سند العروة الوثقى - كتاب الطهارة - ج4

- الشيخ محمد السند المزيد...
464 /
7

الجزء الرابع

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة فصل في الوضوء و أحكامه و شرائطه]

[تتمة فصل في شرائط الوضوء]

[الثالث عشر: الخلوص]

الثالث عشر: الخلوص (1)، فلو ضمّ إليه الرياء بطل (2) سواء كانت القربة مستقلة و الرياء تبعا أو بالعكس أو كان كلاهما مستقلا

____________

(1) كما في الكثير من الكلمات، و هل الشرط الخلوص أو المانع الرياء، و على الأول يحتمل التعميم و الاحتراز عن غير الرياء من الضمائم في النية مما لم تكن راجحة، كما انّه قد يثمر في فرض الشك على تقريبه كما يأتي، و يدلّ عليه اجمالا قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1) و قد تقدم في صدر البحث عموم عنوان العبادة لكل من الاعتقاد و الفعل الجارحي، و قوله تعالى فَاعْبُدِ اللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) و غيرها من آيات الأمر بالاخلاص في العبادة. و قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (3). و تفصيل الحال في الشرطية و المانعية سيأتي في الضمائم.

(2) كما ذهب إليه المشهور بل حكى عليه الاجماع اجمالا عدا المرتضى في ظاهر عبارته معللا بأن نفي القبول في الروايات أعم من البطلان، و هذا لو حصر وجه البطلان به، مع انّ كونه شركا لو تمّ حقيقة لكان مقتضى القاعدة البطلان، و تنقيح الحال بذكر أمور:

الأول: الرياء إراءة الناس خصال الخير لطلب المنزلة و الجاه في قلوبهم و نحوه السمعة التي هي عن طريق اسماعهم بدل الاراءة، و قد يعلل بطلب مديحهم أو إصابة نفع منهم، و قد يجعل دفع ذمهم غاية له أيضا، و هو قد يكون بآلة الدين أو الدنيا، كقوله تعالى وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ

____________

(1) البيّنة/ 5.

(2) الزمر/ 2.

(3) الكهف/ 110.

8

..........

____________

النّٰاسِ (1) فيخرج من حدّ التعريف السرور باطلاع الناس على توفره على حصال الخير بعد ما لم يكن ذلك بطلب منه. كما في قوله تعالى وَ اجْعَلْ لِي لِسٰانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (2) و في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يعمل الشي‌ء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك؟ قال: لا بأس، ما من أحد إلا و هو يحب أن يظهر له في الناس الخير، اذا لم يكن صنع ذلك لذلك» (3).

الثاني: لا خلاف في حرمة الرياء تكليفا، و قد عدّ في الكتاب و السنّة من الشرك كقوله تعالى وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (4) و قوله تعالى فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ* وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ (5) و إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا (6) و لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ (7) و وَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ رِئٰاءَ النّٰاسِ وَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ (8).

و في موثق مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) انّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) سئل «فيما النجاة غدا؟ فقال: انّما النجاة في ان لا تخادعوا الله فيخدعكم، فانّه من يخادع الله يخدعه، و يخلع منه الايمان، و نفسه يخدع لو يشعر، قيل له: فكيف يخادع الله؟ قال:

يعمل بما امره الله ثم يريد به غيره، فاتقوا الله في الرياء، فإنّه الشرك بالله، ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، و بطل أجرك، فلا‌

____________

(1) الانفال/ 47.

(2) الشعراء/ 84.

(3) ابواب مقدمات العبادات ب 15/ 1.

(4) الكهف/ 110.

(5) الماعون/ 4- 7.

(6) النساء/ 142.

(7) البقرة/ 264.

(8) النساء/ 38.

9

..........

____________

خلاص لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له» (1).

و حسنة زرارة و حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله و الدار الآخرة و أدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركا و قال ابو عبد الله (عليه السلام): من عمل للناس كان ثوابه على الناس، يا زرارة كل رياء شرك، و قال (عليه السلام): قال الله عزّ و جل: من عمل لي و لغيري فهو لمن عمل له» و رواه كل من البرقي و الصدوق (2).

و موثق السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): ان الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به، فاذا صعد بحسناته يقول الله عزّ و جل: اجعلوها في سجّين، انّه ليس إياي اراد به».

إلا انّ متعلّق الحرمة هل هو العبادة بالمعنى الأخص أو الأعم أو مطلق الأعمال التي يثاب عليها، مقتضى عنوان العمل و الثواب و ان كان الثالث، إلا ان مقتضى عنوان الشركية الاختصاص بالعبادة، نعم قد يفرّق بين متعلّق الثواب و الحرمة، فيلتزم فيه الثالث و يلتزم فيها الثاني. ثم انّ مقتضى ما سيأتي من كون الرياء كليا مشككا في الخفاء و الجلاء، اختلاف حرمته شدة و ضعفا، مضافا الى اختلافها بحسب مورد الرياء و متعلقه.

الثالث: مقتضى القاعدة قد يقرّب فيه البطلان في الجملة حيث انّ الرياء يضادد العبادية لله تعالى بمقتضى واحدية الباري تعالى، فإن مقتضاها نفي الندّ و الشريك، فالخضوع للواحد الأحد، لا يلتئم مع توظيف الخضوع لغيره، فالامتناع ليس من ناحية الإسناد أو العبادية، كي يقال بصحة الإسناد إذا فرض انّ الداعي الالهي مستقل في التأثير سواء كان الداعي الاخر مستقلا أو تبعا، بخلاف ما لو لم يكن مستقلا، بل من ناحية المعبود الواحد الأحد فمن ثم كان الخلوص في عبادته تعالى ليس شرطا‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 11/ 16.

(2) ابواب مقدمات العبادات ب 11/ 11.

10

..........

____________

زائدا على أصل الأمر التعبدي، و من ثم كان كل الرياء شركا، نعم في شركية الرياء نحو خفاء لكنها تتضح بالتدبر العقلي، حيث انّ توظيف الخضوع له تعالى و التقرب منه للتقرب من غيره، أو للطمع في ثواب الغير أو الخوف من عقاب الغير، مقتضاه ذلك، نعم حيث كان الرياء على درجات عديدة منه ما هو جلي و ما هو خفي و أخفى يدقّ بحسب أنواع و انحاء العلائق بالاغيار، اشارت إليها الآيات و الروايات و الأدعية الواردة منهم (عليهم السلام)، و شرحتها علوم تهذيب النفس، و عظم الابتلاء به و إليه الاشارة في قوله تعالى وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ (1) و شبّه خفاءه في الحديث النبوي بحركة النمل الأسود على الصخرة الصلدة الصماء السوداء في الليلة المظلمة، و حيث كان مفهومه كذلك كان الحكم العقلي المزبور في الجملة، هذا مضافا الى ما سيأتي في الضمائم من تقريب بطلان العبادة بالضميمة المباحة فضلا عن المحرمة اذا كانت مستقلة في الداعوية و ان كان الداعي الإلهي مستقلا أيضا.

الرابع: يستدل للبطلان بالأدلّة الخاصة بعدّة وجوه:

منها: ما تقدم من اعتبار الخلوص في العبادة، و الشركة بالرياء تنافيه كما تقدم بيانه.

و منها: حرمة العمل العبادي حيث انّه الآلة التي يتحقق بها فعل الرياء، بمعنى انطباقه عليه، كما تقدم في تعريفه، و ان بنى على تعريفه بطلب الجاه و المنزلة في القلوب بمرآة الناس، و انّه من أفعال القلوب، فلا ريب انّ الفعل الجارحي هو الآلة و الاداة التي بها يتحقق و هذا هو ظاهر الروايات الدالّة على الحرمة، كما في موثق السكوني المتقدم بجعل العمل الريائي في سجّين و في حسنة زرارة و حمران تحقق الشرك بإتيان العمل بذلك الداعي، بل لو بنى على حرمة القصد و النيّة لاستلزم حرمة‌

____________

(1) يوسف/ 106.

11

..........

____________

العمل أيضا، لما حرر في بحث التجري من انّ ابرازه اشتداد في الجرأة و الهتك لساحة المولى، فكيف بما هو بمنزلة الشرك.

و منها: ما في بعض الروايات من إضافة العمل الريائي لغيره تعالى، الظاهر في بيان انتفاء العبادية و انقطاع الاضافة له تعالى، كما في حسنة زرارة و حمران المتقدمة التي رواها البرقي في المحاسن و الصدوق في ثواب الأعمال «من عمل لي و لغيري فهو لمن عمل له».

و في صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يقول الله عزّ و جل: أنا خير شريك، فمن عمل لي و لغيري، فهو لمن عمله غيري» (1). و قيل في بعض نسخ الوسائل «كمن عمله غيري» أي لغيري، و على التقدير الأول للنسخة مفادها قطع الاضافة له تعالى و تمحض الاضافة لغيره، بقرينة خيرية الشريك، بجعل العمل كله للغير، و هو مقتضى المقابلة أيضا بين الشرط و الجزاء. و هذا التقريب يتحد لبّا في الثبوت مع التقريب الأول.

و منها: ما في المستفيض من الروايات (2) من نفي القبول للعمل بقول مطلق بسبب وصف فيه مقتضاه البطلان، لأن صحّة العمل العبادي لا تنفك عن ادنى درجة من درجات القربة و الطوعانية، فإذا نفي القبول بكل درجاته لوصف ملابس للعمل، كان ذلك بمثابة مانعية الوصف عن الصحة، فلا ينقض هذا التقريب بنفي القبول في بعض الاعمال لارتكاب عمل آخر أجنبي كما ورد في شارب الخمر انّه لا تقبل صلاته و نحو ذلك، فإنه للعمل الآخر أجنبي فيحمل على نفي القبول في بعض‌

____________

(1) أبواب مقدمات العبادات ب 12/ 7.

(2) ابواب مقدمات العبادات ب 11- 12.

12

و سواء كان الرياء في أصل العمل أم في كيفياته (1)

____________

درجاته، و أما قوله تعالى إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (1) و عن الأمير (عليه السلام) في النهج «لا يقلّ عمل مع التقوى، و كيف يقلّ ما يتقبل؟»، فمحمول على ذلك بعد دلالة الأدلّة الكثيرة على المجازاة على كل عمل صغير أو كبير، بعد فرض واجديته لشرائط الصحّة التي منها ولايتهم (عليهم السلام).

ثم انّ الظاهر إرادة هذه المعنى مما استدلّ به على البطلان بنفي القبول بأن عدم القبول في مقام المولوية و الآمرية يفيد عدم الصحّة و المانعية، أي انّه من مقام التشريع ثم انّ مقتضى ما تقدم من الوجوه في دلالة الروايات شمول اطلاقها لكل الصور الأربع المذكورة في المتن، بل انّ حسنة زرارة و حمران المتقدمة نص في العموم، و في رواية علي بن سالم- و هو البطائني كما هو المنسبق- قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشريك، فمن اشرك معي غيري في عمل لم اقبله إلا ما كان لي خالصا» (2).

و في رواية أبي بصير الآتية في الرياء الواقع في الكيفية دلالة على المقام كما لا يخفى. هذا فضلا عمّا ذكرناه في مقتضى القاعدة في خصوص الرياء من مضادته لعبادة الواحد الأحد، و فضلا عمّا سيأتي في الضمائم من بطلان العبادية في ثلاث صور من الأربع المذكورة في المتن و أما في صورة استقلال الداعي الالهي و تبعية الرياء فللبطلان وجه كما يأتي.

(1) و هي تنقسم الى ما يكون متحدا مع الماهية الواجبة أو ما يكون جزءا ندبيا فيها أو ما يكون خارجا عنها، أما الأول فيوجب البطلان لامتناع التقرب بالحرام أو اجتماع الواجب معه، مثل تحسين الصوت في القراءة و الاذكار إراءة للآخرين، و إطالة‌

____________

(1) المائدة/ 27.

(2) ابواب مقدمات العبادة ب 12/ 11.

13

أم في اجزائه (1)

____________

السجود و الركوع، و امّا الثالث فلا يضرّ بالماهية الواجبة اذا لم تعتبر الكيفية من الأجزاء المستحبة للماهية الواجبة، بأن اعتبرت من المستحبات المستقلة التي ظرفها الواجب قبل أو بعد أو في الأثناء كما في تعقيبات الصلاة فكونها حينئذ أجنبي عن وجود الواجب، أما الثاني فيأتي.

(1) و هو على نحوين فتارة ينوي الرياء في الجزء من قبل الخوض في العمل فينوي العمل بما فيه الجزء الذي يراد ايقاعه بخصوصه رياء، و أخرى يبدو له في الأثناء ايقاع الجزء رياء، فأمّا الصورة الأولى فهو كالرياء في أصل العمل و مجموعه، حيث ان مجموع ماهية العمل قد اشترك في الدعوة إليه كلا من الداعي القربي الصوري و الداعي الريائي، و ان كانت دعوة الرياء الى بعضه.

و بعبارة أخرى: ان الاجزاء الأولى المتقدمة على الجزء الريائي يشترط في القصد إليها أن تكون ضمن مجموع الماهية بنيّة خالصة من الرياء، فلا يتوهم ان المقام من قبيل نيّة القاطع في العمل الارتباطي و هي غير مضرة. و أمّا الصورة الثانية فقد تكون اجزاء العمل غير قابلة للتبديل كما في الصوم فانّه إذا نوى بعض الاجزاء رياء فانّه غير قادر على تبديله بنيّة غير ريائية، و اخرى تكون قابلة للتبديل، و هي اما في فرض اخلال الزيادة العمدية في ماهية المركب كالصلاة و الطواف أو مع عدم الاخلال كالوضوء و الحج بلحاظ أكثر أجزاءه، أما الشق الأول غير القابل للتبديل فيلزم البطلان لأنه اوقع الجزء رياء و لا يتبدل بغيره، و أما الشق الثاني فيلزم البطلان من جهة الرياء لو اكتفى بالذي أتى به أولا و لو أعاد فكذلك من جهة الزيادة العمدية و قد يقرّب البطلان في الاعادة من جهة أن العمل الارتباطي الذي فيه الزيادة، و ان افترضنا ان الزيادة غير مضرّة فيه الا إن الاعادة و التبديل لا تخرج المأتي به أولا رياء عن مجموع‌

14

..........

____________

العمل و لو بنحو المشخصات الفردية غاية الأمر انّ هذه الزيادة من حيث الزيادة- على الفرض- غير مضرة، فعدم اضرارها لا يعني حذفها من المجموع، و كون الماهية لا بشرط لا يقتضي ذلك، و لا يقتضي انقلاب الشي‌ء عما وقع عليه فتأمّل، فانّه لو تم هذا التقريب لاقتضى البطلان في الشق الثالث أيضا الا ان يخصص بماله هيئة اتصالية و اكوان متخللة كالصلاة و الطواف بخلاف الوضوء و الحج و ان كان لهما موالاة بين أجزائهما.

و أمّا الشق الثالث فقد تقرّب الصحّة بأن الاعادة بنيّة خالصة عن شوب الرياء يصحح العمل فيعيد جزء الوضوء كغسل اليد و جزء الحج كالطواف، و تتم الاجزاء المطلوبة على الشرائط و فساد الجزء المبدل لا يخلّ بعد عدم احتسابه من المركب و صحّة البدل بعد عدم المنع من الزيادة، هذا و قد يتأتى وجه البطلان المتقدم من أن تبديل الجزء لا يحذفه من المركب و لا يخرجه عنه و الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه، و امّا صحّة الوضوء فيما لو أبدل بعض الاجزاء الواقعة فاسدة بغير الرياء فلعدم ابطال الزيادة، أي ان اشتمال مجموع العمل على المبدل الفاسد الزائد لا ضير فيه، و كذا الحال في موارد تبديل الامتثال في الجزء، و هذا بخلاف اشتمال المجموع على الجزء الريائي فانّه مبطل له لا من جهة الزيادة، بل من جهة الرياء و حرمته الخاصة لا بمجرّد انّه حرام، و يمكن تقريب البطلان ببيان اخر و هو انّ طروّ نيّة الرياء في الأثناء و ان تعلقت بخصوص الجزء، لكن لما كان الجزء ارتباطيا فيؤول الى تبدل نية المجموع المتضمن للرياء و بعبارة اخرى انّ الاجزاء و ان كان أبعاضا متدرجة إلا انّ النيّة ليس تتبعض الى اجزاء، و المفروض انّها أمر وحداني بسيط موجب لتبدل صورة ما وقع من الاجزاء السابقة.

15

..........

____________

كما قد يستدل للبطلان بحسنة زرارة و حمران المتقدمة «و أدخل فيه رضى أحد من الناس» بشموله للمقام لعموم الظرفية لكل من كون الداعي الريائي جزءا من مجموع الداعي لأصل العمل مجموعا، أو لكون الداعي الريائي داعيا الى خصوص الجزء لا لأصل العمل.

و بعبارة أخرى: قد تقدم انّ نيّة الرياء في الجزء على نحوين تارة قبل اتيانه و بدأه في أصل العمل، و أخرى يبدو له في الأثناء، و من الواضح صدق الظرفية في النحو الأول، فكذلك فيما بدا له في الأثناء، لأنه على النحو الثاني أيضا يصدق ان الرياء جزء الداعي أيضا.

نعم قد يشكل بأنّ دلالة الرواية على البطلان متوقفة على عدم إعادة الجزء بداعي صحيح، اذ في فرض الاعادة الصحيحة، يخرج الجزء الريائي عن العمل كما يخرج داعيه عن داعي مجموع العمل، و فيه انّ البطلان المدلول عليه في الرواية هي البطلان الفعلي الحاصل بمجرّد وقوع الجزء الريائي في ضمن العمل و ليس بطلانه تعليقيا على انضمام بقية الأجزاء اللاحقة، شأنه شأن بقية المبطلات التي قد ورد التعبد بها.

و برواية أبي بصير قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يجاء بالعبد يوم القيامة قد صلّى فيقول: يا ربّ قد صليت ابتغاء وجهك، فيقال له: بل صليت ليقال: ما أحسن صلاة فلان، اذهبوا به الى النار» (1) بتقريب انّ الحسن في الصلاة يقع في الكيفية المستحبة و هي من الجزء المستحب فإذا أوجبت البطلان فبطريق أولى في الجزء الواجب، و لا أقل من المساواة حيث انّ المركب في ما نحن فيه كالوضوء حيث لا يضرّ فيه الزيادة في‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادة ب 12/ 10.

16

بل و لو كان جزءا مستحبا (1) على الأقوى

____________

الجزء الواجب، كذلك لا يتقوم بالجزء المستحب، فهما سيّان. إلا أن للتأمل في الدلالة مجال، حيث انّ الكيفية المحرمة متحدة مع الأجزاء الواجبة في الفرض.

و يمكن دفعه بأن ظاهر الرواية البطلان من جهة الرياء لا من جهة اجتماع الواجب و الحرام، مضافا الى ما ذكرناه من انّ الجزء الفاسد المبدل لا يخرج عن مشخصات العمل كما هو الحال في الجزء المستحب كما يأتي.

و نظير دلالتها موثقة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

ثلاث علامات للمرائي: ينشط اذا رأى الناس، و يكسل اذا كان وحده، و يحب أن يحمد في جميع أموره» (1) و رواه الصدوق بطريق آخر.

(1) و هو تارة يكون ظرفه العمل الواجب، و اخرى يكون من خصوصياته و مشخصاته و هو أيضا بنحو الكيفية و الشرط و أخرى بصورة الجزء، أما الأول فمن الواضح انّه أجنبي عن المركب فلا وجه لسراية بطلانه إليه، كالدعاء في الاعتكاف، و الدعاء في الموقفين في الحج، أما الثاني فمع اتحاده بالجزء الواجب لا ريب في بطلانه لاجتماع المأمور به مع المنهي عنه، و أما مع عدم الاتحاد فهو كالثالث و ذهب أكثر محشي المتن الى عدم بطلان المركب الواجب ببطلان الجزء المستحب، و قد بنوا ذلك على القول بأن الجزء المستحب غير مشخص للمركب و انّما المركب ظرفه، أو ان المركب و ان تخصص بالمستحب إلا انّ غاية تحريمه هو اعتباره بمنزلة العدم، أي عدم حدوث الخصوصية الموجبة للامتياز، و هي المندوبة لا التي تقع محرمة، و الفرض انّ اتّحاده مع المركب بنحو التركيب الانضمامي، لا الاتّحادي.

و الصحيح كما حرر في محلّه امكان جزئية المستحب في المركب الواجب لا‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 13/ 1.

17

و سواء نوى الرياء من أول العمل أو نوى في الأثناء (1) و سواء تاب منه (2) أم لا فالرياء في العمل بأي وجه كان مبطل له لقوله تعالى على ما في الأخبار «أنا خير شريك من عمل لي و لغيري تركته لغيري» هذا و لكن ابطاله انّما هو اذا كان جزء من الداعي على العمل و لو على وجه التبعية و أما (3)

____________

بمعنى تقوم الماهية به، بل من عوارض الوجود و يكون الوجود متحيث بطبيعة الواجب و عوارض المستحب، كما في الجوهر ذي العوارض أو عوارض العرض، و على هذا فيتخصص المركب به، و حينئذ ان اقتصر في مدلول الروايات الواردة في الرياء على مجرّد التحريم، أو استفادة البطلان في مجرّد الجزء الذي أتى به رياء دون ما وقع ملابسا له، فيتم القول بالصحّة، و أما مع ما تقدم من دلالة الروايات الأربع على بطلان العمل المشتمل على الجزء الريائي أو الكيفية الريائية فيتم ما في المتن.

(1) أمّا اذا كان متعلّق الرياء مجموع العمل فالتسوية ظاهرة، و أما اذا كان متعلقه جزءا بخصوصه فقد تقدم أن نيّته من أول العمل مندرج في نيّة الرياء بالمجموع، لكون المنوي متصفا و لو بلحاظ بعضه بذلك، و كذا الحال في ما عرض في الأثناء و تعلّق بخصوص جزء لعدم تبعض النيّة بحسب الأجزاء فتنقلب في الفرض عمّا كانت عليه الموجب للإخلال فيما تقدم، مضافا الى ملابسة الجزء الريائي للعمل و ان أبدل باتيان صحيح آخر، و خصوص دلالة الروايات.

(2) وقوع التوبة لا يوجب اعدام عنوان الرياء الواقع سابقا، و المأخوذ مبطلا، غاية الأمر يسقط العقاب للندم، دون قبح ما وقع.

(3) قد تقدم في صدر البحث خروج السرور باطلاع الناس على توفره على الخير فضلا عن الخطور فإن ما يحصل به الانبساط النفسي، على درجات اذا اشتدّ يتشوق إليه حتى يصل الى الدعوة و التحريك، و إلا فمجرّد الفرح و الارتياح و السرور لا‌

18

اذا لم يكن كذلك بل كان مجرد خطور في القلب من دون أن يكون جزءا من الداعي فلا يكون مبطلا، و اذا شك (1) حين العمل في ان داعيه محض القربة أو مركب منها و من الرياء فالعمل باطل لعدم احراز الخلوص الذي هو الشرط في الصحّة، و أما العجب (2)

____________

يوجب التحريك، و تقدم اشارة صحيح زرارة الى ذلك.

(1) لا يحرز شرط الصحّة سواء بنى على انّه الخلوص أو داعي القربة المستقل، هذا لو كانت العبادية بأخذ الداعي كشرط، و الا لو أخذت كعنوان للعمل و ان الداعي محقق له فعدم الاحراز أوضح، و قد قيل بالتفصيل بين ما اذا أحرز وجود داعوية القربة المستقلة- أي لو انفرد لكان محركا للعمل- و شك في وجود داعوية الرياء المستقلة أو التبعية معه، و بين ما اذا شك في وجود الداعي الإلهي المستقل مع الداعي الريائي المستقل أو المنضم أو التبعي. باجراء أصالة العدم في الصورة الأولى لأن مقتضى العبادة محرز وجدانا و ما هو مانع يحرز بأصالة العدم، بخلاف الصورة الثانية حيث يشكك في أصل تحقق العبادية، و هذا التفصيل انّما يتم بناء على كون العبادية مجموع مركب من الداعي الوجودي و عدم المانع، و امّا بناء على أخذ الخلوص شرطا أو أخذ العبادية عنوانا، فلا يمكن احرازهما بالأصل العدمي في المانع، مضافا الى ما تقدم من انّ الخلوص من الرياء في عبادته تعالى بمقتضى نفس كون العبادة مضافة إليه تعالى، لا أنها شرط زائد أو من باب أخذ المانع.

و أما ما في معتبرة يونس بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قيل له و أنا حاضر: الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب، فقال: اذا كان أول صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلا يضرّه ما دخله بعد ذلك، فليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان» فمحمولة على الخطور أو دفع الوسوسة أو تقويم النية بتعليم دفع الموانع و المضادات.

(2) و هو الارتياح الى صفة في النفس أو عمل أتى به، و قد يعبر عنه باستعظام ما‌

19

فالمتأخر منه لا يبطل العمل (1) و كذا المقارن و إن كان الأحوط فيه الإعادة

____________

للنفس من صفة أو عمل، و هو ينطوي على الغفلة عن فقره و فاقته للباري، و ان هذه النعم هي منه تعالى ملك له قد يسلبها منه متى شاء، فيؤول الى تخيل الغنى و الاستقلال و هو يتخذ اشكالا و صور بحسب الموارد، و هو كبقية صفات النفس ذو درجات تشكيكية شدة و ضعفا، و بعضها تدقّ و تخفى كما تقدم في الرياء، فمن ثم اختلف ألسن الروايات (1) الواردة في حاله و حكمه فبعضها بلسان أنه مهلك و آخر أنه من ضعف العقل أو من حسّاد عقله، و في ثالث أنه جهل و في رابع أنه ذنب نظير مصحح يونس (2) و رواية أحمد بن أبي داود (3) و في خامس انّه موجب للفسق و في سادس ان المدل لا يصعد من عمله شي‌ء، و غيرها، فالأولى بلحاظ الدرجات الأولى منه أو الخفية و المتوسطة للمتوسط منه و الاخيرة للشديد. نظير الحسد و نحوه من الصفات الرذيلة، و ان كان هناك بينها فرق في أصل الحكم.

(1) و إن أبطل قبوله لا سيما بعض المراتب منه كالادلال و هو الامتنان بالعمل، أو طلب المجازاة بعنوان الاستحقاق، و لا يشكل بأن المانع من القبول- كما قد تقدم- مانع من الصحة كما في الرياء، اذ ذلك اذا كان من صفات العمل أو نيته الباعثة نحوه، و هذا بخلاف المقام، فانّه ليس من ملابسات العمل، و هو و إن أمكن انتزاع وصف من تعقبه للعمل بنحو الشرط المتأخر، إلا انّه محتاج الى دلالة الدليل، و نطاق الروايات الواردة لا يزيد عن عدم القبول ففي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال ابليس لعنة الله عليه لجنوده: اذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أبال ما عمل، فانّه غير مقبول منه: اذا استكثر عمله و نسي ذنبه، و دخله العجب» (4).

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 22- 23.

(2) ابواب مقدمات العبادات ب 23/ 3.

(3) ابواب مقدمات العبادات ب 23/ 10.

(4) ابواب مقدمات العبادات ب 22/ 7.

20

..........

____________

و نظيره صحيح أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): قال الله تعالى ... و لو أخلي بينه و بين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصيره العجب الى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله و رضاه عن نفسه، حتى يظن انّه فاق العابدين، و جاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد منّي عند ذلك، و هو يظن انّه يتقرّب إليّ» الحديث (1).

و الظاهر منهما وقوع العجب متأخرا الموجب لعدم القبول، و لعلّ الغالب في العجب وقوعه متأخرا، لأن سببه الاعجاب بما وقع منه، نعم يتصور مقارنا بعد حصوله بسبب الاعمال السابقة و ارادته الاقدام على اعمال جديدة لا حقة، بل يظهر من الصحيحة الثانية انّ العجب له نحو تعلّق بذات النفس، و هو كذلك كما تقدم في تعريفه، من انّه ارتياح أو استعظام النفس بلحاظ صفة أو عمل. و امّا صحيح علي بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن العجب الذي يفسد العمل؟ فقال: العجب درجات، منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه، و يحسب انّه يحسن صنعا، و منها ان يؤمن العبد بربّه، فيمنّ على الله عزّ و جل و لله عليه فيه المنّ» (2).

و يقرب منه رواية الصدوق باسناده عن النبي (صلى الله عليه و آله) عن جبرئيل- في حديث- قال:

«قال الله تبارك و تعالى: ما يتقرب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه و ان من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده» (3).

فأشكل على الأول باشتماله على العمل السيئ، فالفساد فيه بمعنى الدركات أو الحبط اذ المعنى المبحوث عنه في المقام غير متصور أيضا في الايمان بالله تعالى‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 23/ 1.

(2) ابواب مقدمات العبادات ب 23/ 5.

(3) ابواب مقدمات العبادات ب 23/ 17.

21

..........

____________

الذي يدور أمره بين التحقق و العدم، و على الثاني بأن الضمير يعود الى العبد العامل لا العبادة، و الصحيح انّ افساد العجب للنية في العبادة على حذو افساده للإيمان، حيث انّه كل منهما فعل قلبي نفساني يناقضه العجب لما تقدم من انّه منطوي على انكار نعم الله تعالى و افضاله و فقر العبد و فاقته، و هو شعبة من شعب الشرك و الكفر الخفي، نظير الرياء، و هو كما هو ظاهر الصحيح ذو درجات، شديد جلي و دقيق خفي و متوسطات بينهما، و ظهور بعض الروايات الواردة في مهلكيته لما يتسبب منه من حرمات كبرى كعدم توقير الله تعالى و الاستخفاف الراجع الى الجهل بمعرفته أو الكبر الذي هو كفر خفي، و غيره مما ينافي العبودية و حقيقة الربوبية، دال على قبحه على حد الفسق الصفتي في كون جذره أمر راجع الى الخلل في المعرفة و في كونه يتفرع عليه اعمال سيئة مبعدة نظير الحسد، فاذا افترض صدور العمل عن عجب، و استند إليه و كان متصفا به كما في بعض صور المقارن أو السابق، فصحته محل منع بعد اشتراط العبادة بكل من الحسن الفاعلي و الحسن الفعلي، و بعد عدم تلوّن الفعل بالعبودية، بل بما يضادها كالأنفة و الكبر نظير ما ورد في عبادة إبليس انّها كانت تنطوي على الكبر و لم تكن مقبولة، فالاعتراف بقبح العجب و دلالة الروايات على عدم القبول بسببه، يتدافع مع تصحيح العمل فيما لو فرض صدوره عنه كما في السابق أو المقارن في بعض الصور.

نعم اذ لم يكن صدوره متسببا عنه كما قد يقع كثيرا لا سيما في الأعمال التي هي تسبب حدوث العجب، لا العكس، لا يخلّ وقوعه في صحة العمل و ان أخلّ في قبوله، فالعجب كبر يضاد العبودية و الفقر و حقيقة معنى العبادة و يوجب زوالها و انقلابها الى كبر و استكبار، و هو كبقية الصفات و الحالات الرذيلة شدة و ضعفا،

22

و أمّا السمعة (1) فإن كانت داعية على العمل أو كانت جزءا من الداعي بطل و إلا فلا كما في الرياء فاذا كان الداعي له على العمل هو القربة إلا انّه يفرح اذا اطلع عليه الناس من غير أن يكون داخلا في قصده لا يكون باطلا لكن ينبغي للانسان أن

____________

و القدر المتيقن من المبطلية الدرجات الشديدة كما هو الشأن في العناوين التشكيكية، و يومي إليه صدر جوابه (عليه السلام) في الصحيح السابق أنه درجات جوابا للسائل عن الذي يفسد العمل مما يدلّ على انّ الافساد من بعض درجات و أقسامه.

في الجملة، و يدلّ على ذلك أيضا مصحح يونس بن عمّار المتقدم في العجب الذي يدخل نيّة الرجل في أثناء صلاته و هي و ان كانت محمولة على دفع الوسوسة أو عدم اخلال الخطور و نحوه ما لم يكن حيثية في النية، إلا أنها دالة بالاقتضاء على فساد الصلاة لو فرض صدورها بنية مخالطة للعجب، فتحصل التفصيل بين العجب المتأخر و بين المتقدم و المقارن فيما يفرض مخالطة للنيّة الباعثة على العمل غاية الأمر العجب كالرياء و غيرها من الصفات الرذيلة ذات درجات عديدة و القدر المتيقن من تقرير دلالة ما سبق هو الدرجات الجلية و الشديدة.

(1) إن فسرت بمعنى اطلاع الآخرين بغية الحصول على منزلة لديهم، فهي بمعنى الرياء غاية و ان اختلفت عنه في المبدأ و مقدمة اعلام الآخرين بفعله العبادي، و يدلّ عليه رواية القداح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال علي (عليه السلام): اخشوا الله خشية ليست بتعذير و اعملوا لله في غير رياء و لا سمعة، فإنّه من عمل لغير الله وكّله الله الى عمله يوم القيامة» (1) هذا مع شمول أدلّة بطلان الرياء الواردة بعنوان الشركة للسمعة.

و امّا ان فسّرت بمعنى دفع الريبة عن نفسه و التهمة عن اسمه، نظير ما ورد في روايات العدالة انّ بحضور صلاة الجماعة يحسن ظاهر المرء و يشهد له بالعدالة و نحو‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 11/ 10.

23

يكون ملتفتا فانّ الشيطان غرور و عدوّ مبين.

و أما سائر الضمائم (1) فإن كانت راجحة، كما اذا كان قصده في الوضوء القربة

____________

ذلك مما هو داعي راجح فحكمه ما يأتي من الضمائم الراجحة أو المباحة، و امّا الفرح و السرور عند اطلاع الغير على عبادته فما لم يصل الى درجة باعثة و داعية للعمل، فلا محذور فيه كما تقدم.

(1) و نسب الى المشهور التفرقة بين الضميمة الراجحة و غيرها فيما لو كان كل من الضميمة و الداعي القربي مستقلا في التحريك، و لعل الوجه في ذلك هو مضادة عنوان العبادية مع العنوان المتولد من داعي الضميمة المستقلة في التأثير في الفعل، و هذا بخلاف الضميمة الراجحة فانّها نحو من الطاعة لا يتنافى مع عنوان العبادة، بل يلائمه، و هذا في الداعي الضميمي المستقل أما في التبعي غير الراجح مع فرض استقلال الداعي القربي فصححوا العمل و كأنه لعدم تعنون الفعل به بعد عدم استقلاله في التأثير و ربّما يكون تأثيره في انتخاب الخصوصيات الفردية.

و قد يستشكل في مطلق الضميمة و لو بنحو التبعية، بأن مقتضى شرطية الخلوص هو انفراد الداعي القربي المستقل، كما انّ مقتضى عموم نفي الشركة في العبادة ذلك، لكن قد تقدم انّ الخلوص و الشرك عنوانان تشكيكيان بعض مراتبهما جليّة و اخرى متوسطة و ثالثة خفيّة و تدقّ في الخفاء كما هو مضمون الحديث النبوي المتقدم المشبّه له بدبيب النمل الأسود على الصخرة السوداء في الليلة المظلمة، و القدر المتيقن شرطيته من الخلوص أو مانعيته من الشرك هو الخلو من الرياء فضلا عمّا هو أشدّ منه، بل انّ في بعض روايات (1) الخلوص المتقدمة في بابه تفسيره بذلك.

هذا، و الصحيح انّ الضميمة تارة عرضية و أخرى طولية، و المثال المذكور في‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 8/ 4.

24

و تعليم الغير، فإن كان داعي القربة مستقلا و الضميمة تبعا، أو كانا مستقلين صح، و إن كانت القربة تبعا أو كان الداعي هو المجموع منهما بطل و إن كانت مباحة

____________

المتن من القبيل الثاني، و ذلك لما تقدم من انّ الأقوى وفاقا لظاهر المتقدمين تحقق العبادية بنفس قصد الفعل العبادي بعنوانه لاشتماله على الاضافة الذاتية كما تبيّن، و قصد الأمر و نحوه من الدواعي القربية زيادة في العبادية و تغليظا في لونها، و على ذلك فكل ضميمة داعية الى الفعل بعنوانه هي لا محالة طولية فلا تضرّ بصحّة العبادة، و ما ورد (1) من الدعوة للحق بتحسين العمل من هذا القبيل، و ان افترض عرضيتها لقصد الأمر و للدواعي القربية الأخرى، بخلاف ما اذا افترض داعويتها الى ذات الحركات الخارجية فإنها تكون في عرض الاضافة العبادية الذاتية في الفعل، و كون الضميمة مستقلة حينئذ يخلّ بالعبادية و لو كانت راجحة، لتضاد العناوين المتصادقة على الفعل بخلاف التبعية فانّها مندكة في العنوان العبادي و ان استشكل فيها أيضا عدّة من أعلام محشي المتن اذا كانت مؤثرة في أصل العمل لا في الخصوصيات الفردية و حكي عن ظاهر اطلاق جماعة من المتأخرين. و الاستدلال لصحّة الضمائم المستقلة بان اللازم على القول الآخر بطلان أكثر عبادات الناس عدا الاوحدي لانضمام الدواعي الاخرى مع القربي في عباداتهم، ممنوعة بأن أكثر الموارد امّا من الدواعي الطولية- بالمعنى المتقدم- و هي غير مخلّة أو من الدواعي للخصوصيات المفردة، أو الدواعي التبعية المندكة غير المستقلة و التمثيل بالامساك في الصوم في العلانية أمام الملأ، ليس في محلّه لأن مثل ذلك لا يدعو الى الامساك لمجموع الماهية ما بين الحدين مع انّه من الدواعي الطولية كما عرفت بالإضافة الى ذات الفعل العبادي بعنوانه ذي الاضافة الذاتية.

____________

(1) ابواب مقدمات العبادة ب 16.

25

فالأقوى انّها أيضا كذلك، كضمّ التبرد الى القربة لكن الأحوط في صورة استقلالها أيضا الاعادة، و ان كانت محرمة (1) غير الرياء و السمعة فهي في الابطال مثل الرياء، لأن الفعل يصير محرما فيكون باطلا. نعم الفرق بينها و بين الرياء انّه لو لم يكن داعيه في ابتداء العمل إلا القربة، لكن حصل له في الأثناء في جزء من الاجزاء يختص البطلان بذلك الجزء، فلو عدل عن قصده و اعاده من دون فوات الموالاة صح، و كذا لو كان ذلك الجزء مستحبا و ان لم يتداركه بخلاف الرياء على ما عرفت فانّ حاله حال الحدث في الابطال.

____________

(1) و هي أيضا تارة تكون عرضية و اخرى طولية و على كلا التقديرين فهي موجبة للبطلان لانطباق المحرم أما على ذات الحركات في الأول أو على الفعل بعنوانه في الثاني و مثال الأول كما لو كانت نفس حركات البدن في العبادة يحصل بها الفعل المحرم القصدي، و مثال الثاني كالصلاة فرادى في مكان أقيمت فيه الجماعة و كان ذلك يستلزم طعنا في امام الجماعة، نعم قد يستدرك على الماتن إلحاق ذلك ببحث حكم الضميمة الداعية، لأن البطلان لم ينشأ من الداعي بل من انطباق المحرم على الفعل الخارجي، سواء كان فعل الحرام غاية و مقصودا له أم لم يكن كذلك بل كان منه مجرّد التفات، فالأولى التمثيل بما اذا قصد بالفعل المقدمية و التوصل للحرام، فانّه و ان لم يكن الفعل مقدمة من المسببات التوليدية للحرام، و لم يكن مقدمة أخيرة أو لم نبن على حرمتها شرعا، إلا انّ الحرمة العقلية لقبح التجري موجبة للفساد لاشتراط الحسن الفاعلي في صحة العبادة.

و قد تقدم انّ الرياء الواقع في الجزء مبطل و لو أعاده صحيحا و كذا الواقع في الاجزاء المستحبة المفردة بالاستحباب الخاص، بخلاف الداعي المحرم اذا أعاده صحيحا فيما لو لم تكن الزيادة مبطلة، و كذا الحال في الجزء المستحب.

26

[مسألة 29: الرياء بعد العمل ليس بمبطل]

(مسألة 29): الرياء بعد العمل ليس بمبطل (1).

[مسألة 30: إذا توضأت المرأة في مكان يراها الأجنبي لا يبطل وضوؤها]

(مسألة 30): اذا توضأت المرأة في مكان يراها الأجنبي لا يبطل وضوؤها و ان كان من قصدها ذلك (2).

[مسألة 31: لا إشكال في إمكان اجتماع الغايات المتعددة للوضوء]

(مسألة 31): لا اشكال في امكان اجتماع (3) الغايات المتعددة للوضوء كما اذا كان بعد الوقت و عليه القضاء أيضا و كان ناذرا لمس المصحف و اراد قراءة القرآن و زيارة المشاهد كما لا اشكال في أنه اذا نوى الجميع و توضأ وضوءا واحدا لها كفى و حصل امتثال الأمر بالنسبة الى الجميع و انّه اذا نوى واحدا منها أيضا كفى عن الجميع و كان اداء بالنسبة إليها و ان لم يكن امتثالا إلا بالنسبة الى ما نواه، و لا ينبغي الاشكال في أن الأمر متعدد حينئذ، و ان قيل انّه لا يتعدد، و انّما المتعدد جهاته و انّما الاشكال في انّه هل يكون المأمور به متعددا أيضا، و ان كفاية الوضوء الواحد من باب التداخل

____________

(1) لعدم تناول الأدلّة السابقة له اذ هي بأسرها في الداعي المصاحب للعمل، و ما كان منها بعنوان الرياء فلا يصدق على الاظهار بعد العمل، لعدم تحقق الإراءة بنفس العمل و لم يكن داعيه كذلك، فلا يصدق الشرك في العبادة عليه، و امّا الروايات الواردة في خصوصه فلا دلالة لها على البطلان أيضا فصحيحة ابن دراج ظاهرها الكراهة لا الحرمة فضلا عن البطلان و رواية علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي جعفر (عليه السلام) من انّ العمل اذا ذكر مرّة يقلّ أجره و اذا ذكر ثانيا يكتب رياء، ففي مقام الجزاء لا الصحة و الفساد في نفس العمل، و لو حملت على الاحباط لدلّت على الحرمة و إن لم تدلّ على البطلان إلا أن يقال انّ الاحباط قد يقع بغير الحرام فتأمّل.

(2) لعدم اتّحاد الحرام و الواجب و من ثم لا يتوارد الداعيان على فعل واحد، فلا يخل داعيه بالقربة.

(3) اجتماع الغايات هل هو موجب لتعدد الوضوء أو الأمر به أو تعدد جهة الامر؟

27

أو لا يتعدد؟ ذهب بعض العلماء الى الأول، و قال انّه حينئذ يجب عليه ان يعين أحدها و إلا بطل، لأن التعيين شرط عند تعدد المأمور به، و ذهب بعضهم الى الثاني، و ان التعدد انّما هو في الأمر أو في جهاته، و بعضهم الى انّه يتعدد بالنذر و لا يتعدد بغيره و في النذر أيضا لا مطلقا بل في بعض الصور مثلا اذا نذر أن يتوضأ لقراءة القرآن

____________

و يبتني ذلك امّا على تعدد ماهية الوضوء بتبع الغاية، كما احتمل ذلك في تعدد سبب الحدث، أو على الالتزام بالوجوب الغيري أو عدم الالتزام بكل ذلك بل المتعدد هو مجرد موضوع الامر و هو ما أسميناه بعدم التداخل الصغير، في مقابل عدم تداخل المسببات أو الاسباب.

أما تعدد الماهية فقد تقدم في فصل غايات الوضوء عدمه، بلحاظ الغايات المأخوذ فيها رفع الحدث أي في القسم الأول من الوضوء الرافع، و كذا في القسم الثاني و هو التجديدي و القسم الثالث الرافع للكراهة دون الحدث، نعم بين الأقسام تباين في الاثر و الموضوع، و أما الوجوب الغيري، فالذي حررناه في مبحث المقدمة بما يقرب من مختار الميرزا النائيني أن الغاية ان أخذ فيها المقدمة شرطا- أي المقدمة الشرعية- فانّه ينبسط الوجوب المتعلق بالمركب على الشرط أيضا بتوسط تقيّد المركب بالشرط حرفيا، فينحلّ على القيد و الشرط وجوبا نفسيا ضمنيا حرفيا من الوجوب المجموعي، فيغاير الوجوب الضمني المتعلّق بالجزء فانّه اسمي، و الشرط في المقام هو الطهارة و هو مسبب توليدي عن الوضوء كما تقدم فيتعلّق به ما تعلّق بالطهارة، و بذلك يتم تصوير تعدد الوجوب النفسي الضمني الحرفي المتعلق بالوضوء بحسب تعدد الغاية، هذا اذا افترض أخذ الطهارة شرطا فيها، و قد تقدم انّه ليس كل الغايات من هذا القبيل.

نعم هذا التعدد في الوجوب و الامر النفسي الضمني الحرفي طارئ مندك مع‌

28

و نذر أن يتوضأ لدخول المسجد فحينئذ يتعدد و لا يغني أحدهما عن الآخر، فاذا لم ينو شيئا منهما لم يقع امتثال لأحدهما و لا اداؤه و ان نوى أحدهما المعين حصل امتثال و اداؤه، و لا يكفي عن الاخر، و على أي حال وضوؤه صحيح بمعنى انّه موجب لرفع الحدث، و اذا نذر ان يقرأ القرآن متوضئا و نذر أيضا أن يدخل المسجد متوضئا فلا يتعدد حينئذ و يجزي وضوء واحد عنهما و ان لم ينو شيئا منهما، و لم يمتثل أحدهما و لو نوى الوضوء لأحدهما كان امتثالا بالنسبة إليه و اداء بالنسبة الى الاخر، و هذا القول قريب.

____________

الأمر النفسي المتعلق بالوضوء على ما تقدم، و لا مانع من التعدد بمعنى التأكد و الاشتداد بل كانت الاحكام اعتبارية فلا امتناع للتعدد مع التمايز، و إن كانت بلحاظ الإرادة التشريعية تأكد هذا، اذا افترضنا ان الحكمين في عرض واحد لأن عنوان المقدمة حيثية تعليلية، و امّا لو بني على الطولية فالحال أوضح. و هذا التعدد في الأمر لا يوجب تعدد الوضوء لعدم قابلية المتعلّق للتكرر بعد كون رفع الحدث لا يتكرر.

فهو من تداخل الأسباب لا محالة في مقام التعلق في الذمّة.

و دعوى انّ المقدمة الواجبة لو كانت هي الموصلة لكان تعدد المأمور به لازما و ان حصل التداخل في المسبب في مقام الامتثال فممنوعة، لأن التوصل في طبيعة المقدمة المطلوبة متأت من الطبيعة الواحدة للوضوء، و ليس بين موصلية المقدمة لغاية مضادة و لا تباين مع موصليتها لغاية أخرى كي يتعدد العنوان أو الحصص و إلا لما كان هناك تداخلا في المسببات أيضا.

و على ما تقدم، فاذا نوى الأمر النفسي الندبي فيكون اداء للامر النفسي الضمني الحرفي المنحلّ من الغايات و قد تقدم تصوير الأداء و الامتثال في الأمر التعبدي و انّه نحو من التوصلية و التعبدية المضاعفة في الأمر التعبدي، فيتقرر ما ذكره الماتن.

29

[مسألة 32: إذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت و في أثنائه دخل]

(مسألة 32): اذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت و في أثنائه دخل لا اشكال في صحته، و انّه متصف بالوجوب باعتبار ما كان بعد الوقت من أجزائه، و بالاستحباب بالنسبة الى ما كان قبل الوقت، فلو أراد نية الوجوب و الندب نوى الأول بعد الوقت و الثاني قبله (1).

____________

و أما التعدد بالنذر فبحسب قصد الناذر اذا أراد تخصيص كل غاية بفرد من الوضوء مختص بها، و حينئذ لا بد أن يكون قصده من ذلك الوضوء الأعم من الرافع للحدث أو التجديدي و إلا لما كان نذره مطلقا فيما لو خصص الوضوء بالرافع كما تقدم في فصل غايات الوضوء.

(1) قد عرفت انّ الحكم الندبي لا ينتفي بطرو الوجوب الشرطي ذاتا بل و لا حدا لأن الاشتداد و الاندكاك في الإرادة و الطلب التشريعي لا في الاحكام الاعتبارية و ان كان المتعلّق واحدا لكون عنوان المقدمة حيثية تعليلية نظير اجتماع الحكم الطبعي و الحكم الفعلي على المتعلّق و الذات الواحدة كالماء فانّه جائز الشرب طبعا في فبال الخمر، و حرام لأنه ملك الغير، و كاللحم المأكول و يحرم تناوله لملكية الغير له، هذا اذا بنى على عرضية الحكمين و إلا فالاجتماع اوضح، و منشأ الاشكال عند المتأخرين كالفاضل و جماعة هو بناؤهم على التضاد في الاحكام أو ان مشروعية عبادية الوضوء آتية من ذي المقدمة، فيستشكل حينئذ في كون متعلّق واحد محلا لتوارد حكمين متضادين لا سيما و انّه بلحاظ أبعاضه، فان بعض المتعلّق لا يتعلّق به الحكم أو لا يقع مصداقا لما هو طبيعة المتعلّق، نظير من بلغ أثناء الصلاة في الوقت لا سيما و ان اللازم في الامتثال للامر العبادي ان يكون حدوثيا بخلاف الحال في الحج الندبي فانّه و ان وجب اتمامه بمجرّد الشروع إلا انّ حكمه الطبعي هو الندب نظير نذر اتمام العمل المندوب في الاثناء، لكن المقام نظير الحج الندبي لا المثال‌

30

[مسألة 33): إذا كان عليه صلاة واجبة أداء أو قضاء، و لم يكن عازما على إتيانها فعلا]

(مسألة 33): اذا كان عليه صلاة واجبة أداء أو قضاء، و لم يكن عازما على اتيانها فعلا، فتوضأ لقراءة القرآن، فهذا الوضوء متصف بالوجوب، و ان لم يكن الداعي عليه الأمر الوجوبي، فلو أراد قصد الوجوب و الندب لا بد أن يقصد الوجوب الوصفي و الندب الغائي، بأن يقول: أتوضأ الوضوء الواجب امتثالا للأمر به لقراءة القرآن، هذا و لكن الأقوى ان هذا الوضوء متصف بالوجوب و الاستحباب معا و لا مانع من اجتماعهما (1)

[مسألة 34: إذا كان استعمال الماء بأقل ما يجزي من الغسل غير مضر و استعمال الأزيد مضرا]

(مسألة 34): اذا كان استعمال الماء بأقل ما يجزي من الغسل غير مضر و استعمال الأزيد مضرا يجب عليه الوضوء كذلك، و لو زاد عليه بطل، إلا أن يكون استعمال الزيادة بعد تحقق الغسل بأقل المجزي (2)، و اذا زاد عليه جهلا أو نسيانا لم يبطل، بخلاف ما لو كان أصل الاستعمال مضرا و توضأ جهلا أو نسيانا، فانّه يمكن الحكم ببطلانه، لأنه مأمور واقعا بالتيمم هناك بخلاف ما نحن فيه.

____________

الأول، و ليس ما هو مقدمة و شرط للصلاة هو الوضوء أو الطهارة الحدوثية بل يعم البقائية.

(1) ما تقدم في المسألتين السابقتين متأت في المقام فلاحظ.

(2) في تحقق عنوان الضرر بمجرّد التأذي اليسير منع، لا ما قيل من منع اطلاق حرمة الضرر لليسير، بل الوجه عدم صدقه مع النقص اليسير و مع فرض عقلائية الغرض، نظير ما ذكره النراقي (قدّس سرّه) من أن الضرر لا يصدق مع الجبران، لحصول الكسر و الانكسار من الجهتين فينتفي عنوان الضرر، و نظير ما ذكره الآخوند في الكفاية من انّ العناوين الثانوية كالضرر و الاضطرار و نحوها نسبتها مع العناوين الأولية هي التزاحم الملاكي لبّا، فليس كل ضرر أو حرج بأدنى درجة هو رافع لكل حكم و إن كان من الكبائر و الواجبات الهامّة، و هو يؤول الى منع صدق العنوان عند قلّة النقص‌

31

[مسألة 35: إذا توضأ ثم ارتد لا يبطل وضوؤه]

(مسألة 35): اذا توضأ ثم ارتد (1) لا يبطل وضوؤه فاذا عاد الى الاسلام لا يجب عليه الإعادة، و ان ارتدّ في أثنائه ثم تاب قبل فوات الموالاة لا يجب عليه الاستئناف، نعم الأحوط أن يغسل بدنه من جهة الرطوبة التي كانت عليه حين الكفر، و على هذا اذا كان ارتداده بعد غسل اليسرى و قبل المسح ثم تاب يشكل المسح، لنجاسة الرطوبة التي على يديه.

____________

بالإضافة الى أهمية الملاك.

هذا، و لو بنى على الحرمة في المقام، فإن ارتكب الزيادة مع أصل الغسل فلا يقع الامتثال بالحرام، و ان تعدد ففساد الزائد لا يضر بالغسلة الأولى، و أما في صورة الجهل و النسيان- سواء في كلا الصورتين أو في الصورة الثالثة التي يكون فيها أصل الاستعمال مضرا- فيصح لمعذريتهما عن الحرمة الواقعية و ان كانت فعلية لعدم التعارض مع متعلق الأمر بل غاية الأمر هو التزاحم الملاكي في باب الاجتماع، و موضوع الوضوء قد تقدم مرارا عدم أخذ القدرة فيه و ان أخذ عدمها في موضوع التيمم، في موارد مشروعية التيمم فيبقى الوضوء على المشروعية و انّما ترفع عزيمته.

(1) و يمكن تمثيل المقام بأسباب النجاسة الخبثية المختلفة، فانّ الطهارة من سبب لا يتنافى مع النجاسة من سبب آخر، أو نظير الحائض اذا اغتسلت من الجنابة فإنها تطهر منها و ان كانت محدثة من الحيض، فسببية الارتداد و الكفر للنجاسة الخبثية أو لنمط من النجاسة المعنوية لا يستلزم النجاسة الحدثية الموجبة للوضوء، و امّا ارتداده في الأثناء فانّه و إن أبطل اتصال النيّة إلا انّك عرفت عدم لزومه بل يكفي تفريق النيّة على أبعاض الأجزاء، نعم الماء الذي على اعضائه ينجس فاذا كانت الغسلة الأخيرة على اليسرى أو بحيث لا يتمكن من تطهيرها لإيقاع الأخيرة فيبطل من جهة عدم المسح ببلّة الوضوء الطاهرة.

32

[مسألة 36: إذا نهى المولى عبده عن الوضوء في سعة الوقت إذا كان مفوتا لحقّه فتوضأ يشكل الحكم بصحّته]

(مسألة 36): اذا نهى المولى عبده عن الوضوء في سعة الوقت اذا كان مفوتا لحقّه فتوضأ يشكل الحكم بصحّته، و كذا الزوجة اذا كان وضوؤها مفوتا لحق الزوج، و الأجير مع منع المستأجر و أمثال ذلك (1).

[مسألة 37: إذا شك في الحدث بعد الوضوء]

(مسألة 37): اذا شك في الحدث بعد الوضوء (2) بنى على بقاء الوضوء (3)، إلا اذا كان سبب شكّه خروج رطوبة مشتبهة بالبول، و لم يكن مستبرئا فإنّه حينئذ يبني على أنها بول و انّه محدث، و اذا شك في الوضوء بعد الحدث يبني على بقاء الحدث، و الظن غير المعتبر كالشك في المقامين (4)

____________

(1) تقييد الماتن للوضوء بالمفوّت لحقّ المولى تنبيها على عدم الحجر على العبد في كل حركاته و سكناته مما لا تعدّ مالا أو ممّا لا ينتفع به لدى المالك، نظير الشرب و الأكل و النظر و التنفس و الذكر باللسان، و من ثمّ يمكن التأمّل في بطلان المفوّت أيضا اذا لم يكن فعل الوضوء نفسه من المنافع المملوكة أو سببا توليديا لاعدام تلك المنافع و من ثم يظهر الحال في الزوجة فإن منافعها غير مملوكة للزوج إلا ان يفرض الوضوء سببا لتفويت حقّه لا بمجرّد الاستلزام و منه يظهر ندرة فرض الوضوء سببا لذلك فيها و في مثال العبد المتقدم، و كذا الحال في الأجير و إن كانت الاجارة على تمام المنافع بعد فرض خروج مثل هذه الأفعال عن المنافع المملّكة.

(2) كما هو مفاد صحيح (1) زرارة المعروف في باب الاستصحاب و غيره من الروايات، و مقتضاه العكس في الصورة الثالثة في المتن.

(3) كما هو مفاد روايات الاستبراء (2).

(4) حكي عن الشيخ البهائي اشتراط الظن ببقاء الوضوء في استصحاب الطهارة‌

____________

(1) ابواب الوضوء ب 44.

(2) ابواب نواقض الوضوء ب 13/ 2- 3. أبواب أحكام الخلوة ب 11.

33

و ان علم الأمرين و شك في المتأخر منهما (1) بنى على انّه محدث اذا جهل تأريخهما أو جهل تاريخ الوضوء و أما اذا جهل تاريخ الحدث و علم تاريخ الوضوء بنى على بقائه.

____________

و عرف بأحد الأقوال في باب الاستصحاب، و اطلاق النهي عن نقض اليقين بالشك في روايات الاستصحاب للطهارة و اطلاق عنوان الشك المنهي عن النقض به كليهما ينفي هذا الشرط.

(1) قد يفصل (1) بين المقام ممّا كان من الحادثين المتضادين كالوضوء و الحدث و بين ما كانا مختلفين كالفسخ و انقضاء الخيار، و الرجوع و انقضاء العدّة، و الطلاق و طهر المرأة، و نحو ذلك بأن أصالة التأخّر و استصحاب العدم مثبتة للتقارن في الثاني بخلاف الأول، و فيه انّ منشأ الترديد و الشك في القسم الثاني أيضا هو العلم الاجمالي بحدوث كل من الأمرين بعد ما كان ضد كل منهما سابق مع الجهل بالمتقدم و المتأخر منهما، و مبنى الأقوال ثمة في جريان استصحاب عدم كل منهما بالإضافة الى حدوث الاخر أو في ظرفه، هو على ممانعة اليقين بحدوث ذلك الشي‌ء المناقض لجرّ عدم الشي‌ء بقاء، أي انّ منشأ البحث متحد و ان كان الاستصحاب للشي‌ء الحادث أو عدمه تارة يراد التمسك به بالإضافة الى شي‌ء آخر كما في القسم الثاني أو في نفسه كما في القسم الأول بل في القسم الأول يمكن ارجاعه الى الثاني أيضا حيث انّ الاستصحاب الوجودي أو العدمي للشي‌ء يراد به اثبات التقارن بين المستصحب و أمر آخر يوجد و يوقع في ظرف الشك كما في المقام كالصلاة و نحوها. فالمدار في كلا النمطين من الأمثلة واحد و هو استصحاب وجود أو عدم شي‌ء علم بحدوث نقيضه أو ضده للجهل إما بتاريخ النقيض الحادث في نفسه أو بالإضافة الى شي‌ء آخر.

____________

(1) التنقيح ج 5/ 98.

34

و لا يجري استصحاب الحدث حينئذ حتى يعارضه، لعدم اتصال الشك باليقين به

____________

نعم لو كان الشك و موضوع الأثر بحسب الضدين أنفسهما لا أحدهما مع المقارن المخالف- لصح التفصيل المزبور و التفرقة بين ما علم حدوثه و شك في بقاءه للعلم بحدوث ضده و بين ما علم بحادثين مختلفين شك في المتقدم منهما.

و المحصل من منع جريان الاستصحاب هو منع جريانه في ظرف يحتمل انطباق اليقين بارتفاعه على ذلك الظرف، و هو يختلف عن طبيعة موارد الاستصحاب المتعارفة حيث انّه ابقاء للمستصحب في ظرف احتمال ارتفاعه، ما دام لا يقين بارتفاعه، و بالتالي لا يجري استصحاب مجهولي التاريخ و لا استصحاب عدم معلوم التاريخ بالإضافة الى الآخر الحادث مجهول التاريخ، بخلاف الاستصحاب في مجهول التاريخ بالإضافة الى الحادث الثاني معلوم التاريخ اذا فرض انّ ارتفاع مجهول التاريخ لم يتيقن به الا بعد معلوم التاريخ، فلا يحتمل انطباق اليقين به في ظرف الشك الذي يستصحب فيه، بخلاف ما اذا لم يتوفر هذا الشرط في مجهول التاريخ كما في المقام حيث انّه من قبيل النمط الأول المراد اجراء الاستصحاب فيه بلحاظ الشي‌ء في نفسه و ان كان لبّا بالإضافة الى الصلاة و نحوها من الافعال التي يراد ايقاعها في ظرف الشك، و يتلخص انّ التفصيل بين مجهولي التاريخ و العلم بأحدهما انما يتأتى في غير الضدين و غير المتناقضين أي المتخالفين كالفسخ و انقضاء وقت الخيار و نحوهما لا في مثل الطهارة و الحدث و نحوهما فيما كان الشك منشأ تقدم أحد الضدين و تأخر الآخر و إلا لو كان تقارن أحدهما مع ثالث لكان من المتخالفين، كما انّ الذي نذكره من وجه التفصيل هو المدار فقد ينعكس في الأصول الوجودية على خلافه فاللازم التدبر. و يمكن ان يبين المانع من جريان الاستصحاب بعدّة صياغات لعلّ أوضحها ما ذكرناه في محلّه من تنبيهات الاستصحاب و اجماله انّ‌

35

حتى يحكم ببقائه. و الأمر في صورة جهلهما أو جهل تاريخ الوضوء و ان كان كذلك، إلا انّ مقتضى شرطية الوضوء وجوب احرازه و لكن الأحوط الوضوء في هذه الصورة أيضا.

____________

الشك في البقاء الاستصحابي مقيد بغاية وقت العلم بنقيضه فلا يساوق دائرة تحقق الشي‌ء الآخر المردد تحققه و حدوثه قبل أو بعد ارتفاع الشي‌ء الأول المشكوك أي قبل أو مع أو بعد حدوث نقيض و ضد الشي‌ء الأول، فحيث لا تتساوى الدائرتان فلا يفيد التعبد ببقائه تقارنه مع الآخر سواء الشي‌ء الآخر بحسب القسم الثاني في الموضوعات المركبة للأحكام أو بحسب القسم الأول في متعلقات الأحكام و مقام امتثالها المركبة من اجزاء و شرائط، و الى هذا يشير ما استدلّ به على المنع باحتمال انطباق اليقين بحدوث الضد و ارتفاع الشي‌ء في ظرف الشك، و لا يشكل عليه بمجي‌ء هذا الاحتمال في موارد الاستصحاب الاخرى كما لو تيقن بالحدث و احتمل الوضوء، فانّه يستلزم احتمال تحقق اليقين بالوضوء فيكون من الشبهة المصداقية للاستصحاب، و ذلك للفرق بين الاستصحاب في الحادثين و بقية الموارد العدمية بتحقق اليقين بالناقض في افق الادراك فعلا بخلاف الموارد الاخرى، و توضيح رجوع هذا الوجه الى ما ذكرنا هو كون موضوع الاستصحاب للشي‌ء مقيد بغاية اليقين بالارتفاع و الشي‌ء الاخر المراد مقارنته معه محتمل التحقق بعد بارتفاع الأول، فلا تطابق بين الدائرتين أو فقل ان في ظرف حدوث الشي‌ء الاخر محتمل انطباق اليقين بحدوث ضد الشي‌ء الأول.

و الى ذلك يشير أيضا الوجه المنسوب الى الشيخ راضي أستاذ الماتن أو الى الميرزا الكبير من عدم احراز اتصال الشك باليقين، أي ان اليقين السابق محتمل انقطاعه عن الشك- في الشي‌ء الأول- في ظرف الشي‌ء الآخر، انقطاعه باليقين‌

36

[مسألة 38: من كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث إذا نسي و صلّى]

(مسألة 38): من كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث اذا نسي و صلّى فلا اشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر فيجب عليه الاعادة ان تذكر في

____________

بالارتفاع، فالشك ظرفه متأخر عن اليقين بالارتفاع.

و كذا يشير إليه من استدلّ بأن الشك في المقام محتمل لانطباق اليقين بالارتفاع عليه. و ما استدلّ به بأنه يعتبر في الاستصحاب رجوع متعلّق الشك في الأزمنة التفصيلية السابقة الى عين متعلّق اليقين تفصيلا أو اجمالا، اما انتفاء التفصيلي فواضح و امّا الاجمالي فلأنه ان كان هو المتقدم فقد ارتفع لتأخر حدوث الضد و ان كان هو المتأخر فلا يقين به، حيث انّ دائرة اليقين بالشي‌ء بلحاظ ما قبل اليقين بارتفاعه فلا يتصل الشك باليقين السابق من دون فصل محتمل باليقين بالارتفاع و لا يرد الاشكال عليه بأن ذلك بلحاظ الوجود الشخصي لا الكلي إذ اليقين بلحاظه متحقق غاية الأمر اما في فرد مقطوع الارتفاع أو في مقطوع البقاء، كما في القسم الثاني من استصحاب الكلي، وجه عدم ورود ذلك هو انّ المقام من قبيل استصحاب الفرد المردد لا الكلي و ذلك لأن الاثر مترتب على الفرد لا على الكلي و لك أن تقول انه لا أثر متميز للكلي عن أثر الفرد كي يتم تصوير كلي موضوع لأثر مغاير لموضوعية الفرد لأثر آخر، مما يدلل على انّ الاثر هو للفرد و ليس المقام من استصحاب الكلي.

و بذلك يظهر انّ الاستصحاب لا يجري في أية طرف من أطراف صور المقام و ان ما ذكر لا يختص بمجهول التاريخ بل يجري بعينه في معلوم التاريخ أيضا، و اللازم تحصيل الطهارة لاحراز الشرط في مقام الامتثال، و يؤيد ذلك في صورة الجهل لكليهما برواية (1) الفقه الرضوي.

____________

(1) المستدرك ب 38 ابواب الوضوء ح 1.

37

الوقت و القضاء ان تذكر بعد الوقت (1)، و أمّا اذا كان مأمورا به من جهة الجهل بالحالة السابقة فنسيه و صلّى يمكن ان يقال بصحّة صلاته من باب قاعدة الفراغ لكنه مشكل (2) فالأحوط الاعادة أو القضاء في هذه الصورة أيضا، و كذا الحال اذا كان من جهة تعاقب الحالتين و الشك في المتقدم منهما (3).

____________

(1) أما الاعادة فلإحراز الاستصحاب الصلاة مع فقد الشرط أو المعية للمانع فيثبت البطلان الظاهري و أما القضاء اذا تذكر خارج الوقت فقد يستشكل في القضاء لعدم اثبات الأصل للفوت بناء على أخذه في موضوع القضاء فتصل النوبة الى البراءة. و فيه انّه على القول بالحكم المماثل في مفاد الاستصحاب فانّ فوت الأمر الظاهري وجداني و ليس من لوازم الواقع، بل للظاهر الذي يثبته الأصل، بل انّ ذلك يتم على بقية المسالك في الاستصحاب حيث انّه لا بد من تصوير نحو من الحكم الظاهري على تلك الأقوال الاخرى.

(2) اشكل غير واحد من المحشين في تفريق الماتن بين الصورتين بأن الأصل لا يجري في الأولى كما لم يجر في الثانية، و ذلك لزوال موضوعه و هو الشك بالنسيان، ففي كلا الصورتين اما يتمسك بذيل قاعدة الاشتغال أو بقاعدة الفراغ بناء على جريانها في مطلق الشك بعد الفراغ، و يمكن دفعه بأنه مع تحقق الشك قبل النسيان فيثبت مفاد الاستصحاب و النسيان الطارئ بعد ذلك غايته نسيان للحكم الظاهري الموظف و حكمه حكم النسيان للحكم الواقعي و على أية تقدير فقاعدة الفراغ لا مجرى لها، لظهورها في الشك الحادث بعد العمل المبتدأ لا الشك الساري الى الشك الحادث قبل العمل. نعم لو احتمل اتيان الوضوء في فترة النسيان لكان مجرى للقاعدة في كلا الصورتين.

(3) قد يشكل على لزوم القضاء بمقتضى قاعدة الاشتغال بأنها لا تثبت عنوان‌

38

[مسألة 39: إذا كان متوضأ و توضأ للتجديد و صلّى ثم تيقن بطلان أحد الوضوءين و لم يعلم أيّهما]

(مسألة 39): اذا كان متوضأ و توضأ للتجديد و صلّى ثم تيقن بطلان أحد الوضوءين و لم يعلم أيّهما، لا اشكال في صحّة صلاته و لا يجب عليه الوضوء للصلاة الآتية أيضا بناء على ما هو الحق من انّ التجديدي اذا صادف الحدث صح (1) و أما اذا صلّى بعد كل من الوضوءين ثم تيقن بطلان أحدهما فالصلاة الثانية صحيحة و امّا الأولى فالأحوط اعادتها و ان كان لا يبعد جريان قاعدة الفراغ فيها (2).

____________

الفوت لا بلحاظ الأمر الواقعي و لا الظاهري الشرعي، و يدفع بأن مقتضى الاشتغال العقلي عند الشك قبل العمل هو الاعادة في الوقت أو القضاء خارجه مع عدم الاعادة.

(1) و تقدم في أقسام الوضوء و الوضوء التجديدي انّ الاختلاف بينه و بين الرافع للحدث ليس في العنوان و الماهية بل في الموضوع، حيث تارة يفرض الحدث و اخرى الطهارة، و على ذلك لا مجال لفرض التقييد أو الداعي في النيّة، و ان التجديدي لا محالة يقع رافعا في المقام. و لو بنى على عدم وقوعه رافعا فحكم هذه الصورة يتحد مع الصورة الثانية.

(2) أما صحّة الثانية فلوقوعها بطهارة أحد الوضوءين بناء على وقوع التجديدي رافعا و أما الصلاة الأولى فتصحح بوجوه:

الأول: جريان قاعدة الفراغ في كلا الوضوءين و ان لزم مخالفة العلم الاجمالي لأنه لا يلزم منه مخالفة قطعية في البين.

الثاني: جريان الفراغ في خصوص الوضوء الأول دون الثاني لعدم ترتب الاثر عليه، اذ احراز صحته و عدمها لا تترتب عليه احراز صحة الصلاة الثانية و لا اعادته لأن المعاد من التجديدي هو في نفسه مطلوب لا كتدارك للتجديدي الفاسد.

الثالث: جريان الفراغ في الصلاة الأولى على تقدير تعارض الفراغ في الوضوءين و تساقطها، فتصل النوبة الى الشك المسبب و هو صحّة الصلاة فتجري فيه بلا‌

39

[مسألة 40: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما]

(مسألة 40): اذا توضأ وضوءين و صلّى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلاة الآتية لأنه يرجع الى العلم بوضوء و حدث و الشك في المتأخر منهما و أما صلاته فيمكن الحكم بصحتها من باب قاعدة الفراغ بل هو الأظهر (1).

[مسألة 41: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعد كل واحدة صلاة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما]

(مسألة 41): اذا توضأ وضوءين و صلّى بعد كل واحدة صلاة ثم علم (2) حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء

____________

معارض، و هو مبني على تأخر رتبة الشك المسببي في بعض الاطراف عن الطرف المقابل كما هو الصحيح، هذا كلّه لو بنى على رافعية الوضوء التجديدي و امّا على العدم فيأتي الوجه الأول و كذا الثاني غاية الأمر انّ الصحّة في الصلاتين متلازمة متوقفة على الوضوء الأول، فيكون منشأ اختصاص جريان الفراغ في الوضوء الأول هو لتقدم الأصل في المفرغ على الأصل في المتمم حيث انّ الفراغ في الوضوء الثاني خلاف الواقع لبطلانه على كل تقدير اما لبطلان الوضوء الأول فلا موضوع للتجديد أو لكون الوضوء الثاني هو الناقص الباطل، و أما الوجه الثالث فلو غض النظر عن الفراغ في الوضوء الأول فتجري الفراغ في كلا الصلاتين.

ثم انّه لا يشكل في المقام بأن صورة العمل محفوظة و ينتفي احتمال الالتفات حين العمل حينئذ فينعدم شرط جريان القاعدة، و ذلك لعدم تلازم فرض المقام مع حفظ صورة العمل مضافا الى عدم اشتراط ذلك في القاعدة كما تقدم سابقا في بحث المياه.

(1) لعدم جريانها في الأول لعدم ترتب الأثر عليه بخلاف الوضوء الثاني.

(2) تارة يفرض في الادائيتين ذهاب وقت الأولى و بقاء وقت الثانية و اخرى بقاء وقتهما أو ذهاب كلا الوقتين، و ثالثة في الادائية و القضائية، أما الصورة الأولى فبعد فرض تعارض الفراغ فيها تجري البراءة عن قضاء الصلاة الأولى و الاشتغال في الصلاة‌

40

..........

____________

الثانية لأنه من الشك في الوقت، و امّا الصور الباقية فتصل النوبة بعد تعارض الفراغ في الصلاتين الى الاشتغال فيهما اذا كان الوقت باقيا في كليهما، و اذا كان الوقت قد انقضى فيهما فتصل النوبة الى البراءة عن قضائهما في الطرفين فيتساقطان بعد التعارض.

و قد يقال: انّه يجري استصحاب الطهارة في الصلاة الأولى و لا يعارض باستصحابها في الثانية بعد ابتلاءه بمعارضة استصحاب الحدث الى حين الصلاة الثانية، و لا تكون النتيجة معارضة استصحاب الطهارة في الثانية لكل من استصحاب الطهارة في الأولى و استصحاب الحدث في الثانية و ان كان الأصل الواحد في طرف يمكن معارضته لكل من الأصل المخالف له في الطرف نفسه و للأصل في الطرف الاخر في عرض واحد بحسب قواعد باب العلم الاجمالي، وجه عدم المعارضة المزبورة هو قصور دليل الاستصحاب عن الشمول للمتناقضين و هو استصحاب الطهارة و الحدث في الصلاة الثانية، فكون مورد الاستصحاب غير متناقض كالقرينة المتصلة لدليله، بخلاف التعارض بسبب العلم الاجمالي فانّه كالقرينة المنفصلة الذي لا يتصرف في ظهور الدليل، و على هذا فيبقى استصحاب الطهارة في الصلاة الأولى بلا معارض فيحرز صحتها، و يلزم العلم الاجمالي اعادة الثانية (1).

و فيه: بعد تسليم تمامية التفرقة المزبورة:

أولا: فانّه يثمر في ما لو كان الشك في الصلاتين الادائيتين في الوقت، أو في القضائيتين، و امّا لو كان الشك في الادائيتين بعد الوقت فيقع استصحاب الطهارة في الأولى طرف معارضة مع البراءة في الثانية.

ثانيا: انّ القائل (قدّس سرّه) بنى في الحادثين المتضادين على التعارض و التساقط في كافة‌

____________

(1) التنقيح ج 5/ 122.

41

للصلوات الآتية و إعادة الصلاتين السابقتين ان كانتا مختلفتين في العدد و إلا يكفي صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة جهرا اذا كانتا جهريتين و اخفاتا اذا كانتا اخفاتيتين، و مخيرا (1) بين الجهر و الاخفات اذا كانتا مختلفتين، و الأحوط في هذه الصورة اعادة كلتيهما.

____________

الابواب الفقهية و الأصولية، مع انّ اللازم على ما ذكره من قصور دليل الاستصحاب البناء على عدم جريان الأصلين في الحادثين فضلا عن التعارض و التساقط.

ثالثا: ان استصحاب الحدث لا يختص بالمعارضة باستصحاب الطهارة للصلاة الثانية بل يعارض استصحاب الطهارة للصلاة الأولى أيضا، و الوجه في ذلك اجمال ظرف وقوع الحدث و تردده فيقابل كلا الاستصحابين نظير نفس العلم الاجمالي بالحدث.

رابعا: انّ مصداقية الطهارة و الحدث للمتناقضين ليست بالذات بل بالعرض لأنهما متضادان نظير التعارض المتحقق بسبب العلم الاجمالي فانّه تناقض بالعرض أيضا، و يتحصّل من هذا الأمر عدم تمامية الكبرى المزعومة في التفرقة بين النمطين من موارد الاستصحاب.

(1) كما حكي عن المشهور خلافا للشيخ و ابن ادريس و ابن زهرة و الحلبي و ابن سعيد، حيث فصلوا بين مورد النصوص و غيره، لصحيحة علي بن أسباط عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة و لم يدر أيّ صلاة هي صلّى ركعتين و ثلاثا و أربعا» (1) و الصحيح الى الحسين بن سعيد رفعه قال: «سئل ابو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة من الصلوات الخمس لا يدري أيتها هي؟ قال: يصلي ثلاثة و أربعة و ركعتين، فإن كانت الظهر و العصر و العشاء كان قد صلّى، و ان كانت المغرب و الغداة فقد‌

____________

(1) ابواب قضاء الصلاة ب 11/ 1.

42

[مسألة 42: إذا صلّى بعد كل من الوضوءين نافلة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما]

(مسألة 42): اذا صلّى بعد كل من الوضوءين نافلة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما فالحال على منوال (1) الواجبين لكن هنا يستحب الاعادة اذ الفرض كونهما نافلة و أمّا اذا كان في الصورة المفروضة احدى الصلاتين واجبة و الاخرى نافلة فيمكن ان يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة و عدم معارضتها بجريانها في النافلة

____________

صلّى» (1) و اشكل بعدم عمومها للأداء و فيه انّ بعض صور المقام مما يكون مردد بين قضاء الاخفاتية و اداء الجهرية، يكون مشمولا لعموم النص و لو بلحاظ القضائية و لا يفترض في المقام الاختلاف مع كون كل منهما ادائية. و أما ما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه و أخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال: «أي ذلك فعل متعمدا فقد نقص صلاته و عليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا او ساهيا أو لا يدري فلا شي‌ء عليه و قد تمّت صلاته» (2) فالمراد من لا يدري الجهل بالحكم لا في قبال الساهي الذي هو الجهل و الغفلة في الموضوع، و لكنه يؤيد عموم الروايات السابقة في عدم اطلاق شرطية كيفية القراءة.

(1) تعارض الأصول العملية في اطراف العلم الاجمالي مبني على وجوه بحسب الأقوال في باب العلم الاجمالي و كيفية تنجيزه، الأول: تنجيز العلم لحرمة المخالفة القطعية، للزوم حفظ الغرض و على هذا الوجه لا تتعارض الأصول النافية في المقام سواء كانت محرزة كقاعدتي الفراغ أو استصحاب الطهارة أو غير محرزة كالبراءة كما في الصورة الثانية في المتن من الدوران بين الواجبة و النافلة كما لو فرض الشك خارج وقت الفريضة.

الثاني: تناقض الاحراز التعبدي في الاطراف مع الاحراز الوجداني بتوسط العلم الاجمالي المخالف، و على هذا الوجه لا تجري في المقام قاعدتي الفراغ و لا‌

____________

(1) ابواب قضاء الصلاة ب 11/ 2.

(2) ابواب القراءة في الصلاة ب 26/ 1.

43

أيضا لأنه لا يلزم من اجرائها فيهما طرح تكليف منجز الا انّ الأقوى عدم جريانها، للعلم الاجمالي، فيجب اعادة الواجبة و يستحب اعادة النافلة.

[مسألة 43: إذا كان متوضأ و حدث منه بعده صلاة و حدث، و لا يعلم أيّهما المقدم]

(مسألة 43): اذا كان متوضأ و حدث منه بعده صلاة و حدث، و لا يعلم أيّهما المقدم، و ان المقدم هي الصلاة حتى تكون صحيحة أو الحدث حتى تكون باطلة، الأقوى صحّة الصلاة، لقاعدة الفراغ، خصوصا اذا كان تاريخ الصلاة معلوما، لجريان

____________

استصحاب الطهارة في الصلاتين لامتناع الاحراز التعبدي على خلاف الاحراز الوجداني، بل لو فرض انّ الأصول المحرزة مثبتة للتكليف لتحقق التعارض أيضا للوجه نفسه، و هذا بخلاف الأصول غير المحرزة كالبراءة فانها تجري ففي الصورة الثانية في المتن تنفي قضاء الصلاة الواجبة اذا فرض مضي وقتها.

الثالث: عدم انحفاظ رتبة الحكم الظاهري مع وصول الحكم الواقعي و لو اجمالا، و عليه فلا تجري الأصول العملية مطلقا سواء كانت نافية أم مثبتة للتكليف و سواء كانت محرزة أم غير محرزة، ففي المقام لا تجري الأصول مطلقا فيستحب الاعادة في الصورة الأولى لعدم احراز الامتثال للنافلة، و يجب اعادة الفريضة في الصورة الثانية.

الرابع: تناقض الصدر و الذيل في بعض أدلّة الأصول العملية كالاستصحاب و نحوه مما أخذ العلم بالخلاف غاية و منتهى له سواء كان نافيا للتكليف أو مثبتا فيختص هذا الوجه بما ذيّل بذلك سواء كان الأصل محرزا كالاستصحاب أم لا كأصالة الحل.

و الصحيح هو الوجهين الأولين، و امّا التفرقة (1) بين العلم الاجمالي اذا كان متعلقه في مقام الجهل و بين ما اذا كان في مقام الامتثال فلا أثر له الا ان يرجع الى ما تقدم أو الى التفرقة بين الشك في التكليف الذي هو مجرى البراءة و الشك في الفراغ من‌

____________

(1) التنقيح 5/ 130.

44

استصحاب بقاء الطهارة أيضا الى ما بعد الصلاة (1)

____________

الاشتغال اليقيني الذي هو مجرى قاعدة الاشتغال فيتحصل أن ما ذكره الماتن تام إلا فيما مضى وقت الفريضة في الصورة الثانية.

(1) و صور المقام كما في كل حادثين اما مجهولي التاريخ أو الصلاة مجهولة و الحدث معلوم التاريخ أو العكس، فعلى ما تقدم من عدم جريان الاستصحاب في المجهولين و لا في المعلوم، تجري قاعدة الفراغ في الصورة الأولى و كذا الثانية و لا يعارضها استصحاب عدم الصلاة الى حين الحدث لحكومتها عليه، و كذا في الثالثة لتوافقها مع استصحاب عدم الحدث و بقاء الطهارة الى حين الصلاة و لا حكومة مع الوفاق بينهما.

أما (تعليل) منع جريان استصحاب عدم الصلاة في الصورة الثالثة بأن (1) الصلاة حيث كانت معلومة التاريخ فلا شك في وقت استمرار عدمها، أو بأن (2) الأصل المزبور لا أثر له اما لعدم الشك في الجزء المركب للموضوع و متعلّق الامتثال و هو الصلاة و وجود الطهارة لأنه محرر بالوجدان أو لعدم كون المستصحب العدمي موضوع الأثر لو اريد الصلاة بالإضافة الى الطهارة، لأنه لم يؤخذ التقييد و الاضافة بين الجزءين بل واقع تقارنهما.

(فضعيف): فإن الشك منتف عن معلوم التاريخ في نفسه و ليس بمنتف عنه بالإضافة الى الجزء الاخر و الاضافة ليس بمعنى التقييد بل الاشارة الى زمان الجزء المجهول أو بنحو الحصة التوأمية، و هذا الاستصحاب العدمي- على تقدير جريانه- يترتب عليه الأثر لاحراز عدم الامتثال و هو بنفسه كاف في تصحيح الجريان كما هو الحال في احراز الامتثال بعد وضوح الفرق في سنخ الأثر بين مقام الامتثال و مقام‌

____________

(1) المستمسك ج 2/ 511.

(2) التنقيح 5/ 136.

45

[مسألة 44: إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء أنّه ترك جزءا منه و لا يدري أنّه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي]

(مسألة 44): اذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء انّه ترك جزءا منه و لا يدري انّه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي، فالظاهر الحكم بصحّة وضوئه، لقاعدة الفراغ، و لا تعارض بجريانها في الجزء الاستحبابي، لأنه لا أثر لها بالنسبة إليه (1)، و نظير ذلك ما اذا توضأ وضوءا لقراءة القرآن، و توضأ في وقت آخر وضوءا للصلاة الواجبة، ثم علم ببطلان أحد الوضوءين، فانّ مقتضى قاعدة الفراغ صحّة (2) الصلاة، و لا تعارض بجريانها في القراءة أيضا لعدم اثر لها بالنسبة إليها.

[مسألة 45: إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء]

(مسألة 45): اذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء، فان لم تفت الموالاة رجع و تدارك (3) و أتى بما بعده، و أما ان شك في ذلك، فاما أن يكون

____________

الجعل في تصحيح جريان الأصول العملية و لك أن تقول انّ المصحح لجريان الأصل العملي و نحو من الحجج الظاهرية من سنخ الحكم الشرعي في المسألة الأصولية هو التعذير أو التنجيز و هو حاصل في المقام.

(1) كما تقدم نظير ذلك في مسألة الدوران بين بطلان الوضوء التجديدي أو الرافع للحدث من عدم جريان الفراغ فيه لعدم اعادته على تقدير البطلان، كذلك الحال في المقام مضافا الى وجوه اخرى تقدم ذكرها.

(2) لعدم تدارك ما فات من القراءة، بل ما يأتي به لاحقا هو مطلوب بنفسه، هذا بحسب فرض المتن من الوضوء أولا للقراءة ثم أحدث ثم توضأ للصلاة، و أما العكس فان فرض علاوة على وقوع الحدث المتخلل بينهما الحدث بعد القراءة فانّه يكون مثالا لعدم ترتب الأثر أيضا على جريان الفراغ في وضوء القراءة، و امّا لو لم يفرض الحدث الثاني فانّ جريان القاعدة في الوضوء الذي للقراءة ثم بقاءه على الوضوء فعلا.

(3) كما دلّت عليه الواردة (1) في نسيان جزء أو تركه و قد تقدمت في بحث‌

____________

(1) ابواب الوضوء ب 35.

46

بعد الفراغ أو في الأثناء فان كان في الأثناء رجع و أتى به و بما بعده (1) و ان شك في

____________

الترتيب.

فائدة في موضوع قاعدة التجاوز و الفراغ

(1) تخصيصا لعموم قاعدة التجاوز في الوضوء كصحيح اسماعيل بن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) و في ذيله «كل شي‌ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (1) و في صورة تطبيقه على اجزاء الصلاة و مثله موثق محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (2) و صحيح زرارة و في ذيله: «يا زرارة اذا خرجت من شي‌ء ثم دخلت في غيره فشككت فشكك ليس بشي‌ء» (3). بتوسط صحيح زرارة الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا، فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله و تمسحه، مما سمّى الله، ما دمت في حال الوضوء، فاذا قمت عن الوضوء، و فرغت منه، و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمّى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوئه، لا شي‌ء عليك فيه، فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح مما عليه، و على ظهر قدميك، فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك، و امضي في صلاتك» (4) الحديث، و في ذيلها عطف الشك في غسل الجنابة عليه، و كل من الصدر و الفقرة الثالثة دالان على عدم جريان القاعدة في الأثناء و مصحح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و إن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة و ليمسح رأسه» (5) الحديث و في سؤال الراوي كان قد فرض تذكره لنسيان المسح و هو في الصلاة فأجابه (عليه السلام) تارة في فرض يقينه‌

____________

(1) ابواب الركوع ب 13/ 4.

(2) ابواب الخلل في الصلاة ب 23/ 3.

(3) ابواب الخلل في الصلاة ب 23/ 4.

(4) ابواب الوضوء ب 42/ 1.

(5) ابواب الوضوء ب 42/ 8.

47

ذلك فاما ان يكون بعد الفراغ أو في الاثناء رجع و ان كان الشك قبل مسح الرجل

____________

و أخرى في الشك.

و في موثق ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء، انّما الشك اذا كنت في شي‌ء لم تجزه» (1) بناء على كون «من» بيانية لا تبعيضية، أو كون الضمير في «غيره» عائدا على الوضوء و إن كان تابعا لكونه أعرف من الشي‌ء المبهم، و على فرض الترديد في مرجع الضمير و احتمال رجوعه للشي‌ء الذي هو جزء من الوضوء لا ريب في نصوصية صحيح زرارة و مصحح أبي بصير في اعتبار الوضوء و الغسل كشي‌ء واحد لا مثل الصلاة و نحوها.

ثم انّ الجمع بين مفاد الروايات مع امكان تقريب الروايتين الأوليتين على مفاد قاعدة الفراغ و الموثق على مفاد قاعدة التجاوز، انّما هو لارتكاز وحدة القاعدة المستفادة من الروايات و ان مدلول ألسنتها متحد كما هو الصحيح، كما انّ الجمع بين مفاد الأدلّة فيما يأتي من اشتراط الفراغ أو التجاوز بالدخول في الغير أو بمجرّد الانتهاء من العمل شاهد على الارتكاز المزبور.

ثم انّه بهذا الجمع يرتفع التنافي المتوهم بين ذيل الموثق و قاعدة التجاوز في أثناء العمل، بدعوى دلالته على الاعتناء بالشك ما دام العمل لم ينته، و وجه ذلك انّ الموثق أو ذيله لم يحددا مناط و مدار وحدة الشي‌ء و أنه عنوان مجموع العمل دون عنوان جزئه، بل غاية الأمر انّ الحال في الوضوء و الغسل هما كشي‌ء واحد و يتبعض و لا يتعدد بتعدد أجزائه، و يؤيد ذلك انّ اجزاء الوضوء و الغسل لم تعنون كلا منها بعنوان على حدة بخلاف أجزاء الصلاة و الحج و نحوهما، و لا يبعد ان ينسحب ذلك على سائر موارد جريان قاعدة الفراغ و التجاوز كما هو ظاهر كل من الصحيحتين‌

____________

(1) ابواب الوضوء ب 42/ 2.

48

اليسرى في غسل الوجه مثلا أو في جزء منه، و ان كان بعد الفراغ (1) في غير الجزء

____________

و الموثق لا انّه خاص بالوضوء و الغسل و لا انّ جريان القاعدة في الاثناء خاص بالصلاة. و على هذا فلا تجري في الشك في الاثناء في آيات السورة و لا في أبعاض التشهد و لا في أثناء اشواط الطواف و السعي.

و أما توجيه مفاد الموثق تارة بعدم تعرض ذيله الى الاطلاق و انّما هو في مقام (1) بيان مفاد الصدر و تطبيقه على خصوص الوضوء، أو ان اطلاق الذيل بالاعتناء بالشك مقيد بروايات قاعدة التجاوز بالدخول في الغير، حيث انّه مطلق سواء تجاوز عن محل المشكوك بالدخول في الغير أو لم يدخل، فضعيف، لما في الحصر من الدلالة على كون الكلام في مقام الاطلاق، لا سيّما مع مقابلة الحصر للصدر كقسم مباين، و ان هذا التقييد لا مجال له اذ الدخول في الغير في بعض الروايات محمول على تحقق الفراغ بأحد انحاءه لا الحصر فيه و من ثم خلى ذلك القيد في بقية الروايات و اطلق عنوان المضي و التجاوز، بل ان ذيل الموثق قرينة على المراد من الصدر و انه لاجل عنوان التجاوز العرفي لا العكس بأن يكون الصدر مفسرا للذيل، اذ هو بمنزلة الخبر المفسر للمبتدإ في الجملة الواحدة.

(1) و في تحقق الفراغ أقوال أو وجوه و محتملات بعد عدم امكان الفراغ أو التجاوز الحقيقي الحاصل من العمل التام المحرز:

الأول: التجاوز البنائي أي بحسب بناء الشاك قبل شكه.

الثاني: تجاوز المحل و مضيه سواء كان المشكوك الجزء أو الكل غاية الأمر في الجزء هو بالدخول في الجزء اللاحق و نحوه و في الكل بفوات الموالاة و الهيئة الاتصالية للعمل.

____________

(1) المستمسك 2/، التنقيح 5/ 148.

49

الأخير بنى على الصحّة لقاعدة الفراغ، و كذا ان كان الشك في الجزء الأخير إن كان بعد الدخول في عمل آخر أو كان بعد ما جلس طويلا أو كان بعد القيام عن محل

____________

الثالث: التجاوز العرفي أي بحسب النظر العرفي لا بحسب نظر و بناء نفس الشاك.

الرابع: تيقن الشاك بالفراغ قبل طرو الشك.

الخامس: فوات محل التدارك، و الظاهر رجوعها الى مآل واحد أو متقارب، حيث انّ لسان الروايات بعضها في مطلق الفراغ و التجاوز نظير موثق بكير بن أعين قال:

«قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (1) و موثق محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه و لا اعادة عليك فيه» (2)، و كذا موثق محمد بن مسلم المتقدم في عموم القاعدة.

و بعض ألسنة الروايات قيّد التجاوز بالدخول في الغير نظير صحيح زرارة المتقدم «فاذا قمت عن الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها» و في موثق ابن ابي يعفور «و قد دخلت في غيره» و كذا صحيح اسماعيل بن جابر و صحيح زرارة المتقدمات في عموم قاعدة التجاوز، فهل تحمل الأولى المطلقة على الثانية المقيّدة لها، أم تحمل الثانية على بيان أحد انحاء تحقق المصداق للعنوان، الأظهر هو الثاني لقرائن:

الأولى: ما تقدم ذكره في موثق ابن ابي يعفور من اشتمال الذيل على مطلق العنوان مع كون الصدر مقيدا و الذيل ناظرا للصدر دون العكس لا سيما انّ السياق فيها للقسمة و المقابلة.

الثانية: و نظير الموثق صحيح زرارة المتقدم حيث قد ذكر في الفقرة الأولى «ما دمت في حال الوضوء» و في الفقرة الثانية «فاذا قمت عن الوضوء و فرغت منه و قد صرت‌

____________

(1) ابواب الوضوء ب 42/ 7.

(2) ابواب الوضوء ب 42/ 6.

50

الوضوء، و ان كان قبل ذلك أتى به ان لم تفت الموالاة و إلا استأنف (1)

____________

في حالة اخرى» و التقريب فيها هو المتقدم في الموثق، بل تمتاز دلالتها على فرض تحقق الفراغ و اضافة الصيرورة الى حال اخرى، و لا ريب في عدم أخذ قيد وراء عنوان الفراغ و من ذهب الى التقييد بذلك انّما أخذه كحقيقة تعبدية شرعية لتحقق أو لمعنى التجاوز و الفراغ لا انّه قيد زائد على العنوان.

الثالثة: ورود لسان ثالث كما في الفقرة الثالثة في صحيح زرارة «فان شككت في مسح رأسك ... فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك» و في مصحح أبي بصير «و ان شك و لم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من بلّة لحيته ان كانت مبتلة» فقد جعل المدار في تحقق الفراغ على امكان التدارك أو الموالاة و عدمهما، و هما و ان كانا في خصوص الجزء الأخير و الذي سيأتي عدم تحقق الفراغ فيه الا بذلك الا انّه ليس لتعبد خاص في الجزء الأخير بل لبقاء الموالاة بالنسبة الى خصوص المسح ما دام البلل باق على أعضاء الوضوء كما تقدم في شرطية الموالاة كما هو الحال في الناسي، و عليه فمحل المسح لم ينقض و ان دخل في عمل مترتب على الوضوء إلا انّ الوضوء لم يؤخذ في صحته تقدمه على الصلاة و تأخر الصلاة عنه كما هو الحال في الأجزاء المترتبة على بعضها البعض، و من ثم يتبين انّ الفراغ ليس بنائيا طلقا و لا عرفيا بقول مطلق و لا مطلق الدخول في الغير و لا بلزوم فوات محل التدارك بل هو الفراغ في الصدق العرفي لما اعتبره الشارع للشي‌ء من محل، و الدخول في الغير يعتد به في موارد لأجل قرينيته للمضي و الانتهاء من الشي‌ء.

(1) مما تقدم يتحصّل انّ الفراغ من الوضوء اذا كان الشك في المسح سواء الرأس أو الرجلين لا خصوص الجزء الأخير انّما هو بجفاف البلل على الأعضاء لأن محل المسح و الموالاة باقية في ظرف النسيان و الغفلة ما دام البلل باقيا، و اما الشك في‌

51

[مسألة 46: لا اعتبار بشك كثير الشك]

(مسألة 46): لا اعتبار بشك كثير الشك سواء كان في الاجزاء أم في الشرائط أم الموانع (1)

____________

الغسلات فالفراغ انّما هو بالانتهاء من الوضوء، و التشاغل بعمل آخر لذهاب محلها و انتفاء الموالاة بالنسبة إليها بذلك.

فائدة في كثرة الشك

(1) و لعله المشهور بين المتأخرين و يدل عليه عموم التعليل الوارد في أكثر أخبار كثير الشك بل قد يستفاد منها الاعتداد بالتظني في الافعال المركبة مطلقا، كصحيح زرارة و أبي بصير قالا: «قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه؟ قال: يعيد. قلنا: فانّه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك؟ قال: يمضي في شكّه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فانّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، و لا يكثرن نقض الصلاة، فانّه اذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك» (1) فإن الشخص المتعارف السالم القوى و الحواس لا يأتيه اعتياد و كثرة الشك من نفسه كيف و قد فرض سالما، فدخول الوهم على المصلّي منشأه الصور و الاحتمالات التي يحدثها في صفحة الذهن، نعم اذا كان منشأها ضعف القوى و اختلال التوازن فيدخل في الوسواس و نحوه، فلا يشكك بأن الكثرة في غير الصلاة لا يحرز أن منشأها شيطاني، و الا لتأتى ذلك في الصلاة أيضا فلا يصح الاطلاق في كثرة الشك، فاذا كانت القيمة الاحتمالية للشك الناشئ من الكثرة و الاعتياد و التكرار، لا يعتد بها لعدم نشئوها من إراءة الواقع بل من الصور الوهمية، فلا يفرق في ذلك بين ما كانت الكثرة المزبورة في الصلاة أو بقية الأفعال كالحج و الغسل و الخمس و الزكاة و نحوها.

____________

(1) ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16/ 2.

52

[مسألة 47: التيمم الذي هو بدل عن الوضوء لا يلحق حكمه في الاعتناء بالشك إذا كان في الأثناء]

(مسألة 47): التيمم الذي هو بدل عن الوضوء لا يلحق حكمه في الاعتناء بالشك اذا كان في الأثناء و كذا الغسل و التيمم بدله (1) بل المناط فيها التجاوز عن محل

____________

و من ثم لو فرض انّ شكا حدث لكثير الشك مغاير للكثرة التي اعتاد عليها أي كان من منشأ معتد به عقلائيا لما كان مشمولا لحكم كثرة الشك. و هذا من خواص التعليل انّه معمم من جهة و مخصص من اخرى. و كذلك صحيح ابن سنان ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت: هو رجل عاقل فقال ابو عبد الله (عليه السلام) «و أي عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان فقال (عليه السلام): سله هذا الذي يأتيه من أي شي‌ء هو؟ فانّه يقول لك من عمل الشيطان» (1) فانّ مفاده خروج الاعتداد بالشك الناشئ عن غير الأسباب المتعارفة عن الرويّة العقلية الى طاعة الشيطان الوهمي، و لا يختص ذلك بالشك الناشئ من ضعف القوى كما في الوسواس بل يعم الناشئ من الكثرة و الاعتياد من الصور الوهمية و ان كان عنوان المبتلى ظاهر في الوسواس لكن الجواب و التعليل عام. بل انّ التعليل في الصحيح و الذي قبله يعم الشك الناشئ من غير الكثرة و غير الوسواس أي من المنشأ الذي لا يعتنى به عقلائيا كالمتناهي في الضعف و الضالّة.

و نظيرهما صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك، فانّه يوشك أن يدعك، انّما هو من الشيطان» (2) فانّ ظاهره التعليل لعدم الاعتناء بفساد منشأ الشك، فيعم بقية الأبواب.

(1) قد ذكر في الجواهر عدم القائل بالتعميم للطهارات الثلاث عدا صاحب الرياض أو يظهر منه دعوى البعض الشهرة، و في رسائل الشيخ المحقق الانصاري انّ العلامة و الشهيدين و المحقق الثاني نصوا على الحاق الغسل بالوضوء و نص العلامة‌

____________

(1) ابواب مقدمات العبادات ب 10.

(2) ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16/ 1.

53

المشكوك فيه و عدمه فمع التجاوز تجري قاعدة التجاوز و ان كان في الأثناء مثلا اذا شك بعد الشروع في مسح الجبهة في انّه ضرب بيديه على الأرض أم لا يبني على انّه ضرب بها و كذا اذا شك بعد الشروع في الطرف الأيمن في الغسل انّه غسل رأسه أم لا لا يعتنى به لكن الأحوط الحاق المذكورات أيضا بالوضوء.

____________

و المحقق الثاني على الحاق التيمم أيضا و الصحيح هو التعميم أما في الغسل فلصحيح زرارة المتقدم حيث قد ذكر في ذيله «قال حماد و قال حريز قال زرارة: قلت له:

رجل ترك بعض ذراعيه أو بعض جسده في [من] غسل الجنابة؟ فقال: اذا شك ثم [و] كانت به بلّة و هو في صلاته مسح بها عليه، و ان كان استيقن رجع و أعاد عليه الماء ما لم يصب بلّة [رجع فاعاد عليهما ما لم يصب]، فان دخله الشك و قد دخل في حالة اخرى فليمض [و قد دخل في صلاته فليمض] في صلاته و لا شي‌ء عليه، و ان استبان [و ان استيقن] رجع و أعاد الماء عليه، و ان رآه و به بلّة مسح عليه و اعادة الصلاة باستيقان، و ان كان شاكا فليس عليه في شكه شي‌ء فليمض في صلاته» (1) مضافا الى ما ذكرناه في الوضوء (مسألة 45) في تقريب موثق ابن أبي يعفور مع صحيح زرارة و مصحح ابي بصير من انّ ظاهر الموثق و الصحيح و المصحح ان الوضوء شي‌ء واحد لا كتعبد خاص به بل بمقتضى الجعل الأولي مما يدلل على انّ قاعدة التجاوز انّما تجري في الأثناء في الاجزاء ذات العنوان المتميز على حدّة في اعتبار المركب لا من مثل اجزاء الوضوء أو الغسل أو التيمم أو اجزاء اجزاء الصلاة و الحج أو أجزاء شرائطهما أو شرائط شرائطهما، فلا يتحقق موضوع القاعدة بلحاظها.

نعم تجري القاعدة بعد الفراغ عن المجموع المعنون و التجاوز عنه، و من ذلك تبيّن عدم اختصاص منع جريان القاعدة في الأثناء بالطهارات الثلاث. نعم لو لا‌

____________

(1) ابواب الجنابة ب 41/ 2.

54

[مسألة 48: إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل أو غسل في موضع المسح]

(مسألة 48): اذا علم بعد الفراغ من الوضوء انّه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل أو غسل في موضع المسح و لكن شك في انّه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة أو ضرورة أو تقية او لا بل فعل ذلك على غير الوجه الشرعي، الظاهر الصحّة حملا للفعل على الصحة لقاعدة الفراغ أو غيرها، و كذا لو علم انّه مسح بالماء الجديد و لم يعلم انّه من جهة وجود المسوغ أو لا و الأحوط الاعادة في الجميع (1).

____________

اختصاص الشي‌ء بذلك لتلك القرينة لما كان في الأدلّة قصور و لا اختصاص بباب الصلاة كما ذهب إليه المحقق النائيني (قدّس سرّه) مع التزامه بعموم قاعدة الفراغ لبقية الأبواب، و الحال انّهما قاعدة واحدة موضوعا و لسانا و رتبة و أثرا كما تقدم بيان بعض ذلك.

(1) لظاهر الأدلّة في كون موضوعها الشك في صحّة العمل و فساده الناشئ من اتيان المكلّف العمل مطابقا للمأمور به و عدمه، لا الشك الناشئ من ما هو موضوع للصحّة و هو وجود الأمر الشرعي و الحكم، اذ كل موارد تطبيق العمومات في الروايات هي في النمط الأول و من ثم لا مجال للتمسك بالعمومات نظير كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو و نحوه لأن الشك بالذات ليس في صحّة الوضوء أو الصلاة بل في وجود الأمر بهما، مضافا الى التعليل الوارد في موثق بكير بن أعين (1) باذكرية الشاك حين العمل، أو أقربيته كما في صحيح محمد بن مسلم (2) الناص على النمط الأول من الشك.

إلا انّ الكلام في أمثلة المتن التي هي من الشك في الأمر الثانوي لطروّ العناوين الثانوية، أو الأمثلة الاخرى كعكس ما في المتن بأن صلى مطابق الوظيفة الأولية‌

____________

(1) ابواب الوضوء ب 42/ 7.

(2) ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27/ 3.

55

[مسألة 49: إذا تيقن أنه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله و لكن شك في أنه أتمه على الوجه الصحيح أو لا]

(مسألة 49): اذا تيقن انه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله و لكن شك في أنه أتمه على الوجه الصحيح أو لا بل عدل عنه اختيارا أو اضطرارا، الظاهر عدم جريان القاعدة للفراغ فيجب الاتيان به لأن مورد القاعدة ما اذا علم كونه بانيا على اتمام العمل و عازما عليه الا انّه شاك في اتيان الجزء الفلاني أم لا و في المفروض لا يعلم ذلك، و بعبارة اخرى مورد القاعدة صورة احتمال عروض النسيان لا احتمال العدول عن القصد (1).

____________

و شك في بقاء الأمر الأولي لطرو الأوامر الثانوية، أو من قبيل الشك في صحّة الصلاة تماما للشك في كونه حين الصلاة في حضر أو سفر، هل هذه الأنماط من موارد الشك في الأمر و الحكم، أم انّ الأمر محرز لا محالة غاية الأمر يشك في نحو متعلقه و بالتالي يشك في انّ ما أتى به مطابق لمتعلّق الأمر المحرز أم لا، الظاهر انّ الشك راجع الى مطابقة عمله لنحو متعلق الامر، و ان كان متعلق الامر مجهولا لديه حين الشك الا انّه يحتمل انّه معلوم حين العمل فيتمحض الشك في أداءه و تطبيقه، و هذا بخلاف النمط الرابع من أمثلة الشك كمن صلّى و شك في دخول الوقت بعد ما فرغ من صلاته، بخلاف ما اذا كان شك في ذلك بعينه لكن وقت شكه بعد مضي الوقت فانّه يرجع الى الانماط السابقة.

(1) تقييد مورد القاعدة بذلك للتعليل الوارد في الروايتين بالاذكرية حين العمل و انّه أقرب للحق فتقيد مطلقات الأدلّة كموثق محمد بن مسلم «كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك فيه» (1) و موثقه الآخر «كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (2)، أو لعدم احراز الفراغ الذي هو موضوع القاعدة، و لكن الوجه الثاني غير مطرد، اذ قد يفرض بناءه على الفراغ و مع ذلك يشك في رفع يده‌

____________

(1) ابواب الوضوء ب 42/ 6.

(2) ابواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23/ 3.

56

[مسألة 50: إذا شك في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء أو في الأثناء]

(مسألة 50): اذا شك في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء أو في الأثناء وجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه ان لم يكن مسبوقا بالوجود (1) و إلا وجب تحصيل اليقين و لا يكفي الظن، و إن شك بعد الفراغ في انّه كان موجودا أم لا بنى على عدمه و يصح وضوئه و كذا اذا تيقن انّه كان موجودا و شك في أنه أزاله أو أوصل الماء تحته أم لا نعم، الحاجب الذي قد يصل الماء تحته و قد لا يصل اذا علم انّه لم يكن ملتفتا إليه حين الغسل و لكن شك في أنه وصل الماء تحته من باب الاتفاق أم لا، يشكل جريان قاعدة الفراغ فيه فلا يترك الاحتياط بالاعادة، و كذا اذا علم بوجود الحاجب المعلوم أو المشكوك حجبه و شك في كونه موجودا حال الوضوء أو طرأ بعده فانّه يبني على الصحّة إلا اذا علم انّه في حال الوضوء لم يكن ملتفتا إليه

____________

عن العمل اختيارا أو اضطرارا و على هذا التقدير فانّ الخلل و ان احتمل انّه عن عمد و لكن ترك الاعادة هي لا محالة عن غفلة و نسيان، إلا انّ الشك في الاعادة هي من الشك في أصل العمل، و يمكن أن يقال انّ قاعدة الفراغ بعد ما لم تكن تأسيسية بل امضائية عقلائية، فلا يبعد دعوى وجود الديدن لديهم من البناء على الفراغ في مثل هذه الموارد من الشك أيضا، لأن الإرادة الاجمالية و العزم و البناء على العمل مقتضى عندهم لصدور العمل تاما كاملا و كما انّ الغفلة التفصيلية المحتملة لكونها مانعا منه لا يعتنى بها كذلك طروّ الإرادة التفصيلية المانعة المحتملة لا يعتنى بها عندهم بعد احراز أصل العمل.

(1) قد تقدم في المطهرات و في صدر مبحث أفعال الوضوء و شرائطه أن قيام السيرة في مثل هذه الموارد هو في موارد الاحتمال غير المعتد به بخلاف ما اذا كان هناك منشأ يعتد به عندهم، و من ثم يختلف الحال في الصورة الثانية في المتن أي مع سبق الوجود.