تبيان الصلاة - ج1

- السيد حسين البروجردي المزيد...
259 /
1

الجزء الأول

تبيان الصّلاة تقرير البحث‌

فخر الشّيعة و مفخر الشّريعة‌

آية اللّه العظمى‌

الحاجّ السّيّد حسين الطّباطبائي البروجرديّ (قدس سره) الشّريف‌

لمقرّرّه‌

سماحة آية اللّه العظمى‌

الحاجّ آقا علي الصّافيّ الكلبايكاني‌

المجلّد الأوّل‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

4

اللّهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه السّاعة و في كلّ ساعة وليّا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتّى تسكنه ارضك طوعا و تمتّعه فيها طويلا‌

5

مقدمة الناشر

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على سيد الأنبياء و المرسلين محمد و على آله الطاهرين و لا سيّما على بقيّة اللّه فى الارضين و اللّعنة الدائمة على أعدائهم اجمعين من الآن الى قيام يوم الدّين‌

و بعد أيّها القارى العزيز هذا الّذي بين يديك هو الكنز العلمي الّذي لا ينفد و الراوية لظمآن التحقيق الّذي لا يظمأ بعده و القلّة الّتي يصعد إليها كلّ من يطلب العلى ممّا ألّفه بطل العلم و التدبّر آية اللّه العظمى الحاج آقا علي الصّافى الگلپايگاني دامت بركاته من محاضرات أبحاث الفقه الّتي القاها سيد الفقهاء و المجتهدين آية اللّه العظمى السيد آقا حسين الطباطبائى البروجردي (رحمه اللّه) في احكام الصّلاة الّتي هي اكثر من ساير ابواب الفقه من حيث الاصول و الفروع و نحمد اللّه و نشكره على ان يوفّقنا بطبعه و نشره.

و فى الختام يجب علينا كمال التقدير من جناب المؤلّف دام عزّه لا جازته لنا‌

6

بطبعه و نشره و من كل من ساعدنا في تحقيقه و تصحيحه و تنظيمه، خصوصا من نجله الشريف الحاج آقا مصطفى الصافي الّذي بذل جهده لاحيائه و لا سيّما من الفاضلين المحترمين، آيتين السيّد محمد الصمدي البهبهاني و الشيخ محمّد رضا الكميلي الموحّد، الّذين سعيا في تصحيحه و تنقيحه.

و السّلام على من التبع الهدى‌

7

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله اجمعين و لا سيما على بقية اللّه فى الارضين و لعنة اللّه على أعدائهم من الآن الى قيام يوم الدين.

و لا يخفى عليك أيّها الاخ الأعز أنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق الانسان عبثا و لم يتركه سدى، كما قال في كتابه الكريم أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لٰا تُرْجَعُونَ (1) و أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (2) بل هو مكلف و مأمور بتكاليف واجبة و منهية لا بدّ له من الفراغ منها بحكم العقل، و لا يحصل الفراغ منها ألا بالتعلم ممّن جعله اللّه واسطة بينه و بين خلقه من الأنبياء و المرسلين من الآدم الى الخاتم محمد بن عبد اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و الشيعة تعتقد بأن المرجع الوحيد للرجوع إليه و التمسك به للفراغ من هذه التكاليف هو إطاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته الطاهرين عليهم الصلاة و السّلام الّذين فرض اللّه علينا طاعتهم و وجب علينا معرفتهم، و هم النعمة الّتي ذكرها اللّه‌

____________

(1) سورة المؤمنون، الآية 115.

(2) سورة القيامة، الآية 36.

8

تعالى في كتابه، و هم الذين لا تخلو الارض من أحدهم، و هم أمان لاهل الارض و لو لا أحدهم في زمان لساخت الارض. (1)

كما نطق بذلك الآيات و هي مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2) و إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ (3) و أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في جواب الجابر بن عبد اللّه الانصاري (رحمه اللّه) السائل عن المقصود من اولى الأمر في الآية الشريفة هم خلفائي و أئمة المسلمين بعدي و الحديث هكذا.

و باسناده الى جابر بن عبد اللّه الانصاري قال لما أنزل اللّه عزّ و جل على نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قلت يا رسول اللّه عرفنا اللّه و رسوله فمن أولو الامر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هم خلفائي يا جابر و أئمة المسلمين من بعدي اولهم على بن ابى طالب الحسن ثمّ الحسين ثمّ على بن الحسين ثمّ محمد بن على المعروف فى التوراة بالباقر و ستدركه يا جابر فاذا لقيته فاقرأه منّى السّلام ثمّ الصادق جعفر بن محمد موسى بن جعفر ثمّ على بن موسى ثمّ محمد بن على ثمّ على بن محمد ثمّ الحسن بن على ثمّ سميّي و كنيّي حجة اللّه في أرضه و بقيته فى عباده ابن الحسن بن على، ذاك الّذي يفتح اللّه تعالى ذكره على يديه مشارق الارض و مغربها، ذاك الّذي يغيب عن‌

____________

(1)- اصول كافى، ج 1، كتاب الحجة، ص 334 الى 438.

(2)- سورة الحشر، الآية 7.

(3)- سورة آل عمران، الآية 31.

(4)- سورة النساء، الآية 59.

9

شيعته و اوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بامامته ألّا من امتحن اللّه قلبه للايمان، قال جابر فقلت له يا رسول اللّه فهل ينتفع الشيعة به في غيبته فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أى و الّذي بعثني بالنبوة أنهم ينتفعون به و يستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و ان تجلاها السحاب، يا جابر هذا من مكنون سر اللّه و مخزون علمه فاكتمه إلا عن أهله (1).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فى حديث الثقلين أنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما فلن تضلّوا أبدا.

و نصه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فى حديث الغدير من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه و هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد بلّغ الرسالة و أدّى الأمانة كما هى حقها و بيّن ما يحتاج إليه الناس من احكام معاشهم و معادهم و ما يحتاجون إليه في أمر دينهم و عقباهم الى يوم القيامة و لم يخف فى اللّه لومة لائم مع ما وقع عليه من الاذى كما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما اوذى نبيّ مثل ما أوذيت.

و لما قضى نحبه قام من نصبه لهذا المقام بأمر اللّه تعالى و هو وصيه بلا فصل و صهره أمير المؤمنين على بن ابى طالب (عليه السلام) و هو أيضا مع ما وقع له من المصائب كما قال (عليه السلام) (صبرت و فى العين قذى و في الحلق شجى).

قد ادّعى ما عليه كما هو حقه ثمّ قام الحسن ثمّ الحسين ثمّ على بن الحسين (عليهم السلام)، و جرى ما جرى و مضى ما مضى الى ان بلغ الامر الى الصادقين (عليهما السلام) و حصل لهما بفضل اللّه تعالى مناسبة لبيان الاحكام و فرصة لم يحصل لغيرهما (عليهم السلام) و قد‌

____________

(1) تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 499، ح 331.

10

استفادا من هذه المناسبة و الفرصة كمال الاستفادة لبيان الاحكام و تربية رجال العلم و قد جمع حولهما رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ و قد بذلوا جهدهم لفهم العلوم و نشرها و قد عدّوا عددهم أربعة آلاف رجل فيهم الفقيه و المحدث و الفلسفى و الحكمى، و استفادوا من علومهما و صنفوا في كل علم رسالة و سمّيت باصول أربعة مائة و هم (عليهما السلام) يكرمون اصحابهم و يعظّمونهم و يرجعون الناس إليهم للبحث و قد ملأ الكتب من المدح منهم (عليهما السلام) لاصحابهم «قال ابو عبد اللّه رحم اللّه زرارة لو لا زرارة و نظراؤه لاندرست أحاديث أبي» (1).

قال الباقر (عليه السلام) لأبان «اجلس فى (مسجد) مجلس المدينة فأفت الناس فانى أحب ان يرى في شيعتى مثلك» (2). ان أبا عبد اللّه قال لأبان بن عثمان «ان أبان بن تغلب قد روى عنّى رواية كثيرة فما رواه لك عنّى فأروه عنّي» (3).

و اذا مات أبان قال الصادق (عليه السلام) (موت أبان أوجع قلبى) و كذلك ديدنهم (عليهم السلام) الى زمان العسكرى (عليه السلام) من بيان الاحكام فى كل فرصة حصلت لهم و ارجاع الناس الى اصحابهم (احمد بن اسحاق عن ابي الحسن (عليه السلام) قال سألته و قلت من أعامل و عمّن آخذ و قول من أقبل فقال العمرى ثقتى فما أدّى أليك عنّى فعنّى يؤدّى و ما قال لك عنّى فعنّى قال فاسمع له و أطع فانّه الثقة المأمون قال و سألت أبا محمد عن مثل ذلك فقال العمرى و ابنه ثقتان فما أدّيا أليك عنّى فعنّى يؤدّيان و ما قالا لك فعنّى‌

____________

(1) الوسائل، ج 18، ص 104، ح 20.

(2) رجال النجاشى، ص 7- 8.

(3) الوسائل، ج 18، ص 101، ح 8.

11

يقولان فاسمع لهما و أطعهما فانّهما الثقتان المأمونان (1).

و لما استشهد العسكرى (عليه السلام) و وصلت الامامة الى صاحب العصر روحى له الفداء انقطعت السيرة المستمرة من ملاقاة الناس مع الامام (عليه السلام) و شرعت الغيبة الصغرى و قد عين (عليه السلام) اشخاصا لرجوع الناس إليهم و هم الرابط بينه و بينهم و هم أربعة رجال اولهم عثمان بن سعيد و ثانيهم محمد بن عثمان بن سعيد و ثالثهم حسين بن روح و رابعهم السمرى.

و لما حان سفر السمرى من الدنيا خرج إليه توقيع من الناحية المقدسة (بسم اللّه الرحمن الرحيم يا على بن محمد السمرى اعظم اللّه أجر اخوانك فيك فانّك ميّت ما بينك و بين ستة أيام فأجمع أمرك فلا توص الى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت التامة) (2).

و بعد موته تمت الغيبة الصغرى و شرعت الغيبة الكبرى و لم يعين روحى له الفداء شخصا معينا لرجوع الناس إليه بل بعد ورد التوقيع بخطه الشريف على يد محمد بن عثمان العمرى (أما ما سألت عنه ارشدك اللّه و ثبتك الى ان قال و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه عليهم) (3).

فانّه (عليه السلام) أرجع الناس الى رواة حديثهم و هم (رضوان اللّه تعالى‌ عليهم) قد شدّوا رحالهم و بذلوا جدهم فى بيان الاحكام و ارشاد الناس و ابطال البدع و الدفاع‌

____________

(1)- الوسائل، ج 18، ص 100، ح 4.

(2)- بحار الانوار، ج 51، ص 361.

(3)- الوسائل، ج 18، ص 101، ح 9، بحار الانوار، ج 53، ص 181.

12

عن حوزة الدين و احكام سيد المرسلين كمال البذل و الجهد، و قد استشهد بعضهم فى هذا الطريق و صار بعضهم مسجونا و قد ابتلى بعضهم بالنواصب و أهل البدع و قد أحرقوا كتبهم فجزاهم اللّه عن الاسلام خير الجزاء و لم يمنعهم عن هذه المجاهدة شي‌ء و لم يخافوا في طريق الهدى لقلة أهله و قد أخذ الخلف عن السّلف هذه الطريقة و خذوا خذوهم.

و كلّما آل سوق الدين الى الكساد لجور الظلمة و شياطين الانس و الجن أخرج اللّه بقدرته رجلا لاحياء الدين و إطفاء سنن الجبارين كالكلينى فى المائة الثالثة و المجلسى و الوحيد البهبهاني و المجدد الشيرازي و غيرهم الذين أحيوا الدين و جدّدوا المذهب في رأس كل مائة و لم يستثن أمر الحوزة المقدسة بقم من هذا النوائب و المصائب و المحن في هذا الازمان خصوصا في زمان مؤسس الحوزة العلمية مرحوم آية اللّه العظمى الحاج الشّيخ عبد الكريم الحائرى (رحمه اللّه).

و بعد ارتحاله صار أمر الحوزة الى الزوال و لم تبق على حالته السابقة لكثرة البلاء و المحن على الحوزة و العلماء من الظلمة و دخالتهم في امر الحوزة و تشتت بال العلماء و الطلاب من جهة هذا الأمر حتّى لم يتمكّنوا لإقامة مجلس العزى له (رحمه اللّه) و قد بذل المراجع الثلاثة آية اللّه العظمى السيّد محمد الحجة و آية اللّه العظمى السيّد محمد التقى الخوانساري و آية اللّه العظمى السيّد صدر الدين الصدر قدس اسرارهم فى هذا الزمان جهدهم لحفظ الحوزة و كيانها و تحملوا المصائب و المشاق فجزاهم اللّه خير الجزاء و حشرهم اللّه تعالى مع النبي و آله (عليهم السلام) حتّى منّ اللّه تعالى على المسلمين عموما و الحوزة المقدسة خصوصا بورد بطل من ابطال العلم بقم و هو شمس سماء الفقاهة زعيم الحوزة و نائب الحجة آية اللّه العظمى الحاج آقا السيّد‌

13

حسين الطباطبائى البروجردي (قدس اللّه نفسه الشريفة).

و كونه طباطبائيا باعتبار انتسابه الى جده السابع و العشرين ابراهيم طباطبا و سلسلة اجداده الامجاد على ما كتب على لوح قبره الشريف هكذا آية اللّه العظمى السيّد حسين بن على بن احمد بن على النقى بن الجواد بن المرتضى بن محمد بن عبد الكريم بن المراد بن شاه اسد اللّه بن جلال الدين الامير بن الحسن بن مجد الدين بن قوام الدين بن اسماعيل بن عباد بن ابى المكارم بن عباد بن ابى المجد بن عباد بن على بن حمزة بن طاهر بن على بن محمد بن احمد بن محمد بن احمد بن ابراهيم طباطبا بن اسماعيل ديباج بن ابراهيم الغمر ابن الحسن المثنى.

و بعد أقامته بقم شرع فى التدريس و تربية الطلاب و أحيى العلم و العلماء بذكر اقوالهم و طبع كتبهم و نشرها و لو لا احتمامه (رحمه اللّه) لم يكن اليوم منها عين و لا أثر، و بعد انتشار وروده بقم المقدسة جمع حوله للاستفادة من جنابه جمع كثير من العلماء و الفضلاء و صار مجلس درسه حينئذ مجلسا خطيرا ثمينا قيّما محل جولان الابطال يحضره كل من صار مرجعا للمسلمين بعد ارتحاله و بعد اجابة دعوة ربه المرجع الدينى الاعلى المغفور له آية اللّه العظمى السيّد ابى الحسن الاصفهانى (رحمه اللّه) انتهت إليه الرئاسة العامة للمسلمين و نشر لواء الاسلام من الشرق الى الغرب و لاجل خلوص نيته هيأ اللّه له الفرصة و المناسبة لترويج الدين فجزاه اللّه خير الجزاء و حشره مع أجداده الطاهرين.

لا يخفى عليك أيّها القارى الكريم هذا الّذي بين يديك هو السفر العلمي الجليل من تقريرات دروسه القيّمة الّذي القاه (رحمه اللّه) فى محاضرات الثمينة في أحكام الصّلاة الّتي هي من أعظم مباحث الفقه من حيث كثرة الفروع و الانواع في مجمع‌

14

عظيم من جهة الكميّة و الكيفيّة الّذي جمع فيه رجال العلم و الدّين و ورد في البحث فيه مع النشاط العلمي و صعد فيها قللها الرفيعة و فتح أقفال فصورها العظيمة بعبارات كافية شافية وافية سهل التناول لكل من حضره مع كون مطالبها بديعة في فنها صعبة من حيث استنباطها من مصادرها.

و قد جمع (رحمه اللّه) بين المتناقضات فى مقام التدريس لانّها مع كونها مطالب مهمّة جديدة مشكلة من حيث البناء و المبنى و إقامة الدليل و الاشكال فيها و إلقائها بانواع مختلفة و بقوله (رحمه اللّه) (أنا في كل يوم رجل) لكن لاجل كونه (رحمه اللّه) ذي بيان بليغ و تسلّط قوى على ردّ الفروع على الاصول و ذكر المتشابهات و الشواهد المناسبة للموارد كل من حضر فى مجلس درسه يقدر على الاستفادة من جنابه و اقتفائه من هذه الشجرة الطيّبة المثمرة بقدر استعداده.

الّذي قرّره العلّامة آية اللّه العظمى الحاج آقا على الصّافي الكلبايكاني دامت بركاته من بحوثه الشريفة الّذي حضر مجلس درسه (رحمه اللّه) من أوّل وروده بقم و شروعه فى التدريس حضور تعمّق و تدبر و هو (رحمه اللّه) يعتقد بجودة ذهنه و دقّة نظره و جولان فكره و لهذا يسمع كل ايراد منه و أجاب مع أنّ التّكلّم في مجلس درسه مشكل يحتاج الى الجسارة من جهة مهابته و تسلّطه على الاقوال من العامّة و الخاصّة و كتبهم و لم تكن مسئلة او فرع قابلة للبحث الّا و له كلام و ايراد عليهما و لو نظرت الى هامش الكتاب تصدّق ادعائنا و تعرف مآل الدّرس الى ميدان جولان العلم و الدّقة و النّظر و الايراد و خرج عن صرف التدريس الى المباحثة و لو أشكل شخص آخر قال (رحمه اللّه) «الكلام كل الكلام ما قاله الصافي» و ليس بعده شي‌ء قابلا للبحث.

15

و لا يخفى عليك انّ الكتاب طبع فى ثمان مجلّدات و لم يكن على منوال لكتب الّتي صنفت في الصّلاة من حيث الترتيب و ذلك لانّه (رحمه اللّه) شرع أوّلا فى البحث عن صلاة الجمعة و ثانيا في الصّلاة المسافر ثمّ شرع فى البحث عن أصل الصّلاة و آخر بحثه فى الصّلاة البحث عن صلاة الجماعة.

و لم يرض المقرّر دام عزّه العالى التّخلّف عن سيرته الشريفة و أمر بطبعه كذلك و سمّاه به (تبيان الصّلاة) لانّ التبيان على ما في مجمع البحرين (1) معناه (جعل الشي‌ء مبنيّا مع الحجّة) و حيث كان بناء الكتاب على ذكر احكام الصّلاة مع الدليل و البرهان و تبين مسائلها و فروعها بالدّليل و البرهان سمّى به.

و لاجل بصيرة الناظر فى هذه الكتب الثمانية نذكر فهرسة ما يشتمل عليه كل مجلد من المطالب.

فمجلّد الاوّل: مشتمل على المقدّمة و البحث عن الصّلاة الجمعة و المسافر الى حكم قواطع السفر.

و المجلّد الثّاني: مشتمل على البحث عن قواطع السفر الى آخر احكام صلاة المسافر من التخيير في أماكن الاربعة.

و المجلّد الثالث: فى المقدمة الاولى و الثانية و الثالثة و الرابعة للصّلاة، أعنى فى اعداد الفرائض و النوافل و المواقيت و القبلة و الستر و الساتر.

و المجلّد الرابع: في حكم لباس المصلّى و فى المقدمة الخامسة أعنى مكان المصلّى و فى المقدّمة السادسة أعنى الاذان و الاقامة.

____________

(1)- مجمع البحرين، ص 500.

16

و المجلّد الخامس: في افعال الصّلاة من النيّة و القيام و تكبيرة الاحرام و القراءة.

و المجلّد السادس: في بقيّة افعال الصّلاة من الركوع و السجود و التشهّد و التّسليم و قواطعها.

و المجلّد السابع: فى الخلل و الشكوك و قضاء الصّلوات و متابعة المأموم للإمام.

و المجلّد الثامن: في صلاة الجماعة و صلاة الاحتياط و سجدة السّهو.

قبض عليه الرحمة فى يوم الخميس من شهر شوال المكرم سنة 1380 و دفن فى مدخل المسجد الاعظم الّذي بناها في جوار قبر كريمة أهل البيت فاطمة المعصومة بنت موسى بن جعفر (عليهما السلام) و صارت مدينة قم يومئذ ضجة واحدة لفقده عاش سعيدا و مات سعيدا.

السيد محمد الصّمدى البهبهاني‌

17

كتاب الصّلاة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و اللعنة على اعدائهم من الآن الى يوم الدّين‌

و بعد فاعلم انّه لما فرغ سيدنا الأستاذ آية اللّه العظمى (رحمه اللّه) الّذي انتهت إليه الرئاسة الدينية الحاج آقا حسين البروجردي الطباطبائى مد ظله العالي على رءوس المسلمين من مباحث الوصايا و كتبت تقريراته مع ما خطر ببالي القاصر، شرع في المباحث المتعلقة بالصلاة و تحقيق مهمات مسائلها في اليوم الثامن من شهر جمادى الثّانية من شهور سنة 1367 من الهجرة فاريد ان أكتب ما استفدت من افاداته الشريفة في حدود التمكن و الاستطاعة مع ما وصل إليه فكري القاصر إن شاء اللّه تعالى، فنقول و منه التوفيق و عليه التوكل و به استعين.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

كتاب الصّلاة لا اشكال في أن الصّلاة من اهم العبادات و اقدمها و لا شي‌ء بعد المعرفة افضل منها.

و الكلام في كون لفظها من الحقائق الشرعية أو باقية على معناها اللغوي قد تحقق في الاصول.

و قلنا: بأن ماهية الصّلاة ليست من الأمور الّتي اخترعت في شرع الاسلام بحيث لم يكن قبل دين الاسلام منها عين و لا أثر.

بل قلنا: بأن الصّلاة هي عبارة عن عبادة مخصوصة، و خضوع خاص، و توجه مخصوص الى الرب، و غاية خشوع العبد لمولاه و كانت قبل الإسلام ثابتة في ساير الشرائع كما ينادى بذلك الكتاب الكريم مثل قوله تعالى نقلا عن المسيح على نبينا و آله و (عليه السلام) وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا (1) و يكون عند الاعراب أيضا عبادة خاصة مسماة بالصّلاة و لو لم تكن عبادة حقيقة، و لذا‌

____________

(1)- سورة المريم، الآية 31.

22

قال اللّه تعالى وَ مٰا كٰانَ صَلٰاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلّٰا مُكٰاءً وَ تَصْدِيَةً (1) فصلواتهم و ان كانت باللهو اشبه، و ما كان فيها روح العبادة و لكن المقصود ان عندهم شيئا متداولا باسم العبادة مسمّاة بالصّلاة.

[الصّلاة بعنوان كونها عباده ليست مخترعة فى الاسلام]

فالصّلاة بعنوان كونها عبادة مخصوصة ليست من الأمور المخترعة في الاسلام، بل كانت قبل الاسلام، غاية الأمر صورتها قد اختلفت بحسب الشرائع و شرع الاسلام أيضا تصرّف في خصوصياتها، لا أن الاسلام جاء بما لم يكن في الشرائع السالفة، ففرق الصّلاة الّتي أمر في الاسلام بادائها مع الصّلاة الّتي كانت في الامم السالفة ليست الا باعتبار الخصوصيات، فعلى هذا من اوّل الاسلام كانت الصلاة عبارة عن العبادة المخصوصة و تصرف الشرع فيها من قبيل التخطئة في المصداق.

[في حمل الاطلاقات على ما هو مراد الشارع]

و ما قلنا من كون الصّلاة عبادة خاصة غير مخصوصة بشرعنا لا يصير سببا لانّ يقال: بأنّه على هذا لو شككنا في اعتبار شي‌ء في الصّلاة و عدم اعتباره يصح التمسك بالإطلاقات الواردة بلفظ الصّلاة في الباب، و الالتزام بعدم دخل ما شك في اعتباره و دخله فيها، و الحكم بأن المسلم هو ما اعتبر في الصّلاة قبل الشرع و ما صار دخله فيها من ناحية الشارع مسلما لعدم الاجمال على ما بينت في مفهوم لفظ الصلاة، لأنه لو كان نظر الشارع الى اعتبار أمر آخر في الصّلاة وجودا او عدما كان اللازم عليه البيان بمقتضى الحكمة، و حيث لم يبين ذلك فنكشف كون المعتبر عنده ما هو المعتبر في ساير الشرائع.

____________

(1)- سورة الانفال، الآية 35.

23

لانّا نقول: بأنّه بعد ما بين الشارع قولا و عملا ما هو المعتبر في الصلاة، و ما هو دخيل فيها وجودا او عدما، حتى نقل من طرق العامة قريب من هذه المضامين «إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جاء المسجد فصعد المنبر و صلّى و قال: صلوا كما رايتموني اصلي» فبين ما هي الصّلاة عنده، فكل ما ورد في القرآن و في لسانه و لسان الائمة (صلوات اللّه عليه و عليهم) من الاطلاقات الواردة في الصّلاة منزلة على ما هو مراده و بيّنه للناس، فلا يمكن حمل الاطلاقات إلّا على ذلك لا على ما هي الصّلاة عند ساير الشرائع، فافهم.

ثمّ انّه بعد ما عرفت من كون الصّلاة حقيقة في عبادة مخصوصة، و ليست اخترعها الشارع، بل كانت قبل شرعنا أيضا لا ثمرة في تطويل الكلام في ما هو معناها في اللغة.

كما لا ثمرة في التكلم في أن الصّلاة المصطلحة مأخوذة من اى معنى من معانيها اللغوية، و هل هي مأخوذة من مادة (صلو) أو من مادة (صلى) أو انّها في اللغة كانت بمعنى الدعاء، و الصلاة المصطلحة مأخوذة منها، كما لا يبعد كونها مأخوذة من الصلاة بمعنى الدعاء.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في ما هو المهم في المقام و نقول: إن الكلام في باب الصلاة و العلم باحكامها يستدعى بيان اركان.

الركن الاول: في بيان الأمور الّتي ينبغي التكلم فيها قبل التكلم في أصل ماهية الصّلاة و الاحكام المتعلقة بها و هي امور:

الأمر الاول: في اعداد الصلاة: و هي إمّا فرض و إمّا نفل.

24

[في ذكر الصلوات المفروضة]

و الفرض منها تسعة على ما قاله العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد و بعض آخر.

أوّلها: الصلوات اليومية.

ثانيها: صلاة الجمعة.

ثالثها: صلاة العيدين.

رابعها: صلاة الكسوفين.

خامسها: صلاة الزلزلة.

سادسها: صلاة الآيات.

سابعها: صلاة الطواف.

ثامنها: صلاة الاموات.

تاسعها: ما يلتزمه الانسان بنذر و شبهه.

و بعضهم عدوها سبعة بعدم عد صلاة الاموات من الصلوات و ان كان عدها من اقسام الصّلاة ممكننا بناء على ما قلنا من كون الصّلاة عبادة مخصوصة و حضورا خاصا عند المعبود، لأنّ صلاة الميت أيضا مثل ساير الصلوات و ان لم يكن لها ركوع و لا سجود، لانها أيضا حضور خاص عند المعبود و توجه العبد الى مولاه و عبادة مخصوصة‌

و جعل الجمعة مندرجة في اليومية لكونها واحدة منها.

أو خمسة بجعل صلاة الزلزلة و الكسوفين و الآيات كلها واحده و هي الآيات.

أو أربعة بجعل ما وجب بالنذر و شبهه خارجا عن التقسيم، لأنّ هذا التقسيم‌

25

يكون باعتبار ما فرض على الناس بالاصالة لا ما يصير واجبا بالعرض مثل ما وجب على الشخص بالنذر و شبهه.

ثمّ إن وجوب الصلوات اليومية من الضروريات في الاسلام بحيث لا يرتاب في ذلك كل من دخل في ربقة الاسلام.

و مسلم أيضا بأنها عبارة عن الصلوات الخمس المتعلقة بكل يوم و ليلة، و هي أربع ركعات للظهر، و أربع للعصر، و ثلاث للمغرب، و أربع للعشاء، و ركعتان للصبح و ليست زائدة منها عند الخاصّة و العامة، و لم يحك مخالف في ذلك لا عندنا و لا عند العامة إلّا ما نسب الى ابي الحنيفة، فانّه قال بوجوب صلاة الوتر و هي ثلاث ركعات بادخاله الشفع فيها، و لا يعتنى بكلامه و مخالفته لوضوح بطلان كلامه.

و أمّا وجوب صلاة الاموات أيضا من الضروريات و لا خلاف في ذلك بين الخاصة و العامة في مورده و هو ما كان الميت مسلما.

و أمّا صلاة الآيات فوجوبها من متفردات الامامية و لم ينقل وجوبها من العامة، فهم متفقون في عدم وجوبها و ان اختلفوا في استحبابها فبعضهم قالوا باستحباب خصوص صلاة الكسوف. و بعضهم باستحبابه مع استحباب صلاة الخوف. و بعضهم بزيادة استحباب صلاة الزلزلة و لم يقل أحد منهم باستحباب الصلاة لآيات أخر كالريح السوداء و غيره.

و أمّا صلاة العيدين فالامامية متفقون على وجوبهما مع حصول شرط وجوب صلاة الجمعة، و انه إذا ذهب امام واجب الطاعة أو من نصبه الامام لذلك الى الصحراء، وجب على كل من وجب عليه صلاة الجمعة السعى و المشي الى صلاة‌

26

العيد بالوجوب العينى لا بالوجوب الكفائى.

[في نقل اقوال العامّة فى الواجب و الاستحباب]

و أمّا العامة فاختلفوا في ذلك.

فبعضهم و هو ابو حنيفة فكان قائلا بمقالتنا و انه وجب السعي عينا على كل أحد ممّن اجتمعت فيه شرائط الوجوب.

و بعضهم قائل بوجوبها بالوجوب الكفائى بمعنى انّه بعد حضور الامام لا قامتها، يجب على الواجدين لشرط الوجوب الحضور للصلاة وجوبا كفائيا بالمقدار الّذي يحفظ حشمة الامام، فبعد حضور هذا المقدار لا يجب على غيرهم.

و بعضهم قالوا باستحباب الحضور للصلاة و عدم وجوب ذلك أصلا لا بالواجب العينى و لا الكفائي.

و أمّا صلاة الجمعة فوقع الكلام في أنها هل تكون صلاة مستقلة، أو تكون من الصلوات اليومية، فبعض قال بكونها من جملة الصلوات اليومية و عدم كونها صلاة مستقلة، و إنّ في يوم الجمعة يكون الواجب ركعتين و في غير الجمعة أربع ركعات، فصلاة الجمعة ظهر مقصور، و قال بعض آخر: بكونها صلاة مستقلة غير مندرجة في الصلوات اليومية، و لكن بعد اتيان صلاة الجمعة في يوم الجمعة لا يجب الاتيان بصلاة الظهر.

[في وجوب صلاة الجمعة فى الجملة من المسلّمات]

و امّا الكلام في وجوب صلاة الجمعة فنقول: إن وجوبها في الجملة من المسلمات و لكن الكلام في جهة اخرى.

و هي انّها واجبة مطلقا بلا اشتراط وجوبها بحضور الامام (عليه السلام) أو من نصبه لذلك، أو أن وجوبها مشروط بذلك، و حيث إن هذه الجهة من المطالب المهمة في‌

27

الفقه و من المواقع الّتي فيها الخلاف، فنتعرض لمسألة صلاة الجمعة بنحو رسالة مستقلة إن شاء اللّه تعالى و الحمد للّه أولا و آخرا و صلى اللّه على نبينا محمد و آله و سلّم و اللعنة على اعداء اللّه و اعدائهم.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

فصل في صلاة الجمعة

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسول اللّه و على آله آل اللّه و اللعن على اعدائهم من الآن الى يوم لقاء اللّه.

أما بعد فهذه رسالة في صلاة الجمعة مشتملة على تقريرات سيدنا الأستاد آية اللّه العظمى الحاج آقا حسين الطباطبائى البروجردي مد ظله و جملة من افاداته الشريفة مع بعض ما خطر ببالي القاصر و نظري الفاتر، و نشرع في الكلام بعون اللّه تعالى.

[في بيان كيفيّة وجوب صلاة الجمعة]

فنقول: ان وجوب صلاة الجمعة في الجملة من المسلمات و لا ينبغى الاشكال في هذه الجهة، و انما الكلام في كيفية وجوبها و الجهة المهمة في هذه المسألة تكون هذه الجهة، و قد وقع الخلاف بين الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) فيها.

فهم مع اتفاقهم على وجوب حضور صلاة الجمعة إن اقامها الامام (عليه السلام) أو من نصبه لذلك، اختلفوا في وجوب صلاة الجمعة و عدم وجوبها بل و حرمتها مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك مثل زماننا هذا على اقوال، و حيث إن فهم ما هو مذهب الحق في المقام موقوف على ما يستفاد من الآيات و الأخبار الواردة في باب‌

32

صلاة الجمعة و مقدار دلالتها، فلا بدّ من التعرض لهما و ذكر الكلام فيهما.

[في ذكر الآيات، فالعمدة الآيات 9 و 10 و 11 من سورة الجمعة]

أما الآيات: فالعمدة فيها قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1)

فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (2)

وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً قُلْ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ وَ اللّٰهُ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ (3).

و استدلّ بها لوجوب صلاة الجمعة مطلقا حتى مع عدم حضور الامام أو من نصبه لذلك، و انها واجبة بالوجوب التعيينى بلا دخالة هذا الشرط.

فنقول مقدمة لدفع هذا التوهّم بأنّ اوّل صلاة جمعة اقامها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هي الصلاة الّتي اقامها (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في «بطن وادي لبنى سالم بن عوف» و هو محل بين مسجد قباء و المدينة، فانّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعد ما هاجر من مكّة و نزل قرب المدينة توقف أياما في المحل الّذي يكون فعلا مسجد القباء، ثمّ خرج و توجه نحو المدينة فلما بلغ «بطن وادي لبني سالم بن عوف» كان وقت الظهر من يوم الجمعة، فرسم خطّا بيده الشريفة لأن يصير مسجدا، و صلّى صلاة الجمعة في هذه المحل، و هذه الصّلاة كانت اوّل صلاة اتى بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فهو اقام صلاة الجمعة قبل دخوله بالمدينة في المحل المذكور، و لما بلغ الى المدينة و توقف فيها أقام في كل جمعة صلاة الجمعة أيضا.

____________

(1)- سورة الجمعة، الآية 9.

(2)- سورة الجمعة، الآية 10.

(3)- سورة الجمعة، الآية 11.

33

و لا اشكال في أن احدى سور المدنيّة سورة الجمعة نزلت الآيات المتقدمة أيضا في المدينة، لانها من جملة آيات سورة الجمعة، فالآيات الشريفة نزلت في المدينة بعد انعقاد صلاة الجمعة مدة كما بينا.

[في بيان شأن نزول آية (و اذا رأوا تجارة)]

و كان شان نزول قوله تعالى (و اذا رأوا تجارة الخ) هو أن بعد ما نزل النبي بالمدينة، و انعقدت الجمعة من ناحيته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في يوم الجمعة وقت الظهر مشتغلا بخطبة صلاة الجمعة، أو مشتغلا باصل الصّلاة- على اختلاف التفاسير- فورد دحية الكلبي- و كان ذلك قبل اسلامه- بالمدينة و هو أحد تجار المدينة و جاء بمال التجارة و اخبر الناس بوروده بضرب الطبل و الطنبور كما هو رسمه لاعلام الناس بوروده ليسارعون إليه للاشتراء، فالحاضرون في المسجد لما سمعوا صوت الطبل تركوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و انفضوا إليه إما لاشتراء مال التجارة، أو لاستماع صوت اللهو، و لم يبق في المسجد عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا عدة قليلة، فانزل اللّه تعالى الآية الثالثة المتقدمة و هي قوله تعالى «و اذا رأوا الخ» توبيخا لهم.

فظهر لك من هذه المقدمة أن قوله تعالى (إذا نودي) الى آخر الآيات نزل بعد تشريع صلاة الجمعة، و بعد انعقاد الجمعة في المدينة من ناحية النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لكون الآيات مدنية.

اذا عرفت ذلك فنقول: تارة يتوهم دلالة الآية على وجوب تشكيل صلاة الجمعة، و انعقادها، و تحصيل شرائطها من العدد و غيره حتى مع عدم حضور الامام بتوهم دلالة الآية على وجوب السعي لانعقاد صلاة الجمعة و وجوب تشكيلها.

و تارة يتوهم أن الآية و لو لم تدلّ على ذلك، و لكن تدلّ على انّه لو انعقدت الجمعة و اجتمعت الشرائط من العدد و غيره، يجب الحضور، فلو لم يجب الانعقاد‌

34

و تهيئة الشرائط و تحصيلها فلا محالة يجب الحضور بعد الانعقاد اقلا و لم يعتبر أن يكون انعقادها بيد الامام (عليه السلام) أو من نصبه لذلك، فلا بدّ من البحث في هذين الجهتين:

[عدم دلالة الآية على وجوب اجتماع الناس لانعقاد صلاة الجمعة]

أمّا الجهة الاولى: فنقول: انّه لا دلالة للآية الشريفة على وجوب اجتماع الناس من الخمسة أو السبعة و ازيد لانعقاد صلاة الجمعة، بمعنى انّه لا يجب الحضور مقدمة حتى تنعقد الجمعة، فلا يجب على الناس تشكيل صلاة الجمعة لا بالوجوب العيني و لا بالوجوب الكفائي، لأنّ المستفاد من الآية هو وجوب السعي و الحضور لصلاة الجمعة بعد البناء و الاعلام بانعقاد الصّلاة، لا انّه يجب على الناس أصل انعقاد الصلاة و تشكيلها حتى يجب عليهم الاجتماع في أول ظهر الجمعة و تهيئة العدد يمكن انعقاد صلاة الجمعة معه، بل الآية تدلّ على أن صلاة الجمعة الّتي صارت قائمة و نادى المنادى اعني: المؤذن، و اعلن و اخبر بانعقادها، و يقول (حي على الصلاة) يجب على الناس السعي إليها، و لا يناد المنادي الا بعد حصول مقدمات انعقاد الصلاة و هو ينادى لأنّ يحضر الناس حتى يصلّون بالامام.

فالآية متعرضة لوجوب السعي الى الصّلاة المتهيئة الجامعة للشرائط، لا في مقام بيان وجوب الحضور لتحصيل شرائط الصّلاة من تحصيل الامام و العدد.

و الشاهد على ذلك مع قطع النظر عن نفس سياق الآية و انها دالة على وجوب السعى الى الصلاة، مامّر من أن الآية الشريفة نزلت بعد تشريع صلاة الجمعة، و بعد انعقادها من قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فالآية تكون في مقام بيان وجوب السعي و الحضور للصلاة الّتي شرّعت قبلا، و كانت واجبة قبل نزول الآية.

و الحاصل انّه لا يستفاد منها وجوب اقامة صلاة الجمعة و وجوب تحصيل مقدمات انعقاد هذه الصّلاة على الناس و تشكيلها، بل يستفاد منها لزوم‌

35

الحضور عند انعقادها و تشكيلها، و أنه إذا انعقدت و أقيمت يجب على الناس الحضور، فليست الآية في مقام وجوب ما توهم أصلا حتى في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، بل غاية ما يستفاد منها وجوب الحضور عند الصّلاة الّتي أقامها رسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

[في ان هل تدلّ الآية على وجوب السعي إليها]

و أمّا الجهة الثانية: فهو أن يقال: و لو لم تفد الآية وجوب تشكيل صلاة الجمعة و تحصيل مقدمات انعقادها، و لكن تدلّ الآية على وجوب السعي بعد النداء، و بعبارة اخرى لو لم يكن وجوب صلاة الجمعة مطلقا بحيث كان تحصيل مقدماتها الوجودية واجبة، بل كان وجوبها مشروطا، فلا أقل من أن يقال: اذا حصل الشرط يكون الحضور واجبا يعنى إذا حصلت المقدمات قهرا من وجود العدد و الامام المتمكن من اداء الخطبة و غير ذلك، وجب على كل من يسمع نداء صلاة الجمعة مع كونه واجدا للشرائط، السعي إليها و الدخول في الصّلاة.

فعلى هذا نستفيد من الآية انّه إذا نودي للصلاة يجب الحضور سواء كان اقامها النبي و الامام أو من نصبه لذلك أو غيرهم، بل يجب الحضور لو كان مثل زماننا هذا يعني زمان الغيبة المفروض عدم حضور الامام و عدم وجود من نصبه بالخصوص لذلك.

اذ المفروض بمقتضى ظاهر الآية وجوب السعي الى الصّلاة بعد النداء بدون اشتراط كون النداء من قبل الامام أو من نصبه لذلك بالخصوص.

و لو قيل باشتراط كون النداء هو النداء الّذي كان من قبل النبي أو الامام (صلوات اللّه عليهما) أو من نصبه لذلك.

فيدفعه الاطلاق، لأنّ الآية ظاهرها مطلق و لم يقيد الوجوب على ما هو ظاهر الآية بهذا القيد، فلو شككنا في دخل هذا القيد في وجوب السعي نتمسك‌

36

بإطلاق الأمر بالسعي بمجرد النداء، و نحكم بعدم اعتبار ذلك في الوجوب، لأنه لو كان هذا القيد معتبرا في الوجوب كان اللازم على الحكيم بيانه، فمن عدم البيان نحكم بعدم الاعتبار.

[في ان بعد وجود العهد فى الكلام لا يمكن التمسك بالإطلاق]

هذا غاية ما يمكن أن يقال في الجهة الثانية و لكن ما يقتضيه التحقيق هو عدم دلالة الآية الشريفة على ذلك أيضا، لأنه بعد ما ثبت في الاصول ان (الألف و اللام) للجنس حيث لا عهد، فاذا كان العهد في البين فلا يحمل على الجنس، و كان حملها على الجنس مع عدم العهد في البين ببركة مقدمات الحكمة، فاذا كان عهد في البين فلا مجال لجريان مقدمات الحكمة و لا يمكن الحمل على الجنس، و هذا أمر أوضحناه في محله.

و بعد ما تحقّق ذلك نقول: انّه كما بينّا صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صلاة الجمعة قبل وروده بالمدينة في «بطن وادي لبنى سالم بن عوف» و كان اوّل صلاة جمعة صلاها هذه الصلاة، ثمّ بعد ما دخل في المدينة و أقام الجمعة في ايامها، نزلت الآية المتقدمة في المدينة، فكانت صلاة الجمعة معهودة عند الناس خارجا، و هي صلاة جمعة اقامها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في كلّ جمعة، و ليس ما كان معهودا عندهم من صلاة الجمعة إلّا ما اقامها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لانها المعهودة عندهم، فاذا قيل (اسعوا الى صلاة الجمعة) فلا يأتى بالنظر إلا انّه دعى الى هذه الصّلاة الّتي منعقدة في الخارج.

فقوله تعالى (و إذا نودي) لو لم يدلّ مع هذه المعهودية في الخارج على الأمر بوجوب السعي و الحضور بخصوص صلاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لم نقل بقرينة العهد ظهور الآية في ذلك. فلا مجال لأنّ يقال بدلالة الآية على وجوب السعي الى كل صلاة الجمعة.

و لا مجال لهذا التمسك بالإطلاق أو العموم بأن يقال: إن ظاهر الآية دال على‌

37

وجوب السعي إذا نودى للصّلاة، بلا اشتراط كون النداء من قبل النّبي أو الامام (صلوات اللّه عليهما).

لانّنا قلنا من عدم امكان حمل (الألف و اللام) على الجنس مع كون العهد في البين و المقام من هذا القبيل، لأنه بعد كون صلاة الجمعة الواقعة خارجا هي التي أقامها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كان المعهود عند الناس من صلاة الجمعة هو هذه الصلاة، فلا بدّ من حمل (الألف و اللام) على العهد لا على الجنس، فلا دلالة للآية على وجوب الحضور و السعي الى كل صلاة جمعة حتى يتم الاستدلال، فظهر لك ممّا مرّ عدم امكان الاستدلال بالآية لكلتا الجهتين المتقدمتين.

بل على ما قلنا يمكن أن يقال: بعدم دلالة الآية على وجوب الحضور لصلاة الجمعة المتشكلة من قبل امام الأصل، و ان كان الحضور واجبا مسلما بدليل آخر، لانّه مع كون (الألف و اللام) في الصّلاة الواردة في الآية للعهد، و كان المعهود صلاة جمعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فالآية لا تدلّ إلّا على وجوب الحضور عند هذه المعهودة فقط لا الى غيرها. (1)

هذا تمام الكلام في الآية الشريفة و بيان عدم دلالتها على الوجوب العيني مطلقا، يعني لا دلالة لها على الوجوب في غير الصّلاة الّتي أقامها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

[في ان اقامة صلاة الجمعة بيد السلطان حقا او باطلا]

و أمّا الكلام في الأخبار الواردة في صلاة الجمعة فلنقدم مقدمة، ثمّ نشرع في‌

____________

(1)- (اقول: هذا كله مع الاغماض عما ورد في بعض التفاسير من كون المراد بالذكر هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لانه على هذا تدلّ الآية على وجوب الحضور عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فلا دلالة لها على وجوب الحضور في غير صلاة النبي، لأنه على هذا يجب الحضور عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للصّلاة. (المقرّر)

38

ذكر الأخبار و مقدار دلالتها و الكلام فيها.

أمّا المقدمة و هي انّه كما قلنا اوّل صلاة جمعة اقامها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان في «بطن وادي لبني سالم بن عوف» و بعد ذلك أقامها في المدينة الى آخر أيّام حياته، و بعد وفاته اقامها الخلفاء الغاصبين الى زمان نهضة المسلمين على عثمان و محاصرتهم إياه في بيته، و بعد ما صار محصورا اجتمع الناس على علي (عليه السلام) فأقامها علي (عليه السلام) و من هذا نشأ الاختلاف بين العامة.

فبعضهم التزموا بعدم اشتراط السلطان تمسكا بأن عليا (عليه السلام) لم يكن سلطانا بل عثمان كان سلطانا و مع ذلك اقام علي (عليه السلام) صلاة الجمعة، و بعضهم التزموا باعتبار السلطان و قالوا بأن عليا (عليه السلام) هو السلطان لاجتماع الناس عليه، و عزلهم عثمان عن الخلافة.

و أمّا نحن معاشر الشيعة نقول: بأن عليا (عليه السلام) هو خليفة رسول اللّه و الامام المفترض الطاعة حقا من اوّل الامر، فاقام صلاة الجمعة في هذا الحال، لأنّ ذلك حقه، و لم يكن مانع من قيامه بما هو حقه و لم يقمها قبل ذلك، و جلس في بيته حتى لا يقع الاختلاف، و يثلم في الاسلام الثلمة لاجل الاختلاف.

و على كل حال كان الغرض أن صلاة الجمعة تكون في الخارج بنحو ما قلنا من انّه كان في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو الّذي انعقدها بنفسه الشريفة، و بعده الخلفاء الثلاثة و بعدهم امير المؤمنين (عليه السلام)، و بعده كل من اشغل مقام السلطنة و الخلافة الاسلامية، فاقام هذه الصّلاة كل من بيده زمام أمور المسلمين حقا كرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و علي (عليه السلام) أو غصبا كالخلفاء الغاصبين كما ترى أن المرسوم كان هذا النحو، حتى في هذه الاواخر يعني الى زمان خلافة الخلفاء العثمانيين حتى زمان عبد الحميد، و كذلك‌

39

في زماننا في بعض الممالك الاسلامية كمصر و الحجاز و اليمن الّذي تنعقد فيه صلاة الجمعة يكون الأمر بهذه الطريقة، فإما أن يقيمها السلطان أو المنصوب من قبله لذلك فتحصّل لك من بيان هذه المقدمة أن ما نرى خارجا من وضع انعقاد صلاة الجمعة ليس إلّا بهذه الكيفية.

و كذلك الأمر كان عند سلاطين الشيعة، فإنه لما أسّس في ايران دولة الشيعة و عمدة اساس ذلك كان في عهد الصفوية، فكان أمر صلاة الجمعة كذلك، يعنى كان من الأمور الّتي أمرها بيد السلطان، و لذا كان تعيين امام الجمعة من قبل السلطان حتى في زمان القاجارية، فما نشاهد في الخارج من صلاة الجمعة ليس الا هذا، و ليس أمرها بحيث يكون بيد كلّ أحد من المسلمين كما نشاهده اخيرا في بعض الامصار و القرى.

فعلى هذا نستكشف من كل ذلك أن أمر صلاة الجمعة في الخارج كان بيد السلطان او من يحوّل الأمر من قبله إليه، و أن صلاة الجمعة كانت مشهدا عاما، و لها محلا مخصوصا يسمى عند العامة بالجامع، و عند العجم مسجد الجمعة، و هو محل يصلى فيه هذه الصّلاة، و يكون مشهدا عظيما يتوجهون الناس مع كثرتهم نحو هذا المحل، لأنه لا تقيم إلا في محل سكونة السلطان أو في كل مصر يكون شخص من قبله موظفا باقامتها، و لا بدّ للناس من الاجتماع من الاطراف من الفرسخ أو الفرسخين في هذا المحل، و لذا ترى ان كل محل يكون مصرا أو بلدا يكون فيه مسجد جامع، و هذا من الشواهد على كون محل صلاة الجمعة محلا مخصوصا و مشهدا عاما معلوما، فظهر لك ان أمرها خارجا كان بيد السلطان أو المنصوب لذلك من قبله.

[في ذكر بعض الاخبار المتمسكة بها لوجوبها العينى]

اذا عرفت هذا نتكلم في أخبار الباب، و ما يستفاد منها مع كون هذه المقدمة‌

40

على ذكر منا و منك، فنقول بعونه تعالى: ان ما استدل به من الأخبار على الوجوب العينى فيها مطلقا حتى مع عدم حضور الامام و ان كان كثيرا، و لكن من الواضح عدم ربط بعضها بالمقصود، فنحن نتعرض لبعض ما يحتمل دلالته، أو ما توهم دلالته على الوجوب فنقول:

الرواية الأولى: ما رواها زرارة بن اعين عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «انما فرض اللّه عزّ و جلّ على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا و ثلثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة، عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الاعمى و من كان على رأس فرسخين». (1)

و هذه الرواية متحدة الدلالة مع الرواية 2 و الرواية 14 من الباب المذكور، فلا حاجة الى التعرض لهما مستقلا و ان كان الاختلاف بينهما في بعض العبارات و المضامين.

أمّا وجه الاستدلال بها: فقيل بأن الرواية تدلّ على أن صلاة الجمعة من الفرائض الواجبة على الناس إلا على جماعة الّتي وضع اللّه عنهم بمقتضى الرواية، فيجب انعقادها على جميع المسلمين إلا ما استثني منهم.

و فيه أن الرواية تدلّ على أن صلاة الجمعة من جملة الصلوات افترضها اللّه تعالى على الناس، فان كنا نحن و صدر الرواية فقط- بدون ما ذكر فيها من الطوائف الموضوعة عنهم- فلم يكن مجال لهذا التوهّم أصلا، لعدم كون الرواية الا في مقام بيان‌

____________

(1)- الرواية 1 من الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

41

أصل ما فرضه اللّه تعالى، و لم تكن في مقام بيان كيفية ما فرضه اللّه، و ما هو شرط في وجوبها، و الخصوصيات المعتبرة في هذه الصلوات المفترضة من كل جمعة الى جمعة.

و أمّا الكلام فيها مع ذيلها:

فان قيل: بأن الاستثناء شاهد على انّها واجبة على غيرهم، و انّ صلاة الجمعة موضوعة عنهم فقط، و واجب على غيرهم، فالرواية تكون في مقام بيان من وجبت عليه صلاة الجمعة و من وضع عنه هذه الصّلاة، و لم يعتبر قيدا زائدا في وجوبها على من وجب عليه من الناس، فنحكم بالإطلاق بعدم اعتبار شرطية حضور الامام الأصل.

نقول: لا شك في أن من الطوائف المستثناة ممّن وجبت الجمعة عليه، هو من كان على رأس فرسخين، و معنى الاستثناء هو عدم الوجوب على من كان على رأس فرسخين، يعنى: من كان بعده من موضع تقام فيه الجمعة بفرسخين لا يجب عليه حضور الجمعة، فيستكشف من ذلك ان فرض المعصوم (عليه السلام) هو صلاة الجمعة المخصوصة المعهودة الّتي لها محل معيّن، و ان ممّن لا يجب عليه الحضور هو من كان بعيدا بفرسخين من الصّلاة المعهودة خارجا، و إلّا لو لم يكن النظر الى الجمعة المفروض الوجود المتداولة المقررة، فما معنى استثناء من كان على رأس فرسخين، لأنّ الاستثناء يكون ممّن وجبت عليهم هذه الصّلاة، فوجبت على الناس إلا عليهم.

فلو فرض عدم كون نظر المعصوم (عليه السلام) الى الجمعة المفروض وجودها على وضع معين و في مكان معين المعهود انعقادها في هذا المكان، فكيف يستثني من المكلفين بالوجوب كل من كان على رأس فرسخين، لأنّه على هذا لا صلاة في‌

42

الخارج و في محل خاص حتى يكون بعض من الناس بعيدا منها بفرسخين.

فنفهم أن المراد الصّلاة المعهودة حتى يصح أن يستثنى منها كل من كان بعيدا منها بفرسخين، فالرواية لا تدلّ على وجوب الحضور عند كل صلاة جمعة، بل على وجوب الحضور على من وجب عليه الحضور الى الجمعة المعهودة المفروض وجودها في الخارج، و هذه الصّلاة هي الصّلاة الّتي لا يقيمها إلّا من بيده زمام أمر المسلمين، فأفهم. (1)

الرواية الثانية: و هي رواية عمر بن يزيد عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة، و يتوكأ على قوس أو عصا، و ليقعد قعدة بين الخطبتين، و يجهر بالقراءة، و يقنت في الركعة الاولى منها قبل الركوع). (2)

و نقل صاحب الوسائل هذه الرواية أيضا (3)، و لا يبعد كونهما رواية واحدة و ان كان نقلها مرّتين.

و توهّم أن هذه الرواية تدلّ على وجوب صلاة الجمعة إذا كانوا سبعة بدون الاشتراط بامر آخر من حضور الامام و نحوه.

____________

(1)- (أقول: على أن غاية الدلالة انّه لا يجب على المريض و غيره أصلا حتى مع وجود الامام و انعقاده لها، و أنها تجب على غيرهم و امّا مع الإمام أو مطلقا فلا إذ ليس في مقام بيان ذلك، بل في مقام الفرق بين الاشخاص من الوجوب و تشريعه في حق بعضهم و عدم تشريع الوجوب في حق بعضهم. (المقرّر).

(2)- الرواية 5 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(3)- الرواية 2 من الباب 24 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

43

و لكن غاية ما يستفاد منها- بعد حمل لفظ «الجماعة» الواردة في الرواية على الجمعة بقرينة ذيلها من لبس البرد و العمامة و أن يقعد قعدة بين الخطبتين، و الجهر بالقراءة- بأن المراد من قوله (فليصلوا في جماعة) هو الأمر بأن يصلوا صلاة الجمعة، و هذا المقدار لا ينفع للمتوهم، لعدم معلومية ما هو صدر الرواية، و عدم معلومية ما هو مرجع في قوله (إذا كانوا) لعدم معلومية اى أشخاص إذا كانوا.

فلا يستفاد من الرواية إلا انّه إذا كانوا سبعة نفر فليصلوا في جماعة، و امّا أن المراد أى أشخاص، و التكليف متوجه الى اى طائفة من الناس، فلا يفهم منها، فلا دلالة للرواية بانّها واجبة على كل احد، أو واجبة علي اشخاص مخصوصة، مثل من كان منهم في زمن حضور الامام (عليه السلام) فالرواية من هذه الجهة مجملة، فلا يمكن الاستشهاد بها لمّا توهّمه المتوهّم.

الرواية الثالثة: ما رواها زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) «قال صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع إليها فريضة مع الامام، فان ترك رجل من غير علّة ثلث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لا يدع ثلاث فرائض من غير علّة الا منافق» (1).

و ترى بهذا المضمون الرواية 8 من هذا الباب و لعلهما تكونان رواية واحدة و هذه الرواية أيضا لا تدلّ على وجوب صلاة الجمعة بالوجوب العينى مطلقا‌

أمّا أولا فلان الجمعة الّتي هي فريضة كما صرح بها في هذه الرواية بأن «صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الامام» هي الجمعة الّتي خارجيتها كانت بنحو الّذي قلنا، و لا اقل من احتمال كون المراد هو صلاة الجمعة المعهودة،

____________

(1)- الرواية 12 من الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

44

فلا ظهور للرواية في كون صلاة الجمعة مطلقا واجبة.

و ثانيا قال المعصوم (عليه السلام) على ما في هذه الرواية «و الاجتماع إليها فريضة مع الامام» و الاشتراط بالامام أيضا شاهد على عدم دلالة الرواية على المطلوب، لأنّ المراد ان لم يكن من قوله «فريضة مع الامام» و ان الاجتماع مع الامام فريضة، هو امام الأصل بقرينة عدم انعقادها إلا مع من بيده زمام أمور المسلمين و هو الامام، فلا اقل من كونه محتمل الوجهين، فقابل لأنّ يكون المراد من الرواية وجوب الاجتماع في خصوص الجمعة الّتي أقامها امام الأصل، و قابل لأنّ يكون المراد منها وجوب الاجتماع مع كل من يقيمها و ان لم يكن امام الأصل بناء اعلى كون المراد من الامام في الرواية هو مطلق من يصير إماما، فمع كون الاحتمالين في الرواية فلا وجه لحمل الرواية على الاحتمال الثاني، بل غاية الأمر أن الرواية تكون مجملة.

[لا ظهور للروايات فى الوجوب مطلقا اصل وجوب صلاة الجمعة]

و نظير هذه الرواية الروايات 10 و 13 و 14 و 15 و 18 و 19 في عدم الدلالة، لأنّ كل هذه الروايات، أولا تكون واردة لبيان أصل وجوب صلاة الجمعة، و التحذير في بعضها على تركها، و ثانيا بعد كون وضع صلاة الجمعة خارجا كما قلنا هو انعقادها من ناحية من بيده زمام أمور المسلمين، فالامر بصلوة الجمعة و التحذير من تركها راجع الى الجمعة المعهودة الواقعة خارجا، فلا دلالة لها على الوجوب مطلقا حتى يستدل بها.

و مثل هذه الطائفة النبويات الّتي نقلت من المعتبر و من رسالة الشهيد الثاني في الجمعة الّتي نقلها في الوسائل في الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة و هي الرواية 10 الى 27، و هذه الأخبار من النبويات الواردة في طرق العامة، و مع قطع النظر عن ذلك لا دلالة لها على المقصود، لأنه مع كون العهد في البين لما فهمت من خارجية‌

45

وقوع صلاة الجمعة من زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الى هذه الاواخر، فالامر بالجمعة و الترغيب إليها و التحذير على تركها منزل على المعهود و الخارج، لأنّ الألف و اللام في «الجمعة» لا بد من أن يحمل على العهد لا على الجنس، أولا يمكن حمله على الجنس اقلا.

و الاولى بعدم الدلالة على الوجوب العينى الروايات 3 و 4 و 8 و 9 و 16 و 17 من الباب الأوّل الّذي قال صاحب الوسائل (رحمه اللّه) في عنوانه باب وجوبها عينا على كل مكلف إلّا الهمّ و المسافر الخ، و الرواية 3 و 4 و 5 و 6 من الباب 4، و الرواية 1 و 3 و 4 و 7 و 9 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

الرواية الرابعة: من الأخبار المتوهّمة دلالتها على الوجوب العينى مطلقا الروايتان المذكورتان فى الباب 1 و هما أيضا لو فرض كونهما في مقام بيان وجوب صلاة الجمعة و في مقام بيان من وجبت عليهما هذه الصّلاة. (1)

فنقول: بأن غاية ما يستفاد منهما هو وجوب صلاة الجمعة و وجوب الاجتماع عندها، و نظر هما الى الجمعة المعهودة، فلا تدلّان على وجوب الحضور في كل صلاة جمعة.

الرواية الخامسة: بعض الروايات الدالة على اقل عدد تجزى معه صلاة الجمعة و تكون مشروعة مع هذا العدد.

و هو أيضا على قسمين:

قسم منه لا يدل إلّا على اقل عدد تكون صلاة الجمعة مشروعة مع هذا العدد‌

____________

(1)- الرواية 5 و 18 من الباب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

46

مثل الرواية 1 من الباب 2.

و قسم منه ممّا يتوهم دلالته على وجوب صلاة الجمعة على الناس إذا كانوا سبعة بالمفهوم، أو بالمنطوق مثل الرواية 2 و 3 و 7 و 8 و 11 من هذا الباب بنقل الوسائل.

[كون الروايات فى بيان أقل عدد تنعقد معه صلاة الجمعة]

و الذي ينبغي أن يقال في هذه الأخبار:

أمّا أولا فبان هذه الأخبار تكون في مقام بيان حكم آخر و هو اقل عدد تنعقد معه صلاة الجمعة لا أمر آخر.

و ثانيا لو فرض كونها في مقام بيان وجوب صلاة الجمعة على الناس إذا كانوا سبعة، و لكن لا دلالة لها بأن وجوبها مطلق أو مشروط بامام خاص، لأنّ في هذه الروايات ليس المعصوم (عليه السلام) الا في مقام بيان عدد من تجب الجمعة عليهم لا الخصوصيات الاخرى، و خصوصا مع ما وقع التصريح في بعضها باشتراط الامام مثل الرواية 11، و المراد من الامام يحتمل ان يكون امام الأصل المفترض طاعته لا كل أحد، «بل يمكن دعوى انصراف الامام الى امام الاصل، و مثل ذلك الرواية 1 من الباب 4 و 2 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة في الوسائل.

[في ذكر اقوى رواية دلّت على الوجوب العيني]

الرواية السادسة: الرواية الّتي رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لاقل من خمسة من المسلمين، احدهم الامام، فاذا اجتمعت سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم. (1)

____________

(1)- الرواية الّتي نقلها صاحب الوسائل مرّتين: الاولى: الرواية 4 من الباب 2 و الثانية:

الرواية 4 من الباب 4 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

47

و هذه الرواية من اقوى ادلة القائلين بالوجوب العينى.

وجه الاستدلال: هو أن أبا جعفر (عليه السلام) أمر بصلوة الجمعة في صورة اجتماع السبعة إن لم يخافوا أن يأمّهم بعضهم، يعنى: يجعلون هذه السبعة من قبل انفسهم إماما منهم، فتدل الرواية على وجوبها، و عدم الحاجة الى الامام الخاص، لأنه أمر بأن يجعلوا الامام واحدا منهم، يعنى: واحدا من السبعة أيّ شخص كان.

و لكن نقول: بأنّ هذه الرواية أيضا غير قابلة لأنّ تصير شاهدا و دليلا على الوجوب المطلق، و على كل أحد سواء كان معهم الامام (عليه السلام) أم لا، لأنّ راوي هذه الرواية هو الصّدوق (رحمه اللّه) يعنى: هو ناقل الرواية، و قد نقل هذه الرواية في الفقيه، و بعد ما نرى مرارا بان الصّدوق ادخل فتواه في الروايات، يعنى: ذكر فتواه بعد ذكر الروايات في تلو الرواية بحيث صار عمله هذا سببا للشك في بعض الموارد في أن ما ذكره هل هو من ذيل الرواية أو من نفسه بعنوان الفتوى كما في بعض الموارد حصل الاطمينان لنا بأن الذيل ليس جزء للرواية، بل يكون فتواه (رحمه اللّه)، و حيث أن هذه الرواية أيضا من الروايات الّتي نقلها الصّدوق (رحمه اللّه) في الفقيه، فيحتمل أن يكون ذيل الرواية أعنى: جملة «فاذا اجتمعت سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» من فتواه (رحمه اللّه).

و نحن و ان لم نقل بتسلّم ذلك، و لكن نقول: بعد وجود هذا الاحتمال لم يبق لنا الاطمينان بكون هذه الفقرة من كلام الامام (عليه السلام)، و من ذيل الرواية حتى نأخذ بمدلوله، هذا حال ذيل الرواية.

و امّا صدرها بدون هذا الذيل فيدل على أن الجمعة تجب على سبعة نفر، و يجوز اتيانها للخمسة أيضا، لكن لا بنحو الوجوب في ما كان العدد خمسة، و أمّا إذا‌

48

كانوا سبعة فيجب انعقادها مع الامام.

و لا وجه لأنّ يحمل الامام الوارد في الرواية المعتبر وجوده و حضوره على مطلق من يكون عادلا، و يتمكن من اداء اقل الواجب من الخطبة، بل يحتمل أن يكون المراد الامام الأصل، فلا يجب مع عدم حضور امام الأصل، فافهم (1).

____________

(1)- أقول: ما استفدت من بيان سيدنا الأستاد- مد ظله- هو أن الاشكال في هذه الرواية انما تكون من هذه الجهة و لم يتعرض لاشكال آخر، و لكن خطر ببالي القاصر احتمال آخر و عرضت عليه- مد ظله-

و هو أن الرواية تكون في مقام بيان ذكر اقل عدد تنعقد معه الجمعة، فقال: السبعة احدهم الامام، ثمّ قال: فاذا اجتمعت سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم) يعني إذا اجتمعت السبعة، و لم يكن لهم خوف بحيث لا يلتفت الاعداء بانهم اقاموا صلاة الجمعة، أولا يكون اطلاعهم بحالهم باعثا للاضرار بهم، فيقيمون صلاة الجمعة، و يكفى في وجوب انعقادها السبعة، و لا حاجة الى الازيد من ذلك إماما و مأموما و كان ذلك لدفع توهّم اعتبار ازيد من ذلك العدد حتى لا يتخيل السائل أو غيره بلزوم كون السبعة معتبرا فيها غير الامام، فالرواية متعرضة لحيث عدم اعتبار ازيد من ذلك العدد في وجوب انعقادها من الامام و المأموم.

و بعد كون الأمر كذلك، و كون صدر الرواية فقط متعرضا لكفاية السبعة في وجوب الجمعة احدهما الامام، فالذيل و لو فرض كونه جزء الرواية، دال على انّها تنعقد مع عدم الخوف بالسبعة، و أمّ بعض من السبعة بعضا أخر، يعني: واحدا منهم يئم على الستة الباقية، و لا يلزم أن يكون الامام غير السبعة حتّى يكونوا ثمانية

و بعد كون الامام محتملا لكونه هو امام الاصل، فالذيل غير متعرض لغير ما تعرض له الصدر، و أن هذه السبعة الّتي يدلّ الصدر على وجوب الجمعة عليهم اذا اجتمعوا، و لم يكن خوف في البين، تنعقد الجمعة بمجرد ذلك بحيث يكون الامام واحدا من السبعة بلا احتياج الى الأزيد من ذلك فالسبعة الواجبة عليهم مع عدم الخوف، و الحال أن يكون احدهم الامام تجب الجمعة عليهم، فالرواية غير دالة الا على هذا، فالرواية لا تدلّ على الوجوب مطلقا على كل سبعة، اذ يمكن أن يكون المراد السبعة مع الامام الأصل كما عرفت، فتأمل. (المقرّر)

49

[في ان المراد فى الامام فى روايات سماعة هو السلطان]

الرواية السابعة: الروايات الّتي رواها سماعة و هى أربعة على نقل الوسائل (1) و هى الرواية 3 من الباب 5 و الروايات 2 و 6 و 8 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة، و هذه الروايات كلها مشتركه في عدم الدلالة على المقصود، للتصريح في كلها بوجوب صلاة الجمعة مع الامام بتعابير مختلفة.

و المراد بالامام، إن لم نقل بكونه هو السلطان الّذي بيده زمام الأمور كما قدمنا فى المقدمة، فلا اقل من عدم امكان حمله على مطلق من يتمكن من أن يصير امام الجماعة و ان لم يكن الامام. (عليه السلام)

و لو لم نقل بكون هذه الروايات كلّها دالة على اشتراط الوجوب بحضور السلطان أعني: الامام (عليه السلام)، و لكن لا ريب في أن الرواية سماعة تدلّ على الاشتراط و هى هذه «عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصّلاة يوم الجمعة، فقال: أما مع الامام فركعتان، و امّا لمن صلّى وحده فهى أربع ركعات و ان صلّوا جماعة». (2)

لان هذه الرواية تدلّ على أن في يوم الجمعة تكون الصّلاة ركعتين مع الامام، و أما لو لم يكن الامام و صلّى وحده يعنى: لا مع الامام، فلا بدّ من أن يصلّى أربع ركعات و إن اتى بصلاته جماعة، ففرض بانّه مع الامام لو صلى و لو بالجماعة فصلاته أربع ركعات، فان تمكن كل شخص عادل على أن يصير إماما في صلاة الجمعة مثل صلاة الجماعة، فلا معنى لأنّ يقول (عليه السلام) «و امّا لمن صلى وحده فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة».

____________

(1)- الرواية 3 من الباب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل؛ و الرواية 2 و 6 و 8 من الباب 6 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2)- الرواية 8 من الباب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

50

[المقصود من الامام فى الرواية هو الامام الأصل]

فهذه العبارة دليل على أن المقصود بالامام في الرواية هو الامام الأصل و المعصوم (عليه السلام)، فمع فرض التمكن من اتيان الصّلاة جماعة أمر بالصّلاة أربع ركعات لعدم وصول اليد بالامام الاصل.

و ان كان الامام الوارد في الرواية اعم من الامام الأصل و غيره، فكان اللازم أن يقول «تجب صلاة الجمعة مع تمكن الشخص من اتيان صلاته بالجماعة» لأنّ الشخص لا يتمكن من اتيان صلاة الجماعة أيضا إلّا مع وجود امام عادل، و هو على هذا الفرض كاف لأنّ يصير إماما في صلاة الجمعة، فمن عدم أمره (عليه السلام) بصلوة الجمعة مع تمكن الشخص من اتيان صلاته جماعة، نستكشف كون الامام المعتبر في صلاة الجمعة هو امام الأصل، لا الامام الّذي يكتفى به في صلاة الجماعة.

فهذه الرواية تصير دليلا على اشتراط وجود السلطان اعنى: الامام أو من نصبه لذلك، في وجوب صلاة الجمعة. (1)

الرواية الثامنة: الرواية الّتي نقلها في الوسائل مرتين و هى ما رواها فضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا كان القوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر، و انما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين). (2)

____________

(1)- أقول: و ممّا تفطن به سيدنا الأستاذ مدّ ظلّه من أن المراد من الامام في هذه الرواية هو الامام الأصل يمكن أن يقال: بأن هذه الرواية تصير مؤيدا لكون الامام في سائر روايات الباب أيضا هو الامام الأصل، و ببركة هذه الرواية يقوّى الاحتمال الّذي قلناه في بعض الروايات المتقدمة: من كون المراد من الامام هو الامام المفترض الطاعة، لا الاعم منه و من غيره. (المقرّر)

(2)- الرواية 6 من الباب 2 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل؛ و الرواية 2 من الباب 3 من ابواب صلاة الجمعة من الوسائل.