تعاليق مبسوطة على مناسك الحج

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
684 /
5

[كتاب الحج]

..........

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.

و بعد: إن هذه رسالة في مناسك الحج، وافية بأغلب ما يبتلى به عادة من المسائل. و هى رسالة منظمة مرتبة يسهل فهمها و مراجعتها. و قد أفردت فيها المستحبات عن الواجبات، لئلا يلتبس الأمر على المؤمنين. و أرجو من اللّه تعالى أن يجعلها ذخرا لي يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ.

[وجوب الحج]

وجوب الحج يجب الحج على كل مكلف جامع للشرائط الآتية و وجوبه ثابت بالكتاب، و السنة القطعية.

و الحج ركن من أركان الدين، و وجوبه من الضروريات و تركه- مع الاعتراف بثبوته- معصية كبيرة، كما أن انكار أصل الفريضة- اذا لم يكن مستندا الى شبهة- كفر.

قال اللّه تعالى في كتابه المجيد: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ».

و روى الشيخ الكليني- بطريق معتبر- عن أبي عبد اللّه (ع)، قال:

«من مات و لم يحج حجة الإسلام، و لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق معه الحج، أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا».

6

و هناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحج و الاهتمام به لم نتعرض لها طلبا للاختصار. و في ما ذكرناه من الآية الكريمة و الرواية كفاية للمراد.

و اعلم ان الحج الواجب على المكلف- في أصل الشرع- انما هو لمرة واحدة، و يسمى ذلك ب‍ (حجة الإسلام).

(مسألة 1): وجوب الحج بعد تحقق شرائطه فوري (1) فتجب المبادرة اليه في سنة الاستطاعة و ان تركه فيها عصيانا، أو لعذر وجب في السنة الثانية و هكذا. و لا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر.

(مسألة 2): اذا حصلت الاستطاعة و توقف الاتيان بالحج على مقدمات و تهيئة الوسائل، وجبت المبادرة الى تحصيلها، و لو تعددت الرفقة، فان وثق بالادراك مع التأخير جاز له ذلك، و الا وجب الخروج من دون تأخير (2).

(مسألة 3): اذا امكنه الخروج مع الرفقة الأولى و لم يخرج معهم لوثوقه بالادراك مع التأخير و لكن اتفق انه لم يتمكن من المسير، أو أنه لم يدرك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج (3)، و ان كان معذورا في تأخيره.

____________

(1) هذا شريطة أن لا يكون المستطيع واثقا و مطمئنا من نفسه صحيا و ماليا، بالتمكن من الاتيان به في السنة القادمة، و الّا فهو مبني على الاحتياط، على تفصيل ذكرناه في المسألة (1) من (فصل في وجوب الحج) الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة) فراجع.

(2) على الأحوط وجوبا، اذا كان مطمئنا و متأكدا من نفسه بالتمكن منه في العام القادم اذا أخر، و الّا وجب عليه الخروج فورا.

(3) في الاستقرار اشكال بل منع، لأن المعيار في استقرار الحج على ذمة‌

7

[شرائط وجوب حجة الإسلام]

شرائط وجوب حجة الإسلام

[الشرط الأول: البلوغ]

الشرط الأول: البلوغ.

فلا يجب على غير البالغ، و ان كان مراهقا، و لو حج الصبي لم يجزئه عن حجة الإسلام، و ان كان حجه صحيحا على الأظهر.

[مسألة 4: اذا خرج الصبي الى الحج فبلغ قبل ان يحرم من الميقات، و كان مستطيعا]

(مسألة 4): اذا خرج الصبي الى الحج فبلغ قبل ان يحرم من الميقات، و كان مستطيعا، فلا اشكال في ان حجه حجة الإسلام، و اذا احرم فبلغ بعد احرامه لم يجز له إتمام حجه ندبا، و لا عدوله إلى حجة الإسلام، بل يجب عليه الرجوع الى احد المواقيت، و الاحرام منه لحجة الإسلام، فان لم يتمكن من الرجوع اليه ففي محل احرامه تفصيل (1) يأتي إن شاء اللّه تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلا أو نسيانا و لم يتمكن من الرجوع اليه في المسألة 169.

____________

المكلف في سنة الاستطاعة انما هو بتفويته لها عن تقصير و اهمال، و أما إذا كان عن عذر فلا موجب للاستقرار أصلا، على ما بيناه في المسألة (1) من (فصل في وجوب الحج) الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) الظاهر ان التفصيل الذي سوف نتكلم فيه ينطبق على الصبي أيضا، لأن مورد ذلك التفصيل و إن كان الانسان البالغ المكلف بالاحرام من الميقات، فانه اذا ترك الاحرام منه ناسيا أو جاهلا الى أن دخل الحرم ثم انتبه بالحال، فحينئذ ان تمكن من الرجوع الى الميقات و الاحرام منه وجب عليه ذلك، و إن لم يرجع عامدا و ملتفتا بطل عمله و إن لم يتمكن من الرجوع اليه، فوقتئذ ان تمكن من الخروج عن الحرم وجب عليه الخروج و الابتعاد منه الى المقدار الذي يمكنه و الاحرام من هناك، و الّا فأحرم من مكانه، الّا أن الروايات التي تنص على‌

8

[مسألة 5: اذا حج ندبا معتقدا بانه غير بالغ فبان بعد اداء الحج انه كان بالغا]

(مسألة 5): اذا حج ندبا معتقدا بانه غير بالغ فبان بعد اداء الحج انه كان بالغا اجزأه عن حجة الإسلام (1).

[مسألة 6: يستحب للصبي المميز ان يحج، و لا يشترط في صحته اذن الولي]

(مسألة 6): يستحب للصبي المميز ان يحج، و لا يشترط في صحته اذن الولي (2).

[مسألة 7: يستحب للولي ان يحرم بالصبي غير المميز]

(مسألة 7): يستحب للولي ان يحرم بالصبي غير المميز، ذكرا كان أم انثى. و ذلك بان يلبسه ثوبي الاحرام و يأمره بالتلبية و يلقنه اياها، ان كان قابلا للتلقين، و الا لبّي عنه، و يجنّبه عما يجب على المحرم الاجتناب عنه (3)، و يجوز أن يؤخر تجريده عن الثياب إلى فخ، إذا كان سائرا من ذلك الطريق، و يأمره بالاتيان بكل ما يتمكن منه من افعال الحج، و ينوب عنه فيما لا يتمكن، و يطوف به و يسعى به بين الصفا و المروة، و يقف به في عرفات و المشعر، و يأمره بالرمي ان قدر عليه، و الا رمى عنه، و كذلك صلاة الطواف و يحلق رأسه، و كذلك بقية الأعمال.

____________

ذلك تشمل الصبي أيضا، لأن موضوع هذه الروايات العاجز عن الرجوع الى الميقات مع ثبوت المقتضى للرجوع فيه.

(1) في الاجزاء اشكال، بل منع، و الأقوى عدم الاجزاء، و قد ذكرنا وجهه في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة) في المسألة (9) من (فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام).

(2) اذ لا دليل على أن صحته مشروطة باذن الولي بعد ما كانت الروايات الدالة على مشروعية الحج من الصبي و استحبابه مطلقة، و مقتضى اطلاقها أن حجه صحيح و إن لم يكن مأذونا من قبل الولي.

(3) في وجوب ذلك اشكال، بل منع، لما سيأتي في باب محرمات الاحرام، من أن ما يكون حرمته تكليفية محضة لا يكون محرما على الصبي‌

9

[مسألة 8: نفقة حج الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي]

(مسألة 8): نفقة حج الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي (1). نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفا على السفر به، أو كان السفر مصلحة له، جاز الانفاق عليه من ماله.

[مسألة 9: ثمن هدي الصبي على الولي]

(مسألة 9): ثمن هدي الصبي على الولي (2)، و كذلك كفارة صيده، و أما الكفارات التي تجب عند الاتيان بموجبها عمدا فالظاهر انها لا تجب بفعل الصبي لا على الولي و لا في مال الصبي.

[الشرط الثاني: العقل]

الشرط الثاني: العقل.

فلا يجب الحج على المجنون (3) و ان كان ادواريا. نعم، إذا أفاق المجنون في اشهر الحج و كان مستطيعا و متمكنا من الاتيان بأعمال الحج وجب عليه، و إن كان مجنونا في بقية الأوقات.

[الشرط الثالث: الحرية]

الشرط الثالث: الحرية.

____________

المحرم بسبب احرامه، لأن البلوغ شرط للتكليف. نعم، ان ما تكون حرمته وضعية لا تكليفية فلا مانع من ثبوتها على الصبي المحرم، كحرمة العقد على المحرم في حال الاحرام، فان البلوغ لا يكون شرطا في حرمته، و ستعرف تفصيل ذلك في ضمن البحوث الآتية.

(1) في اطلاقه اشكال بل منع، فان السفر اذا كان مصلحة للصبي جاز للولي أن ينفق تمام نفقات حجه من ماله و إن كان زائدا على نفقة الحضر، و إن لم يكن مصلحة له لم يجز.

(2) في اطلاقه اشكال، لأنه ان كانت في السفر مصلحة للصبي، فللولي حسب ولايته أن يأخذ ثمن هديه من ماله، بل و إن لم تكن فيه مصلحة له شريطة ان لا تكون فيه مفسدة، اذ يكفى في ولايته عليه عدم وجود مفسدة فيه.

(3) هذا لا لحديث رفع القلم، فانه ضعيف سندا، و لا للإجماع المدعى على اعتبار العقل، لما ذكرناه غير مرة من أنه لا طريق لنا الى احراز الاجماع في‌

10

فلا يجب الحج على المملوك و ان كان مستطيعا و مأذونا من قبل المولى، و لو حج باذن مولاه صح و لكن لا يجزيه عن حجة الإسلام، فتجب عليه الاعادة (1) اذا كان واجدا للشرائط بعد العتق.

[مسألة 10: اذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحج بما يوجب الكفارة]

(مسألة 10): اذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحج بما يوجب الكفارة فكفارته على مولاه في غير الصيد، و على نفسه فيه.

[مسألة 11: اذا حج المملوك باذن مولاه و انعتق قبل ادراك المشعر اجزأه عن حجة الإسلام]

(مسألة 11): اذا حج المملوك باذن مولاه و انعتق قبل ادراك المشعر اجزأه عن حجة الإسلام، بل الظاهر كفاية اداركه الوقوف بعرفات (2) معتقا، و ان لم يدرك المشعر، و يعتبر في الاجزاء الاستطاعة حين الانعتاق، فان لم يكن مستطيعا لم يجزئ حجه عن حجة الإسلام. و لا فرق في الحكم بالاجزاء بين اقسام الحج من الافراد و القران و التمتع اذا كان المأتي به مطابقا لوظيفته الواجبة.

[مسألة 12: اذا انعتق العبد قبل المشعر في حج التمتع فهديه عليه]

(مسألة 12): اذا انعتق العبد قبل المشعر في حج التمتع فهديه عليه، و ان لم يتمكن فعليه ان يصوم بدل الهدي على ما يأتي، و ان لم ينعتق فمولاه بالخيار، فان شاء ذبح عنه، و ان شاء امره بالصوم.

____________

المسألة، بل من جهة أن المجنون في نفسه غير قابل لتوجيه الخطاب التكليفي اليه.

(1) للروايات التي تنص على ذلك، و قد تكلمنا حول هذه الروايات مفصلا في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة) في (فصل شرائط وجوب حجة الإسلام).

(2) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) و ينص عليه قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن عمار:

«اذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج» (1). و تمام الكلام في المسألة (9)

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 2.

11

[الشرط الرابع: الاستطاعة]

الشرط الرابع: الاستطاعة.

[و يعتبر فيها امور]

و يعتبر فيها امور:

[الأول: السعة في الوقت]

الاول: السعة في الوقت، و معنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب الى مكة و القيام بالأعمال الواجبة هناك، و عليه فلا يجب الحج إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب و القيام بالأعمال الواجبة فيها، أو أنه يسع ذلك و لكن بمشقة شديدة لا تتحمل عادة، و في مثل ذلك يجب عليه التحفظ على المال إلى السنة القادمة، فان بقيت الاستطاعة اليها وجب الحج فيها، و إلا لم يجب.

[الثاني: الأمن و السلامة]

الثاني: الأمن و السلامة (1)، و ذلك بان لا يكون خطرا على النفس أو المال أو العرض ذهابا و ايابا و عند القيام بالأعمال، كما ان الحج لا يجب مباشرة على مستطيع لا يتمكن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر اخر و لكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجي‌ء تفصيله.

[مسألة 13: اذا كان للحج طريقان احدهما مأمون و الآخر غير مأمون لم يسقط وجوب الحج]

(مسألة 13): اذا كان للحج طريقان احدهما مأمون و الآخر غير مأمون لم يسقط وجوب الحج، بل وجب الذهاب من الطريق المأمون، و ان كان أبعد.

____________

من (فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة) فراجع.

(1) المستفاد من الآية الشريفة و الروايات الواردة في تفسيرها أن الاستطاعة تتكون من العناصر التالية:

الأول: الامكانية المالية.

الثاني: الأمن و السلامة في الطريق على نفسه و عرضه و ماله ذهابا و ايابا، و عند ممارسة اعمال الحج.

12

[مسألة 14: اذا كان له في بلده مال معتد به و كان ذهابه إلى الحج مستلزما لتلفه لم يجب عليه الحج]

(مسألة 14): اذا كان له في بلده مال معتد به و كان ذهابه إلى الحج مستلزما لتلفه لم يجب عليه الحج (1)، و كذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعا (2)، كما إذا استلزم حجه ترك واجب اهم من الحج، كانقاذ غريق أو حريق، أو توقف حجه على ارتكاب محرم كان الاجتناب عنه اهم من الحج.

____________

الثالث: وجود ما به الكفاية، أي التمكن بعد انفاق ما لديه على سفر الحج و الرجوع الى بلده، من استيناف وضعه المعاشي الطبيعي و بدون الوقوع في حرج، فاذا توفرت هذه العناصر الثلاثة في وقت متسع عند شخص، فقد وجبت عليه حجة الإسلام، سواء أ كان هناك واجب آخر مضاد له أم لا، غاية الأمر اذا كان هناك واجب آخر يقع التزاحم بينهما، فيرجع حينئذ الى مرجحاته، و قد يكون وجوب الحج أهم منه فيقدم عليه، و قد يكون الأمر بالعكس. و تمام الكلام في ذلك في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى) في الأمر الثالث من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام).

(1) لما عرفت من أن من عناصر الاستطاعة الأمن و السلامة على ماله اذا سافر الى الحج، و أما إذا اختل من سفره الى الحج الأمن على ماله، فلا يكون مستطيعا، هذا.

اضافة الى أنه لا مانع من تطبيق قاعدة لا ضرر في المقام، لأن طبيعة عملية الحج و إن كانت ضررية، و لا يمكن تطبيق هذه القاعدة عليها إذا كانت تستلزم في وقت أو آخر انفاق المال في طريق انجاز هذه العملية اكثر من الأجرة الاعتيادية، الا أنها اذا كانت تستلزم في مورد اتفاقا تلف مال معتد به الذي لا صلة له بما ينفق عليها، فلا مانع من تطبيق قاعدة لا ضرر عليه.

(2) فيه ان قياس عدم وجوب الحج في هذه الأمثلة بعدم وجوبه في المثال الأول قياس مع الفارق، فان عدم وجوبه في المثال الأول انما هو من جهة‌

13

[مسألة 15: اذا حج مع استلزام حجه ترك واجب اهم أو ارتكاب محرم كذلك فهو]

(مسألة 15): اذا حج مع استلزام حجه ترك واجب اهم أو ارتكاب محرم كذلك فهو و ان كان عاصيا من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلا أن الظاهر أنه يجزي عن حجة الإسلام (1) إذا كان واجدا لسائر الشرائط و لا فرق في ذلك بين من كان الحج مستقرا عليه و من كان اول سنة استطاعته.

[مسألة 16: إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه إلا ببذل مال معتد به]

( (مسألة 16): إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه إلا ببذل مال معتد به، لم يجب بذله و يسقط وجوب الحج (2).

____________

عدم ثبوت المقتضى له كعدم توفر الاستطاعة بتمام عناصرها، أو من جهة حديث لا ضرر. فبالنتيجة ان وجوب الحج فيه غير مجعول في الشريعة المقدسة، و أما في هذه الأمثلة فوجوب الحج ثابت في الشريعة، غاية الأمر انه مزاحم مع وجوب أهم في مرحلة الامتثال، فمن أجل ذلك لا يكون بفعلى، على أساس ما ذكرناه في علم الأصول من أن التزاحم اذا كان بين الواجب الأهم و الواجب المهم كان وجوب المهم مقيدا لبا و واقعا بعدم الاشتغال بالأهم، و من هنا اذا ترك المكلف الاشتغال بالأهم كان وجوب المهم فعليا، بناء على ما هو الصحيح من القول بالترتب، و عليه فاذا أتى بالمهم صح، أو فقل انه على القول بالترتب في تلك الأمثلة يكون المرفوع اطلاق وجوب الحج لا أصله، يعني وجوبه في حال الاشتغال بالأهم لا مطلقا.

(1) هذا مبنى على القول بامكان الترتب كما هو الصحيح.

(2) مر ان من عناصر الاستطاعة الأمن و السلامة على ماله، و مع وجود عدو له في الطريق بحيث لا يمكن دفعه الا ببذل مال معتد به، فلا أمن له فيه على ماله، فاذا لم يكن له أمن لم يكن مستطيعا حتى يجب عليه الحج، أو فقل ان العدو الذي يفرض عليه من المال فهو من اللصوص و قطاع الطريق، فلا أمن، و مع قطع النظر عن هذا فلا يكون بذل المال له لفتح الطريق الى الحج مانعا عن‌

14

[مسألة 17: لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحج]

(مسألة 17): لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحج، إلا مع خوف الغرق أو المرض، و لو حج مع الخوف صح حجه على الأظهر (1).

____________

وجوبه ما لم يكن حرجيا، اذ مجرد كونه ضرريا لا يمنع عن وجوبه، لما تقدم من أنه لا يمكن تطبيق حديث لا ضرر على عملية الحج، فان هذه العملية قد تتطلب انفاق مال في سبيل انجازها اكثر من الأجرة الاعتيادية، فاذا فرض أن الحج في سنة يتطلب بسبب أو آخر انفاق مبالغ اكثر من الأجرة المتعارفة، كما إذا كان هناك في الطريق من يفرض عليه ضريبة مالية معتدة بها، أو ان الطريق المألوف الأقرب الى مكة محفوف بالمخاطر و غير مأمون، و الطريق الأطول الذي يتوفر فيه الأمن و السلامة يتطلب بذل مبالغ اكثر و مئونة زائدة، و في هذه الحالة هل يحتمل ان الحج في هذه السنة غير واجب على من لديه الامكانية المالية لدفع الضرائب، أو بذل مؤنة السفر من الطريق الأطول المأمون، و جواز تأخيره الى أن ترفع الضرائب على السفر أو المخاطر عن الطريق المألوف؟

و الجواب: انه غير محتمل ضرورة أن وجوب الحج مرتبط بالاستطاعة، و المفروض أن من لديه الامكانية المالية و القدرة على السفر من الطريق الأطول المأمون أو دفع الضرائب فهو مستطيع فيجب عليه الحج.

(1) في الصحة اشكال، و لا يبعد بطلانه، لما مر من أن الأمن و السلامة (العنصر الثاني) من عناصر الاستطاعة، و بدون توفره لشخص فلا استطاعة له لكي يجب عليه الحج، و إذا أصرّ في هذه الحالة على أن يحج فحج لم يكن حجه حجة الإسلام.

و النكتة في ذلك هو أن من يسافر بحرا الى الحج فبطبيعة الحال كان يحرم في البحر، لفرض أن جدة ليست ميقاتا، و أما كونها محاذية للميقات فهو غير معلوم، فاذن يكون احرامه في حالة لا أمن فيها، فلا يكون احراما لحج‌

15

[الثالث: الزاد و الراحلة]

الثالث: الزاد و الراحلة (1)، و معنى الزاد هو وجود ما يتقوت به في الطريق من المأكول و المشروب و سائر ما يحتاج إليه في سفره، أو وجود مقدار من المال (النقود و غيرها) يصرفه في سبيل ذلك ذهابا و ايابا، و معنى الراحلة هو وجود وسيلة يتمكن بها من قطع المسافة ذهابا و ايابا، و يلزم في الزاد و الراحلة ان يكونا مما يليق بحال المكلف.

____________

التمتع من حجة الإسلام، و عليه فتكون عمرته متعة باطلة، لأنها بلا احرام، و سوف يأتي في محله ان الاتيان بعمرة التمتع تاركا لا حرامها و إن كان عن نسيان أو جهل غير صحيح. نعم اذا لم يحرم في البحر، و وصل الى جدة، و ذهب الى أحد المواقيت و أحرم منه، صح و لا شي‌ء عليه، و كذلك اذا احرم من جدة بنذر اذا لم يكن بامكانه الذهاب الى الميقات.

و من هنا يظهر ان الطريق اذا كان غير مأمون لشخص بسبب او آخر الى الميقات فحسب، و أما منه الى مكة فمأمون له، ففي مثل ذلك لا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع، باعتبار أن العنصر الثاني منها و هو الأمن و السلامة مفقود في حقه، الّا أنه مع ذلك اذا أصر على السفر من ذلك الطريق غير المأمون، و سافر منه و وصل الى الميقات سالما أصبح مستطيعا فيه، فاذا أحرم منه لعمرة التمتع صح، و كان حجه حجة الإسلام.

نعم، اذا كان الطريق الى مكة غير مأمون لم يصح احرامه من الميقات أيضا لعمرة التمتع من حجة الإسلام، و أما إذا وصل الى مكة في هذه الحالة فعليه أن يحرم من الموضع الذي ارتفع عنه الخوف و أصبح آمنا.

(1) فيه ان وجود الراحلة ليس دخيلا في الاستطاعة مطلقا بل عند الحاجة اليه، و قد ذكرنا في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة) أن المتفاهم العرفي من الروايات المشتملة على الراحلة هو عدم موضوعيتها، و أخذها في الروايات‌

16

[مسألة 18: لا يختص اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة اليها]

(مسألة 18): لا يختص اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة اليها (1). بل يشترط مطلقا و لو مع عدم الحاجة اليها، كما إذا كان قادرا على المشي من دون مشقة و لم يكن منافيا لشرفه.

[مسألة 19: العبرة في الزاد و الراحلة بوجودهما فعلا]

(مسألة 19): العبرة في الزاد و الراحلة بوجودهما فعلا، فلا يجب على من كان قادرا على تحصيلهما بالاكتساب و نحوه، و لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب و البعيد.

[مسألة 20: الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج انما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده]

(مسألة 20): الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج انما هي الاستطاعة من مكانه (2) لا من بلده، فاذا ذهب المكلف إلى المدينة مثلا للتجارة أو لغيرها و كان له هناك ما يمكن ان يحج به من الزاد و الراحلة أو ثمنهما وجب عليه الحج، و ان لم يكن مستطيعا من بلده.

[مسألة 21: اذا كان للمكلف ملك و لم يوجد من يشتريه بثمن المثل و توقف الحج على بيعه باقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع]

(مسألة 21): اذا كان للمكلف ملك و لم يوجد من يشتريه بثمن المثل و توقف الحج على بيعه باقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع (3)، و اما اذا ارتفعت الاسعار فكانت أجرة المركوب مثلا في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية لم يجز التأخير.

____________

في مقابل الزاد انما هو للحاجة اليها إما لحمل الزاد، أو للركوب، و الّا فلا موضوعية لها.

(1) بل يختص بها على الأظهر كما مر.

(2) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) لأن وجوب الحج مرتبط بالاستطاعة، فاذا كان الانسان مستطيعا ذهابا و ايابا و عند ممارسة اعمال الحج وجب، سواء أ كانت هذه الاستطاعة من بلده أو بلد اقامته، لأن الآية الشريفة و الروايات جميعا تنص على وجوب الحج على من استطاع اليه سبيلا و إن كانت من بلد اقامته.

(3) في اطلاقه اشكال، بل منع، لأن الخسارة في البيع اذا كانت بدرجة كان‌

17

[مسألة 22: انما يعتبر وجود نفقة الاياب في وجوب الحج فيما اذا اراد المكلف العود إلى وطنه]

(مسألة 22): انما يعتبر وجود نفقة الاياب في وجوب الحج فيما اذا اراد المكلف العود إلى وطنه. و اما اذا لم يرد العود و اراد السكنى في بلد آخر غير وطنه، فلا بد من وجود النفقة إلى ذلك البلد، و لا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه.

نعم، إذا كان البلد الذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه.

[الرابع: الرجوع إلى الكفاية]

الرابع: الرجوع إلى الكفاية، و هو التمكن بالفعل أو بالقوة من اعاشة نفسه و عائلته بعد الرجوع.

و بعبارة واضحة: يلزم ان يكون المكلف على حالة لا يخشى معها في نفسه و عائلته من العوز و الفقر بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحج (1)، و عليه فلا يجب على من يملك مقدارا من المال يفي بمصارف الحج و كان ذلك وسيلة لإعاشته و اعاشة عائلته، مع العلم بانه لا يتمكن من الاعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه، فبذلك يظهر أنه لا يجب بيع ما يحتاج اليه في ضروريات معاشه من امواله فلا يجب بيع دار سكناه اللائقة بحاله و ثياب تجمله و اثاث بيته، و لا آلات الصنائع التي يحتاج اليها في معاشه، و نحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى

____________

تحملها حرجيا لم يجب البيع، و الّا وجب للذهاب الى الحج، و قد مر أنه لا يمكن التمسك بحديث لا ضرر في المقام، فاذا كان الحج متوقفا على البيع بخسارة لم يكن تحملها حرجيا وجب، و لا يجوز تأخيره الى سنة أخرى.

نعم، اذا كان الشخص واثقا و مطمئنا بتمكنه من الحج في السنة القادمة صحيا و ماليا، فعندئذ لا يبعد عدم وجوب البيع.

(1) سبق ان المعيار في وجود ما به الكفاية انما هو بتمكن الحاج بعد‌

18

أهل العلم مما لا بد منه في سبيل تحصيله، و على الجملة كل ما يحتاج اليه الانسان في حياته و كان صرفه في سبيل الحج موجبا للعسر و الحرج لم يجب بيعه.

نعم، لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحج، بل من كان عنده دار قيمتها الف دينار- مثلا- و يمكنه بيعها و شراء دار اخرى باقل منها من دون عسر و حرج لزمه ذلك إذا كان الزائد وافيا بمصارف الحج ذهابا و ايابا و بنفقة عياله.

[مسائل في الاستطاعة]

[مسألة 23: اذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته اليه]

(مسألة 23): اذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته اليه، ثم استغنى عنه وجب عليه بيعه لأداء فريضة الحج- مثلا- إذا كان للمرأة حلي تحتاج اليه و لا بد لها منه ثم استغنت عنه لكبرها او لأمر آخر، وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحج.

[مسألة 24: اذا كانت له دار مملوكة و كانت هناك دار اخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج عليه]

(مسألة 24): اذا كانت له دار مملوكة و كانت هناك دار اخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج عليه كما اذا كانت موقوفة تنطبق عليه، وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحج، و لو بضميمة ما عنده من المال، و يجري ذلك في الكتب العلمية و غيرها مما يحتاج اليه في حياته.

[مسألة 25: اذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحج و كان بحاجة الى الزواج او شراء دار لسكناه او غير ذلك مما يحتاج اليه]

(مسألة 25): اذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحج و كان بحاجة الى الزواج او شراء دار لسكناه او غير ذلك مما يحتاج اليه فان كان صرف ذلك المال في الحج موجبا لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحج، و إلا وجب عليه.

[مسألة 26: اذا كان ما يملكه دينا على ذمة شخص و كان الدين حالا وجبت عليه المطالبة]

(مسألة 26): اذا كان ما يملكه دينا على ذمة شخص و كان الدين حالا وجبت عليه المطالبة فان كان المدين مماطلا وجب اجباره على

19

الأداء، و ان توقف تحصيله على الرجوع الى المحاكم العرفية لزم ذلك (1)، كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدين مؤجلا و لكن المدين يؤديه لو طالبه، و أما إذا كان المدين معسرا او مماطلا و لا يمكن اجباره أو كان الاجبار مستلزما للحرج، أو كان الدين مؤجلا و المدين لا يسمح باداء ذلك قبل الأجل ففي جميع ذلك ان امكنه بيع الدين بما يفي بمصارف الحج و لو بضميمة ما عنده من المال و لم يكن في ذلك ضرر و لا حرج وجب البيع و إلا لم يجب.

[مسألة 27: كل ذي حرفة كالحدّاد و البنّاء و النجّار و غيرهم ممن يفي كسبهم بنفقتهم و نفقة عوائلهم يجب عليهم الحج]

(مسألة 27): كل ذي حرفة كالحدّاد و البنّاء و النجّار و غيرهم ممن يفي كسبهم بنفقتهم و نفقة عوائلهم يجب عليهم الحج إذا حصل لهم مقدار من المال بارث أو غيره و كان وافيا بالزاد و الراحلة و نفقة العيال مدة الذهاب و الاياب.

____________

الرجوع من سفر الحج و انفاق ما لديه من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي، بدون الوقوع في حرج و ضيق، فاذا كان الحاج واثقا و مطمئنا بذلك فهو مستطيع، يجب عليه الحج، و الّا لم تثبت استطاعته.

(1) فانه اذا كان قادرا على تحصيل الدين من المدين الوافي بتمام نفقات سفر الحج اللائقة بحاله كان مستطيعا، حيث ان الإمكانية المالية للإنفاق على سفر الحج متحققة عنده، اذ لا يقصد بها وجود نقود عنده فعلا، بل يقصد بها وجود مال تفي قيمته بنفقات الحج، و لا فرق بين أن يكون ذلك المال من الأعيان الخارجية كالدار أو البستان أو غيرهما، أو من الديون الثابتة في ذمة غيره، فاذا كان ذلك المال تحت تصرفه و سلطانه و لو بالواسطة، كفى ذلك في وجوب الحج عليه، و هذا يفترق عما اذا كان الانسان قادرا على اقتراض مال تفي قيمته بنفقات سفر الحج، لأنه قبل الاقتراض لم تكن لديه الامكانية المالية و انما‌

20

[مسألة 28: من كان يرتزق من الوجوه الشرعية كالخمس و الزكاة و غيرهما و كانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقة]

(مسألة 28): من كان يرتزق من الوجوه الشرعية كالخمس و الزكاة و غيرهما و كانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقة لا يبعد وجوب الحج عليه فيما اذا ملك مقدارا من المال يفي بذهابه و إيابه و نفقة عائلته. و كذلك من قام احد بالانفاق عليه طيلة حياته، و كذلك كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج و بعده (1) من جهة المعيشه ان صرف ما عنده في سبيل الحج.

____________

أوجدها بالاقتراض، فمن أجل ذلك لا يجب، و هذا بخلاف ما إذا كان المال من الأعيان الخارجية، أو الديون في الذمة يتوقف نقدها فعلا لكي يصرف في نفقات الحج على مقدمة خارجية، كالبيع أو الرجوع الى المحاكم الشرعية أو العرفية، و لكن تحصيل تلك المقدمة ليست من تحصيل الاستطاعة، بل استطاعته تفرض عليه تحصيلها.

(1) هذا لا بمعنى أن وجود ما به الكفاية غير معتبر في وجوب الحج، بل بمعنى انه يختلف باختلاف حالات افراد المستطيع في الخارج، فان المراد من وجود ما به الكفاية- كما عرفت- هو تمكن الحاج بعد الانفاق على سفر الحج من استيناف وضعه المعاشي الاعتيادي بدون الوقوع في حرج و ضيق، فمن يعيش على الوجوه الشرعية يتمكن بعد انفاق ما لديه من المال على سفر الحج من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في محذور، و لا يتوقف ذلك على وجود مال معتد به عنده بعد الرجوع من الحج، و كذلك الحال فيمن كانت نفقته طيلة حياته مضمونة كالزوجة- مثلا- أو ممن لا يتفاوت حاله قبل الحج و بعده كالسائل بالكف، فانه تكفى في وجوب الحج عليه الامكانية المالية عنده لنفقات الحج ذهابا و ايابا و عند ممارسة الأعمال فحسب، باعتبار أن وجود ما به الكفاية عنده مضمون.

21

[مسألة 29: لا يعتبر في الاستطاعة الملكية اللازمة بل تكفي الملكية المتزلزلة أيضا]

(مسألة 29): لا يعتبر في الاستطاعة الملكية اللازمة بل تكفي الملكية المتزلزلة أيضا (1). فلو صالحه شخص ما يفي بمصارف الحج و جعل لنفسه الخيار الى مدة معينة وجب عليه الحج، و كذلك الحال في موارد الهبة الجائزة.

[مسألة 30: لا يجب على المستطيع ان يحج من ماله]

(مسألة 30): لا يجب على المستطيع ان يحج من ماله، فلو حج متسكعا أو من مال شخص آخر اجزأه. نعم، إذا كان ثوب طوافه أو ثمن هديه مغصوبا لم يجزئه ذلك (2).

[مسألة 31: لا يجب على المكلف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره]

(مسألة 31): لا يجب على المكلف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره، فلو وهبه احد مالا يستطيع به لو قبله، لم يلزمه القبول (3)،

____________

(1) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لما مر من أن العنصر الأول من الاستطاعة الامكانية المالية، و من الواضح أنه لا يؤخذ في مفهومها الملك فضلا عن كون الملك لازما، و من هنا كما ان الامكانية الماليه لنفقات الحج تحصل بالملكية اللازمة، كذلك تحصل بالملكية الجائزة، بل بالاباحة أيضا.

(2) فيه ان هذا انما يتم في الهدي فحسب، فانه اذا كان بعينه مغصوبا، أو اشتراه بثمن شخصي مغصوب كان في الحقيقة تاركا للهدي عن عمد و اختيار، و يترتب على ذلك بطلان طوافه و حجه، و لا يتم ذلك في الطواف، فان غصبية الساتر فيه لا تضر بصحته، حيث إن الحرام لا يكون مصداقا للواجب، لأن الحرام ذات القيد يعنى الساتر، و هو خارج عن الواجب، فلا ينطبق عليه، و التقيد به و إن كان داخلا فيه، و لكن بما أنه أمر معنوي لا وجود له في الخارج، فلا يتصف بالحرمة، فلذلك لا مانع من الحكم بصحة الطواف و إن اعتبر الطائف آثما.

(3) هذا باعتبار أن حصول الامكانية المالية عنده يتوقف على قبوله الهبة، و هو غير واجب عليه، لأنه من تحصيل الاستطاعة.

22

و كذلك لو طلب منه ان يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا و لو كانت الخدمة لائقة بشأنه. نعم، لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحج و استطاع بذلك، وجب عليه الحج.

[مسألة 32: اذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحج و استطاع بمال الاجارة]

(مسألة 32): اذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحج و استطاع بمال الاجارة، قدم الحج النيابي اذا كان مقيدا بالسنة الحالية فان بقيت الاستطاعة الى السنة القادمة وجب عليه الحج و الا فلا (1) و إن لم يكن الحج النيابي مقيدا بالنسبة الفعلية قدم الحج عن نفسه.

[مسألة 33: اذا اقترض مقدارا من المال يفي بمصارف الحج و كان قادرا على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحج]

(مسألة 33): اذا اقترض مقدارا من المال يفي بمصارف الحج و كان قادرا على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحج.

[مسألة 34: اذا كان عنده ما يفي بنفقات الحج و كان عليه دين و لم يكن صرف ذلك في الحج منافيا لأداء ذلك الدين وجب عليه الحج]

(مسألة 34): اذا كان عنده ما يفي بنفقات الحج و كان عليه دين و لم يكن صرف ذلك في الحج منافيا لأداء ذلك الدين وجب عليه الحج، و إلا فلا، و لا فرق في الدين بين أن يكون حالا أو مؤجلا و بين ان يكون سابقا على حصول ذلك المال أو بعد حصوله.

[مسألة 35: اذا كان عليه خمس او زكاة و كان عنده مقدار من المال و لكن لا يفي بمصارف الحج لو ادّاهما]

(مسألة 35): اذا كان عليه خمس او زكاة و كان عنده مقدار من المال و لكن لا يفي بمصارف الحج لو ادّاهما وجب عليه اداؤهما، و لم يجب عليه الحج، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس و الزكاة في عين المال او يكونا في ذمته (2).

____________

نعم، لو وهبه للحج فحسب وجب عليه القبول، لإطلاق روايات البذل.

(1) هذا باعتبار ان وجوب أداء الدين أهم من وجوب الحج فيقدم عليه في مقام التزاحم، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الدين حالا أو مؤجلا، كان قبل حصول هذا المال عنده أم بعده، لأن المعيار انما هو بالتنافي و التزاحم بينهما في مقام الامتثال و العمل.

(2) هذا و لكن فرق بين الأمرين من ناحية أخرى، و هي أن الخمس او‌

23

[مسألة 36: اذا وجب عليه الحج و كان عليه خمس أو زكاة او غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه اداؤها]

(مسألة 36): اذا وجب عليه الحج و كان عليه خمس أو زكاة او غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه اداؤها و لم يجز له تأخيره لأجل السفر إلى الحج، و لو كان ثياب طوافه و ثمن هديه من المال الذي قد تعلق به الحق لم يصح حجه (1).

[مسألة 37: اذا كان عنده مقدار من المال و لكنه لا يعلم بوفائه بنفقات الحج]

(مسألة 37): اذا كان عنده مقدار من المال و لكنه لا يعلم بوفائه بنفقات الحج، لم يجب عليه الحج و لا يجب عليه الفحص، و ان كان الفحص أحوط.

[مسألة 38: اذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحج منفردا أو منضما الى المال الموجود عنده]

(مسألة 38): اذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحج منفردا أو منضما الى المال الموجود عنده، فان لم يكن متمكنا من التصرف في ذلك المال و لو بتوكيل من يبيعه هناك، لم يجب عليه الحج و إلا وجب.

[مسألة 39: اذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج وجب عليه الحج]

(مسألة 39): اذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج وجب عليه الحج و لم يجز له التصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة و لا يمكنه التدارك، و لا فرق في ذلك بين تصرفه بعد التمكن من المسير و تصرفه فيه قبله، بل الظاهر عدم جواز التصرف فيه قبل اشهر الحج أيضا.

____________

الزكاة اذا كان متعلقا بعين المال فلا استطاعة في البين، فيكون عدم وجوب الحج حينئذ انما هو من جهة عدم تحقق موضوعه في الخارج، و هو الاستطاعة، و اذا كان متعلقا في الذمة فالاستطاعة ثابتة، غاية الأمر يقع التزاحم حينئذ بين وجوب أداء ما في الذمة، و وجوب الحج، و بما أن وجوب أداء الدين أهم من وجوب الحج فيقدم عليه.

(1) في اطلاقه اشكال، بل منع، لأن الهدي إذا كان بعينه متعلقا للحق الشرعي من الخمس أو الزكاة كان المكلف حينئذ تاركا له متعمدا، و عليه فيبطل طوافه، فبالنتيجة حجّه، و إن اشترى الهدي بثمن كان متعلقا للحق الشرعي، فان‌

24

نعم، اذا تصرف فيه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحة التصرف و ان كان آثما بتفويته الاستطاعة (1).

____________

اشتراه بشخص ثمن متعلق له لا بثمن في الذمة كان تاركا للهدي أيضا، و إن اشتراه في الذمة و أدى ثمنه من ذلك المال المتعلق للخمس أو الزكاة صح، و لكن يعتبر المشتري آثما و ضامنا للحق الشرعي الذي أتلفه.

(1) السبب فيه ان المستفاد من الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها أن وجوب الحج يتحقق بتحقق الاستطاعة مشروطا بشرط متأخر زمانا، و هو مجي‌ء يوم عرفة، فان يوم عرفة و إن كان من شروط الواجب و هو الحج و قيوده، الّا أنا ذكرنا في علم الأصول أن قيد الواجب اذا كان غير اختياري فلا بد أن يكون قيدا للوجوب أيضا، اذ لو كان الوجوب مطلقا لزم كونه محركا للمكلف فعلا نحو الاتيان بالواجب المقيد بقيد غير اختياري، و هو تكليف بالمحال، و على هذا الأساس فيوم عرفة كما أنه قيد للواجب في المقام و هو الحج، كذلك قيد للوجوب بنحو الشرط المتأخر في مرحلة الاعتبار و الجعل، و لاتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي و الملاكات، و حينئذ فتحقق الاستطاعة كما يكون كاشفا عن تحقق وجوب الحج مشروطا بشرط متأخر، كذلك يكون كاشفا عن اتصافه بالملاك التام في ظرفه، فمن أجل ذلك لا يجوز تفويت الاستطاعة و إن كانت قبل أشهر الحج، لأن تفويتها تفويت للملاك التام الملزم في وقته، و هو غير جائز، و عندئذ فيجب على المكلف التحفظ على ذلك الملاك التام في ظرفه بالتحفظ على استطاعته و عدم تفويتها.

و بكلمة: ان كل ما أخذه الشارع في لسان الدليل في مرحلة الاعتبار قيدا للحكم فهو قيد لاتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي أيضا، على أساس أن الملاك هو حقيقة الحكم و روحه، و هو الداعي للاعتبار و الجعل بغرض الحفاظ عليه لاستيفائه و عدم تفويته، و لو لا الملاك فلا قيمة للاعتبار بما هو‌

25

[مسألة 40: الظاهر انه لا يعتبر في الزاد و الراحلة ملكيتهما]

(مسألة 40): الظاهر انه لا يعتبر في الزاد و الراحلة ملكيتهما (1)، فلو كان عنده مال يجوز له التصرف فيه وجب عليه الحج إذا كان وافيا بنفقات الحج مع وجدان سائر الشروط.

[مسألة 41: كما يعتبر في وجوب الحج وجود الزاد و الراحلة حدوثا كذلك يعتبر بقاء إلى إتمام الأعمال]

(مسألة 41): كما يعتبر في وجوب الحج وجود الزاد و الراحلة حدوثا كذلك يعتبر بقاء إلى إتمام الأعمال، بل الى العود الى وطنه، فان تلف المال في بلده أو في اثناء الطريق لم يجب عليه الحج و كشف ذلك عن عدم الاستطاعة من اول الأمر، و مثل ذلك ما إذا حدث عليه دين قهري (2)، كما اذا أتلف مال غيره خطأ و لم يمكنه اداء بدله اذا صرف ما عنده في سبيل الحج.

____________

اعتبار، و على ذلك فبما أن الاستطاعة قد أخذت في لسان الدليل شرعا، فهي كما تكون قيدا لوجوب الحج في مرحلة الاعتبار، كذلك تكون قيدا لاتصافه بالملاك في مرحلة المبادي، فاذا تحققت كانت كاشفة عن فعلية اتصافه بالملاك و تماميته في ظرفه، كما كانت كاشفة عن وجوبه فعلا، فلذلك يجب على المستطيع الحفاظ على ذلك الملاك التام في موعده بالحفاظ على استطاعته، و عدم جواز تفويته بتفويت استطاعته.

(1) مر أن الامكانية المالية التي هي العنصر الأول من الاستطاعة كما تحصل بالملك، كذلك تحصل بالاباحة، فالملكية غير دخيلة في تكوين هذه الامكانية.

(2) فيه ان قياس ذلك بتلف المال في بلده، أو في أثناء الطريق قياس مع الفارق، لأن تلف المال كاشف عن عدم استطاعته من الأول، و هذا بخلاف اتلافه مال غيره، و اشتغال ذمته ببدله، فانه لا يكون مانعا عن استطاعته، غاية الأمر يقع التزاحم بين وجوب أداء بدل التالف و وجوب الحج، و حيث ان الأول اهم من وجوب الحج فيقدم عليه.

26

نعم، الاتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحج بل يبقى الحج في ذمته مستقرا فيجب عليه اداؤه و لو متسكعا، هذا كله في تلف الزاد و الراحلة، و اما تلف ما به الكفاية من ماله في بلده، فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة (1) من اول الأمر بل يجتزئ حينئذ بحجه، و لا يجب عليه الحج بعد ذلك.

[مسألة 42: اذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج لكنه معتقد بعدمه]

(مسألة 42): اذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج لكنه معتقد بعدمه، او كان غافلا عنه، أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه غفلة عذر لم يجب عليه الحج، و اما إذا كان شاكا فيه (2)، أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه غفلة ناشئة عن التقصير ثم علم أو تذكر بعد ان تلف المال فلم يتمكن من الحج فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه إذا كان واجدا لسائر الشرائط حين وجوده.

[مسألة 43: كما تتحقق الاستطاعة بوجدان الزاد و الراحلة تتحقق بالبذل]

(مسألة 43): كما تتحقق الاستطاعة بوجدان الزاد و الراحلة تتحقق بالبذل، و لا يفرق في ذلك بين ان يكون الباذل واحدا أو متعددا، و إذا عرض عليه الحج و التزم بزاده و راحلته و نفقة عياله (3) وجب عليه الحج،

____________

(1) في عدم الكشف اشكال، بل منع، لأن المكلف اذا لم يتمكن من استيناف وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج و ضيق اذا انفق ما لديه من المال في نفقات سفر الحج لم يكن مكلفا بحجة الإسلام في الواقع، و عليه فما أتى به من الحج لا يكون مصداقا لحجة الإسلام لكي يحكم بصحته، و تفصيل ذلك في المسألة (29) من (فصل شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى).

(2) هذا شريطة أن لا يكون معذورا فيه، و أما اذا كان معذورا فلا موجب لاستقرار الحج عليه.

(3) فيه ان نفقة العيال ليست دخيلة في الاستطاعة، لما قد عرفت من أن‌

27

و كذلك لو اعطي مالا ليصرفه في الحج و كان وافيا بمصارف ذهابه و ايابه و عياله. و لا فرق في ذلك بين الاباحة و التمليك، و لا بين بذل العين و ثمنها.

[مسألة 44: لو اوصي له بمال ليحج به وجب الحج عليه بعد موت الموصي إذا كان المال وافيا بمصارف الحج و نفقة عياله]

(مسألة 44): لو اوصي له بمال ليحج به وجب الحج عليه بعد موت الموصي إذا كان المال وافيا بمصارف الحج و نفقة عياله، و كذلك لو وقف شخص لمن يحج او نذر، أو اوصى بذلك و بذل له المتولي أو الناذر أو الوصي وجب عليه الحج.

____________

الاستطاعة تتكون من العناصر الثلاثة:

1- الامكانية المالية لنفقات الحج.

2- الأمن و السلامة على نفسه و ماله و عرضه.

3- وجود ما به الكفاية، فاذا توفرت هذه العناصر الثلاثة لدى شخص رجلا كان أم امرأة، وجب الحج عليه، و أما نفقة العيال في فترة أعمال الحج، فان كان يقصد بها نفقة الزوجة فهي بما أنها دين على الزوج فيقع التزاحم بين وجوب أداء الدين و وجوب الحج، و حيث ان الأول أهم من الثاني فيقدم عليه، و إن كان يقصد بها نفقة الأبوين و الأولاد، فهي بما أنها ليست بدين على المعيل، بل تكون مجرد تكليف، فحينئذ كونه أهم من وجوب الحج غير معلوم لو لم يكن العكس معلوما الّا أن يؤدي ترك الانفاق عليهم في فترة الحج الى مخاطر أخرى، كوقوعهم في مفسدة جسيمة أو مشرفة على الهلاك، و أما إذا لم يؤد الى ذلك فالظاهر تقديم وجوب الحج على وجوب الانفاق عليهم، غاية الأمر ان ترك الانفاق عليهم في تلك الفترة يؤدي إلى وقوعهم في ضيق، و هذا ليس بمحذور يمنع عن وجوب الحج عليه.

فالنتيجة: ان المبذول له إن كان متمكنا من الانفاق على عائلته في فترة الحج وجب عليه قبول البذل، و الذهاب الى الحج، و إن لم يكن متمكنا منه، فان‌

28

[مسألة 45: لا يجب الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذلية]

(مسألة 45): لا يجب الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذلية (1).

نعم، لو كان له مال لا يفي بمصارف الحج و بذل له ما يتم ذلك وجب عليه القبول و لكن يعتبر حينئذ الرجوع إلى الكفاية.

[مسألة 46: إذا اعطي ما لا هبة على ان يحج وجب عليه القبول]

(مسألة 46): إذا اعطي ما لا هبة على ان يحج وجب عليه القبول، و اما لو خيّره الواهب بين الحج و عدمه (2)، او انه وهبه مالا من دون ذكر الحج لا تعيينا و لا تخييرا لم يجب عليه القبول.

[مسألة 47: لا يمنع الدين من الاستطاعة البذلية]

(مسألة 47): لا يمنع الدين من الاستطاعة البذلية. نعم إذا كان الدين حالا و كان الدائن مطالبا و المدين متمكنا من أدائه إن لم يحج لم يجب عليه الحج.

____________

كانت عائلته متمثلة في زوجته لم يجب عليه القبول، و إن كانت متمثلة في الأبوين و الأولاد وجب القبول إذا لم تترتب على ترك الانفاق عليهم محاذير أخرى غير وقوعهم في الضيق في الجملة.

(1) هذا شريطة أن لا يكون سفر الحج مؤثرا في وضعه المعاشي بعد الرجوع من الحج، و في هذه الحالة اذا بذل له ما يحج به وجب عليه استجابته، و أما إذا أثر سفره في وضعه المعاشي، كما اذا كان موظفا عند الحكومة و له راتب يمكنه من السفر الى الحج بالاستطاعة البذلية، و لكن اذا لم يحصل على اجازة لو سافر و الحال هذه يفقد عمله و راتبه كموظف، و بعد ذلك يقع في ضيق و حرج باعتبار أنه لا يتمكن بعد الرجوع من الحج و فصله عن الوظيفة من استيناف وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج و ضيق، و في هذه الحالة اذا بذل اليه ما يحج به لم تجب عليه استجابته.

(2) لأن الروايات التي تنص على وجوب قبول ما يعرض عليه من الحج، أو ما يحج به لا تشمل هذه الصورة، على أساس أنها ظاهرة في عرض الحج‌

29

[مسألة 48: اذا بذل مال لجماعة ليحج احدهم]

(مسألة 48): اذا بذل مال لجماعة ليحج احدهم فان سبق احدهم بقبض المال المبذول سقط التكليف عن الآخرين و لو ترك الجميع مع تمكن كل واحد منهم من القبض استقر الحج على جميعهم (1).

[مسألة 49: لا يجب بالبذل إلا الحج الذي هو وظيفة المبذول له على تقدير استطاعته]

(مسألة 49): لا يجب بالبذل إلا الحج الذي هو وظيفة المبذول له على تقدير استطاعته (2)، فلو كانت وظيفته حج التمتع فبذل له حج القران أو الافراد لم يجب عليه القبول و بالعكس و كذلك الحال لو بذل لمن حج حجة الإسلام و اما من استقرت عليه حجة الإسلام و صار معسرا فبذل له وجب عليه ذلك (3) و كذلك من وجب عليه الحج لنذر او شبهه و لم يتمكن منه.

____________

عليه، أو ما يحج به بعينه، لا الأعم منه و من غيره، كما في المقام.

(1) في الاستقرار اشكال، و لا يبعد عدمه، لأن روايات البذل ظاهرة في عرض الحج، أو ما يحج به على شخص معين، و لا تشمل ما اذا عرض الحج على الجامع بين شخصين أو اشخاص على تفصيل ذكرناه في المسألة (43) من (فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(2) هذا ظاهر، فان كل من تكون وظيفته حج التمتع اذا استطاع مالا، فهو وظيفته اذا استطاع بذلا، و كل من تكون وظيفته حج الافراد اذا استطاع مالا، فهو وظيفته اذا استطاع بذلا.

(3) هذا لا من جهة أن روايات البذل تشمل المقام، لأنها لا تشمل ذلك، لاختصاص موردها بما اذا وجب الحج عليه بالاستطاعة البذلية، بأن يكون حدوث الوجوب عليه مستندا اليها، و أما إذا كان الحج واجبا على شخص بالاستطاعة المالية في فترة زمنية سابقة، و لكن من جهة الاهمال و التسامح فيه‌

30

[مسألة 50: لو بذل له مال ليحج به فتلف المال اثناء الطريق سقط الوجوب]

(مسألة 50): لو بذل له مال ليحج به فتلف المال اثناء الطريق سقط الوجوب. نعم لو كان متمكنا من الاستمرار في السفر من ماله وجب عليه الحج و اجزأه عن حجة الإسلام، إلا ان الوجوب حينئذ مشروط بالرجوع إلى الكفاية (1).

[مسألة 51: لا يعتبر في وجوب الحج البذل نقدا]

(مسألة 51): لا يعتبر في وجوب الحج البذل نقدا فلو وكله على ان يقترض عنه و يحج به و اقترض وجب (2) عليه.

[مسألة 52: الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل فلو لم يبذله و بذل بقية المصارف لم يجب الحج على المبذول له]

(مسألة 52): الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل فلو لم يبذله و بذل بقية المصارف لم يجب الحج على المبذول له الا اذا كان متمكنا من شرائه من ماله.

____________

سنة بعد أخرى فقد فاتت الاستطاعة عنه، و استقر الحج عليه، فهو أجنبي عن مورد هذه الروايات، و حيث ان العقل يحكم بالخروج عن عهدة هذا الوجوب بالسعي الى الحج بأي وسيلة متاحة له، و حينئذ فاذا بذل اليه مال ليحج به وجب عليه القبول بحكم العقل، اذا لم تكن لديه وسيلة أخرى للخروج عن عهدة هذا التكليف، و من هنا تجب عليه الاستجابة للهبة و إن لم تكن للحج، و بذلك يظهر حال ما بعده.

(1) تقدم ان وجوب قبول البذل أيضا مشروط بوجود ما به الكفاية، بمعنى تمكنه بعد الرجوع من الحج من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج و ضيق، و أما إذا لم يكن لديه ما به الكفاية بهذا المعنى فلا يجب عليه القبول.

(2) هذا واضح، و انما الكلام في أن الاقتراض الموجب للاستطاعة و الامكانية المالية، فهل هو واجب عليه أو لا؟ و الجواب: انه غير واجب لأنه من تحصيل الاستطاعة.

31

نعم، إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجبا لوقوعه في الحرج لم يجب عليه القبول، و أما الكفارات فالظاهر انها واجبة على المبذول له (1) دون الباذل.

[مسألة 53: الحج البذلي يجزئ عن حجة الإسلام و لا يجب عليه الحج ثانيا اذا استطاع بعد ذلك]

(مسألة 53): الحج البذلي يجزئ عن حجة الإسلام و لا يجب عليه الحج ثانيا اذا استطاع بعد ذلك.

[مسألة 54: يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام أو بعده]

(مسألة 54): يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الاحرام أو بعده، لكن إذا رجع بعد الدخول في الاحرام وجب على المبذول له إتمام الحج إذا كان مستطيعا فعلا و على الباذل ضمان ما صرفه للإتمام (2)، و اذا رجع الباذل في اثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود.

____________

(1) لأن الكفارة من آثار ما يمارسه المحرم من محرمات الاحرام، و حيث ان تلك المحرمات خارجة عن الحج، و ليست من واجباته لا جزءا و لا قيدا، فلا يكون الباذل متعهدا بالانفاق على الكفارات المترتبة على ارتكابها، لأنه إنما اذن له بالحج، و لم يأذن بارتكاب محرمات الإحرام لكي يقال: إن الاذن بشي‌ء إذن بلوازمه.

(2) في الضمان اشكال بل منع، لأن ما صرفه المبذول له من المال الى حين عدول الباذل عن بذله يحسب على الباذل، باعتبار أن ذلك الصرف كان باذنه و أمره، و أما ضمان الباذل لما صرفه المبذول له في اتمام الحج فهو بلا مبرر، و لا يمكن تطبيق قاعدة أن الإذن بشي‌ء اذن بلوازمه على المقام، لأن الإذن بالاحرام انما يكون اذنا بالاتمام اذا لم يعدل عن اذنه بعد الإحرام، أو قلنا بعدم جواز عدوله عن اذنه بعده، و كلا الأمرين خلف الفرض، و على هذا فاذا عدل عن اذنه بعد الاحرام فمعناه انه لم يأذن بالاتمام بما بذله من المال، و عليه فلا يسوغ للمبذول له أن يتم الحج بمال الباذل، كما انه اذا اتم بمال نفسه لم يحق له‌

32

[مسألة 55: اذا اعطي من الزكاة من سهم سبيل اللّه على ان يصرفها في الحج و كان فيه مصلحة عامة]

(مسألة 55): اذا اعطي من الزكاة من سهم سبيل اللّه على ان يصرفها في الحج و كان فيه مصلحة عامة (1) وجب عليه ذلك و ان اعطي من سهم السادة أو من الزكاة من سهم الفقراء و اشترط عليه ان يصرفه في سبيل الحج لم يصح الشرط (2) فلا يجب عليه الحج.

[مسألة 56: اذا بذل له مال فحج به ثم انكشف انه كان مغصوبا لم يجزئه عن حجة الإسلام]

(مسألة 56): اذا بذل له مال فحج به ثم انكشف انه كان مغصوبا لم يجزئه عن حجة الإسلام (3)

____________

المطالبة عن الباذل ببدله، اذ لا مبرر لضمانه بعد ما لم يكن الاتمام باذنه و أمره.

و بكلمة: لو قلنا بعدم جواز رجوع الباذل عن بذله بعد الإحرام فمعناه أن المبذول له مأمور بالاتمام، كما أنه كان مأمورا بالاحرام، لمكان استقرار استطاعته البذلية بعد الاحرام، و إن قلنا بجواز رجوعه عن بذله بعد الإحرام كما هو المفروض، فمعناه أنه لا يجوز للمبذول له التصرف في المال المبذول بعد العدول، بل يجب عليه أن يرد ما بقى منه عنده الى الباذل، و أما اتمام الحج، فان كان المبذول له متمكنا منه وجب عليه ذلك، و الّا فلا.

(1) هذا مبني على أنه يعتبر في صرف سهم سبيل اللّه في مورد أن تكون فيه مصلحة عامة، و لكن ذكرنا أن عنوان سبيل اللّه يصدق على كل عمل قربي و إن لم تكن فيه مصلحة عامة، و على هذا فلا مانع من صرف هذا السهم في الحج باعتبار أنه عمل قربي و إن لم يكن فيه مصلحة عامّة.

(2) هذا من جهة أن ولاية المالك على الخمس و الزكاة لم تثبت الّا من زاوية خاصة، و هي ولايته على التقسيم، و تعيين الخمس او الزكاة في حصة خاصة و دفعها الى الحاكم الشرعي او إلى المستحق باذن منه أو بدون اذن على الخلاف في المسألة، و لا ولاية له على تعيين المصرف له و إلزام المستحق بالصرف فيه، و قد فصلنا الحديث من هذه الناحية في بابي الخمس و الزكاة.

(3) في اطلاقه اشكال، و لا يبعد الإجزاء اذا كان المبذول له غافلا عن كون‌

33

و للمالك ان يرجع الى الباذل أو الى المبذول له، لكنه اذا رجع الى المبذول له رجع هو الى الباذل ان كان جاهلا بالحال و إلا فليس له الرجوع.

[مسألة 57: إذا حج لنفسه او عن غيره تبرعا او باجارة لم يكفه عن حجة الإسلام]

(مسألة 57): إذا حج لنفسه او عن غيره تبرعا او باجارة لم يكفه عن حجة الإسلام (1) فيجب عليه الحج اذا استطاع بعد ذلك.

[مسألة 58: إذا اعتقد انه غير مستطيع فحج ندبا قاصدا امتثال الأمر الفعلي ثم بان أنه كان مستطيعا]

(مسألة 58): إذا اعتقد انه غير مستطيع فحج ندبا قاصدا امتثال الأمر الفعلي ثم بان أنه كان مستطيعا أجزأه ذلك (2)، و لا يجب عليه الحج ثانيا.

____________

المال المبذول مغصوبا أو جاهلا به مركبا، اذ على ذلك بما أن تصرف المبذول له في المال المبذول في الانفاق على سفر الحج جائز واقعا، فهو مستطيع، لما مر من أنه لا يعتبر في الامكانية المالية التي هي العنصر الأول من الاستطاعة أن تكون بالملك، بل يكفي أن تكون بإباحة التصرف و جوازه، فاذا كان لدى شخص مال يفي بنفقات سفر الحج، و كان مجازا في التصرف فيه واقعا فهو مستطيع، اي عنده الامكانية المالية للإنفاق على سفر الحج، و من الواضح ان من كانت عنده هذه الامكانية المالية يجب عليه الحج، و لكن مع ذلك اذا انتبه بالحال و تمكن من الاعادة فالاحتياط بها لا يترك.

(1) اما الأول فبما أن حجه لنفسه كان متسكعا، فهو لا يجزي عن حجة الإسلام التي هي عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع، و لا يكون مصداقا لها، و أما الثاني، و هو حجّه عن غيره تبرعا أو باجارة، فالمعروف و المشهور بين الأصحاب عدم اجزائه عن حجة الإسلام، و لكنه لا يخلو عن اشكال، و مع هذا فالاحتياط بالاتيان بحجة الإسلام اذا استطاع لا يترك. و قد تعرضنا لتفصيل ذلك في المسألة (56) من (فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة) فراجع.

(2) في الاجزاء اشكال، بل منع، لما مر من أن المعتبر في صحة حجة‌

34

[مسألة 59: لا يشترط اذن الرجوع للزوجة في الحج اذا كانت مستطيعة]

(مسألة 59): لا يشترط اذن الرجوع للزوجة في الحج اذا كانت مستطيعة، كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن الحج الواجب عليها. نعم، يجوز له منعها من الخروج في اول الوقت مع سعة الوقت، و المطلقة الرجعية كالزوجة ما دامت في العدة.

[مسألة 60: لا يشترط في وجوب الحج على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها]

(مسألة 60): لا يشترط في وجوب الحج على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها و مع عدم الأمن لزمها استصحاب محرم لها و لو بأجرة إذا تمكنت من ذلك، و إلا لم يجب الحج عليها.

____________

الإسلام أن يحج باسمها الخاص المميز لها شرعا، سواء أ كانت تمتعا أم انفرادا، و أما إذا حج الانسان باسم الحج المستحب استحبابا عاما، فلا يكون مصداقا لحجة الإسلام، لأنه مباين لها عنوانا. و مجرد الاتيان به بداعي أمره الفعلي و لكن بتخيل أنه أمر استحبابي لا يجدي في المقام، لأن التخلف في الداعي او الاشتباه في التطبيق لا يتصور في المقام، باعتبار أن الحج الاستحبابي مباين لحجة الإسلام، و لا ينطبق أحدهما على الآخر في الخارج لكي يتصور الاشتباه في التطبيق بينهما، أو التخلف في الداعي، فاذا صلى المكلف بعد الفجر ركعتين باسم نافلة الصبح بداعي الأمر الاستحبابي القربى، ثم تبين أنه صلى نافلة الصبح لم تقع مصداقا لفريضة الصبح، من باب الاشتباه في التطبيق، لأن فريضة الصبح مباينة لنافلته، و لا تنطبق إحداهما على الأخرى في الخارج، حتى يتصور بينهما الاشتباه في التطبيق، أو التخلف في الداعي، لأن كل الصلوات التي لها اسم خاص مميز لها شرعا، فاذا أراد أن يصلي إحداها، فعليه أن يقصد ذلك الاسم الخاص لها، سواء أ كانت فريدة في نوعها و لم تكن لها شريكة في العدد و الكم كصلاة المغرب و صلاة الجمعة، أو كانت هناك صلاة أخرى مماثلة لها كصلاة الفجر التي تماثلها تماما نافلة الفجر، فان هذا القصد واجب بنفسه سواء أ كان‌

35

[مسألة 61: إذا نذر ان يزور الحسين (عليه السّلام) في كل يوم عرفة- مثلا و استطاع بعد ذلك]

(مسألة 61): إذا نذر ان يزور الحسين (عليه السّلام) في كل يوم عرفة- مثلا- و استطاع بعد ذلك وجب عليه الحج و انحلّ نذره (1)، و كذلك كل نذر يزاحم الحج.

____________

يحصل الاشتباه بدون هذا القصد أو لا. و على هذا الأساس فاذا صلى صلاة ركعتين فان قصد بها الاسم الخاص لها كفريضة الصبح وقعت مصداقا لها و صحت، و إن قصد بها نافلة الصبح وقعت مصداقا لها، و إن لم يقصد بها الأول و لا الثاني، لم تنطبق عليها فريضة الصبح و لا نافلته، و حينئذ فان قصد بها استحبابها العام بداعي القربة الى اللّه تعالى، باعتبار أن الصلاة ركعتين مستحبة استحبابا عاما في الشريعة المقدسة، وقعت مستحبة، و الّا بطلت. و من هنا فصحة صلاة الصبح منوطة بأن يصليها باسمها الخاص المميز لها شرعا، و الّا لم تقع مصداقا لها، و كذلك الحال في حجة الإسلام.

فالنتيجة ان الاشتباه في التطبيق أو التخلف في الداعي لا يتصور فيما إذا كان المأتي به مباينا للمأمور به خارجا و لم يمكن انطباقه عليه، فانه انما يتصور اذا امكن انطباقه عليه.

(1) فيه اشكال، بل منع، لأن ملاك تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر ليس من جهة أن وجوب الحج يؤدي الى مرجوحية متعلق النذر، فاذا صار مرجوحا انحل بانحلال موضوعه، و ذلك لأن وجوبه لا يوجب انقلاب متعلقه و جعله مرجوحا بعد ما كان راجحا، لأن متعلقه انما يصير مرجوحا اذا كان مصداقا لترك الحج، و المفروض أنه ليس مصداقا له، بل هو ملازم لتركه، و من الواضح أن قبح أحد المتلازمين لا يسري الى الملازم الآخر، فاذن يبقى متعلق النذر راجحا في نفسه و إن كان ملازما لترك واجب، هذا. اضافة الى أن ترك الواجب كترك الحج ليس بقبيح ذاتا، و انما يكون قبيحا بالعرض و المجاز، مثلا زيارة الحسين (عليه السّلام) يوم عرفة راجحة في نفسها، فاذا نذرها‌

36

[مسألة 62: يجب على المستطيع الحج بنفسه إذا كان متمكنا من ذلك]

(مسألة 62): يجب على المستطيع الحج بنفسه إذا كان متمكنا من ذلك، و لا يجزئ عنه حج غيره تبرعا او باجارة.

[مسألة 63: اذا استقر عليه الحج و لم يتمكن من الحج بنفسه لمرض أو حصر أو هرم]

(مسألة 63): اذا استقر عليه الحج و لم يتمكن من الحج بنفسه لمرض أو حصر أو هرم، أو كان ذلك حرجا عليه و لم يرج تمكنه من الحج بعد ذلك من دون حرج وجبت عليه الاستنابة، و كذلك من كان موسرا و لم يتمكن من المباشرة، أو كانت حرجية و وجوب الاستنابة كوجوب الحج فوري.

____________

شخص انعقد، سواء أ كان مستطيعا، أم استطاع بعد ذلك، باعتبار أن صحة النذر منوطة بكون متعلقه راجحا في نفسه، فاذن ليس ملاك التقديم أن وجوب الحج رافع لرجحانه.

فلنا دعويان:

الدعوى الأولى: ان ملاك تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر ليس كون وجوب الحج رافعا لرجحان متعلقه.

الدعوى الثانية: ان ملاك تقديمه عليه أمر آخر.

أما الدعوى الأولى: فقد عرفتها.

و أما الدعوى الثانية: فلأن وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو الشرط في نفسه لا يصلح أن يزاحم وجوب الحج، و ذلك لأن المستفاد من أدلة وجوب الوفاء به التي جاء بهذا اللسان «ان شرط اللّه قبل شرطكم» أن وجوبه مقيد بعدم وجود شرط اللّه و حكمه في المرتبة السابقة، و مع وجوده فيها فلا وجوب له، و نتيجة ذلك ان وجود حكم اللّه كوجوب الحج- مثلا- في المرتبة السابقة مانع عن وجوب الوفاء به و رافع له بارتفاع موضوعه، و هو تقيده بعدم وجود حكم اللّه في المرتبة المتقدمة، و مع وجوده في تلك المرتبة يرتفع موضوعه،

37

[مسألة 64: اذا حج النائب عمن لم يتمكن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر]

(مسألة 64): اذا حج النائب عمن لم يتمكن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر اجزأه حج النائب و ان كان الحج مستقرا عليه، و اما إذا اتفق ارتفاع العذر قبل الموت فالأحوط ان يحج هو بنفسه عند التمكن (1) و اذا كان قد ارتفع العذر بعد ان احرم النائب وجب على المنوب عنه الحج مباشرة و لا يجب على النائب اتمام عمله.

[مسألة 65: إذا لم يتمكن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب]

(مسألة 65): إذا لم يتمكن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب، و لكن يجب القضاء عنه بعد موته ان كان الحج مستقرا عليه، و إلا لم يجب، و لو امكنه الاستنابة و لم يستنب حتى مات وجب القضاء عنه.

[مسألة 66: اذا وجبت الاستنابة و لم يستنب و لكن تبرع متبرع عنه لم يجزئه ذلك]

(مسألة 66): اذا وجبت الاستنابة و لم يستنب و لكن تبرع متبرع عنه لم يجزئه ذلك (2)، و وجبت عليه الاستنابة.

[مسألة 67: يكفي في الاستنابة: الاستنابة من الميقات]

(مسألة 67): يكفي في الاستنابة: الاستنابة من الميقات، و لا تجب الاستنابة من البلد (3).

____________

و بارتفاعه يرتفع الحكم قهرا، و مزيد التفصيل في ذلك، في المسألة (32) من (فصل: شرائط وجوب حجة الإسلام) الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) بل الأقوى ذلك، لأن ارتفاع العذر عنه و استعادة قوته و نشاطه بالتمكن من القيام المباشر بالحج كاشف عن أن النيابة غير مشروعة في حقه.

(2) في عدم الاجزاء اشكال، و لا يبعد الاجزاء و قد فصلنا الحديث عن ذلك في المسألة (6) من (فصل: في النيابة) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(3) هذا اذا لم يكن الميت قد اوصى بالحج عنه، و أما إذا كان قد أوصى بذلك بدون التقييد بكونه من الميقات، فيجب على الوصي أو الوارث أن يحج عنه من البلد مباشرة أو استنابة، و إن شئت تفصيل ذلك فراجع الجزء الثامن من‌

38

[مسألة 68: من استقر عليه الحج اذا مات بعد الاحرام في الحرم اجزأه عن حجة الإسلام]

(مسألة 68): من استقر عليه الحج اذا مات بعد الاحرام في الحرم اجزأه عن حجة الإسلام، سواء في ذلك حج التمتع و القران و الافراد، و اذا كان موته في اثناء عمرة التمتع اجزأ عن حجه أيضا و لا يجب القضاء عنه، و ان مات قبل ذلك وجب القضاء حتى اذا كان موته بعد الاحرام و قبل دخول الحرم أو بعد الدخول في الحرم بدون احرام و الظاهر اختصاص الحكم بحجة الإسلام فلا يجري في الحج الواجب بالنذر أو الافساد، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضا، فلا يحكم بالاجزاء في شي‌ء من ذلك، و من مات بعد الاحرام مع عدم استقرار الحج عليه فان كان موته بعد دخوله الحرم فلا اشكال في اجزائه عن حجة الإسلام و أما إذا كان قبل ذلك فالظاهر وجوب القضاء عنه (1) أيضا.

____________

كتابنا (تعاليق مبسوطة) في المسألة (88) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام).

(1) في الوجوب اشكال بل منع، لأن موته في سنة الاستطاعة كاشف عن عدم وجوب الحج عليه من الأول، حيث إن مقتضى القاعدة عدم الوجوب حتى اذا كان موته في اثناء العمرة، بل اثناء الحج. و أما الروايات الواردة في المسألة التي تنص على أن من خرج حاجا و مات في الطريق، فان كان بعد الاحرام و دخول الحرم اجزأ عنه حجة الإسلام، و إن كان قبل الإحرام فليقض عنه وليه حجة الإسلام، فلا إطلاق لها، لأنها في مقام بيان حكم من مات في الطريق الى الحج، أما كونه في سنة الاستطاعة أو بعد استقرار الحج عليه فلا نظر لها من هذه الناحية، فاذن يكون القدر المتيقن منها من استقر عليه الحج، بل في نفس هذه الروايات قرائن على أن موردها من استقر عليه الحج.

(منها) قوله (عليه السّلام): «أجزأ عنه حجة الإسلام» (1)، فانه يدل على أن ذمته‌

____________

(1) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 2.

39

[مسألة 69: إذا اسلم الكافر المستطيع وجب عليه الحج]

(مسألة 69): إذا اسلم الكافر المستطيع وجب عليه الحج (1)، و أما لو زالت استطاعته ثم اسلم لم يجب عليه.

[مسألة 70: المرتد يجب عليه الحج لكن لا يصح منه حال ارتداده]

(مسألة 70): المرتد يجب عليه الحج لكن لا يصح منه حال ارتداده (2)، فان تاب صح منه و ان كان مرتدا فطريا على الأقوى.

____________

مشغولة بحجة الإسلام، و الّا فلا موضوع للاجزاء، فان معنى الإجزاء هو سقوط الحجة عن ذمته، و الفرض أنه لا شي‌ء في ذمته حتى يسقط.

و (منها) قوله (عليه السّلام): «فليقض عنه وليه حجة الإسلام» (1)، فانه يدل على اشتغال ذمته بحجة الإسلام، و الّا فلا معنى للقضاء عنها، لأن معنى القضاء هو أن ما يقضى عوض و بديل عما فات عنه، و المفروض انه لم يفت منه شي‌ء حتى يكون ذلك بديلا عنه.

و (منها) قوله (عليه السّلام) في صحيحة بريد العجلي: «جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجة الإسلام» (2)، فانه يدل بوضوح على ثبوت حجة الإسلام في ذمته، و الّا فلا معنى لصرف الأموال المذكورة فيها، بل هي للورثة، فالنتيجة ان في هذه الروايات قرائن تدل على اختصاص موردها بمن استقر عليه حجة الإسلام، و لا تعم غيره.

(1) بل وجب عليه مطلقا بناء على ما قويناه من أن الكفار مكلفون بالفروع.

(2) لكن لا يبعد الصحة، بناء على ما ذكرناه من المناقشة في شرطية الإسلام في صحة العبادة، و قد حققنا ذلك بصورة موسعة في (فصل: في شرائط صحة الصوم) في الجزء الخامس من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

____________

(1) الوسائل، باب 26 من ابواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه، الحديث: 2.

40

[مسألة 71: اذا حج المخالف ثم استبصر لا تجب عليه اعادة الحج اذا كان ما أتى به صحيحا في مذهبه]

(مسألة 71): اذا حج المخالف ثم استبصر لا تجب عليه اعادة الحج اذا كان ما أتى به صحيحا في مذهبه (1) و ان لم يكن صحيحا في مذهبنا.

[مسألة 72: اذا وجب الحج، و اهمل المكلف في ادائه حتى زالت الاستطاعة وجب الاتيان به باي وجه تمكن]

(مسألة 72): اذا وجب الحج، و اهمل المكلف في ادائه حتى زالت الاستطاعة وجب الاتيان به باي وجه تمكن و لو متسكعا، ما لم يبلغ حد العسر و الحرج و إذا مات وجب القضاء من تركته، و يصح التبرع عنه بعد موته من دون اجرة.

____________

(1) بل الأمر كذلك اذا كان صحيحا في مذهبنا أيضا، و إن كان باطلا في مذهبه على تفصيل ذكرناه في المسألة (5) من (فصل: في صلاة القضاء) في الجزء الرابع من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

41

[الوصية بالحج]

الوصية بالحج

[مسألة 73: تجب الوصية على من كانت عليه حجة الإسلام و قرب منه الموت]

(مسألة 73): تجب الوصية (1) على من كانت عليه حجة الإسلام و قرب منه الموت، فان مات تقضى من اصل تركته، و ان لم يوص بذلك (2)، و كذلك ان اوصى بها و لم يقيدها بالثلث، و ان قيدها بالثلث فان و في الثلث بها وجب اخراجها منه، و تقدم على سائر الوصايا، و ان لم يف الثلث بها لزم تتميمه من الاصل.

____________

(1) عقلا شريطة أن يعلم الموصي أو يحتمل أنه لو لم يوص بحجة الإسلام لفاتت منه و لم يقم أحد بالقضاء عنه نيابة أو تبرعا، و أما إذا كان عالما أو واثقا بأن وارثه يقوم بالاستنابة للحج عنه فلا تكون واجبة.

(2) للروايات التي تنص على أن حجة الإسلام تخرج من صلب التركة، سواء أ كان الميت قد أوصى بها أم لا، و قد ورد في بعض الروايات أنها بمنزلة الدين الواجب، بل انها تتقدم عليه في مقام المزاحمة و عدم وفاء التركة للجميع، و نتيجة ذلك ان التركة ان اتسعت لنفقات حجة الإسلام أخرجت منها جميعا و إن لم يوص بها، و إن لم تتسع لها و لو للحد الأدنى من نفقاتها كانت التركة للورثة، و إن أوصى بها، و لا يجب صرفها في مصلحة الميت من وجوه البر و الاحسان، لأن المانع من انتقالها الى الورثة هو الحج بها عن الميت نيابة، فاذا لم يمكن ذلك لقلتها و عدم كفايتها حتى للحد الأدنى من نفقاته، فلا مانع من انتقالها اليهم. نعم اذا كان الميت قد أوصى باخراج حجة الإسلام من ثلثه، و تبرع متبرع بالحج عنه نيابة لم يجز للورثة اهمال الوصية رأسا، بل وجب صرف مقدار نفقة الحج من الثلث في وجوه البر و الإحسان. و السبب فيه ان المستفاد‌

42

[مسألة 74: من مات و عليه حجة الإسلام و كان له عند شخص وديعة]

(مسألة 74): من مات و عليه حجة الإسلام و كان له عند شخص وديعة، و احتمل ان الورثة لا يؤدونها (1) ان ردّ المال اليهم وجب عليه ان يحجّ بها عنه.

____________

من الروايات ان لكل انسان حقا في ثلث ماله بعد موته اذا أوصى به، و عليه فاذا أوصى به ظل في ملكه، فان عين له جهة خاصة وجب على الوصي صرفه فيها، و إن تعذر بسبب أو آخر وجب صرفه في الأقرب اليها فالأقرب، و إن لم يعين له جهة كذلك فالتعيين حينئذ بيد الوصي مع مراعاة الأهم فالأهم، و هذا بخلاف الوصية بحجة الإسلام و تنفيذها من التركة، فانها دين على الميت فيجب على الورثة اخراجها من الأصل، ثم تقسيم الباقي بينهم ميراثا، و الوصية بها تأكيد من هذه الناحية، و عليه فاذا لم يمكن ذلك لعدم وفاء التركة بها، أو برئت ذمة الميت عنها بتبرع متبرع سقطت الوصية بها بسقوط موضوعها لأن الوصية انما هي بحجة الإسلام، و هي إمّا انه لا يمكن الاتيان بها لعدم وفاء التركة بنفقاتها، أو أنها قد سقطت عن ذمة الميت، فعلى كلا التقديرين لا موضوع للوصية، و من هنا لا يحتمل أن ترجع التركة غير الوافية بنفقات الحج الى الورثة في الفرض الأول، كما أنه لا يحتمل استثناء مقدار نفقاتها من التركة لمصلحتهم في الفرض الثاني.

و بكلمة: ان الوصية بحجة الإسلام تختلف عن الوصية بالثلث، فان الوصية بالثلث متعلقة بثلث تركته مباشرة على أساس أن الشارع جعل هذا الحق للميت، و الوصية بحجة الإسلام متعلقة بنفس الحجة مباشرة لا بالمال كذلك، على أساس أن الشارع جعل نفقاتها من الأصل، و عليه فاذا برئت ذمة الميت عنها انتفت الوصية بانتفاء موضوعها، كما أن حكم الشارع باخراج نفقاتها من الأصل ينتفي بانتفاء موضوعه.

(1) الأصل فيه صحيحة بريد العجلي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن رجل استودعني مالا و هلك، و ليس لولده شي‌ء، و لم يحج حجة الإسلام، قال:

43

فاذا زاد المال من أجرة الحج ردّ الزائد إلى الورثة، و لا فرق بين ان يحج الودعي بنفسه، أو يستأجر شخصا آخر. و يلحق بالوديعة كل مال للميت عند شخص بعارية أو اجارة أو غصب او دين او غير ذلك.

____________

حج عنه، و ما فضل أعطهم» (1) و المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ان الرجل الذي في حيازته المال إن كان واثقا بأنه ان أدى المال الى ورثته فهم يقومون بالحج عنه مباشرة، أو بالاستنابة وجب عليه أن يرده اليهم، لأن الصحيحة منصرفة عن هذه الصورة عرفا، و لا تشملها، و إن كان واثقا و مطمئنا بأنه إن أدى المال اليهم أكلوه و لم ينفقوا منه على الحج عن الميت لم يجز أن يرده اليهم، اذ لا ولاية لهم على المال في هذه الصورة، و إن كان شاكا في ذلك و لم يكن واثقا بأنه اذا رد المال اليهم أنهم أكلوه و لم ينفقوا منه على الحج عن الميت، أو أنهم ينفقوا منه عليه، ففي هذه الصورة هل يجب عليه أن يرد المال الى ورثته أو الى الحاكم الشرعي، أو أنه يقوم بنفسه بالتصرف فيه على الحج عنه مباشرة، أو بالنيابة؟

و الجواب: ان مقتضى الصحيحة الوجه الأخير، اذ تخصيصها بخصوص الصورة الثانية بحاجة الى قرينة، فاذن تشمل الصحيحة تلك الصورة أيضا باطلاقها، و تدل على أن ولاية التصرف فيها للرجل الذي في حيازته المال، ثم هل يجب عليه الاستئذان من الورثة أو من الحاكم الشرعي، أو من كليهما معا؟

و الجواب انه لا يجب عليه الاستئذان، لا من الورثة، و لا من الحاكم الشرعي، فان مقتضى اطلاق الصحيحة أنه يقوم بنفسه بالتصرف فيه على الحج بدون الاستئذان من أحد، و إن كان ذلك أولى و أجدر.

فالنتيجة ان مقتضى اطلاق الصحيحة هو أن الشارع منح ولاية التصرف‌

____________

(1) الوسائل: باب 13 من أبواب النيابة في الحج الحديث: 1.

44

[مسألة 75: من مات و عليه حجة الإسلام و كان عليه دين و خمس و زكاة و قصرت التركة]

(مسألة 75): من مات و عليه حجة الإسلام و كان عليه دين و خمس و زكاة و قصرت التركة، فان كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجودا بعينه لزم تقديمهما (1)

____________

في الصورتين الأخيرتين للرجل الذي يكون المال في حيازته، و عليه فكما لا مبرر لرد المال الى الورثة، لا مبرر للاستئذان منهم أيضا.

ثم ان مورد الصحيحة و إن كان العين الخارجية المودعة عند رجل، الّا أنه لا خصوصية لها عرفا، فيشمل الحكم ما إذا كان المال في ذمة رجل، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى، ان مورد الصحيحة ما إذا كانت تركة الميت منحصرة بالمال المودع، و عندئذ فللسائل أن يسأل: ان الحكم هل يختص بمورد الصحيحة فقط، أو يعم ما إذا كانت له تركة غيره أيضا؟

و الجواب: ان الحكم لا يختص بمورد الصحيحة، لأن هذا التخصيص انما هو في مورد سؤال السائل، لا في جواب الإمام (عليه السّلام)، هذا. اضافة الى أن العرف لا يرى خصوصية لكون تركة الميت منحصرة بالمال المذكور، أو كانت له تركة أخرى، فان المعيار في جواز التصرف من الرجل الذي في حيازته المال، أو في ذمته على الحج عن الميت انما هو بعدم وثوقه بأنه اذا ردّ المال الى الورثة فهم لم يأكلوه و انفقوا منه على الحج عن الميت.

(1) في التعبير بالتقديم نوع من التسامح، حيث إن الموهم منه ان وجوب اخراج الخمس أو الزكاة من اعيان التركة مزاحم مع وجوب الحج منها، و بما أن الأول أهم من الثاني فيقدم عليه، مع أن الأمر ليس كذلك، لأن الخمس أو الزكاة اذا كان متعلقا بنفس أعيان التركة، فبما أن هذا المقدار من الأعيان كان ملكا للغير فحينئذ لا يبقى موضوع لوجوب الحج، لأن التركة بعد اخراج مال الغير منها لا تفي بنفقات سفر الحج، و المفروض ان الحج انما يخرج من تركة الميت، و مال‌

45

و ان كانا في الذمة يتقدم الحج عليهما، كما يتقدم على الدين (1).

[مسألة 76: من مات و عليه حجة الإسلام لم يجز لورثته التصرف في تركته قبل استئجار الحج]

(مسألة 76): من مات و عليه حجة الإسلام لم يجز لورثته التصرف في تركته قبل استئجار الحج سواء كان مصرف الحج مستغرقا للتركة أم لم يكن مستغرقا على الأحوط (2). نعم اذا كانت التركة واسعة جدا، و التزم الوارث بادائه جاز له التصرف في التركة، كما هو الحال في الدين.

____________

الغير كالخمس او الزكاة او غيرهما ليس من تركته، و كيفما كان فالمقصود واضح، و التسامح انما هو في التعبير.

(1) الأصل فيه صحيحة معاوية، قال: «قلت له رجل يموت و عليه خمسمائة درهم من الزكاة، و عليه حجة الإسلام، و ترك ثلاثمائة درهم، فأوصى بحجة الإسلام، و أن يقضى عنه دين الزكاة، قال: يحج عنه من أقرب ما يكون، و تخرج البقية من الزكاة» (1)، و مثلها صحيحته الأخرى، و موردها و إن كان تقديم الحج على الزكاة إلّا ان العرف بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية لا يرى خصوصية للزكاة الّا باعتبار أنها دين في الذمة، و لهذا عبر عنها في السؤال بالدين، و نتيجة ذلك ان ذمة الميت اذا كانت مشغولة بحجة الإسلام و بالدين معا، و لم تكن تركته وافية بكليهما كذلك وجب تقديم حجة الإسلام على الدين مقتصرا على حجة الإسلام بأقل أجور، و لا فرق في الدين بين أن يكون شرعيا أو عرفيا.

(2) لكن الأظهر جواز التصرف في التركة اذا كانت زائدة على نفقات الحج أو الدين شريطة التزام الوارث بتهيئة الحجة النيابية المطلوبة، و عدم خوف فوتها، و تدل عليه موثقة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السّلام)، قال:

«سألته عن رجل يموت و يترك عيالا، و عليه دين، أ ينفق عليهم من ماله؟ قال: إن‌

____________

(1) الوسائل: باب 21، من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث: 2.

46

[مسألة 77: من مات و عليه حجة الإسلام و لم تكن تركته وافية بمصارفها وجب صرفها في الدين أو الخمس أو الزكاة]

(مسألة 77): من مات و عليه حجة الإسلام و لم تكن تركته وافية بمصارفها وجب صرفها في الدين أو الخمس أو الزكاة ان كان عليه شي‌ء من ذلك و إلا فهي للورثة (1)، و لا يجب عليهم تتميمها من مالهم لاستيجار الحج.

____________

كان يستيقن ان الذي ترك يحيط بجميع دينه، فلا ينفق، و إن لم يكن يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال» (1)، فانها تنص على جواز التصرف في التركة اذا كانت زائدة شريطة التزام الورثة بتهيئة الحجة النيابية المطلوبة عن الميت و لا فرق في ذلك بين أن تكون التركة واسعة جدا، أو لا، فان المعيار في جواز التصرف فيها انما هو بزيادتها على الدين. هذا اضافة الى ان مقدار نفقة الحج أو الدين يظل في ملك الميت، و لا ينتقل الى الورثة، و حيث إن نسبة هذا المقدار الى مجموع التركة نسبة الكلي في المعين لا الاشاعة، فيكون جواز تصرف الورثة في التركة اذا كانت زائدة على القاعدة شريطة ان لا يؤدي تصرفهم فيها الى تفويت الحج أو الدين، و الّا لم يجز، هذا. و تمام الكلام في المسألة (84) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(1) باعتبار أن وجوب الحج عن الميت نيابة، بما أنه مرتبط بوفاء التركة بنفقاته، فاذا لم تتسع للحد الأدنى من نفقاته فبطبيعة الحال سقط وجوب الحج و كانت التركة حينئذ للورثة، فان المانع عن انتقالها اليهم انما هو وجوب الحج عن الميت، فاذا سقط فلا مانع من الانتقال ما لم يوجد دين أو وصية، و لا يجب على الورثة تكميل النفقة من مالهم الخاص و إن كان الأولى و الأجدر لهم التكميل، كما لا يجب عليهم بذل تمام النفقة للحج عن الميت اذا لم تكن له‌

____________

(1) الوسائل: باب 29، من أبواب كتاب الوصايا، الحديث: 2.

47

[مسألة 78: من مات و عليه حجة الإسلام لا يجب الاستيجار عنه من البلد]

(مسألة 78): من مات و عليه حجة الإسلام لا يجب الاستيجار عنه من البلد، بل يكفي الاستيجار عنه من الميقات (1)، بل من أقرب المواقيت الى مكة ان امكن و الا فمن الأقرب فالأقرب، و الأحوط الأولى الاستيجار من البلد إذا وسع المال، لكن الزائد عن اجرة الميقات لا يحسب على الصغار من الورثة.

[مسألة 79: من مات و عليه حجة الإسلام تجب المبادرة إلى الاستيجار عنه في سنة موته]

(مسألة 79): من مات و عليه حجة الإسلام تجب المبادرة إلى الاستيجار عنه في سنة موته، فلو لم يمكن الاستيجار في تلك السنة من الميقات لزم الاستيجار من البلد، و يخرج بدل الايجار من الأصل (2)، و لا يجوز التأخير إلى السنة القادمة، و لو مع العلم بامكان الاستيجار فيها من الميقات.

____________

تركة اطلاقا، و لا فرق في ذلك بين ما اذا أوصى بأن يحج عنه، أو لم يوص بذلك.

(1) هذا اذا لم يكن الميت قد اوصى بأن يحج عنه من تركته، فانه في هذه الحالة لا يستحق الّا حجة ميقاتية التي تكون أقل كلفة و نفقة من الحجة البلدية، باعتبار أنها لا تكلف النائب السفر الّا من الميقات، و أما الحجة البلدية فهي تكلف النائب السفر من البلد الذي كان المنوب عنه يعيش فيه، و أما إذا كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه من تركته فيكون الموصى به الحجة البلدية، و تخرج من نفقاتها من التركة جميعا، و تفصيل ذلك ذكرناه في المسألة (88) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(2) أما في صورة الوصية فقد مر أن الموصى به الحجة البلدية، و تخرج نفقاتها جميعا من الأصل، و أما في صورة عدم الوصية فيكون الواجب الحجة الميقاتية، و لكن اذا تعذر الاستيجار للحج عن الميت من الميقات وجب على‌

48

[مسألة 80: من مات و عليه حجة الإسلام إذا لم يوجد من يستأجر عنه إلا باكثر من اجرة المثل يجب الاستيجار عنه]

(مسألة 80): من مات و عليه حجة الإسلام إذا لم يوجد من يستأجر عنه إلا باكثر من اجرة المثل يجب الاستيجار عنه، و يخرج من الأصل، و لا يجوز التأخير إلى السنة القادمة توفيرا على الورثة و ان كان فيهم الصغار.

____________

الورثة الاستيجار للحج عنه من البلد، و ذلك لأن احتمال تأخير الحجة الى السنين القادمة الى أن يتمكن من الاستيجار من الميقات يكون بلا مبرر، اذ لازم ذلك عدم وجوب الاستيجار للحج عنه اذا فرض عدم التمكن من الاستيجار عن الميقات بسبب من الأسباب أو في ظرف من الظروف غير الاعتيادية، و هذا غير محتمل، كما ان من غير المحتمل أن يكون انفاق الزائد على الأجور الميقاتية من الثلث، فان نتيجة ذلك تعطيل الحجة الى ان يتمكن الورثة من الاستيجار عن الميقات اذا لم يكن للميت ثلث، كما إذا لم يوص به.

و بكلمة: ان ذمة الميت اذا كانت مشغولة بحجة الإسلام كان له الحق شرعا في التركة بمقدار نفقاتها، و حينئذ فان أمكن الايجار من الميقات كفى ذلك، و تبرأ ذمته بحج الأجير منه، و لا يجب الايجار من البلد، بل لو آجر منه و الحال هذه يدفع الزائد من الثلث اذا كان له ثلث، و الّا فالمستأجر ضامن له، و أما اذا لم يمكن الايجار من الميقات بسبب او آخر، فلا يكون ذلك مبررا للتأجيل، بل يجب على الوارث الايجار من البلد، و دفع الأجرة جميعا من التركة، لأن حق الميت في تركته الذي جعله الشارع لا يكون متمثلا في كمية خاصة من المال المحددة التي لا تزيد و لا تنقص، بل هو بمقدار ما يحج به عنه لتفريغ ذمته، و هذا يختلف زيادة و نقيصة باختلاف الأوقات و الظروف، و الحالات الطارئة، و عليه فان امكن الايجار من الميقات كان حقه متمثلا في أجرة الحجة الميقاتية، و لا حق له في الزائد، و إن لم يمكن الايجار من الميقات وجب الايجار من البلد، و حينئذ يكون حقه متمثلا في اجور الحجة البلدية، و لا يجوز التأجيل تبريرا ذلك بعدم امكان الايجار من الميقات، و من هذا القبيل ما اذا اقترح الأجير اجرة‌

49

[مسألة 81: من مات و اقرّ بعض ورثته بأن عليه حجة الإسلام، و أنكره الآخرون]

(مسألة 81): من مات و اقرّ بعض ورثته بان عليه حجة الإسلام، و أنكره الآخرون فالظاهر انه يجب على المقرّ الاستيجار للحج و لو بدفع تمام مصرف الحج من حصته (1)، غاية الأمر أن له اقامة الدعوى على المنكرين و مطالبتهم بحصته من بقية التركة و يجرى هذا الحكم في الاقرار بالدين أيضا. نعم، اذا لم يف تمام حصته بمصرف الحج لم يجب عليه الاستيجار بتتميمه من ماله الشخصى.

[مسألة 82: من مات و عليه حجة الإسلام و تبرع متبرع عنه بالحج]

(مسألة 82): من مات و عليه حجة الإسلام و تبرع متبرع عنه بالحج لم يجب على الورثة الاستيجار عنه بل يرجع بدل الاستيجار إلى الورثة (2). نعم، إذا اوصى الميت باخراج حجة الإسلام من ثلثه لم يرجع بدله الى الورثة، بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدق به عنه.

____________

اكبر من الاجرة الاعتيادية التي هي المقررة عادة و لم يوجد من يقبل باجرة اعتيادية، فان الواجب حينئذ تلبية اقتراحه، و دفع الاجرة الاكبر جميعا من التركة، و لا يجوز أن يجعل ذلك مبررا للتأجيل. فالنتيجة ان الشارع جعل للميت حقا في تركته بمقدار ما يوجب براءة ذمته عن الحجة، و هذا المقدار طبعا يختلف باختلاف الظروف و الأوقات و الأشخاص.

(1) في وجوب ذلك اشكال، بل منع، اذ ليس على المقر أن يسدّد كل نفقات الحج من حصته الخاصة به لان الواجب عليه أن يسدّد ما يخصّ حصته، فاذا كانت نفقة الحج بقدر ربع التركة، فليس عليه الّا أن يدفع ربع ما عنده من التركة، و حينئذ فان اتفق وجود متبرع بسائر النفقة أدى المقر ربع ما عنده و الّا تصرف في كامل حصته، و لا شي‌ء عليه، و تفصيل ذلك بيّناه في المسألة (85) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(2) هذا من جهة أن المانع عن انتقال مقدار نفقة الحج الى الورثة، و بقاؤه‌

50

[مسألة 83: من مات و عليه حجة الإسلام و أوصى بالاستيجار من البلد وجب ذلك]

(مسألة 83): من مات و عليه حجة الإسلام و اوصى بالاستيجار من البلد وجب ذلك، و لكن الزائد على اجرة الميقات يخرج من الثلث (1)، و لو اوصى بالحج و لم يعين شيئا اكتفى بالاستيجار من الميقات، إلا اذا كانت هناك قرينة على ارادة الاستيجار من البلد، كما إذا عين مقدارا يناسب الحج البلدي.

[مسألة 84 اذا اوصى بالحج البلدي، و لكن الوصي او الوارث استأجر من الميقات بطلت الاجارة]

(مسألة 84): اذا اوصى بالحج البلدي، و لكن الوصي او الوارث استأجر من الميقات بطلت الاجارة (2)، ان كانت الاجارة من مال الميت، و لكن ذمة الميت تفرغ من الحج بعمل الأجير.

____________

في ملك الميت انما هو اشتغال ذمة الميت بحجة الإسلام، و توقفها على المال، و أما اذا برئت ذمته عنها بتبرع متبرع بالحج عنه، فلا مقتضي لبقاء مقدار نفقته في ملك الميت، بل ينتقل الى ملك الورثة، لأن المقتضي للانتقال موجود، و لا مانع منه، و هذا بخلاف الثلث، فانه يظل ثابتا في ملك الميت و إن تعذر صرفه في الجهة التي عيّنها الموصي، و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الوصية بالثلث تعدد المطلوب، بمعنى أنها تدل عرفا على أن غرض الموصي صرفه فيما يصل نفعه اليه مع مراعاة الأهم فالأهم، فاذا تعذر صرفه في الجهة التي عينها وجب صرفه في الجهة الأخرى دونها من جهات البر و الاحسان.

(1) بل من الأصل، لما مر من أن الميت اذا كان قد أوصى بالحج بدون تقييده من الميقات كان الظاهر من ذلك أن الموصى به الحجة البلدية، و تخرج نفقاتها جميعا من التركة، و تفصيل ذلك في المسألة (88) من (فصل: في شرائط وجوب حجة الإسلام) في الجزء الثامن من كتابنا (تعاليق مبسوطة).

(2) هذا مبني على أن معنى الوصية بالحجة البلدية الوصية بالاجارة على المقدمات و الأعمال معا، فعندئذ إذا أوقع الوارث او الوصي الاجارة على‌

51

[مسألة 85: إذا أوصى بالحج البلدي من غير بلده]

(مسألة 85): اذا اوصى بالحج البلدي من غير بلده، كما إذا اوصى ان يستأجر من النجف- مثلا- وجب العمل بها و يخرج الزائد عن اجرة الميقاتية من الثلث (1).

[مسألة 86: إذا أوصى بالاستيجار عنه لحجة الإسلام و عيّن الأجرة لزم العمل بها]

(مسألة 86): إذا اوصى بالاستيجار عنه لحجة الإسلام و عيّن الاجرة لزم العمل بها، و تخرج من الأصل ان لم تزد على اجرة المثل، و إلا كان الزائد من الثلث (2).

____________

الأعمال فقط بدون ضم المقدمات اليها بطلت، لان الاجارة التي وقعت على نفس أعمال الحج ليست موردا للوصية، و ما هو مورد لها و هو الاجارة على الأعمال مع مقدماتها لم تقع عليه، و أما إذا كان معنى الوصية بها الوصية بالاجارة على نفس أعمال الحج و واجباته مشروطة بكونها من البلد، فحينئذ اذا أوقع الوصي أو الوارث الاجارة على الحجة الميقاتية صحت الاجارة، و لكنه خالف الوصية و اعتبر آثما.

(1) بل من الأصل، لما مر من أن للميت في زمن حياته حقا في أن يعين أجرة حجه بعد موته في مال معين و استيجار شخص خاص للحج عنه، و كذلك له تعيين بلد الايجار، و اذا عين وجب على الوصي تنفيذه من الأصل شريطة أن يكون له في ذلك غرض عقلائي، كما اذا كان الحج من تلك البلدة أو من ذلك الشخص أكثر ثوابا و أدق تطبيقا، لا أنه مجرد اضرار بالورثة. نعم اذا عين الأجرة في مال معين، فان لم يف بنفقات الحج، وجب تكميله من التركة، و إن زاد عن الأجرة الاعتيادية يحسب الزائد من الثلث على أساس أن الأجرة الاعتيادية تكفي لنفقات الحج.

نعم، إذا اتفق في مورد لم يوجد من يقبل بها، و طالب باجرة اكبر وجب دفع الكل من الأصل، و لا مبرر للتأجيل كما مر.

(2) ظهر وجه ذلك مما مر، من ان الميت اذا كان قد عين مالا معينا لأجور‌

52

[مسألة 87: إذا أوصى بالحج بمال معين و علم الوصي أن المال الموصى به فيه الخمس أو الزكاة]

(مسألة 87): اذا اوصى بالحج بمال معين و علم الوصي ان المال الموصى به فيه الخمس أو الزكاة وجب عليه اخراجه اولا، و صرف الباقي في سبيل الحج، فان لم يف الباقي بمصارفه لزم تتميمه من اصل التركة، ان كان الموصى به حجة الإسلام، و إلا صرف الباقي في وجوه البر (1).

[مسألة 88: إذا وجب الاستيجار للحج عن الميت بوصية أو بغير وصية، و أهمل من يجب عليه الاستيجار فتلف المال]

(مسألة 88): اذا وجب الاستيجار للحج عن الميت بوصية أو بغير وصية، و اهمل من يجب عليه الاستيجار فتلف المال ضمنه (2)، و يجب عليه الاستيجار من ماله.

____________

الحج، فان كان ذلك المال اكثر من الأجرة الاعتيادية اخرج مقدار الأجرة الاعتيادية من الأصل، و اعتبر الزائد من ثلث الباقي، و إن كان بمقدار الأجرة الاعتيادية أخرج الكل من التركة رأسا.

نعم قد لا يوجد من يقبل بالأجرة الاعتيادية حتى بأعلى درجاتها، ففي مثل هذه الحالة لا يعتبر الزائد من الثلث، بل يعتبر من الأصل كالأجرة الاعتيادية، و لكنها حالة استثنائية قد تتفق كما عرفت، نظير ما اذا اقترح الأجير اجرة اكبر من الأجرة الاعتيادية في وقت لا يوجد من يقبل باجرة اعتيادية، فانه لا بد من تلبية اقتراحه، و عدم المبرر للتأجيل، هذا كله من جهة أنه لا بد من تأدية حق الميت، و عدم جواز تأجيله سنة بعد أخرى.

(1) ظهر حكم هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة (82) من أنه اذا تعذر صرف الثلث في الجهة التي عينها الموصي، وجب صرفه في الجهة الأخرى من وجوه البر و الاحسان.

(2) هذا من جهة أن تلف المال بما أنه مستند الى إهماله و تقصيره فيكون ضامنا، فاذن يجب عليه أن يستأجر شخصا للحج عن الميت من ماله عوضا عن المال التالف.

53

[مسألة 89: إذا علم استقرار الحج على الميت، و شك في ادائه وجب القضاء عنه]

(مسألة 89): إذا علم استقرار الحج على الميت، و شك في ادائه وجب القضاء عنه (1)، و يخرج من اصل المال.

[مسألة 90: لا تبرأ ذمة الميت بمجرد الاستيجار]

(مسألة 90): لا تبرأ ذمة الميت بمجرد الاستيجار (2) فلو علم ان الأجير لم يحج لعذر أو بدونه وجب الاستيجار ثانيا، و يخرج من الأصل و ان امكن استرداد الاجرة من الأجير تعين ذلك، اذا كانت الاجرة مال الميت.

[مسألة 91: إذا تعدد الأجراء فالأحوط استيجار أقلهم أجرة]

(مسألة 91): اذا تعدد الأجراء فالأحوط استيجار اقلهم اجرة، إذا كانت الاجارة بمال الميت، و إن كان الأظهر جواز استيجار المناسب لحال الميت من حيث الفضل و الشرف، فيجوز استيجاره بالأزيد (3).

____________

(1) هذا من جهة ان موضوع وجوب القضاء مركب من أمرين:

أحدهما: استقرار الحج في ذمة الميت.

و الآخر: عدم الاتيان به.

و الاول محرز بالوجدان، و الثاني بالاستصحاب، و بضم الوجدان الى الاستصحاب يتم الموضوع، و يترتب عليه حكمه، و هو وجوب القضاء.

(2) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه) لأن مقتضى عقد الايجار ان المستأجر يملك العمل في ذمة الأجير، و الأجير يملك الأجرة في ذمة المستأجر، و أما فراغ ذمة الميت فهو مترتب على قيام الأجير بالعمل في الخارج و اتيانه فيه.

(3) بل يجوز مطلقا حتى اذا كان الأجير أفضل من الميت شأنا و مقاما و علما، و مع ذلك يجوز استيجاره للحج عنه باجرة مناسبة لحال الأجير و مقامه، و إن كانت تلك الأجرة اكبر مما يتطلب شأن الميت و مقامه، و لا يجب استيجار شخص مناسب لشأن الميت و مقامه بأجرة مناسبة.

و النكتة في ذلك أن الأجرة الاعتيادية على درجات تبعا لنوعية الأجير، و هي تخرج من تركة الميت من أعلاها الى أدناها، و حينئذ فيجوز الأخذ بأعلى‌

54

[مسألة 92: العبرة في وجوب الاستيجار من البلد أو الميقات بتقليد الوارث أو اجتهاده، لا بتقليد الميت او اجتهاده]

(مسألة 92): العبرة في وجوب الاستيجار من البلد او الميقات بتقليد الوارث أو اجتهاده، لا بتقليد الميت او اجتهاده (1) فلو كان الميت يعتقد وجوب الحج البلدي و الوارث يعتقد جواز الاستيجار من الميقات لم يلزم على الوارث الاستيجار من البلد.

[مسألة 93: إذا كانت على الميت حجة الإسلام و لم تكن له تركة لم يجب الاستيجار عنه على الوارث]

(مسألة 93): إذا كانت على الميت حجة الإسلام و لم تكن له تركة لم يجب الاستيجار عنه على الوارث. نعم، يستحب ذلك على الولي.

____________

تلك الدرجات و إن كانت اكبر مما تتطلبه شئون الميت و مكانته، كما يجوز الأخذ بادناها و إن كانت أقل مما تتطلبه مكانة الميت و مقامه.

فالنتيجة: انه لا يجب استيجار من يكون بدرجة الميت شأنا و مقاما باجرة مناسبة.

و قد تسأل: ان الوصي اذا استأجر من كان دون الميت مقاما و شأنا بأدنى درجة من الأجرة الاعتيادية، فهل يرجع ما به التفاوت بين أعلى درجة من الأجرة الاعتيادية، و بين أدناها الى الورثة، أو يصرف في وجوه البر و الاحسان؟

و الجواب: انه يرجع الى الورثة لوجود المقتضي للرجوع، و عدم المانع منه، لأن المانع انما هو اشتغال ذمة الميت بالحجة، فاذا فرغت ذمته عنها بالاستيجار بادنى درجة من الأجرة الاعتيادية فلا مانع من رجوع الزائد اليهم.

(1) الأمر كما افاده (قدّس سرّه) الّا في مورد واحد و هو ما اذا كان نظر الميت موافقا للاحتياط و نظر الوارث مخالفا له، و كان مبنيا على الأصل العملي المؤمّن كأصالة البراءة، دون الدليل الاجتهادي، فان في مثل ذلك بما أن الوارث يحتمل مطابقة نظر الميت للواقع، و لم يقم عنده ما يكشف عن بطلانه، فمن أجل ذلك فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يعمل على طبق نظر الميت، هذا بالنسبة إلى الوارث. و أما الوصي فان كان نظره مطابقا لنظر الموصي اجتهادا أو تقليدا فهو‌