و من هنا نسب هذا التحديد غير واحد إلى المشهور بين الفقهاء و اللغويين.

و أما ما في مرسلة الخزاز من التحديد بثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع، فقد مر في كلام المعجم ان الذراع الهاشمية أكبر من الذراع المرسلة، فلعله «ذراع الملك» و هو بعض الأكاسرة نقله المطرزي كما في المصباح و ذكر ان ذراع القياس ست قبضات معتدلة، و يسمى ذراع العامة، و انما سمي بذلك لأنه نقص قبضة عن الأول، كما نبه على ذلك في الجواهر، فيكون عبارة عن ثمانية و عشرين إصبعا و حينئذ يزيد على المزبور ستة عشر ألف إصبع.

ثم انه لا يخفى تفاوت الذراع بين الناس كما هو الحال في الأربع و عشرين‌

40

[مسألة 2: لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا لا يجوز القصر]

(مسألة 2) لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ و لو يسيرا لا يجوز (1) القصر، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية، نعم لا يضر اختلاف

____________

اصبع حيث ان عرض الإصبع يتفاوت بحسب الذراع أيضا، و قد مر ان عرض الإصبع في كلام عدة من اللغويين ست شعيرات و لكن بعضهم جعلها معترضة و بعض ملصقة البطون.

و على أية حال فالذراع المتوسط إما أن نفرضه ست و أربعون سنتيمتر، أو ثلاثة أو خمسة أو سبعة أو ست و نصف بدل ست بعد الأربعين، كما حكي اعتبار الأخير في التوسط عن كتاب الأوزان و المقادير، و حينئذ يكون الفرسخ على الأول خمسة كيلومترات و نصف، و خمسة كيلومترات و عشر، و خمسة كيلومترات و أربعة أعشار، و خمسة كيلومترات و ستة أعشار، و خمسة كيلومترات و نصف، على الفروض الباقية على الترتيب. و يكون الثمانية الفراسخ بحسب الفروض على الترتيب أربعة و أربعين كيلومتر و عشرا، و إحدى و أربعين و عشرين، و ثلاثة و أربعين و عشرين، و خمسة و أربعين و عشرا، و أربعة و أربعين و ستة أعشار من الكيلومترات.

و أما لو فرضنا الذراع السوداء التي هي سبع و عشرين إصبعا، أو تسعة و أربعون سنتيمترا و ثلاثة أعشار كما في بعض المعاجم النجومية، فتكون الثمانية فراسخ سبعة و أربعين كيلومترا و ثلاثة أعشار، و في بعض التقديرات الحديثة (1) أن البريد و هو ما بين مكة و عرفات ما يقرب من عشرين كيلومترا.

النقصان اليسير

(1) ما ذكره الماتن وجيه فيما إذا عينت ثمانية فراسخ بالدقة، و لا يضره اختلاف المتوسطة من الأذرع إذ يتحقق العنوان بأقلها، من قبيل ما يقال ان الماهية الكلية توجد بوجود أحد أفرادها.

____________

(1) مرآة الحرمين اللواء ابراهيم رفعت ج 1 ص 226 الخريطة 82، و كذا في مصور مشاعر الحج للغوري.

41

الأذرع المتوسطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية.

[مسألة 3: لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أو لا بقي على التمام على الأقوى]

(مسألة 3) لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أو لا بقي على التمام (1) على الأقوى، بل و كذا لو ظن كونها مسافة.

____________

نعم هذا فيما كان وضع العنوان و اللفظ للمعنى الكلي بنحو الوضع العام و الموضوع له عام، و لكن وضع المقادير من المساحات و الأوزان الغالب فيه هو الوضع الخاص و الموضوع له خاص أو عام، فإن الواضع يلاحظ مقدارا شخصيا جزئيا حقيقيا، ثم يبنى على وضع اللفظ لأفراد اخرى تماثل المقدار الأول في القدر أو وضعها لكلي المعنى المتقدر بذلك القدر.

و هذا النحو من الوضع هو الظاهر من مرسلة الخزاز المتقدمة التي فيها نزول جبرائيل (عليه السلام) بحد التقصير بالبريد ما بين ظل عير و في‌ء و عير،.

و كذلك مرسلة الصدوق و حينئذ فاللازم الاعتبار به، و حيث ان ما هو مأخوذ في عنوان الأدلة من الفرسخ و الميل و بقية العلامات التي تقدمت مطلقة موكولة إلى المعنى المعهود في العرف كان التقريب الأول تام، و حينئذ يحتمل وقوع التوسع فيه من العرف و إن كان الرجوع إلى المصداق الأول في الوضع أضبط. مع أن الميل و الفرسخ كان وحدة مقدارية قبل التشريع، فغاية الأمر حصول التطبيق بين وحدتي المقدار.

ثم انه لو وصلت النوبة إلى الشك في مقدار الثمانية فراسخ فالأكثر هو القدر المتيقن لتحقيق المسافة و يبقى الباقي على اصالة التمام التي مرت في صدر البحث لكون الشك في التخصيص الزائد أو يرجع إلى عموم الآية و يكون الأقل متيقنا.

الشك في المسافة

(1) لأصالة التمام المزبورة بعد تنقيح موضوعها باستصحاب عدم السفر‌

42

..........

____________

الخاص، حيث ان المسافة اخذت قيدا له لا للمكان و المقصد، كي يقال بأنه لا حالة سابق له إلا العدم الأزلي.

و توصيف المقصد بالقدر انما هو إشارة إلى تقدير الحركة و السير، و ليس في هذا عدولا عن كون موضوع التقصير هو المسافة دون التقدير الزمني، إذ المسافة قيد الموضوع الذي هو الحركة و الضرب في الأرض أو عنوان المسافر المتضمن لتلك المادة و إلا لما اطلق على ذلك المقدار الأيني مسافة لو لوحظ بما هو عارض على المكان المطوي.

الظن بالمسافة و أما الظن فقد قيل باعتباره لإمضاء الشارع السيرة القائمة على الاكتفاء بالعلامات المنصوبة في الطرق كالمنائر التي تبنى للمسافرين، و الذي تقدم انه أحد معاني الميل و الأعلام المنصوبة للبريد و غيرها، بل أن في العناوين المأخوذة في لسان الأدلة إشارة لتلك العلامات مع كونها ظنية، كالفرسخ الذي هو معرب عن فرسنگ أو پرسنگ أي الحجر الكبير المنصوب، و كالميل في بعض معانيه، و كالاعتماد على قول أرباب القوافل، هذا مضافا إلى ان المسافة تقريبية لا تحقيقية كما هو مفاد ما جعل حدا في الأدلة.

و فيه: ان السيرة المدعاة لو سلم بها فهي في موارد الاطمئنان النوعي من أسباب تواضع عليها العقلاء في تلك الزمان، و الاطمئنان حجة عقلائية، أي ما كان من أسباب يتعارف حصوله منها، كما قد استجدت علامات مرقمة في العصر الحديث.

و أما كون المسافة تقريبية فاما ان يراد به ان المسافة المزبورة لا واقع معين لها و انما جعل لها ضوابط متعددة متخالفة، أو أنها ماهية اعتبارية تتبع الصدق و المرتكز‌

43

[مسألة 4: تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار و بالشياع المفيد للعلم و بالبينة الشرعية]

(مسألة 4) تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار و بالشياع المفيد للعلم و بالبينة الشرعية (1).

____________

العرفي، أو ان ما ورد في تحديدها تقريب لواقعها لا تحقيق في استعلامه بالدقة.

و على أي من الثلاثة فلا يترتب عليه اعتبار مطلق الظن في إثبات المسافة، إذ على الأول لا بد من مراعاة تلك الضوابط و إحراز حصولها بالعلم أو العلمي، و على الثاني فهو على نسق باقي العناوين الاعتبارية لدى العرف لا بد من إحراز تحققه في دائرة اعتبارهم و لا يكتفى بالظن بأنهم اعتبروا العنوان في المورد المجهول و على الثالث فظنية ما ورد لا يلازم اعتبار مطلق الظن، كما هو محرر في بحث الحجج من الاصول.

ثم ان ما يحكى عن الأكثر في المقام من التمسك بأصالة التمام يؤيد ما اسس في صدر البحث من العموم، و انما الكلام في مراعاته في أكثر موارد الشك.

حجية البينة في إحراز المسافة

(1) دل على حجيتها معتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كل شي‌ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (1).

و مسعدة بن صدقة و إن وصف بالعامي في رجال الشيخ في أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) و بالبتري في الكشي لكنه صاحب كتاب و لكل من الشيخ النجاشي إليه طريق صحيح، مع قوة احتمال أنه مشترك بين اثنين و ان العامي البتري الذي هو من أصحاب الباقر (عليه السلام) غير الذي هو من أصحاب الصادق و الكاظم‌

____________

(1) الوسائل أبواب ما يكتسب به باب 4 حديث 4.

44

..........

____________

(عليهما السلام)، حيث ان النجاشي في ترجمته ذكر الثاني و الشيخ كرر ترجمته في الموضعين و زاد في الموضع الثاني العبسي البصري أبو محمد و لم يصفه بالعامي كما لم يذكر ذلك في الفهرست.

مضافا إلى أن الراوي عن صاحب الكتاب هو هارون ابن مسلم الذي يروي عنه علي بن ابراهيم القمي و سعد بن عبد اللّه المتوفى حدود 300 ه‍.

و أيضا تكرر في عدة من الأسانيد روايات مسعدة بن صدقة بالواسطة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، هذا و قد حكي عن المحقق الوحيد- (قدّس سرّه)- عن جده المجلسي الأول «أن الذي يظهر من أخباره التي في الكتب أنه ثقة لأن جميع ما يرويه في غاية المتانة موافقة لما يرويه الثقات من الأصحاب، و لذا عملت الطائفة بما رواه و أمثاله من العامة بل لو تتبعت وجدت أخباره أسد و أمتن من أخبار جميل بن دراج و حريز بن عبد اللّه» انتهى.

و لكن عرفت قوة احتمال ان العامي غير صاحب الكتاب و الروايات الكثيرة، و من هنا يتضح الحال في الإيراد على ما ذكر من متانة رواياته، من احتمال كون الذي أخباره متينة هو الربعي الذي يروي عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) لا العامي، بل لم يذكر في معاجم طبقات الرواة روايته عن الباقر (عليه السلام).

مفاد الرواية و أما الدلالة فقد جعل قيام البينة في الموارد المذكورة رافعا للحلية الظاهرية المستفادة من قاعدة اليد أو اصالة الصحة أو اصالة الحل على اختلاف التقريب لصدر الرواية. و صريح الرواية في الشك في الموضوعات و قيام البينة على الموضوع، و أيضا لازم رفع الحلية المزبورة بالبينة تقدمها على بقية الأمارات.

و عطف البينة على الاستبانة يفيد التغاير، و هو كذلك حيث ان الاستبانة هو‌

45

..........

____________

حصول العلم بأسباب ما و أما البينة فهي شهادة العدلين، و هو أحد معانيها المعروفة من الصدر الأول الإسلامي كما يظهر بالتتبع، فمن الغريب ما يقال ان معنى اللفظة في الرواية هو مطلق ما به البيان و ما به يثبت الشي‌ء.

و يظهر ذلك من قوله تعالى: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ ... الدالة على ان المدعي يحتاج إلى الإشهاد برجلين للأمر بذلك الدال على الحاجة و هو البينة التي على المدعي و التي في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه.

و كذلك أيضا قصة ذي الشهادتين المعروفة و قصة امرؤ القيس المروية (1) من الخاصة و العامة و غيرها من الوقائع في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و أيضا رواية أبان بن عثمان عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان داود (عليه السلام) لما طلب من اللّه تعالى أن يريه الحق كما هو عنده ثم تبين له عدم طاقته بذلك ثم أوحى اللّه إليه: أن احكم بينهم بالبينات و أضفهم إلى اسمي يحلفون به.

و أيضا ما روي ان نبيا من الأنبياء شكا إلى ربه القضاء فأمر بأن يقضي بالبينات و الحلف (2).

فيظهر أن المعنى المزبور بالبينة كالصلاة و الصوم و نحوها كانت ثابتة في الشرائع السابقة و أنه أحد المعاني اللغوية للّفظة.

ثم ان قوله (عليه السلام) «و الأشياء كلها» بعد ذكر الأمثلة عام مؤكد لسائر الموضوعات، مضافا إلى الأولوية فإنه إذا اعتبرت فيما فيه أمارة مخالفة، ففيما ليس فيه بطريق أولى.

____________

(1) الوسائل أبواب كيفية الحكم باب 3 حديث 7. و- البخاري كتاب الشهادات باب 19.

(2) الوسائل أبواب كيفية الحكم باب 1

46

..........

____________

و كذلك يدل على حجية البينة- أيضا- قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «انما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان» (1) حيث يدل على اعتبار البينة في الرتبة السابقة للقضاء فإخبار العدلين ثابت له وصف البينة و من ثم جعل مستندا للقضاء. فإطلاق البينة على الأخبار المزبورة إمضاء لها في نفسها مطلقا، و قد سبق انها ليست حقيقة شرعية.

و أما تقريب الدلالة بأن البينة هي ما به البيان و ما به يثبت الشي‌ء فمفاد انما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان أي بالأيمان و الحجج و ما به يبين الشي‌ء، و لذا لا تكون موثقة مسعدة دليلا على اعتبار إخبار العدلين، ثم لما ثبت من الخارج أن الشارع كان يعتمد على إخبار العدلين في المخاصمات و في موارد القضاء بين الناس علمنا أن إخبار العدلين من مصاديق الحجة و ما به البيان و من ثم نحرز انه حجة على الإطلاق، إذ لا بد أن يكون حجة في مرتبة سابقة على القضاء كما يشعر به المقابلة بين البينات و الأيمان المختصة بباب القضاء (2).

فلازمه عدم حجيتها على الإطلاق حيث ان الاعتماد على إخبار العدلين في المخاصمات تنزيلي شرعي لبي و ليس للتنزيل لسان كي يؤخذ بإطلاقه. و أيضا يلزم القضاء بكل ما هو حجة شرعية في غير باب القضاء حيث انه مما يثبت به الشي‌ء، و أيضا في الموثقة لا بد من الالتزام برافعية خبر الواحد للحلية المستفادة من قاعدة اليد و الإقرار و نحوهما. و هو كما ترى!

ربما يستدل على حجيتها أيضا باعتبار خبر العدل في الموضوعات و لكن سيأتي انه على القول به يختلف آثار حجيته مع حجية البينة من حيث هي.

____________

(1) الوسائل، أبواب كيفية الحكم باب 2 صحيحة هشام بن الحكم.

(2) التنقيح ج 2 ص 317.

47

..........

____________

كلام المحقق في المقام و استدل على حجيتها في المعتبر بثبوت الأحكام بخبر العدلين عند التنازع [الشارع] كما لو اشتراه و ادعى المشتري نجاسته قبل العقد فلو شهد شاهدان لساغ الرد و هو مبني على ثبوت العيب.

و كلامه يرجع إلى تقريبين: أحدهما: ثبوت الأحكام عند التنازع، و الآخر:

جواز رد المبيع التي قامت البينة على نجاسته.

و اشكل على الأول بأن لا تلازم و لا اولوية بين كون الشي‌ء حجة في باب القضاء و فصل الخصومة و كونه حجة في غير ذلك المقام، إذ ربما لخصوصية أهمية الفصل و حسم التنازع اعتبر فيه، و يدل على ذلك اعتبار الحلف و اليمين فيه مع عدم اعتبار ذلك في غيره.

و فيه: ان استدلال المحقق مرجعه إلى أن الأحكام و الآثار تترتب بتوسط البينة، فهي مثبتة للموضوع و اعتبرت في باب القضاء و هو باب التنازع بما هي مثبت للموضوع، فكيف في غيره، و احتمال الفرق ممنوع بعد التمحض في الطريقية، و هذا بخلاف الحلف و اليمين فإنه ليس معتبرا في القضاء كمثبت للأحكام بل كقاطع لدعوى المدعي و الذي يرجع- بعد كون الاستخلاف حقا للمدعي على المنكر- إلى إسقاط المدعي حقه في الدعوى بطلب اليمين من المنكر، كما ورد التعليل بذلك لإبطال يمين المنكر حق المدعي.

و كذلك الحال في اليمين المردودة إلى المدعي اعتبرت مثبتة للدعوى لرجوعها إلى إقرار المنكر بحق المدعي برده اليمين إليه. و من هنا تعدى في تقديم الإقرار على البينة في غير مورد التخاصم بتقديمه في باب القضاء.

و أما التقريب الثاني فهو تام في مسألة إثبات النجاسة بالبينة و التي كان كلامه‌

48

..........

____________

- (قدّس سرّه)- فيها، نعم يمكن جعله وجها مستقلا بإرادة ما ورد في الموارد الخاصة بحيث يستظهر قويا رفع اليد عن الخصوصية مثل ما ورد في الجبن الذي يحتمل فيه الميتة من قوله (عليه السلام): «حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه الميتة» (1) و ما ورد في ثبوت الهلال بهما (2) و ما ورد في ثبوت العدالة (3) و ما في الآيات الكريمة من الموارد كالدين و الوصية.

التمسك بالإجماع و استدل- أيضا- بالإجماع المنقول و المحصل كما في الجواهر قال: «نعم ينبغي القطع بقبول البينة في ذلك- أي في إثبات النجاسة- كما صرح به في بعض الكتب السابقة و حكي عن آخر، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عن القاضي و عن ظاهر عبارة الكاتب و الشيخ» (4).

لكن يظهر من الخلاف قبولها في ذلك. و في المهذب (5) لابن براج قال: «و من كان معه إناءان فشهد شاهدان بأن واحدا منهما معينا نجس أو كان يعلم نجاستهما فشهد شاهدان بأن واحدا منهما طاهر لم يجب عليه القبول منهما، بل يعمل على الأصل الذي كان متيقنا بحصول الماء عليه» و الظاهر منه عدم حجيتها في قبال الأصل لعدم اليقين بصدق الشاهدين فلا يرفع عن اليقين السابق كما فهم ذلك عدة من الأصحاب، فهو ليس إنكار لحجيتها في نفسها، و هو الظاهر ممن خالف في قبولها في باب النجاسات.

قال في السرائر: «فإن كانا عدلين يحكم بنجاسة الماء لأن وجوب قبول‌

____________

(1) الوسائل أبواب الأطعمة المباحة حديث 2.

(2) الوسائل باب 3 و 5 أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل أبواب الشهادات باب 41 حديث 13

(4) ج 6 ص 172

(5) ج 1 ص 30.

49

و في ثبوتها بالعدل الواحد (1) إشكال فلا يترك الاحتياط بالجمع.

____________

شهادة الشاهدين و الحكم به معلوم في الشرع و إن كان الطريق إلى صدقهما مظنونا، و لا يلتفت إلى قول من يقول في كتابه أن شهادة الشاهدين تطرح و يستعمل الماء، فإن الأصل الطهارة و لا يرجع عن المعلوم بالمظنون و هو شهادة الشاهدين، لأن أكثر ما يثمر الظن. و هذا ليس بشي‌ء يعتمد، بل الشارع جعل الأصل لأن قبول شهادة الشاهدين وجوب العمل بهما في الشريعة فقد نقلنا من معلوم إلى معلوم» (1) و قد مر كلام المحقق في المعتبر. هذا و يظهر للمتصفح في متفرقات الأبواب ذلك.

خبر العدل الواحد

(1) دل على اعتباره في الموضوعات قيام السيرة التي هي عمدة أدلة متأخري العصر على اعتباره في الأحكام، بل على مطلق خبر الثقة أو الموثوق به. و احتمال عدم تعديها لموضوعات الأحكام بل هي في عادياتهم كما ترى. نعم لم يحرز الأخذ به في قبال بقية الأمارات من اليد و الإقرار و البينة و غيرها، و مما يدعم قيام السيرة و تأصلها الواقعة المعروفة لنزول آية النبأ و إن دلت الأدلة فيما بعد على لزوم البينة في مثل تلك الموضوعات.

و يدل عليه أيضا مفهوم الآية كما حررناه في الأصول و بعض ما دل على حجيته، و يضاف إلى ذلك ما ورد في متفرقات الموارد مما يستأنس رفع اليد عن خصوصية مورده، مثل ما ورد في ثبوت الوصية بقول المسلم الصادق (2) و ما جاء من انعزال الوكيل بإبلاغ الثقة إياه بالعزل مع اشتراط الأصحاب العلم في ذلك (3) بما ورد في مثل صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فالوكالة ثابتة أبدا حتى يعلمه بالخروج كما أعلمه بالدخول فيها» 4. و لا يخفى ان فيه تنزيل‌

____________

(1) 1/ 86.

(2) الوسائل كتاب الوصية باب 97.

(3) 3 و 4 الوسائل كتاب الوكالة باب 1 و 2.

50

..........

____________

أخبار الثقة منزلة العلم و ما جاء في الاعتماد على أذان العدل أو الثقة العارف (1).

و ما روي من عدم قبول أمّ الولد الصدوق في إرضاع الجارية، و قول أحد الورثة المرضي في اعتاق الميت لمملوكه.

لا ينافيه حيث انه في الأول مورد للتهمة مع مناسبة خصوصية المورد و في الثاني لزوم البينة في مثل الموضوع المشترك الأثر كما سيأتي في تحديد دائرة الخبر الواحد.

و قد يضاف أيضا ما ورد في جواز وطي الأمة إذا كان البائع ثقة مؤتمن قد أخبر بالاستبراء (2) و ما ورد أيضا في خبر اللمعة في باب غسل الجنابة (3) و ما جاء من النهي عن اعلام المصلي بكون الدم في ثوبه (4) و ما روي فيمن تزوّج جارية فادّعى آخر ثقة انه امرأته انه لا يقربها (5) و ما روي أيضا في شراء الجبن من النهي عن سؤال البائع المسلم عنه (6) و تصديق البائع في الكيل (7) و غيرها مثلها و إن كانت في محل نظر و تأمل كما لا يخفى.

اشكال و دفع ثم انه قد اشكل على اعتباره بأن معتبرة مسعدة المتقدمة حصرت اثبات الواقع بالاستبانة و هي العلم أو قيام البينة فحينئذ تكون مخصصة لإطلاق ما دل على اعتباره بالأحكام و رادعة للسيرة عن الشمول للموضوعات (8).

و يدفعه ان مورد الموثقة في الموضوعات المفروض فيها وجود أمارات على‌

____________

(1) الوسائل أبواب الأذان و الإقامة أبواب 3 و 19 و 26.

(2) الوسائل نكاح العبيد باب 6.

(3) المصدر أبواب الجنابة باب 41.

(4) المصدر أبواب النجاسات باب 47.

(5) المصدر أبواب عقد النكاح باب 23.

(6) المصدر أبواب الأطعمة المباحة باب 61.

(7) المصدر أبواب عقد البيع و شروطه باب 5.

(8) المستمسك 1/ 173.

51

..........

____________

الحلية و لا يرفع اليد عنها إلا بامارات أقوى منها، و هي العلم الوجداني أو البينة، و من الواضح انه لا اعتبار لخبر الواحد في قبال أمارات معارضة و إن كانت غير لفظية، إذ النسبة بين دليلي الاعتبار في كل منهما من وجه، فضلا عن السير التي هي دليل لبي يأخذ بالقدر المتيقن منه.

و لعل ما ذكره العلامة- (قدّس سرّه)- في النهاية (1)- من قبول خبر العدل كما تقبل روايته و الشهادة في الأمور المتعلقة بالعبادة كالرواية- يرجع إلى ذلك أي اختصاص حجيته في غير مورد التعارض مع بقية الامارات، حيث ان التخصيص بالعبادة دون غيرها لغلبة وجود الامارات في بقية الأبواب من الأموال و الأعراض، أو يرجع إلى عدم اعتباره فيما كان الموضوع متعلقا بين طرفين في الأثر لأحدهما على الآخر، و هو متين، حيث يقوى ان البناء العقلائي فيه على الأخذ بالبينة دون خبر الواحد.

و من هنا يظهر وجه الحصر في ذيل الموثقة باختصاص التقدم بالعلم و البينة على بقية الامارات، كما تكون الموثقة و بعض الوجوه المتقدمة على حجية البينة دالة على تقديمها على بقية الامارات الا ما استثني كالإقرار و حكم الحاكم، و لذا ترى ديدنهم في الأبواب على التقديم.

و أما رادعية الموثقة للسيرة فقد اتضح اختلاف مورديهما، على ان رواية واحدة و لو كانت صحيحة لا تصلح لذلك كما حرر في حجية خبر الواحد مع الآيات الناهية عن الظن في علم الأصول. و أما الجواب عن الإشكال المزبور بأن معنى البينة في الرواية مطلق ما يثبت به الشي‌ء فقد تقدم حاله.

إشكال آخر و اشكل أيضا على اعتباره بلغوية اعتبار البينة حينئذ، إذ الخبر الأول حجة‌

____________

(1) 1/ 252 ط الحديثة قم.

52

[مسألة 5: الأقوى عند الشك وجوب الاختبار أو السؤال]

(مسألة 5) الأقوى عند الشك وجوب (1) الاختبار أو السؤال

____________

انضم الآخر أم لا (1).

و لكنك عرفت اختلاف المورد بين خبر الواحد و البينة، مضافا إلى اختلاف الآثار و الرتبة عند التعارض.

هذا و توهم أن مفاد الموثقة لما كان أصالة الحلية و لم يجعل رافعا لذلك الأصل العملي سوى ما في الذيل، كان الإشكال الأول في محله، ففاسد، و ذلك لما بيّن في محله أن الأمثلة التي فيها ليست مجرى لأصالة الحل، غاية الأمر أنه لما كان مقتضى الأمارات في الأمثلة هو الحلية الظاهرية حتى تقوم البينة على الخلاف جرى تمثيل الحلية فيها بالحلية المستفادة من أصالة الحل، أي كما أنه في تلك الموارد ليست الحلية واقعية قطعية و يحتمل فيها الخلاف، و مع ذلك لا يرفع اليد عنها إلا بالبينة و الاستبانة للخلاف كذلك في الحلية التي هي مفاد الأصل لا يرفع اليد عنها، و كل الأشياء سواء كان الحلية فيها مفاد الأصل أو أمارة لا يرفع اليد عنها حتى يستبين الخلاف أو تقوم البينة.

الفحص عند الشك

(1) اختلف مختار الماتن هاهنا عما ذكره في زكاة النقدين (مسألة 3) فقد قوّى عدم الفحص عند الشك في النصاب، كما احتاط في الحج (مسألة 21) من فصل شرائط وجوب الحج، عند الشك في وصول مقدار ماله حد الاستطاعة، و كذلك احتاط عند الشك في بلوغ نصاب المعدن.

أدلة الفحص في الشبهة الموضوعية و حاصل ما قيل في لزوم الفحص في الشبهة الموضوعية، أو شرطيته لجريان الأصول وجوه:

____________

(1) المستمسك 1/ 173.