سند العروة الوثقى - كتاب النكاح - ج1

- الشيخ محمد السند المزيد...
467 /
5

الجزء الاول

[مقدمة المؤلف]

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على أشرف الخلق و سيد الكائنات أمين الله على جميع وحيه المبعوث رحمة لكل العالمين و على آله الولاة بعده.

و قد وفق تعالى بعد إنهاء دورة بحث الحج التي ألقيتها في أيام التعطيل على الإخوة الأفاضل، أن أبدأ بحث كتاب النكاح في العروة الوثقى و تكملته في وسيلة النجاة، فجاءت هذه المدونة من جزءين كبداية لسلسلة هذه الأبحاث، و قد قام بضبطها و تحريرها الفاضلان الألمعيان المدققان الشيخ قيصر التميمي و الشيخ علي حمود العبادي أدام الباري توفيقهما و أحمده تعالى على المثابرة و المكابدة التي تميزا بها راجياً لهما المزيد من الدرجات العلمية و خدمة الدين الحنيف.

قم- عش آل محمد- محمد سند

25 ذي القعدة الحرام

1428 ه‍-. ق

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة [للمقررين]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

و بعد، فإن من منن الله تعالى أن وفقنا بالتشرف بحضور ما ألقاه سماحة الشيخ آية الله محمد السند) دامت بركاته (من الأبحاث في الفقه و الأصول، و من جملة هذه الأبحاث التي تشرفنا بحضورها و تقريرها هي الأبحاث المتعلقة بكتاب النكاح التي كانت عبارة عن بحث موسع ألقاه سماحته في أيام التعطيل طيلة خمس سنوات.

و من الجدير بالذكر إن قسماً من هذه المباحث جاءت على ضوء مسائل العروة الوثقى للسيد اليزدي+، و القسم الآخر جاء على ضوء المسائل في كتاب) وسيلة النجاة (للسيّد أبو الحسن الأصفهاني.

و أخيراً أسأله تعالى أن يتقبل منا هذه البضاعة المزجاة و يجعلها ذخراً لنا في الدنيا و الآخرة و أن يسددنا و يرشدنا منهاج الرشاد، إنه ولي التوفيق.

الشيخ الشيخ‌

قيصر التميمي علي حمود العبادي

عش آل محمد قم المقدَّسة‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[كتاب النكاح]

كتاب النكاح

[فصل في المقدمات]

النكاح مستحب في حدّ نفسه بالإجماع، و الكتاب، و السنة المستفيضة بل المتواترة. قال الله تعالى: (وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ. و في النبوي المروي بين الفريقين:) النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني (، و عن الصادق (ع) عن أمير المؤمنين (ع) قال:) تزوّجوا فإن رسول الله (ص) قال: من أحب أن يتّبع سنّتي فإن من سنّتي التزويج (، و في النبوي:) ما بُني بناء أحبّ إلى الله تعالى من التزويج (، و عن النبي (ص):) من تزوج أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر (. بل يستفاد من جملة من الأخبار: استحباب حبّ النساء، ففي الخبر عن الصادق (ع):) من أخلاق الأنبياء حبّ النساء (، و في آخر عنه (ع):) ما أظن رجلًا يزداد في هذا الأمر خيراً إلا ازداد حباً للنساء (. و المستفاد من الآية و بعض الأخبار: أنه موجب لسعة الرزق، ففي خبر إسحاق بن عمار:) قلت لأبي عبد الله (ع): الحديث الذي يرويه الناس حق؟ إن رجلًا أتى النبي (ص) فشكى إليه الحاجة، فأمره بالتزويج حتى أمره ثلاث مرات. قال

10

أبو عبد الله (ع): نعم هو حق. ثمّ قال (ع): الرزق مع النساء و العيال (.

(مسألة 1): يستفاد من بعض الأخبار كراهة العزوبة، فعن النبي (صلى الله عليه و آله):) رذال موتاكم العزاب (. و لا فرق على الأقوى في استحباب النكاح بين من اشتاقت نفسه و من لم تشتق، لإطلاق الأخبار، و لأن فائدته لا تنحصر في كسر الشهوة، بل له فوائد، منها زيادة النسل و كثرة قائل: (لا إله إلا الله)، فعن الباقر (ع):) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلا لعل الله أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله (.

(مسألة 2): الاستحباب لا يزول بالواحدة بل التعدّد مستحب أيضاً، قال الله تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلَاثَ وَ رُبَاعَ). و الظاهر عدم اختصاص الاستحباب بالنكاح الدائم أو المنقطع، بل المستحب أعم منهما و من التسري بالإماء.

(مسألة 3): المستحب هو الطبيعة أعم من أن يقصد به القربة أو لا. نعم عباديته و ترتب الثواب عليه موقوفة على قصد القربة.

(مسألة 4): استحباب النكاح إنما هو بالنظر إلى نفسه و طبيعته، و أما بالنظر إلى الطوارئ، فينقسم بانقسام الأحكام الخمسة، فقد يجب بالنذر أو العهد أو الحلف و فيما إذا كان مقدمة لواجب مطلق، أو كان في تركه مظنة الضرر، أو الوقوع في الزنا أو محرم آخر. و قد يحرم كما إذا أفضى إلى الإخلال بواجب، من تحصيل علم واجب أو ترك حق من الحقوق الواجبة، و كالزيادة على الأربع. و قد يكره كما إذا كان فعله موجباً للوقوع في مكروه. و قد يكون مباحاً كما إذا كان في تركه مصلحة معارضة لمصلحة فعله مساوية لها. و بالنسبة إلى المنكوحة أيضاً ينقسم إلى

11

الأقسام الخمسة، فالواجب كمن يقع في الضرر لو لم يتزوجها، أو يبتلي بالزنا معها لو لا تزويجها، و المحرم نكاح المحرّمات عيناً أو جمعاً، و المستحب المستجمع للصفات المحمودة في النساء، و المكروه النكاح المستجمع للأوصاف المذمومة في النساء، و نكاح القابلة المربية و نحوها، و المباح ما عدا ذلك.

(مسألة 5): يستحب عند إرادة التزويج أمور:

منها: الخطبة.

و منها: صلاة ركعتين عند إرادة التزويج قبل تعيين المرأة و خطبتها، و الدعاء بعدها بالمأثور، و هو:) اللّهم إني أريد أن أتزوج فقدّر لي من النساء أعفهن فرجاً و أحفظهن لي في نفسها و مالي و أوسعهن رزقاً و أعظمهن بركة، و قدر لي ولداً طيباً تجعله خلفاً صالحاً في حياتي و بعد موتي (. و يستحب أيضاً أن يقول:) أقررت الذي أخذ الله إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (.

و منها: الوليمة يوماً أو يومين لا أزيد فانه مكروه، و دعاء المؤمنين، و الأولى كونهم فقراء، و لا بأس بالأغنياء، خصوصاً عشيرته و جيرانه و أهل حرفته، و يستحب إجابتهم و أكلهم، و وقتها بعد العقد أو عند الزفاف ليلًا أو نهاراً، و عن النبي (ص):) لا وليمة إلا في خمس: عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز (العرس: التزويج، و الخرس: النفاس، و العذار: الختان، و الوكار: شراء الدار، و الركاز: العود من مكة.

و منها: الخطبة أمام العقد بما يشتمل على الحمد و الشهادتين و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة و الوصية بالتقوى،

12

و الدعاء للزوجين، و الظاهر كفاية اشتمالها على الحمد و الصلاة على النبي و آله (ص)، و لا يبعد استحبابها أمام الخطبة أيضاً.

و منها: الإشهاد في الدائم و الإعلان به، و لا يشترط في صحة العقد عندنا.

و منها: إيقاع العقد ليلًا.

(مسألة 6): يكره عند التزويج أمور:

منها: إيقاع العقد و القمر في العقرب أي في برجها لا المنازل المنسوبة إليها و هي القلب و الإكليل و الزبانا و الشولة.

و منها: إيقاعه يوم الأربعاء.

و منها: إيقاعه في أحد الأيام المنحوسة في الشهر، و هي الثالث، و الخامس، و الثالث عشر، و السادس عشر، و الحادي و العشرون، و الرابع و العشرون، و الخامس و العشرون.

و منها: إيقاعه في مُحاق الشهر و هو الليلتان أو الثلاث من آخر الشهر.

(مسألة 7): يستحب اختيار امرأة تجمع صفات، بأن تكون بكراً، ولوداً، و دوداً، عفيفة، كريمة الأصل- بأن لا تكون من زنا أو حيض أو شبهة أو ممن تنال الألسن آباءها أو أمهاتها أو مسّهم رق أو كفر أو فسق معروف- و أن تكون سمراء، عيناء، عجزاء، مربوعة، طيبة الريح، و رمة الكعب، جميلة، ذات شعر، صالحة، تعين زوجها على الدنيا و الآخرة، عزيزة في أهلها ذليلة مع بعلها، متبرّجة مع زوجها حصاناً مع غيره، فعن النبي (ص):) إن خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرّجة مع زوجها الحصان على غيره التي تسمع قوله و تطيع

13

أمره، و إذا خلا بها بذلت له ما يريد منها و لم تبذل كتبذل الرجل. ثمّ قال (ص): أ لا أخبركم بشرار نسائكم: الذليلة في أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود التي لا تتورّع من قبيح، المتبرّجة إذا غاب عنها بعلها، الحصان معه إذا حضر، لا تسمع قوله و لا تطيع أمره، و إذا خلا بها بعلها تمنّعت منه كما تمنّع الصعبة عن ركوبها، لا تقبل منه عذراً و لا تغفر له ذنباً (. و يكره اختيار العقيم و من تضمنه الخبر المذكور من ذات الصفات المذكورة التي يجمعها عدم كونها نجيبة، و يكره الاقتصار على الجمال و الثروة، و يكره تزويج جملة أخرى. منها: القابلة و ابنتها للمولود. و منها: تزويج ضرة كانت لأمه مع غير أبيه. و منها: أن يتزوج أخت أخيه. و منها: المتولدة من الزنا. و منها الزانية. و منها: المجنونة. و منها: المرأة الحمقاء أو العجوز. و بالنسبة إلى الرجال يكره تزويج سيئ الخلق، و المخنث، و الزنج، و الأكراد، و الخزر، و الأعرابي، و الفاسق و شارب الخمر.

(مسألة 8): مستحبات الدخول على الزوجة أمور:

منها: الوليمة قبله أو بعده.

و منها: أن يكون ليلًا؛ لأنه أوفق بالستر و الحياء؛ و لقوله (ص):) زفّوا عرائسكم ليلًا و اطعموا ضحى (. بل لا يبعد استحباب الستر المكاني أيضاً.

و منها: أن يكون على وضوء.

و منها: أن يصلي ركعتين و الدعاء- بعد الصلاة بعد الحمد و الصلاة على محمد و آله- بالألفة و حسن الاجتماع بينهما. و الأولى المأثور، و هو:) اللهم ارزقني ألفتها و ودّها و رضاها بي و أرضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و أنفس ائتلاف فإنك تحب الحلال و تكره الحرام (.

14

و منها: أمرها بالوضوء و الصلاة أو أمر من يأمرها بهما.

و منها: أمر من كان معها بالتأمين على دعائه و دعائها.

و منها: أن يضع يده على ناصيتها مستقبل القبلة و يقول:) اللّهم بأمانتك أخذتها و بكلماتك استحللتها فان قضيت لي منها ولداً فاجعله مباركاً تقياً من شيعة آل محمد (ص) و لا تجعل للشيطان فيه شركاً و لا نصيباً (، أو يقول:) اللّهم على كتابك تزوجتها و في أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها، فإن قضيت في رحمها شيئاً فاجعله مسلماً سوياً و لا تجعله شرك شيطان (. و يكره الدخول ليلة الأربعاء.

(مسألة 9): يجوز أكل ما ينثر في الأعراس مع الإذن و لو بشاهد الحال، إن كان عامّاً فللعموم و إن كان خاصاً فللمخصوصين. و كذا يجوز تملّكه مع الإذن فيه، أو بعد الإعراض عنه فيملك، و ليس لمالكه الرجوع فيه، و إن كان عينه موجوداً، و لكن الأحوط لهما مراعاة الاحتياط.

(مسألة 10): يستحب عند الجماع الوضوء و الاستعاذة و التسمية و طلب الولد الصالح السوي و الدعاء بالمأثور، و هو أن يقول:) بسم الله و بالله اللّهم جنّبني الشيطان و جنّب الشيطان ما رزقتني (، أو يقول:) اللّهم بأمانتك أخذتها ... (إلى آخر الدعاء السابق، أو يقول:) بسم الله الرحمن الرحيم الذي لا إله إلا هو بديع السموات و الأرض، اللّهم إن قضيت مني في هذه الليلة خليفة فلا تجعل للشيطان فيه شركاً و لا نصيباً و لا حظاً و اجعله مؤمناً مخلصاً مصفى من الشيطان و رجزه جل ثناؤك (. و أن يكون في مكان مستور.

(مسألة 11): يكره الجماع ليلة خسوف القمر، و يوم كسوف الشمس،

15

و في الليلة و اليوم اللذين يكون فيهما الريح السوداء و الصفراء و الحمراء، و اليوم الذي فيه الزلزلة. بل في كل يوم أو ليلة حدث فيه آية مخوفة، و كذا يكره عند الزوال، و عند غروب الشمس حتى يذهب الشفق، و في المحاق و بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، و في أول ليلة من كل شهر إلا في الليلة الأولى من شهر رمضان فإنه يستحب فيها و في النصف من كل شهر، و في السفر إذا لم يكن عنده الماء للاغتسال، و بين الأذان و الإقامة، و في ليلة الأضحى، و يكره في السفينة، و مستقبل القبلة و مستدبرها، و على ظهر الطريق و الجماع و هو عريان، و عقيب الاحتلام قبل الغسل أو الوضوء و الجماع و هو مختضب أو هي مختضبة، و على الامتلاء، و الجماع قائماً، و تحت الشجرة المثمرة، و على سقوف البنيان، و في وجه الشمس إلا مع الستر، و يكره أن يجامع و عنده من ينظر إليه و لو الصبي غير المميز، و أن ينظر إلى فرج الامرأة حال الجماع، و الكلام عند الجماع إلا بذكر الله تعالى، و أن يكون معه خاتم فيه ذكر الله أو شي‌ء من القرآن. و يستحب الجماع ليلة الاثنين و الثلاثاء و الخميس و الجمعة و يوم الخميس عند الزوال و يوم الجمعة بعد العصر، و يستحب عند ميل الزوجة إليه.

(مسألة 12): يكره للمسافر أن يطرق أهله ليلًا حتى يصبح.

(مسألة 13): يستحب السعي في التزويج، و الشفاعة فيه بإرضاء الطرفين.

(مسألة 14): يستحب تعجيل تزويج البنت و تحصينها بالزوج عند بلوغها فعن أبى عبد الله (ع):) من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته (.

(مسألة 15): يستحب حبس المرأة في البيت فلا تخرج إلا لضرورة،

16

و لا يدخل عليها أحد من الرجال.

(مسألة 16): يكره تزويج الصغار و قبل البلوغ.

(مسألة 17): يستحب تخفيف مئونة التزويج و تقليل المهر.

(مسألة 18): يستحب ملاعبة الزوجة قبل المواقعة.

(مسألة 19): يجوز للرجل تقبيل أي جزء من جسد زوجته، و مس أي جزء من بدنه ببدنها.

(مسألة 20): يستحب اللبث و ترك التعجيل عند الجماع.

(مسألة 21): تكره المجامعة تحت السماء.

(مسألة 21): يستحب إكثار الصوم و توفير الشعر لمن لا يقدر على التزويج مع ميله و عدم طوله.

(مسألة 23): يستحب خلع خف العروس إذا دخلت البيت، و غسل رجليها، وصب الماء من باب الدار إلى آخرها.

(مسألة 24): يستحب منع العروس في أسبوع العرس من الألبان و الخل و الكزبرة و التفاح الحامض.

(مسألة 25): يكره اتحاد خرقة الزوج و الزوجة عند الفراغ من الجماع.

17

[فصل في أحكام اللمس و النظر]

فصل

في أحكام اللمس و النظر

[في حدود النظر]

(مسألة 26): يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إلى وجهها و كفّيها و شعرها و محاسنها، بل لا يبعد جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها، و إن كان الأحوط خلافه، و لا يشترط أن يكون ذلك بإذنها و رضاها. نعم يشترط أن لا يكون بقصد التلذذ و إن علم أنه يحصل بنظرها قهراً، و يجوز تكرار النظر إذا لم يحصل الغرض، و هو الاطلاع على حالها بالنظر الأوّل، و يشترط أيضاً أن لا يكون مسبوقاً بحالها و أن يحتمل اختيارها و إلا فلا يجوز. و لا فرق بين أن يكون قاصداً لتزويجها بالخصوص، أو كان قاصداً لمطلق التزويج و كان بصدد تعيين الزوجة بهذا الاختبار، و إن كان الأحوط الاقتصار على الأوّل، و أيضاً لا فرق بين أن يمكن المعرفة بحالها بوجه آخر من توكيل امرأة تنظر إليها و تخبره أو لا، و إن كان الأحوط الاقتصار على الثاني. و لا يبعد جواز نظر المرأة أيضاً إلى الرجل الذي يريد تزويجها، و لكن لا يترك الاحتياط بالترك، و كذا يجوز النظر إلى جارية يريد شراءها و إن كان بغير إذن سيدها، و الظاهر اختصاص ذلك بالمشتري لنفسه، فلا يشمل الوكيل و الولي و الفضولي.

18

و أما في الزوجة فالمقطوع هو الاختصاص. (1)

____________

(1) لا بدّ من الالتفات أولًا إلى أن المراد من الفرج في قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ* إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)* (1) ليس خصوص العضو و الآلة المخصوصة، بل المراد منها الكناية عن الشهوة الجنسية، و صحح هذا الاستعمال الكنائي كون ذلك العضو أبرز آلة للغريزة الشهوية، و إلا فالمراد منها هو مطلق الشهوة، كما ورد مثل هذا الاستعمال في قوله تعالى: (وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهٰا)، فإن المراد من هذا النعت لمريم (س)- كما ورد لفاطمة (س)- ليس خصوص العفة عن الزنا، و إلا لاشترك كثير من المؤمنات معها في هذا النعت، بل المراد منه العفة عن مطلق استعمال الغريزة الجنسية بأي عضو من أعضاء البدن، و يؤيده ما ورد عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) قالا: «ما من أحد إلّا و هو يصيب حظاً من الزنا، فزنا العينين النظر وزنا الفم القبلة وزنا اليدين اللمس، صدّق الفرج ذلك أو كذب» (2)، و كذا صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع)، حيث قال: في قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ): «كلّ آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا، إلّا هذه الآية فإنها من النظر» (3).

و على ضوء ذلك فالآية آمرة بحفظ الاستمتاع و التلذذ في الغريزة الجنسية إلّا على الأزواج أو المملوكة باليمين بأي عضو من أعضاء البدن،

____________

(1) المؤمنون: 5- 6.

(2) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، أبواب مقدمات النكاح: ب 103 ح 2.

(3) تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي: ج 2، ص 101.

19

فحينئذ يصح ما أطلقه الأصحاب في الكلمات، من أن التلذذ في النظر أو اللمس بأي شي‌ء غير الزوجة و لو بالجدار يحرم. (1)

و يدعم هذا التعميم أن الآية عامة لكلّ من الرجال و النساء، و إن كان في ملك اليمين خاص بالرجال، فالمراد من الحفظ حينئذ حفظ المؤمن نفسه من أن يلتذّ أو يُلتذّ به في الغريزة الجنسية، إلّا على الأزواج و ملك اليمين بأي عضو من الأعضاء، و على ضوء ذلك يقرر مفاد الآية دليلًا في باب الستر و مسائله الآتية.

جواز النظر لمن يريد التزويج بها

إن ظاهر إسناد الإرادة في الروايات إلى شخص المرأة، هو المشارفة و المعرضية القريبة للزواج بشخصها، لا إرادة عموم الزواج بعموم المرأة، فإنه خارج عن ظواهر الروايات؛ لأنه خارج عن ظاهر موضوع أسئلة الرواة، مضافاً إلى أن الأصل الأولي حرمة الأعراض، و القدر المتيقن من الروايات في الباب ذلك.

فائدة في حدود ما يجوز النظر إليه

كما أن مقتضى لسان الروايات بلسان الاستثناء هو حرمة طبيعة هذا الفعل، لو لا هذا العنوان المرخّص به و هو إرادة التزويج، و إن كان الجواز شاملًا لما لو علم بوقوع التلذّذ، فإن الجواز ليس بلحاظ ذلك؛ و لذلك لا‌

____________

(1) و استقرب الزركشي أن يكون التعبير بالفرج يراد به فروج الثياب و القميص، و حاصل المعنى حينئذ الإحصان بحجاب الثياب لمنع الآخرين من التلذذ بمفاتن بدنها- البرهان، الزركشي: ج 2 ص 305- و حكى ذلك الثعالبي أيضاً- تفسير الثعالبي: ج 4 ص 100-.

20

يجوز له استدامة النظر عند حصول الالتذاذ، مضافاً إلى ما في مرسلة عبد الله بن الفضل من اشتراط عدم الالتذاذ.

ثمّ إن ظاهر حسنة أو مصححة عبد الله بن سنان، المتضمّنة لجواز النظر إلى شعر من يريد تزويجها و كذلك صحيحة يونس بن يعقوب و موثّق اليسع، حيث إنه في صحيح يونس بن يعقوب، إنها ترقق له الثياب، و في موثّق اليسع الباهلي: النظر إلى محاسنها، و كذلك موثّقة غياث و مرسل عبد الله بن الفضل عنه عن أبيه، إذ يظهر منها التعميم إلى عموم الأعضاء التي هي محل اهتمام، لكن الانصاف إنها لا يظهر منها جواز النظر إلى تلك المواضع بدون ثياب، لا سيما إذا فسرت كلمة (ترقق) بمعنى تخفف، لا بمعنى ما يحكي ما تحته من البشرة، و المحاسن يتم النظر إليها و لو من وراء الثياب الرقيقة، و إن لم تكن تشف ما تحتها من البشرة، و لكن يظهر بها حجم الأعضاء و ما شابهه، و لقد ورد نظيره في روايات النظر إلى الأمة التي يريد شراءها، حيث يتضمن النظر إلى محاسنها (1).

و ما جاء في رواية الحسين بن علوان من الكشف عن ساقيها، مضافاً إلى ضعف سندها و كون موردها الجارية، لا يظهر منها جواز النظر إليها مع التعري في مواضع ما عدا العورة، بل لعل المراد من الساقين ما دون الفخذين فقط.

فالمحصل من الروايات جواز النظر إلى الشعر و الرقبة و الجيد و اليد و نحوها، مما لا يستره الإزار، فينظر إلى باقي الأعضاء من خلال الثياب الرقيقة، كالخصر و الورك، و بذلك يتحقق النظر إلى محاسنها، كما ورد في‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب بيع الحيوان: ب 20.

21

موثّق أو صحيح يونس بن يعقوب الآخر من أنها تحتجز، و احتجازها بالإزار فقط نظير ترقيق الثياب، ثمّ إن مقتضى التعبير في الرواية السابقة بالإزار انكشاف الساقين في الجملة جواز النظر إليهما.

و أما التقييد في جملة من الروايات الأخرى بالوجه و المعصم و نحوهما، فلا يعارض الروايات الناصّة على الشعر و المحاسن، لضعف المفهوم في قبال المنطوق المنصوص، مع احتمال الوجه للإمام في قبال الخلف، و أن التدرج في بيان الجواز أخذاً بالحيطة و التحفظ في الأعراض، كما يشير إليه موثّق أو صحيح يونس بن يعقوب الثاني.

و أما الاستئذان فنقل عدم الخلاف في أنه لا يشترط في جواز النظر، إلّا أن الظاهر المتراءى منه محل تأمل؛ لأن النظر و إن لم يكن حقاً محضاً للمنظور إليه، بل فيه حق الله و الحكم الشرعي، لكنّه متضمّن لحق الناس أيضاً، إلّا أن يقال: إن الأصحاب تمسكوا بإطلاق الروايات في المقام، نظير جواز أكل المار للثمر، الذي عرف بحق المارّة.

لكن بين المقامين فرق، حيث إن جعل جواز أكل المارّة هناك ظاهر أدلته ابتداءً هي بدون إذن لا بتوسط الإطلاق، بخلاف المقام، فإن المنساق غالباً منه هو عند المقاولة و مشارفة الطرفين للتراضي بالعقد، فالتمسك بالإطلاق محل تأمل، فالاحتياط لا يترك.

و لعل مراد الأصحاب أن الإذن هو بظاهر حال المقاولة، و يشهد لذلك التعبير في بعض الروايات بأنها تحتجز له بإزار أو ترقق له الثياب (1)، فالظاهر منه أنه إقدام منها.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 36.

22

أما الشروط الأخرى التي ذكرها الأصحاب، من كونها خلية و أن لا تكون ذات عدّة و لا أخت الزوجة، فالظاهر إنها شروط مسلّمة في فرض موضوع الروايات و لا حاجة للتنبيه عليها.

حرمة النظر

الدليل الأوّل: قوله تعالى: (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)

قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ* وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ) (1)، حيث إن إطلاق الآية من حيث المتعلّقات شامل إلى ما إذا كان المنظور إليه مؤمنة أو كافرة، و يدعمه أن حفظ الفرج متعلّقه بلحاظ المؤمن و الكافر و الصغير و البالغ، و كذا الحال في إبداء الزينة في المرأة، فإطلاق المتعلّق في الحكمين الأخيرين يدعم إطلاق المتعلّق في الحكم الأوّل، سواء كان المنظور إليها بالغة أو غير بالغة و إنما مميّزة فقط، فالمدار على مواطن الشهوة الجنسية، كما أن التعليل ب‍- (ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ) يدلّ على أن الحكم ليس حقاً للناس فقط و لا لأجل حرمة المنظور إليه فحسب، و إنما لأجل طهارة و عفّة الناظر أو طهارة البيئة الاجتماعية، و يعضده عطف حفظ الفرج، فإن الحكم فيه تكليفي محض، و ليس مجرّد تابع للحق و الحرمة للطرفين.

____________

(1) النور: 30- 31.

23

تحديد متعلق الآية

إن الظاهر من كلمة (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ)- الذي هو متعلّق الحكم في الآية- و لم يعبّر ب‍- (يغضوا أبصارهم) كما لم يعبّر بصرف النظر و غمض البصر، و إنما جاء التعبير بالغض و بكلمة (من) الظاهر منهما أن كلّ واحد منهما يدل على أنه ليس مطلق النظر حرام، و إنما النظر إذا كان جعل المنظور إليه في مركز الدائرة أي دائرة النظر، و هو ما يطلق عليه في العرف بالتحديق أو التركيز، و مثله ملأ العين، و كذلك لو جعل المنظور إليه في ظل دائرة النظر لا في المركز، لكنّه جعل المنظور إليه هو محط توجهه الذهني، و هذا يفهم من كلّ من كلمة الغض و كلمة من، حيث إن الأوّل بمعنى عدم التوجه و الثاني بمعنى عدم جعله مركز النظر، و ما ورد في الروايات من التفصيل بين النظرة الأولى و الثانية لا ينافي ذلك، حيث إنه بلحاظ مركز النظر، و بنفس التقريب في الآية يقرب في أمر النساء بالغض من أبصارهن.

و الخدشة في الاستدلال بالآية بأنها يظهر منها المساواة في حكم النظر بين المرأة و الرجل، مع أنه قد قام التسالم على جواز نظر المرأة للرجل من دون التذاذ و ريبة، و أن الآيات دالة على استثناء نظر الرجل إلى الوجه و الكفين من المرأة من دون دلالة على ذلك الجواز في نظر المرأة للرجل، مدفوعة.

حيث يرد على الإشكال الأوّل: بأن التسالم على جواز نظر المرأة للرجل محل تأمل، لا سيما من القدماء، و الآية دالة على لزوم الغض و إن كان النظر بدون لذة و ريبة، و دعوى قيام السيرة على الإطلاق محل تأمل.

و أما الإشكال الثاني: فلا دلالة في الآية على جواز نظر الرجل لوجه و كفي المرأة؛ لأن إبداءهما و إبداء الزينة لا يدلّ على جواز النظر، إذ ليس كلّ‌

24

ما جاز إبداؤه جاز النظر إليه، كما أنه ليس كلّ ما حرم النظر إليه وجب ستره، بل كلّ ما وجب ستره حرم النظر إليه.

و قد استدل السيد الحكيم في المستمسك على جواز النظر إلى المرأة في مواضع خاصة بصحيحة أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع)، قال: «سألته عن المرأة يصيبها البلاء في جسدها إما كسر، و إما جرح في مكان لا يصلح النظر إليه يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أ يصلح له النظر إليها؟ قال: إذا اضطررت إليه، فليعالجها إن شاءت» (1)، و استدل على عدم الجواز مطلقاً بمكاتبة الصغار في أبواب القضاء التي ورد فيها تنقب المرأة و ظهورها للشهود (2)، و قال صاحب الشرائع: لا ينظر الرجل إلى الأجنبية أصلًا، إلّا لضرورة يجوز أن ينظر إلى وجهها و كفيها على كراهية فيه مرّة و لا يجوز معاودة النظر، و كذا الحكم في المرأة (3) و مثله ما في القواعد كما في كشف اللثام.

الدليل الثاني: حرمة الوقوع في الفتنة

قاعدة في حرمة وقوع الفتنة الشهوية

و موردها إما النظر أو اللمس أو السمع أو الشم و مطلق الخلطة و المباشرة و لو البعيدة.

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 130 ح 1.

(2) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، أبواب القضاء: ب 29 ح 2.

(3) كتاب الشرائع، العلامة الحلي، القسم الأوّل، الفصل الأوّل في النظر إلى المرأة.

25

معنى الريبة

قال في مجمع البحرين في مادة ريب: الريبة قلق النفس و اضطرابها (1)، و قال في اللسان: فتن. يقول أهل الحجاز: فتنته المرأة إذا ولّهته و أحبها، و فتن إلى النساء فتوناً و فتن إليهن: أراد الفجور بهن، و الفتنة إعجابك بالشي‌ء، فتن الرجل يفتن فتوناً إذا أراد الفجور ... و قولهم: فتنت فلانة فلاناً: أمالته عن القصد ... و الفتنة الفضيحة، و جاء في الرواية: ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء، يقول: أخاف أن يعجبوا بهن، فيشتغلوا عن الآخرة و العمل لها (2).

و في كشف اللثام: الريبة ما يخطر بالبال من النظر دون التلذذ، أو الريبة خوف افتتان، و يمكن تعميم الريبة للافتتان، لأنها من راب إذا وقع في الاضطراب (3).

و قال صاحب الجواهر: إن المراد من الريبة خوف الوقوع في محرم، و لعله هو المعبر عنه بخوف الفتنة (4).

و قال في المستند: كلّ ما ذكر فيه جواز النظر فقد قيده الأكثر بعدم التلذذ و الريبة، المفسّر تارة بما يخطر بالبال من المفاسد، و أخرى بخوف الوقوع في المحرم، و ثالثة بخوف الفتنة و الفساد و الوقوع في موضع التهمة (5).

و في دلائل الإمامة للطبري: «فبقي يلح النظر إليها، فقلت: يا سيدي، هل‌

____________

(1) مجمع البحرين، الطريحي: ج 2 مادة ريب.

(2) لسان العرب، ابن منظور: مادة فتن.

(3) كشف اللثام، الفاضل الهندي: ج 7، ص 23.

(4) الجواهر: ج 29، ص 70.

(5) مستند الشيعة، النراقي: ج 16، ص 60.

26

لك فيها من حاجة؟ فقال: إنا معاشر الأوصياء لسنا ننظر نظر ريبة و لكنا ننظر تعجباً، أن المولود الكريم على الله يكون منها» (1).

و استدل صاحب الجواهر و المستند على حرمة النظر بريبة بالإجماع، و تسالم الأصحاب و بأنه القدر المتيقن من إشعار الروايات الواردة في النظر، بل صريح بعضها، كما ورد في نظر المملوك إلى سيّدته، قال (ع): «لا بأس أن ينظر إلى شعرها إذا كان مأموناً» (2)، و في حسنة ربعي: أن الإمام علي (ع) كان يكره أن يسلم على الشابة من النساء، و قال: «أتخوف أن يعجبني صوتها، فيدخل من الإثم علي أكثر مما طلبت من الأجر» (3) و كذا صحيحة ابني عمار و يعقوب: «لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شي‌ء من جسدها، إلّا إلى شعرها غير متعمّد لذلك» (4).

و كذا من الروايات الواردة في الريبة و ممنوعيتها رواية الفضل عن أبيه (5).

و في الروايات أيضاً، أن النظرة من سهام إبليس، و أن النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة و كفى بصاحبها فتنة (6).

ثمّ إن المحصل من الكلمات المتقدّمة في تعريف الريبة ثلاثة تعاريف:

____________

(1) دلائل الإمامة، محمد بن جرير الطبري: ص 490.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 124 ح 2.

(3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 131 ح 3.

(4) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 124 ح 1.

(5) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 36 ح 5.

(6) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 6.

27

المعنى الأوّل: خوف الوقوع في الحرام

و هذا التعريف يشمل بإطلاقه ما لو كان الحرام هو النظر بتلذذ، فابتداء النظر و إن لم يكن بتلذذ إلّا أن خوف الوقوع في التلذذ بقاءً يشمله التعريف، و إن كان يستظهر من هذا التعريف خصوص الأفعال الأخرى من التقبيل و اللمس و الزنا، لكن إطلاق عنوان الحرام شامل لذلك، و على ضوء ذلك، فيكون غالب النظر و لو ابتداءً تتحقق فيه الريبة، فيوافق قول المشهور في حرمة النظر مطلقاً، عدا ما كان ابتداءً عفوياً.

المعنى الثاني: ما يخطر بالبال من النظر دون التلذذ به

و قد يعبّر عنه ما يخطر في البال عند النظر من الميل إلى الوقوع في الحرام مع المنظور إليه من تقبيل و نحوه، فالأخذ بإطلاقه أيضاً يقرب من المحصل من التعريف الأوّل، حيث إن مطلق الميل يقارب و يساور و يصدق على بدايات الشوق للالتذاذ بالنظر و إن لم يقع الالتذاذ، و إذا جعلنا محور التعريف ما يخطر بالبال بسبب النظر من الخواطر الباعثة للتلذذ، فدائرة الريبة تقرب أيضاً مما تقدّم، لا سيما مع إطلاق عنوان الحرام في التعبير الآخر على القول الثاني الشامل للتلذذ.

المعنى الثالث: خوف الافتتان

و هو خوف الافتتان، فقد مرّ في تعريف اللغويين أنه تارة بمعنى الوله و شوق النفس الشديد، و أخرى بمعنى الإعجاب، و ثالثة بمعنى الإمالة، و رابعة ما يخاف أن لو اطلع عليه غيره يقبحه و يذمه.

و قد ذكر بعض أعلام العصر أن النظر بريبة هو الميل النفساني للوقوع‌

28

بمحرم مع المنظور إليه، و إن لم يصل إلى درجة الخوف من الوقوع فيه، و أن التلذذ أن يحس في قلبه بوجود لذة محرمة، سواء من النظر أو السماع أو الشم أو غيرها، فهو يتشهّاها و يطلب المزيد منها، و هي مختلفة المراتب بخلاف اللذة المحللة.

و يستدل للتقييد بالريبة بالإضافة إلى ما تقدّم برواية الفقه الرضوي (1) المروية عند العامة أيضاً، حيث جعل الرسول (ص) يده على وجه الفضل بن عباس يستره من النظر إلى أخت الأعرابي، و علل ذلك في طرق العامة للرواية ب‍- «أخاف أن يدخل الشيطان بينهما».

و في صحيح الكاهلي قال أبو عبد الله (ع): «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة و كفى بها لصاحبها فتنة» (2) و الفتنة تكون تعليل التحريم.

فأثبتنا أن النظرة الثانية حرام، و هذه الروايات بصدد بيان موضوع الحرمة، و لو بقرائن خارجية، فهذه الروايات في بيان النظرة المحرمة و التعليل لشي‌ء محرم، فيظهر من الصحيح التعليل لمورد التحريم في النظر بأنه في معرض توليد الشهوة الذي هو مصداق الفتنة، فهذا التعليل نص بإطار عنوان القاعدة، و نظير ذلك ما في رواية الأربعمائة المشهورة عن أمير المؤمنين (ع) قال: «لكم أول نظرة إلى المرأة فلا تتبعوها نظرة أخرى و احذروا الفتنة» (3).

و في المستدرك قال أمير المؤمنين (ع): «ذهاب النظر خير من النظر إلى ما يوجب الفتنة» (4) و فيه أيضاً: «اللحظ رائد الفتن» (5).

____________

(1) مستدرك الوسائل، المحدث النوري، أبواب مقدمات النكاح: ب 81 ح 7.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح ب 104 ح 6.

(3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 15.

(4) مستدرك الوسائل، المحدث النوري، أبواب مقدمات النكاح: ب 81 ح 12.

(5) مستدرك الوسائل، المحدث النوري، أبواب مقدمات النكاح: ب 81 ح 13.

29

و فسّرت الريبة و الفتنة في باب التشبيب الذي ذكروه في المكاسب المحرمة بما يوجب و لو بعيداً تهييج القوى الشهوية من غير الحليلة، و قد مرّ الاستدلال على حرمة التلذذ و الاستمتاع الجنسي من الآية في قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ)* و بهذه الدرجة من الافتتان يكون مندرجاً في الالتذاذ، و بالتالي فالفتنة الجنسية تندرج في عموم تحريم الآية، و بالتالي فقاعدة حرمة الفتنة في الشهوة تندرج في عموم حرمة الآية.

و استدلوا على تلك القاعدة أيضاً مضافاً إلى ما تقدّم في باب التشبيب بموثّقة السكوني عن أبي عبد الله (ع)، قال: «سئل أمير المؤمنين (ع) عن الصبي يحجم المرأة، قال: إذا كان يحسن يصف فلا» (1).

و كذا بصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (ع)، قال: «لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية و النصرانية، فإنهن يصفن لأزواجهن» (2)، و بما ورد من التعليل في المنع عن الخلوة بالأجنبية، حيث جاء في بعضها قوله (ع): «تحول منه فإن الرجل و المرأة إذا خليا في بيت كان ثالثهما الشيطان» (3).

و هناك روايات أخرى في أبواب مقدمات النكاح، كصحيح أو معتبرة مسمع بن أبي سيار (4) و هكذا أبواب الأمر بالمعروف (5)، بل قد ورد من‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 130 ح 2.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 8 ح 6.

(3) وسائل الشيعة، أبواب أحكام الإجارة: ب 31.

(4) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 99.

(5) وسائل الشيعة، أبواب الأمر بالمعروف: ب 38 ح 22.

30

الأحكام ما يشير إلى بيان العزلة بين الطرفين و لو من بعد، كما في كراهة جلوس الرجل في مكان المرأة حتى يبرد المكان كما في موثّقة السكوني (1)، و في صحيحة ابن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد الله (ع): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم، فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان» (2)، فغير العفيف يخل بالعدالة، و ما يخل بالعدالة وجوبي، فما يؤخذ في حد العدالة لا بدّ أن يكون حكماً إلزامياً.

و استدل أيضاً بطائفة من الآيات الواردة في الأحكام، كقوله تعالى: (فَلٰا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) (3).

و الآية تتعرض إلى ما يثير الفتنة من جهة كيفية الصوت أو من جهة مادة الكلام و مضمونه، نظير ما قيل في الغناء أنه لا ينحصر بالكيفية، بل يعم المضمون أيضاً.

و كذا قوله تعالى: (وَ لٰا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مٰا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (4)، و قوله تعالى: (وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ) و كذا قوله تعالى: (وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً) (5).

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 145 ح 1.

(2) وسائل الشيعة، أبواب الشهادات: ب 41.

(3) الأحزاب: 32.

(4) النور: 31.

(5) البقرة: 235.

31

و قد أفتى الأصحاب بأن خضوع المرأة في الصوت بتغنج يحرم، و كذلك مفاكهة الرجل للمرأة، و ما قد يعبّر عنه بالرفث في الكلام بين الأجنبي و الأجنبية.

و مجمل هذه الأحكام أعزاها الأصحاب إلى أنها منحدرة من أصل تشريعي فوقي، و هو ما دل على حرمة الفحشاء و لزوم العفاف بين المؤمنين، كقوله تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ) و قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ) (1).

و هذا تمام الكلام في قاعدة الفتنة، و هو الدليل الثاني على حرمة النظر، كما ذكرناه في الخلاصة المحصّلة.

الدليل الثالث: آية إدناء الجلابيب

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلٰا يُؤْذَيْنَ) (2).

في الآية المباركة مقامات من البحث:

المقام الأوّل: في تحديد مقدار حجاب المرأة

قال في التبيان: الجلابيب جمع جلباب،

و هو خمار المرأة، و هي المقنعة تغطي جبينها و رأسها إذا خرجت لحاجة، بخلاف خروج الإماء اللاتي يخرجن مكشفات الرءوس و الجباه في قول ابن عباس و مجاهد، و قال‌

____________

(1) النور: 19.

(2) الأحزاب: 59.

32

الحسن: الجلابيب الملاحف تدنيها المرأة على وجهها (1).

و مثله ما في مجمع البيان.

و في تفسير القمي: «فإنه كان سبب نزولها أن النساء كن يخرجن إلى المسجد و يصلين خلف رسول الله (ص) و إذا كان بالليل خرجن إلى صلاة المغرب و العشاء و الآخرة و الغداة يقعد الشبان لهن في طريقهن فيؤذونهن و يتعرضون لهن، فأنزل الله تعالى: (يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ ...)» (2)*.

أقوال اللغويين في معنى الجلابيب

قال في التحقيق: و الجلباب القميص و ثوب أوسع من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها و صدرها، و قيل هو ثوب أوسع دون الملحفة تلبسه المرأة، و قيل هو الملحفة، و قيل هو ما تغطي به المرأة الثياب من فوق كالملحفة، و قيل جلباب المرأة ملاءتها التي تشتمل بها ...

و قال الكشاف: ثوب واسع أوسع من الخمار دون الرداء و تلويه و تبقي منه ما بقي على صدرها، و عن السدي: أن تغطي إحدى عينيها و جبهتها و الشق الآخر إلّا العين.

و في غريب الحديث: سأله عن قوله الله عز و جل: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) قال: فقنّع رأسه و غطى وجهه و أخرج إحدى عينيه و قال هكذا (3).

و قال في مجمع البحرين: الجلابيب جمع جلباب و هو ثوب واسع أوسع من الخمار و دون الرداء، تلويه المرأة على رأسها و تبقي منه ما ترسله على‌

____________

(1) التبيان: ج 8، ص 361.

(2) تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي: ج 2، ص 196.

(3) التحقيق في ألفاظ القرآن: ج 4، ص 463.

33

صدرها، و قيل: الجلباب الملحفة و كل ما يستتر به من كساء أو غيره، و في القاموس: الجلباب كسرداب القميص، و معنى يدنين عليهن من جلابيبهن، أي يرخينها عليهن و يغطين بها وجههن و أعطافهن، أي أكتافهن (1).

الحاصل من معنى الجلابيب

أقول: و المحصل من كلمات اللغويين المتقدّمة في معنى الجلباب بقرينة قوله تعالى: (وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ) (2) أن إدناء الجلباب حكم مغاير لحكم ضرب الخمار على الجيوب متعلقاً و عنواناً، و قد مرّ في كلماتهم أن الجلباب أوسع من الخمار، كما ذكر أن الخمار ما يخمر الرأس و مع ذلك يضرب به على الجيوب، و أما الجلباب فهو الثوب الشامل الذي يشمل البدن.

و المحصل من مفاد الآية هو وجوب ستر صفحة الوجه لا تمامه، فلا تكون صفحتي الوجه باديتين بالتمام، و هذا يدل على وجوب ستر الوجه في الجملة و كل ما وجب ستره حرم النظر إليه.

أصناف ثياب الستر

في الآية دلالة واضحة على تصنيف ثياب الستر إلى صنفين:

الصنف الأول: ثياب البيت الساترة للجسد

سواء كانت ساترة للرأس و الوجه و الشعر و الرقبة و نهايات الأطراف، أم لم تكن.

____________

(1) مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي: ج 1، ص 384.

(2) النور: 31.

34

الصنف الثاني: ثياب الخروج من البيت

و هي ثياب الخروج الظاهرة، التي توضع فوق تلك الثياب الأولى عند مواجهة الأجانب، بقرينة ذيل الآية: (ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلٰا يُؤْذَيْنَ)، فيظهر من الآية الكريمة التصنيف إلى هذين القسمين اللازمين في الستر.

و يظهر ذلك أيضاً من قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلٰاثَ مَرّٰاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلٰاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيٰابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلٰاةِ الْعِشٰاءِ ثَلٰاثُ عَوْرٰاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لٰا عَلَيْهِمْ جُنٰاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّٰافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْآيٰاتِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* وَ إِذٰا بَلَغَ الْأَطْفٰالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمْ آيٰاتِهِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (1) حيث إن الآية الكريمة تشير إلى تصنيف لباس البيت إلى صنفين غير ما مرّ من التصنيف في آية الجلباب؛ إذ أن الآية تشير إلى أن ساتر العورة من الألبسة الباطنة- و التي يصطلح عليها في عصرنا بالملابس الداخلية- يغاير ثياب البيت التي تلبس عموماً في الأوقات، مما يدلل على أن العورة و العوار الواجب سترها على مراتب:

مراتب العورة واجبة الستر

المرتبة الأولى: القبل و الدبر

المرتبة الثانية: مواضع المحاسن المثيرة

مواضع المحاسن المثيرة للجنس الآخر و إن كان محرماً.

____________

(1) النور: 58- 59.

35

و من ثمّ استدل بها البعض على أن الستر اللازم أمام المحارم لا يقتصر على القبل و الدبر، بل يشمل الثديين و الفخذين و البطن.

المرتبة الثالثة: الشعر و الوجه و الرقبة

تشمل هذه المرتبة الشعر و الوجه و الرقبة و كذلك نهايات الأطراف.

و قد عقد الكليني باباً في الكافي خاصاً بالآية الكريمة أورد فيه عدّة من الروايات في تفسير الآية، منها رواية زرارة عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز و جل (الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ) قال: «هي خاصة في الرجال دون النساء، قلت: فالنساء يستأذن في هذه الثلاث ساعات؟ قال: لا، و لكن يدخلن و يخرجن، (وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) قال: من أنفسكم. قال: عليكم استيذان كاستيذان من قد بلغ في هذه الثلاث ساعات» (1) و الرواية لا يتوهم منها أن ذلك وظيفة الرجال، بل المراد منها أن هذه وظيفة غير المماثل، كما يشير إلى ذلك ذيل الرواية.

و يتحصل مما مرّ من الآيات الثلاث- آية الجلباب و آية إبداء الزينة و آية الاستيذان- أن الواجب في ستر المرأة و الثياب الساترة لها لا يكتفي فيه بالخمار و ما يستر الجيب و ما يستر سائر البدن، بل لا بدّ من إضافة الثياب الظاهرة الأخرى عليها، كالجلباب و الملحفة و الرداء و الملاءة و الإزار و نحوها، أو ما يعرف بالعباءة في عصرنا الحاضر.

نعم الظاهر أن الموضوعية و المدار على هذه الدرجة من الستر لا خصوص هذه العناوين.

____________

(1) الكافي، الكليني: ج 5، ص 529.

36

و مما يعضد لزوم الستر للثياب الظاهرة فوق ثياب البيت و الخمار ما ورد في روايات جواز النظر إلى من يريد تزويجها، إنها ترقق له الثياب بنحو تصف حجم جسمها، مما يدلل على أن الواجب في ستر الثياب عن الأجنبي هو أن تكون كثيفة غير رقيقة بدرجة ينتفي معها وصف البدن الحاكي للمحاسن.

المقام الثاني: مقدار جواز نظر المحارم

[الضرورة على أن العورة في المحارم هي خصوص القبل و الدبر]

إن الظاهر من المشهور كما حكى صاحب الجواهر عدم الخلاف، بل الضرورة على أن العورة في المحارم هي خصوص القبل و الدبر و ليست هي خاصة بالمماثل، لكن عن التحرير للعلامة و عن الفاضل في آخر حدّ المحارب إنه ليس للمحرم التطلع في العورة و الجسد عارياً.

و في رواية أبي الجارود تقسيم العورة إلى ثلاث، و عبّر عنها بالزينة (1) و الرواية تشير للاستدلال بآية ثالثة، و هي قوله تعالى: (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ) (2) و هذه الآية أيضاً تشير إلى أن العورات على ثلاث أقسام: عورة للمحرم و عورة للماثل و عورة للأجنبي، أي الفرج و المحاسن التي تستر بثياب البيت، و عبر عنها في مجمع البيان بثياب اليقظة، و عبّر عن الملابس الداخلية بثياب النوم، فلا تحجب زينة القلادة فما فوقها و الدملج و ما دونه، أي نهايات الأطراف، و ذكر ما ملكت أيمانهن في سياق المحارم يعطي أن المقدار الجائز في إبداء الزينة هو خصوص الشعر‌

____________

(1) مستدرك الوسائل، المحدث النوري: ب 85 من أبواب مقدمات النكاح ح 3.

(2) النور: 31.

37

و الرقبة و الأطراف، لا ما دون الجيد و كذلك عطف التابعين غير أولي الإربة من الرجال.

و في الحبل المتين قال الشيخ: و أما تغسيل المحارم، فقد قطعوا بكونه من وراء الثياب و عدم المماثل (1).

و قال في كشف الغطاء: كما أن الأحوط تغسيل المحارم بل الزوجة من وراء الثياب و إن كان الاحتياط الأوّل أشد.

و كذلك نسب الشيخ الأنصاري ذلك إلى المشهور في كتاب الطهارة (2) و كذلك نسب إليهم في كشف اللثام وجوب كون الغسل من وراء الثياب (3).

و هذا يشف عن أن المحرم يختلف عن المماثل و أن العورة بالنسبة إليه أشد.

و حكى في كشف اللثام عن المعتبر الاستدلال في ذلك، بأن المرأة عورة فيحرم النظر إليها و إنما جاز مع الضرورة من وراء الثياب جمعاً بين التطهير و الستر، ثمّ قال في كشف اللثام تعقيباً على هذا الكلام: و هو مبني على حرمة نظر المحرم إلى الجسد عارياً كما يصرح به المصنف- العلامة- في آخر حدّ المحارم.

أقول: و قد مرّ حكاية ذلك عن التحرير أيضاً.

و قد يقال: إن ما ورد من تحديد العورة بالقبل و الدبر في المماثل هي القدر المتيقن.

____________

(1) الحبل المتين: ص 63.

(2) كتاب الطهارة، الشيخ الأنصاري: ج 2، ص 283.

(3) كشف اللثام، الفاضل الهندي: ج 2، ص 219.

38

و قال الفخر في إيضاح الفوائد في كتاب النكاح تحت عنوان قاعدة في تحريم النظر و إباحته، قال في المقام الثاني قال مسألة: يباح النظر إلى الوجه و الكفين و القدمين من المحارم المذكورين بإجماع الإمامية، و من غير من حرم بالمصاهرة منهنّ بإجماع الأمة، و يحرم النظر إلى القبل و الدبر من المحارم في غير الضرورة بإجماع الأمة. و أما الضرورة بمباشرة العلاج و شهادة الإيلاج فيجوز. و أما غير ذلك من البدن فأقسام ثلاثة:

1- الثدي حال الإرضاع، و هو ملحق بالوجه لشدّة الحاجة إليه و مشقة الاحتراز عنه اختاره والدي و به أفتي أنا.

2- الثدي لا في حال الإرضاع.

3- سائر البدن غير ما ذكرناه. و في هذين القسمين خلاف، قيل بالإباحة .. و قيل بالتحريم .. و اختار والدي في التذكرة الأوّل و هو الإباحة و هو الأقوى عندي. و في المطلب الثالث في الرضاع من كتاب القواعد الثاني و هو التحريم (1).

فيظهر من عبارته الخلاف في غير القبل و الدبر فضلًا عن المحارم بالمصاهرة. و ظاهر ما نقله عن العلامة في رضاع القواعد وجود الخلاف في إلحاق الرضاع بالنسب، بل إن عبارته في الثدي في حال الرضاع تشعر بوجود المخالف أيضاً.

و قال السيوري في التنقيح الرائع: بعد ما ذكر التقسيمات الثلاثة التي مرّت في كلام الفخر، قال: قال السعيد: و الأحوط أنه يحرم ما عدا الوجه و الكفين و القدمين، و ما يظهر عادة بحسب أكثر الأوقات لأن جسد المرأة كلّه‌

____________

(1) إيضاح الفوائد: ج 3، ص 9.

39

عورة. و يحرم النظر إلى العورة (1).

و استظهر من السيوري ميله إلى ذلك.

قال ذلك في ذيل قول المحقق في المختصر النافع و ينظر إلى محارمه ما خلا العورة.

و قال العلامة العصفور في الأنوار اللوامع: فيحل النظر إلى المحارم بالنسب، و السبب كالمصاهرة ما عدا العورة و هي القبل و الدبر بإطلاق الآية المتقدّمة، فيكون الاستدلال عليه واقعاً بالكتاب و السنة المطهرة و بالإجماع، كما ادعاه كثير من المتقدّمين و المتأخرين، و قد توقف بعض المتأخرين في جواز النظر إلى ما تحت الدرع من المحارم، نظراً إلى الخبر المرسل المروي في تفسير القمي (2).

و حكى النراقي في المستند القول بالإباحة فيما عدا العورتين، و القول بالمنع، و قال ثالث بالإباحة في المحاسن خاصة، و فسرها بمواضع الزينة كرواية السكوني لا بأس بأن ينظر الرجل إلى شعر أمه أو أخته.

و قال في القواعد في آخر حدّ المحارم: ليس للمحرم التطلّع على العورة و الجسد (3) و قال المفيد في كتاب أحكام النساء: و لا يحل للمرأة أن تبدي زينتها لمن ليس بينها و بينها رحم من النساء كما تبدي لذوات الأرحام (4). و لا يجوز لهن الاجتماع في الحمامات على التعري مع من لا رحم بينها و بينها من النساء.

____________

(1) التنقيح الرائع، السيوري: ج 3، ص 22.

(2) الأنوار اللوامع، الشيخ العلامة العصفور: ج 10، ص 350.

(3) القواعد، النراقي، باب حد المحارب: ج 4، ص 546.

(4) أحكام النساء، الشيخ المفيد: ص 57.

40

و يظهر منه عدم جواز كشف المرأة جسدها للمرأة المماثلة الأجنبية، بل مواضع الزينة خاصة فضلًا من غير المماثل المحرم، و من ثمّ خص المحارم (بالذوات) أي الإناث. و أما عبارته في عدم جواز الاجتماع في الحمامات، فالظاهر إرادته عدم تعري الجسد لا العورتين بقرينة استثناء ذوات الأرحام، حيث لا يجوز لهن النظر إلى القبل و الدبر.

قال في المبسوط: فأما إذا اطّلع عليه ذو رحم محرم لنسائه لم يمكن رميه؛ لأن له النظر إليهن، فإن رماه فجنى عليه كان عليه الضمان. و إن كانت فيهن امرأة متجردة لم يكن له أن يطّلع عليها؛ لأنه لا يجوز أن ينظر إليها على هذا الوجه، فإن لم يرتدع كان له رميه، و إن جنى عليه لم يلزمه الضمان كالأجنبي سواء (1).

و على هذا المبنى المذكور في باب تغسيل الميت يشكل صحة النسبة إلى المشهور، بأن العورة في المحرم هي القبل و الدبر خاصة؛ و ذلك لأن الجواز في باب تغسيل الميت مأخوذ في موضوعه جواز النظر في حال الحياة، و من ثمّ قسموا المغسِّل إلى المماثل و المحرم و الزوج و الأجنبي المأخوذ في باب أحكام النظر.

ثمّ إنه قد يقال: إن مفاد آية الاستيذان في الدخول و الروايات الواردة في ذيلها- و كذا في فتوى الأصحاب- هو ضرب من الاستحباب و الآداب، فلا تدلّ على أن غير القبل و الدبر عورة محرمة في المحارم، و يعضده أنه لو كان غير القبل و الدبر عورة محرمة لما عُلّق على الاستيذان؛ إذ ليس هو حكماً من حق الناس، و إنما هو تكليف إلهي أيضاً.

____________

(1) المبسوط، الشيخ الطوسي: ج 8، ص 78.

41

و فيه: إن الاستيذان لا يتمحض ظهوره في الإذن المالكي و حرمة حق الطرف فقط، بل قد يظهر منه أن الاستيذان هو إعطاء الفرصة للبس الثياب، كما هو المتعارف المعتاد، و كما هو الحال في العورة المسلّمة من القبل و الدبر.

و قد يستدل لاختصاص العورة بالقبل و الدبر: بأن مورد آية الاستيذان و الروايات إنما هو في عورة القبل و الدبر لا في غيرهما، كي تدلّ على أنه عورة محرمة على المحارم.

و فيه: إن ما في بعض الروايات من اختصاص الخطاب في هذه الآية بغير المماثل، و أما المماثل فلا يستأذن، فجعلت المدار لا على المحرمية و الأجنبية، بل على المماثل و غير المماثل، مع أن المماثل يحرم عليه النظر إلى القبل و الدبر أيضاً، مما يعزز أن مورد العورة في الآية ليس هو القبل و الدبر، بل ما عداهما من محاسن الطرفين للمحرم، فتخصيص الخطاب بغير المماثل شاهد على افتراق الحكم بين المماثل و المحرم غير المماثل.

أدلة جواز نظر المحرم لما عدا القبل و الدبر

استدل مشهور متأخري المتأخرين و بعض المتأخرين على جواز النظر إلى المحرم ما عدا القبل و الدبر:

الدليل الأول: قوله تعالى: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ*

إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ أَوْ آبٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ أَوْ أَبْنٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوٰانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوٰانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوٰاتِهِنَّ أَوْ نِسٰائِهِنَّ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ أَوِ التّٰابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجٰالِ أَوِ

42

الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلىٰ عَوْرٰاتِ النِّسٰاءِ) (1).

بتقريب أن إبداء الزينة غير الظاهرة يشمل كلّ المحاسن ما عدا القبل و الدبر، و هو الذي استثنته الآية في حفظ الفروج قبل ذلك.

الدليل الثاني: الروايات العامة

منها: موثّقة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: «لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه و أخته و ابنته» (2).

و منها: موثّق سماعة، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن مصافحة الرجل المرأة، قال: «لا يحل للرجل أن يصافح المرأة إلّا امرأة يحرم عليه أن يتزوجها، أختاً أو ابنة أو عمة أو خالة أو بنت أخته أو نحوها» (3).

و منها: ما ورد في تغسيل الرجل أو المرأة محارمها، كصحيحة منصور، قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في السفر و معه امرأته يغسلها؟ قال: نعم و أمه و أخته و نحو هذا، يلقي على عورتها خرقة» (4).

و في موثّق عمار الساباطي في الصبية لا تصاب امرأة تغسلها، قال: «رجل أولى الناس بها» (5).

و خبر زيد الشحام، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة ماتت و هي في موضع ليس معهم امرأة غيرها، قال: «إن لم يكن فيهم لها زوج و لا ذو رحم‌

____________

(1) النور: 31.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104، ح 7.

(3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 115، ح 2.

(4) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 1.

(5) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 11.

43

- و في المصدر (محرم)- لها دفنوها بثيابها و لا يغسلونها، و إن كان معهم زوجها أو ذو رحم لها، فليغسلها من غير أن ينظر إلى عورتها» (1).

الدليل الثالث: الإجماع

و هو الإجماع المحكي في كلمات صاحب الحدائق و الجواهر، حيث ادعى الضرورة أيضاً.

الرد على الدليل الأول

إنّ ظاهر مورد الآية في الزينة التي تبدى للمحارم، و هي الزينة التي هي محل اشتراك بين المحارم و الزوج و المماثل من النساء و غير أولي الإربة من الرجال و الذين ملكت أيمانهم، فإن القدر المشترك بين هذه الأصناف من الزينة التي تبدى، هي شعر الرأس و الرقبة و أطراف الأعضاء، و إلا فلو بني على إطلاق الزينة لكلّ بدن المرأة لكان القبل و الدبر السائغ للبعولة سائغ للبقية، و هو كما ترى.

و من ثمّ لم يقع خلاف- إلّا ما شذ- في أن ما ملكت أيمانهم و غير أولي الإربة من الرجال لا يسوغ لهم من الزينة إلّا ذلك المقدار، كما هو مفاد النصوص و الفتاوى.

ثمّ إن الزينة التي تبدى في الآية هي زينة ثياب اليقظة لا ثياب النوم، و من ثمّ ذكر في هذه الآية ثلاثة عناوين: حفظ الفرج، و الزينة الظاهرة و الزينة غير الظاهرة، و قد مرّ أنه بيان لتقسيم العورة إلى ثلاث، كما أشارت إليه رواية أبي الجارود، و لك أن تقول إن الروايات الواردة فيما ملكت أيمانكم و في غير‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 7.

44

أولي الإربة من الرجال تفسر مورد الزينة في الرواية، و يؤيد هذا التفسير لمورد الزينة في الآية ما ورد في النصوص و الفتاوى من تفسير محاسن المرأة في مسألة جواز النظر إلى امرأة يريد تزويجها بالشعر و أطراف البدن و ما وصفت الثياب المرققة كما مرّ (1).

و يعضد استظهار معنى الزينة غير الظاهرة التي تبدى للأصناف المستثناة، أن الزينة في الوضع اللغوي و المعنى الحقيقي هو آلات الزينة من القلادة و قرامل الشعر و القرطين للأذن و السوار للمعاصم و نحو ذلك، و إرادة الموضع من الزينة بالتبع و يتحدد بالتالي بهذا القدر، و إن كان تزين المرأة لزوجها بثياب النوم شاملة لكلّ مواضع الجسد لا سيما بقرينة (إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ)*.

و قال في المسالك: في جواز نظر البالغ الخصي المملوك للمرأة إلى مالكته، ذهب إليه العلامة في المختلف و مال إليه الشيخ في المبسوط، لعموم قوله تعالى: (أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ)* الشامل للمملوك الفحل و الخصي، فإن فرض خروج الفحل بشبهة دعوى الإجماع بقي العام حجة في الباقي، و اختار المنع المحقق و الشيخ في الخلاف و العلامة في التذكرة، و حملوا الآية على الإماء (2).

الرد على الدليل الثاني

إنّ موثّقة السكوني لا تخلو عن إشعار بأن مورد الجواز هو ما ذكرنا في المحارم، من أنه شعر الرأس و الرقبة و الجيد و أطراف الأعضاء، و إلا لما كان لتخصيص الجواز بعنوان شعر الرأس وجه، إذا كان كلّ الجسد جائز عدا‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 6 ح 3.

(2) المسالك، الشهيد الثاني، أحكام النظر: ج 7، ص 51.

45

القبل و الدبر، و أما موثّقة سماعة فموردها المصافحة باليد، و هي محل وفاق نظراً و لمساً، و إنما الكلام فيما دون الجيد و ما فوق الساق.

و أما الروايات الواردة في تغسيل المحرم فهي مقيدة في النصوص الأخرى بما وراء الثياب، أي أن المحرم يغسل المحرم بدون أن يعرّي جسده، بل في نصوص أخرى التقييد بعدم وجود المماثل، و هذين القيدين قد وردا في جملة من فتاوى المتقدّمين و المتأخرين، لا سيما القيد الأوّل، و قد مرّ نقل اتفاق الأصحاب عليه و قطعهم فلاحظ.

و جملة من المتقدّمين قد قيدوا بالقيد الثاني أيضاً تبعاً للنصوص، و هذا مما يعطي أن العورة في المماثل تختلف عن العورة في المحارم، و أن المماثل حيث يجوز له رؤية الجسد عدا القبل و الدبر هو أولى بالتغسيل من المحرم غير المماثل.

و أما النصوص الواردة:

فموثّقة سماعة، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل مات و ليس عنده إلّا نساء، قال: «تغسله امرأة ذات محرم و تصب النساء عليها الماء و لا تخلع ثوبه، و إن كانت امرأة ماتت مع رجال ... و إن كان معها ذو محرم لها غسلها من فوق ثيابها» (1) و كذلك ما في موثّقة عمار الساباطي (2) و كذلك مصحح عبد الله بن سنان، حيث قيّد اللمس بوضع خرقة على اليد (3)، بل في رواية زيد الشحام التي استدل بها ... و سألته عن رجل مات في السفر مع نساء ليس‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 9.

(2) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 5.

(3) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 7.

46

معهن رجل ...، فقال: «و إن كان له فيهن امرأة، فليغسل في قميص من غير أن تنظر إلى عورته» (1)، و في رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) اشتراط المماثل مطلقاً. (2) و هو ظاهر ذيل رواية زيد الشحام المتقدّمة التي ذكرناها، و في رواية زيد بن علي أيضاً التقييد بالقيد الأوّل و هو من وراء الثياب (3)، و موثّق عمار الساباطي الذي مرّ في دليل الجواز الثاني ظاهره المفروغية من التقييد بالقيد الثاني و هو عدم المماثل، و في صحيح الحلبي الإشارة إلى كلا القيدين كما لا يخفى (4)، و لأجل ذلك ورد في بقية روايات الباب التي استدل بها القائلون بجواز النظر ورد فيها التعبير بأن المحرم تصب الماء عليه صبّاً، و هو إشارة إلى كلّ من وجود الثياب و عدم اللمس و الدلك باليد.

فتحصل: أن هذه الروايات الواردة في غسل الميت و المفتى بها عند الأصحاب قديماً و حديثاً دليل برأسه على اختلاف جواز النظر بين المماثل و المحرم، و معاضدة لما تقدّم استظهاره من الآيات الأربعة.

الرد على الدليل الثالث

إنّ ما ادعي من الإجماع و الضرورة، فقد مرّ نقل كلمات الأصحاب المتقدّمين و بعض المتأخرين، كالشيخ المفيد و العلامة في القواعد و السيوري في التنقيح و ما حكاه عن السعيد، مضافاً إلى جملة فتاواهم قديماً و حديثاً في تغسيل الميت كما مرّ، و هي ناصّة على اختلاف الحكم في النظر بين المماثل‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 7.

(2) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 10.

(3) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 20 ح 8.

(4) وسائل الشيعة، أبواب غسل الميت: ب 24 ح 3.

47

و المحرم، و هي أصرح موضع يقف عليه المتتبع لفتاوى المتقدّمين و المتأخرين و متأخريهم في باب النظر، و إلا فقد تتبعنا جملة من كتب المتقدّمين فلم نقف لهم على تصريح في باب النظر من كتاب النكاح و كتاب التخلي، فلم نقف لهم على تصريح بجواز نظر المحرم إلى الجسد عدا القبل و الدبر.

نعم في باب حد المحارب تعرضوا إلى نظر المحرم، فيما لو اطلع على بيت محرم له من ثقب و نحوه أو من على جدار، و كان المطلع رحماً لنساء صاحب المنزل، أنه لو كان من النساء مجردة جاز زجره و رميه، و عللوا ذلك بأنه ليس للمحرم هذا الاطلاع المتضمن للعورة و الجسد، كما مرّ في فتوى القواعد و المبسوط، و الغريب أن صاحب الجواهر مع دعواه الضرورة تأمل في حرمة النظر إلى بدن المحرم مع عدم الريبة (1).

فتحصل: أن المحصل من ظاهر الآيات الأربعة و الروايات الواردة في تغسيل الميت و فتاوى الأصحاب في ذلك هو أن السائغ من نظر المحرم هو ما ورد في النصوص من مقدار جواز نظر المملوك و غير أولي الإربة من الرجال (2).

و يؤيد ما تقدّم ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) قال: «يا رسول الله، أمي أستأذن عليها؟ قال: نعم، قال: و لم يا رسول الله؟ قال: أ يسرك أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن» (3).

____________

(1) الجواهر، محمد علي النجفي: ج 41، ص 662- 663.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 111 و ب 124.

(3) مستدرك الوسائل، المحدث النوري، المحدث النوري، أبواب مقدمات النكاح: ب 92 ح 4، (عن رجل).

48

و بنفس الإسناد قال: قال علي (ع): «قال رجل لرسول الله (ص): يا رسول الله أختي تكشف شعرها بين يدي؟ قال: لا، إني أخاف إن أبدت شيئاً من محاسنها و من شعرها و معصمها أن تواقعها».

و المراد من العري في الرواية الأولى ليس كشف القبل و الدبر خاصة، بل المقصود نزع الثياب، كما مرّ تقريبه في آية الاستيذان، و هو إلقاء ثياب اليقظة و الكون في ثياب النوم- الملابس الداخلية- و أما الرواية الثانية، فموردها و إن كان الريبة إلّا أنها لا تخلو من تأييد بلحاظ أن ما دون الجيد من باطن الجسد مورد للفتنة غالباً.

الدليل الرابع: آية القواعد من النساء

قال تعالى: (وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1).

القواعد من النساء كما في جامع الشرائع ليحيى بن سعيد و كنز العرفان للسيوري: اللاتي يئسن من المحيض و الولد، و لا يطمعن في نكاح لكبر سنهن، فقد قعدن عن التزويج لعدم الرغبة فيهن (2)، و قال الجزائري في التحفة السنية: وهن العجائز البالغات حداً تنتفي الفتنة و التلذذ بنظرهن غالباً (3).

و قال الفيومي في المصباح: و قعدت المرأة عن الحيض أسنت و انقطع حيضها فهي قاعد، و قعدت عن الزوج فهي لا تشتهيه.

____________

(1) النور: 60.

(2) جامع الشرائع، يحيى بن سعيد: ص 396، كنز العرفان: ج 2، ص 226.

(3) التحفة السنية، الجزائري: ص 300.

49

و قال في المقال: امرأة قاعد عن الحيض و النفاس (1).

و قال صاحب الجواهر: اللاتي لا يرجون نكاحاً، أي يئسن من المحيض و الولد و الطمع في النكاح. (2)

و المحصل من كلماتهم في القواعد هي التي قعدت عن الحيض و يئست عن لذة النكاح.

فالمراد من عدم رجاء النكاح ليس خصوص العقد، بل الوقاع أيضاً لكبر سنها، لكن بقرينة ذيل الآية (غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ) قد يظهر منها عدم انطفاء الشهوة من رأس منها، و إن كانت ضعيفة.

و أما الثياب التي يضعنها ففي صحيح الحلبي و غيرها من الصحاح (3) تفسيرها بالخمار و الجلباب، و هذا التقسيم في الآية للثياب ظاهر بين في تصنيف الآية الكريمة، نظير آية الجلباب في سورة الأحزاب إلى صنفين، ثياب ظاهرة و ثياب باطنة غير ظاهرة، و المراد من الثانية ليس ما يصطلح عليه في عصرنا بالملابس الداخلية، و إنما المراد بها ثياب البيت بخلاف ثياب الخروج، فإنها توضع على الثياب الأخرى و هو الملحفة أو الملاءة أو الإزار أو العباءة أو الخمار أو الجلباب، و أشار إلى هذا التصنيف من الثياب السيوري في كنز العرفان و كذلك في المسالك للفاضل الجواد، و أن القواعد يباح لهن وضع الثياب الظاهرة و يحرم إظهار موضع الزينة الخفية.

____________

(1) نقلًا عن التحقيق في ألفاظ القرآن: ج 9، ص 297.

(2) الجواهر: ج 29، ص 85.

(3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 110.

50

ففي الآية نفس المفاد الذي مرّ في آية الجلباب من تصنيف الثياب الواجبة إلى صنفين.

و عن الكشاف: إن المراد بالثياب الثياب الظاهرة كالملحفة و الجلباب الذي فوق الخمار.

الدليل الخامس: الروايات الواردة في المقام و هي على نمطين:

منها: ما دل على الحرمة

ففي حسنة عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، و كم من نظرة أورثت حسرة طويلة» (1) و في الصحيح إلى ابن أبي نجران عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع): «ما من أحد إلّا و هو يصيب حظاً من الزنا، فزنا العينين النظر وزنا الفم القبلة وزنا اليدين اللمس صدّق الفرج ذلك أو كذّب» (2).

و في صحيح الكاهلي، قال: قال أبو عبد الله (ع): «النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة و كفى بها لصاحبها فتنة» (3)، و في رواية أبي الطفيل عن علي بن أبي طالب (ع): «إن رسول الله (ص) قال له: يا علي، لك كنز في الجنة و أنت ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى و ليس لك الآخرة» (4)، و قد‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 1.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 1.

(3) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 6.

(4) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 14.

51

رواها الصدوق بطريق في معاني الأخبار و بطريق آخر في الخصال و بإسناد ثالث في العيون، و لكن بتعابير مختلفة، كالتعبير ب‍- «أول نظرة لك و الثانية عليك»، نعم في الخصال في حديث الأربعمائة بسنده المعروف نفس المضمون.

و الصحيح إلى داود بن أبي يزيد العطار، عن بعض أصحابنا، قال: قال أبو عبد الله (ع): «إياكم و النظر فإنه سهم من سهام إبليس، و قال: لا بأس بالنظر إلى ما وصفت الثياب» (1).

و جاء في الحديث أيضاً: «ذهاب النظر خير من النظر إلى ما يوجب الفتنة» (2).

و منها: ما يوهم الجواز

1- صحيحة علي بن سويد، قال: قلت لأبي الحسن (ع): «إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي، لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق، و إياك و الزنا، فإنه يمحق البركة و يهلك» (3).

2- مصححة محمد بن سنان عن الرضا (ع) فيما كتبه إليه من جواب مسائله، و حرّم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج و إلى غيرهن من النساء، لما فيه من تهييج الرجال، و ما يدعو إليه التهييج من الفساد، و الدخول‌

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي، أبواب جملة من أحكام الرجال و النساء الأجانب: ح 4.

(2) مستدرك الوسائل، المحدث النوري، المحدث النوري: ج 14، ص 271.

(3) وسائل الشيعة، أبواب النكاح المحرم: ب 1 ح 3.

52

فيما لا يحل و لا يجمل، و كذلك ما أشبه الشعور، إلّا الذي قال الله تعالى: (وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ) أي غير الجلباب، فلا بأس بالنظر إلى شعورهن (1)، و تخصيص الحرمة بالشعر في الروايتين السابقتين دال بالمفهوم على الجواز في الوجه و الكفين.

3- عن رسول الله (ص) قال: «من اطلع في بيت جاره فنظر إلى عورة رجل أو شعر امرأة أو شي‌ء من جسدها كان حقاً على الله أن يدخله النار مع المنافقين» (2) هذا.

و غيرها من الروايات التي يقف عليها المتتبع، مع أن ما تقدّم من الروايات الحرمة محمولة على الريبة أو التلذذ، كما يشير إليه التعبير بسهم الشيطان.

الرد على الاستدلال بهذه الروايات على الجواز

أما صحيحة علي بن سويد فلا يمكن الأخذ بالمنساق المتراءى الأولي منها، حيث أن المنسبق من الإعجاب النظر بتلذذ، و من ثمّ انبرى الأعلام لتوجيهها.

و المحصل من مفادها- بقرينة تقديم فرض الابتلاء بالنظر إلى المرأة الجميلة- كون الخلطة بالنساء شغلًا له لمهنته، فوقوع النظر إليهن بسبب ذلك يتوجب النظر وقوع إعجابه، فنفيه (ع) للبأس عن كلّ من الأمرين، أي عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 12.

(2) وسائل الشيعة، أبواب مقدمات النكاح: ب 104 ح 16.

53

النظر الأوّل؛ لأنه اتفاقي بسبب ابتلاء المهنة معهن و عن الإعجاب الحاصل من ذلك الذي هو جبلّي، قيّده بعدم انضمام ذلك إلى الميل إلى الحرام، بقوله (ع): «من نيتك الصدق» في قبال التحذير بإياك و الزنا، المراد به مطلق الحرام، فلا دلالة في الرواية على جواز النظر مطلقاً مع عدم اللذة و الريبة.

و أما الروايتين التاليتين، فإثبات التحريم في الشعر و نحوه لا مفهوم له دال على الجواز في الوجه، بعد عدم كون مفهوم اللقب حجة، مع أن الرواية الثانية منهما في بعض فقراتها إطلاق.

و أما تخصيص روايات الحرمة بالنظر الذي فيه لذّة أو ريبة، فقد تقدّم في بحث الريبة أنها قابلة للانطباق على التحديق و تركيز النظر و ملأ العين، و هو بداية مراتبها، و التفصيل بين النظرة الأولى و الثانية في روايات النمط الأوّل هو بلحاظ التركيز و عدمه.

الدليل السادس: التعليل الوارد في حرمة الخلوة مع الأجنبية

إن من الوجوه الدالة أيضاً على قاعدة حرمة الريبة و الفتنة التعليل الوارد في حرمة الخلوة مع الأجنبية بمعرضية إيقاع الشيطان الفتنة الحرام بينهما (1) حتى أنه شذ بعضهم عن حرمة مطلق الخلوة و قيدها بالفتنة.

محصلة قاعدة الريبة و الفتنة:

إن التعاريف المختلفة للريبة المتقدّمة يتم على ضوئها تطبيق القاعدة على النظرة الثانية، أو ما يعبّر عنه بمل‌ء العين و التحديق في النظر، أي على المقدار الذي دلّت عليه آية الغض من الحرمة في النظر، و هذا التطبيق لا‌

____________

(1) وسائل الشيعة، أبواب الإجارة: ب 31 ح 1.

54

(مسألة 27): يجوز النظر إلى نساء أهل الذمة، بل مطلق الكفار، مع عدم التلذذ و الريبة، أي خوف الوقوع في الحرام، و الأحوط الاقتصار على المقدار الذي جرت عادتهن على عدم ستره، و قد يلحق بهم نساء أهل البوادي و القرى من الأعراب و غيرهم، و هو مشكل، نعم الظاهر عدم حرمة التردّد في الأسواق و نحوها مع العلم بوقوع النظر عليهن، و لا يجب غض البصر إذا لم يكن هناك خوف افتتان. (1)

يخصص قاعدة الريبة و الفتنة، بل هي قاعدة مطردة في باب صنوف العلاقة بين الجنسين، و قد اعتمدها الأصحاب في فروعات عديدة، بل و فيما بين الجنس الواحد.

قاعدة: في النظر و أنه حق أو حكم تكليفي

فرع: النظر إلى الكفار و أهل الذمة و البوادي و نظائرهم

[المشهور جواز النظر إلى وجوه أهل الذمة و شعورهن و أيديهن]

____________

(1) نسب إلى المشهور جواز النظر إلى وجوه أهل الذمة و شعورهن و أيديهن كما صرّح غير واحد، بل يظهر من النراقي في المستند الميل إلى جواز النظر إلى سائر جسدهن و عوراتهن و عورات رجال الكفار، و قال: إلّا أني لم أعثر على مصرّح بالتجويز، فإن ثبت الإجماع و إلّا فالظاهر الجواز، و قال المجلسي في مرآة العقول في ذيل صحيح ابن أبي عمير الوارد في عورة الكافر (1): يظهر من المؤلّف- الكليني- و ابن بابويه* القول بمدلول الخبر، و يظهر من الشهيد و جماعة عدم الخلاف في التحريم مطلقاً، و عُلّل‌

____________

(1) مرآة العقول، ابن شعبة الحران: ج 22 ص 404.