صلاة المسافر

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
179 /
3

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله الطاهرين.

و بعد، فهذه نبذة من القول فيما يتعلّق بصلاة المسافر. و الكلام تارة في شرائط القصر، و أخرى في أحكامه.

فهنا مقامان:

المقام الأول في شرائط القصر

و هي مختلفة من حيث كون بعضها شرطا لحدوث القصر فقط كقصد المسافة، و بعضها شرطا لبقائه فقط كاستمرار القصد، و بعضها شرطا لحدوثه و بقائه معا كإباحة السفر. و ليست هذه الشرائط المختلفة شرطا بالنسبة إلى الحكم الكلي المترتب على المسافر، فإنّ حدوثه في مقام تشريع الشريعة، بكون المتعلّق ذا مصلحة خاصة، و بقائه ببقائه على ما هو عليه من المصلحة إلى أن ينتهي أمدها فينسخ، و إنّما الاختلاف بالحدوث و البقاء بالإضافة إلى الأحكام الجزئيّة المنشعبة من ذلك الحكم الكلي المنوطة فعليتها بفعلية موضوعاتها المتقومة بشرائطها الخاصة المختلفة بالحدوث و البقاء. و بالجملة فللقصر شرائط خاصة تذكر في ضمن مسائل‌

4

المسألة الاولى في الشرط الأوّل و هو قصد المسافة،

كما عن غير واحد، أو المسافة بنفسها، بجعل القصد شرطا آخر كما عن آخرين، و امّا اعتبار المسافة، مع تعقيبه بشرط ثان و هو قصد المسافة كما في الشرائع (1)، و الصحيح هو الأول، لوضوح أنّ المسافة لو كانت بنفسها شرطا، للزم تحققها بالتلبس بها في وجوب التقصير، مع أنّه لا شبهة في عدم اعتبار فعلية التلبس بمقدار نفس المسافة في لزوم القصر حدوثا- كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. و لا يجدي ضمّ الاعتبار بمعنى التقدير أو الإحراز إلى المسافة، كما في الشرائع، فإنّه إن كان مغنيا عن القصد- كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى- كان اعتبار القصد بعده بجعله شرطا آخر لغوا، و إن كان يجب القصد بخصوصه كان متقوما بالإحراز فيلغوا اعتباره في قباله، فيلزم إمّا لغوية الشرط الأول، و إمّا لغوية الشرط الثاني. و حيث إنّ قصد المسافة ينحلّ الى حيثيتين، لكل منهما آثار، و للمسافة تقدم طبيعي على قصدها، فنذكر المسافة بما لها من الآثار، ثمّ نعقّبه بذكر القصد و آثاره.

في تحقيق المسافة

فنقول: أمّا المسافة ففيها أمور ينبغي التنبيه عليها.

[الأمر الأوّل] في تحديد المسافة

و الأخبار فيه مختلفة، ففي بعضها إناطة الحكم بمسيرة يوم و بياض يوم (2)، و في بعضها إناطته بثمانية فراسخ (3)، و في بعضها بأحد الأمرين من مسيرة يوم أو ثمانية فراسخ (4). و لذا ذهب إلى كل منها بعض الأصحاب فالشهيد الثاني إلى‌

____________

(1) شرائع الإسلام: ص 39.

(2) الوسائل: ج 5، ص 493

(3) الوسائل: ج 5، ص 490

(4) الوسائل: ج 5، ص 492،

5

الأول (1) و الأول إلى الثاني (2) و صاحب المدارك (3) إلى الثالث.

و لا بد في تنقيح المقام من تقديم مقدمة هي:

إن المستفاد من الأخبار أن المراد بمسير اليوم ليس مطلقة كيفما اتفق، بل مسير معتدل لا ينفك عن قطع ثمانية فراسخ، ففي الفقيه: «لأن ثمانية فراسخ مسير يوم للعامة و القوافل و الأثقال» (4) و في حسنة الكاهلي: «إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء (5) و الدابة الناجية (6)، فإنما وضع على سير القطار» (7).

و في صحيحة ابن الحجاج: «جرت السنة ببياض يوم، فقلت له (عليه السلام): انّ بياض اليوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم، و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم، فقال (عليه السلام): اما انّه ليس إلى ذلك ينظر، أما رأيت مسير هذه الأثقال بين مكة و المدينة؟ ثمّ أومى بيده أربعة و عشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ» (8) و في ذيل رواية العيون (9) و العلل (10) «و قد يختلف المسير فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ و سير الفرس عشرون فرسخا، إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال و القوافل و هو الغالب على المسير و هو أعظم المسير الذي‌

____________

(1) روض الجنان، ص 383.

(2) الدروس ص 50.

(3) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام ذيل قوله: و اما الشروط فستة ص 276.

(4) الوسائل، ج 5 ص 490، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر ح 1 الفقيه، ج 1، ص 290، باب 61 باب علة التقصير في السفر، الحديث 1.

(5) سفا: يسفو، سفوا، أسرع في المشي (أقرب الموارد).

(6) الناجية: مؤنث الناجي، الناقة السريعة، تنجو بمن ركبها (أقرب الموارد).

(7) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. مع اختلاف يسير.

القطار من الإبل بالكسر: قطعة على نسق واحد (أقرب الموارد).

(8) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15 مع اختلاف يسير.

(9) عيون اخبار الرضا، ج 2، ص 113، الباب 34، الحديث 1 مع اختلاف بين ألفاظ الحديث.

(10) علل الشرائع، ج 1، ص 266، الباب 182، الحديث 9 مع اختلاف بين ألفاظ الحديث.

6

يسيرة الجمّالون و المكاريون» (1) و هذه الروايات صريحة في إرادة المسير بسير معتدل يوافق ثمانية فراسخ و لا يتخلّف أحدهما عن الآخر، و مسير يوم أقلّ من ثمانية، ليس من السير المعتدل الذي هو موضوع الحكم، و السير السريع في بعض اليوم إذا كان ثمانية فراسخ هو مسير يوم بالسير المعتدل، فهو داخل في موضوع الحكم. فهذه الروايات قرينة على المراد من مسيرة يوم الظاهرة إطلاقا في جميع أنحاء المسير كما فهمه الراوي، و قال:

«إنّ بياض يوم يختلف». و هذا غير تنزيل إطلاق مسير يوم على الغالب الموافق لثمانية، فيحكم بتعيّن الثمانية وافقت مسير يوم أم لا، فإنّ التنزيل على الغالب يوجب تيقنه لا تعيّنه، فيبقى الغير الغالب مسكوتا عنه و لا يوجب تعيّن الثمانية مطلقا، لأنّ إطلاقها أيضا منزّل على الغالب الموافق لمسير يوم، فالثمانية في بعض اليوم مسكوت عنها، فراجع ما أفاده الشيخ العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة المسافر (2).

و حيث عرفت موافقة مسير يوم لثمانية فراسخ بمقتضى النصوص. فاعلم أنّ الأمر في هذين العنوانين يدور بين أمور، إمّا كونهما معرّفين للشرط، و إمّا كونهما شرطا و ملاكا للحكم، إمّا تعيينا و إمّا تخييرا، و امّا كون أحدهما المعين شرطا و الآخر معرفا له، لا مجال للأول، فإنّه إنّما يعقل كونهما معرّفين إذا كان ما يقبل أن يكون شرطا كما في خفاء الأذان و خفاء الجدران، بالنسبة إلى البعد المخصوص عن البلد في نظر الشارع، و أمّا السير، فهو امّا متكمّم بالكمية الزمانية الغير القارة، و امّا متكمّم بالعرض بالكميّة القارة المكانية المساحية، و مع قطع النظر عن الكمية الاتصالية من الوجهين لا يبقى إلّا طبيعة السير المهملة اللامتعيّنة بأحد التعينين، و هي مع أنّها ليست موضوع الحكم لا يعقل أن تكون إحدى الكميتين معرّفة لها، بل منوّعة لها، و لا سبيل إلى الثاني، لأنّه مع فرض الملازمة بين العنوانين كما عرفت، يغني شرطية‌

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 2.

(2) كتاب الصلاة صفحة 389

7

أحدهما عن الآخر و يلغو شرطية الآخر. كما إذا كان استقبال الجنوب شرطا فإنّه يلغو شرطية استدبار الشمال، و كما لا يعقل شرطيتهما معا تعيينا، كذلك لا يعقل شرطية كليهما تخييرا، فإنّ شرطية أحدهما إلى بدل إنّما تعقل في مورد انفكاك أحدهما عن الآخر لا في مورد تلازمهما، فينحصر الأمر في الثالث و هو كون أحدهما المعين شرطا و الآخر معرّفا. و هذا و إن لم يكن له ثمرة عملية، إلّا أنّ الظاهر شرطية مسير يوم و معرفيّة «الثمانية فراسخ»، لتعذر معرفة موافقة المسير لما هو المعتبر من سير القطار بين الحرمين. فكذا جعلوا له معرّفا يسهل تناوله و معرفته. و إنّما قلنا بأنّ الظاهر شرطية مسير يوم لقوله (عليه السلام): «جرت السّنة ببياض يوم» (1). و لما في رواية الفقيه: «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم إلخ» (2). فإنّ ترتيب وجوب التقصير في مسيرة يوم يكشف عن أنّه ليست حكمة و غاية محضة، بل واجب بالأصالة، و انّ وجوب التقصير في ثمانية فراسخ، لأجل وجوب التقصير في مسيرة يوم، بل الأمر كذلك في قوله (عليه السلام): «إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ» (3)، فإنّه كاشف عن أنّ العبرة بمسيرة يوم، و إنّما عرّفت بثمانية فراسخ لكذا و اللّه أعلم. هذا كله في الأخبار المعينة لمسيرة يوم تارة، و للثمانية فراسخ أخرى و قد عرفت تلازمهما و أمّا الأخبار الظاهرة في التخيير كروايات: زرارة (4) و محمد بن مسلم (5) و أبي أيوب (6) و أبي بصير (7)، فمقتضاها التقابل بين الأمرين لمكان العطف بأو، و هو مناف لتلازمهما و توافقهما الذي دلت عليه النصوص، و قد حملها الشيخ المحقق‌

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 15.

(2) الوسائل، ج 5، ص 490، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1. من لا يحضره الفقيه، ج 1 ص 290، باب 61 باب علة التقصير في السفر، ح 1.

(3) الوسائل، ج 5، ص 491، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

(4) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

(5) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

(6) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

(7) الوسائل، ج 5، الباب 1 و 2 من أبواب صلاة المسافر.

8

الأنصاري (1) (قدّس سرّه) على التقابل بحسب علم المكلف، مع أنّهما لو كانا متلازمين واقعا و علمت الملازمة لكانا متلازمين علما لا متقابلين علما، فإنّ تقابلهما علما معناه إنّ العلم بأحدهما لا يجامع العلم بالآخر، أو أنّه ينفك العلم بأحدهما عن العلم بالآخر. و الظاهر أنّ التقابل بلحاظ السبق و اللحوق علما، و السبق و اللحوق متقابلان، و لا منافاة بين التلازم واقعا و علما، و التقابل بين سبق العلم بأحدهما و لحوق العلم بالآخر كما في العلّة و المعلول، فإنّهما متلازمان واقعا و علما، لكنه ربما ينتقل من العلة الى المعلول، و ربما ينتقل من المعلول إلى العلة. فالإنسان بحسب مباديه العلمية ربما يعلم أنّه ثمانية فراسخ فينقل العلم بالتلازم إلى أنّه مقدار مسير يوم بالسير المعتدل، و ربما بحسب تجربته مرارا يعلم أنّ المسافة مقدار مسير يوم بالسير المعتدل فينتقل إلى أنّه ثمانية فراسخ مساحة، و الغالب هو الأوّل، و لذا جعلت الثمانية حدّا و معرّفا. و الظاهر من قوله (عليه السلام): «بياض يوم أو بريدان» (2) و إن كان التخيير بين الأمرين بنفسهما لكنه لمّا كان في مقام استعلام المسافة الموجبة للقصر و تعريفها فلذا جعلنا التقابل بلحاظ السبق و اللحوق علما، بل إذا جعلنا الشرط نفس إحراز مسيرة يوم لا القصد و الإرادة، أو نفس المسافة فوجوده الواقعي عين وجوده العلمي، و حينئذ فملازمة الموصوف بالمعرّفية لا بدّ و أن يكون إحراز ثمانية فراسخ، لاستحالة التلازم بين الوجود العلمي لشي‌ء، و الوجود الواقعي لشي‌ء آخر، فتدبره فإنّه حقيق به.

الأمر الثاني في شمول الثمانية فراسخ للامتداية و التلفيقية

و مختصر القول فيه: إنّ ظاهر أخبار (البريدين) و (الثمانية فراسخ) هي الامتدادية حتى بملاحظة بعض ما ورد في التلفيق، كرواية سليمان بن حفص:

____________

(1) كتاب الصلاة، ص 389.

(2) الوسائل، ج 5، ص 492. الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 11.

9

«التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا و جائيا» (1) فإنّ لتقابل يقتضي كون البريدين امتداد بين لا جامعا بين الأمرين، فإنه لا تقابل بين الكلي و فرده. مضافا الى أنّ «الثمانية فراسخ» ظاهره في هذه المرتبة من العدد حقيقة بين المبدء و المقصد، ففرض المبدء تارة مبدأ، و أخرى مقصدا، لا يوجب أن يكون بينهما ثمانية فراسخ إلّا بالاعتبار لا بالحقيقة، مثلا بين النجف و كربلاء اثنا عشر فرسخا سواء لو حظ المبدء من النجف أو من كربلاء، و فرض النجف تارة مبدءا و اخرى منتهى لا يوجب أن يكون ما بين البلدين أربعة و عشرين فرسخا، و عليه فإذا أضيف الى هذا العدد شي‌ء فقيل: سر، أي بقدر عشرين فرسخا، كان ظاهرا في مطلوبية السير المضاف إلى هذا العدد حقيقية لا إليه و لو بالاعتبار، فكذا إذا جعل شرطا لحكم.

لا يقال: إذا ذهب أربعا و رجع أربعا فقد سار حقيقة ثمانية فراسخ، و إن لم يصدق على ما بين المبدء و المقصد أنّه ثمانية فراسخ، و العبرة بالسير المتكمّم بهذه الكمية لا بنفس المساحة المكانيّة.

لأنا نقول: حقيقة السير و إن كان متكمّما بهذه الكمية لكن المساحة الموجبة لهذه الكمية، ليست ثمانية بالذات، بل ثمانية بالعرض، لفرض كونها مقوّمة لثمانية قطع من قطعات السير، و المفروض ظهور الثمانية في هذا العدد بالذات لا بالعرض، فهو كما إذا قيل: امسح شيئين فمسح شيئا مرّتين، فإنّ تعدد المسح حقيقي، و تعدد المقوّم له اعتباري. مضافا إلى أنّ ظاهر قوله «يخرج في سفره. إلخ» (2) يراد به الخروج من بلده الى غيره و هو السفر. و من الواضح أنّ البعد عن الوطن مثلا لا يعقل أن يغيّى بالقرب الى وطنه، فمنتهى البعد هو منتهى ثمانية فراسخ و هو منتهى مسيرة يوم من بلده، فلا تعمّ الثمانية المنتهية إلى بلده فتدبر.

و ممّا ذكرنا تبيّن أنّ أدلة اعتبار الثمانية لا إطلاق لها بحيث يشمل التلفيقية،

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 495. الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

(2) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر الحديث 16.

10

و إنّما التلفيق يستفاد من أخبار أخر، و هي كثيرة.

و مجمل الكلام فيه: أنّ جملة من الصحاح صريحة في أنّ أدنى ما يقصّر فيه بريد، و هي أربعة فراسخ. ففي صحيحة زرارة «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ» (1). و في صحيحة أبي أيوب «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه المسافر؟ قال (عليه السلام): بريد» (2). و في صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن التقصير، فقال (عليه السلام): في أربعة فراسخ» (3) و في صحيحة زيد الشحام «قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يقصر الرجل في مسيرة اثني عشر ميلا» (4). إلى غير ذلك ممّا يؤدّي هذا المعنى، و منافاته لما سبق من اعتبار الثمانية رأسا واضحة، و لا استبعاد أن تكون الأربعة أدنى ما يوجب القصر، فهو تخفيف بعد التخفيف في أصل القصر إلّا أنّه لا يعقل ان يكون الأكثر سببا للقصر على حدّ سببية الأقل المأخوذ لا بشرط، فلا بد من حمل أخبار الأربعة على الرخصة و أخبار الثمانية على العزيمة.

إلّا أنّه هناك طائفة من الأخبار شارحة لكلتا الطائفتين.

منها: صحيحة معاوية بن وهب «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): بريد ذاهبا و بريد جائيا» (5).

و منها: مصححة سليمان بن حفص «قال: قال الفقيه (عليه السلام): التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و بريد جائيا» (6) الخبر. و غاية ما يستفاد منهما إلحاق الملفّق بالامتدادي في الحكم.

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 494، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(2) الوسائل، ج 5، ص 497، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

(3) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

(4) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 مع اختلاف يسير.

(5) الوسائل، ج 5، ص 494، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

(6) الوسائل، ج 5، ص 495، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

11

و منها: صحيحة زرارة: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير، قال (عليه السلام): بريد ذاهب و بريد جائي» (1) «و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا أتى ذبابا قصّر. و ذباب على بريد و إنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (2).

و منها موثقة ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: سألته عن التقصير، قال (عليه السلام): في بريد، قلت بريد؟ قال (عليه السلام): إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (3). و يظهر من هاتين الروايتين أنّ الثمانية الملفقة ليست موضوعا آخر للحكم على حدّ موضوعيّة الثمانية الامتداديّة، بل الاعتبار في المسافة بالعنوان الجامع، فالثمانية الامتدادية و الملفّقة شرط بعنوان كونهما ثمانية فراسخ من دون خصوصية للامتداديّة، كما أنّه شرط أو معرّف باعتبار جامع آخر و هي: «مسيرة يوم» فإنّ المراد «بشغل اليوم» استيعابه بالسير فيكون الاعتبار بكونه بمقدار سير يوم من دون نظر الى الامتداد.

و حيث عرفت أنّ باب هذين التعليلين باب إدراج الصغرى تحت كبرى كليّة، هي عنوان الشرط، تعرف قوّة القول بالتلفيق كيفما اتفق و لو كان مسافة الذهاب أقلّ من أربعة مع تتميمها ثمانية بالإياب من طريق أبعد. فإن توهّم كون التعليل حكمة، مدفوع بأنّ التعليل بعنوان حصول الشرط، و هو العنوان الجامع بين الامتداد و التلفيق، و لا يعقل أن يكون عنوان الشرط حكمة للاشتراط. فحديث دوران الأمر بين كونه حكمة و علة ناقصة، أو علّة تامة، غير صحيح هنا بالخصوص و إن أمكن في غيره.

و لا يتوهم منه صحة التردّد مرارا في حصول الثمانية التي هي شرط، لان ظاهر التعليل حصول الشرط بالذهاب من منزله و الإياب إليه لا بذهابات و إيابات.

و ما ورد من أنّ أدنى التقصير بريد فبالنظر إلى الغالب من اتحاد طريق الذهاب‌

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 14 و 15 و ذباب جبل قرب المدينة على نحو بريد. مجمع البحرين.

(2) الوسائل، ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر الحديث 14 و 15 و ذباب جبل قرب المدينة على نحو بريد. مجمع البحرين.

(3) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

12

و الإياب، فإنه إذا كان أقلّ من بريد كان المجموع أقلّ من الثمانية.

و لا يتوهّم أنّ الجامع طبيعي البريدين المنطبق على الامتداديين و الملفق منهما، بشهادة قوله (عليه السلام)- في مقام التعليل-: «لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين» (1) و سائر أنحاء التلفيق ليس من الملفّق من بريدين، فإنّه توهّم فاسد لوضوح أن البريد معرّف معروف لأربعة فراسخ لا أنّه بعنوانه شرط، و لذا قال (عليه السلام):- في مقام التعليل-: «لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» فأوضح عنوان الجامع بقوله: «ثمانية فراسخ». و ما ذكرنا في هذا العنوان الجامع من اقتضاء اعتبار مطلق التلفيق جار في التعليل الآخر بقوله (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (2) بناء على إرادة شغل مقدار يوم و لو من أيام، فإن الملفق بأي نحو كان، شاغل لمقدار يوم. هذا و الأحوط الاقتصار على التلفيق من أربعة ذهابية و أربعة إيابية الملحوظتين لا بشرط من حيث الزيادة.

(أدلة القول بعدم اعتبار الرجوع ليومه)

الأمر الثالث بعد صحة التلفيق هل يعتبر كون الرجوع ليومه أو لا يعتبر؟

(أدلة القول بعدم اعتبار الرجوع ليومه)

فيه خلاف عظيم و أقوال كثيرة، و أنهاها بعض أعلام السادة (قدّس سرّه) (3) إلى العشرة، و العمدة هو القول بالإثبات و النفي مطلقا.

و ما يمكن أن يقال في وجوب القصر على مريد الرجوع و لو لا ليومه أمور:

منها: إطلاقات أخبار التلفيق (4)، لوضوح كونها في مقام تحديد المسافة و لم يقيّد فيها الرجوع المتمم للحد بكونه في يوم الذهاب. و يؤكّده إدراج الملفق تحت عنوان‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

(2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9 مع اختلاف يسير.

(3) الظاهر مؤلف مفتاح الكرامة في ج 3، ص 503.

(4) الوسائل: ج 5، ص 494 الى 499، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر.

13

جامع بينه و بين الامتدادي و لا يعقل مع وحدة الجامع و عدم اعتبار كون الفراسخ الامتدادية في يوم واحد أن يختلف هذا الجامع بالصدق على المتصل و المنفصل في الامتدادي و عدم الصدق، إلّا على خصوص المتصل في التلفيقي. كما لا يعقل اختصاص التعليل بقوله (عليه السلام): «لأنّه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ» (1) بخصوص الرجوع ليومه لأنّ الرجوع يحقق الثمانية عقلا، سواء كان في يوم الذهاب أو في غيره.

و أمّا التقابل بين بريدين و بريد ذاهبا و بريد جائيا فمن باب تقابل الفردين لجامع واحد لا من باب أنّ كل واحد منهما شرط مستقل ينوب أحدهما مناب الآخر. فلا تجب مساواة أحدهما للآخر في جميع الجهات، لصراحة التعليل باندراج الملفق تحت جامع ينطبق عليه و على الامتدادي.

و منه يتضح أنّ هذا المعنى أجنبيّ عن الحكومة و التنزيل- حتى يتوهم أنّ تنزيل الملفق منزلة الامتدادي في الشرطية لا يقتضي الاشتراك في سائر الآثار- و ذلك لأنّ معنى الحكومة الحكم على الملفق بعنوان أنّه امتدادي، فهو ملفق حقيقة و امتدادي عنوانا، كتنزيل الظن منزلة العلم بعنوان أنّه علم. و من البيّن أنّه ليس لسان التعليل أنّ الملفّق مسافة امتدادية عنوانا بل هو ثمانية فراسخ و هي الشرط، فتدبره جيدا.

و الإنصاف قوة الإطلاقات فمنعها مكابرة. إلّا أن الدعوى تقييدها بموثّقة محمد بن مسلم (2)، بل هي من أقوى أدلة القائلين باعتبار الرجوع ليومه. و مورد الحاجة منها قال (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه». بتقريب أنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «شغل يومه» هو فعلية الشغل، و لا يكون الرجوع المنضم إلى الذهاب شاغلا فعليا ليوم المسافر إلّا إذا اتصل إيابه بذهابه و إلّا لم يكن شاغلا بالفعل، بل بالإمكان و التقدير.

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

(2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

14

و تنقيح المقام: إنّ ظاهر الروايات المفسّرة لمسيرة يوم بسير الأثقال بين مكة و المدينة (1)، و إن كان إشارة إلى مسير معتدل في يوم واحد تام، إلّا أنّه ليس مقتضاه تعيّن القصر على من سار سيرا معتدلا في يوم واحد تام، لوضوح اختلاف سير المسافرين بالسرعة و البطؤ و الاعتدال، و بكونه في يوم أو أيام أو في ساعات من أيام. فلا محالة يكون السير المشار إليه مقياسا لأنحاء السير المختلف في الكيفيّة و الكميّة الزمانية، و مقتضاه تقدير السير بنحو الاعتدال، و إن كان الواقع سريعا أو بطيئا، و تقدير اليوم الواحد التام و إن كان الواقع متكمما بساعات من أيام.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ مقتضى قوله (عليه السلام): «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» (2) و إن كان فعليّة شاغلية السير الملفّق ليوم واحد تام عند فعلية السير الملفّق، لمقدار يوم واحد لا لنفسه، و لذا لا شبهة في أنّه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا في نصف يوم لسرعة سيره كان موجبا للقصر مع أنّه غير شاغل ليوم واحد فعلا بل ليوم واحد تقديرا، و هو المراد بمقدار يوم لا نفسه. مضافا إلى أنّ ظاهر هذا التعليل كظاهر التعليل الآخر من حيث إرادة اندراج الملفّق تحت عنوان مسيرة يوم تارة، و عنوان ثمانية فراسخ أخرى، لا أنّه موضوع آخر موجب للقصر حتى يقال لا يضر انفكاكه عن السير الامتدادي في أيام.

و دعوى أنّ نفس الشغل المساوق للمشقة يقتضي تعيّن الرجوع ليومه فإنّه الذي يظهر معه مشقة السير.

مدفوعة بأنّ الشغل لا بمفهومه يقتضي المشقة و لا بلازمه، لأنّ الشغل ينسب إلى الخير و الشر، و الأمر الهيّن و الشاق، و لا حاجة إلى الجواب بأنّه حكمة لا يجب إطرادها، بل شغل اليوم بالسير يزيد على التلبس بالسير بخصوصية كون السير مانعا عن التلبس باضداده. و كما أنّ شغل يوم واحد تام بالسير يلازم عدم إمكان‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 490، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(2) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

15

التلبس بأضداده في نفس ذلك اليوم، كذلك التلبس في نصفين من يومين يمنع عن التلبس بأضداده في مقدار يوم واحد. فالعمدة في الباب هو التصرف في اليوم بإرادة مقداره دون نفسه، و إلّا فقضية الفعلية في الشاغلية، أو اقتضاء الشغل بمفهومه أو بلازمه- كما أطنب فيه الباحثون عن المسألة- أجنبية عن المقصود. و اللّه المسدّد.

و منها: أخبار عرفات (1) و هي كثيرة مشتملة على تشديد بالغ على المتمّين في هذا السفر، إلّا أنّ جملة منها مشتملة إمّا صدرا أو ذيلا على ما يرد عليه بعض الاعتراضات، و يكفي في الباب بعض الروايات الخالية عن تلك المحاذير كصحيحة معاوية بن وهب (2) «إنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات، فقال (عليه السلام): ويحهم أو ويلهم و أيّ سفر أشدّ منه لا تتمّ» (3) و في نسخة أخرى لا تتموا. و موثقة معاوية بن عمّار «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): في كم التقصير؟ فقال (عليه السلام): في بريد ألا ترى أنّ أهل مكّة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير» (4). و قد تضمن هذا الخبر الشريف للموضوع و حكمه. و أمّا ما في بعضها: «ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقصّروا» (5) فربما يعترض عليه بما محصله- بتوضيح منّى- إنّ حجّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل الهجرة ليس مرتبطا بالمقام فإنّ آية التقصير نزلت في المدينة، و أول سفر قصّر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه سفره إلى ذي خشب و هو بريدان من المدينة فقصّر و أفطر كما نصّ بكل ذلك الأخبار. و أمّا حجّة بعد الهجرة فلم يحجّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا حجة الوداع، و قيل إنّه ثبت بالأخبار و نص أهل السير و الآثار أن خروجه لحجة الوداع كان يوم السابع و العشرين من ذي القعدة، و في صحيحة معاوية بن عمار: «في أربع بقين من ذي‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر.

(2) و الصحيح «معاوية بن عمّار».

(3) الوسائل: ج 5، ص 499، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(4) الوسائل: ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

(5) الوسائل: ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

16

القعدة) (1) و دخل مكة في أربع من ذي الحجة بحيث لم يبق له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مجال للإقامة بها، فقصره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مستند إلى سفره من المدينة لا إلى سفره من مكة. قيل و لم يلزم انقطاع سفره بورود مكة لأنّه لم يبق له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ملك بها لأنّ عقيلا باع داره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):- حين قيل له أ تنزل دارك غدا؟

و هل ترك لنا عقيل دارا؟ (2) و يمكن اختيار الشق الثاني.

و دفع الإشكال بأنّ المرور إلى الوطن كاف في انقطاع السفر و لم يشترط في الوطن الأصلي أن يكون للمتوطن ملك كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و من البعيد جدا إعراضه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن هذا الوطن العزيز مع كمال العلقة القلبية منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به فتدبر.

و بالجملة فمن المسلّم بالأخبار و الآثار أنّ المسافة من مكّة الى عرفات أربعة فراسخ، كما أنّه من المسلّم عدم الرجوع ليومه للسواد الأعظم مع الترتيب المنتظم للحاج من حيث الخروج يوم التروية و البيتوتة بمنى ليلة عرفة، و الخروج في نهارها إلى عرفات، و البقاء فيها إلى الغروب و البيتوتة بمشعر الحرام، و إتيان جملة من المناسك يوم العيد، مع عدم تعيّن زيارة البيت في يوم العيد، فلا رجوع ليومه بوجه.

فهذه الأخبار بعد التقييد بأخبار التلفيق من أقوى الأدلة على عدم اعتبار الرجوع ليومه و لا إعراض عنها.

و توضيح المقام: إنّ أخبار عرفات كالأخبار السابقة المتضمنة للبريد ظاهرة في أنّ أربعة فراسخ حدّ السفر، و كون المورد هنا ممّا له الرجوع لغير يومه، لا يقتضي اعتبار أصل الرجوع فالمائز بين هاتين الطائفتين أنّ هذه الطائفة يتعيّن في موردها الرجوع دون تلك الطائفة. فهذه الأخبار بنفسها معارضة لظاهر أخبار الثمانية الامتدادية، و لظاهر أخبار التلفيق، و لظاهر ما يدّعى دلالته- مما سيأتي إن شاء اللّه‌

____________

(1) الوسائل، ج 8، ص 150، الباب 2 من أبواب أقسام الحج، الحديث 4.

(2) كتاب أخبار مكة، الجزء الثاني، ص 162، و كذا في السيرة الحلبية.

17

تعالى- على اعتبار الرجوع ليومه.

و وجوه الجمع بينها و بين أخبار الثمانية الامتدادية، و اخبار التلفيق ثلاثة:

أحدها: أنّ كلا من الثمانية و الأربعة حدّ لتعيّن القصر، و شبهة التخيير بين الأقل و الأكثر، و عدم تأثير للزائد مع تأثير الأقل، مدفوعة بأخد الأقل بشرط لا بالنسبة إلى حدّ الأكثر، فالأربعة في ضمن الثمانية لا أثر لها حتى لا يبقى مجال لتأثير الأكثر بل الأربعة ال‍ «بشرط لا» يستحيل تحققها في ضمن الأكثر لتباين اعتباري بشرط لا و بشرط شي‌ء، و عليه فما ذا قصد الثمانية امتداديّة أو ملفقة تعيّن القصر عليه لهذا السبب بالخصوص، و إذا قصد ما دون الثمانية أي الأربعة بشرط عدم بلوغ الثمانية أيضا تعيّن عليه القصر. فلا تصرف في شي‌ء من الظهورين.

ثانيها: حمل أخبار الثمانية مطلقا على تعيّن القصر بنحو العزيمة، و أخبار عرفات على الرخصة، إذ ليس مقتضى التحديد بالثمانية إلّا تعيّن القصر، و مفهومه ارتفاع تعيّن القصر بعدم بلوغ المسافة ثمانية فراسخ لا وجوب الإتمام تعيينا، فلا ينافي الرخصة في القصر بمقتضى هذه الأخبار، فلا تصرف إلّا في أخبار (الأربعة فراسخ) برفع اليد عن تعيّن القصر، فيتخير في الأربعة بين القصر و الإتمام، حيث لا يمكن الالتزام بتعيّنهما معا للشبهة السابقة.

ثالثها: التخيير بين الأخذ بأخبار الثمانية و طرح أخبار الأربعة فيتم، و الأخذ بأخبار الأربعة و طرح ما ينافيها فيقصّر، نظرا إلى تكافؤهما، و البناء على التخيّر في الخبرين المتعارضين دون التساقط في مورد التعارض.

و الجواب أمّا عن الوجه الأول: فإن التعليل بقوله (عليه السلام): «لأنّه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ» (1). ظاهر في أنّ الثمانية الملفّقة عين موضوع الحكم لا موضوع آخر، و ظاهر قوله (عليه السلام): «فقد شغل يومه» (2) اي مقداره كذلك فيعلم أنّ الاقتصار على الأربعة لأنّ رجوعه أيضا أربعة، و المجموع هو السبب الوحيد‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 498، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

(2) الوسائل: ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

18

لتعيّن القصر، لا أنّ الأربعة مأخوذة بشرط لا و أنّها سبب آخر.

و أمّا عن الوجه الثاني: مضافا إلى ما عرفت، فهو مناف لهذا التشديد العظيم، «و الطعن على عثمان، و امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن إتيان القصر أربعا بعد أن صلى عثمان الظهر أربعا حتى أنّ المحكي في الصحيح انّ معاوية اعترف عند أصحابه بأن السنّة إتيان الصلاة قصرا و أنّ الإتمام خلاف ما سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (1) فإرجاع هذه التشديدات إلى الالتزام بالإتمام لا إلى نفس الإتمام، في غاية الانحراف عن جادة الإنصاف.

و أمّا عن الوجه الثالث: فقد اتّضح من شاهد الجمع المخرج لهما عن التعارض فلا تصل النوبة إلى التخير بين الخبرين. فتدبر جيدا.

و أمّا إذا لوحظت نسبة أخبار عرفات بعد إرادة الأربعة ذهابا، و الأربعة إيابا- مع ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى مما استدل به على تعيّن الإتمام مع عدم الرجوع ليومه، فربما يقال بأنّ المرجع بعد تكافؤهما، عمومات أخبار الثمانية الامتدادية، نظرا إلى أنّ مقتضى التحديد وجوب الإتمام مع عدم الثمانية الامتدادية و المتيقّن في تخصيصها الثمانية الملفّقة مع الرجوع ليومه، فيبقى غيره تحت عموم المفهوم، إلّا أنّ الظاهر مع التكافؤ و التساقط الرجوع إلى إطلاقات أخبار التلفيق لابتلاء المقيّد لها بالمعارض، فالإطلاقات على حالها. و أمّا بناء على عدم التساقط في الخبرين فهل يجب الجمع بينهما بالتصرف فيهما أو في أحدهما، فلا تصل النوبة إلى الترجيح أو التخيير مع إمكان الجمع نظرا إلى أنّ كلا من الدليلين نصّ في الجواز و ظاهر في التعيين فيرفع اليد بنصوصية كل منهما عن ظاهر الآخر؟ أو أن الجمع- الذي هو أولى من الطرح- إذا لم يوجب التصرف في كلا المتعارضين؟ و تمام الكلام في محله.

هذا كله في الوجه الثاني من وجوه الاستدلال.

و منها: الأخبار الخاصة الواردة في موارد مخصوصة، و أوضحها دلالة على المقصود‌

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 500، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

19

ما رواه البرقي في المحاسن (1)، و الصدوق في العلل (2)، بل في الكافي (3) إلى حد التعليل الآتي عن إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا إلى سفر فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب فيه التقصير قصّروا من الصلاة، فلمّا صاروا على فرسخين أو ثلاثة فراسخ أو أربعة فراسخ تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلّا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم، و هم لا يستقم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال (عليه السلام): إن كان بلغوا مسافة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أو انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة أقاموا أو انصرفوا فاذا مضوا فليقصّروا.

ثمّ قال (عليه السلام): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال (عليه السلام): لأنّ التقصير في بريدين، و لا يكون التقصير في أقل من ذلك، فاذا كانوا ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و إن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة» (4).

و هذا الخبر صريح في الرجوع لغير يومه سؤالا و جوابا، و بملاحظة التعليل ظاهر في أنّ ضم الإياب إلى الذهاب هو الموجب لتعيّن القصر، و حيث إنّ قاطع الأربعة جازم بأنّ سفره ثمانية، إمّا لرجوعه إلى بلده أو لمضيّه الى مقصده فلا يضره التردد بين الأمرين مع انحفاظ الجامع في البين، و قد تقدم سابقا إنّ الذي يجب فصده هو الجامع المنطبق على الثمانية الامتدادية و التلفيقية و الخصوصيات غير دخيلة فلا يجب قصدها، و لا يضرّ قصد خلافها من أوّل الأمر، و لا التردّد فيها في الأثناء. و أمّا رمي الخبر بضعف السند مع كونه مرويّا في الكافي و المحاسن و العلل فاظنّه من جهة محمد بن‌

____________

(1) المحاسن، ص 213، كتاب العلل من المحاسن، الحديث 29 مع اختلاف يسير.

(2) علل الشرائع ص 367 الحديث 1. مع اختلاف في بعض ألفاظ الحديث.

(3) الفروع من الكافي المجلد 3. ص 433. باب حد المسير الذي تقصر فيه الصلاة. الحديث 5. مع اختلاف يسير.

(4) الوسائل، ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

20

أسلم الجبلي في السند، مع أنّه ذكر الشيخ في فهرسته: (ابن الجبلي له كتاب أخبرنا به أبو عبد اللّه المفيد (رحمه اللّه)، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، و محمد بن الحسن عن سعد، و الحميري، و محمد بن يحيى، و أحمد بن إدريس عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عنه) (1). و منه يظهر قوّته مع أنّ ضعفه إنّما هو لرميه بالغلوّ، و من الواضح أنّ الغلوّ في الصدر الأول عند أرباب الحديث ليس من الغلوّ الموجب للفسق أو الكفر فإنّهم يرون انّ نفي السهو عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الغلو و اللّه أعلم.

و يقرب من الرواية المتقدمة صحيحة عمران بن محمد «قال قلت: لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلا، خمسة فراسخ فربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ قال (عليه السلام): قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة» (2).

و تقريب الدلالة أن الرجوع من الضيعة إلى منزله مفروض بملاحظة تحديد إقامته بما دون العشرة و كون الرجوع لغير يومه أيضا كذلك و لا ينافي هذه الفقرة إلّا أمره (عليه السلام) بالإتمام في الضيعة فإنّه لا محالة، بملاحظة كفاية الأربعة فما زاد في التقصير كما هو ظاهر جملة من الأخبار المحدّدة بالبريد، و إلّا فينقطع سفره بالوصول إلى ضيعته.

و أحسن توجيه لها حملها على التقية لعدم اشتراط الاستيطان عند العامة فلا ينقطع السفر بذلك واقعا و المفروض هو الرجوع لغير يومه فتدبر.

و أيضا يقرب من الرواية المتقدمة صحيحة أبي ولّاد بملاحظة تعليله (عليه السلام) بقوله: «لأنّك كنت مسافرا الى أن تصير الى منزلك». (3) فإنه إشارة إلى مناط السفر بقطع ثمانية فراسخ و لو ذهابا و إيابا، و هذا التعليل لا يعقل إناطته‌

____________

(1) الفهرست: ص 130. و بدل محمد بن علي بن الحسين عن أبيه، ابن بابويه عن أبيه.

(2) الوسائل: ج 5، ص 523، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14. مع اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

21

بالرجوع ليومه.

و أمّا سائر الروايات فدلالتها على عدم اعتبار الرجوع ليومه إنّما هي بالإطلاق.

هذا كله فيما استند إليه القائل بعدم اعتبار الرجوع ليومه.

[أدلّة القول باعتبار الرجوع ليومه]

و أمّا ما استند اليه القائل باعتبار الرجوع فهي روايات:

الأولى: موثقة محمد بن مسلم

بملاحظة التعليل بقوله (عليه السلام): «فقد شغل يومه» (1). و قد تقدّم تقريبه مع دفعه.

الثانية: موثقة سماعة

«قال: سألته عن المسافر في كم يوم يقصر الصلاة؟ فقال (عليه السلام): في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ، و من سافر قصّر الصلاة و أفطر إلّا أن يكون رجلا مشيّعا لسلطان جائر أو خرج الى صيد أو الى قرية له، يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصّر و لا يفطر» (2).

و تقريبها: إنّ الظاهر من الاستثناء ثبوت الموجب للقصر من حيث المسافة في الموارد المستثناة، و باعتبار عروض المانع لا يجب القصر و لا يجوز الإفطار و لا يكون كذلك في الفقرة الأخيرة إلّا بفرض المسافة فيها أقلّ من الثمانية امتدادا و إلّا لو بلغت الثمانية الامتدادية وجب القصر و الإفطار في الطريق و إنّما ينقطع الحكم بالوصول الى قريته ففرض القصر و الإفطار في الطريق لو لا المانع لا يتحقق إلّا بكون المسافة تلفيقيّة و هي في حدّ ذاتها يوجب القصر و الإفطار لكنه لوقوع المرور بالملك في أثنائها لا يجوز فيها القصر و الإفطار.

إذا عرفت ذلك فنقول: انّ تقييد مسيرة اليوم بقوله (عليه السلام): «يبيت إلى أهله».

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

(2) ذكر صدر الحديث في الوسائل، ج 5، ص 492، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

و ذيله في الباب 8 الحديث 4.

22

يدلّ على اعتبار الرجوع ليومه الذي لازمه بيتوتة إلى أهله و لو كفى الرجوع مطلقا لما كان وجه لتقييد «مسيرة اليوم» بحيثية البيتوتة في الأهل، و ليس ذلك من باب الاستناد الى مفهوم الوصف، بل من باب الاعتماد على مفهوم الحدّ في مقام تحديد المسافة الموجبة للقصر فعلا، و لعدم القصر فعلا.

و الجواب عنها ما مري مرارا من أنّ مقام التحديد مقام إعطاء المقياس و الميزان و إرادة مقدار يوم، و ليس ما في الرواية بأقوى من قوله (عليه السلام): «جرت السنة ببياض يوم» (1) فإنه لا يراد منه وقوع السير في النهار بحيث يعود ليلا إلى منزله في المسافة التلفيقيّة فكذا المراد هنا أنّ المسافة التلفيقيّة بمقدار بحيث إذا ذهب و رجع بات عند أهله، مع أنّ تمام النظر إلى أنّه لا يقصّر و لا يفطر لمروره بقريته في مسافته الملفّقة لا في مقام الحكم بالقصر و الإفطار ليدقق النظر في قيود الكلام بملاحظة مقام التحديد.

الثالثة: ما حكاه بعض علماء العامة

حيث قال روي عن علي (عليه السلام): «إنّه خرج الى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين ثم رجع من يومه» (2). نظرا إلى أنّه لو لا دخله في الحكم لما ذكره الراوي و إلّا لكان بمنزلة، ثمّ أكل، أو شرب، أو نام.

و هي بعد فرض كون مقصده النخيلة دون الأنبار الذي أغار عليها عساكر الشام، و مع الغض عن كونها عامية لا حجية لها، مدفوعة بأن ذكر الرجوع ليومه ليس لدخله في القصر، بل لما حكي في هذه القضيّة أنّه (عليه السلام) لمّا غضب من تخاذل أصحابه خرج ماشيا إلى النخيلة فلحقه الأشراف و قالوا: نكفيك المئونة، فرجع (عليه السلام) من يومه.

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 493، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15.

(2) البحار، ج 89، ص 15، الباب 1 من أبواب القصر و أسبابه و أحكامه، ينقله عن الحسين بن مسعود في شرح السنّة.

23

الرابعة: ما حكي عن الصدوق في المقنع (1) مرسلا،

قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى سوقا يتسوّق و هي من منزله على أربع فراسخ فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، و إن ركب السفن لم يأتها في يوم، قال (عليه السلام): يتم الراكب الذي يرجع من يومه صومه، و يفطر صاحب السفن» (2).

و حيث إنّ ظاهر صدوره مخالف إمّا للمشهور إذا أريد عدم الاكتفاء بالأربعة ذهابا و الأربعة إيابا و إمّا مخالف للمجمع عليه إذا أريد كفاية التلفيق، و اعتبار عدم الرجوع ليومه في القصر مع أنّه إما يعتبر الرجوع ليومه في القصر أو لا يعتبر. و القول باعتبار عدمه فيه خلاف الإجماع فلذا حاول جماعة لدفع الاشكال بوجوه:

منها: ما عن البحار (3) و الوسائل (4) بتقريب أنّ مورد الخبر كما يفصح عنه الجواب خصوص الصوم، و فيه: يمكن الذهاب و الإياب في يوم واحد قبل الزوال لقلة المسافة على الدابة، فالرجوع ليومه معتبر في إتمام الصوم بالنسبة إلى راكب الدابة دون صاحب السفينة المفروض فيه أنّه لا يصل معها الى السوق في يوم لبعد المسافة.

و يندفع: بان فرض الذهاب أربعة و الإياب أربعة على الدابة في نصف يوم فرض بعيد، خصوصا مع قضاء حاجته من السوق، مع أنّ المفروض في الخبر هو رجوعه ليومه لا رجوعه قبل الزوال من يومه.

و منها: ما في الوسائل (5) و هو حمله على الخروج بعد الزوال، فإنّه يجب عليه إتمام الصوم.

و فيه: أولا: انّ الخروج بعد الزوال لا يختص براكب الدابة، بل يجري في‌

____________

(1) المقنع ص 17 باب تقصير المسافر في الصوم. إلّا أنّه ذكر «على سبع» بدل «على أربع».

(2) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13.

(3) البحار: ج 89، ص 13.

(4) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر في ذيل حديث 13.

(5) نفس المصدر السابق.

24

راكب السفينة أيضا.

و ثانيا: إنّ خروجه بعد الزوال و رجوعه ليومه، فيه الاستبعاد المتقدم، و خروجه بعد الزوال في يوم و رجوعه قبل الزوال في يوم آخر و إن كان معقولا و موجبا للصوم في كلا اليومين، إلّا أنّه غير مفروض في الجواب.

و منها: حمله على اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية بوجهين:

أحدهما: بدعوى تقدير أداة النفي على قوله: «يرجع من يومه»، بقرينة أنّ السؤال عن المتسوّق الذي لا يرجع من يومه، و حيث إنّ المقام بملاحظة القرينة المزبورة لا يلتبس النفي فيه بالإثبات صح حذف حرف النفي، كما في باب القسم، مثل قوله تعالى «تَاللّٰهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» (1) أي لا تفتؤا بمعنى لا تزال، حيث إنّ القسم على الإثبات لا بد من أن يكون مقرونا باللام و النون، فيقال: «تاللّه لأفعلنّ» فمع عدم اللام و النون يعلم أن القسم على النفي، فلا مانع من حذف أداة النفي لعدم الالتباس.

و فيه: إن كان عدم الالتباس كافيا في الحذف كلية صحت الدعوى المزبورة، إلّا أنّه غير معلوم إلّا في مورد القسم فالتعدي إلى غيره مشكل جدا.

ثانيهما: إبقاء قوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (2)، على حاله، و الاكتفاء في عدم الرجوع من يومه بقرينة السؤال المتضمن للذهاب الى السوق للتسوّق المستلزم لعدم الرجوع في يوم ذهابه إليه عادة، نظير أخبار عرفات المفروض فيها عدم الرجوع ليومه. و حينئذ فالمراد من قوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (3)، كقوله (عليه السلام) «بيت إلى أهله» (4) تحديد المسافة بكونها بحيث يمكنه الرجوع من يومه. و عليه فمعناه إنّ راكب الدّابة الذي يتمكن من الرجوع ليومه و لا يرجع يتم صومه، فلا تصرّف في شي‌ء من أجزاء هذه الفقرة للدلالة على اعتبار‌

____________

(1) يوسف: 85.

(2) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13.

(3) الوسائل: ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13.

(4) الوسائل: ج 5 ص 492، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

25

الرجوع ليومه، إلّا في قوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (1)، بالتصرف الشائع في نظائر المقام بقرينة كونه في مقام تحديد المسافة، و إعطاء الميزان و المقياس الذي لا يراد منه فعليّة البيتوتة، أو فعليّة الرجوع من يومه.

و أما صاحب السفينة فإنّما يجب عليه الإفطار لبلوغ المسافة ثمانية امتدادية لما في الأنهار من الدورات و الاعوجاجات الموجبة لبعد المسافة بالإضافة إلى البرّ، لا لما في حركة السفينة من البطوء بالإضافة إلى سير الدابة، و ما في السؤال (2) من تحديد المسافة بأربعة فراسخ لما هو المعتاد في التحديدات من ملاحظة البعد بين البلد و المقصد بالنسبة إلى البرّ، إلّا مع انحصار الطريق في البحر.

و منه يظهر إنّ دعوى كون المسافة من طريق الماء أربعة، و إنّه لمكان بطؤ سير السفينة لا يتمكن من طيّ المسافة إلّا في يوم أو أزيد و إنّ الموجب للقصر هو التلفيق بالرجوع لغير يومه و إنّ المسافة بحسب البرّ أقلّ من أربعة فلذا يجب الإتمام و إن رجع ليومه.

مدفوعة بما عرفت، مع أنّ التقييد بقوله (عليه السلام): «يرجع من يومه» (3) مما لا حاجة إليه إلّا تنبيها على الحكم بالأولوية، بمعنى أنّه يجب عليه الإتمام إذا رجع ليومه، فضلا عمّا إذا لم يرجع ليومه كما هو مفروض السؤال.

و بالجملة فهذه الرواية بملاحظة ما ذكرنا أحسن ما في الباب، و لا ينبغي إدراجها في المؤول في قبال النصّ و الظاهر لئلا يصح الاستدلال بها إذ لا تصرّف فيها بموجب عقلي، لمنافاته لما هو المشهور، أو لما هو المجمع عليه، صونا للكلام حتى يعدّ من المؤوّل. إلّا أنّه لا يكافؤ ظهورها في اعتبار الرجوع ظهور أخبار عرفات في عدم اعتباره، و لا سنده من حيث إرساله للصحاح و الموثقات الواردة في تلك الروايات و اللّه أعلم.

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر. الحديث 13.

(2) الوسائل، ج 5، ص 502، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر. الحديث 13.

(3) نفس المصدر السابق.

26

الخامسة: ما رواه عمّار كما في التهذيب

«قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ، فيأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة لا يجوز ذلك، ثمّ ينزل في ذلك المنزل (الموضع) قال (عليه السلام): لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتمّ الصلاة» (1).

بتقريب: إنّ موجب الإتمام إمّا عدم سير ثمانية امتدادية و هو خلاف النصوص المصرّحة بكفاية التلفيق، و إمّا عدم الرجوع في يومه المفروض في الرواية الصريحة في النزول في القرية و لا أقل من يوم.

و يندفع بان الجواب الذي هو كالتعليل لوجوب الإتمام لا يعقل ان يكون منوطا بعدم الرجوع ليومه، فان الملفّق من فراسخ الذهاب و الإياب، ثمانية و أزيد سواء رجع ليومه أو لا، لما مرّ من استحالة دوران كونه ثمانية مدار الرجوع ليومه فان الملفّق ثمانية على أي حال، فلا يمكن تنزيل الجواب على عدم الرجوع ليومه.

نعم ظاهره إن الخروج لأجل الحاجة فتمادى به السير إلى خمسة فراسخ أو ستة، فالمفقود في هذا الفرض قصد المسافة و هو المعتبر في التكليف بالقصر دون قطعها بمجرده، كما يؤكده روايته الأخرى «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة و هو لا يريد السفر فيمضي في ذلك يتمادي به المضي حيث يمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال (عليه السلام): يقصّر إلخ» (2) فالمورد في كليهما خال عن القصد، لكن حيث أنّ مسافة الذهاب أقل من ثمانية في الأول فلا يقصّر في إيابه و حيث إنّها ثمانية في الثاني فيقصّر في إيابه.

و بالجملة الموجب للإتمام ليس عدم كفاية التلفيق، و لا عدم الرجوع ليومه، بل عدم القصد.

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3. التهذيب، ج 4، ص 225، الباب 56 باب حكم من أفطر. الحديث 36

(2) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

27

السادسة: ما رواه الشيخ

- و نسبه بعض الفحول الى العيص بن القاسم و تبعه بعض المشايخ و لم يعلم له وجه- بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن التقصير في الصلاة فقلت له: إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة و هي بمنزلة القادسية من الكوفة فربما عرضت لي حاجة أنتفع بها أو يضرّني القعود منها في رمضان فأكره الخروج إليها لأنّي لا أدري أصوم أو أفطر؟ فقال (عليه السلام): فاخرج و أتم الصلاة و صم فإنّي قد رأيت القادسية الخبر» (1). و القادسيّة على خمسة فراسخ تقريبا من الكوفة. و مع كفاية التلفيق كما هو المنصوص و المشهور لا موجب للصيام و الإتمام إلّا عدم الرجوع ليومه كما هو المفروض في السؤال بحسب العادة.

و يندفع بانّ الموجب هو المرور بالملك و المنزل كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى و لذا أورد في موثقة ابن بكير بالإضافة إلى نفس القادسيّة الأمر بالقصر «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القادسيّة أخرج إليها أتمّ أم أقصر؟ قال (عليه السلام) و كم هي؟ قلت: هي التي رأيت، قال (عليه السلام): قصّر» (2) هذه جملة القول في أدلة العاملين باعتبار الرجوع ليومه، و قد عرفت حالها بالإضافة إلى نفسها و بالنسبة الى أخبار عرفات و نحوها.

و أمّا ما في كتاب الفقه (3) المنسوب الى مولانا الرضا (عليه السلام) من التخيير بين القصر و الإتمام مع عدم الرجوع ليومه كما هو المحكي عن المشهور بين المتقدّمين، فيجاب عنه. أولا: بعدم معلوميّة النسبة إليه (سلام اللّه عليه). و ثانيا:

بأقوائية سائر ما ورد عنهم (سلام اللّه عليهم) سندا و دلالة فيرد علمه إليه (صلوات اللّه عليه).

____________

(1) الوسائل، ج 5، ص 521، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 التهذيب، ج 1، ص 222 باب حكم المسافر و المريض في الصيام، الحديث 24.

(2) الوسائل، ج 5، ص 496، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

(3) فقه الرضا، ص 161.

28

الأمر الرابع [لا فرق في المسافة بين الاستقامة و الاستدارة]

كما لا فرق في المسافة بين الامتداد و التلفيق كذلك لا فرق فيها بين الاستقامة و لاستدارة لإطلاق الأدلة.

نعم ينبغي التكلم في أمرين: أحدهما: تحقيق مناط البعد، هل هو خلط السير أو قطر الدائرة؟ و ثانيهما: تحقيق الذهاب و الإياب في الحركة المستديرة و إنهما يتبعان الوصول الى المقصد و الخروج عنه أو الوصول إلى النقطة المسامتة لمبدء الحركة و هو رأس القطر و التجاوز عنه.

و قد ذكر شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1) صورا ثلاثة:

إحداها: ما إذا لم يقصد المسافر إلّا طيّ المسافة المستديرة، فحكم بانّ مناط البعد هو قطر الدائرة دون خط الحركة على محيط الدائرة، و إنّ الحركة على أحد القوسين ذهابية و على الآخر إيابية.

و ثانيتها: ما إذا كان له مقصد على رأس القطر، أو على نصف القوس، فحكم بأنّ مناط البعد هو خط الحركة دون قطر الدائرة، و إنّ الحركة إلى المقصد ذهابية، و إنّ الحركة بعد الخروج إيابيّة سواء كان في قوس الحركة الذهابيّة أو في القوس الآخر.

و ثالثتها: ما إذا كان له مقاصد متعددة فجعل خطّ الحركة مناط البعد دون القطر و استظهر أنّ الحركة إلى آخر المقاصد كلّها ذهابية و إن كان قريبا من مبدء الحركة.

و تحقيق المقام: امّا في الصورة الأولى فنظر الشيخ (قدّس سرّه) في جعل قطر الدائرة مناطا للبعد ليس توهّم أن الحركة المستديرة يقتضي جعل قطرها مناطا، كيف و قد حكم بخلافه في الصورتين الأخيرتين، و لم يتوهّم و لا يتوهّم أحد أنّ أقصر‌

____________

(1) في صلاة المسافر صفحة 412.

29

الخطوط هو مناط بين البلد و المقصد و هو هنا قطر الدائرة، كيف و الكل ذهبوا إلى حصول المسافة بسلوك الطريق الا بعد إذا كان طريقان للبلد، بل نظره (قدّس سرّه) الى أنّ الشخص ليس له في هذه الصورة مقصد يلاحظ بعده عن البلد، و لا منتهى الحركة مقصده لأنّه عين مبدء الحركة، فلا يعقل أن تكون حركته لأجل الكون في مبدء الحركة لحصوله قبل الحركة، بل نفس الحركة على وجه الاستدارة مقصودة، ففرضه المرور على قطر الدائرة و هو بعدها على وجه الاستدارة، فمروره الأول على القطر ذهاب، و مروره الثاني على ما يحاذي الأول إياب.

و يندفع بأنّ لزوم المقصد من قرية أو ضيعة و نحوهما بلا ملزم، بل المسافرة يتحقق بالحركة بمقدار ثمانية فراسخ و طبع الحركة يقتضي ما منه الحركة و ما إليه الحركة، غاية الأمر إن ما إليه الحركة في الحركة المستقيمة غير ما منه الحركة، و في الحركة المستديرة متّحد مع ما منه الحركة.

نعم الفرض تارة يتعلّق بالوصول إلى ما إليه الحركة كما في الحركة المستقيمة غالبا، و أخرى يتعلّق بنفس الحركة المستديرة، كما إذا أراد مساحة الأرض بنحو الاستدارة ليحدث فيها بستانا أو قرية محيطها كذا و كذا فرسخا و تفاوت الأغراض لا يوجب تفاوتا في ناحية الحركة المستقيمة و المستديرة، و لا فيما إذا كان على أحد قوسي المستديرة مقصد أولا.

و مما ذكرنا يتبيّن إنّ مقدار الحركة المعتبرة شرعا يلاحظ دائما بالنسبة إلى نفس خط السير، مستقيما كان أو مستديرا، لا الى قطر الدائرة فيما إذا لم يقصد محلا مخصوصا على أطراف الخط المستدير.

و يتفرع على سقوط قطر الدائرة عن كونه مناطا للبعد المعتبر في المسافة شرعا: إنّ الحركة في هذه الصورة كلها ذهابية إذ لم يقصد النقطة المسامتة لنقطة المبدء حتى يكون التجاوز عنها إيابا و رجوعا، بل قصد السير المنتهي الى مبدء الحركة لفرض قصد الحركة اليه بنحو الاستدارة، فالحركة بين المبدء و المنتهى المقصودة بالذات ذهاب لا إياب له. و عليه فاذا كان مجموع محيط الدائرة تسعة فراسخ كانت المسافة المعتبرة متحققة بلا تلفيق حتى يعتبر فيها الرجوع ليومه على القول به، و إن كان قطر‌

30

الدائرة ثلاثة فراسخ و هو ثلث المحيط.

و أمّا الصورة الثانية: و هي ما إذا كان له مقصد على رأس قطر الدائرة فلا إشكال في أنّ خط السير هو مناط البعد من البلد الى المقصد كما لا إشكال في أنّ التجاوز عن رأس القطر رجوع و إياب. ففي المثال المتقدّم يبتني على التلفيق و الرجوع ليومه. إنّما الإشكال في أنّ المقصد إذا كان في نصف القوس فهل يتمم بالباقي من القوس، حتى تكون الحركة على القوس كلّه حركة ذهابيّة فتتحقق المسافة المعتبرة بنحو التلفيق المسلّم، أو تكون الحركة الذهابية مقصورة على الحركة إلى المقصد و هي أقلّ من أربعة فراسخ، فلا يتحقق التلفيق من أربعة ذهابية و أربعة إيابية؟.

و مبني المسألة على أنّ الإياب لا يتحقق إلّا بالمرور على ما يحاذي خط الذهاب ليكون مرورا ثانيا، أو يتحقق بمجرد التجاوز عن المقصد بأي وجه اتفق، و أمّا أنّ صورة السير بعد المقصد صورة الذهاب، و لذا يتوهّم أنّ الوصول الى رأس الدائرة و النقطة المسامتة لنقطة المبدأ مقصد ثان، فلا يجدي شيئا بعد سقوط قطر الدائرة عن كونه ملاكا للبعد من البلد، و بعد كون جميع أجزاء الحركة مقصودة، و جميع الوصولات الى حدود المسافة مقصودة، إلّا أنّه أجنبي عن المقصد في قبال بلد الحركة، و عن البعد الملحوظ بين المبدأ و المقصد.

و التحقيق في المبنى هو الثاني، و هو أنّ الخروج عن المقصد بقصد السير الى البلد رجوع الى بلده، و لذا لو سار بخط مستقيم من بلده الى مقصده ثم عاد من مقصده الى بلده بنحو التربيع فان السير في الخط الفوقاني و التحتاني ليس مرورا على ما يحاذي خط الذهاب فلا بدّ من أن لا يكون إيابا، و الالتزام به في الخط الفوقاني بجعله ذهابا إن أمكن. لكنه لا يمكن في الخط التحتاني فإنّه ذهاب محض الى بلده، و الذهاب الى البلد بعد الذهاب منه رجوع و إياب جزما.

و بالجملة الظاهر كما يحكم به العرف على ما أفاده الشيخ الأجل (1) (قدّس‌

____________

(1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري ص 413.

31

سرّه) إنّ الحركة من المقصد الى المنزل رجوع اليه.

و منه يتبين حال الصورة الثالثة، و أنّ الحركة من المنزل الى مقاصد متعددة حركة ذهابية، و إن كان بعض المقاصد واقعا على طرف القوس التالي من قوسي الدائرة، و كون صورته الرجوع الى المنزل لا اعتبار به بعد سقوط قطر الدائرة عن الاعتبار، فلا عبرة بصورة الذهاب في الفرض المتقدّم، كما لا عبرة بصورة الرجوع في هذا الفرض.

لا يقال: إذا كان الذهاب و الإياب قصديّا أمكن دعوى أنّ السير إلى النقطة المسامتة لنقطة المبدأ بقصد الرجوع و بعنوانه و إن كان أمرا واقعيّا، فلا مجال لجعله رجوعا مع كونه كسابقه من التوجّه إلى النقطة المسامتة، و كذا الأمر في التجاوز عن النقطة المسامتة فإنّه إنّما يكون ذهابا إذا قصد عنوانه، و إلّا فهو توجّه إلى مبدء الحركة و هو الرجوع.

لأنا نقول: ليس المناط في ما اخترناه قصديّة الذهاب و الإياب، بل ملاكه أن البعد المعتبر شرعا قد اعتبر بين المنزل و المقصد. فالحركة نحو المقصد ذهاب واقعا و إن لم يقصد عنوانه، و الحركة منه و التوجه الى المنزل تربيعا أو استدارة رجوع و إياب عن المقصد، و قد عرفت أنّه لا فرق في المقصد بين أن يكون في طرف القوس الأول أو القوس الثاني.

الأمر الخامس إذا كان للبلد طريقان أحدهما أبعد يبلغ المسافة،

و الآخر أقرب لا يبلغ المسافة، فلا إشكال- على المشهور- في جواز سلوك الأبعد خلافا للقاضي (1) (رحمه اللّه) «فلم يجوّزه نظرا إلى أنّه كاللاهي بسفره» (2).

و توضيح المقام: إنّ اللهو تارة في قبال ما ليس فيه غرض عقلائي، و أخرى يراد‌

____________

(1) المهذب: ج 1، ص 107 و ظاهر عبارته في الجواهر التقصير مطلقا. جواهر الفقه المطبوع في ضمن الجوامع الفقهية ص 414.

(2) كما نسبه اليه المدارك في ص 277.

32

به الباطل في قبال الحقّ، فإن أريد به الأول فلا واسطة بين الفرض العقلائي و غيره، فلا محالة ما كان فيه غرض عقلائي ليس بلهو، و ما لم يكن فيه غرض عقلائي بل غرض شخصي فهو لهو، و إلّا فالفعل الاختياري لا يصدر عن غير داع و غرض، و عليه فاذا فرض أنّ الأغراض العقلائيّة مترتبة على الرخصة في التقصير فلا محالة يرد محذور أخذ الرخصة في موضوع نفسها، فيرد إمّا الدّور كما هو المشهور في نظائره، و إمّا محذور الخلف من تأخّر المتقدمة بالطبع و تقدّم المتأخر بالطبع كما هو التحقيق.

فما أفاده بعض الأعلام (قدّس سرّه): «من أن قد يتعلّق غرض صحيح عقلائي بنفس الرخصة في قصر الصلاة و ترك الصيام، كما ربما يتّفق ذلك في شهر رمضان لمن يشق عليه الصيام أو يخاف من ضرره، أو يقصد التخلص من صوم يوم يظن كونه عيدا» فغير وجيه على هذا الوجه، إذ لا يندفع عنه المشقة و الضرر و صوم العيد إلّا إذا كان مرخصا في سفره. فكيف يعقل أن يناط بها الرخصة في سفره؟

و بالجملة السفر بهذه الأغراض و إن لم يكن لهوا إلّا أنّ السفر بها لا يعقل أن يكون محكوما بالرخصة. و إن أريد به الثاني، فالسفر المحكوم بالإتمام الموصوف بكونه باطلا كالسفر للتنزه بالاصطياد في قبال التكسب به فالسفر الخالي عن مثله محكوم بالقصر و يترتب عليه تلك الأغراض الصحيحة، و ليس المراد بالحق أن يترتّب عليه عنوان راجح، بل مجرد عدم كونه باطلا، فالسفر لمجرد الفرار عن الصوم و لو لا بتلك العناوين المزبورة سفر غير لهوي، و يترتب عليه التقصير.

و الظاهر أنّ المراد باللهو كما يساعده الأخبار الآتية- في محلها- هو الباطل المقابل للحق، لا الخالي عن الغرض العقلائي. كيف و جملة من الأغراض المتداولة كالتصيّد للتنزه من الأغراض العقلائيّة إلّا أنّ المؤمن في شغل من ذلك كما في الخبر (1).

____________

(1) مستدرك الوسائل ج 1، ص 502، الباب 7 ان من خرج الى الصيد. الحديث 1.

33

الأمر السادس [في ثبوت المسافة]

تثبت المسافة التي تكلّمنا فيها بالعلم و بالبينة، على ما هو المعروف بل المجمع عليه، و إن كان يناقش في النص على حجّيتها عموما في غير مورد النزاع، و حكم الحاكم مطلقا كما حكي عن ذخيرة المحقق السبزواري (1) (قدّس سرّه) و قد صدقه صاحب الحدائق (2) (رحمه اللّه) في دعوى عدم ورود النصّ على الكلّيّة. إلّا أنّ رواية مسعدة بن صدقة المعروفة الواردة في الكافي و التهذيب، في ذيلها: «و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة» (3) مضافا الى ورود الدليل على اعتبارها في موارد خاصة بحيث يستفاد منها المفروغية عن حجيتها في نفسها كما في ما ورد في الجبن الذي يحتمل فيه الميتة حيث قال (عليه السلام): «حتى يجيئك شاهدان يشهدان إنّ فيه الميتة» (4)، فإن مورد السؤال و إن كان هو الجبن إلّا أنّ قوله (عليه السلام) في الجواب: «كلّ شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان بان فيه ميتة» (5)، يراد منه يشهدان بحرمته موضوعا و إلّا فلا يمكن أن يكون المراد من قوله (عليه السلام): «كلّ شي‌ء لك حلال» (6) كل جبن لك حلال. و كذا ما ورد في باب العدالة بقوله (عليه السلام): «من لم تره بعينك يرتكب معصية و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل الستر و العدالة» (7) فإن ظاهره المفروغيّة عن اعتبار شهادة الشاهدين لا أنّ الفسق ذا خصوصيّة مقتضية‌

____________

(1) ذخيرة المعاد ص 407.

(2) الحدائق، ج 11، ص 309.

(3) الوسائل: ج 12، ص 60، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. فروع الكافي، ج 5، ص 313، كتاب ال باب النوادر، الحديث 40، التهذيب ج 7، ص 226 كتاب التجارة، باب من الزيادات، الحديث 9.

و فيها: «يستبين لك غير ذلك أو.».

(4) الوسائل، ج 17، ص 91، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

(5) نفس المصدر السابق.

(6) نفس المصدر السابق.

(7) الوسائل، ج 18، ص 292، الباب 41 من أبواب الشهادات الحديث 13 مع اختلاف يسير.

34

لاعتبار البينة عليه، و كذا ما ورد في باب ثبوت الهلال و لو في غير مورد حكم الحاكم كقوله (عليه السلام): «إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو تشهد عليه بيّنة عدل من المسلمين» (1) و في آخر: «فإن شهد عندكم شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياه إلخ» (2) نعم مثل قوله (عليه السلام): «لا أجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين» (3) بحمل إرادة حكمه (عليه السلام) بالهلال بشهادة العدلين. الى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبع بحيث تطمئن النفس بإلغاء خصوصيات الموارد هذا.

و أمّا ثبوتها بإخبار عدل واحد، أو اخبار الثقة فمورد التأمّل و الاشكال لعموم آية النبإ (4) الواردة في الموضوع، و لسيرة العقلاء التي هي العمدة في حجيّة خبر الثقة.

و من الواضح أنّ العقلاء بحسب بنائهم العملي لا يفرّقون بين الحكم و الموضوع، و يؤكّده اعتبار خبر الثقة في الموضوعات في موارد.

منها: ما ورد في الاخبار بعزل الوكيل كقوله (عليه السلام): «و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه» (5) الخبر.

و منها: ما ورد في الاخبار بالوصية حيث قال الراوي: «فأتاني رجل مسلم صادق فقال ..» (6) الى آخر الخبر المروي في الوسائل في آخر كتاب الوصية.

و منها: ما ورد في باب استبراء الأمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، «في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول: إنّي لم أطأها فقال (عليه السلام): إن وثق به فلا بأس أن يأتيها» (7) و في آخر: «إن كان عندك أمينا فمسّها» (8). و من تقييد القبول بالوثاقة و الأمانة يعلم أنّه بما هو خبر الثقة حجة، لا بما هو إخبار ذي‌

____________

(1) الوسائل: ج 7، ص 191، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11.

(2) الوسائل: ج 7، ص 183، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 7.

(3) الوسائل: ج 7، ص 207، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.

(4) الحجرات: 6.

(5) الوسائل: ج 13، ص 286، الباب 2 من أبواب أحكام الوكالة، الحديث 1.

(6) الوسائل: ج 13، ص 482، الباب 97 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.

(7) الوسائل: ج 13، ص 38 الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 2.

(8) الوسائل: ج 13، ص 39 الباب 11 من أبواب بيع الحيوان، الحديث 3.

35

اليد، و إلّا لما كان وجه للتقييد في الجواب.

و منها: ما ورد في باب الوقت باعتبار أذان الثقة (1) و لعلّ المتتبع يقف على غير هذه الموارد المسطورة أيضا هذا.

و للمانع عن اعتباره في الموضوعات حصر الطريق في البيّنة في رواية الجبن و رواية مسعدة بن صدقة فيكون ردعا عن بناء العقلاء في الموضوعات و تقييد الإطلاق أنّه البناء من حيث التعدد فيها.

و ربما يجاب عن الروايتين بأنّ الحصر في البيّنة لخصوصيّة المورد من حيث فرض اليد فيها، فلا يرفع اليد عنها إلّا بالبيّنة لا بمطلق الحجة و هو في خبر الجبن لاستيلاء بايعه عليه، و في رواية مسعدة بالإضافة الى الثوب المشترى و المملوك المشترى، لاستيلاء بايعهما عليه وجيه، بخلاف الزوجة فإنه لا استيلاء لأحد عليها بحيث يكون استيلاء ملكيا. و ملك الانتفاع لو كان كافيا فهو للزوج، و الكلام في صحة الشراء و صحة التزويج مع الشكّ في كونها أخته من الرضاعة مثلا.

لا يقال: كما أنّ ملك المشتري للثوب و المملوك مستند إلى اشترائه لا الى يده، كذلك ملك البائع غير مفروض الاستناد الى يده فلا مانع من الأخذ بالكلية.

لأنّا نقول: لا بدّ من كون ملك البائع مستندا الى يده فإنّه لو لا اليد لكان ملكه، إمّا بعلم المشتري- و المفروض احتمال السرقة مثلا- و إمّا بقيام البيّنة عند المشتري و مثلها لا يرفع اليد عنها بمجرد قيام البيّنة على خلافها، فيعلم من الأخذ بالبيّنة بمجرد قيامها على أنّه سرقه، أنّ الملك مستند الى اليد، فإنها التي لا تقاوم البيّنة.

و بالجملة فرفع اليد عن ذيل رواية مسعدة الحاصرة في العلم و البينة مشكل جدا إلّا باستفادة الكلية من موارد اعتبار خبر الثقة المتقدمة ليكون مخصصا لتلك الكلية الحاصرة في العلم و البيّنة. و أمّا إدراج خبر الثقة في الاستبانة بجعلها أعم من العلم و العمي مع مقابلتها بالبيّنة التي هي طريق علمي فأشكل، فالاحتياط في المقام بالجمع لا يترك.

و امّا ثبوت المسافة بالشياع الظني بإخبار جماعة يفيد الظن بالمسافة، فعن الشيخ‌

____________

(1) الوسائل: ج 4، ص 618، الباب 3 باب جواز التعويل في دخول الوقت على أذان الثقة.

36

الأجل (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة: «إنّ الأظهر اعتبار الشياع هنا و إن احتمل منعه بناء على الأصل» (1) انتهى.

و ربما يقال بأن الظن الحاصل منه أقوى مما تفيده البينة، إلّا أنّ الدليل على اعتبار الشياع مقصور على غير ما نحن فيه و هو قوله (عليه السلام): «خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم، أو ظاهر الحال: الولايات و المناكح و الذبائح و المواريث و الشهادات» (2) الخبر، و لم يعلم أن حجية البينة شرعا لإفادتها الظن حتى يتمسك بالأولوية، و قوله (قدّس سرّه): «اعتبار الشياع هنا»، يشعر بخصوصية للمقام و لعلّه بملاحظة أنّ المسافات و الأماكن يكفي فيها الشياع، كما ورد في باب المواقيت في الحج حيث قال (عليه السلام): «يجزيك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس و الاعراب عن ذلك» (3) و كما ورد في السعي في وادي محسّر حيث قال (عليه السلام): في جواب ابنه «لا أعرفه سل الناس» (4).

و الإنصاف: أنّ الشياع المفيد للوثوق في أمثال هذه المقامات هو الطريق المتعارف لمعرفتها و الاحتياط لا يترك.

الأمر السابع [في وجوب الفحص على الشاك في المسافة و عدمه]

هل الشاك في المسافة يجب عليه الفحص حتى يتمكن من إجراء الأصل الذي يقتضيه المقام؟ أو لا يجب عليه الفحص لكون الشبهة موضوعية؟

و المعروف فيها، جواز إجراء الأصل قبل الفحص، أو فرق بين الشبهة الموضوعية الوجوبية و التحريمية، كما يظهر من الشيخ الأجل (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (5) بالفحص في الأولى دون الثانية. و العمدة في وجه المنع عن إجراء إلزامه‌

____________

(1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 390.

(2) الوسائل: ج 18، ص 290، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 3 مع اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 8، ص 228، الباب 5 من أبواب المواقيت حديث 1.

(4) الوسائل: ج 10، ص 47، الباب 14 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث 1.

(5) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 390.

37

عقلا و نقلا قبل الفحص، الخدشة في الدليل العقلي. و دعوى الانصراف في الدليل النقلي.

أمّا الأول: فبملاحظة أنّ وجود الحجة واقعا إذا كان بحيث يصل إذا تفحّص عنه كاف في تمامية الحجة و قطع عذر العبد. فموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان غير محرز قبل الفحص لاحتمال البيان المصحح للعقوبة. و الوجه في صلوحه لقطع العذر، إنّ الوصول الذي معه يكون مخالفة التكليف ظلما على المولى، فيستحق به العقوبة، هو وصوله العادي، و هو قهرا متقوّم بمقدار من الفحص عادة، إذ ما كان له طريق متعارف لا يصل قهرا إلّا بمقدار متعارف من الفحص.

و أمّا الثاني: فلما قيل من انصراف لفظ الشكّ و عدم العلم عن مورد يمكن فيه تحصيل العلم بالفحص العادي، بل إذا أريد من العلم الحجة القاطعة للعذر، كان حال الدليل النقلي حال العقلي.

و التحقيق: إنّ التكليف حقيقيّا كان أو طريقيّا متقوم بالوصول، و كونه بحيث إذا تفحّص عنه لوصل، لا يحقق إلّا إمكان الوصول، لا فعلية الوصول. فالتكليف الواقعي الذي عليه طريق واقعي لا يقبل الباعثيّة فعلا، و إنّما يمكن باعثيّة التكليف بإمكان الفحص عن طريقه. و كذا التكليف الطريقي الذي لا أثر له إلّا إيصال الواقع أو تنجيزه، فإنّه مع عدم وصوله فعلا كيف يكون إيصالا للواقع بالفرض أو منجزا له.

نعم ربما يكون الطريق بحدّ يعدّ واصلا، نظير المرتكزات في النفس، فإنّها و إن لم تكن معلومة تفصيلا بالفعل، بل إنّما يتفصّل بالتوجه و التأمل في ما في خزانة النفس لكنّه لا يعد مثله جاهلا بالمسألة، بل غافلا عن علمه بها. فكذا من كانت عنده بيّنة يمكنه السؤال عنها فإنّ مثله لا يعدّ فاقدا للطريق، و هكذا في نظائره من الطرق المعلومة بأدنى توجه و فحص. و أمّا في غير ذلك مما يحتاج حقيقة إلى الفحص و البحث حتى يظفر بالطريق لو كان، فلا ملزم به مع عدم وصول الواقع بوصول طريقه حقيقة. و منه يتضح أنّ إطلاق الأدلة النقلية إنّما ينصرف عن مثله لا عن ما يحتاج الى فحص و بحث بالغ حقيقة. و بقية الكلام في الأصول.

38

و أمّا الاستناد الى العلم الإجمالي بأحد الأمرين من القصر و الإتمام في وجوب الفحص و المنع عن إجراء الأصل قبل الفحص، فغير معقول لتوقف تأثير العلم الإجمالي في التنجير على عدم انحلاله بأصل غير معارض فلا يعقل أن يمنع عن جريانه، فإنّ هذا المعنى متساوي النسبة الى ما قبل الفحص و بعده لو لا دليل آخر على عدم جريان الأصل قبل الفحص. كما أنّ الاستناد إلى أدلة الحرج فيما إذا كان الفحص حرجيا إنّما يصح إذا كان وجوب الفحص شرعيا لا ما إذا كان عقليا، أو لقصور في دليل البراءة عقلا أو نقلا، فتدبر.

الأمر الثامن [في الشاك في المسافة مع عدم الطريق]

هل الشاك في المسافة مع عدم الطريق تكليفه الجمع بين القصر و الإتمام للعلم الإجمالي؟ أو هناك أصل يقتضي تعين الإتمام فينحل العلم الإجمالي؟

لا شبهة في أنّ المسافة المشكوكة لا أصل فيها بحيث يعيّن بلوغها الثمانية أو عدم بلوغها كما أنّه لا أصل يعيّن أنّ قصدها قصد المسافة الشرعية أولا، إلّا أنّه لا حاجة الى شي‌ء منها في نفي القصر و إثبات الإتمام حتى بعنوان الشك في رافعية القصد الموجود، و أنّه مجرى الأصل كالشك في وجود الرافع، مع أنّ رفع الرافعية بالأصل لا يكون إلّا بنحو العدم المحمولي، و بنحو السالبة بانتفاء الموضوع الذي هو محل الكلام، و مورد النقض و الإبرام.

بل التحقيق أن يقال: إنّ عمومات التكليف بالإتمام المخصصة بما عدا المسافر لا تخلو عن أحد وجوه ثلاثة: إمّا أن يكون التخصيص موجبا لإخراج عنوان المسافر منها من دون أن يوجب تعنون العام بعنوان وجودي أو عدمي- كما عليه شيخنا الأستاذ (1) (قدّس سرّه)- و مجرد تردد المشكوك بين الداخل تحت العام و الخارج عنه هو المانع عن الاستدلال به. و إمّا أن يكون التخصيص موجبا لتعنونه بعنوان‌

____________

(1) في كتاب الصلاة من مصباح الفقيه ص 725 تحت عنوان الثالث يشترط في التقصير العلم بالمسافة.

39

عدمي، و هو من لم يكن مسافرا. و إمّا أن يكون موجبا لتعنونه بعنوان وجودي، و هو كونه حاضرا، الذي هو ضد عنوان المسافر. و على أيّ حال فمقتضى الأصل هو الإتمام لليقين بعدم كونه مسافرا قبل قصد هذه المسافة المشكوكة و الآن كما كان، و لليقين بكونه حاضرا قبل هذا القصد و الآن كما كان، فيتعبّد بحكمه و هو الإتمام.

نعم بين العنوان العدمي و الوجودي فرق، و هو إنّ التعبد بعدم كونه مسافرا، كما إنّه تعبّد بعدم موضوع القصر كذلك تعبّد بما هو عنوان للعام، فكما ينفي به وجوب القصر كذلك يثبت به وجوب الإتمام تعبّدا، بخلاف ما إذا كان العام معنونا بعنوان وجودي، فإنّ نفي موضوع القصر لا يوجب إثبات موضوع الإتمام إلّا بناء على الأصل المثبت، فلا بد من إثبات موضوع التمام بإجراء الأصل فيه. و أمّا نفي وجوب القصر بعد إجراء الأصل في موضوع الإتمام فلا حاجة فيه إلى إجراء الأصل الموضوعي، لأنّ نفس وجوب الإتمام تعبدا يمنع عن فعلية ضده، فوجوب القصر فعلا محال بعد فرض المضادّة شرعا بين وجوب الإتمام و وجوب القصر على مكلف واحد في وقت واحد. فلا حاجة الى التّعبّد بنفيه، و لو بنفي موضوعه. و هذا المعنى غير جار في طرف التّعبّد بعدم وجوب القصر ليكون لازمه وجوب الإتمام فعلا، لأنّ لازم كونهما متضادّين عدم اجتماعهما لا عدم ارتفاعهما، و الإجماع على الملازمة إنّما هو بالإضافة إلى الواقع، و إنّه لا يخلو الواقع عن أحد أمرين: وجوب القصر، أو وجوب الإتمام، لا في مقام التعبد مع عدم وجوب ملاكه، و مع وجود ملاكه لا حاجة فيه الى الإجماع على الملازمة، بل يجري الأصل الموضوعي في كليهما.

فتدبره جيدا. و من جميع ما ذكرنا تبيّن جريان الأصل على أيّ حال، فينحل العلم الإجمالي المقتضي للجمع. هذا تمام الكلام في بيان المسافة، و ما يختص بها من الأحكام.

[في أحكام قصد المسافة]

و أمّا قصدها المتأخّر عنها طبعا و لذا أخّرنا البحث عنه. فتحقيق الحال فيما يتعلق به ببيان أمور‌

40

الأمر الأول في أصل اعتبار القصد،

في قبال مجرد سير ثمانية فراسخ من دون تعلّق القصد الكلي بها أوّلا و إن صدرت جزئيات السير بالإرادة، و ما يدل عليه صريحا مرسلة صفوان المنجبرة بعمل المشهور «قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى يبلغ النهروان، و هي أربعة فراسخ، أ يفطر إذا أريد الرجوع و يقصّر؟ قال (عليه السلام): لا يقصّر و لا يفطر لأنّه خرج من منزله، و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق، فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه، و لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا الخبر» (1) و هو صريح في دخل قصد المسافة، و أنّه مع عدمه لا تقصير و أنّه حيث لم يقصد لا يقصّر لا أنّه حيث إنّه لم يقطع المسافة لا يقصّر لفرض قطع المسافة تلفيقا. و يمكن استفادة اعتباره من موثقتي عمّار المتقدمتين (2) في مسألة الرجوع ليومه كما قرّبناه هناك فراجع.

و أمّا ما استند اليه العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (3) من رواية منتظر الرفقة (4) و صحيحة أبي ولاد (5) فمبنيّ على استفادة اعتبار القصد الذي هو شرط آخر فيدل بالملازمة على اعتبار حدوثه. و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى الكلام فيهما.

و أمّا ما عن العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة «من أنّ للمسافة التي هي شرط تأثيرا في العبادات فيعتبر فيها النيّة كما في العبادات» (6) فهو وجه اعتباري لا‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر. الحديث 1. مع اختلاف يسير.

(2) صفحة 50 و 52. من الاستنساخ.

(3) صفحة 392.

(4) الوسائل: ج 5، ص 501، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

(5) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(6) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 188 في ذيل مسألة انتفاء القصد.

41

اعتبار به، لأنّ شرائط الواجب لا يجب أن تكون عن قصد، كما في التستّر في الصلاة، و الاستقبال فيها فضلا عن شرائط التكليف فتدبّر.

الأمر الثاني [في المراد بقصد المسافة]

هل المراد بقصد المسافة هو العزم و الإرادة الكلية التي تنبعث منها الإرادات الجزئيّة، المحرّكة للعضلات نحو قطع المسافة، أو الأعم منه و من الجزم بحصول قطع المسافة كالأسير الذي يعرف المقصد و لا قصد له؟ و ظاهر شيخنا العلامة الأنصاري (1) (قدّس سرّه): عموم الفتوى باعتبار القصد، و إن إطلاق الحكم بالقصر على المكره محمول على غير مسلوب القصد. و ظاهر بعض أعلام العصر (قدّس سرّه) في مصباحه: «دعوى التسالم على القصر في الأسير الذي عرف المقصد، و علم أنّهم يسيرون به لا محالة، مع أنّه لا قصد له على السير و لا على متابعتهم.

و دعوى أنّ قصد المسافة كقصد الإقامة، فإنّه ليس المراد منه القصد الحقيقي» (2).

و ظاهر الفاضل النراقي (3) (قدّس سرّه): الإجماع على القصر في الأسير المسلوب منه القصد مع معرفة المقصد و الظاهر أنّ الحق في فتوى الجماعة مع الشيخ الأجل (قدّس سرّه) فهذا العلامة (قدّس سرّه) في التذكرة (4) صرح بعدم التقصير و إن عرف المقصد. قال (قدّس سرّه): «الأسير في أيدي المشركين إن عرف المقصد و قصده ترخص و إن عزم على الحرب متى قدر على التخلص، لم يترخص و لو لم يعرف المقصد لم يترخص في الحال لعدم علمه بالمسافة، و إن ساروا به المسافة لم يقصّر إلّا في الرجوع». انتهى.

فإنّه (قدّس سرّه) لم يكتف بمجرد معرفة المقصد، و أمّا كفاية اليقين بالإقامة من دون قصدها فسيأتي الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) كتاب الصلاة: ص 391.

(2) كتاب الصلاة من مصباح الفقيه: ص 733.

(3) مستند الشيعة: ج 1، ص 563.

(4) تذكرة الفقهاء: ج 1، ص 188 في ذيل مسألة انتفاء القصد.

42

و ربما يستدل بإطلاقات أدلة المسافة من أن التقصير «في بريدين أو بياض يوم» (1)، خرج منها ما إذا لم يكن جزم و عزم فإنه المتيقن و بقي الباقي تحتها، و كذلك ربما يستدل بإطلاق قوله (عليه السلام): «الفريضة في السفر ركعتان» (2).

و يندفع بانصرافها الى ما هو المتعارف من قطع المسافة من قصد و عزم، مع أن الاولى غير مسوقة إلّا لبيان تحديد المسافة المعتبرة، مع أن الإطلاقات غير متقيّدة بمقيّد لبّي، أو مجمل دائر بين الأكثر و الأقل ليؤخذ في تقييدها بالمتيقن، بل مقيدة بمثل «لا يريد» في مرسلة صفوان (3) الظاهر في الإرادة التي هي غير العلم و الجزم مفهوما و مصداقا. فلا مجال للتمسك بالإطلاقات، و لا أظن كما قيل بالإجماع على وجوب القصر. فالمسألة من حيث ملاحظة أدلتها واضحة، إلّا أنّها من حيث دعوى التسالم و الإجماع على طرفي النقيض مشكلة، و الاحتياط بالجمع لا ينبغي تركه.

و لا يخفى عليك أن موضوع المسألة هو الأسير الذي لا يتمكن من الهرب من أيدي المشركين- مثلا- كما قيده به بعض الأعلام (قدّس سرّه) لان من يتمكن من الهرب منهم، و من ترك المسير معهم فالمسير معهم بترك الهرب المقدور مقدور، فلا يمكن صدور أحدهما منه إلّا بالاختيار. فالمسير الى المقصد المعلوم لا محالة عن قصد، و إن لم يكن عن طيب طبعي كما في المكره. و حيث إن موضوع البحث هو مسلوب القصد الذي لا يكون قابلًا للقصد، فيمكن المناشقة في إطلاق الفتاوى باعتبار القصد، فإنه لا معنى لاعتبار القصد إلّا فيمن يتمكن منه و لم يقصد طي المسافة بتمامها، بل قصد السير شيئا فشيئا كما في طالب الآبق و الغريم، فالإطلاق مسوق لاعتبار القصد الكلي في قبال قصد المسافة شيئا فشيئا. و منه تنقدح الخدشة في الدليل المقيّد، بتقريب أنّ عدم الإرادة لوحظ في قبال الإرادة بنحو العدم‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 49، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

(2) الوسائل: ج 5، ص 529، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1 مع اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر الحديث 1.

43

و الملكة، لا بنحو السلب و الإيجاب. فعدم إرادة ثمانية فراسخ ممن له القابلية للإرادة في قبال ما فرضه السائل من إرادة طيّ المسافة شيئا فشيئا للحوق بصاحبه في الطريق.

و عليه فكما أنّ إطلاقات الفتاوى مخدوشة كذلك دلالة المقيد على التقييد بقول مطلق. و قد عرفت حال إطلاقات القصر أيضا. فمقتضي الأصل هو الإتمام، كما أنّ الأحوط الجمع كما عرفت.

الأمر الثالث لا فرق في القصد الذي هو ملاك القصر بين كونه بالاستقلال و كونه بالتبع

بأنحاء التبعيّة الاختيارية و الإكراهية و الواجبة و غيرها، إذ المفروض تحقق القصد من التابع، كما يتحقق من المتبوع، و إنّما الفرق بينهما في الغاية الموجبة للقصد، فما يوهم من كفاية قصد المتبوع عن قصد التابع في بعض الكلمات لا بدّ من تأويله، إذ كلّ منهما مكلف بالقصر المشروط بالقصد. و التبعية ليست ملاكا شرعيّا آخر للقصر، بل لا يعقل انفكاك قصد المتابعة على أي تقدير عن قصد قطع المسافة كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

ثم إنّ التابع إذا علم قصد المتبوع للمسافة أو علم مقصده كفى كل منهما في قصده للمسافة الواقعية المحكوم على قاصدها بالقصر. و إن لم يعلم أحدهما و جهل القصد و المقصد فالمعروف أنه محكوم بالإتمام واقعا، معلّلين له بفقد الشرط و هو قصد المسافة الواقعية، أعني ما هو مسافة بالحمل الشائع.

و يمكن أن يقال: إن معرفة القصد أو المقصد لا تخلو إمّا أن يكون لتعلق القصد بثمانية فراسخ بعنوانها، و إمّا أن يكون لتعلق القصد إجمالا بالثمانية بالحمل الشائع، فإن كان الفرض هو الأول فاللازم عدم كفاية معرفة المقصد حتى في المتبوع فإنها بمجردها لا تحقق قصد الثمانية بعنوانها مع أنّ الظاهر منهم كفاية قصدها الإجمالي، مع أنّه لا موجب لجعل قطع المسافة من العناوين القصدية كعنوان التعظيم و نحوه، و إن كان الفرض هو الثاني فمعرفة المقصد لا موضوعية له، بل لتحقيق تعلق القصد‌

44

بالمسافة الواقعية.

و عليه فحيث إن المفروض في التابع إناطة قصده بقصد متبوعه واقعا فاذا كانت المسافة مقصودة للمتبوع تفصيلا أو إجمالا كانت مقصودة للتابع إجمالا، و المفروض كفاية قصد المسافة الواقعية إجمالا في المتبوع فليكن كذلك في التابع لتعين الواقع و تعلق القصد به. و ربما ينتقض بطالب الغريم و طالب الآبق كما في الجواهر (1).

و تقريبه: إن طالب الغريم يقصد اللحوق به في محله. فاذا فرض أنّ الغريم في رأس ثمانية فراسخ- مثلا- واقعا فقد تعلق قصده بقطع ثمانية فراسخ واقعا مع أنه لا قصر نصا و فتوى. فيعلم منه عدم كفاية قصد المسافة الواقعية إجمالا بهذا النحو.

و يندفع بأن الفارق بين ما نحن فيه و طالب الغريم هو أنّ الطالب للغريم ليس له قصد المسافة الواقعية منجّزا- و على أي تقدير- بل من عزمه بطبعه أنه متى وجده رجع. و لذا لو عين مكانه تفصيلا لكنه عزم على الرجوع إذا صادفه في طريقه لم يكن عزمه على قطع المسافة منجّزا. فكيف إذا تعيّن المقصد واقعا بخلاف ما نحن فيه فإنه قاصد عين ما قصده متبوعه منجّزا من دون تعليق و تقدير، غاية الأمر أنه لم يعلم بما قصده و بمقصده فيكون كما إذا عيّن المقصد و لم يعلم أنه مسافة شرعية أم لا.

فان قلت: أ ليس من المحتملات في حق المتبوع العزم على الرجوع في الأثناء منجزا أو معلّقا، فلا محالة يكون التابع قاصدا للرجوع إذا رجع متبوعه، أو قصد رجوعه فيكون عزم التابع تقديريا، و لا يخرج العزم التقديري عن التقديرية بعدم حصول المعلّق عليه واقعا، فحال قصد التابع حال قصد طالب الغريم و الآبق؟

قلت: حيث إنّ المفروض تمحّض قصد التابع في التبعية فلا يعقل استقلاله و تفرده بقصد أمر لم يقصده المتبوع. و عليه فمقتضى قصد التبعية إنه إذا كان المتبوع قاصدا للمسافة منجّزا، كان التابع كذلك فيجب عليهما القصر واقعا. و إذا كان قاصدا لما دون المسافة أو للمسافة معلّقا كان التابع كذلك، فلا يجب عليهما القصر‌

____________

(1) الجواهر: ج 14، ص 239.

45

واقعا. فتفرّد التابع بعزم تقديري أو تنجيزي خلف فتدبّره جيدا. إلّا أن ظاهر المشهور خلافه كما مر، و لم أظفر بمفت صريحا بكفاية القصد الإجمالي للتابع في القصر، و إن كان الظاهر من بعض الفروع من بعض أعلام السادة (قدّس سرّه) (1) ذلك.

ثم إنّه يتفرع على ما ذكرنا من الكفاية و عدمها على المشهور أمور:

منها: إنّه بناء على عدم الكفاية، حكم التابع واقعا هو وجوب الإتمام واقعا لفقد شرط القصر واقعا، فلا موجب للاستخبار من المتبوع، فإنه إنما يجب من حيث توقف إجراء الأصل على الفحص و حيث لا استناد الى الأصل فلا معنى للفحص بالاستخبار من المتبوع بخلاف ما إذا قلنا بالكفاية، فإن احتمال وجوب القصر واقعا باحتمال وجود شرطه واقعا قائم، فيجب الفحص حتى يتمكن من إجراء أصالة الإتمام ظاهرا. و عليه فما ذكره في الجواهر (2) و غيره في غيره من جريان الوجهين في الفحص عن الشبهة الموضوعية كما في مسألة الشك في مقدار المسافة المقصودة في غير محله، بعد اختياره صريحا لعدم كفاية القصد الإجمالي، و تصريحه بفقد شرط التقصير واقعا.

[و] منها: إنّه إذا لم يعلم التابع بقصد المتبوع و تبيّن في أثناء السير أنه قاصد للمسافة، فعلى الكفاية يحتسب مبدأ المسافة من مبدأ السير، و على عدمها يحتسب من حين معرفة القصد.

و منها: ما إذا اعتقد التابع أنّ المتبوع قاصد لما دون المسافة فقصده كذلك ثم تبين في الأثناء أنه قاصد للمسافة. فمقتضى الكفاية إنه من باب الخطاء في التطبيق لتعلق قصده واقعا من حيث تمحضه في التبعية بعين ما قصده واقعا و مقتضى عدمها إنّ الاعتبار بقصد المسافة من حين تبين الخطاء.

و العجب من بعض أعلام السادة (3) (قدّس سرّه) مع حكمه باعتبار العلم‌

____________

(1) الظاهر هو السيّد في العروة في مسألة 20 من فصل صلاة المسافر.

(2) الجواهر: ج 14، ص 239.

(3) ربما يكون صاحب العروة في مسألة 17 و 20 من مسائل فصل صلاة المسافر.

46

بقصد المتبوع واقعا، حكم هنا بكفاية القصد الإجمالي في وجوب القصر واقعا.

الأمر الرابع هل العلم بمفارقة المتبوع أو الظن بها أو احتمالها يمنع عن قصد التابع لقطع المسافة بتمامها؟

و هذا العنوان الذي تفرد به بعض أعلام السادة (1) (قدّس سرّه) في قبال الأمر الآتي و هو العزم على المفارقة معلقا على أمر معلوم الحصول أو مظنونه أو مشكوكه المعنون في كلمات القوم يحتمل أحد أمرين:

الأول: العلم بمفارقته للمتبوع اختيارا لموجب أقوى من موجب قطع المسافة بتمامها بناء على أن العلم ينفك عن العزم على المفارقة فعلا كما يظهر من صاحب الجواهر (2) في بعض كلماته في المقام.

و الثاني: العلم بمفارقة المتبوع قهرا.

أمّا الأول: فمع العلم بالمفارقة عن عزم لموجب أقوى من موجب العزم على قطع المسافة بتمامها لا يعقل انقداح العزم على قطع المسافة، لأنّه من المعلول بلا علة، لا من باب كون العزم اللاحق مناقضا للعزم السابق حتى يتخيّل أنّه من العلم بالناقض في المستقبل، أو يتخيّل أنه مناقض لاستمرار القصد لا لأصله، بل العزم بالفعل لا بد من تعلقه بقطع المسافة بتمامها، لا الى حال حصول موجب المفارقة، و مع فرض أقوائيّة موجب المفارقة لا موجب بالفعل لمثل هذا الموضوع.

و منه يظهر حال الظن بالمفارقة و احتمالها، فان الموجب للمفارقة على الفرض أقوى، فمع احتماله لا يؤثر احتمال الموجب الأضعف للتأثير فضلا عما إذا كان الموجب للمفارقة مظنونا، فإنه لو فرض هناك فعلان متضادان في عرض واحد و كان مصلحة أحدهما أقوى من مصلحة الآخر فلا محالة يؤثر احتمال ما فيه مصلحة أقوى دون ما فيه احتمال مصلحة أضعف، فضلا عمّا إذا كان الأقوى مظنونا‌

____________

(1) الظاهر صاحب العروة حيث ذكر حكم المفارقة و التعليق في مسألة 19 من مسائل صلاة المسافر.

(2) الجواهر: ج 14، ص 237.

47

و الأضعف موهوما.

نعم ربما أمكن أن يقال: إن الموجب لقطع المسافة إن كان مظنونا و موجب المفارقة موهوما تتعارض قوة مقام الثبوت مع قوة مقام الإثبات، فلا يمكن الحكم بتّا بترجيح أحد الأمرين. و في مثله فالأحوط الجمع بين القصر و الإتمام.

و أمّا الثاني: و هو العلم بالمفارقة قهرا، أو الظن بها، أو احتمالها، ففي صورة العلم بوجود المانع القهري عن قطع المسافة لا موجب للعزم على المسافرة بالتبع، لأنّ موجبه إمّا التصديق العلمي أو الظني أو الاحتمالي، و مع عدمه بمراتبه لا يعقل انقداح العزم و القصد، و في صورة الظن بوجود المانع ليس إلّا التصديق الاحتمالي و هو كاف في الدعوة، فإنّه لا يجب أن يكون الداعي و الباعث على العزم خصوص التصديق العلمي، بل الظن و الاحتمال، بل الوهم كاف للدعوة، كما يظهر بمراجعة إقدامات العقلاء فإنّ احتمال الفائدة يدعوهم أحيانا كالعلم و الظن بها، بل الفائدة الموهومة إذا كانت لها أهميّة كافية في الباعثية. و الفرق بين الصورتين من العلم بالمفارقة أن مقتضيات العزم على قطع المسافة بتمامها في هذه الصورة محفوظة، و التصديق بها بمراتبه كاف في الدعوة بخلاف الصورة المتقدمة، فإن مقتضى العزم على طيّ المسافة على أي حال مغلوب لمقتضى العزم على المفارقة، فلا يجدي كفاية احتمال الفائدة في الدعوة مع احتمال فائدة أقوى في ضده.

الأمر الخامس هل العزم على المفارقة معلقا على أمر معلوم الحصول،

أو مظنونه أو محتمله، أو موهومة يمنع عن تحقق العزم على المتابعة و قطع المسافة المعتبرة شرعا أم لا؟

و تحقيقه إنّ العزم التعليقي إن كان بمعنى حصول العزم بعد تحقق المعلّق عليه المعلوم أو المظنون أو المحتمل فلا عزم أصلا على المفارقة فعلا في قبال العزم على المتابعة و قطع المسافة، فيدخل تحت العنوان المتقدم من العلم أو الظن بالمفارقة لفرض العلم أو الظن بحصول موجبها. و قد مرّ الكلام فيه. و إن كان بمعنى تعلق العزم الفعلي بالمفارقة عند العتق أو الطلاق فحينئذ لا فرق بين كون ذلك الأمر‌

48

المعلق عليه معلوما أو مظنونا أو محتملا أو موهوما، لأن العزم التعليقي بهذا المعنى لا يجامع العزم المنجز بالمتابعة و قطع المسافة بتمامها فيوجب تعليقية العزم على قطع المسافة جزما، و المفروض عدم كفاية العزم الغير المنجز في وجوب القصر، و إلّا لوجب على طالب الغريم الذي هو عازم على اللحوق بغريمه و لو بقطع مسافة أو مسافات. فالتفصيل بين مراتب المعلق عليه من حيث العلم بحصوله أو الظن به، أو احتماله لا يلائم التعليقية بهذا المعنى. و حيث إنّ الصحيح هي التعليقية بالمعنى الثاني ففي جميع الصور لا يجب القصر. نعم إذا قطع بعدم حصول المعلق عليه فلا معنى للعزم على المفارقة تعليقا من عاقل شاعر حتى ينافي العزم على المتابعة و قطع المسافة بتمامها.

الأمر السادس [في السير لا بقصد المسافة المعتبرة حتى بلوغ ثمانية فراسخ]

إذا سار لا بقصد المسافة المعتبرة، لا امتداية و لا تلفيقية حتى بلغ ثمانية فراسخ فقصد المسافة، فهل يكفي ضمّ مقدار من الذهاب إلى الإياب؟ بل إذا حصل قصد المسافة قبل حصول الثمانية فهل له ضم ما بقي من الذهاب إلى الإياب، بحيث يكون مجموعهما ثمانية فراسخ أم لا؟

لا ريب في كونه من جزئيات مسألة التلفيق المطلق، و لو لم يكن الذهاب أربعة و قد تقدم قوّته إلّا أنّه خلاف المشهور، بل ربما ادعى عليه، الإجماع، إلّا أنّه ربما يفصل بين ما إذا كان الرجوع بنفسه مسافة فله ضمّ مقدار من الذهاب، و ما إذا لم يكن بنفسه مسافة فلا يضم، كما حكي عن المحدث الكاشاني (1) (رحمه اللّه)، و مال إليه في الحدائق (2). و ما استند اليه المحدث المذكور: موثقتا عمّار (3) مدعيا أنّ إحداهما مبيّنة للأخرى. أمّا الموثقة المبيّنة فهي هكذا: «قال عمّار سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة و هو لا يريد السفر فيمضي في‌

____________

(1) الوافي: ج 2، ص 27، باب حدّ المسير الذي يقصر فيه.

(2) الحدائق: ج 11، ص 331.

(3) الوسائل: ج 5، ص 503، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 و 3.

49

ذلك فيتمادى به المضي حتى يمضي ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال:

يقصر و لا يتم الصلاة حتى يرجع الى منزله» و ظاهرها إن تكليفه بعد بلوغ الثمانية القصر من حينه الى أن يرجع. لا من حين رجوعه، لعدم مناسبته لجعل الرجوع غاية، و لازمه القصر في ذلك الموضوع و في ذهابه و في إيابه.

و أمّا الموثقة الأخرى فهي هكذا: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك، ثم ينزل في ذلك الموضع، قال: (عليه السلام) لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة» (1). و الرواية و إن تضمنت حكم سير الأول و الثاني بإتمام الصلاة فيها كما اعترف به المحدث، إلّا أنه من حيث تعليق كونه مسافرا على قطع ثمانية فراسخ يدعى أنّه بقطعه هذه المسافة صار مسافرا بملاحظة ما في الموثقة المتقدمة الآمرة بالتقصير من حينه لا من حين الرجوع.

و الجواب عن الموثقة الأولى إن قطع المسافة التي تمادى به السير ليس بنفسه من موجبات القصر، بل من حيث إنه قاصد للرجوع، و المسافة ثمانية. و ظاهر السؤال أنه تمادى به السير و انتهى الى ذلك المحل، فما بعده مسافة الرجوع و هو سفر شرعي ابتدائي، يعتبر فيه كل ما يعتبر في المسافرة شرعا من الخروج عن حد الترخّص، و من عدم التلفيق بذهاب أقل من أربعة فراسخ فلا مجال للإطلاق أو جعل مبدأ التقصير حال بلوغ الثمانية، بل مبدأه الرجوع و الأخذ فيه الى أن يصل الى منزله، فليس المراد من قوله: «حتى يرجع»، حتى يأخذ في الرجوع، حتى ينافيه جعله غاية، لوضوح أن الحكم ينتهي بحصول الغاية، بل المراد من الرجوع الوصول الى المنزل، فلا يأبى عن كون مبدأ الأخذ في العود.

و منه تبين حال الموثقة الثانية فإن السؤال فيها حيث كان عن حال ما صدر من السير الأول و الثاني، لا من تكليفه فعلا كما هو كذلك في الموثقة الاولى فلا محالة‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

50

يراد من الجواب أن ما صدر منه من السير مجموعا و إن كان أزيد من الثمانية، إلّا أنّه لا يجدي إلّا مع قصدها من الأول المفقود في مفروض السؤال. فتعليق المسافة الشرعيّة على قطع الثمانية يراد منه ذلك، لا أنّ قطع الثمانية خارجا يوجب صيرورته مسافرا فيما بعدها قهرا لقصد العود، فاذا صار مسافرا من حيث قصده للعود قهرا لا مانع من ضم مقدار من الذهاب، فإنه مسافر شرعا و تكليفه القصر.

و في كتاب الصلاة للشيخ الأجلّ (1) (قدّس سرّه) حمل الأمر بالإتمام على تكليفه الفعلي، غاية الأمر أن إطلاقه مقيد بما إذا رجع الى منزله، و لذا جعل الموثقة الاولى الآمرة بالتقصير فعلا معارضة للموثقة الثانية. و عليه فيبطل مبني الاستدلال للتفصيل، لكنه خلاف الظاهر، و خلاف ما فهمه الأصحاب.

[في اعتبار استمرار القصر]

المسألة الثانية في الشرط الثاني من شرائط وجوب القصر

و هو استمرار القصد على قطع المسافة المعتبرة. و تمام الكلام فيه برسم أمور:

الأمر الأول في الدليل على اعتباره،

و قد تفرّد الشيخ الأجلّ (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (2) بالاستدلال بأمرين:

أحدهما: ما لفظه: «لان الظاهر من أدلة تحديد المسافة و إن التقصر في بريدين أو ثمانية فراسخ وجوب التقصير في سفر مقدار سيره بريدان فيدل على التلبس بسفر مسافته بريدان، فكلّما يتحقق وصف التلبس بالسفر الكذائي تحقق موضوع التقصير،

____________

(1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 391.

(2) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: 414.

51

و المفروض إنه مع زوال القصد و نيّة الرجوع أو التردّد لا يصدق عليه أنّه يتلبس بالسفر المقدّر بالمقدار المذكور» انتهت عبارته (قدّس سرّه).

و تقريبه إنّ قاطع المسافة متلبّس في كل حين بذلك المقدار من السير لا بسير ثمانية فراسخ إلّا باعتبار قصده في كل حين لثمانية فراسخ فاذا لزم تلبسه في وجوب القصر من أول سفره إلى آخره لزم قصد الثمانية من أوّله إلى آخره.

و يندفع أوّلا: بأنّه لا دلالة له على اعتبار أصل القصد فضلا عن استمراره، لان موضوع الحكم إذا كان سير ثمانية فراسخ فقط كانت الكمّية المزبورة كمّا متّصلا للمجموع، فليس له إلّا تلبّس واحد خارجا. و وجوب القصر على قاطع هذه المسافة في كلّ حين مراعى بحصول هذه الكميّة خارجا من دون اعتبار قصد أصلا، و لزوم التلبّس في كلّ حين أول الكلام حتى يستنتج منه لزوم القصد في كلّ حين.

و ثانيا: بعد فرض الفراغ عن أنّ السير المتكمم بالكمّية المزبورة لا أثر له كما في طالب الغريم، و إن تلبّسه بالسفر يدور مدار القصد، إلّا أنّ المتيقن أن السير الخاص لا بدّ أن يكون مقصودا من أول الأمر، فالتلبّس القصدي شرط في مبدئه لا في جميع أجزائه.

ثانيهما: ما أفاده في موضع آخر و هو ما ذكره (عليه السلام) في ذيل رواية عمّار:

«لا يكون الرجل مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (1) و المعنى بقرينة السؤال حتى يسير مع القصد (2) و من البيّن أنّ السؤال لم يكن إلّا عن سير خمسة فراسخ بلا قصد الرجوع، و إلّا لكانت الثمانية التلفيقية مقصودة و الجواب لا يفيد أزيد من اعتبار قصد الثمانية من الأوّل في قبال عدمه من الأوّل كما في السؤال. فالجواب إذا حمل على أن السير لا بدّ من أن يكون مقصودا بكمّية خاصة لا يقتضي معيّة القصد للسير حتى يستفاد منه استمرار القصد.

و استدل غير واحد من الأصحاب بالتعليل الوارد في ذيل رواية إسحاق بن عمّار‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 504، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

(2) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: ص 392.

52

المرويّة في العلل و المحاسن و هو هكذا قال (عليه السلام): «أو تدري لم صار هكذا؟ قلت لا قال (عليه السلام): لان التقصير لا يكون إلّا في بريدين، و لا يكون في أقلّ من ذلك، فلمّا كانوا ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا بريدا، كانوا قد ساروا سفر التقصير، و ان كانوا قد ساروا أقلّ من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة» (1) الخبر.

و هذا بمجرده لا يدل على اعتبار الاستمرار إذ كما أنّ القصد شرط كذلك سير أربعة فراسخ حتى يكون بالرجوع ثمانية. فمن الممكن أن يكون الفارق أن ما قطعه البالغ أربعة عن قصد ابتداء حيث كان يرجع أربعة فقد حصلت المسافة المعتبرة، و إلّا فلا، كما هو ظاهر قوله (عليه السلام): «لأنّ التقصير لا يكون إلّا في بريدين» و مجرد ذكر الإرادة في قوله (عليه السلام): «و أرادوا أن ينصرفوا» لا يدل على دخل الإرادة المذكورة في وجوب القصر، فإنّه من المتعارف في التعبير عن الأفعال الاختيارية. نعم في فقرة أخرى بعد التعليل و هي «قلت: أ ليس قد بلغوا إلخ» شهادة على اعتبار الاستمرار كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى بيانه عن قريب.

و مما ذكرنا يتبين الإشكال في التعليل الوارد في صحيحة أبي ولّاد، و هو:

«لأنّك كنت مسافرا إلى ان تصير الى منزلك» الخبر. أي برجوعك لا بقصد الرجوع، فما نسب الى المحقق السبزواري (2) (قدّس سرّه) في الذخيرة «من أن الحجة على اعتبار الاستمرار غير واضحة عندي». و كذا ما نسب (3) الى صاحب المدارك من أنّ الأصحاب لم يوردوا عليه دليلا، ليس منهما من باب الغفلة عن الخبرين أو عن دلالتهما و إن كان الحكم مشهورا بل أدعي عليه الإجماع.

____________

(1) العلل: ج 2، ص 367، الباب 89، الحديث 1، المحاسن، ج 2، ص 312، الحديث 29.

الوسائل ج 5، ص 510، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

(2) ذخيرة المعاد: ص 407.

(3) الناسب هو صاحب الحدائق: بقوله في ج 11، ص 334: و العجب من جملة من الأصحاب و منهم صاحب المدارك، حيث انّهم ذكروا هذا الشرط و لم يوردوا عليه دليلا حتى قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عن الأصحاب. و حجّتهم عندي غير واضحة.