صلاة الجماعة

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
231 /
5

[مقدمة في حياة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

نسبه

هو الشيخ (محمّد حسين) الأصفهاني ابن الحاج محمّد حسن بن علي أكبر بن آقا بابا بن آقا كوچك بن الحاج محمّد إسماعيل (1) بن الحاج محمّد حاتم النخجواني.

ولادته و نشأته و وفاته

ولد استأذنا الشيخ (قدّس سرّه) في ثاني محرم الحرام من سنة 1296 بالنجف الأشرف (2) من أبوين كريمين. و كان أبوه الحاج محمّد حسن من مشاهير تجار الكاظمية الأتقياء الذين كان يشار إليهم بالبنان. و كان من المحبين للعلم و العلماء. فعاش شيخنا المترجم له في كنف أبيه عيشة ترف و نعمة، و خلّف له من التراث الشي‌ء الكثير الذي أنفقه كله في سبيل طلب العلم. و لذا نشأ نشأة المعتز بنفسه المترفع عما في أيدي الناس. و هذا ما زاده عزا و إباء.

و كان قد حدب والده على تربيته تربية علمية صالحة، و مهّد له السبيل إلى تحصيل العلم، فظهرت معالم النبوغ الفطري مبكرة في طفولته الوادعة، حين تعلّم الخط فأظهر في جميع أصنافه براعة فائقة، و أصبح من مشاهير دوي الخطوط الجميلة.

و للخط قيمته الفنية- لا سيما في ذلك العهد- و لكل فنّ و علم موهبة خاصة يودعها اللّه‌

____________

(1) و هو الذي هاجر من «نخجوان» إلى «أصفهان» و سكن فيها.

(2) ثم انتقل الى الكاظمية في أوائل العقد الثاني من عمره و عاش فيها بضع سنين ثم انتقل الى النجف.

6

تعالى من يشاء من عباده.

كما انكب شيخنا على طلب العلم في سنّه المبكرة، و انتقل إلى النجف الأشرف جامعة العلم و عاصمة الدين في أخريات العقد الثاني من عمره، بعد أن قضى حداثته و شطرا من شبابه في الكاظمية مشتغلا في مقدمات العلوم الدينية.

و عند هجرته إلى النجف الأشرف حضر في الأصول و الفقه على مربي العلماء و المدرس الأول و المجاهد الأكبر الشيخ محمّد كاظم الخراساني المعروف (بالآخوند) (قدّس سرّه). و اختص به إلى أن توفي سنة 1329 ه‍ فكان من مشاهير تلامذته و كانت مدة حضوره عليه 13 عاما كتب في خلالها جملة من حاشيته (1) على (كفاية الأصول) لأستاذه.

و من غريب ما ينقل عنه انه لم يترك درس أستاذه في هذه المدة إلّا يومين يوم أصيب فيه رمد شديد عاقه عن الحضور و يوم آخر هطلت فيه الأمطار بغزارة فظن أنّ ذلك سيعوق أستاذه و تلاميذه عن الحضور فظهر بعد ذلك أنّ أستاذه حضر و ألقى درسه على شرذمة قليلة منهم.

قال المرحوم الحجّة الاوردبادي و هو أحد تلامذة المترجم له: انتماء شيخنا المترجم له إلى أستاذه هذا أكثر و أشهر لأنه طالت مدته فدأب على التلمذة عليه ثلاثة عشر عاما فقها و أصولا حتّى قضى نحبه فاستقلّ شيخنا بالتدريس.

و حضر استأذنا أيضا في الفقه و أصوله قليلا على العلّامة المحقق الشهير السيّد محمّد الأصفهاني المتوفى سنة 1316 ه‍. و بعد وفاة أستاذه المحقق الآخوند استقل بالبحث و التدريس، و حضر عليه كثير من مشاهير علماء العصر الذين استقلوا بعده بالتدريس.

و أنهى عدة دورات في الأصول و فقه المكاسب، و آخر دورة كاملة له في‌

____________

(1) و بهذه المناسبة نسجل أسفنا على ما فات الطابعين للجزء الأول من هذه الحاشية إذ حذفوا- حبا بالاقتصاد- كل كلمة «مدّ ظله» و كلمة «قده» في حين انهما يميزان بين ما كتب في عهد أستاذه و بين ما كتب بعده. و النسخة الخطية بقلم المؤلف تحتفظ بهذه المزية، و كذلك نسختي التي كتبتها لنفسي و طبع عليها الجزء الأول.

7

الأصول شرع بها في شوال سنة 1344 ه‍ و أنهاها سنة 1359 ه‍. و هي أطول دورة له حقق فيها كثيرا من المباحث الغامضة، و كتب فيها جملة من التعليقات النافعة على حاشيته لا سيما على الجزء الأول المطبوع. و لا يستغني بهذا المطبوع عن هذه التعليقات. كما كتب خلالها جملة من الرسائل الصغيرة في عدة مسائل منها (رسالة أخذ الأجرة على الواجبات) التي لم يكتب مثلها في هذا الموضوع استيفاء و تحقيقا.

و قد توفقت بحمد اللّه تعالى للحضور عليه في هذه الدورة ابتداء من سنة 1345 ه‍.

و بعد هذه الدورة شرع في دورة جديد على أسلوب جديد اعتزم فيها تهذيب الأصول و اختصاره و تنظيم أبوابه تنظيما فنيا لم يسبق اليه، فوضع في المبادئ ما كان يظن أنه من المسائل و وضع في المسائل ما كان يحرر في المبادئ كمسألة المشتق.

و قسم الأصول إلى أربعة مباحث على غير المألوف فأماط اللثام عما كان يقع من الخلط بين المباحث. و المباحث الأربعة التي وضعها لأبواب الأصول هي: المباحث اللفظية، و مباحث الملازمات العقلية، و مباحث الحجة، و مباحث الأصول العملية.

و قد شرع (رحمه اللّه) في تأليف كتاب مختصر مهذّب على هذا الأسلوب في علم الأصول، فاستبشر أهل العلم بهذا العمل الجليل الذي كان منتظرا من مثله و كان أمنية الجميع لولا أن المرض لم يمهله أن يتم تأليفه هذا بعد سنة من شروعه حتى فاجأته المنية (فجر الخامس من شهر ذي الحجة عام 1361 ه‍) مأسوفا على تلك الشعلة الإلهية الوهّاجة أن تنطفي في وقت الحاجة إليها، فأحبط ذلك المشروع الخطير الذي كان ينويه في تأليفه الجديد الذي لو قدر له أن يتم لو فر على طلاب العلم كثيرا من وقتهم و لفتح لهم أبوابا ملذة جديدة من البحث العالي و التفكير المستقيم.

و هذه احدى أفكاره الاصلاحية التي كانت تجول في خاطره و كان يحرّق الارم لأجلها حينما يجد أن الوقت لم يحن لتنفيذها أو لإبرازها على الأقل، و كثيرا ما كان يوحي إلينا في خلواته بخواطره في سبيل إصلاح الحركة العلمية و الوضع الديني السائد. و لم يكن الزمن يواتيه يومئذ أن ينهض بواحدة منها، حتى خسره العلم و الدين عمادا لقبّة الإسلام و عميدا لخزّان الشريعة، و خازنا للفيض القدسي، و ترجمانا للكلام النفسي و إماما للمسلمين، و هاديا للحق، و مصباحا للمهتدين إلى عين اليقين.

8

نعم انه (قدّس سرّه) اتجه في حياته إلى كل مناحي المعارف، و كرّس أيامه لنيل كل مكرمة، فكان في الفلسفة الحكيم العارف، و في الأخلاق خزانة الأسرار الفائز باسمي رتب الشهود، و في الفقه و الأصول الإمام الحجة نسيج وحده و علامة دهره، و في الأدبين الفارسي و العربي الفنان الماهر.

منزلته العلمية

كان (قدّس اللّه تعالى نفسه الزكية) من زمرة النوابغ القلائل الذين يضن بهم الزمان إلا في فترات متباعدة و من تلك الشخصيات اللامعة في تاريخ علمي الفقه و الأصول. و إذا صح أن يقال في أحد انه جاء بما لم يجي‌ء به الأوائل فهو هذا العمود لفجر الإسلام الصادق الذي انطفأ قبل شروق شمس نهاره لتراه كل عين. ما سلك طريقا في بحث مسألة إلّا و تطاير فضول ما علق بها من الأوهام هباء، و ما حبرت يراعته بحثا إلّا و حيرت العقول كيف تذهب آراء الباحثين جفاء.

لو قدر لهذا النابغة- و للّه في خلقه شئون- أن تثني له الوسادة ليتربع على كرسي الرئاسة العامة و كانت منه قريبة، لقلب أسلوب البحث في الفقه و الأصول رأسا على عقب، و لتغيّر مجرى تاريخهما بما يعجز عن تصويره البيان، و لعلم الناس أن في الثريا منالا تقرّبه النوابغ إليهم من حيث يحسون و يلمسون. و لذا كانت فاجعة العلم بموته فاجعة قطعت على البحث طريقه اللاحب إلى ساحة الحقائق الواسعة، و أخّرت عليه شوطا بعيدا من السير كان يقطعه في زمن قريب لو قدر له طول عمره أكثر.

و إني اتفاءل للجيل العلمي الآتي أن يبلغ هذا الشوط حينا يقدّر لكنوز مؤلفات شيخنا المترجم له أن تدرس و تحقق من جديد، ليعلم الناس أن في هذه الكنوز الثمينة من الآراء الناضجة ما يعطي للعلم صبغته الجديدة التي يستحقها، و من التحقيقات النفسية ما ينسخ أكثر ما نسج عليه السابقون.

و عسى أن يخال القاري أن كلمتي هذه جرت على عادة الكتّاب في مبالغاتهم عمن يترجمون لهم، و لكني أسجّل كلمتي هذه على نفسي للجيل الآتي، ليشهد هو على صدق مقالتي، و هو الذي سيفهم ما أقوله، و ما يدريني لعل الجيل الآتي سيراني‌

9

مقصرا في تعريف شخصية هذا العظيم و وصفه بما يستحق. و لكن ليتذكر أني أنا الذي تفاءلت له بعرفان هذه الشخصية، و بشّرته بأنه سيبني ابحاثه الآتية في الفقه و الأصول على أساس نظرياته المحكمة و سيتخذ طريقته منهاجا لبحثه، فسبقت إلى فضيلة هذا التفاؤل العلمي. و ما يضيرني أن يظن البعض بي الظنون، فيرميني بالغلو كما يرمى به كل تلاميذ هذا الأستاذ الذين لهم مثل هذا الاعتقاد، إلا انه ليعلم ان أول فتح لهذا الفأل نشر هذا الكتاب (يعني الكاتب حاشية المكاسب)، إذ يصبح في متناول كل باحث مفكر. و هل يلذّ لمقتطف ثمار هذه الشجرة الطيبة أن يقتطف من غير هذه النبعة؟ و هل يطيب لمن عب من هذا الفرات السائغ أن يحتسي من غير وروده؟ اني اباهلك- ايها القاري- ان كنت من ذوي العلم و البصيرة! قال صاحبه المرحوم الحجّة الشيخ محمّد حرز الدين حول شخصية المترجم له:

كان عالما محققا فيلسوفا ماهرا في علمي الكلام و الحكمة و له الباع الطويل في الأدب العربي و الفارسي و التأريخ و العرفان و أجاد في شاعريته و نظم عدّة قصائد و أراجيز ملؤها المعاني الجسيمة و الإبداع و الرقة و الانسجام و كان مدرسا بارعا في علمي الفقه و الأصول و آخر أيامه صار مرجعا للتقليد رجع اليه بعض الخواص و التجار في بغداد و أفراد من بعض المدن العراقية و سمعت هكذا في طهران و الشيخ من خلّص أصحابنا في النجف و كان مدرّسا قديرا أجاز كثيرا من أهل الفضل إجازة الاجتهاد (1).

قال شيخنا البحّاثة آغا بزرگ الطهراني صاحب الذريعة: و لمّا توفّى شيخنا الخراساني (الآخوند) برز بشكل خاص و حفّ به جمع من الطلاب و استقل بالتدريس في الفقه و الأصول و كان جامعا متفننا شارك بالإضافة الى ما ذكر في الكلام و التفسير و الحكمة و التأريخ و العرفان و الأدب الى ما هنا لك من العلوم و كان متضلّعا فيها و له في الأدب العربي أشواطا بعيدة و كان له القدح المعلى في النظم و النثر‌

____________

(1) معارف الرجال: ج 2- 263.

10

امتاز ببراعة و سلاسة و دقّة و انسجام و أكثر نظمه أراجيز بالجملة فهو من نوابغ الدهر الذين امتازوا بالعبقرية و بالملكات و المؤهّلات و غرقوا في المواهب كان محترم الجانب موقّرا من قبل علماء عصره مرموقا في الجامعة النجفيّة اشتغل بالتدريس في الفقه و الأصول و العلوم العقلية زمنا طويلا و كان مدرسة مجمع أهل الفضل و الكمال و قد تخرج عليه جمع من أفاضل الطلاب كانت له قدم راسخة في الفقه و باع طويل في الأصول و آثاره في ذلك تدل على إنظاره العميقة و آرائه الناضجة لكنّه غلبت عليه الشهرة في تدريس الفلسفة لإتقانه هذا الفن بل و تفوّقه فيه على أهله من معاصريه استمرّ على نشر العلم و نهض بالأعباء الثقيلة فكان العلم المائل و المؤمل المقصود الذي تتهافت عليه الطلاب زرافات و وحدانا، و قديما قيل (و المنهل العذب كثير الزحام) (1).

فلسفته

تلمذ شيخنا المترجم له في الفلسفة على الفيلسوف الحكيم العارف المعروف في الأوساط العلمية ميرزا محمّد باقر الإصطهباناتي، فاستبطن بفضل جده كل دقائقها، و دقق كل مستبطناتها، له في كل مسألة رأي محكم و في كل بحث تحقيق فائق. و تظهر آراؤه و تحقيقاته الفلسفية على جميع آثاره و دروسه، حتى ليكاد المتلمذ عليه في الأصول خاصة يجد من نفسه انه ألمّ بأكثر الأبحاث الفلسفية من حيث يدري و لا يدري. و من قرأ حاشيته على الكفاية بالخصوص يجد كيف تطغى المصطلحات الفلسفية على تعبيره حتى ليظن أحيانا انه يقرأ كتابا في الفلسفة. و هذا ظاهرة عجيبة في مؤلفاته تستوقف النظر و تدل على شدة تعلقه بهذا الفن و مبالغته في التمسك به.

و قد طغت روحه الفلسفية حتى على أراجيزه في مدح النبي المختار و آله الاطهار عليهم جميعا الصلاة و السلام، بل أراجيزه هذه قطعة فلسفية رائعة أفرغها في ثوب من‌

____________

(1) نقباء البشر: ج 1- 560- 561.

11

الأدب الرفيع. قد أوضحت رأي الفلاسفة المؤمنين في محمد و آل بيته نور الأنوار و علل الكائنات، على ما أشارت إليه الآيات القرآنية و صرحت به الأحاديث الصحيحة، و مما قال في النبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله):

لقد تجلى مبدأ المبادي * * *من مصدر الوجود و الإيجاد

من أمره الماضي على الأشياء * * *أو علمه الفعلي و القضائي

رقيقة المشيئة الفعلية * * *أو الحقيقة المحمدية

أو هو نفس النفس الرحماني * * *بصورة بديعة المعاني

أو فيضه المقدس الإطلاقي * * *فاض على الأنفس و الآفاق

إذ انّه حقيقة المثاني * * *و عند أهل الحقّ حقّ ثان

لا بل هو الحق فمن رآه * * *فقد رأى الحق فما أجلاه

إذ مقتضى الفناء في الشهود * * *عينية الشاهد و المشهود

الى أن يقول:

أصل الأصول فهو علة العلل * * *عقل العقول فهو أول الأول

و قال في أمير المؤمنين (عليه السلام):

و قلبه في قالب الوجود * * *حياة كل ممكن موجود

و نسخة اللاهوت وجهه الحسن * * *لو رام لقياه الكليم قيل: لن

غرته الغراء في الضياء * * *جلت عن التشبيه بالبيضاء

و كيف و هو فالق الإصباح * * *في أفق الأرواح و الأشباح

و على هذا الأسلوب جرى في جميع اراجيزه البالغة 24 ارجوزة، فجاء أسلوبا فلسفيا علميا مبتكرا لم يمدح على غرارها النبي و آله عليهم الصلاة و السلام. و ما أبدع ما مدح به إمامنا زين العابدين (عليه السلام) ذاكرا صحيفته السجادية (زبور آل محمّد) فقال:

و نفسه اللطيفة الزكية * * *صحيفة المكارم السنية

بل هي أم الصحف المكرمة * * *جوامع الحكمة منها محكمة

بل الحروف العاليات طرا * * *تحكي عن اسمه العلي قدرا

12

هو الكتاب الناطق الربوبي * * *و مخزن الأسرار و الغيوب

يفصح عن مقام سر الذات * * *يعرب عن حقائق الصفات

الى أن يقول:

و حاله أبلغ من مقاله * * *جلّ عن الوصف لسان حاله

فإنه معلم الضراعة * * *و الاعتراف منه بالإضاعة

مقامه الكريم في أقصى الفنا * * *تراثه من جده حين دنا

و أعلى آثاره الفلسفية و أغلاها أرجوزته في الحكمة و المعقول (تحفة الحكيم) التي هي آية من آيات الفن مع أسلوبها العالي السهل الممتنع، جمعت أصول هذا الفن و طرائف هذا العلم بتحقيق كشف النقاب عن إسراره و أزاح الستار عن شبهاته، و ان دلت على شي‌ء فإنما تدل على أن ناظمها من أعاظم فلاسفة الإسلام الذين لا يسمح بمثلهم الزمن إلا في فترات متباعدة، لو لا أن شيخنا غلب عليه الفقه و الأصول و انقطع إليهما عن الظهور بالفلسفة.

و إليك بعض أبيات أرجوزته شاهدة على سلامة ذوقه، و قدرته على التصرف بالألفاظ السهلة الواضحة في أدق المعاني العلمية، فقد قال في «أصالة الوجود»:

يختص بالوجود طرد العدم * * *إذ ما سواه عدم أو عدمي

و ليست العلة للمعلول * * *مناط طرد العدم البديل

و هو مدار الوحدة المعتبرة * * *في الحمل بل كانت به المغايرة

و مركز التوحيد ذاتا و صفة * * *و فعلا أيضا عند أهل المعرفة

و قال في مبحث (تعريف الوجود):

الحد كالرسم على التحقيق * * *يوصف بالاسمىّ و الحقيقي

و لا يقال في جواب الشارحة * * *إلا حدود أو رسوم شارحة

و قد كشف في هذين البيتين عن حقيقة (ما الشارحة)، تنبيها على ما علق في أذهان طلاب العلم من مرادفة التعريف اللفظي لشرح الاسم و مطلب، (ما الشارحة)، و ان كان قد يراد من شرح الاسم التعريف اللفظي أحيانا. و منشأ هذا الاشتباه ما ذكره الحكيم السبزواري في شرحه لمنظومته من ترادف التعريف اللفظي‌

13

و مطلب ما الشارحة فأوقع الباحثين في هذا الاشتباه، و أوضحه شيخنا هنا و في شرحه للكفاية في مبحث المطلق و المقيد.

و قال في (الجعل و المجعول بالذات):

الجعل للشي‌ء بسيطا يعرف * * *و جعل شي‌ء شيئا المؤلّف

و ليس جعل الذات ذاتا يعقل * * *إذ ليست الذات لها التخلل

كذاك لا يعقل جعل الذاتي * * *أو عرضي لازم للذات

و لا كذاك العرض المفارق * * *فان إمكان الثبوت فارق

و الحق مجعولية الوجود * * *بالذات لا ماهية الموجود

فتأمل في هذا البيان الجزل، و الأسلوب السهل، و التعبير الرصين عن أدق معاني الفلسفة بغير تكلف و بلغة سليمة ناصعة. و من أين متحت دلوك في هذا القليب تغترف الماء الزلال بل الدر الثمين. و ما سقناه فإنما هو غيض من فيض ذكرناه شاهدا على ما نقول.

أدبه

نشأ استأذنا ميّالا لكل علم و فضيلة، و كانت عبقريته تساعده على إتقان ما تصبو اليه نفسه، فلم يفته أن يتجه إلى ناحية الأدب العربي، فيضرب فيه بسهم وافر، و ساعدته نشأته العربية في محيطي الكاظمية و النجف الأشرف على أن يكون أديبا يقرض الشعر و يجيد النثر، و له في الشعر قصائد تدل على ذوق أدبي مستقيم، و لكنه لم يكن يحتفل بها فلذا لم يطلع عليها إلّا القليل من خواصه. و عسى أن تكون أتلفتها يد الإهمال نتيجة عدم عنايته بها.

على أن له اليد الطولي في الأدب الفارسي، فله ديوان منه في مدائح آل البيت و مجموعة في الغزل العرفاني الرمزي أودع فيها من المعاني الفلسفية ما يبهر المتأدبين.

أوصافه

كان- (رحمه اللّه تعالى)- مربوعا يميل الى القصر، نحيف الجسم متماسكا، تعلو‌

14

عليه في أواخر أيامه النحافة و الصفرة، صغير العمة على غير المألوف من عادة أمثاله، كث اللحية، ساهم الطرف أكثر نظره الى الأرض، لا ينظر إلى محدثه إلا ملاحظة، يبدو للناظر مثقلا بالهموم و التفكير المتواصل، على انه حاضر النكتة المرحة حتى في أثناء درسه، أنيس المحضر رقيق الحاشية، يجلب السرور الى جليسه مع حشمة الناسك و وقار العالم، متواضعا حتى للصغير، خافض الصوت إلى حدّ الهمس أو يكاد و هذا ما كان من أكبر المشكلات على تلاميذه في درسه، و كم طالبه البعيد على مجلسه أن يرفع من صوته. فاذا استجاب لهم في كلمات عاد إلى سجيته أو عادته فتكثر الشكوى، و لكنه لا يزال هو هو في همسه و هم هم في شكواهم، و يزيد المشكلة تعقيدا بعد إنظاره الشريفة و دقة أبحاثه و نكاته العلمية.

أما ما كان عليه من التهجد و العبادة فهذا ما يكشف عنه أنه كان عارفا إلهيا متفانيا في مقام الشهود، منقطعا إلى حظيرة القدس. لا يلتذّ إلّا بالمناجاة الروحانية، و لا يأنس إلا بالوحدة و الانقطاع إلى مقام المقرّبين.

مؤلفاته

كان لشيخنا أعلى اللّه مقامه قلم سيّال و رغبة في التأليف و الإنتاج منقطعي النظر و كان من ميزاته أن يفرغ كل مؤلفاته لأول مرة في المبيضة التي يعدها للتأليف، لا على عادة أكثر المؤلفين في اتخاذ مسودة لها. فلم يكن يحتاج إلى إعادة النظر فيما يكتب و تعديله و تصحيحه، و هذا دليل القريحة الوقادة التي لا تجارى، و قد أنتج طيلة حياته عدة مؤلفات قيمة هي مفخرة العلم و الأدب و إليك بعضها:

1- تعليقة على كفاية الأصول، و قد طبع منها الجزء الأول في إيران و أضاف عليها بعد طبعها تعليقات نفيسة لا يستغنى عنها (و طبع الجزء الثاني بعد هذه الكلمة).

2- تعليقة ضافية على المكاسب (طبعت هذه الترجمة في مقدمتها).

3- تعليقة على رسالة القطع للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

4 و 5 و 6- رسائل في الإجارة و صلاة الجماعة و صلاة المسافر و هو هذا المطبوع‌

15

سميناه بحوث في الفقه.

7- رسالة في الاجتهاد و التقليد و العدالة 8- رسالة في الطهارة.

9- رسالة في صلاة الجمعة.

10- رسالة في تحقيق الحق و الحكم (أدرجت في أوّل البيع من حاشيته على المكاسب).

11- رسالة في أخذ الأجرة على الواجبات (طبعت في آخر حاشية المكاسب).

12- و 13 رسالتان في المشتق.

14- رسالة في قواعد التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة و اليد.

15- رسالة في الصحيح و الأعم.

16- رسالة في موضوع العلم.

17- رسالة في المعاد.

18- منظومة في الفلسفة العالية (تحفة الحكيم).

19- منظومة في 24 ارجوزة في مدح النبي و الأئمة (عليهم السلام) و مراثيهم.

20- منظومة في الصوم.

21- منظومة في الاعتكاف.

22- ديوان شعره الفارسي في الغزل العرفاني.

23- ديوان شعره الفارسي في مدائح آل البيت و مراثيهم.

24- رسائله العملية في الفقه عربية و فارسية.

25- رسالة في المشترك.

26- رسالة في الحروف.

علاقة تلاميذه به

من الظواهر العجيبة التي تسترعي الأنظار تفاني تلاميذه في حبه و شدة تعلقهم به و إعجابهم بشخصه الكريم إلى حدّ التقديس. و يعزى ذلك إلى أمرين: إلى‌

16

ما يرونه فيه من المواهب النادرة التي لم يجدوها في غيره ممن رأوا و سمعوا، و إلى ما كانوا يشاهدونه فيه مثالا للأب الرؤوف و الأستاذ العطوف يحنو على الصغير و الكبير و يحترم الجميع.

و لقد كنت أرجو أن أؤدي بعض ما كان علي من واجب شكر فضله بترجمة ضافية، و لكن الفرصة لم تكن مؤاتية و قد أعجلت على هذه الكلمة العابرة فمعذرة إليك- أيها الأستاذ العظيم- إذ لم أستطع أن اوفي بعض ما علي من حقوقك و عهدي بك تغض النظر عن كل هفواتنا معك، فاجعل هذه من تلك. و أرجو منه تعالى أن يساعدني على استلهام بعض روحانيتك لا تمكن في فرصة أخرى من التكفير عن هذه الخطيئة (1).

____________

(1) هذا ما ذكره المرحوم الشيخ محمّد رضا المظفر في مقدمته على رسالة الإجارة مع تصرف و إضافات منا.

17

[نبذة مما يتعلّق بصلاة الجماعة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به ثقتي الحمد للّه و الصلاة على محمد و آله، و بعد فهذه نبذة مما يتعلّق بصلاة الجماعة، و فيه فصول‌

فصل [وجوب صلاة الجماعة]

الجماعة تارة واجبة بالذات كصلاة الجمعة، و صلاة العيدين مع اجتماع شرائطهما، و اخرى واجبة بالعرض و لها موارد:

منها: ما إذا تعلّق بها النذر

فإنّها تجب بالعرض بعنوان وجوب الوفاء سواء كانت المنذورة واجبة بالذات أو مندوبة بالذات، و الكلام فيها تارة من حيث صحتها إذا اتى بها من دون جماعة، و اخرى من حيث الحنث لعدم بقاء المحل للوفاء بالنذر.

أمّا الكلام في الصحة: فمحصّله أنّ وجوب الوفاء بالنذر المنطبق على الصلاة جماعة وجوب نفسي لا شرطي حتى تتقيّد الصلاة بشرط الجماعة من قبل النذر فلا تصحّ فرادى. نعم ربّما أمكن الإشكال بناء على الاقتصار في وقوع الفعل عبادة على جعل أمره داعيا الى متعلّقه نظرا إلى أنّه بعد تعلّق النذر و وجوب الوفاء بالواجب أو‌

18

المستحب يتأكّد الطلب لاستحالة اجتماع إرادتين أو بعثين في موضوع واحد فلا أمر إلّا هذا الأمر الأكيد، و المفروض عدم انبعاث الصلاة عنه لتعلّقه بالجماعة.

و دعوى أنّ ذات الطلب موجودة في ضمن الطلب الأكيد فله إتيان الصلاة فرادى بداعي ذات الطلب المحقّق.

مدفوعة: بأنّ الاشتداد و الحركة من حدّ الى حدّ يصحّ في الإرادة النفسانية القابلة للاشتداد، و أمّا البعث الاعتباري فلا، إذ الاشتداد إنّما هو في بعض المقولات لا في كلّها فضلا عن الاعتباريات و الانتزاعيّات، و عدم حركة الإنشاء بداعي البعث في غاية الظهور إلّا أنّ اعتبار البعث الأكيد من الأوّل معقول، كما أنّ استكشافه بملاحظة صدور الانشائين و عدم قبولهما للفعلية معا في موضوع واحد معقول، و المفروض عدم انبعاث الفعل عن الأمر الأكيد بالاعتبار. إلّا أن يقال:

بأنّ اجتماع انشائين بداعي البعث في الفعل المنذور لا مانع منه، و إنّما الممنوع اجتماع بعثين فعليين فإتيان ذات الصلاة فرادى بداعي الإنشاء المزبور الذي هو الفعلي من قبل المولى لا مانع منه فتدبّر.

و أمّا إذا تعلّق النذر بالايتمام في صلاته لا بالصلاة جماعة فلا إشكال في صحّة الصلاة بداعي أمرها لتعدّد موضوعي الأمرين.

و أمّا الكلام في الحنث و عدم بقاء المحلّ فمبنيّ على مسألة جواز تبديل الامتثال بالامتثال، فان مبناه على عدم كون الفعل علّة تامّة لحصول الغرض و سقوط الأمر بل في ما إذا اقتصر عليه و حينئذ فمجرد إتيان الصلاة فرادى لا يوجب عدم بقاء المحلّ، و لا يلازم الحنث، بل يجب عليه الإعادة امتثالا للأمر بالوفاء، و تحصيلا لغرضه اللزومي، إلّا إذا فرض تعلّق نذره بإتيان أوّل وجود من صلاته جماعة فإنّه لا يبقى محلّ للوفاء بنذره حينئذ كما هو غير خفي.

منها: ما إذا عجز عن القراءة

و مختصر القول فيه إنّه على قسمين:

أحدهما: ما إذا كان عاجزا عن القراءة رأسا، فإنّ المعروف فيه الاجتزاء بما يحسنه أو بالذكر لوجوه:

أحدها: إطلاق دليل البدليّة و عدم تقييدها بعدم التمكّن من الائتمام كقوله‌

19

(عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (1): «لو أنّ رجلا دخل في الإسلام لا يحسن ان يقرء القرآن أجزأه ان يكبّر و يسبّح و يصلّي» و من البيّن أنّ الاجتزاء بذلك و بالقراءة الناقصة لا يكون إلّا مع الوفاء بمصلحة الصلاة الواجدة للقراءة التامّة، و إلّا لزم الأمر بالائتمام الوافي بمصلحة الصلاة التامّة و زيادة.

ثانيها: إطلاق دليل التخيير بين الصلاة فرادى و الصلاة جماعة، سواء كان التخيير شرعيّا أو عقليّا، فإنّ من يدّعي تعيّن الائتمام لا يدّعي وجوبه ذاتا بل من باب تعيّن أحد فردي الواجب التخييري بتعذّر فرده الآخر، فأصل التخيير مفروغ عنه و تسليم أصل التخيير هنا مساوق لعدم معقوليّة التعيّن بالعرض، بيانه ان موضوع التخيير بالذات بين الفرادى و الجماعة بعد عدم معقولية الإهمال في الواقع و في مقام الثبوت، اما المكلف الأعمّ من القادر على القراءة التامّة و من العاجز عنها أو خصوص القادر، فان كان الأوّل فلا معنى للتعيّن بالعجز إذ المفروض أنّ العاجز كالقادر موضوع التخيير، و ان كان الموضوع خصوص القادر فلا تخيير للعاجز أصلا حتى يتعيّن الائتمام بالعرض و لا دليل على وجوبه العيني الذاتي، كما لم يدّعه أحد من الأصحاب، لانحصار وجوب الجماعة ذاتا في الجمعة و العيدين بشرائطهما.

ثالثها: إطلاق دليل استحباب الجماعة و شموله لمن لا يحسن القراءة، و دعوى- أنّ الاستحباب الذاتي لا ينافي الوجوب العرضي- مدفوعة بما عرفت في التخيير الذاتي و التعيّن العرضي، فإما لا استحباب في حقه بالذات، و إما لا وجوب بالعرض فتدبّر جيّدا.

ثانيهما: ما إذا كان قادرا على القراءة التامّة بالتعلّم، لكنّه قصّر في التعلّم المقدور عليه إلى أن ضاق الوقت، و المعروف هنا وجوب الائتمام نظرا إلى أنّه مكلف بالصلاة عن قراءة تامّة للقدرة عليها بالقدرة على التعلّم، و لا يتنزل الى بدلها و هي القراءة الناقصة إلّا مع العجز عن المبدل، و مع التمكّن من الائتمام لا عجز عن الصلاة التامّة.

____________

(1) الوسائل: ج 4، ص 735، الحديث 1، الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة.

20

و بعبارة اخرى: كان في حال القدرة على التعلّم مأمورا بإيجاد طبيعة الصلاة التامّة المخيّر فيها بين الفرادى عن قراءة تامّة و الجماعة، و مع تعذر أحد الفردين يتعيّن الأخر عقلا.

و فيه: أنّه إن كان الغرض أنّ القدرة على الائتمام قدرة على القراءة التامة و معها لا مجال للتنزل إلى القراءة الناقصة، فمن البيّن أنّ القدرة على الائتمام قدرة على الصلاة الفاقدة للقراءة رأسا، و قراءة الإمام سواء كانت بدلا أو مسقطا ليست مقدورة للمأموم حتى تكون من إفراد القراءة المأمور بها المكلّف، لئلا يصدق معها العجز عن القراءة التامة. و ان كان الغرض- أنّ الائتمام عدل و بدل للصلاة المشتملة على القراءة التامّة، و مع تعذّرها يتعيّن الفرد الآخر كما هو الشأن في كل واجب تخييري شرعي أو عقلي- ففيه انّه انما ينتج التعيّن إذا كانت الجماعة عدلا للصلاة المشتملة على القراءة التامّة فقط، و أمّا إذا كانت الجماعة عدلا للصلاة فرادى بجميع مراتبها، فلم يتعذّر الصلاة فرادى بل تعذّرت صلاة المختار، و الدليل على كونها عدلا في جميع المراتب إطلاق دليل البدل، و عدم تقيّده بعدم التمكن من الائتمام، و إطلاق دليل التخيير و الاستحباب، و لو نوقش في شمول ما تقدّم من قوله (عليه السلام) (1): «لا يحسن أن يقرء القرآن» للعاجز بالعرض و اختصاصه بالعاجز بالذات، لكفى سائر ما يستدلّ به على بدليّة الأبدال مثل قوله (عليه السلام) (2): «الميسور لا يسقط بالمعسور» فإنه غير متقيّد بعدم التمكّن من الائتمام، و ليس الائتمام ميسورا من الصلاة المشتملة على قراءة تامّة حتى لا تصل النوبة إلى البدل. و اما دعوى- اختصاص التخيير بالقادر و كذا الاستحباب- فمدفوعة: بأن لازمه الالتزام بوجوب الائتمام بالذات لا بالعرض على العاجز رأسا، و كذا دعوى اختصاصه بالقادر و العاجز رأسا لا العاجز بعد القدرة- فإنها مدفوعة بأن القدرة و العجز لا دخل لهما في استحباب الجماعة، و لا في كونهما أفضل فردي الواجب‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 735، الحديث 1، من الباب 3 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) غوالي اللئالي: ج 4، ص 58.

21

التخييري، بل المراد من الإطلاق هو اللابشرط القسمي الذي مقتضاه رفض القيود لا الجمع بين القيود، و مقتضى عدم دخل القدرة و العجز الذاتي ثبوت التخيير و الاستحباب في جميع المراتب. و غاية ما يمكن أن يقال في مقام الاشكال هو انّ الائتمام الذي هو عدل للفرادى في جميع المراتب لا يتفاوت حاله من حيث اشتماله على تمام المصلحة القائمة بصلاة المختار، و مقتضى استحالة التخيير بين التامّ و الناقص أن يكون جميع المراتب مشتملة على مصلحة صلاة المختار بتمامها، و عليه فما الموجب لاستحقاق العقاب على تفويت القراءة التامة بترك التعلّم الى زمان امتناعه بضيق الوقت لأنّ المفروض حصول غرض المولى بالقراءة الناقصة مع أنّ المعروف الحكم باستحقاق العقوبة في صورة التقصير في التعلّم و هذا الإشكال نشأ من القول بالتخيير.

و أمّا الإشكال من حيث جواز تبديل القدرة بالعجز و عدم الموجب لحفظ القدرة لكونها شرطا للتكليف، و لا يجب تحصيله و لا حفظه و معه فلا موجب للعقوبة بعد عدم الملزم لحفظ القدرة. و جواز إدراج نفسه تحت عنوان العاجز نظير عنواني الحاضر و المسافر فهو إشكال جار في كلّ ماله بدل اضطراري كالطهارة المائيّة و الترابيّة.

و يندفع الإشكال من جميع الوجوه بتقريب أنّ القراءة التامّة بما هي مشتملة على المصلحة اللزوميّة من دون دخل للقدرة عليها و لو بالتعلّم بإطلاق المادّة، و عدم تقييدها بالقدرة شرعا مولويا، و القراءة الناقصة لا تكون ذات مصلحة تامّة إلّا في فرض العجز عن القراءة التامّة بملاحظة ترتّبها على القراءة التامّة نصا و فتوى فليست القدرة شرطا شرعا حتى لا يجب تحصيلها و لا حفظها إلّا بدليل خاصّ، بل شرط عقلا كسائر الواجبات التي لا بدل لها و تفويتها المفوّت للقراءة التامّة باختياره من باب الامتناع بالاختيار الذي لا ريب في عدم منافاته للعقاب و ان كان منافيا للخطاب، فالعقاب حينئذ على مخالفة التكليف المحقّق الذي لا بدل له في عرضه لفرض كون القراءة الناقصة ممّا لا مصلحة لها إلّا في فرض العجز عن القراءة التامّة، فليس باب القراءة التامّة و الناقصة كباب الإتمام و القصر على الحاضر و المسافر ليجوز له تبديل أحد العنوانين بالآخر.

22

و توهّم أنّ لازم قيام القراءة التامّة و الناقصة بمصلحة واحدة وجود الجامع بينهما، و مقتضاه الأمر به، و مقتضاه التخيير بينهما، فيعود المحذور. مدفوع بانّ الجامع حيث إنّه منطبق على الفردين الطوليين فمقتضاه الأمر بالفردين على الترتيب، لا على التخيير، و قد عرفت مقتضى الترتيب و انّه لا يعقل مع عدم كون القراءة الناقصة ذات مصلحة إلّا في فرض العجز أن يأمر المولى بها في عرض الأمر بالقراءة التامة.

و بالجملة فمصحح العقاب تفويت الواجب المنجّز بسوء اختياره و عدم جواز التبديل لفرض عدم كون القدرة شرطا شرعا كشرطيّة العجز في وجوب القراءة الناقصة، و اما استيفاء المصلحة التامّة بالقراءة الناقصة فهو لا يمنع عن العقاب المرتّب على مخالفة التكليف المحقّق. و أما شبهة صدق الفوت بالنسبة إلى القراءة التامّة، فيجب القضاء في خارج الوقت، فمدفوعة بأنّ فوت الفريضة بذاتها مع حصول ملاكها التام في الوقت لا يوجب القضاء في خارجه، و بقيّة الكلام في محلّه.

و من جميع ما ذكرنا تبيّن انّ ترك التعلّم إذا لم يكن عن تقصير لا يوجب تعيّن الائتمام، بل و كذا إذا كان عن تقصير، نعم لدفع العقاب في الأخير يتعيّن الائتمام.

و منها: ما إذا أمره أحد والديه بإيقاع الفريضة جماعة،

و هذا بناء على وجوب اطاعة الوالدين بعنوانها واضح، و أمّا إذا قلنا بانّ المسلّم حرمة إيذائهما فلا تجب الجماعة مطلقا بل إذا انطبق على تركها الإيذاء، لا ما إذا لم ينطبق عليه كما إذا ترك الجماعة و صلّى خفاء مع عدم علمهما به. فإنّه لا إيذاء، و الإيذاء على تقدير العلم لا اثر له، و الكلام في صحّة الصلاة فرادى مع الإثم بترك الجماعة كالكلام في نذر الجماعة.

لا يقال: بناء على عدم سقوط الأمر بمجرّد الامتثال و ان لم تكن الصلاة فرادى مفوّتا للواجب بالنذر، أو بإطاعة أحد الوالدين، إلّا أنّه إذا صلّى في آخر الوقت بحيث لا يتمكّن من الائتمام بعده يسقط الأمر و يكون من تفويت محلّ الواجب بأداء الصلاة فرادى فتحرم و لا تصحّ حينئذ. و منه علم أنّه لو قلنا بسقوط الأمر من أوّل الأمر كان تفويتا لموضوع الواجب مطلقا فلا يصحّ أصلا لا في أوّل الوقت و لا‌

23

في آخره.

لأنّا نقول: حيث إنّ المفروض نذر الصلاة جماعة، أو أمر أحد الأبوين بها، فليس بابه باب تفويت محلّ الواجب بل فوات الواجب بإتيان ضدّه، حيث إنّ الصلاة فرادى و الصلاة جماعة عنوانان متنافيان لا يجتمعان في واحد و ليس فعل إحديهما مقدمة لترك الأخرى. نعم لو تعلّق النذر أو الأمر بالائتمام في صلاته كان لعنوان تفويت المحلّ موقع و يترتّب عليه ما ذكر.

و منها: ما إذا لم يدرك من الوقت ركعة تامّة

لكنّه يدرك الركعة بإدراك الإمام راكعا، و هذا مع إطلاق دليل (1) «من أدرك ركعة من الوقت» للركعة حقيقة و تنزيلا واضح، و أمّا مع عدم إطلاقه كما هو الظاهر، فلا يجدي تنزيل إدراك الإمام راكعا منزلة إدراك الركعة فإنّه ناظر الى آثار صلاة الجماعة من سقوط القراءة و غيرها لا التنزيل من حيث إدراك الوقت أيضا. إلّا أنّ الأحوط الائتمام من دون نيّة الأداء و القضاء فان صلاته صحيحة إمّا أداء أو قضاء. و مثله من كان بطي‌ء القراءة بحيث يفوت بقرائته الوقت فإنّه يجب عليه الائتمام بناء على ما ذكر.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 158، الحديث 4 و 5 من الباب 30 من أبواب المواقيت.

24

فصل في استحباب الجماعة في الفرائض

و لا شبهة في استحبابها ذاتا في الفرائض اليومية الأدائيّة، فان مشروعيّة الجماعة فيها من ضروريات الدين، و انّما البحث في موارد:

منها: استحبابها في اليوميّة القضائيّة،

و جواز الائتمام من القاضي بالمؤدي منصوص في رواية العدول من الأداء الى القضاء (1)، و في رواية الصلاة المعادة جماعة (2) بقوله (عليه السلام) «و اجعلها لما فات» و أمّا استحباب الجماعة في القضاء فليس فيه نص معتبر إلّا ما ورد في حكاية نوم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قضاء صلاة الصبح جماعة (3) و مع ما فيه من الاشكال، يشكل به الاستدلال في هذا المجال و لا ملازمة بين جواز الائتمام في القضاء، و الجماعة فيه، كما لا ملازمة بين جواز الجماعة في الآيات، و عدم جواز الائتمام من مصلّي الآيات بمصلّي اليوميّة، و كذا العكس، إلّا أنّ المسألة غير خلافية، كما أنّ استحباب الجماعة في الآيات و الأموات مما لا اشكال فيه نصّا و فتوى، و سيجي‌ء ان شاء اللّه تعالى حكم الائتمام فيها بمؤدي اليومية و بالعكس.

و منها: استحباب الجماعة و الائتمام في صلاة الطواف،

فإنّ المحكي عن غير واحد الاستحباب فيها، و في غيرها من الفرائض.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 212 الحديث 2 من الباب 63 من أبواب المواقيت.

(2) الوسائل: ج 5 ص 457 الحديث 1 من الباب 55 من أبواب صلاة الجماعة.

(3) الوسائل: ج 3، ص 207، الحديث 6، من الباب 61 من أبواب المواقيت.

25

[الاستدلال لمشروعيّة الجماعة في جميع الفرائض]

و غاية ما يمكن الاستدلال به لمشروعيّة الجماعة في جميع الفرائض أمور:

أحدها: ما في صحيحة (1) زرارة و الفضيل «قالا: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: الصلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها و لكنّه سنّة.» الخبر. فان الظاهر اتّحاد مورد النفي و الإثبات، فيكون الاجتماع في الصلوات كلّها سنّة، كما انّه ليس بمفروض في الصلوات كلها، سواء كان بنحو عموم السلب، أو سلب العموم، أمّا على الأول فواضح، و أمّا على الثاني فإنّ البعض الذي لا يكون الاجتماع فيه مفروضا يكون الاجتماع فيه سنّة و هو ما عدا الجمعة و العيدين بشرائطهما فإنّها التي يكون الاجتماع فيها مفروضا، و منه تعرف انّ الأولى حمله على سلب العموم، فتدبّر.

إلّا انّ الظاهر أنّ مورد السؤال هي اليومية، فإنها التي ذهبت العامة إلى وجوب الجماعة فيها، إمّا عينا أو كفاية و هو المنشأ لسؤال مثل زرارة و الفضيل، لعدم الالتزام بالجماعة في غيرها من المسلمين في صدر الإسلام إلى زمان السائل إلّا ما هو معلوم عندهما من الجمعة و العيدين. و يؤكده ذيل الصحيحة فإنّه هكذا «و لكنّه (2) سنّة من رغب عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» فان هذا التأكيد و التشديد ليس إلّا في اليوميّة كما يتّضح بالمراجعة الى أخبار الحثّ على الجماعة إلّا أن يقال انّ مورد السؤال و ان كان هي اليوميّة إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) تفضّل في مقام الجواب بالسلب و الإيجاب بنحو الكلّيّة تعميما للفائدة و إلّا لما كانت نكتة في قوله «في الصلوات كلّها» إذ لا موجب لتوهّم الوجوب في بعض الصلوات اليوميّة، و الاستحباب في بعضها الأخر، حتّى يجيب (عليه السلام) بانّ حكم الكلّ واحد في السلب و الإيجاب، فإنّ العامّة كما مرّ قائلون بالوجوب مطلقا إمّا عينا أو كفاية على اختلاف مذاهبهم، بل الأشهر بينهم انّ الجماعة سنّة مؤكّدة، لا واجبة عينا أو كفاية، كما يظهر من تذكرة العلّامة (رحمه اللّه).

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 371، الحديث 2، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة. و في المصدر (و لكنّها سنّة)

(2) في المصدر السابق «و لكنّها سنة من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين.».

26

ثانيها: مثل ما في صحيحة (1) عبد اللّه بن سنان «الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ (أي الفرد) بأربع و عشرين درجة» نظرا إلى أنّه لجعل استحباب الجماعة في الصلاة بما هي بجعل لازمه و هو الثواب المخصوص، و به يندفع الإيراد بأنّ الإطلاق مسوق لحكم أخر، فإنّه مبني على انّ المجعول هو الثواب على الجماعة المشروعة، و امّا إذا قلنا انّه تشريع للجماعة ببيان ثوابها فلا موقع للإيراد.

و منه تعرف انّه بناء على هذا التقريب لا فرق بين ما إذا كانت العبارة الصلاة في جماعة أو كانت صلاة الجماعة كذا، بتخيّل أنّ مشروعيّة الجماعة بإضافة الصلاة إليها مفروغ عنها فالحكم في الثانية ثابت للجماعة المشروعة، فلا تثبت بها المشروعيّة بخلاف العبارة الاولى، مع انّ مجرّد الإضافة لا يوجب الفراغ عن المشروعيّة، و لذا يصحّ صلاة الجماعة في كذا غير جائزة، نعم ظاهر هذه الصحيحة كسائر الأخبار انّها في اليوميّة.

ثالثها: إثبات استحباب الجماعة في الفرائض من باب التسامح في أدلة السنن، و لو بفتوى الفقيه كيف و المشهور استحبابها في الفرائض كلّها، بل نسبته في المنتهى الى علمائنا.

أقول: بعد البناء على صدق البلوغ بفتوى الفقيه و ثبوت الاستحباب شرعا بأخبار من بلغ (2) أورد عليه بوجوه:

أحدها: انّ الجماعة ليست من الأمور المستحبة شرعا بل هي مصداق للواجب و أفضل الفردين منه، فلا يمكن إثبات مشروعيتها بدليل التسامح المتكفّل لإثبات الاستحباب و هو في الحقيقة بلا محصّل إذا لم يرجع الى الوجه الآتي، إذ لا تكون خصوصيّة الجماعة موجبة لكون الصلاة المتكيّفة بها أفضل الإفراد إلّا برجحان هذه الخصوصيّة و مطلوبيّتها شرعا في الصلاة، و بها تكون أفضل الإفراد، و فرديّة ذات‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 371، الحديث 1، من الباب 1 من أبواب صلاة الجماعة. و في المصدر «الصلاة في جماعة تفضل على كل صلاة الفرد (الفذ) بأربعة و عشرين درجة تكون خمسة و عشرين صلاة».

(2) الوسائل، ج 1، ص 59، أحاديث الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات.

27

المتكيّف بها لطبيعي الصلاة وجدانية. نعم إذا قلنا- بأنّ الصلاة فرادى و الصلاة جماعة ماهيتان متباينتان و انّ المكلف مخير شرعا بين الصلاة فرادى و الصلاة جماعة- أمكن أن يقال: انّ دليل التسامح لا يثبت الوجوب مطلقا تعيينيّا كان أو تخييريا، إلّا انّ الظاهر انّ الفرق بينهما باعتباري (لا بشرط) و (بشرط شي‌ء) بمعنى أنّ التكليف اللزومي متعلّق بطبيعي الصلاة لا بشرط من حيث قصد الائتمام و عدمه بمعنى رفض القيود لا الجمع بين القيود، و الاستحباب متعلق بإتيانها بكيفيّة خاصّة فهو مخير عقلا بين إفراد هذا الطبيعي اللابشرط، في إتيان فرد متخصص بالقصد المزبور و الفرد الغير المتخصص به، و لعلّنا سنتكلم فيه فيما بعد ان شاء اللّه تعالى.

ثانيها: ما عن العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1) من انّ أدلّة التسامح لا تثبت بقيام الخبر الضعيف أو مطلق البلوغ و لو بفتوى الفقيه إلّا الاستحباب دون غيره من الأحكام و من المعلوم انّ الجماعة لها أحكام مخالفة للأصل، من سقوط القراءة، و وجوب المتابعة، و رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر في مورد الشكّ و هذه الأحكام لا تثبت بالخبر الضعيف فلا تثبت الجماعة التي لها هذه الأحكام ثم أفاد ما محصّله بعد النقض و الإبرام انّ إثبات هذه الأحكام بقيام الخبر الضعيف و عدمه به مبنيّ على انّ هذه الأحكام في طول الاستحباب و مترتّبة عليه، أو هي و الاستحباب حكمان واردان في عرض واحد على الجماعة، و يكون بينهما التلازم و لا ينفكّ أحدهما عن الآخر إجماعا. فإن قلنا بالأوّل فالخبر الضعيف يفيد الاستحباب فقط، و حيث إنّه تمام موضوع تلك الآثار فتترتب تلك الآثار عليه قهرا، و ان قلنا بالثاني فالخبر الضعيف كما يثبت الاستحباب لا بدّ من ان يثبت تلك الأحكام لعدم إمكان الانفكاك بالإجماع، و حيث لا يمكن إثبات تلك الآثار بالخبر الضعيف فلا يمكن إثبات ما لا ينفكّ عنها، هذا ملخّص ما أفيد بتوضيح مني.

و الجواب: بعد الفراغ عن انّ الخبر الضعيف بأدلّة التسامح لا يكون حجة كالخبر‌

____________

(1) كتاب الصلاة: ص 312، الطبعة الحجرية.

28

الصحيح- بحيث يثبت الاستحباب الواقعي الذي هو مدلول الخبر الضعيف، بل يثبت الاستحباب بعنوان انّه بلغه الثواب على عمل فهو بالإضافة إلى الاستحباب الثابت كالخبر الصحيح بناء على الموضوعية و السببية- نقول: إنّ تلك الأحكام المخالفة للأصل، إمّا هي مترتبة على الجماعة المستحبّة بذاتها واقعا، أو على المستحبّة و لو بعنوان بلوغ الثواب عليه. فان قلنا بالأوّل فالخبر الضعيف لا يثبت الاستحباب الواقعي لذات الجماعة بل يثبت استحبابا لا ترتّب للاحكام عليه، و إن قلنا بالثاني كان الخبر الضعيف محققا لموضوع تلك الآثار حقيقة لا تعبّدا، و منه تعرف الحال فيما إذا كانت تلك الأحكام ملازمة شرعا لخصوص المستحب الواقعي بعنوانه أو للأعم منه، فان كان الأوّل فلا يثبت الملازم بالخبر الضعيف حتّى يستتبع تلك الأحكام بدليل الملازمة، لا من حيث إنّ تلك الأحكام لا تنفكّ عن الاستحباب، فإنّه هنا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، و ان كان الثاني فإن قلنا بانّ دليل الملزوم دليل على لازمه و أنّ دليل أحد المتلازمين دليل على الآخر أمكن أن يتخيّل انّ الخبر الضعيف حيث لا يصلح ان يكون مثبتا لتلك الأحكام فلا يصلح ان يكون مثبتا لما لا تنفك تلك الأحكام عنه، و امّا ان قلنا بانّ الدليل على الملزوم حجة عليه فقط و إثبات اللازم بدليل الملازمة إذ مفاده ثبوت اللازم عند تحقّق ملزومه، و المفروض تحقّقه لما فرضناه من انّ الملزوم أو الملازم هو الأعمّ من المستحب الواقعي بذاته أو المستحب الموضوعي بعنوان البلوغ فلا إشكال. و مما ذكرنا تبيّن انّ المدار نفيا و إثباتا على ضيق دائرة الموضوع أو الملازم وسعتهما دون الترتب و التلازم.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ تلك الأحكام مترتّبة على الجماعة المنعقدة شرعا لا على الهيئة الاجتماعية عرفا مع قطع النظر عن مشروعيتها، كما انّ الظاهر ترتّب تلك الأحكام على الجماعية المشروعة بعنوانها لا الأعم منه و مما بلغ عليه الثواب، و المرجع عند الشكّ في ترتب تلك الأحكام المخالفة للأصل على خصوص المستحب بذاته، أو على الأعم منه و من المستحب بعنوان البلوغ الى عمومات أدلة تلك الأحكام لرجوع الشك إلى سعة دائرة المخصص لتلك العمومات و ضيقها، لا في المصداق حتّى لا يمكن الرجوع الى العام فتدبّر.

29

ثالثها: انّ اشتغال الذمة بالصلاة ثابتة و لا يقين بالفراغ، و الامتثال بإتيان هذا الفرد المشكوك حاله من حيث مشروعيّة الجماعة فيه و عدمه، و يندفع بأن أدلة التسامح كافية في المشروعيّة في قبال أصالة عدم المشروعيّة، فلا إشكال في اليقين بالفراغ لو لا محذور أخر كما تقدّم في الوجه الثاني فهو العمدة في المقام.

و منها: الجماعة في الصلاة التي يؤتى بها من باب الاحتياط،

و لها اربع صور.

الأولى: ما إذا صلّى بعنوان الاحتياط اللزومي مقتديا بمن يصلّي اليوميّة، و لا ينبغي الإشكال فإنّه على فرض الحاجة إليها واقعا جماعة في فريضة يوميّة، و على تقدير عدم الحاجة لا صلاة و لا جماعة و لا يضرّ حينئذ عدم ترتب آثار الجماعة من سقوط القراءة و وجوب المتابعة، و الرجوع في مورد الشكّ إذ مع الحاجة كل الآثار مترتبة، و مع عدمها لا ضير في عدم سقوط القراءة و غيره. نعم في رجوع الإمام إلى المأموم إشكال حيث لم يحرزانها جماعة واقعا لاحتمال اللغوية.

الثانية: هذا الفرض نفسه مع كون الاحتياط غير لزوميّ و لا يضرّ بالجماعة بعد كون الفريضة محتاجا إليها واقعا.

الثالثة: من يصلّي الاحتياط مقتديا بمن يصلّي الاحتياط، فان كان منشأ الإعادة واحدا بحيث كان صحة صلاتهما و فسادهما متلازمين واقعا فلا إشكال، إذ على تقدير الحاجة فصلاة كليهما جماعة صحيحة، و إلّا كانتا لغوا. و أمّا إذا لم يكن المنشأ واحدا فلا يقين للمأموم بانعقاد صلاته جماعة على تقدير الحاجة، إذ من المحتمل لغويّة صلاة الإمام فلا تصحّ صلاته إلّا بفرض الإتيان بوظائف المنفرد، و هو خلف في المقام المبنيّ على انعقاده جماعة يترتّب عليها أحكامها.

الرابعة: اقتداء من يصلّي اليوميّة بمن يصلّي الاحتياط، و لا يقين بالفراغ إلّا على تقدير الحاجة و هو غير محرز للمأموم، نعم إذا اعتقد المأموم حاجة الإمام و ان لم يعتقدها الإمام أو أتى بوظائف المنفرد صحّت صلاة المأموم، إلّا أنّهما خلف كما لا يخفى. هذا ما تقتضيه حال تلك الصور من حيث الاحتياط، و امّا إذا كانت بعنوان المعادة سواء قلنا باستحباب المعادة، أو باستحباب الإعادة شرعا فجميع تلك الصور الأربع صحيحة على أيّ تقدير، و تترتّب عليها آثار الجماعة كلا. أمّا إذا‌

30

قلنا باستحباب الإعادة، و استقرار الامتثال على المعادة، ففي غاية الوضوح، فإنّها على تقدير الحاجة صلاة صحيحة جماعة، و على تقدير عدمها بيده قرار الامتثال على الثانية، فهي على أيّ تقدير مصداق الصلاة الواجبة، فيقصد المصلّي امتثال هذا الأمر جماعة سواء كانت صلاته السابقة صالحة للاقتصار عليها أولا و امّا إذا قلنا بسقوط الأمر اللزومي و استحباب المعادة فالجماعة فيها جائزة بل أفضل، فالمصلّي يقصد امتثال هذا الأمر الشخصي سواء كان هو أمره اللزومي أو أمره الندبي، فعلى أيّ تقدير تقع الصلاة صحيحة من حيث الجماعة و آثارها. نعم إذا كان المحتاط هو الإمام فلا بدّ هنا من قصد الإمامة لتقع صلاته بعنوان المعادة منه، بخلاف ما إذا لم تكن صلاة الإمام احتياطيّة فإنه تصح صلاة المأموم، سواء كان من قصد الإمام الإمامة أم لا.

و منها: الجماعة في ركعات الاحتياط

فان قلنا بانصراف إطلاقات الجماعة في الفرائض إلى اليوميّة، أو الفرائض النفسيّة التي تطلب لذاتها لا لرعاية غيرها و تدارك نقصها، فلا إشكال حينئذ في عدم الجماعة فيها بجميع وجوهها من اقتداء المحتاط بالمحتاط، أو من يصلّي اليومية بالمحتاط، و بالعكس.

و أمّا ما عن (1) العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)- من عدم صدق عنوان الفريضة بمادتها على مطلق الواجب، كنفس عنوان الواجب القابل للصدق على النفسي و غيره- فلا شاهد له، بل إطلاق الفريضة بعنوانها على الواجب الغيري شائع في لسان الاخبار، كما في الخبر (2) «الوضوء فريضة» و إطلاق هذه المادة في غير هذه فممّا لا إشكال فيه، كما يتضح للمراجع الى موارده. نعم بناء على الجزئيّة الحقيقيّة لا ينبغي الإشكال في الاقتداء بمن يصلّي ركعات الاحتياط ممن لا يصلّيها، دون العكس، إلّا إذا كان مقتديا بتلك الصلاة من أوّلها، و ان لم نقل بالانصراف، فان علم المأموم بحاجة الامام إليها فلا إشكال في صحة الاقتداء بمصلّيها، لأنّها إمّا‌

____________

(1) كتاب الصلاة: ص 313، الطبعة الحجرية.

(2) الوسائل: ج 1، ص 256، الحديث 2 من الباب 1 من أبواب الوضوء.

31

صلاة مستقلّة، أو جزء حقيقة من الصلاة، و ان لم يعلم بحاجة الإمام فلا محذور فيه إلّا احتمال كونها نافلة مع عدم الحاجة إليها واقعا. و شمول دليل المنع عن النافلة لمثل هذه الصلاة الواجبة بوجوب طريقي ظاهرا- لا أنّها نافلة على تقدير بل بحكم النافلة من حيث احتسابها لمصلّيها لا ذهابها هدرا- في غاية الاشكال.

و أمّا إذا اقتدى في صلاة الاحتياط بمن يصلّي اليوميّة أو الاحتياط، فمع قطع النظر عن إشكال الجماعة في النافلة، يرد محذور الاقتداء في أثناء الصلاة الانفرادية بناء على الجزئيّة، و يندفع هذا المحذور أيضا بناء على الاستقلاليّة، و على فرعاية الاحتياط في جميع هذه الصور بترك الجماعة ممّا لا ينبغي تركها و اللّه اعلم.

32

فصل في عدم مشروعية الجماعة في النافلة إلّا ما استثني

كالاستسقاء، و هو المشهور، بل ادّعى عليه الإجماع، و به روايات معتبرة باستناد الأصحاب إليها، و في قبالها روايات أخر، فبعضها يدلّ على جواز جماعة الرجل مع أهله في بيته في نافلة شهر رمضان، كما في صحيحة عبد الرحمن (1) «صلّ بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة فإني أفعله» و بعضها يدلّ على جواز جماعة النساء في النافلة، كصحيحة الحلبي (2) و صحيحة سليمان بن خالد (3) و صحيحة هشام بن سالم (4)، و في الأخيرة منها «عن المرأة تؤم النساء، قال: تؤمّهنّ في النافلة و أمّا المكتوبة فلا» و مقتضى قاعدة الجمع تخصيص أخبار المنع بهذه الصحاح، إلّا أنّ الروايات الواردة في الفرق بين المكتوبة و النافلة موافقة للعامة، لاتفاقهم على منع إمامتهن في الفريضة تحريما أو كراهة، و جوازها في النافلة، و أمّا صحيحة عبد الرحمن فلا مجال لحملها على التقيّة. نعم هي معارضة للأخبار الناهية عن خصوص الجماعة في نافلة شهر رمضان، فإنّ المنع عن مثلها مسلّم و ان لم يكن المنع عن الجماعة في مطلق النافلة كذلك فينبغي ردّ علمه إلى أهله في مثل هذه الصحيحة فإنّها أخصّ حتّى بالإضافة إلى اخبار المنع عن الجماعة في نافلة شهر رمضان، إلّا أنّ الناظر في تلك الأخبار يرى أنّ الممنوع هي الجماعة في نافلة شهر رمضان بما هي جماعة، لا بما هي جماعة الرجال في المساجد ليحمل اخبار المنع على ذلك و خبر‌

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

(3) الوسائل: ج 5 ص 408، الحديث 13 و 9 و 12 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

(4) الوسائل: ج 5 ص 406، الحديث 1 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

33

الجواز على خصوص جماعة الرجل مع أهله في بيته و اللّه أعلم.

[مشروعية الجماعة في صلاة الغدير]

و أمّا صلاة الغدير، فهي و ان كانت مرويّة و استحبابها بلا إشكال، إلّا أنّ إتيانها في جماعة لا رواية بها إلّا ما أرسله أبو الصلاح على ما حكاه العلامة في التذكرة (1) قال (قدّس سرّه): و روي أبو الصلاح هنا استحباب الجماعة و لا مجال لإثبات استحباب الجماعة فيها مع عدم حجيّة المرسل حتّى يكون مخصصا لعدم مشروعيّة الجماعة في النافلة، إلّا بأدلّة التسامح في أدلّة السنن.

و اعترض عليه في الجواهر (2) «بانّا و ان قلنا بالتسامح في دليل المستحب، لكن حيث لا يعارضه ما يقتضي الحرمة».

و توضيح دفعه بانّ الكلام تارة في ملاحظة دليل التسامح مع ما يدلّ على عدم المشروعيّة الراجع الى عدم استحبابه واقعا، و اخرى في ملاحظته مع ما يدلّ على حرمته.

امّا الأوّل، فنقول: غاية ما تدلّ الحجّة على عدم الاستحباب، انّه غير مستحب واقعا كسائر المستحبات الواقعية، و لا منافاة بين عدم استحباب فعل واقعا و استحبابه الموضوعي بسبب بلوغ الثواب كما هو مفاد قوله (عليه السلام) (3):

«كان له أجر ذلك و ان كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقله» و دليل حجيّة الخبر القائم على عدم استحبابه و ان كان يقتضي إلغاء احتمال خلافه، فيرتفع به موضوع دليل التسامح، إلّا أنّ احتمال خلاف عدم الاستحباب واقعا هو استحبابه واقعا من دليل التسامح يثبت استحبابه الموضوعيّ المتقوّم بنفس الاحتمال الوجداني، إذ ليس مرجع إلغاء احتمال الخلاف إلّا إلى إلغاء المحتمل و التعبّد بعدمه. نعم، إن كانت الحجّة على عدم الاستحباب قطعيّة الدلالة و السند لم يكن مجال لإعمال دليل التسامح حيث إنّه ليس معها احتمال الاستحباب وجدانا فلا‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء: ج 1 ص 73، الطبعة الحجرية.

(2) جواهر الكلام: ج 13، ص 144، طبعة الآخوندي.

(3) الوسائل: ج 1، ص 59، الحديث 1، من الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات.

34

موضوع له.

و أمّا الثاني فنقول: لسان أدلّة عدم مشروعيّة النافلة جماعة مختلف فبعضها لا يستفاد منها إلّا عدم المشروعيّة كقوله (عليه السلام) (1): «لا جماعة في نافلة» فإنّه يتكفّل عدم موضوعيتها في مرحلة التشريع، كما هو الحقّ في نظائره، لا الحرمة و بعضها يدلّ على حرمتها تشريعا كقوله (2) (عليه السلام) «النافلة في جماعة بدعة» و قوله (عليه السلام) في آخره: «قليل في سنّة خير من كثير في بدعة» و بعضها يدلّ بظاهره على الحرمة الذاتيّة كقوله (3) (عليه السلام): «و لا يصلّي التطوّع في جماعة» (4) و «لا يجوز ان يصلّي التطوع في جماعة» (5) و «لا تجتمعوا إلّا في الفريضة» بتقريب أنّ النهي تعلّق بالصلاة بعنوانها لا بما هي معنونة بعنوان التشريع، إلّا أنّ المراجع الى الأخبار يجد أنّ هذه النواهي محفوفة صدرا أو ذيلا بما يدلّ على كونها محرّمة لكونها بدعة و من المعلوم انّ عنوان التشريع مقابل لعنوان الإتيان بداعي الثواب بسبب بلوغه أو احتماله، فلا موضوع للتشريع و هذا هو الفارق بين الحرمة التشريعيّة و الذاتية، فإنّ الموضوع في الثانية لا يرتفع بالرجاء و التماس الثواب. نعم لو كان الخبر عن الحرمة الذاتية ضعيفا لما كان مانعا عن التسامح في دليل الاستحباب، لانّ احتمال العقاب مدفوع بالبراءة عقلا و نقلا فيبقى ما دلّ على الاستحباب بلا مانع، و الخبر عن العقاب غير مشمول لأدلّة التسامح كما حقّق كلّ ذلك في محلّه.

و مما ذكرنا تعرف عدم الفرق بين التشريع العامّ و التشريع الخاصّ، كما ذهب الى الفرق شيخنا العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالة التسامح نظرا الى انّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 182، الحديث 6 من الباب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان.

(2) الوسائل: ج 5 ص 191، الحديث 1 من الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان.

(3) الوسائل: ج 5 ص 407، الحديث 5 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

(4) الوسائل: ج 5 ص 407، الحديث 6 من الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة.

(5) الوسائل: ج 5 ص 193، الحديث 4 من الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان و في المصدر «. و اللّه لقد أمرت الناس ان لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة.».

35

مثل دليل (1) «لا تطوع في وقت الفريضة» يدلّ على انّ امتثال مطلقات أوامر هذه العبادات لا يتحقّق بدون ذلك، أو مع ذلك المانع، و الخبر الضعيف لا تبيّن الماهيات التوقيفية.

و الجواب: انّ غاية ما يقتضيه تقييد تلك المطلقات بالحجّة المعتبرة، انّ ذلك العمل بدونه لا يكون مشمولا لتلك المطلقات و نتيجتها عدم استحبابها شرعا واقعا، فان كانت تلك الحجّة قطعية سندا، و دلالة كان ذلك العمل خارجا عن موضوع أدلّة التسامح، لعدم الاحتمال و رجاء الثواب و إلّا فالموضوع باق، و قد عرفت عدم المنافاة بين عدم الاستحباب الواقعيّ و الاستحباب الموضوعيّ المتقوّم بالرجاء المحفوظ على الفرض، و قد عرفت انّ التمسك بأدلّة التسامح لا مانع منه لا من حيث عدم المشروعيّة و لا من حيث الحرمة التشريعيّة.

نعم يبقى ما قدّمناه من الاشكال من أنّ أدلّة التسامح لا تثبت إلّا الاستحباب و لا تثبت بها الأحكام الثابتة للجماعة المخالفة للأصل كالقراءة الواجبة بوجوب شرطي في كلّ فريضة أو نافلة، فإنّ سقوطها في هذا المستحب بعنوان البلوغ لا يثبت بأخبار من بلغ فراجع ما قدّمناه.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 195، الباب 46، الحديث 3، و في المصدر «. انه لا تصلّى نافلة في وقت فريضة.».

36

فصل في شرائط الجماعة

و هي أمور‌

أحدها: العدد

و أقلّه اثنان، و هو مع انّه إجماعي فهو شرط عقلي للائتمام و الاقتداء الذي لا يعقل إلّا مع التعدد و الاثنينيّة، كما لا يعقل ترتّب آثارها من تحمّل القراءة و وجوب المتابعة، و الرجوع في حال الشكّ فهي بجميع آثارها الشرعيّة متقوّمة بالتعدد و الاثنينيّة، فما ينسب الى ابن بابويه- من أنّ الواحد جماعة- فهي أجنبيّة عن الجماعة المبحوث عنها، و لعلّه ينظر الى ما ورد (1) من أنّ «المؤمن وحده جماعة» و ما في باب الأذان و الإقامة (2)، من أنّه «إذا كان وحده فأذّن و أقام صلّى خلفه صفّان من الملائكة» و شبه ذلك من التأويلات الموجبة لخروج هذه الجماعة عن الجماعة المبحوث عنها، و أمّا الاكتفاء بغير البالغ فمبنيّ على شرعيّة عباداته و شمول الإطلاقات له حتّى مع عدم شرعيّة عباداته غير معلوم.

ثانيها: نيّة الائتمام و الاقتداء من المأموم

و اعتبارها واضح بعد وضوح انّ مجرد الاجتماع في الصلاة ليس من الجماعة، كوضوح انّ مجرد مقارنة فعله لفعل غيره لغرض من الأغراض ليس من الجماعة، كوضوح انّ نيّة المتابعة العمليّة ليس من الجماعة، بل المتابعة العمليّة من واجبات الجماعة فهي غيرها و قصدها غير قصد الجماعة، بل تمام حقيقة الائتمام و الاقتداء متقوّمة بالقصد و النيّة، فإذا بنى على‌

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 379، الحديث 2 من الباب 4 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الوسائل: ج 4، ص 619، أحاديث الباب 4.

37

ربط صلاته بصلاة الإمام فقد نوى الائتمام، و تنعقد به الجماعة فيترتّب عليها آثارها. و منه تعرف انّ نية الائتمام في انعقاد الجماعة بهذا المعنى أيضا عقلي لا يكاد يتحقّق إلّا بالبناء على الربط المزبور، نعم أصل اعتبار هذا المعنى القصدي في ترتّب الآثار شرعي، و نفس مشروعيّة الجماعة كافية في اعتبار هذا البناء المتقوّم به الاقتداء و الائتمام فلا حاجة الى الاستدلال لاعتبار نيّة الاقتداء بقوله (1) (عليه السلام): «لكل امرء ما نوى» لتبادر ترتّب الأجر و الثواب على المنوي بنيّته لا تحقّق أصله بنيّته، كما هو المقصود هنا و لا بقوله (عليه السلام) (2): «إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به» فان مورده المتابعة العمليّة التي هي من واجبات الجماعة المنعقدة شرعا، و لذا رتّب عليه بأنّه «إذا كبّر فكبّروا. إلخ».

فإن قلت: الاقتداء و الائتمام من المعاني الإضافيّة التي لا تستقلّ بالتحصّل.

بل لا بدّ من أن يكون بلحاظ أمر من الأمور، و ليس الملحوظ هنا إلّا صلاة الإمام، فيرجع الأمر إلى قصد متابعة الإمام في أفعاله الصلاتية، و ليس ربط صلاته بصلاة الإمام إلّا ربط المتابعة.

قلت: ليس الغرض أن حقيقة الاقتداء و الائتمام غير حقيقة المتابعة، بل الغرض أن المتابعة العمليّة في كلّ فعل منبعث عن إرادة جزئيّة ليست حقيقة الجماعة المقابلة للفرادى، فإنّها من واجبات الصلاة، و التخلّف عنها في الجملة لا يضرّ بالجماعة، و أنّ العدول مغاير لترك المتابعة العمليّة، بل البناء على المتابعة كلّيا في أوّل الصلاة في قبال الصلاة منفردا هي الجماعة حدوثا، و في قبال العدول بقاء فالمتابعة الجزئيّة العملية كالوفاء بالنسبة إلى العقد فعدم الوفاء لا يضرّ بالعقد و انّما المنافي له حلّه فالعدول هنا كالحل في العقد و المتابعة العمليّة كالوفاء بالعقد هذا في اعتبار نيّة الائتمام من المأموم.

____________

(1) الوسائل: ج 1، ص 34، الحديث 7 من الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات.

(2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 495، الحديث 1، من الباب 39. و في المصدر «. انما جعل الإمام إماما ليؤتمّ به فاذا كبّر فكبّر».

38

و أمّا نيّة الإمامة من الإمام فغير معتبرة في ما عدا الجمعة و العيدين ممّا لا ينعقد إلّا جماعة إذ بمجرّد نيّة الائتمام على الوجه المشروع يكون الناوي مأموما و من ائتم به إماما، و لو كان الإمام شرع في الصلاة بنيّة الانفراد فإنّ الإمامة و المأموميّة متضائفتان فلا تنفك إحداهما عن الأخرى، فتحقّق المأموميّة ملازمة لتحقّق الإمامة قهرا فيترتّب على صلاتهما حكم الجماعة شرعا. بل يمكن أن يقال: لا يعقل نيّة الإمامة من الإمام لما عرفت من تضائف عنوان الإمام و المأموم فمع وجود الصلاة من الإمام يمكن تحقّق المتضايفين بنيّة المأموم فيكون إماما عند تحقّق المأموميّة قهرا، بخلاف نيّة الإمامة من الإمام فإنّها طبعا متقدّمة على صلاة المأموم فلا يعقل عنوان الإمامة مع عدم عنوان المأموميّة. و قصد الإمامة على تقدير لحوق المأموم لا يوجب تحقّق عنوان الإمامة إلّا عند لحوقه لأنّ المتضايفين متكافئان في القوّة و الفعليّة، فلا يعقل الإمامة فعلا و المأموميّة تقديرا.

و أمّا الإشكال بأنّ الإمامة ليست فعلا اختياريا للإمام فلا يعقل تعلّق القصد بها. فان كان بالنظر الى انّه لا تتعلّق الإرادة التكوينيّة إلّا بالحركات العضلاتية فنيّة الاقتداء كذلك، و لا يراد من النيّة في أمثال المقام إلّا البناء كما في نيّة الإقامة عشرة أيّام، و نيّة العدول، و إن كان بالنظر الى أنّ الإمامة في الصلاة متقوّمة بصلاة المأموم، و هي خارجة عن قدرة الإمام، فنيّة الاقتداء في صلاته بصلاة الإمام كذلك، و إنّما الفرق ان الإمامة و المأموميّة متضائفان، و تحقّقهما بعد وجود ذات المضائف من طرف بإيجاد طرف معقول كما في نيّة الاقتداء مع وجود الصلاة من الإمام، بخلاف إيجاد الطرف قبل طرفه، فإنّه لا يحقّق عنوان التضايف و إلّا فإرادة الإمامة على تقدير لحوق المأموم معقولة عند المستشكل، و إنّما لا يجدي في فعليّة المضائفين، و عليه فالمقدار الممكن من الإمام فيما يعتبر فيه الجماعة كالجمعة و المعادة، هو أن يصلّي لأن يصلّي غيره بصلاته بنحو الداعي مع الوثوق بلحوقه له، في قبال ان يصلّي لنفسه منفردا، و أمّا مجرّد الوثوق بلحوق المأموم فهو غير مجد في ما يعتبر فيه الجماعة كما عن بعض الأعلام (رحمه اللّه) فان الوثوق باللحوق لا ينافي نيّة الصلاة منفردا مع انّ الجمعة لا تنعقد من الإمام و المأموم إلّا جماعة في قبال الفرادى، بل‌

39

الوثوق يصحّح دخوله في الصلاة بداعي صلاة الغير بصلاته. و ممّا ذكرنا من أنّ الجمعة لا تنعقد إلّا جماعة من الإمام و المأموم، تعرف وجه اعتبار نيّة الإمامة من الإمام بالمقدار الميسور المزبور، فإنّ ماهيّة الجمعة متقوّمة بالجماعة فلا يجوز الاقتداء في صلاة الجمعة بمن يصلّي منفردا دون غيرها من الصلوات فإنّها تنعقد فرادى و جماعة من الإمام و المأموم.

ثم إنّه تبيّن ممّا ذكرنا انّ نيّة الائتمام ليست من الشرائط بل من المقوّمات للجماعة فلا تنعقد بدونها لا انّها باطلة بدونها شرعا، و عليه فلو تابع الامام عملا من دون نيّة الائتمام من أوّل العمل فلا موجب لبطلان صلاته في نفسه إذا لم يخل بوظائف المنفرد، لما مرّ و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، انّ صلاة الجماعة ليست ماهيّة مغايرة لماهيّة الصلاة فرادى حتّى يلزم من بطلانها جماعة بطلان الصلاة، هكذا ذكره الشيخ اللاعظم (قدّس سرّه) في صلاته، (1) إلّا الظاهر عدم ابتناء المسألة على كون الجماعة منوّعة لطبيعيّ الصلاة، فإنّه إنّما يجدي فيما إذا قصد الجماعة و أخلّ ببعض شرائط صحّتها، و المفروض هنا عدم نيّة الاقتداء و الائتمام المقوّمة للجماعة و انما تابع في صلاته لصلاة الإمام فقط، فهو بحسب القصد منفرد، إذ لا نعني بالمنفرد إلّا من يصلّي لا بنيّة الاقتداء، فلم تنعقد هذه الصلاة من الأوّل إلّا فرادى، و مجرّد المتابعة في حركات الإمام ليست جماعة باطلة بل أجنبيّة عن حقيقة الجماعة، و لا معنى لقصد الجماعة مع عدم قصد الاقتداء حتى يجدي التنويع المزبور، نظرا الى أنّ ما قصده لم يقع و ما يقابله لم يقصد، لعدم إمكان قصد المتقابلين، فما قصده من المقارنة المحضة بين أفعاله و أفعال الإمام ليس قصدا للجماعة حتّى يكون قاصدا لحقيقة مباينة لحقيقة الفرادى. نعم إذا أمكن قصد الجماعة بعنوانها من الجاهل بما يقتضيه حقيقة الجماعة أمكن تصحيح كلامه زيد في علوّ مقامه.

فان قلت: بناء للقول بكون الفرادى و الجماعة حقيقتين متباينتين و أنّ الجماعة منوّعة و كذا الفرادى، على كون كلّ منهما ذات خصوصيّة مباينة للأخرى، فنحن‌

____________

(1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري- (قدّس سرّه)- ص 306.

40

سلّمنا انّ هذا المصلّي لم يقصد الجماعة بل قصد مجرّد المقارنة الأجنبيّة عن حقيقة الجماعة، إلّا انّه لم يقصد النوع الأخر المتخصّص بخصوصيّة الانفراد.

قلت: لا يتوقّف التباين و الاختلاف في الحقيقة على كون المنوّع لكلّ منهما خصوصيّة ثبوتيّة، بل كما يكون الاختلاف بذلك كذلك إذا كانت حقيقة الفرادى متقوّمة بعدم قصد الجماعة، كالجماد بالإضافة إلى الشجر، فإنّ الأوّل متخصّص بعدم القوّة النباتيّة، فهو منفصل من حيث الجماديّة بفصل عدميّ، فليكن الفرادى بالإضافة إلى الجماعة كذلك، فصلاة الجماعة متقوّمة بقصد الاقتداء، و صلاة الفرادى متقوّمة بعدم قصد الاقتداء، في قبال كون الفرادى هي الطبيعة اللابشرط، و الجماعة هي الطبيعة بشرط شي‌ء و عليه فاذا فرض عدم قصد الجماعة، فالصلاة الموجودة صلاة مقرونة بعدم قصد الائتمام، فلا مناص بناء على هذا المبنى عمّا ذكرنا من أنّ الجاهل بحقيقة الجماعة يقصد تلك الطبيعة الخاصّة بمجرّد مقارنة فعله لفعل الإمام، فصلاته مقرونة بقصد الجماعة فإذا لم تقع صحيحة بطلت الصلاة رأسا لعدم حصول المقوّم لصلاة الفرادى، و هو القيد العدمي فتدبّره جيّدا.

و هنا مسائل متعلّقة بنيّة الاقتداء

الاولى يعتبر وحدة الإمام

و تفصيل القول في ذلك- بعد وضوح انّ الاقتداء من الأمور المتعلقة بشخص موجود، و ليس كالملك الاعتباري المتعلق بالكلّي مالكا و مملوكا انّ الموجود إذا كان متعدّدا، فامّا ان يلاحظ أحدهما المردّد، أو هما معا، أو كلّ منهما مستقلا، أو أحدهما المعيّن، أمّا أحدهما المردّد المصداقي، فقد ذكرنا في محلّه انّ المردّد بالحمل الشائع لا ثبوت له ذاتا و وجودا ماهيّة و هويّة، و ما لا ثبوت له بنحو من أنحاء الثبوت يستحيل ان يكون مشخّصا لكلّ صفة تعلّقيّة سواء كانت حقيقيّة أو اعتبارية، و هذا هو الوجه في الاستحالة، لا حاجة العرض الى الموضوع، حتّى لا تعمّ الأمور الاعتبارية و لا غيره من الوجوه التي ذكرناها، و ما يرد عليها في محلّها.

41

و أمّا هما معا فهو واحد بالاعتبار، و لا وحدة له إلّا في أفق الاعتبار، فلا يتعلّق به إلّا واحد بالاعتبار فلا يعقل تعلّق اقتداء واحد حقيقي في الخارج بما لا تحقّق له إلّا في أفق الاعتبار. و أمّا كلّ منهما مستقلا، فإن أريد تعلّق اقتداء واحد بكلّ منهما مستقلا، فهو محال لأنّ الإضافات تتشخص بأطرافها فيستحيل تعدّد الطرف و وحدة الإضافة، و ان أريد اقتدائين بكل منهما فذات الصلاة و ان كانت واحدة لكن لها تعلقان بائنين، و هذا لا محذور عقلي فيه، إلّا انّ الإطلاقات لا يعمّها. و توهّم اختلاف المتضايفين في الوحدة و التعدّد- مدفوع بأنّ المقتدي بكلّ منهما متعدّد، و ذات المقتدي واحد كوحدة ذات الأب و تعدّد الأبوّة بتعدّد البنوّة، و حيث عرفت لزوم قصد الائتمام بواحد معيّن يقع الكلام فيما يتعيّن به، و لا ريب في انّ المقدار الذي يقتضيه طبع الاقتداء تعيّنه في كونه طرفا، فما لا تعيّن له ذهنا و خارجا لا يعقل صيرورته طرفا للاقتداء الذي هو أمر تعلّقي، و يكفي تعيّنه بأحد أنحاء التعيّن، فالمتعيّن خارجا بالإشارة الحسيّة كهذا الإمام الحاضر، يصحّ الاقتداء به، و إن جهل اسمه و وصفه، كما أنّ المتعيّن في ذهنه باسمه، أو وصفه الموجب لتميّزه واقعا عمن عداه، و ان لم يتميّز عنده خارجا بحيث لا يمكنه الإشارة الحسيّة إليه أيضا يصحّ الاقتداء به، و لا موجب للقصر على الأوّل بل المتعيّن واقعا بنحو الإشارة، أي يصلي مقتديا بمن يعيّنه من الإمامين الحاضرين أيضا لا مانع منه، فان من يعيّنه فيما بعد له التعيّن فعلا في الواقع و في علم اللّه تعالى و ان لم يعلم به المصلّي فعلا، إلّا انّ دعوى عدم شمول الإطلاقات لمثله غير بعيدة.

الثانية في الموارد التي يحكم فيها ببطلان الجماعة

و صحّة الصلاة انفرادا، إذا لم يخلّ المصلّي بوظائف المنفرد، انما هو مع الجهل و أمّا إذا كان عن عمد تشريعا. فتفصيل القول فيه: انّ التشريع تارة يكون في أصل الأمر، و اخرى في وجه من وجوه الأمر المحقّق، و ثالثة بالتشريع في مرحلة الامتثال، و هي على أنحاء‌

42

أحدها: في تطبيق المأمور به على المأتي به، كما في ما إذا كان المأمور به هو القصر فيأتي بالإتمام تشريعا في التطبيق، بمناسبة انّها قصر و زيادة مكملة.

ثانيها: في جعل الصلاة معنونة بعنوان الجماعة، فيأتي بالصلاة جماعة بداعي الأمر بالصلاة.

و ثالثها: في جعل الصلاة المأتي بها بداعي الأمر بعنوان الجماعة و الفرق بين الأخيرين أنّه تارة يصلّي مقتديا بداع الأمر، و اخرى يصلّي بداعي أمرها مقتديا فيها، فنقول: امّا التشريع في الأمر فالعمل باطل لا من حيث انطباق عنوان مبغوض على العمل، بل حيث لا أمر حقيقة فلا عبادة حقيقة، و أمّا التشريع في وجه الأمر كما إذا كان أمر بالصلاة فبنى على انّه بعنوان الإيجاب بالعمل منبعث عن الأمر المحقق، و ان بنى على انّه إيجاب فليس إلّا الإثم القلبيّ، و أمّا القسم الأوّل من التشريع في مقام العمل، فالعمل باطل من حيث عدم موافقة المأتي به للمأمور به، و ان لم يكن معنونا بعنوان مبغوض، و أمّا القسم الثاني فالمفروض توجيه العمل بوجه مبغوض، فلا يصلح للتقرّب به، و أمّا القسم الثالث منه فالمفروض توجيه العمل المأتي به بداعي أمره بوجه مبغوض فلا يعقل ان يمنع هذا الوجه عن التقرّب به كيف و هو مترتّب على المتقرّب به، و مبني هذين الوجهين انّ المستحبّ هي الصلاة جماعة، أو الائتمام في الصلاة، فعلى الأوّل يكون التشريع في الجماعة عبارة عن البناء عن انّ الصلاة بعنوان الجماعة، فتتوجّه الصلاة بوجه التشريع المبغوض، فلا يمكن التقرّب به، و على الثاني يتقرّب بامتثال الأمر بالصلاة حقيقة، و يكون مشرعا في الائتمام المأمور به بأمر ندبي، فتشريعه يضرّ بائتمامه لا بصلاته. و الظاهر انّ الأمر على طبق الأوّل دون الثاني.

فإن قلت: انّما يقبح التشريع حيث إنّه تصرّف في سلطان المولى، فان تشريع الحكم من شئونه، فلا تشريع إلّا في مرحلة الأمر، فإنّ الامتثال ليس من شئون المولى حتّى يتصوّر التشريع فيه.

قلت: قد ذكرنا في محلّه انّ الامتثال إيجاد مباشري من العبد، و إيجاد تسبيبي من المولى بأمره، و التشريع في مرحلة الامتثال بملاحظة انّه يأتي بالعمل بعنوان انّه‌

43

إيجاد تسبيبي منه، و الغرض من التقسيم المزبور ليس نفي الانتساب إلى أمره تعالى و لو بهذه العناية، بل الغرض انّ التشريع قد يتمحّض في ناحية الأمر، فلا ينطبق على العمل عنوان مبغوض، و قد ينطبق على العمل عنوان مبغوض.

الثالثة إذا شكّ في نيّة الائتمام

فالمعروف انّه يبنى على العدم، و قيل: بعدم الالتفات لقاعدة التجاوز عن المحل إذا كان عليه آثار الاقتداء، و قيل: بل مطلقا. و ما يمكن ان يقال في مقام الاشكال على إجراء قاعدة التجاوز، انّ مبناها على انّ قاصد الصلاة مثلا تنبعث من إرادته الكليّة المتعلّقة بالصلاة ذات الأجزاء و الشرائط، إرادات جزئيّة في محالّها ينبعث منها الاجزاء و الشرائط كلّ في محلّه، و ترك جزء أو شرط في محلّه بعدم إرادته لا يكون إلّا لعروض غفلة في الأثناء عن ذلك القصد الكلي، و هو على خلاف الطبع و العادة و ألغاه الشرع، و هذا وجه أماريّة القاعدة، و لأجله اقتصروا على صورة عروض الغفلة في الأثناء دون الغفلة من أوّل العمل، و عليه فقصد الجماعة من أوّل الصلاة هنا غير محرز حتّى يكون مجال للقاعدة، لما مرّ من انّ نيّة الاقتداء مقوّمة للجماعة، فالشكّ في نيّة الاقتداء شكّ في قصد الجماعة. و يندفع بما حققناه في البحث عن القاعدة من انّ مبني الأماريّة على أوسع من ذلك، و انّ من كان بصدد إتيان الصلاة فالعادة المستمرّة جارية على إتيان كلّ جزء و شرط في محلّه بالارادات الارتكازية المنبعثة عن العادة المستمرّة، و ان لم يكن قصد تفصيلي في أوّل العمل، لينافي احتمال عروض الغفلة في أوّل العمل، ففي ما نحن فيه إذا قام بصدد صلاة الجماعة، و شكّ في انّه حال الاشتغال بالصلاة نوى الائتمام، يحكم عليه بالنيّة لتجاوز محلّها، فلا بدّ من إحراز هذا المعنى لا إحراز قصد الجماعة من أوّل العمل، فإحراز هذا المعنى كإحراز كونه بصدد أصل الصلاة، سواء كان مع الإحراز المزبور عليه آثار الاقتداء من الإنصات و نحوه أم لم يكن، كما انّه إذا لم يحرز هذا المعنى، فمجرّد كونه على وضع المصلّين جماعة لا يجدي شيئا إذا لم يوجب الاطمئنان بدخوله‌

44

بعنوان الجماعة فتدبّر جيّدا.

و عن بعض اجلّة العصر (1) (رحمة اللّه عليه) الإشكال في حكومة القاعدة على الاستصحاب، بما محصّله: انّ مفاد القاعدة البناء على الوجود في قبال الاستصحاب، المقتضى لتداركه بإتيانه ان كان المحلّ باقيا، أو الحكم ببطلانه، ان كان جزء ركنيا فات محلّه، و من المعلوم انّ أصل الصلاة حيث دخل فيها بوجه صحيح جماعة كانت أو فرادى، فلا يعقل أن يقتضي الاستصحاب بطلانه، لتوقّف التدارك على استيناف الصلاة، و إذا لم يكن الاستصحاب مقتضيا لتداركه بإبطاله لا معنى لان تحكم عليه القاعدة المقتضية لعدم تداركه.

و يندفع: بانّ التعبد بالوجود تختلف آثاره كالتعبّد بالعدم، فاذا اقتضى التعبّد بعدم انعقاد الجماعة بعدم قصدها، عدم سقوط القراءة مثلا، كان مقتضى التعبّد بالوجود سقوط القراءة للتعبّد بانعقاد الجماعة بوجود النيّة في محلّها تعبّدا.

مضافا الى انّ الاستصحاب يقتضي التعبّد بعدم الجزء الركني في الجماعة، فيقتضي التعبّد ببطلان الجماعة، لا ببطلان الصلاة حتى ينافي القطع بصحّتها، فلا مانع من التعبّد بصحّتها جماعة بالتعبّد بنيّة الجماعة، و لا ينبغي الريب في جريان القاعدة في صلاة الجماعة إذا شكّ في إتيان ما يجب فيها بعد التجاوز عن محلّه، و عدم اختصاصها بخصوص اجزاء طبيعة الصلاة.

الرابعة [عدم جواز الاقتداء بالمأموم]

لا يجوز الاقتداء بالمأموم، لانصراف إطلاقات الجماعة عنه، لا لاجتماع المتضايفين في واحد، فإنّهما بجهتين مختلفتين، و لا لأنّ المأموم لا قراءة له فكيف يتحمّل قراءة من يأتمّ به، لأخصّيته من المدّعى لإمكان فرض المؤتمّ به مسبوقا لا يترك قراءة نفسه، و لا يجدي كون من يأتمّ به مسبوقا، إذ لا دليل على كفاية قراءة الإمام في الأخيرتين عن قراءة المأموم في الأوليين و لا ينتقض بجواز الاقتداء ببعض‌

____________

(1) كتاب الصلاة للحائري (رحمه اللّه) ج 2 ص 10

45

المأمومين إذا حدث بالإمام حادث، لتمحضه في الإمامة و صلاحية قراءته للبدليّة عن قراءة المأموم.

الخامسة في صور الاشتباه في نيّة الاقتداء و ظهور الخطأ

منها: ما ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في كتاب الصلاة (1) و هو ما إذا نوى الائتمام بشخص فبان انه غير إمام بل مأموم، أو انّه لا يصلّي قائلًا انّ وجود الإمام ركن للجماعة فتنتفي بانتفائه الجماعة، مع انّ رواية (2) الائتمام بمن بان كونه يهوديا لا يصلّي حقيقة، شاهدة على انّ وجود الإمام واقعا ليس بركن، بل وجوده الإحرازي كاف في انعقاد الجماعة و الصورة المحضة ليست فارقة فإنّها غير كافية في انعقاد الجماعة شرعا. إلّا ان المسألة كما افاده (قدّس سرّه) لا إشكال فيها، و سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى تحقيق حال الرواية.

و منها: ما إذا قصد الاقتداء بزيد، و اعتقد حضوره فقط لا أنّه هو هذا الحاضر، فانكشف عدم حضوره، فإنّه يحكم ببطلان الائتمام لا لتخلف المقصود فإنّه لم يكن فيه عنوان التطبيق على أحد، حتّى ينكشف خطؤه، و انّما يحكم به لفقد الشرط و هو حضور الإمام، و قد مرّ في باب التعيين انّ المراد منه، مجرّد الإشارة إليه ذهنا، أو حسّا، و الإشارة الذهنيّة الى زيد المعيّن باسمه، و وصفه موجودة، و ان لم يتعيّن من حيث التطبيق المقوّم للإشارة الحسيّة الخارجيّة، فالبطلان هنا غير مستند الى عدم التعيّن، بل الى فقد حضور المعيّن.

و منها: ما إذا قصد الاقتداء بزيد و اعتقد انّه هذا الحاضر، فان المعروف بطلان الاقتداء، حيث إنّه تخلّف المقصود عمّن اعتقد انطباقه عليه، فمن قصد الاقتداء به لم يكن، و من كان و هو عمرو مثلا لم يقصد الاقتداء به.

____________

(1) كتاب الصلاة: ج 1، ص 310، الطبعة الحجريّة.

(2) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1 و 2، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

46

و منها: ما إذا قصد الاقتداء بهذا الحاضر، و اعتقد انّه زيد، فقد حكموا فيه بصحة الاقتداء، لأنّ المقصود به الاقتداء لم يتخلّف و انما تخلّف الاعتقاد، ففي كلّ مورد تخلّف المقصود بالاقتداء لا يصحّ الاقتداء، و في كلّ مورد تخلّف اعتقاد عنوان من العناوين في المقتدى يصحّ الاقتداء إذا لم يكن عنوانا معتبرا شرعا كالحضور في الصورة الثانية من الصور الأربع.

و عن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في بعض تحريراته (1) في الجماعة تساوي الصورتين في الصحة، و هو الصحيح لانّ قصد الاقتداء بزيد، و ان كان قصدا الى المتعيّن باسمه، لكنّه غير متعيّن في مقام القصد بذاته و هوّيته، بل متردّد بين الذوات الخارجية الحاضرة في الجماعة، و باعتقاد كونه هذا الحاضر يخرج عن اللاتعيّن الى التعيّن، لا أنّ هناك قصدا آخرا، إمّا تبعا و إمّا عرضا، فان الاقتداء الشخصي لا اثنينيّة له حتّى يتصوّر ارادة اصليّة و ارادة تبعيّة، كما في الواجب و مقدمته، و النسبة العرضية لا اثر لها شرعا، لانّه لا حقيقة لها، و انّما ينسب القصد إلى شي‌ء بالذات و الحقيقة و الى عناوينه بالعرض و المحاز و المفروض تخلّف ما بالذات و الحقيقة، بل العمدة في وجه الصحّة ما عرفت، من تعيّن المقصود بعد كونه غير متعيّن من حيث الهويّة و الذات تطبيقا، فالاقتداء بهذا الحاضر مقصود بالحقيقة فلا يخلف للمقصود، و ان تخلّف ما أوجب تعيّن اللامتعيّن. و الجزئي الحقيقي غير قابل للتقييد حتّى يقال: بأنّه قصد الاقتداء بالحاضر بما هو زيد، لا بما هو حاضر، و قصد الاقتداء به على تقدير كونه زيدا يوجب عدم قصد الفعلي المنجّز بالاقتداء، و هو لازم في انعقاد الجماعة فلا لترتيب آثارها عليها، مع انّه في فرض اعتقاد كون زيد هو هذا الحاضر، لا معنى لتقديريّة قصد الاقتداء.

و ربّما يستدلّ بفحوى الرواية (2) الدالّة على صحّة الصلاة خلف من بان كونه يهوديا. نظرا إلى انّه مع عدم الإمام إذا صحّت الجماعة فمع وجود الإمام و تخلّف‌

____________

(1) كتاب الصلاة ج 1، ص 307، الطبعة الحجرية.

(2) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

47

عنوان عنه صحّت الجماعة بالأولويّة.

و يندفع: بأنّه في صورة نيّة الاقتداء بزيد، و اعتقاد انّه هو هذا الحاضر، لا إمام نوى الاقتداء به، و وجود إمام لم ينو الاقتداء به لا يجدي، و كان وجوده كعدمه، فهما من هذه الجهة متساويان، كما انّ وجه البطلان في مورد الرواية عدم إمام صالح للإمامة، مع نيّة الاقتداء به حقيقة. و وجه البطلان في ما نحن فيه عدم نيّة الاقتداء بالإمام الحاضر، فكل منهما فاقد لشرط من شرائط الجماعة، و قيام الدليل على صحّة أحدهما لا يوجب صحّة الآخر.

ثمّ انّ المعروف بين المتأخرين تقييد صحّة الجماعة في الصورة الأخيرة التي أفتوا بصحّتها بما إذا كان الإمام الحاضر عادلا و فيه بحث من وجهين.

الأوّل: انّ قصد الاقتداء إذا تعلّق ابتداء بهذا الإمام الحاضر، فلا بدّ من إحراز عدالته بما هو لا بما هو زيد، و إلّا لكان قاصدا للاقتداء بزيد بما هو، و هو مورد حكمهم بالبطلان مطلقا، و مع إحراز عدالة الإمام الحاضر لا معنى للترديد بين كون عمرو عادلا واقعا، أولا، إلّا بناء على شرطية العدالة الواقعية، بخلاف الصورة السابقة، فإنّ من أحرز عدالته و هو زيد لم ينكشف خلافه بل المفروض تخلف المقصود بالذات عندهم، و منه تعرف انّه لا مجال لهذا التشقيق إلّا في الصورة السابقة التي صححناها، فان إحراز عدالة الإمام يتبع إحراز عدالة زيد، و المفروض انّه عمرو لم يحرز عدالته.

الثاني: ان اكتفينا في إحراز عدالة الإمام الحاضر بإحرازها من طريق اعتقاد انّه زيد، فلا فرق بين أنحاء تخلّف الإحراز و عدمه، و ان لم نكتف بذلك فمن أحرز عدالته و هو زيد لم يكن موجودا، و من كان موجودا لم نحرز عدالته إلّا على احتمال كفاية العدالة الواقعيّة، و لو مع عدم إحرازها، و لا أظن أن يقولوا به، و إلّا لصحّت الجماعة ممّن اعتقد فسق الإمام جاهلا بلزوم عدالة الإمام، بحيث تمشّى منه قصد القربة و كان الإمام عادلا واقعا.

و مما ذكرنا تبيّن انّه لا حاجة الى التقييد بعدالة عمرو واقعا. و امّا دعوى- انّه لا دليل على المعذوريّة إلّا في صورة انكشاف عدم الصفة لا عدم الموصوف- فيدفعها‌

48

الرواية (1) المشار إليها، فإنّ اليهودي لا صلاة له فلا موصوف واقعا، و مع ذلك حكم الإمام (عليه السلام) بصحّة الصلاة بمجرّد إحراز وجود إمام صالح للإمامة.

السادسة [في صحة صلاة من نوى الإمامة لصاحبه]

المعروف في كتب الفتاوى انّه إذا صلّى اثنان و نوى كلّ منهما الإمامة لصاحبه صحّت صلاتهما، و إذا نوى كلّ منهما الائتمام بصاحبه بطلت صلاتهما، و الكلام تارة في الصحّة جماعة و بطلانها، و اخرى في صحّة أصل الصلاة و بطلانها. أمّا الصحّة و البطلان جماعة، فمختصر القول فيهما: انّ وجه بطلان ما نوى فيها الإمامة، انّه لا جماعة إلّا بإمام و مأموم و حيث لا مأموم فلا جماعة، و وجه بطلان ما نوى بها الائتمام كما عن بعض الأعلام (2) عدم الإمام، و لا بدّ من إرجاعه الى أنّ نية الائتمام المفروضة في كلّ منهما تخرجه عن صلاحية الإمامة شرعا، و إلّا فذات الإمامة موجودة، و عدم تعيّن الإمامة في أحدهما بالخصوص- لتساوي نسبتها إليهما- غير ضائر، لإمكان كون كلّ منهما إماما و مأموما باعتبارين، فلا مانع عقلا من انعقاد الجماعة المتقوّمة بالإمام و المأموم، و لا تندرج هذه المسألة في العنوان المتقدّم سابقا، و هو عدم جواز الاقتداء بالمأموم، فإنّ كون كلّ منهما مأموما فرع انعقاد الجماعة، فلا يعقل ان يكون مانعا من انعقادها، كما انّ انفراد كلّ منهما قهرا لا يصحح الائتمام، فإنّه فرع بطلان الجماعة فلا يعقل ان يكون مصححا له، بل الوجه اعتبار عدم نيّة الائتمام شرعا في الإمام.

و أمّا الاستناد في بطلان صلاتهما جماعة- الى عدم القراءة منهما و الإمام متحمّل لقراءة المأموم، فكيف تنعقد الجماعة مع عدم القراءة- فمندفع بأنّه أخصّ من المدعى، لصحّة الجماعة مع ترك الإمام للقراءة سهوا، أو لقراءة كلّ منهما لعدم سماع القراءة.

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) كتاب الصلاة للحائري (رحمه اللّه): ج 2، ص 21.

49

نعم يمكن أن يقال: إنّ الجماعة متقوّمة بنيّة الاقتداء بمن أحرز انّه صالح للإمامة و ان لم يكن الإمام موجودا واقعا، فضلا عمّا إذا كان فاقدا لشرط من شرائط الإمامة، كما هو مقتضى الرواية (1) المشار إليها مرارا، إلّا أنّها معارضة برواية السكوني (2) الواردة في خصوص هذين الفرعين كما سيأتي ان شاء اللّه تعالى.

و أمّا الصحّة و الفساد من حيث أصل الصلاة، فمقتضى بطلان الجماعة و عدم كون الجماعة و الفرادى نوعين متباينين- بل الصلاة جماعة متقوّمة بنيّة الائتمام دون الفرادى فإنّه لا يتقوّم بقصد الانفراد، و لا قصد الائتمام من موانع الصلاة- هو صحّة الصلاة مع عدم الإخلال بوظيفة المنفرد، و بطلانها مع الإخلال بها، و الإخلال في صورة قصد الإمامة يتصور برجوع أحدهما إلى الآخر في مورد الشك، و في صورة نيّة الائتمام بذلك، و بترك القراءة و رواية السكوني (3) الدالّة على صحّة صلاتهما في الاولى و بطلانها في الثانية منزّلة على الغالب، فان فرض الشكّ و الرجوع نادر جدا دون ترك القراءة فإنّه غالبي.

و لا يخفى عليك انّ عدم الإخلال بترك القراءة كلّيّة من دون اختصاص بالمقام، و لا بالنظر الى الرواية (4) يتصوّر على أنحاء:

منها: ما إذا كان الإمام في الركعتين الأخيرتين فإنّه لا يتحمّل القراءة على المأموم فلو قرء المأموم لم يكن إخلال منه بوظيفة المنفرد.

و منها: ما إذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام، و قلنا: بوجوب القراءة على المأموم فقرء المأموم.

و منها: ما إذا لم يسمع و قلنا: باستحباب القراءة.

و قد أشكل بعضهم في هذه الصورة قائلًا انّ المستحبّ لا يجزي عن الواجب و أجاب عنه العلامة الأنصاري (قدّس سرّه) في بعض تحريراته في صلاة الجماعة (5) بأنّ المكلّف مخيّر بين القراءة و إيكال أمرها إلى الإمام، غاية الأمر‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

(3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

(4) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

(5) كتاب الصلاة ج 1، ص 308، الطبعة الحجرية.

50

يستحبّ له اختيار الفرد الأوّل فالقراءة المأتي بها أحد فردي الواجب، لا انّها مستحبّة حتى لا تغني عن الواجب.

و يندفع: بانّ التخيير ان كان شرعيا- بحيث يكون إيكال أمر القراءة الى الإمام بدلا و عدلا للقراءة أو جزء للصلاة الواجبة المخيّر بين إتيانها مشتملة على القراءة أو على إيكال أمر القراءة الى الإمام- تمّ ما أفيد، و لا دليل على التخيير الشرعي، و أمّا بناء على التخيير العقلي بين أفراد الصلاة فلا جامع بين القراءة و الإيكال الى الإمام حتّى يكون الجامع جزء لطبيعي الصلاة، فينطبق على كلّ من القراءة و الإيكال، و أمّا جعل القراءة الّتي هي جزء الصلاة أعمّ من قراءة المأموم، و قراءة الإمام، فأوضح منعا إذ لا يعقل التكليف بالقراءة إلّا ما كان من أفعاله الاختيارية، دون ما كان من أفعال الغير، بل يندفع أصل الإشكال بأنّ استحباب القراءة في الجماعة ليس استحبابا جديدا بحيث تكون القراءة من مكمّلات الجماعة كالقنوت بالإضافة إلى أصل الصلاة فضلا عن أن يكون مستحبا في الصلاة بعنوان ظرفية الصلاة له، بل تلك القراءة الواجبة في طبيعة الصلاة سقط حدّها اللزومي في الجماعة، و بقي على رجحانها، و هو المراد من كون السقوط رخصة لا عزيمة، فمن يقرأ في الجماعة يأتي بتلك القراءة الواجبة في أصل الصلاة الباقية على رجحانها فعلا، و منه تعرف انّ بابه باب الخطاء في التطبيق لا باب كفاية المستحب عن الواجب، فإنّه فيما كان واجب و مستحب كنافلة الفجر مع فريضتها، لا أنّ هذا الذي- اعتقد رجحانه لزعم انعقاد الجماعة- واجب عليه واقعا، و أمّا مع الإخلال بوظيفة المنفرد كرجوعه عند الشكّ الى صاحبه، أو كزيادة ركوع للمتابعة، فلا إشكال في بطلان الصلاة، لأنّهما من آثار الجماعة الغير المتحقّقة. و امّا الإخلال بالقراءة فاقتضاؤه لبطلان الصلاة محلّ نظر بيانه: انّ المستند لذلك إمّا هي القاعدة المستفادة من قوله (عليه السلام) (1) «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» و إمّا هي‌

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، (الطبعة الحجرية) الحديث 5، من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.

51

الرواية الواردة في خصوص المقام. و أمّا عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» فهو كما اعترف به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في باب الجماعة (1) في خصوص المسألة مخصّص بقوله (عليه السلام) (2): «لا تعاد الصلاة» و إن استدركه بدعوى انصرافه إلى صورة السهو عمّا عدا الخمسة مع أمره بالتأمّل، كما أنّه مال الى بطلان الصلاة بالإخلال بالقراءة في نظير المسألة في موضع آخر من باب الجماعة، نظرا إلى انّ ما ورد في عدم الإخلال بترك القراءة إذا لم يكن عن عمد، لا يقدح في الحكم ببطلان صلاة من ترك القراءة باعتقاد الجماعة، و لعلّ نظره الشريف (قدّس سرّه) اللطيف) الى انّ المنفرد إذا اعتقد الإتيان بالقراءة، و هو واقعا غير آت بها لم يتعمّد ترك القراءة، فيكون كالنسيان، بخلاف المعتقد للجماعة، فإنّه يتعمّد ترك القراءة [إيكالا الى قراءة الامام] (3) و منه تعرف الفرق بينه و بين ترك القراءة من المأموم المسبوق باعتقاد أنّ الامام في الأوليين، حيث إنّ حكم المسبوق حكم المنفرد في وجوب القراءة عليه فهو غير متعمّد في ترك القراءة ايكالا الى الامام، بل إيكاله عن جهل يكون الإمام في محل لا موقع للايكال إليه.

و لا يخفى عليك ان عمدة ما في الباب حديث «لا تعاد» و المدعى شموله لكل إخلال بما عدا الخمسة ان كان لعذر، سواء كان عن سهو أو نسيان أو اعتقاد مخالف للواقع. و تمام الكلام في مباحث الخلل، إلّا انّ مجمل ما يتعلّق بالمقام هو انّ جزئيّة الأجزاء و شرطية الشرائط واقعا و ان كانت تقتضي انتفاء الكل بانتفاء جزء منه، و انتفاء المشروط بانتفاء شرط منه، سواء كان عن عذر أولا، إلّا أنّه يمكن ان تكون الخمسة المستثناة وحدها مشتملة على أصل مصلحة الصلاة، لا بمرتبتها القويّة القائمة بالخمسة و غيرها من الأجزاء و الشرائط، و إذا كان كذلك كان الإتيان بالخمسة وافيا بمصلحة لزوميّة لا يبقى مجال لاستيفاء قوّتها وحدها، فلا محالة يسقط‌

____________

(1) كتاب الصلاة ج 1، ص 309- 308.

(2) الوسائل: ج 4، ص 1241، الحديث 4، من الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة.

(3) لا توجد هذه الجملة في النسخة الأصلية.

52

الأمر بالصلاة فيكون قوله (عليه السلام): «لا تعاد» كقوله (1) (عليه السلام): «تمّت صلاته» في الجهر و الإخفات و كقوله (عليه السلام) (2) «لا يعيد» في الإتمام في موضع القصر، غاية الأمر إن كان الاقتصار على الخمسة عن غير عذر استحقّ العقاب على ترك الكلّ، و إن كان عن عذر لم يستحقّ.

بل عن بعض الأعلام (3) في المقام تعقّل الأمر أيضا بدعوى أنّ هناك أمرا بالخمسة و أمرا أخر بالمشتمل على الخمسة و غيرها، تنظيرا بما إذا نذر فعل الصلاة الواجبة بمستحبّاتها فان هناك امرا لزوميا بالواجب من الاجزاء و الشرائط و امرا بها و بغيرها من المستحبّات الصلاتية، و كما أنّه مع إتيان أصل الواجب لا يبقى مجال لامتثال الأمر بالوفاء بالنذر، كذلك هنا لا يبقى مجال لامتثال الأمر بالأكثر مع امتثال الأمر بالأقلّ، فيكون عاصيا لأحد الأمرين و مطيعا للآخر.

و هذه الدعوى لا تتمّ إلّا بتقريب ارتباط للأكثر بالأقلّ، و إلّا لوجب عليه بعد إتيان الأقلّ امتثال الأمر بالأكثر، فإنّهما أمران لكلّ منهما اقتضاء الامتثال، و انّما لا يبقى مجال لامتثال الأمر بالوفاء بالنذر، حيث إنّ متعلّقه إتيان الواجب بنحو خاصّ، و مع إتيان ذات الواجب لا يبقى مجال للوفاء فالارتباط المتصوّر هنا، اما بتقييد الأمر بالخمسة، بأدلّة سائر الاجزاء و الشرائط، فلا محالة لا امتثال أصلا إلّا بإتيان الأكثر، و امّا باعتبار ما عدى الخمسة من قبيل الواجب في الخمسة، و مع الإتيان بالواجب لا يبقى مجال للواجب في الواجب، و لعلّ أدلّة الاجزاء و الشرائط تأبى عن هذا الاحتمال لظهورها كما فهمه الأصحاب في الجزئيّة و الشرطيّة، لا أنّها واجبات مستقلّة في ضمن واجب أخر، و عليه فلا داعي إلى الالتزام بأمرين.

بل كما ذكرنا تبعا لشيخنا العلامة الأستاذ (قدّس سرّه) في مقام معقوليّة صحة الصلاة مع ترك ما عدى الخمسة عن عمد، يمكن الحكم بتماميّة الصلاة من حيث‌

____________

(1) الوسائل: ج 4، ص 766، الحديث 1، من الباب 26 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الوسائل: ج 5، ص 530، أحاديث الباب 17 من أبواب صلاة المسافر.

(3) لا حظ كتاب الصلاة: ج 2 (تقريرات الآملي لبحث المحقق النائيني) ص 406- 407.

53

اشتمال المأتي به على أصل المصلحة اللزوميّة مع التحفّظ على الجزئيّة و الشرطيّة بالإضافة إلى الكلّ القائم به المصلحة القويّة اللزوميّة، و منه تعرف ان شمول «لا تعاد» للإخلال بما عدا الخمسة بجميع أنحائه لا مانع عنه عقلا، إلّا أنّه مع ذلك فالطبع السليم يأبى عن توجّه التكليف بالكلّ و عدم الإعادة بالإخلال بما يتقوّم به الكلّ، أو بالمشروط و عدم الإعادة بالإخلال بشرطه فيرى المنافاة بينهما، و هذه المنافاة المتحقّقة بمناسبة الحكم و الموضوع مختصّة بصورة توجّه التكليف و المعذوريّة في الإخلال به، و أمّا إذا لم يجد تكليفا متوجها إليه سواء كان عن غفلة، أو عن التفات، و اعتقاد بعدم توجه تكليف إليه سواء كان منشؤه الاعتقاد بالإتيان به، أو الاعتقاد بسقوطه عنه لكونه في الجماعة، أو لاعتقاد كون الإمام في الأوليين، فلا منافاة في نظره و لا موجب لتقييد «لا تعاد» بأزيد من ذلك.

و دعوى أنّ المأموم في ما نحن فيه يرى التكليف متوجها اليه إلّا أنّه في عهدة الإمام أو أنّ قراءة الإمام مسقطة له- من التمويهات (1)، بل حكم الجماعة بسقوط القراءة عن المأموم. كدعوى أنّ عموم «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2) لم يخصّص بالجماعة، فإنّ قراءة الإمام قائمة مقام قراءة المأموم، فإنّه يستحيل أن تكون قراءة الإمام مقوّمة للصلاة المكلّف بها المأموم، حتّى يكون للمكلّف نحو ان من القراءة، فتارة بمباشرته و اخرى بلسان الامام، فالأقوى شمول «لا تعاد» لمطلق الإخلال عن عذر، و بقيّة الكلام في محلّه، فتدبّر، هذا كلّه من حيث القاعدة.

و أمّا بالنظر الى الرواية الواردة في خصوص المقام، بعد انجبار ضعفها باستناد الأصحاب في الحكم ببطلان الصلاة رأسا لا جماعة فقط، و لذا قال (عليه السلام) (3): «و ليستأنفا» فالرواية ظاهرة في انّ وجه البطلان في صورة نيّة الائتمام من كليهما، ترك القراءة الذي هو لازم غالبي للجماعة، دون زيادة الركن،

____________

(1) موّه عليه الأمر (و الخبر: زوّره عليه و زخرفه و لبّسه أو بلغه خلاف ما هو. «المنجد ص 780».

(2) مستدرك الوسائل: ج 1، ص 274، الطبعة الحجرية، الحديث 5 من الباب 1 من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1، من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.

54

فإنّها نادرة، و دون الرجوع في صورة الشكّ لندرته، و اختصاص البطلان بالشاكّ دون الحافظ مع أنّه (عليه السلام) حكم ببطلان صلاة كليهما، كوضوح عدم استناد البطلان الى تباين الجماعة و الفرادى من حيث الحقيقة، و إلّا لكان صورة نيّة الإمامة من كليهما كذلك. و لا يعارضها حديث «لا تعاد» مع فرض عمومه لأخصّيتها منه.

و أمّا معارضتها لمثل رواية الصلاة خلف من بان أنّه يهودي (1)- بتقريب اشتراكهما في الصحّة و الفساد جماعة و فرادى، لأنّا إن اكتفينا في وجود الإمام بوجوده العنواني الإحرازي ففي كليهما موجود، و إن قلنا بلزوم وجوده الواقعي ففي كليهما مفقود، إذ لا إمام هنا بفرض نيّة الائتمام منه، و لا إمام هناك لفرض كونه يهوديّا، بل لا صلاة منه أصلا. و أمّا اشتراكهما في الصحة و البطلان فرادى فلترك القراءة منهما في الموردين.

فمدفوعة بأن ظاهر تلك الرواية، صحّة الصلاة جماعة، و ظاهر هذه الرواية بطلانها فرادى، كما أشرنا إليه، فيعلم منهما انّ وجود الإمام عنوانا و إحرازا كاف في صحّة الجماعة، إلّا إذا نوى الاقتداء، و حيث بطل ما نحن فيه من حيث الجماعة بطل من حيث الفرادى للإخلال بالقراءة فلا يعارضها إلّا حديث «لا تعاد» و قد عرفت أخصّيتها منه فتدبّر جيّدا.

تتميم ما ذكرناه من أوّل المسألة إلى آخرها حكم نيّة الائتمام من كلّ منهما واقعا، و أمّا بلحاظ التداعي و التنازع و عدم تصديق كلّ منهما للآخر.

فان قلنا: بأنّ الرواية متكفّلة لحكم التنازع كما استظهره الشيخ الأعظم (2) (قدّس سرّه) من ظاهر قول الراوي (3) «في رجلين اختلفا» الخبر فالرواية- بعد فرض انجبارها- حجّة على حجّيّة قول كل منهما على صاحبه، سواء كان من باب الاخبار، أو من باب الإقرار، فيكون مخصّصا لما دلّ على اعتبار البيّنة في‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، ص 435، الحديث 1، من الباب 37 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) كتاب الصلاة: ج 1، ص 309، الطبعة الحجرية.

(3) الوسائل: ج 5، ص 420، الحديث 1 من الباب 29 من أبواب صلاة الجماعة.