سند العروة الوثقى - كتاب الطهارة - ج2

- الشيخ محمد السند المزيد...
419 /
5

الجزء الثاني

[تتمة كتاب الطهارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مقدمة

الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين‌

قد اشتمل هذا الجزء على عدّة من الرسائل و القواعد التي نقّحها سماحة الحجة المحقّق الشيخ محمد سند البحراني:

الرسالة الأولى في الكافر و قد عقد الكلام فيها في مقامين:

الاول في الحكم و هو النجاسة.

و الثاني في الموضوع و هو الكفر باقسامه. و قد حفل البحث بفروعات هامّة.

الرسالة الثانية في نسب ابن الزنا و ترتب أحكام الولد.

الرسالة الثالثة: في حكم العصير العنبي و اخويه.

و القواعد:

الأولى: في التبعية.

الثانية: عمد الصبي خطأ‌

الثالثة: تبعية الولد الحلال و الحرام لأشرف الابوين.

الرابعة: ان المتنجس منجس.

مؤسسة إحياء التراث البحراني‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[تتمة الباب الثاني في النجاسات]

[تتمة فصل النجاسات اثنتا عشرة]

[الخامس: الدم من كلّ ما له نفس سائلة]

الخامس: الدم من كلّ ما له نفس سائلة (1)، إنسانا أو غيره، كبيرا أو صغيرا،

____________

نجاسة دم ماله نفس سائلة

(1) و نجاسته مجمع عليها في الجملة بين الخاصّة و العامّة، بل من الضروريات، و في الجواهر أنّ عدمها فيه في الجملة كذلك، إلّا أنّ البحث وقع في وجود عموم دال على ذلك إلّا ما أخرجه الدليل.

فاستدل عليه: أولا: بالآية الكريمة إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ (1)، بتقريب أنّ الرجس بمعنى النجس، حيث أنّه اسم لكلّ شي‌ء يستقذر و ينفر منه، و استعماله في الآيات الأخرى في الأفعال القبيحة كالميسر و نحوه من باب مجاز السكاكي الادعائي كناية عن القذارة المعنوية، بل يؤيده أو يشهد له إرادة النجاسة من الرجس في آية الخمر كما تشير إليه الروايات الواردة فيه.

و أمّا الضمير فقد استظهر عوده إلى الأخير فقط بقرينة العطف بالمنصوب على اللحم، في عداد المحرمات حيث أنّه لو كان مرجعه هو ما تقدم ذكره لا خصوص اللحم، لكان ما أهل لغيره اللّه به أيضا رجسا لكونه ميتة أيضا.

إلا ان الصحيح عوده إلى اسم كان و هو المطعوم، بقرينة وحدة سوق الضميرين المذكورين المزبورين و تشاكلهما في الافراد و التذكير، و كون المحرّم من الدم في الذبيحة عمدته النجس كقرينة خارجية، و افراد ما ذبح لغير اللّه بالذكر عن عموم الميتة لأجل التنبيه على حرمة الفعل أيضا، كما هو الحال للآية مع آية المائدة- الآتي ذكرها- ممّا اشتملت على عناوين أخرى تندرج تحت عنوان الميتة.

و أمّا المراد بالسفح فالأقرب فيه المصبوب، و يتحصل من مفاد الآية هو نجاسة مطلق الدم الحيواني ذي النفس السائلة الخارج عن بدنه، إذ التعليل المطلق موضوع الحرمة، دون مطلق عنوان الدم.

____________

(1) الأنعام/ 145.

8

..........

____________

إن قلت: الوصف غير احترازي و إنّما أتي به لأجل أن المتعارف في الدم المأكول لديهم هو في موارد الوصف، بقرينة اطلاق الموضوع للحرمة في ثلاث آيات أخرى (1)، كقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ.

قلت: إنّ موضوع الحرمة و إن كان مطلقا شاملا لغير ذي النفس السائلة أيضا في الآيات الأخرى، إلّا أنّ التعليل غير منطبق على المطلق كما هو معلوم من الخارج، فهو قرينة على احترازيته و مجيئه للتمثيل الموردي بلحاظ التعليل.

و أمّا الاشكال بأن النجاسة لم تثبت لها حقيقة شرعية حكمية وقت نزول الآية (2)، فقد تقدم ذكره مع الجواب في أوّل بحث المياه في دلالة الآيات على الطهور الشرعي فراجع.

و ثانيا: بما ورد في الموارد الخاصّة العديدة، الدال تعددها على عدم خصوصية آحاد مواردها كما في دم الرعاف و نتف لحم الجرح (3)، و قلع السن (4) و حكّ البدن (5)، و دم القروح (6)، و دم الحيض (7)، و النفاس (8)، و الاستحاضة (9) و غيرها، إلّا أنّ المستفاد منها أيضا بعد رفع الخصوصية هو المقدار المتقدم في الآية دون مطلق الدم.

ثالثا: ارتكاز نجاسة مطلق الدم في أذهان المتشرعة حتى أنّ استثناء بعضها عندهم يعدّ نشازا غريبا كدم البيضة أو العلقة و نحوهما، و يشهد لاطلاق الارتكاز اطلاقه في أسئلة الرواة مفروغا عن نجاسته كما في صحيح ابن بزيع قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من‌

____________

(1) المائدة آية رقم 3، البقرة 173، النحل 115.

(2) بحوث في شرح العروة ج 3/ 164.

(3) الوسائل: أبواب قواطع الصلاة باب 2.

(4) الوسائل: ابواب قواطع الصلاة باب 27.

(5) المصدر: أبواب النجاسات باب 20.

(6) المصدر: باب 22.

(7) المصدر: أبواب النجاسات باب 28.

(8) المصدر: أبواب النفاس باب 3.

(9) المصدر: أبواب الاستحاضة ب 1.

9

..........

____________

بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهّرها حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة؟ فوقّع (عليه السلام) بخطّه في كتابي: «ينزح منها دلاء» (1).

و كروايات اعادة الصلاة مع نسيان الدم الزائد عن المعفو عنه (2)، بل إن وقوع السؤال عن دم ما لا نفس سائلة له شاهد ارتكاز العموم أيضا (3).

و فيه: ما عرفت من أنّ عدم النجاسة في الجملة متسالم عليه في ارتكاز المتشرعة، نحو الدم المتخلف في الذبيحة، و الدم في الباطن المحض و غير المحض، و دم ما لا نفس له، فمع تنوع الدم إلى أربعة أنواع كما يأتي، و عدم نجاسة بعضها و اختلاف آثار النجس منها أيضا كما في الدماء الثلاثة و غيرها و دم القروح و غيرها، فدعوى الاطلاق مع هذا الارتكاز في الأوّل ضعيفة، بل لا بد من دليل لفظي يتمسك بذيله لتحديد الدائرة.

رابعا: ورود بعض الروايات المدعى فيها الاطلاق:

الاولى: موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): عن ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب، فقال: «كلّ شي‌ء من الطير يتوضأ ممّا يشرب منه، إلّا أنّ ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه و لا تشرب»، و في رواية الشيخ زيادة و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة، قال: «إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه و لم يشرب، و إن لم يعلم أنّ في منقارها قذرا توضأ منه و اشرب» (4).

بتقريب: أنّ الرواية في صدد طهارة الحيوان مع عدم الدم حال الملاقاة و إن كان المنقار سابقا متلوثا به، فهي في صدد الطهارة اجمالا، و الحكم بالنجاسة مع وجود الدم مطلقا- من دون استفصال عن نوع الدم من ناحية الشبهة الحكمية أو الموضوعية- يفيد امارية وجوده على النجس منه في الشك الحكمي أو الموضوعي كأمارة في‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 14.

(2) الوسائل: أبواب النجاسات باب 40.

(3) التنقيح ج 3/ 6.

(4) الوسائل: أبواب الاسئار باب 4.

10

..........

____________

البابين (1).

و فيه: أنّ التقييد بالرؤية مع تذيلها بعين التفصيل في العلم بوجود القذر على منقار الدجاجة، ظاهر في الحكم بالطهارة ما لم يعلم بالنجاسة في الشبهة الموضوعية، حيث أنّ فرض السائل أن منشأ الشك في الخارج و هو سبعية الطير المعتاد على أكل النجاسات.

و لو سلم ظهورها في امارية الدم فهي في الشبهة في الموضوع في مورد الطيور لا في الحكم إذ الظاهر هو فراغها عن نجاسة الدم، كالقذر في فرض الدجاجة، و إنّما الشك من ناحية مصداق الدم، فوجود الدم أمارة على القسم النجس منه، نعم لو كانت متعرضة للشك في الحكم لكانت شاملة لكثير من أقسام الدم حتى الذي في البيضة، هذا مع أنّ الجمع في الامارية لشبهتين طوليتين فيه من التكلف في التقدير ما لا يخفى بعد فرض تصور عنوان جامع لهما.

الرواية الثانية: ما ورد في البئر نظير صحيح ابن بزيع المتقدم، لكن في اطلاقها- مع كون نجاسة الدم مفروغا عنها لدى السائل لسؤاله عن مقدار النزح- تأمّل، و لو سلم ففي الدم الحيواني ذي النفس السائلة.

الرواية الثالثة: اطلاق مفهوم روايات نفي البأس عن دم ما لا نفس سائلة له «إنّ عليا كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب» (2)، و هو بعد البناء على مفهوم الوصف فليس دائرته أوسع ممّا تقدم.

الرواية الرابعة: ما ورد في مانعية الدم كصحيح عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به، ثمّ يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي، ثمّ يذكر بعد ما صلّى، أ يعيد صلاته؟ قال: «يغسله و لا يعيد صلاته، إلّا أن يكون‌

____________

(1) التنقيح ج 3/ 6.

(2) الوسائل: أبواب النجاسات باب 23.

11

..........

____________

مقدار الدم مجتمعا فيغسله و يعيد الصلاة» (1)، و غيرها من روايات الباب.

بتقريب: أن اطلاق موضوع المانعية- و هو الدم- دال على اطلاق النجاسة.

لكنه غير خفي: أن مفادها الأصلي في مورد النسيان بعد الفراغ عن نجاسته، و المانعية المترتبة عليها، و كذا غيرها من الروايات المتعرضة لمقدار الدم المانع، حيث أنّها بعد الفراغ عن المانعية فضلا عن النجاسة.

الرواية الخامسة: صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن آنية أهل الكتاب فقال: «لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة و الدم و لحم الخنزير» (2)، و قد تقدم تقريب الرواية في المطلقات الدالة على نجاسة الميتة، فكذا الحال في عنوان الدم و لعل الرواية أفضل دلالة ممّا تقدم، إلّا أنّ الاطلاق فيها أيضا- حيث أنّه وارد في الدم المأكول و هو الدم المسفوح الذي يتخذ للأكل- دائرته ليست بأوسع ممّا تقدم في الوجوه السابقة.

الرواية السادسة: حسنة زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال: «يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة، أو الكلب، و اللحم اغسله و كله، قلت: فإن قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار إن شاء اللّه. قلت:

فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟ قال: فقال: فسد، قلت: أبيعه من اليهود و النصارى و أبيّن لهم؟

قال: نعم، فإنّهم يستحلون شربه، قلت: و الفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شي‌ء من ذلك؟ قال:

فقال: أكره أن آكله إذا قطر في شي‌ء من طعامي» (3).

و نقلناها بطولها ليتضح مورد الاطلاق و سياقه، و اشتمال بعض فقراتها على عدم انفعال المرق غير مضر لما يأتي من حمله على الدم المتخلّف لعدة قرائن، و موضع الاستشهاد و هو السؤال و الجواب الثالث حيث أطلق فيه القطر من الدم، و الرواية‌

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات باب 20 ح 1.

(2) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرمة باب 54 ح 6.

(3) الوسائل: أبواب النجاسات باب 38 حديث 8.

12

..........

____________

متعرضة لحكم النجاسة بالذات على الطبيعة، و سندها حسن بالحسين بن المبارك فقط، كما في أحد طريقي الشيخ في التهذيب، إذ هو صاحب كتاب يرويه البرقي عن أبيه عنه و لكل من الشيخ و النجاشي طريق إليه عن مشايخهما.

لكن الصحيح: أنّ المستفاد من دائرة الاطلاق فيها أيضا ليس أكثر ممّا تقدم و هو الدم الحيواني ذي النفس السائلة المسفوح، و الوجه في ذلك هو فرض الراوي في الفقرة السابقة وجود دم طاهر و هو المتخلّف في الذبيحة بناء على الحمل على ذلك كما يأتي، فحينئذ يكون ذلك قرينة على حيوانية الدم لذي النفس السائلة و سفحه.

فالمتحصّل أن دائرة الاطلاق المتوفرة ممّا تقدم هي في الدم الحيواني ذي النفس السائلة.

إن قلت: أ ليس الحال فيما ورد من أدلة نجاسة الدم هو الحال في أدلة نجاسة الميتة، فكيف يفرّق بينهما في اجراء الاطلاق.

قلت: بعض ما تقدم في أدلته و إن كان مطلقا إلّا أنّه ليس بالسعة التي في اطلاق أدلتها حيث أنّه محتف بالقرائن المحددة له بالمسفوح الحيواني ذي النفس السائلة، بخلاف ذلك في الميتة مع أنّ الحال في أدلة الميتة لو فرض مورد دلالتها في ميتة المأكول لكان دلالتها على غير المأكول بطريق أولى مع أنّه ورد الدليل في العديد من أصنافها.

بل أن الحال في أدلة الميتة بلحاظ بعض الأنواع هو الحال في أدلة الدم، حيث منع شمولها لمثل المضغة و المشيمة و السقط قبل ولوج الروح فيه، و كذا الفرخ في البيضة و ما ينفصل بطبعه عن الانسان من أجزاء صغار و غيرها.

درجات العموم فبالالتفات إلى تنوع الدم إلى دم حيواني و غير حيواني، و الحيواني إلى ذي نفس سائلة و غير ذي نفس سائلة، و الدم الحيواني ذي النفس السائلة إلى مسفوح و رشحي منبث في الالياف اللحمية، يظهر أنّ العموم على أربع درجات:

13

..........

____________

فالأولى: ما يمكن أن يدل على نجاسة كلّ دم.

و الثانية: على نجاسة كلّ دم حيواني.

و الثالثة: على نجاسة كلّ دم حيواني ذي نفس سائلة.

و الرابعة: على نجاسة المسفوح منه.

و ممّا تقدم ظهر أنّ العموم الوارد من الدرجة الرابعة، و لو توسع في الاستظهار في بعض تلك الأدلة فبالدرجة الثالثة لا الثانية فضلا عن الأولى، فلا يشمل الدم الذي في البيضة بعد التأمّل في كونه حيوانيا فضلا عن كونه لذي نفس سائلة، و كذا الدم الماطر من السماء كما قد يحدث و نحوه، بل أنّه يظهر من التعريف للدم في العلم الحديث أنّه مخصوص بما له نفس سائلة، و هو إن لم يكن كذلك عرفا إلا أنّه يشير إلى الاختلاف النوعي بين أقسامه.

و ممّا يؤيد ما تقدم مرفوعة الواسطي قال: «مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة ... و الطحال ... فقال له بعض القصابين: يا أمير المؤمنين! ما الطحال و الكبد إلّا سواء، فقال: كذبت يا لكع ائتني بتورين من ماء، انبئك بخلاف ما بينهما، فأتى بكبد و طحال و تورين من ماء فقال: شقّوا الكبد من وسطه، و الطحال من وسطه، ثمّ أمر فمرسا في الماء جميعا، فابيضّت الكبد، و لم ينقص منها شي‌ء، و لم يبيض الطحال، و خرج ما فيه كلّه، و صار دما كلّه، و بقي جلد و عروق فقال: هذا خلاف ما بينهما، هذا لحم، و هذا دم» (1)، فإن تفرقته (عليه السلام) تؤول إلى أن الطحال فيه دم مسفوح بخلاف الكبد فإن فيها دم رشحي منبث في أجزائها اللحمية فوجود الألياف اللحمية سبب عدم سفح الدم و عدم وجودها سبب سفح الدم و هذا يعطي تنوعهما إلى قسمين.

هذا و لو افترضنا وجود عموم على نجاسة الدم من الدرجة الأولى فبمقتضى تخصيصه بطهارة الدم الحيواني ممّا لا نفس سائلة له يتحصل لدينا دائرة عموم من‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرّمة باب 31 ح 2.

14

قليلا (1) كان الدم أو كثيرا،

____________

نجاسة الدم القليل الدرجة الثالثة، و الوجه في ذلك هو خروج الدم النباتي و نحوه كالدم النازل من السماء من العموم بطريق الأولوية بالتخصيص المزبور.

و أمّا خلاف الصدوق و ابن الجنيد في مقدار الحمصة أو ما دون الدرهم فمحمول على العفو عن المانعية كما ذكره جماعة. و سيأتي ما يوهم الخلاف من مفاد بعض الروايات في المرق، إلا أنّه ضعيف، كما و قد تقدمت الاشارة إليه في بحث المضاف (1).

(1) خلافا للشيخ في الاستبصار و المبسوط، و لكثير من الناس كما عن غاية المراد من طهارة الماء القليل بإصابة ما لا يدركه الطرف منه.

و هو تارة يؤول إلى عدم انفعال القليل بذلك و إن كان نجسا، و أخرى إلى عدم نجاسة تلك القطرات، و القلّة المفروضة تارة في منتهى الصغر بحيث لا تدرك إلّا بالأجهزة المسلحة، و أخرى تدرك حسا كما إذا امتخط بأنفه إلّا أنّه لا يدركه بطرفه متميزا.

أمّا الأوّل فقد تقدم في المياه انفعال القليل مطلقا، نعم ما لا يدرك إلّا بالأجهزة لا تتناوله أدلة الأعيان النجسة فضلا عن أدلة الانفعال بها.

و أمّا الصورة الأخيرة فقد استند فيها إلى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطرا صغارا، فأصاب إناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس، و إن كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه» (2)، لكنها بمعزل عن الدلالة على ذلك، إذ هي في فرض الشك في اصابة الماء بسبب العلم باصابته للاناء، و لذلك عقب ذلك في الرواية بالسؤال عن وقوع القطرة في الاناء فأجابه (عليه السلام) بعدم جواز الوضوء حينئذ منه، فالظاهر منه تغاير الفرضين.

____________

(1) سند العروة الوثقى ج 2/ 41.

(2) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 8 ح 1.

15

و أمّا دم ما لا نفس له فطاهر (1) كبيرا أو صغيرا كالسمك و البق و البرغوث، و كذا ما

____________

حكم دم ما لا نفس له

(1) بلا خلاف محكي إلّا ما عن الشيخ و سلّار و ابن حمزة من النجاسة مع العفو عنه في الصلاة، و لعلّه لأنّه المتيقن من مفاد الروايات، كمعتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ عليا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذكّ في الثوب فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك» (1)، و لو لم يقيد بكونه في الثوب لكان ظاهرها نفي البأس عن الدم نفسه أي طهارته و من ثمّ تفريع جواز الصلاة فيه على ذلك.

نعم في دلالتها عموم من ناحية الموضوع، حيث أنّ المراد بما لم يذك ليس عدم وقوع التذكية في الذي يقبل التذكية لأجل الطهارة في مقابل موتانه و تنجسه، إذ ميتته نجسة و كذا دمه، بل المراد الذي لا يحتاج إلى التذكية لأجل الطهارة أي الطاهر بدون التذكية و هو كلّ ما لا نفس له لحميا كان أو غيره.

كما أن في صحيح ابن أبي يعفور (2) نفي البأس عن دم البراغيث، و مكاتبة ابن الريّان (3) فيه و في دم البق في عدم مانعيتها للصلاة، و صحيح الحلبي (4) كذلك غير أنّ ذيله الآمر بالنضح و عدم الغسل صريح في الطهارة، إلّا أنّه في غير ذي اللحم، لكن قد تقدم في طهارة بوله استدلال المحقق بطهارة ميتته و اجزائها، مثل موثق غياث «لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة» (5) و نحوها حيث أنّ وصول الماء إلى الجوف حاصل في الغالب فيفيد طهارة المجموع.

فوجه الاستدلال هو عدم انفعال الماء مع وقوع الميتة بما فيها و وصول الماء إليه، لا اقتضاء طهارة عنوان الميتة لطهارة العناوين الخاصّة المقتضية بخصوصها للنجاسة لو لا ذلك، ثمّ أنّ اطلاق التمثيل بعنوان السمك في غير محلّه كما تقدم، حيث أنّ بعض‌

____________

(1) الوسائل: أبواب النجاسات باب 23 ح 2.

(2) الوسائل: أبواب النجاسات باب 23 ح 1.

(3) الوسائل: أبواب النجاسات باب 23 ح 3.

(4) الوسائل: أبواب النجاسات باب 20 ح 7.

(5) الوسائل: أبواب النجاسات باب 35 ح 2.

16

كان من غير الحيوان (1) كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء أرواحنا فداه، و يستثنى من دم الحيوان المتخلّف في الذبيحة (2) بعد خروج المتعارف سواء كان في

____________

أصنافه ذي نفس سائلة كما عرفت.

(1) لقصور المقتضي عن الشمول كما عرفت.

حكم الدم المتخلف في الذبيحة

(2) بلا خلاف محكي في أصل الحكم.

و يدلّل عليه بوجوه: الأوّل: قصور الأدلة السابقة، حيث أنّها في موارد المسفوح، و إن كان بمعنى المصبوب و الخارج من البدن فضلا عن الأخذ بمفهوم الوصف في الآية، اذ ان المتخلف مطلقا ليس من السائل الذي يصبّ.

الثاني: ما دلّ على جواز أكل الذبيحة، و كذا ما دلّ على جواز الانتفاع بالجلد، دال بالالتزام على الطهارة و ان انفصل الدم عن الأجزاء المأكولة لاحقا و حرم تناوله، فإن الطهارة تنفك بقاء عن الحليّة و ان لازمتها حدوثا، لكنه في خصوص الكائن في الأجزاء المأكولة دون المحرّمة كالطحال، إلّا أنّ يفرض وجود الرطوبة المسرية من الدم نفسه بين الأجزاء فيما بينها كما هو الغالب، فيدل ذلك على طهارة الدم الموجود في الأجزاء الأخرى أيضا و لو لبعد الالتزام بنجاستها دون منجسيتها، و قد تقدمت مرفوعة الواسطي إلّا أنّ مفادها لا ينافي ذلك.

الثالث: مقتضى التذكية حيث أنّها النقاوة و الطهارة الخاصّة المقابلة للميتة المترتّب على كلّ منهما الطهارة و النجاسة، إذ هما وصفان لمجموع الأجزاء (1).

و هذا الوجه تام في الأعضاء التي ينتفع بها بالأكل و اللبس، أو فيما ينجس بالموتان، و أمّا ما يكون مقتضى نجاسته عنوانه الخاصّ فلا يتأتى، و لا ينقض بما تقدم من‌

____________

(1) الجواهر ج 5/ 365، كتاب الطهارة للمحقق للسيد الفاني (قدّس سرّه) ج 5/ 74.

17

العروق، أو في اللحم أو في القلب، أو الكبد، فإنّه طاهر، نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لرد النفس أو لكون رأس الذبيحة في علوّ كان نجسا (1)،

____________

الاستدلال على طهارة دم ما لا نفس له بطهارة ميتته، إذ وجه الاستدلال هو وقوع الميتة في الماء و ملاقاته للمجموع، لا طهارة عنوان الميتة فيه، و لذلك يحكم بالنجاسة على فضلات ما لا يؤكل لحمه التي في جوفه بعد تذكيته.

نعم يمكن تتميمه بما يفهم من أدلّة الذبح و التذكية و حرمة الميتة أنّها لأجل انهار الدم لتنقية (1) اللحم منه، مضافا إلى ما تقدم في الوجه السابق من عدم الفصل بين طهارة دم الأجزاء للرطوبة المسرية، و هذا الوجه يعمّ المأكول و غيره.

الرابع: قيام السيرة المتشرعية على الطهارة، و هي متحققة سواء في الأجزاء المأكولة أو غيرها كالعروق و الطحال، و من غير فرق بيّن بينها.

الخامس: ما ورد من نفي البأس عن الدم القليل الواقع في قدر المرق المحمول على الدم المتخلّف، مثل صحيح سعيد الأعرج، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أ يؤكل؟ قال: نعم فإن النار تأكل الدم» (2)، و مثله صحيح علي بن جعفر.

فإن التعليل غير مناسب لمحذور النجاسة و إنّما يناسب محذور الاستخباث أي ذات العين و العنوان من جهة حرمة تناوله، و إن كان طاهرا غير منجّس، مضافا إلى قرينية المورد و هي الجزور الذي يصادف وقوع بعض مقادير الدم المتخلّف الذي ينفصل عن الذبيحة لاحقا عند الطبخ، و هذا الوجه يختص بالدم المتخلّف في المأكول.

(1) رجوعه أو عدم خروجه يفرض على صور:

فتارة: رجوعه بعد خروجه كما إذا أخذت الذبيحة الحركة الشديدة الملازمة للاستنشاق و رجوع الدم من قصبة التنفس.

____________

(1) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرمة باب 1.

(2) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرّمة باب 44 ح 2، 3.

18

و يشترط في طهارة المتخلّف أن يكون ممّا يؤكل لحمه (1) على الأحوط، فالمتخلف من غير المأكول نجس على الأحوط.

____________

و أخرى: ما يعتاد وقوعه في ذبيحة الحيوان القوي من التقلص و الانبساط الشديدين في الأعضاء الموجب لتباطؤ خروج الدم أو توقّفه يسيرا ثمّ معاودة الخروج.

و ثالثة: ما يقع في ذبيحة الحيوان الضعيف أو المريض أو الموقوذة التي أدركت ذكاتها من تثاقل خروج الدم، و هي إذا وضع رأسها على علوّ فسيتثاقل الخروج أكثر من ذلك.

و رابعة: سدّ العروق بعد الذبح و قبل خروج تمام الدم.

أمّا الأوّلى: فهو من المتخلّف بعد الخروج و السفح فحكمه النجاسة.

و أمّا الثانية: فهو لا يسبب نجاسة المتخلّف كما لا يوجب الخلل في التذكية بعد فرض الخروج عند نهاية الزهوق.

و أمّا الثالثة و الرابعة: فقد يقال باختلال التذكية فضلا عن نجاسة الدم المتخلّف بعد عدم خروج المقدار المتعارف (1)، و وجه ذلك اشتراط خروج الدم في أدلّة التذكية.

إلّا أنّ لسانها (2) يحتمل قويا كونه شرطا احرازيا لاستقرار الحياة عند وقوع فري الاوداج كالحركة من الذبيحة، فمع استقرار الحياة و استناد الموت للفري لا خلل في شرائط التذكية كما في وقوع الذبيحة بعد إجادة الذكاة في نار أو ماء (3)، و أمّا الدم فيحكم بنجاسته لا لكون القدر المتيقن من أدلة الطهارة هو غير ذلك، بل لتحقق موضوع دائرة الاطلاق المتقدمة في أدلّة النجاسة و هو الدم السائل المصبوب المغاير للمتخلّف المختلط بالأجزاء كالكبد و الطحال و اللحم أو بجدار العروق بنحو الانصباغ.

(1) تقدم أنّ الوجه الأوّل و الثالث مع تمامية فرض الرطوبة و العروق في الجلد يعمّ‌

____________

(1) دليل العروة 1/ 416، التنقيح 3/ 16.

(2) الوسائل: أبواب الذبح باب 12 ح 3، و باب 9 ح 1، 2، 4، و باب 11 ح 2.

(3) الوسائل: أبواب الذبح باب 13.

19

[مسألة 1: العلقة المستحيلة من المني نجسة]

(مسألة 1): العلقة المستحيلة من المني نجسة (1)، من إنسان كان أو من غيره حتى العلقة في البيض و الأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض لكن اذا كانت في الصفار و عليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض إلا اذا تمزقت الجلدة.

[مسألة 2: المتخلف في الذبيحة و ان كان طاهرا لكنه حرام]

(مسألة 2): المتخلف في الذبيحة و ان كان طاهرا لكنه حرام (2) إلا ما كان في اللحم مما يعد جزءا منه.

____________

غير المأكول، فالاحتياط استحبابي لتنصيص جماعة من متأخري المتأخرين على النجاسة، لكن عن كاشف اللّثام و السيد في المنظومة الطهارة.

حكم العلقة المستحيلة

(1) و هي الدم الغليظ المنجمد، و عن الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة على نجاستها و عن المعتبر اختياره، و كذا القاضي و الحلي و ابن سعيد و العلامة و الآبي، و عن الذكرى التأمّل في النجاسة و كذا المعالم، و اختار الطهارة في الحدائق.

و وجهه منع العموم في الأدلة- بكلا التقريبين المتقدمين- المتناول لهذا الدم المستحيل من المني غير الآتي من دم الانسان و إن تكوّن في جوفه، و كذا الاجماع المدعى بعد كونه مدركيا، و ليس نظير الدم الجاري في العروق المتكوّن في العظام، بعد كون ذلك ممّا تتقوّم به الحياة الحيوانية بخلاف هذا فإنّه مبدأ نشوئها.

و الحال في عدم الشمول أظهر في علقة البيضة، و كذا الحال في دم البيضة، إذ قد تقدم أنّ دائرة الأدلة في دم الحيوان ذي النفس السائلة المسفوح لا الدم في طور الحياة النباتية المستعدة للحياة الحيوانية، حتى في مثل اطلاق صحيح محمد بن مسلم المتقدم فلاحظ، بل يمكن الاستدلال على الطهارة في أمثلة المتن بما دلّ على طهارة ما لا نفس له حيث أنّ دم العلقة و البيضة لمّا تلجه الروح.

حرمة الدم المتخلف

(2) في قبال تنظّر المعالم المحكي في الحدائق في دم السمك لدلالة الآية على طهارته و حليته و استخباثه موضع نظر، و هو المحكي عن الشافعي من العامّة.

20

[مسألة 3: الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس]

(مسألة 3): الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس كما في خبر فصد العسكري- (صلوات اللّه عليه)- (1) و كذا إذا صب عليه دواء غيّر لونه الى البياض.

____________

و عمم في الحدائق ذلك الى علقة و دم البيضة، و هو ضعيف لاطلاق التحريم في الثلاث الآيات الاخر المتقدمة في صدر البحث من دون التقييد بالسفح، لا سيما أن احدها- المائدة- آخر السور نزولا على فرض تسليم دلالة المفهوم في الاولى بلحاظ الحرمة، و عدم ذكره في مستثنيات الذبيحة غير شاهد على الجواز بعد امكان الاكتفاء بإطلاق الآيات المزبورة، نعم في حال انبثاثه في اللحم و الكبد و القلب و نحوها يجوز تناوله لدلالة جواز تناولها عليه، نظير التراب المختلط بالحنطة.

فروع مختلفة

(1) رواه في الكافي عن بعض فصّادي العسكر من النصارى أنّ أبا محمد (عليه السلام) بعث يوما- إلى أنّ قال- «فسرحت فخرج دم أبيض كأنّه الملح ...»، و رواه في الخرائج إلّا أنّ فيه «فسرحت فخرج من يده مثل اللبن الحليب إلى أن امتلأ الطشت» (1)، و غاية مفادهما هو اطلاق الراوي الفصّاد الدم عليه لا المعصوم (عليه السلام)، فلعله توسّع في الاستعمال، أو أنّ ذلك من مختصاته (عليه السلام) نظير المسيح (عليه السلام) كما يفيده الخبران.

إذ تعريفه الحالي الدارج علميا هو «سائل أحمر يجري في قلب الحيوان الفقاري و شرايينه و أوردته و أوعيته الشعرية، حاملا الغذاء و الأوكسجين إلى جميع أجزاء الجسم و ناقلا منها ضروب الفضلات و النفايات إلى أعضاء الإخراج» (2)، كما أنّ المعروف تكوّنه من أربعة أجزاء أو أكثر فهو اسم للمجموع.

و أمّا إذا صبّ عليه دواء مغيّر للونه فمع فرض بقاء الاسم فهو، و أمّا مع تبدل العنوان و تغيّر المجموع من الدواء و الدم فيحتمل النجاسة لتنجس الدواء أولا، و يحتمل الطهارة بناء على عموم مطهرية الاستحالة مع التوابع كالظرف كما يأتي في المطهرات إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) الوسائل: أبواب ما يكتسب به باب 10 حديث، 2، الخرائج و الجرائح ج 1/ 423.

(2) موسوعة المورد.

21

[مسألة 4: الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس]

(مسألة 4): الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس (1) و منجس للبن.

[مسألة 5: الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و يكون ذكاته بذكاة أمّه تمام دمه طاهر]

(مسألة 5): الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و يكون ذكاته بذكاة أمّه تمام دمه طاهر (2) و لكنّه لا يخلو من اشكال.

[مسألة 6: الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلّف فيه بعد خروج روحه إشكال]

(مسألة 6): الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلّف فيه بعد خروج روحه اشكال (3) و إن كان لا يخلو عن وجه، و أمّا ما خرج منه فلا اشكال في نجاسته.

____________

(1) هذا في الدم المفروض مجيئه من غدد الافراز أو التهابات المجرى أو تورّم الحلمة، و أمّا ما يحكى عن بعض أصحاب مصانع الألبان من تولّد قطرات دم في اللبن نتيجة الخضّ و الادارة الشديدة له، فحكمه حكم نقط الدم في البيضة.

حكم جنين المذكى

(2) فيه نظر لصدق الدم المسفوح عليه، أي السائل المصبوب تشمله بقية الاطلاقات في دم الحيوان ذي النفس السائلة، نعم إذا فرض قبل ولوج الروح و لكنه أشعر و أوبر فقد يتأمّل في الشمول، إلا انه مندفع أيضا بعد جعل الشارع له التذكية، الا ان يتأمل فيه بما تقدم في بحث الدم المتخلف من عدم ملازمة الحكم بالتذكية لطهارة الدم فتأمل و لاحظ.

و أمّا فرضه قبل ذلك بكثير فخارج عن فرض المسألة، و حكمه حكم العلقة، و فرض المقام على أية حال مغاير للدم المتخلّف بعد فرض كونه ينصب بالإراقة، فلا تتناوله الوجوه المتقدمة في الدم المتخلّف، نعم الحكم بنجاسته لا يلزم المصير إلى منجسيته للمتخلّف بعد خروجه للوجوه المتقدمة.

فالحاصل أن الدم الصبيب السائل المسفوح يغاير موضوعا الدم المتخلّف المختلط بالأجزاء، نظير ما قدمناه في بقاء الدم في الذبيحة لكون رأس الذبيحة في علوّ، و نظير ما يأتي في الصيد إذا لم يسفح أكثر دمه منعزلا عن المتخلّف.

(3) بل منع، لما عرفت من تغاير موضوع الدم المتخلّف مع الدم المسفوح، نعم في بعض الصور و الحالات يخرج بآلة الصيد و فرة الدم و يبقى المتخلّف المتعارف في‌

22

[مسألة 7: الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا محكوم بالطهارة]

(مسألة 7): الدم المشكوك في كونه من الحيوان أو لا محكوم بالطهارة (1)، كما أنّ الشي‌ء الأحمر الذي يشك في أنّه دم أم لا كذلك، و كذا إذا علم أنّه من الحيوان

____________

الذبيحة فهذا تتناوله وجوه طهارة المتخلّف السابقة.

حكم الدم المشكوك

(1) إذ لا عموم دال على نجاسة مطلق الدم، غاية ما خرج منه عناوين خاصة كي تنفى بالأصل فيحرز انطباق العموم، فعلى ذلك تصل النوبة إلى الأصل العملي كأصالة الطهارة بعد ما عرفت ممّا تقدم التنصيص على جريانها في مختلف أقسام الشبه الحكمية و الموضوعية، أو الأصل العدمي الأزلي لوصف الحيوانية ذات النفس السائلة، و كذا الحال في الصورة الثانية، و أمّا الصورة الثالثة و الرابعة فقد مرّ نظيرها في الشك في البول أنّه ممّا له نفس سائلة، من أنّه لو فرض عموم دال على النجاسة لكان الأصل العدمي محرز للمخصص فيثبت الطهارة.

و قد يقال: أنّ عموم موثق عمار المتقدم في الدم على منقار الطير دال على أنّ الأصل في الشبهة الموضوعية في الدماء هو القسم النجس منها.

لكنه ضعيف: لما تقدم في صدر البحث من أنّ مفاد الجواب فيها في الطيور هو مفادها في الدجاجة إذ هي نوع منها، من كون الأصل الطهارة المغياة بالعلم بالنجاسة، إذ فرض السؤال في الطيور السبعية التي يطمئن في المعتاد أن الدم في منقارها من صيدها لحيوانات أخرى أو لأكلها الجيف، و لو سلّمت الامارية فهي في الموضوع في الدماء التي على منقار الطيور.

و أمّا الصورة الخامسة: و هو الدم المتخلّف المردد بين الطاهر و النجس، فالفرض متدافع على ما حررناه من تباين موضوع الطهارة و موضوع النجاسة، حيث أنّ الأوّل مختلط بالأجزاء أو منصبغ به جدران العروق بخلاف الثاني فهو السائل الصبيب.

نعم يتصور لا في الذبيحة بل على الثوب و يشك أنّه من اصابة المسفوح أو اجزاء الذبيحة، أو يصوّر ذلك في الشبهة المفهومية أن الموجود في الذبيحة يصدق عليه أيّ‌

23

الفلاني و لكن لا يعلم أنّه ممّا له نفس أو لا، كدم الحية و التمساح و كذا إذا لم يعلم أنّه دم شاة أو سمك، فإذا رأى في ثوبه دما لا يدري أنّه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة، و أمّا الدم المتخلّف في الذبيحة إذا شك في أنّه من القسم الطاهر أو النجس فالظاهر الحكم بنجاسته- عملا بالاستصحاب- و إن كان لا يخلو عن اشكال، و يحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لأصالة عدم

____________

من العنوانين، نعم من جهة الشك في رد النفس أي الداخل بعد خروجه يمكن تصوير الشبهة في الموضوع في الذبيحة دون ما كان الشك من جهة خروج القدر المتعارف.

ثمّ أنّه لا يوجد عموم فوقاني كما عرفت يرجع إليه بنفي المخصص، كما أنّه لا مجرى لاستصحاب النجاسة السابقة لما تقدم في البول من عدم نجاسة الأعيان في الباطن، لعدم الدليل، و كذا لا يجري استصحاب عدم رد النفس لعدم احرازه لعنوان المتخلّف، و كذا لا يجري استصحاب عدم خروج القدر المتعارف لعدم كونه شرطا شرعيا أو موضوعا للطهارة في الأدلة كما تقدم و انّما لسانها أو موردها أخذ عنوان المسفوح في النجاسة و المتخلّف في الطهارة، فالأصل المزبور مثبت أيضا.

و كذا: لا وجه للتمسك بعموم ما دلّ على نجاسة الدم لكون المقدار المخصص بالسيرة في الدم المتخلّف هو ما أحرز خروج المقدار لا ما يكون عند الشك (1).

إذ: السيرة قائمة على التخصيص بواقع العنوان، لا العنوان المحرز أو احراز العنوان، أي لا يأخذ الاحراز قيد موضوع التخصيص أو تمامه، و كذا مفاد الوجوه الأخرى على طهارة المتخلّف.

و كذا: لا يجري استصحاب الملاقاة، للعلم السابق بها فيشك في انعدامها بقاء بعد كون الموضوع تركيبي و هو الملاقاة مع كون ذلك الجسم الملاقي نجسا (2).

و ذلك: لعدم احراز كلا الجزءين، لا بالنسبة للدم المشكوك إذ الفرض عدم ملاقاته في ظرف الشك لدم آخر غيره، و لا بالنسبة لأجزاء الذبيحة إذ هي و إن كانت معلومة‌

____________

(1) التنقيح 3/ 26.

(2) بحوث في شرح العروة 3/ 211.

24

الرد، و بين ما كان لاجل احتمال كون رأسه على علوّ فيحكم بالنجاسة عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف.

[مسألة 8: إذا خرج من الجرح أو الدمّل شي‌ء أصفر يشك في أنّه دم أم لا محكوم بالطهارة]

(مسألة 8): إذا خرج من الجرح أو الدمّل شي‌ء أصفر يشك في أنّه دم أم لا محكوم بالطهارة (1) و كذا إذا شك من جهة الظلمة أنّه دم أم قيح و لا يجب عليه الاستعلام.

[مسألة 9: إذا حكّ جسده فخرجت رطوبة يشك في أنّها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة]

(مسألة 9): إذا حكّ جسده فخرجت رطوبة يشك في أنّها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة.

[مسألة 10: الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر]

(مسألة 10): الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر إلّا إذا علم كونه دما، أو مخلوطا به، فإنّه نجس إلّا إذا استحال جلدا (2).

____________

الملاقاة للدم المشكوك في ظرف الشك إلّا أنّ الدم غير معلوم النجاسة.

و حينئذ فالأصل الجاري في الشق الأوّل من الصورة الخامسة من الشقوق المتقدمة في اصابة الثوب هو الطهارة كالصورة الأولى، و في الشق الثاني فقد يقرّب شمول الاطلاقات السابقة لكونه من الشك في التخصيص الزائد لكون الشبهة المفهومية هي للمخصص، و لكن ذلك لا يتأتى في الآية أو في الاطلاق المتصيّد من الموارد الخاصّة أو في صحيح ابن مسلم التي هي عمدة ما تقدم، و في الشق الثالث قد يقرّب أصل عدم الخروج أو عدم الرد و لكنّه لا يثبت عنوان المتخلّف، فالنوبة تصل إلى أصل الطهارة.

هذا: و لا يجري في موارد الشكوك أصالة عدم كونه مسفوحا بالعدم الأزلي (1) و لا أصالة بقاء السفح، للعلم بتوارد الحالتين عليه داخل الجسم.

(1) كما تقدم في صور المسألة السابقة، و أمّا الاستعلام فعدم وجوبه مضافا إلى كون باب الطهارة لا يجب فيه الفحص في الموضوع، هو منصوص عليه بالخصوص في صحيح زرارة المعروف في أدلّة الاستصحاب، و كذا الحال في المسألتين اللاحقتين.

(2) كما إذا لم يبرز كطبقة متميزة عن الجلد بل كان من قبيل رضّ الجلد أو الحك الشديد الموجب لاحمراره و اسوداده.

____________

(1) بحوث في شرح العروة 3/ 212.

25

[مسألة 11: الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس، و منجس]

(مسألة 11): الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس (1)، و منجس و إن كان قليلا مستهلكا و القول بطهارته بالنار- لرواية ضعيفة- ضعيف.

____________

(1) خلافا للمفيد و الشيخ و الصدوق و القاضي و الديلمي و تمايل إليه المحقق في النكت، استنادا إلى عدة روايات تقدمت في بحث انفعال المضاف و هي:

صحيحة سعيد الأعرج عن قدر وقع فيه أوقية من دم «أن النار تأكل الدم» (1)، و صحيحة علي بن جعفر «إذا طبخ فكل فلا بأس» (2).

و رواية زكريا بن آدم عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال (عليه السلام): «يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب، و اللحم اغسله و كله، قلت: فإن قطر فيه الدم، قال (عليه السلام): الدم تأكله النار إن شاء اللّه قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟

قال: فسد، قلت: أبيعه من اليهود و النصارى و أبيّن لهم فإنّهم يستحلّون شربه، قال: نعم، قلت:

و الفقاع هو بتلك إذا قطر في شي‌ء من ذلك؟ قال: أكره أن آكله في شي‌ء من طعامي» (3).

و تقدم أنّها في مورد الدم المتخلف كما ذكره العلّامة (قدّس سرّه) لأنّ الجواب يفترض أن المحذور هو بقاء عين الدم لا تنجس المرق به، و هو محذور الاستخباث في الدم الطاهر لا التنجيس في الدم النجس، و لذا كان العلاج هو استهلاكه بالطبخ بالنار المكنى عنه بأكلها له.

مضافا إلى قرينية ذكر الجزور أي الذبيحة التي يتعارف اصطحابها للدم المتخلّف الذي ينفصل عنه و يسقط في القدر أثناء الطبخ، و هذا هو مورد الرواية الثالثة أيضا بل ظهورها فيها أقوى لأنّه مع التصريح في الصدر بانفعال المرق لا يبقى مجال للسؤال في انفعاله بالدم النجس المعهود نجاسته في أذهان المتشرعة، فيتعين أن الدم المفروض هو المتخلّف الطاهر، و تعقبها في الذيل بالدم النجس المفسد للعجين قرينة أخرى على ذلك إذ الفرض في كل المرق و العجين هو قطر الدم فيه.

____________

(1) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرمة باب 44 ح 2.

(2) المصدر: باب 44 ح 3.

(3) الوسائل: أبواب الأشربة المحرمة باب 26.

26

[مسألة 12: إذا غرز إبرة أو أدخل سكينا في بدنه، أو بدن حيوان]

(مسألة 12): إذا غرز إبرة أو أدخل سكينا في بدنه، أو بدن حيوان فإن لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر، و إن علم ملاقاته لكنّه خرج نظيفا فالأحوط الاجتناب عنه (1).

[مسألة 13: إذا استهلك الدم الخارج من بين الاسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته]

(مسألة 13): إذا استهلك الدم الخارج من بين الاسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته (2)، بل جواز بلعه، نعم لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه و الأولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها.

[مسألة 14: الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل و صدق عليه الدم نجس]

(مسألة 14): الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل و صدق عليه الدم نجس (3) فلو انخرق الجلد و وصل الماء إليه تنجس، و يشكل معه الوضوء أو الغسل، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج، و معه يجب أن يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة (4) فيتوضأ أو يغتسل،

هذا إذا علم أنّه دم منجمد، و إن احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرض- كما يكون كذلك غالبا- فهو طاهر.

[السادس و السابع الكلب و الخنزير البريان]

(السادس و السابع) الكلب و الخنزير البريان (5).

____________

(1) تقدم في البول عدم نجاسته في الباطن غير المحض فضلا عن الباطن المحض.

(2) كما في المسألة السابقة، نعم يحرم تناوله بدون الاستهلاك لعموم حرمته كما تقدم، و أمّا احتياط الماتن (قدّس سرّه) في الدم الخارجي فالتفرقة من جهة الحرمة لا وجه لها بعد عموم حرمة الدم و بعد عدم تنجس الريق به.

(3) بعد كون الانجماد و السيولة مشمولة لأدلة النجاسة، و أن الانجماد المزبور نحو خروج و سفح من البدن لا سيما مع فرض انخراق الجلد.

(4) بناء على عموم الوضوء الجبيري لموارد عدم التمكن للنجاسة كموارد الضرر، لعدة وجوه لا تخلو من قوة كما يأتي استعراضها في وضوء الجبيرة إن شاء الله تعالى.

نجاسة الكلب و الخنزير البريان

(5) بلا خلاف فيهما بل ضرورة المذهب إلّا ما عن الصدوق في كلب الصيد و لعل‌

27

..........

____________

مخالفته في كيفية التطهير منه بالرش و النضح عند الاصابة، و كذا أكثر العامّة كابن حنبل و الشافعي و الصحيح من قولي الحنفية كما في مبسوط السرخسي في الكلب فضلا عن لعابه و قولا واحدا في الخنزير، إلّا مالكا فذهب إلى طهارتهما حيين بل إلى جواز أكل لحم الكلب، و قد تقدم قوله تعالى إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (1) مع تقريب دلالتها فلاحظ.

و أمّا الروايات فمستفيضة (2) إن لم تكن متواترة اجمالا، و فيها اطلاق الرجس و النجس على الكلب و التأكيد على ذلك، و كذا على الخنزير مشاكلة للآية (3).

روايات موهمة للطهارة و في مقابلتها آحاد من الروايات توهم الدلالة على الطهارة:

الاولى: مصحح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه و السنور أو شرب منه جمل أو دابة، أو غير ذلك، أ يتوضأ منه؟ أو يغتسل؟ قال: نعم، إلّا أن تجد غيره فتنزه عنه» (4)، و هو- مع كونه مطلقا يقيّد بما دلّ مستفيضا (5) على انفعال القليل بخصوص الكلب- دلالته بالالتزام لدلالته على عدم انفعال القليل به، الذي هو مفاد أعم من اعتصام القليل أو عدم نجاسة الكلب فلا يقاوم ما هو صريح في نجاسته فضلا عن كونه مخالفا السنة القطعية فتطرح.

الثانية: صحيح علي بن جعفر عن وقوع الثوب على الكلب الميّت، قال (عليه السلام):

«ينضحه بالماء و يصلي فيه، و لا بأس» (6)، و هو أعم من الرطوبة و اليبوسة، بل ظاهره الثاني‌

____________

(1) سورة الأنعام/ 145.

(2) الوسائل: أبواب الأسئار باب 3، 11، 12، و أبواب ما يكتسب به باب 58، و أبواب النجاسات باب 9، 12 130، 26، 32، 38، 70، و أبواب الأطعمة المحرمة باب 65 و غيرها من الأبواب.

(3) المصدر: أبواب النجاسات باب 38.

(4) الوسائل: أبواب الاسئار باب 2 ح 6.

(5) الوسائل: أبواب الاسئار باب 1.

(6) الوسائل: أبواب النجاسات باب 26 ح 7.

28

..........

____________

لتعارف استعمال النضح في روايات التطهير في الملاقاة للأعيان اليابسة.

الثالثة: صحيحتا سعيد الأعرج و علي بن جعفر (1) المتقدمتين في بحث انفعال المضاف الواردتين في ملاقاة الفأرة أو الكلب للزيت، و الاولى مطلقة في الطهارة و الثانية مفصّلة بين ما فوق الجرّة و غيره بالطهارة في الأول دون الثاني، و لا دلالة لهما على طهارة الكلب بل على عدم انفعال الزيت اما مطلقا أو الكرّ منه كما تقدم في اعتصام الكر من المضاف، كما هو مفادهما المطابقي لا سيما الثانية الصريحة في نجاسة الكلب لتفصيلها، و كذا الأولى لكشف السؤال عن ارتكاز المحذور و هو نجاسة الكلب، فجعلهما ظاهرتين في طهارة الكلب (2) في غير محلّه.

الرابعة: صحيحة بكير بن أعين و غيره سئل أبو جعفر (عليه السلام) و أبو عبد اللّه (عليهما السلام) فقيل لهما إنا نشتري ثيابا يصيبها الخمر و ودك الخنزير عند حاكتها، أ نصلي فيها قبل أن نغسلها؟ فقالا: «نعم، لا بأس إنّما حرم اللّه أكله و شربه، و لم يحرّم لبسه و مسّه و الصلاة فيه» (3)، و هي مع احتمال السؤال لمعرضية الاصابة لا التحقق من وقوعها، التعليل فيها فائح بالتقية كما يأتي في الخمر.

الخامسة: صحيح زرارة المتقدم في انفعال القليل في الحبل من شعر الخنزير يستقى به هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال (عليه السلام): «لا بأس» (4)، و هو مع معارضته بما رواه زرارة أيضا من نجاسة شعره (5) محتمل أن يكون مقتطعا من ما رواه ابن رئاب عن زرارة في مستثنيات الميتة، كالذي رواه الحسين بن زرارة عن شعر الخنزير يعمل حبلا للاستقاء من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها، فقال (عليه السلام): «لا بأس به» (6).

____________

(1) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرمة باب 45.

(2) بحوث في شرح العروة 3/ 221.

(3) الوسائل: أبواب النجاسات باب 38 ح 13- و علل الصدوق مسندا 357.

(4) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 14 ح 2.

(5) المصدر: أبواب ما يكتسب به باب 87.

(6) المصدر: أبواب الماء المطلق باب 14 ح 3.

29

دون البحري منهما (1).

____________

و قد ذكرنا في بحث الميتة أنّها مضطربة المتن بإختلاف الراوين عنه، و بعدم كونه مصداقا لكبرى مستثنيات الميتة إذ جهة نجاسته العنوان الذاتي لا الطارئ بالموت.

السادسة: رواية زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء؟ قال: «لا بأس» (1)، و النفي هاهنا أعمّ من الطهارة بعد إمكان الاستقاء به للاستعمال غير المشروط بالطهارة.

و أمّا ما ذهب إليه الصدوق فلعله استنادا إلى ما رواه في الفقيه (2) من صحيح علي بن جعفر المتقدم في الثوب الواقع على كلب ميت لكنّها مع أعميتها من اليبوسة و الرطوبة و نصوصية ما دلّ عند الرطوبة على النجاسة، لا تعارض اطلاق متواتر الروايات في الكلب و خصوص صحيح ابن مسلم (3) الوارد في نجاسة الكلب السلوقي المتعارف في الصيد به.

(1) لكونهما من الأسماك المختلفة في النوع مع البري كما في المعاجم القديمة و الحديثة، غاية الأمر شكلهما له نحو شبه بالبرّيان و ان كانا ذو نفس سائلة لكونهما من الفقاريات أو الحيوان الثدييّ، و لذلك يقيد اسمهما فيقال: كلب السمك أو البحر و خنزير البحر، فلا يطلق عليهما الاسمين بقول مطلق، بينما ما هو موضوع الأدلة هو العنوانان المطلقان، نظير اختلاف الماء المطلق و الماء المضاف (المقيد).

و قد تقدم صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (4) في بحث التذكية الدال على طهارة كلب البحر المتخذ منه الخزّ، و لعلّه بعض أصناف كلب البحر التي انقرضت فدلالتها أخصّ من المدعى، و التمسك بعموم التعليل فيها لأنّه لا يعيش بدون الماء، موهون بعدم العمل به لمخالفته لعدة من القواعد المحكّمة في الأبواب كما ذكره غير واحد من أساطين الفقه فراجع ما تقدم نقله.

____________

(1) الوسائل: أبواب الماء المطلق باب 14 ح 16.

(2) الفقيه ج/ 1: 43/ 169.

(3) الوسائل: أبواب النجاسات باب 12 ح 9.

(4) الوسائل: أبواب لباس المصلي باب 10.

30

و كذا رطوباتهما و أجزاؤهما، و إن كانت ممّا لا تحله الحياة (1) كالشعر و العظم، و نحوها، و لو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر، فتولد منهما ولد (2) فإنّ صدق عليه اسم أحدهما تبعه و إن صدق عليه اسم أحد الحيوانات الاخر أو كان مما ليس له مثل في الخارج كان طاهرا، و إن كان الأحوط الاجتناب عن المتولد منهما، إذا لم يصدق

____________

ثمّ: على فرض الشك في عدم تناول الأدلة لهما تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة التي عرفت عمومها للشبهة الحكمية بتنصيص موثقة عمار.

(1) بالاتفاق عدا المرتضى في الناصريات لأنّه كالمأخوذ من الميتة، و مال في المدارك إلى ذلك في الكافر، و بهذا المضمون حسنة الحسين بن زرارة و صحيح زرارة المتقدمان في صدر البحث و قد عرفت الحال في دلالتها، مضافا إلى ورود روايات (1) خاصّة على النجاسة في شعر الخنزير تقدم ذكرها مفصلا، و كذا حال القياس بالميتة في بحث مستثنيات الميتة أنّه في غير نجس العين فراجع.

حكم المتولد من الكلب و الخنزير

(2) فتارة يتولد منهما، و أخرى من أحدهما مع ثالث، و كل منهما إمّا مع صدق الاسم أو مع عدم الصدق، إمّا مع التشابه كالبغل المتولد من الفرس و الحمار أو عدمه.

أما الصورة الأولى فتترتب الاحكام لتحقق الموضوع سواء أ كان متولد منهما أو من أحدهما مع ثالث، و أمّا الصورة الثالثة فلا ترتب لفرض انتفاء الصدق و التشابه، نعم هي ممكن وقوعها في المتولد من أحدهما مع ثالث، و أمّا المتولد منهما فالطبيعة قاضية بالتشابه الوراثي و إن لم يصدق الاسم، و أمّا الصورة الثانية فعن الذكرى و الروض الذهاب إلى نجاسته و إن اختلف الاسم و لم يحصل تشابه.

و قد يقرّب ذلك: بأن المتفاهم عرفا من أدلة نجاسة الأعيان أنّ الخليط منهما بحكمها كالمعجون من أبعاضها و ان تبدل الاسم، و كالمصوغ من الذهب و الفضة في الأواني‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الأطعمة المحرمة باب 65، أبواب ما يكتسب به باب 58.

31

عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة، بل الأحوط الاجتناب عن المتولد من أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر، فلو نزى كلب على شاة، أو خروف على كلبة، و لم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة فالاحوط الاجتناب عنه، و إن لم

____________

حيث أنّه يحرم بحرمة الآنية من كلّ منهما (1).

لكن: التشبيه بالمعجون الخليط منها مع الفارق لسبق تحقق موضوع كل منهما بل و بقاؤه عند الخلط مع شمول اطلاق أدلتها لها بخلاف المقام، نعم إذا استحال المعجون لاسم و نوعية أخرى فيكون مما نحن فيه، إلّا أنّ في شمول أدلتها له نحو خفاء لا سيما في الأحكام‌

المختصة المترتبة على أحدها، و كذا حال التشبيه بالآنية المصوغة من الخليط فإنّه توسعة للدليل لغير موارد الانفراد، نعم فيه نحو تقريب للمقام.

و لعل الأولى تقريبه: بأن الوليد وارث لطبيعة المتولد منه و لآثار تلك الطبيعة، فالانتماء المصداقي للطبيعتين متحقق تشمله المجموع الملفق من الدليلين، و من ذلك قد يتأتى الوجه المزبور في المتولد من أحدهما مع ثالث مع فرض الشبه كما هو المعروف من مقتضى طبيعة الوراثة و التوالد، بضميمة أن موضوع النجاسة بنحو الاقتضاء (و هو أحدهما) و موضوع الطهارة (و هو الثالث) لا اقتضاء فلا ينافي دليل طهارة الثالث دليل نجاسة أحدهما في الحيوان المتولد.

هذا: و قد استدل بوجوه أخرى موهونة كاستصحاب النجاسة، امّا بتقريب كونه نطفة أو علقة أو مضغة جزء الحيوان النجس فيما كانت الأم هو أحدهما، أو للملاقاة بأحدهما في الفرض المزبور، و ذلك لتبدل الموضوع و لعدم النجاسة السابقة في بعض الفروض أو لعدم الجزئية أو لكونه من الاصل في الفرد المردد بعد عدم وجود الجامع بين العرضية و الذاتية، نعم التقريبات المذكورة مؤشر على ارتكاز الوجه المتقدم في الانتساب الحاصل من التولّد و التوريث في الطبيعة.

____________

(1) التنقيح 3/ 39.

32

يصدق عليه اسم الكلب.

[الثامن: الكافر بأقسامه]

(الثامن) الكافر بأقسامه (1).

____________

رسالة في الكافر

(1) المتظافر حكاية الاجماع عليه بل في التهذيب في ذيل شرح عبارة المقنعة «لا يجوز الطهارة بأسئار الكفار» و «اجمع المسلمون على نجاسة المشركين و الكفار اطلاقا» (1)، لكنّه محمول على النجاسة بالمعنى الأعم من الحكمية المعنوية، و إن كان بعيدا عن سياق كلامه، و في الانتصار إجماع الشيعة على نجاسة أهل الكتاب و كل كافر.

و في المعتبر: و اما الكفار فقسمان يهود و نصارى و من عداهما، أما القسم الثاني فالاصحاب متفقون على نجاستهم سواء كان كفرهم أصليا أو ارتدادا- إلى أن قال- و أمّا اليهود و النصارى فالشيخ قطع في كتبه بنجاستهم و كذا علم الهدى و الاتباع و ابنا بابويه، و للمفيد قولان أحدهما النجاسة ذكره في أكثر كتبه و الآخر الكراهية ذكره في الرسالة الغرية.

و هو يعطي الخلاف في أهل الكتاب إلّا أنّه اقتصر في نسبة الخلاف إلى المفيد فقط، مع امكان حمل عبارته على الحرمة، فنسبة الخلاف إلى ابن جنيد و ابن أبي عقيل لم نعثر عليها في المعتبر و لا الذكرى و لا المختلف و لا المنتهى، و إن ذكرت في كلمات متأخري المتأخرين من عدم تنجيس الثاني سؤرهم، و ترجيح الأوّل اجتناب أوانيهم ما لم يتيقن الطهارة.

نعم في المختلف في باب الذبح نسب إلى ابن أبي عقيل حلّية ذبائحهم، و حكى عن ابن الجنيد أن الأحوط عنده اجتناب ذبائحهم و أوانيهم ما لم يتيقن الطهارة.

ثمّ ان تضمن معاقد الاجماع في بعض كلمات القدماء عنوان المسوخ ليس قرينة‌

____________

(1) التهذيب ج 1/ 223.

33

..........

____________

على التنزيه بعد ذهابهم إلى نجاستها كما هو معروف عن الشيخ و جماعة، كما أنّ قالب معقد الاجماع الذي هو بصورة النهي عن أسآرهم عن الانتفاع أو الوضوء بها كذلك (1) بعد وضوح أن النهي عنه في ذلك الباب للنجاسة إلا ما نصّ عليه بالتنزيه، كما استدلّ على نجاسة بعض الأعيان بالنهي الوارد عن أسآرها و كما هو صريح صحيحة البقباق المتقدمة فيها.

نعم في كلمات الشهيد الثاني التلويح بدلالة بعض الروايات على الطهارة، و صرح المقدس الاردبيلي في المجمع بأن العمدة في النجاسة الاجماع و هو الموجب لتأويل روايات الطهارة، و من بعده تلميذيه صاحب المعالم و يظهر من صاحب المدارك التوقف في النجاسة فيهم بل في مطلق الكافر، و كذا حكي عن الفيض- في اهل الكتاب-، و قد اختار الطهارة جماعة من متأخري هذا العصر على اختلاف بينهم في تصويرها.

الاقوال و الاحتمالات و المحصل من الأقوال و المحتملات المذكورة حينئذ هو:

الأول: النجاسة الذاتية مع المنجسية و هو قول المشهور شهرة قاطبة.

الثاني: النجاسة الذاتية مع عدم المنجسية.

الثالث: النجاسة الذاتية المعفو عن تنجيسها نظير ماء الاستنجاء عند الاضطرار و كثرة الابتلاء بهم و الحاجة إلى معاشرتهم.

الرابع: النجاسة الذاتية المعفو عنها نظير الحديد.

الخامس: الطهارة الذاتية مع أصالة النجاسة العرضية عند الشك.

السادس: الطهارة الذاتية مع البناء على الطهارة العرضية عند الشك لأصالتها.

____________

(1) بحوث في شرح العروة ج 3/ 288.

34

..........

____________

و أمّا العامّة فلم يحك خلاف بينهم على طهارة الكافر مطلقا إلّا ما عن الحسن من متقدميهم و أهل الظاهر و بعض أئمة الزيدية، و قال في الانتصار: «و حكى الطحاوي عن مالك في سؤر النصراني و المشرك أنّه لا يتوضأ به و وجدت المحصلين من أصحاب مالك يقولون أنّ ذلك على سبيل الكراهة لا التحريم لأجل استحلالهم الخمر و الخنزير و ليس بمقطوع على نجاسته- يعني السؤر-» فمذهبه الكراهة و التنزه لمعرضيتهم النجاسات العرضية.

و استدل على النجاسة: أولا بالآيات: الأولى: قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ (1).

و تقريب الدلالة اجمالا: أن في حصر المشركين في النجاسة نحو من التأكيد و التشديد على بالغ نجاستهم، مضافا إلى كون الأخبار بوصف المصدر مبالغة في اتصافهم بذلك كما في زيد عدل، أي عين العدل مبالغة.

و أما الموضوع فيعم أهل الكتاب، إمّا لصدق العنوان عليهم، أو لكونه كناية عن مطلق الكفار لما يأتي من القرائن.

الاشكال على دلالة الآية و أشكل تارة في المحمول- مفاد النجاسة- و أخرى في عموم الموضوع.

أما المحمول «مفاد النجاسة» فأولا: بأن المعنى الاصطلاحي للنجاسة لم يثبت وروده في الآية الكريمة و لم يتعارف استعماله، بل هو بالمعنى اللغوي و هو القذارة أي الشرك و هو المناسب للتفريع بمنعهم عن دخول المسجد الحرام لعدم حرمة ادخال الأعيان النجسة ما لم يكن هتكا، إذ المسجد محل عبادة و ذكر للّه لا يناسب الشرك و الكفر، و يعضد ذلك‌

____________

(1) سورة البراءة/ 28.

35

..........

____________

ندرة استعمال اللفظة في الأحاديث النبوية (1).

ثانيا: أن حمل المصدر على الذات لا يصحّ فلا بد من التقدير ل‍ «ذو» أو استعمال المصدر بمعنى الصفة و يصح الاتصاف حينئذ لأدنى ملابسة، و هو عدم توقيهم من النجاسات و الاحداث فالتوصيف بلحاظ ذلك.

ثالثا: لو كان المعنى الاصطلاحي هو المراد لاشتهر علما و عملا عند المشافهين بالنزول بل على العكس فان المراد عندهم هو القذارة المعنوية و نحوها، إلا ما ينسب إلى ابن عباس أنّ مفادها «أن أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير»، و من التابعين الحسن البصري «أن من صافح مشركا توضأ» و عمر بن عبد العزيز و هو على فرض صحة النبسة لا يشكل تبادرا في الارتكاز العرفي المحاوري حينذاك (2).

رابعا: أن النجاسة عند ما تحمل على شي‌ء تارة تحمل عليه كصفة ابتدائية للجسم، و أخرى بما هو متصف بصفة قائمة بالجسم غير قابلة للسريان بالملاقاة، و ثالثة كصفة للنفس و المعنى.

و لك أن تقول أنها تارة قذارة حسية للجسم، و ثانية قائمة بالجسم غير قابلة للتعدي كالاسكار للخمر، و ثالثة قائمة بالجسم و المعنى كالجنابة و الحيض، حيث ورد التعبير بأن تحت كل شعرة جنابة.

ففي الأولى القذارة تكون متعدية، و في الثانية لا تتعدى كما ورد أن الثوب لا يسكر، و في الثالثة لا تتعدى كما ورد أن الثوب لا يجنب و ان الجنابة و الحيض حيث وضعهما اللّه تعالى، ثمّ أن كلا من هذه الأقسام الثلاثة تنقسم إلى حقيقية و اعتبارية، و المناسب للحصر في الآية هو النجاسة الحقيقية المعنوية لا الاعتبارية، مضافا إلى أن احتمال إرادة المعنى الحقيقي اللغوي أي القذارة و الوساخة ممكن فلا موجب لحملها على‌

____________

(1) التنقيح ج 3/ 44، بحوث في شرح العروة ج 3/ 259.

(2) فقه الامامية ج 1/ 331.

36

..........

____________

الاعتبارية (1).

دفع الاشكال الاول على دلالة الآية و تدفع: أما الأول: فبأن سورة التوبة المتضمنة للآية من أواخر السور نزولا بل قيل أنّها نزلت بعد سورة المائدة عام تسع من الهجرة، و قد شرّع نجاسة البول و الغائط و المني و غيرها من النجاسات و لزوم الغسل منها كما يظهر من الآيات و الروايات في تلك العناوين.

و أما ندرة استعمال اللفظة فلو سلّم ذلك فبعد تشريع المعنى هو كاف في حدوث الاصطلاح، إذ المعنى المزبور له ألفاظ مترادفة قد يكثر استعمال بعضها و يقلّ الآخر، و هو غير مضر بعد ترادفها في المعنى، و الوجه في ذلك أنّ المعنى الاصطلاحي ليس يباين المعنى اللغوي في الماهية و الذات المقررة كما قدمنا في صدر كتاب الطهارة و انما الوضع الشرعي يتعلق بالمصاديق و التطبيق للمعنى الكلي، فليس هو من أحداث أصل المعنى بل الجعل في المصاديق.

كما تقدم في طي مباحث التذكية أنّ في البناء العقلائي انحاء من الجعل المتفق عليه بينهم أي المتعلق بالحكم الوضعي و التكليفي و الطريقي الظاهري، و الأول كالتذكية و الميتة و الطهارة و النجاسة و الملكية و اللزوم العقدي و الجواز و غيرها، و الثاني الواجبات العقلية في العقل العملي، و الثالث كحجية خبر الواحد و الظهور و غير ذلك، و على هذا يكون الجعل الشرعي امضائي في بعض موارده كما في الغائط و البول و نحوهما من القذارات في الجعل العقلائي، و في البعض الآخر تأسيسي كالكلب و الخنزير و الكافر و الخمر و نحوها و ستأتي تتمة لذلك في الجواب عن الاشكال الرابع.

____________

(1) بحوث في شرح العروة ج 3/ 257، المستمسك ج 1/ 310.

37

..........

____________

و بذلك يتضح أن الاستعمال الشرعي للفظة لا يغاير اللغوي في المعنى المستعمل فيه بل في مورد الاستعمال و المسند إليه في بعض الموارد كما في المقام.

و يتضح أن الشرك لم يكن من القذارات العرفية كي تكون النجاسة حقيقية لديهم فلا بد و لا محيص عن كون الآية في صدد الجعل التأسيسي بعد كون الوصف علة منعهم من الاقتراب.

امضاء المعنى العرفي للنجاسة هذا مع أنّ الصحيح كثرة ورودها في الاستعمالات النبوية من طرق الخاصّة و العامّة في القذارة المادية، و يظهر من رواية القمي في تفسيره آية أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ ... أن تنحية المشركين كان من شريعة ابراهيم (عليه السلام)، بل ان تشريع نجاسة المشركين كان في التوراة أيضا كأحد أحكام النجاسة (1).

فمن طرق الخاصة: قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «الميتة نجس و ان دبغت» (2)، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «الماء لا ينجسه شي‌ء»، و قريب منه قوله «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء، الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (3).

و ما رواه في البحار عن الخرائج عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لما قتل علي (عليه السلام) عمرو بن عبد ود اعطى سيفه الحسن (عليه السلام) و قال: قل لأمك: تغسل هذا الصيقل فردّه و علي (عليه السلام) عند النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و في وسطه نقطة لم تنق، قال: أ ليس قد غسلته الزهراء؟ قال: نعم قال: فما هذه النقطة؟ قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): يا علي سل ذا الفقار يخبرك، فهزّه و قال: أ ليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس؟ ... الحديث» (4)، بل هذه الرواية شاهدة على دلالة‌

____________

(1) لاحظ كتاب أعاجيب الأكاذيب في رد النصارى للمحقق البلاغي ص 76- طبعة قم الحديثة.

(2) البحار ج 80/ 80، المستدرك ج 2/ 592، الدعائم ج 1/ 126.

(3) المستدرك ج 1/ 189- 202، و المعتبر ص 9، الدعائم ج 1/ 11.

(4) البحار ج 20/ 249.

38

..........

____________

الآية في تمام مفادها كما لا يخفى حيث أنّه (عليه السلام) في صدد بيان شدة التقذر من دمه بإضافته إلى نجاسته.

و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) في بيان انتقاله في الأصلاب «ثم قذفنا في صلب آدم ثمّ أخرجنا إلى أصلاب الآباء و أرحام الأمهات، و لا يصيبنا نجس الشرك و لا سفاح الكفر» (1)، و ما رواه في البحار عن الواقدي أنّ عبد المطلب أراد أن يمسح بدن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالآت و العزى لتسكن دمدمة و غضب قريش لما رأوا من آيات ولادته فجذب من ورائه فالتفت إلى ورائه فلم ير أحدا، فتقدم ثانية- و هكذا- ثمّ تقدم ثالثة فجذبه الجاذب جذبة شديدة حتى أقعده على عجزه و قال: يا أبا الحارث (2) أتمسح بدنا طاهرا ببدن نجس؟ (3)، و النجاسة في حجارة الأصنام بلحاظ ما يراق عليها من دماء القرابين لها أو ملاقاتها لأيدي المشركين.

و ما روي فيما امتن اللّه به على أمّته كرامة له (صلى الله عليه و آله و سلم) في الحديث القدسي «و كانت الأمم السالفة إذا أصابهم أدنى نجس قرضوه من أجسادهم، و قد جعلت الماء طهورا لأمّتك من جميع الأنجاس» (4).

و ما روي في خبر ولادته (صلى الله عليه و آله و سلم) «فأخذ جبرئيل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و غسله و ميكائيل يصب الماء عليه فغسلاه و آمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة، فقال لها جبرئيل: يا آمنة لا نغسله من النجاسة فإنّه لم يكن نجسا و لكن نغسله من ظلمات بطنك» (5).

و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أراد دخول المتوضأ «اللّهمّ اني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، اللّهمّ امط عني الأذى و أعذني من الشيطان الرجيم» (6)، بناء على أن الموصوف بالرجس النجس هو الغائط و التعوذ منه و من‌

____________

(1) البحار 15/ 7، علل الشرائع/ 80.

(2) كنية عبد المطلب.

(3) كتاب أعاجيب الأكاذيب ص 76.

(4) البحار ج 16/ 346.

(5) البحار ج 15/ 288.

(6) الوسائل: أبواب أحكام الخلوة باب 5 ح 5.

39

..........

____________

الشيطان من دون ذكر حرف العطف، أو أن الموصوف هو الشيطان الا أن الوصفين الأولين و صفا له بلحاظ وجوده المادي و الاخيرين بلحاظ مرتبة وجوده المجرد.

و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «جنبوا مساجدكم النجاسة» (1)، و غيرها مما يجدها المتتبع.

و أما من طرق العامّة: فقد استفاض عندهم عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قوله «ان المؤمن لا ينجس و ان المسلم لا ينجس» (2)، في جوابه (صلى الله عليه و آله و سلم) لتوهم بعض الصحابة نجاسة بدن الجنب.

و كذا استفاض عندهم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «ان الماء طهور لا ينجسه شي‌ء» (3)، و «ان الماء لا ينجسه شي‌ء»، و كذا استفاض عندهم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «انّها ليس بنجس» عن الهرة جوابا لتوهم بعض النساء نجاسة سؤرها.

و كذا استفاض عندهم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شي‌ء» (4)، و تقريره (صلى الله عليه و آله و سلم) لسؤال السائل إنّا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة ثم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) له «الارض يطهر بعضها بعضا» (5)، و ما رووه عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) في النهي عن لحوم الحمر و تعليلها ب‍ «فإنّها رجس أو نجس» (6)، و غيرها ممّا يعثر عليه بالفحص.

هذا فضلا عما يوجد في كتب السير و التواريخ عنه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و فضلا عما يوجد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) سواء من طرقنا أو طرق العامّة، و كذا عن الصحابة فانه يتوفر بذلك كم هائل من استعمال اللفظة في القذارة المادية،

____________

(1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد باب 24 ح 2.

(2) البخاري كتاب الغسل باب 23 و 24، مسلم 29/ 556، ابن داود كتاب الطهارة 91/ 199 و غيرها.

(3) ابن ماجة كتاب الطهارة، ابن داود كتاب الطهارة 34/ 60، مسلم كتاب الطهارة ب 30 و غيرها.

(4) ابن ماجة الطهارة 75/ 510، ابن داود في الطهارة بطريقين، الدارمي الطهارة 55/ 725 و غيرها.

(5) سنن الدارمي كتاب الطهارة 79/ 525.

(6) صحيح مسلم كتاب الصيد باب 4.

40

..........

____________

بل بالامكان الحصول على شواهد أنّ اللفظة مستعملة في المادية قبل الاسلام (1).

مضافا إلى كلّ ذلك أنّ استعمال اللفظة كما تقدم إنما هو في ماهية القذارة لا بما هي متقيدة برتبة وجود معين كالنفسي مثلا كما في سائر ألفاظ الطبائع، فعند اسناد المصدر إلى الذات يعطي كما حرر في البلاغة أنّ الذات متمثلة بقالب مجسم من أفراد المصدر كما في زيد عدل، و المفروض أن الذات ليس مقتصرة على الروح و النفس بل مجموع مشتمل عليهما و على البدن، إذ لم يسند المصدر إلى الشرك بل إلى المشرك أي الذات المتصفة به، كما ان الاتيان باداة الحصر لحقيقة المشرك في المصدر و الصفة تأكيد و مبالغة أخرى في كونهم بتمام ذاتهم قذرين فهل يتناسب كل ذلك مع الاسناد المجازي فيكون الاسناد لا إلى ذواتهم بل إلى نفوسهم.

و أمّا المناسبة المذكورة فلا تقتضي عدم نجاسة أبدانهم المعلولة للشرك، و عدم حرمة ادخال بقية النجاسات ما لم يكن هتكا، فلا شهادة فيه على ذلك بعد اختصاص كل عين نجسة بأحكام و ان اشتركت كلها في أحكام أخرى، فالمناسبة المذكورة موجبة للاختصاص بالحكم المزبور لا لحصر القذارة بالمعنى، بل ان إرادة النجاسة المعنوية في هذا التعبير أي وصف ذواتهم بعين المصدر و القذارة مع حصر حقيقتهم بذلك هو من البشاعة بمكان كما قيل، إذ كيف تتناسب المبالغة في وصف ذات شي‌ء بأنّه عين القذر كما في زيد عدل ثم يقال بأن بدنه طاهر كسائر الأعيان الطاهرة.

دفع الاشكال الثاني أما الثاني: فقد حرر في علم البلاغة أنّ الوصف بالمصدر أبلغ فلا حاجة للتأويل و التقدير، و لذلك وقع الاصطلاح الفقهي على اطلاق المصدر على الأعيان النجسة و المشتق على الأجسام المتنجسة بتلك الأعيان، هذا مضافا إلى مناسبة الحصر‌

____________

(1) و قد تقدم أنّ تشريع نجاسة المشركين كواحد من أحكام النجاسة كانت في التوراة.

41

..........

____________

و المبالغة في التوصيف بالمصدر إلى كون المشركين كملا روحا و بدنا بذلك الوصف.

دفع الاشكال الثالث و أمّا الثالث: ففيه مضافا إلى ما تقدم في دفع الأول أنّه لا اختلاف في المعنى المراد من اللفظة كما تقدم، و يشهد لذلك ما يذكر عن كثير من الصدر الأول (1) من أن مفادها هو القذارة المادية، غاية الأمر لا يسندونها إلى أبدانهم بالذات بل يسندونها إليهم بلحاظ تلوثهم ببقية النجاسات و عدم توقّيهم عنها، و بلحاظ الحدث الذي لا يغتسلون منه من الجنابة و غيرها.

فالاختلاف عند الأكثر في استظهار المسند إليه هل هو النفس أو البدن بلحاظ الذات أو بلحاظ القذارات العرضية، نعم اسنده البعض منهم إلى النفس بلحاظ الشرك و هو أيضا ليس قذارة عرفية كما تقدم.

فالقذارة شرعية عند الكل حتى لو كانت بلحاظ الشرك حيث أن الفرض انه رتب عليها حكم المنع من اقترابهم للمسجد الحرام.

و مما يشهد بأن الظهور يحتمل اسناد النجاسة إلى الأبدان ما رواه الطبري عن جماعة بقوله «و قال آخرون معنى ذلك ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب و هذا قول روي عن ابن عباس» (2)، و حكاه عن الحسن البصري و غيره.

و ليس هذا الاختلاف في هذا الجهة من الظهور فقط، فقد اختلف في جهات أخرى أيضا من عموم الدلالة لكل المساجد كما ذهب إليه مالك من العامة خلافا لأبي حنيفة و الشافعي، و من عموم الدلالة لكل الكفار كما ذهب إليه مالك و الشافعي خلافا لأبي حنيفة، و من عموم الدلالة لمطلق الدخول للمسجد الحرام خلافا لأبي حنيفة حيث‌

____________

(1) لاحظ تفسير الطبري و غيره.

(2) و حكى عن الثاني مع كاتب أبي موسى الاشعري النصراني نهيه عن ادنائه المسجد و عن اكرامه و ان الحكم الاول هو في سياق الثاني و كذا يحكى عن ابن عبد العزيز.

42

..........

____________

ذهب إلى المنع عن خصوص الحج و الاعتمار.

فهل ترى أن هذا الاختلاف في الاستظهار يسقط الظهور عن الحجية أو ظهورها في مفاد هذه الجهات و يصنفها في المجملات، و كم من اختلاف في مفاد الآي في الكتاب العزيز مع كونها غير محدودة في المتشابه.

بل ان الباعث لهم على تحوير الظهور في الآية هو توهم عامتهم دلالة آية الطعام على طهارتهم و حلّية ذبائحهم، و الثانية من سورة المائدة التي عرفت بكونها ناسخة غير منسوخة، فارتكبوا ذلك التأويل جمعا بين المفادين و ابتعادا عن النسخ لحكم المنع عن اقترابهم، اذ هو بالاتفاق غير منسوخ.

و هذا نظير ما ارتكبوه من الخطأ في فهم قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الشاة الميتة «هلّا انتفع أصحابها بجلدها» ان جلد الميتة يطهر بالدباغة مع انه (صلى الله عليه و آله و سلم) أراد بأن يذبحوها و يذكوها و من ثم ينتفعون بها، و غير ذلك من الموارد التي حرّفت فيها الأحكام، و سيأتي أن محط نظر الروايات على اختلاف ألسنتها هي لتخطئتهم في ذلك و من ثم تخطئة ما بنوا عليه من تحوير آية نجس المشركين و من قلب مفادها.

دفع الاشكال الرابع و أمّا الرابع: فقد تقدم في دفع الاول و الثالث أنّ الاطلاق و الاستعمال لا يغاير المعنى اللغوي و انما يغايره في المورد و التطبيق و أنّه شرعي على كل حال، و أمّا الترديد بين الاعتباري أو الحقيقي فهو نظير الترديد في النجاسة في حكم الشرع انها اعتبار أو حقيقة كشف عنها الشارع، فكذلك الترديد في حكم العرف، و الصحيح انها مع الطهارة حكمان وضعيان في البناء العقلائي و ان كان منشأهما ما يوجب النفرة و نحوهما من الدنس أو الخلوص من ذلك و ان كان لهما مصاديق حقيقية تكوينية، حيث أنك ترى اختلاف في الانظار العرفية في مصاديقها و ذلك حسب اعتباراتهم‌

43

..........

____________

و حسب احراز ملاك الاعتبار المزبور، و يدل على ذلك أيضا انهم يرتبون الآثار من التغسيل و غيره.

فكذلك في المقام حيث رتب في الآية النهي عن اقترابهم، مع أن عناية الحصر و المبالغة في الوصف انما يتم بقذارتهم بنفوسهم و أبدانهم و لو بني على كونها في المقام حقيقية، حيث أنّه تقرير من الشرع بذلك.

و أمّا التقسيم الثلاثي المذكور فغير مطرد فقد حكم على البول و الغائط من الحيوان الجلّال بالنجاسة المتعدية و ان كان الحيوان من الأنعام الثلاثة و غيره من مأكول اللحم بالذات، و كذا حكم على عرق الجنب من الحرام و عرق الابل الجلالة بالنجاسة المتعدية على قول المشهور فيهما، و لا أقل من مانعيتهما للصلاة، و كذا على الميتة الذي هو زهوق الروح، مع ان هذه الموارد لم يكن الحكم الا بتوسط صفة قائمة بالجسم غير قابلة للسريان أو بالاسناد إلى النفس كما في الجنب من الحرام، كما قد حكم على ابن الزنا بالقذارة غير المتعدية مع أنّه يندرج في القسم الأول.

هذا: مضافا إلى موافقة الاعتبار و تجويزه الحكم بنجاسة متعدية في القسمين الاخيرين فيما كانت شديدة و العكس في القسم الأول فيما كانت خفيفة.

مؤيدات على المختار و يمكن تأييد ما تقدم- من عموم القذارة للبدن و النفس- و الاستئناس إلى ذلك بما يلي:

أولا: الحكم في موارد أخرى أيضا يظهر منها الارتباط بين القذارة المعنوية و القذارة البدنية:

كغسل الميت من الحدث يطهّر بدنه، كما أن مسّه قبل غسله يوجب الحدث.

و كتنجس بدن الحيوان الآدمي و غيره مما له نفس سائلة بخروج الروح بخلاف ما ليس له نفس و بخلاف الذي خرجت روحه بالشهادة أو التذكية.

44

..........

____________

و كغسل الجنب من الحرام رافع لنجاسة أو مانعية عرقه للصلاة.

و كذا التعليل الوارد في غسل البدن من الجنابة «من أجل أنّ الجنابة من نفس الانسان بخلاف الغائط فان يدخل من باب و يخرج من باب» (1) أو لان فيه لذة و شهوة (2) و هما نفسيتان.

و كاستعمال الماء في رفع الحدث الأكبر يسلب الماء طهوريته، و كذا لزوم طهورية الماء للطهارة عن الحدث، و كذا عدم طهورية الماء عن الحدث إذا كان مستعملا في الخبث.

ثانيا: ما تقدم استظهار القذارة بما يشمل البدن من الآية ما ورد التعبير باللفظة المزبورة عن أهل الكتاب في موثق ابن أبي يعفور (3) بمقتضى الاشتراك المفهوم في مفاضلة الناصب و الكلب عليهم.

ثالثا: ما تقدم في مفاد اللفظة، و ما ورد في المقابل في المؤمن في روايات الوضوء «ان المؤمن لا ينجسه شي‌ء انما يكفيه مثل الدهن».

رابعا: قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (4)، فقد وردت الروايات المعتبرة ان سبب نزولها هو في الانصاري الذي ابتدع الاستنجاء بالماء، فالاطلاق في الآية بلحاظ البدن، و أيضا كما في روايات أخر بلحاظ النفس فلا غرو ان يكون كذلك في المقابل و هو النجس.

خامسا: قوله تعالى أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (5)، و مثله قوله تعالى في سورة الحج، و المستفاد منها عموم الامر بالتطهير سواء من الاشراك و الاصنام أو المشركين أو من بقية القذارات حيث كان المشركون يرمون فيه القذارات.

____________

(1) الوسائل: أبواب الجنابة ب 2 ح 4- 1، باب 1 ح 14 ..

(2) المصدر.

(3) البقرة/ 125.

(4) البقرة/ 222.

(5) البقرة/ 125.

45

..........

____________

كما و قد دلت على إرادة عموم الأمر بالتطهير الروايات الصحيحة الواردة (1) في ذيل الآية و أنّه بمقتضى الأمر فيها ينبغي للعبد و المرأة أن لا يدخلا إلّا و هما طاهران قد غسلا عنهما العرق و الاذى و تطهّرا.

بل عن تفسير القمي قال الصادق (عليه السلام) يعني نحّ عن المشركين و قال: لما بنى إبراهيم (عليه السلام) البيت و حجّ الناس شكت الكعبة إلى اللّه تبارك و تعالى ما تلقى من أيدي المشركين و أنفاسهم، فأوحى اللّه إليها قرّي كعبتي فاني أبعث في آخر الزمان قوما يتنظفون بقضبان الشجر و يتخللون (2).

و لا يتوهم اشعار ذيل الرواية بكون المفاد للآية انهم ذو نجس لأجل عدم تطهرهم عن القذارات إذ اطلاق التوصيف في الآية يفيد ثبوت الوصف مطلقا للذات، كما أن الموضوع هي ذواتهم بنحو مطلق، مع أنّه على هذا المعنى لا موجب لاختصاصهم بالتنحية، و كذلك صدر الرواية المزبورة حيث اطلق الأمر بتنحية المشركين، مضافا إلى اشتمال الذيل في أحد متونه على الشكوى من ملاقاة أيديهم، مع أنّها تغسل في العديد من الأوقات فهو كالصريح في النجاسة الذاتية.

أمّا الموضوع «مطلق الكافر» فاشكل عليه: أولا: أنّه أخص من المدعى للفرق بين عنوانه (المشركين) و بقية أفراد الكفار كأهل الكتاب و الفرق المنتحلة للإسلام، فقد ورد التفريق بين عنوان المشركين و أهل الكتاب من اليهود و النصارى و المجوس بل و الصابئة أيضا في العديد الكثير من الآيات (3) و الروايات، و قد اختص كل من العنوانين باحكام خاصة في باب القتال‌

____________

(1) لاحظ تفسير البرهان و نور الثقلين.

(2) تفسير البرهان و نور الثقلين و الصافي و المتن للأول.

(3) البقرة/ 105- آل عمران/ 186- 195، المائدة/ 82، الحج/ 17، البينة.

46

..........

____________

و النكاح و الهدنة و غيرها.

ثانيا: ان التمسك بإطلاق العنوان مستلزم لشموله لكل مراتب الاشراك التي لا يخلو منها إلا المعصوم و بعض اولياء اللّه تعالى، مثل المرائي المسلم و الذي يسند الخير في كلامه إلى غير اللّه و نحوهما (1).

و يدفع الأول: إن في المقام قرائن عديدة على كون الموضوع هو مطلق الكافر نظير الموضوع في قوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ ... وَ لٰا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّٰى يُؤْمِنُوا ... (2) كما يأتي توضيحه أيضا، و استعمال المشركين فيه اما من باب عموم المعنى المستعمل فيه اللفظة و هو أي الكفر أحد المعاني المستعملة كما تستعمل في خصوص الوثنيين كثيرا في الاطلاقات القرآنية و الروائية، أو لا أقل من باب الكناية عن مطلق الكافر كما أريد منها ذلك في موارد.

و القرائن على ذلك هي: الاولى: ان الحكم بالنجاسة و المنع من الاقتراب من المسجد الحرام شامل جزما للدهريين و الملحدين من الكفار مع كونهم ليسوا بثنويين، و كون ذلك الشمول بطريق الأولوية القطعية لا بشمول اللفظة غير ضائر بعد الالتفات إلى عدم تعدد الموضوع الكلي للحكم، فلا بد من عنوان جامع و هو مطلق الكفر.

و احتمال: ان الموضوع بعض درجات الكفر لا مطلقه و لذا لا يشمل كفران النعمة و نحوه مما يجتمع مع الاسلام.

مدفوع: بأن الظاهر أخذ الكفر الاصطلاحي و هو انكار أصول الدين الآتي الكلام عنها، لكونه محطا للعديد من الأحكام كحرمة الذبيحة كما يأتي ذلك في المرتد و الناصب و الخوارج و أهل الكتاب و المجسمة و المشبهة و غيرهم من أصناف الكفار، و كبينونة الزوجة و حصول الردة و عدم الارث و غيرها.

____________

(1) التنقيح ج 3/ 44.

(2) البقرة/ 221.

47

..........

____________

الثانية: أن الحكم بالنجاسة قد رتب- كما سيأتي الدليل عليه- على بعض العناوين و الفرق المنتحلة للاسلام كالناصب الذي ورد التعليل بالكفر لحرمة الزواج منه (1)، و الخارجي الذي ورد التعبير عنه بالمشرك كما يأتي، و الظاهر مع القرينة المتقدمة هو اندراج الموارد تحت عنوان الكفر.

الثالثة: عموم الحكم و هو المنع من دخول المسجد الحرام لأهل الكتاب، قرينة على عموم الموضوع و على عموم العلة و هي النجاسة، و الدال على عموم الحكم عدة من الآيات كقوله تعالى في نفس السورة قبل هذه الآية بعدة آيات مٰا كٰانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسٰاجِدَ اللّٰهِ شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (2)، و النفي شامل للتولية على المسجد و للدخول و المكث فيه لأجل الذكر و الصلاة أو الزيارة، كما هو أحد مصاديق عمارته في المأثور و العرف الشرعي، و النفي موضوعه مطلق الكافر بمقتضى التعليل، بل إن في وحدة الآيتين في الحكم و السورة قرينة قوية جدا على عموم الموضوع و هو الكفر.

و كقوله تعالى وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا إِلّٰا خٰائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (3)، سواء كان سبب النزول هو تخريب الروم لبيت المقدس و تلويثهم إياه و منعهم من دخوله، أو كان منع المشركين رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من دخول المسجد الحرام عام الحديبية بعد عموم موضوع الإخافة بالطرد من المسجد، لا سيما و أن سياق الآيات العديدة قبل هذه الآية هو في أهل الكتاب، و كذا الوعيد بالخزي في الدنيا المحتمل انطباقه على اعطاء الجزية عن يد و هم صاغرون.

و لا ينافي ذلك تعقيب آية المنع عن القرب من المسجد الحرام بحكم القتال الخاص لأهل الكتاب و أخذ الجزية فانه حكم آخر، و إلا فقد تلى ذلك أيضا اسناد الشرك إلى أهل الكتاب.

____________

(1) الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر باب 10 ح 4- 15.

(2) التوبة/ 17.

(3) البقرة/ 114.

48

..........

____________

الرابعة: ورود استعمال الشرك في مطلق الكفر الاصطلاحي الالحادي أو المليّ و النحلي و سواء بنحو الفعل أو الوصف أو غيرهما، كما في قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون وَ يٰا قَوْمِ مٰا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجٰاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النّٰارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللّٰهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ مٰا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّٰارِ، لٰا جَرَمَ أَنَّمٰا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيٰا وَ لٰا فِي الْآخِرَةِ (1)، فأطلق الشرك على الاعتقاد بأن فرعون رب الارباب و إله الآلهة مع عدم الاعتقاد باللّه.

كما هو ادعاء فرعون في الآية الكريمة وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ يٰا هٰامٰانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبٰابَ أَسْبٰابَ السَّمٰاوٰاتِ فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً (2)، و كما في الآية الاخرى وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ يٰا أَيُّهَا الْمَلَأُ مٰا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يٰا هٰامٰانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكٰاذِبِينَ (3).

و الوجه في استعمال المادة في مطلق الكفر حتى الالحادي، هو أن الاعتقاد بغير اللّه من دون اللّه هو في واقعه شرك حيث انه يؤول إلى جعل الغير ندا و ضدا و منتهى و غاية في قبال اللّه تعالى و العياذ باللّه.

و كذا اطلق على أهل الكتاب كما يأتي و كما في قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ* (4) إذ هو شامل لمطلق الكفر بلا ريب، و كما في رواية يونس بن ظبيان عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: «يا يونس من زعم أن اللّه وجها كالوجوه فقد أشرك» (5).

اطلاق الشرك على اهل الكتاب القرينة الخامسة: اسناد و اطلاق الشرك على أهل الكتاب سواء بهيئة الفعل أو المصدر‌

____________

(1) غافر/ 42.

(2) غافر/ 37.

(3) القصص/ 38.

(4) النساء/ 48.

(5) الوسائل: أبواب الذبائح باب 28 ح 10.

49

..........

____________

أو الصفة في الاستعمالات القرآنية و الروائية.

اطلاق ذلك في القرآن الأول: كما في قوله تعالى عقيب الآية إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ (1).

الثاني: قوله تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قٰالَ الْمَسِيحُ يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ اعْبُدُوا اللّٰهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ... لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلٰاثَةٍ (2).

الثالث: قوله تعالى وَ إِذْ قٰالَ اللّٰهُ يٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّٰهِ، قٰالَ سُبْحٰانَكَ (3).

الرابع: قوله تعالى إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ، لَوْ كٰانَ هٰؤُلٰاءِ آلِهَةً مٰا وَرَدُوهٰا وَ كُلٌّ فِيهٰا خٰالِدُونَ، لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيهٰا لٰا يَسْمَعُونَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنىٰ أُولٰئِكَ عَنْهٰا مُبْعَدُونَ (4)، الذي هو خطاب الكافرين فنقضوا عموم الآية بشموله للنبي عيسى (عليه السلام) حيث ان النصارى يؤلّهونه فنزلت الآية إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ ....

الخامس: و قوله تعالى وَ قٰالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ مٰا كٰانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (5)، فههنا الاطلاق عليهم بصيغة الصفة.

و دفع ذلك: بأنه نظير قوله مٰا كٰانَ إِبْرٰاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لٰا نَصْرٰانِيًّا وَ لٰكِنْ كٰانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ مٰا كٰانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (6)، بيّن الحنف له (عليه السلام) و تبرئته من الميل عن حاق الوسط إلى أهل‌

____________

(1) التوبة/ 31.

(2) المائدة/ 72- 73.

(3) المائدة/ 116.

(4) الأنبياء/ 98- 101.

(5) البقرة/ 135.

(6) آل عمران/ 67.

50

..........

____________

الكتاب أو الوثنيين و هو المراد من الآية السابقة (1).

ممنوع: بأن السياق لآيات السورة في الآية السابقة للرد على اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم بسبب ما ابتدعوه من الاعتقادات و الاحكام الباطلة، و ان ملّة ابراهيم (عليه السلام) هي الملة الحنيفية الواحدة التي لا شرك فيها من المبتدعات و أنه سبب اختلافهم، بل ان السياق في الآية الثانية بلحاظ الآيات السابقة عليها في السورة و المتعقبة لها فالخطاب موجّه لخصوص أهل الكتاب فالاستعمال فيها أيضا من اطلاق الوصف عليهم و ان كان من اطلاق العام على الخاص.

السادس: قوله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ، وَ مٰا تَفَرَّقُوا إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ لَوْ لٰا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتٰابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَلِذٰلِكَ فَادْعُ وَ اسْتَقِمْ كَمٰا أُمِرْتَ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنْ كِتٰابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللّٰهُ رَبُّنٰا وَ رَبُّكُمْ لَنٰا أَعْمٰالُنٰا وَ لَكُمْ أَعْمٰالُكُمْ لٰا حُجَّةَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ اللّٰهُ يَجْمَعُ بَيْنَنٰا وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (2).

و نقلنا الآيات المتقدمة و المتعقبة لقوله تعالى كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ليتضح أن المراد بهم بحكم السياق هو أهل الكتاب أو ما يعمهم، حيث ان التفرق المذكور نظير قوله تعالى وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، كما يشير إلى ذلك أيضا بقية الآيات المتعقبة بصراحة حيث ورد نظيره فيهم في آيات أخرى و يشير إلى ذلك أيضا بدء الآيات بذكر الشرائع السابقة و الأمر بعدم التفرق.

و إلى ذلك ذهب الطبري من العامّة في تفسيره حيث قال: يقول تعالى ذكره و ما‌

____________

(1) الميزان 2/ 202.

(2) سورة الشورى آية 15.

51

..........

____________

تفرق المشركون باللّه في أديانهم فصاروا أحزابا الا من بعد ما جاءهم العلم بأن الذي أمرهم اللّه به و بعث به نوحا هو اقامة الدين الحق و ان لا تتفرقوا فيه.

و هذا هو الاقرب في مفاد الآية و ان اختلفت أقوال المفسرين في مرجع الضمير و وحدة السياق كثيرا فلاحظ، و هو ناشئ من تفسيرهم للفظة بخصوص أصحاب الوثن.

و ممن يظهر منه تفسيرها بما يعم أهل الكتاب تفسير الجلالين و البيضاوي حيث فسرا الآية بأنه عظم على المشركين ما تدعوهم إليه من التوحيد و ما تفرقوا- أي الأمم السالفة و الكافرين- إلا من بعد ما جاءهم العلم بالتوحيد، و هو قريب كما تقدم حيث ان من أهم ما دعا إليه (صلى الله عليه و آله و سلم) أهل الكتاب الانتهاء عن القول ببنوّة عيسى و عزيز (عليه السلام) و التثليث إذ التوحيد أصل في الشرائع السابقة كما تشير إليه الآيات.

اطلاق الشرك عليهم في الروايات و قد ورد الاطلاق عليهم في الروايات أيضا بما يعزز و يشهد لاستعمال المشركين في التعبير القرآني بما يشمل أهل الكتاب في ما أخذ ذلك العنوان موضوعا لحكم في بعض الموارد منها:

الاولى: موثق الحسن بن الجهم، قال: قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «يا أبا محمد ما تقول في رجل تزوج نصرانية على مسلمة؟ قال: قلت: جعلت فداك و ما قولي بين يديك؟ قال:

لتقولنّ فان ذلك يعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج النصرانية على المسلمة و لا غير مسلمة، قال:

و لم ... قلت: لقول اللّه عز و جل وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ قال: فما تقول في هذه الآية وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ قلت: فقوله وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ نسخت هذه الآية فتبسم ثم سكت» (1).

____________

(1) الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر باب 1 حديث 3، 7.

52

..........

____________

فإنّه يظهر جليا معهودية استعمال اللفظة في المعنى العام الشامل، كما يظهر من الرواية أنّ فهم العامّة الخاطئ لآية المائدة في حل طعامهم و نكاحهم بعد إشعار الأجر فيها بالعقد المنقطع، هو الذي أوجب مصيرهم إلى حلية ذبائحهم و نكاحهم الدائم.

الثانية: صحيح الحلبي (1)- المعدودة من طائفة التقية- التشريك في نفي البأس عن ذبيحتهم و نسائهم، و النسخ في الرواية ليس بمعناه الاصطلاحي، بل بالاصطلاح القرآني و الروائي العام الشامل للتخصيص، و إلا فآية الحل من المائدة التي هي من آخر السور نزولا فلا تكون منسوخة بالمعنى الاصطلاحي.

و كرواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه منسوخ بقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ و بقوله وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ (2).

الثالثة: ما رواه النعماني باسناده عن علي (عليه السلام) قال: «و أمّا الآيات التي نصفها منسوخ و نصفها متروك بحاله لم ينسخ و ما جاء من الرخصة في العزيمة فقوله تعالى وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ ... و ذلك أن المسلمين كانوا ينكحون في أهل الكتاب من اليهود و النصارى و ينكحونهم حتى نزلت هذه الآية نهيا أن ينكح المسلم المشرك أو ينكحونه ... الحديث» (3).

الرابعة: صحيحة منصور بن حازم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مجوسي أو مشرك من غير أهل الكتاب كانت تحته امرأة فأسلم أو أسلمت ... الحديث» (4).

الخامسة: كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كل ذبيحة المشرك إذا ذكر اسم اللّه عليها و أنت تسمع، و لا تأكل ذبيحة نصارى العرب» (5)، فانّه ظاهر أنّ المراد من المشرك في الرواية هو خصوص أهل الكتاب و استثناء نصارى العرب لعدم كونهم في‌

____________

(1) الوسائل: أبواب الذبائح باب 27 حديث 34.

(2) الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر باب 1 حديث 3، 7.

(3) المصدر: باب 2 ح 6.

(4) المصدر: باب 9 حديث 3.

(5) الوسائل: أبواب الذبائح باب 27 حديث 32.

53

..........

____________

الأصل كذلك بل تنصروا فلا يقرّوا على ذلك.

و كرواية الزهري عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «لا يحلّ للأسير أن يتزوج في أيدي المشركين مخافة أن يلد له فيبقى ولده كفارا في أيديهم ... الحديث» (1) المراد منه خصوص أهل الكتاب أيضا، و إلا فالوثنيون لا يجوز نكاحهم من رأس.

السادسة: مصحح إسماعيل بن الفضل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سبي الأكراد إذا حاربوا و من حارب من المشركين هل يحل نكاحهم و شراؤهم؟ قال: نعم» (2) و التقريب كما سبق.

السابعة: صحيحة رفاعة النحاس قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): ان القوم يغيرون على الصقالبة و النوبة فيسرقون أولادهم من الجواري و الغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثمّ يبعثون إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شراؤهم و نحن نعلم أنهم مسروقون انما أغار عليهم من غير حرب كانت بينهم؟ فقال: لا بأس بشرائهم انما أخرجوهم من دار الشرك إلى دار الاسلام» (3)، و هذا قدر يسير يجد المتتبع موارد أخرى كثيرة.

و يتحصل من خصوص هذه القرينة و بعض ما تقدم أنّ إطلاق المشركين بهيئة الصفة على أهل الكتاب متعارف في الاستعمال القرآني و الروائي، و أنّه مع عنوان أهل الكتاب نظير عنواني المسكين و الفقير، إذا افترقا اتفقا في المعنى و إذا اجتمعا اختلفا في المعنى، خلافا لما يقال أنه خاص في الوثنيين.

كما يتضح بقوة من مجموع القرائن أن الموضوع في الآية عام لمطلق الكافر.

و أما الاشكال الثاني فاندفاعه ظاهر فان في العنوان ظاهر في الشرك الذي هو موضوع الاحكام المختلفة.

الآية الثانية الدالة على المختار الآية الثانية فيما استدل به على نجاسة الكافر مطلقا.

____________

(1) أبواب الجهاد ب 45 ح 2.

(2) الوسائل: أبواب الجهاد باب 50 حديث 1.

(3) المصدر: باب 50 حديث 6.

54

..........

____________

قوله تعالى فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ (1)، فإن الآية في سياق الخطاب مع الكافرين سواء غير المؤمنين به سبحانه أو بآياته، و أن الهداية في الايمان فينشرح الصدر و أن الضلال في الكفر فيضيق الصدر.

و الرجس في الأصل لغة النتن و القذر، و قد يطلق على العذاب أو الشيطان و نحوه للمناسبة، و قد فسّر في الآية تارة بالشك كما هو مروي أيضا، و أخرى بالشيطان، و ثالثة بالعذاب، و رابعة بما لا خير فيه، و خامسه بضيق الصدر أو الضلال و غير ذلك.

لكن الأوّل لا ينافي الدلالة على القذارة لانه من اطلاق المسبب على السبب، إذ الشك موجب للكفر الموجب للنجاسة، و أمّا الثاني فلا شاهد له في السياق إذ لم يتقدم له ذكر و لا حديث عنه، و أمّا الثالث فلا شاهد له أيضا إذ ليست الآية في مقام الوعيد و جزاء الآخرة، بل بيان آثار الكفر في الظرف الحال الدنيوي، كما أن الاستعلاء له على اللذين لا يؤمنون يفيد الاحاطة و هو انما يناسب المعنى الاصلي للفظة و هو القذارة لمجموع الروح و البدن، و منه يتضح عدم مناسبة تفسيره بخصوص الخامس، و يتضح تطابق مفادها مع الآية السابقة في المبالغة في قذارة الكافرين.

آيات موهمة للطهارة ثمّ أنّه اعترض على الاستدلال بالآيتين المتقدمتين بقوله تعالى الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (2)، بتقريب أن اطلاق الطعام شامل للمطبوخ (3) الذي هو ملاق لأبدان أهل الكتاب في العادة فيدل على طهارتها.

____________

(1) الانعام/ 125.

(2) المائدة/ 5.

(3) ذكر في التبيان ج/ 2 444 أنّ الاطلاق اختاره جماعة منهم مجاهد و ابراهيم و ابن عباس و قتادة و السدي و الضحاك و ابن زيد و أبو الدرداء و به قال الطبري و الجبائي و البلخي و غيرهم، و قال ابن العربي في أحكام القرآن ج 2/ 41 أنه أحد القولين عندهم في الآية.