بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام

- الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي المزيد...
270 /
5

مقدمة الكتاب

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

أحمدك اللهم يا من انزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا أحمدك اللهم أنزلته نورا و هدى و ضياء و شفاء و جعلته مصدقا لكل وحي أرسلته و مهيمنا على كل كتاب أنزلته و فرقانا بين حلالك و حرامك و فرائضك و سننك و تهدي من اتبعه و يهتدي بهداه من ظلم الجهالة و تخرجه بنوره من مهاوي الخرافة و الضلالة.

و صل اللهم على أشرف أنبيائك و أكرم أحبائك محمد الخطيب به و على آله الأوصياء الخزان له وصل اللهم على ملائكتك المقربين و على أنبيائك و رسلك المكرمين.

يقول أقل الخليقة محمد باقر الملكي لما كان القرآن أكبر الثقلين و أعظم الخليفتين لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو جوامع الكلم و فيه أمهات الأحكام الدينية و أصول الشرائع الإلهية فالرجوع اليه و التفقه فيه فرض على كل من يريد التفقه في الدين و يحاول استنباط الأحكام و الفرائض، الحلال و الحرام و السنن و اني لقصور باعي و ضيق مجالي و ان لم أكن من أهل هذا الشأن الخطير الا ان ما لا يدرك كله لا يجوز أن يترك كله فشرعت في تفسير الآيات المشتملة على الأحكام بالبحث و التدريس و التحقيق فهذه لباب دروس و خلاصة أبحاث ألقيتها الى عدة من إخواني المحصلين و الفضلاء المتفقهين فأحببت أن اجمعها في صحائف كي يكون تذكرة لي في مستقبل دهري و ظننت أن أدعها مهملة يعرض عليها النسيان فيضل سعيي و قد تحريت في توضيح الآيات و تجزيتها بكل جهدي و بذلك في تفسيرها و تحقيقها غاية سعيي و أوردت فيها من الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما لا يجوز للفقيه الاستغناء عنها من تخصيص العمومات و تقييد المطلقات و غيرها و عمدت في تفسير آية أحيانا إلى تفسير جميع ما تحتويه الآية من المعارف و الحقائق غير الأحكام كما سيأتي إنشاء من أبحاث الإمامة و الشفاعة و أتضرع الى الله تعالى و انصب اليه سبحانه مسألتي أن يجعل ذلك دون من سواه و ما سواه و ان يوفقني لإتمامه بالصلاح و السداد. و سميته ببدايع الكلام في تفسير آيات الأحكام.

في شهر رجب المرجب في قم المشرفة سنة 1398.

6

[كتاب الطهارة]

الآية الاولى في الوضوء و الغسل و التيمم

قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (مائدة 6) قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية‌

[الكلام في آية الوضوء]

[هل يتوجه الخطاب إلى الكفار؟ و أنهم مكلفون على الفروع كما هم مكلفون على الأصول كالمؤمنين؟ و بيان الأدلة على ذلك]

استشكل في توجيه الخطاب إلى المؤمنين بأن موضوع الخطاب عندنا أعم من الكفار و المؤمنين و أجاب عنه الفاضل المقداد (قده) و كذا الجزائري (قده) ان توهم الاختصاص بالمؤمنين متوقف على حجية مفهوم الوصف و هو ليس بحجة عندنا و وجه الاختصاص بالمؤمنين انهم المتهيئون للامتثال المنتفعون بالأعمال و قال الجزائري و يمكن أن يكون وجه ذلك كونهم الأشرف و الاجدر بأن يوجه الخطاب إليهم انتهى.

أقول قد نسب إلى الإمامية ان الكفار مكلفون على الفروع كما انهم مكلفون على الأصول خلافا لأبي حنيفة و الظاهر ان مورد البحث هو الأحكام الشرعية التعبدية لا الأصول و لا الأحكام الفرعية العقلية لا مطلقا و في نسبة ذلك الى المشهور نوع خفاء و إبهام فإن الظاهر من كلماتهم كما صرح به الشيخ العلامة الأنصاري في كتاب الطهارة في بحث غسل الجنابة و وجوبه على الكافر بأقسامه ان مرادهم ان الكفار مكلفون بالفروع عقابا لا خطابا توضيحه:

ان استبعاد توجيه الخطاب إليهم مع انهم منكرون للصانع و أصول الآيات و أمهات الشرائع و عدم صحة العبادات منهم مع كفرهم لا ينافي صحة عقابهم و مؤاخذتهم فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار و قد بالغ الشيخ (قده) و أصر في إبطال أدلة القائلين بعدم توجه الخطاب الى الكفار منهم المحقق الكاشاني و المحدث البحراني في الحدائق في البحث عن غسل الجنابة.

و قد استدل للمشهور بآيات منها قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (بقرة 21) و فيه ان مورد الآية الحكم العقلي و الدعوة الى التوحيد و النهي عن الشرك و التذكر أن يتدبروا في أسرار الخليقة و في آيات التدبير العمدي و الربوبية و منها بقوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آل عمران 97) و فيه ان المستدل قد غفل عن ذيل الآية وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و المراد من الكفر كفر الطاعة لا الكفر بالربوبية و منها قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ (نساء 1) و فيه ان الاتقاء و المراقبة التامة بجلاله تعالى و كبريائه فريضة عقلية و منها قوله تعالى وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً (فرقان 68) و فيه ان صدر الآية هكذا وَ الَّذِينَ لٰا يَدْعُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ

7

وَ لٰا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا يَزْنُونَ الآية فإن الشرك و قتل النفس من الكبائر العقلية و منها قوله مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (المدثر 43) و الاستدلال بها متوقف على ان المراد من المصلين هو الصلاة المفروضة و يحتمل ان المراد منها انا لم نك من اتباع السابقين من الأنبياء المقربين و الأئمة الموحدين و اما لو قيل ان المراد في الآية هي الصلاة المكتوبة فالاستدلال بها في غاية الضعف فان جواب أهل سقر انا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ انما قالوا انا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ اي من الفريق الذين نجوا من النار لصلاتهم و صالحات أعمالهم فإن الصلاة من شعار المؤمنين و خصائصهم و كانت عليهم كِتٰاباً مَوْقُوتاً في البرهان عن الكافي مسندا عن أمير المؤمنين (ع) كان إذا حضر الموت يوصي أصحابه بكلمات يقول تعاهدوا الصلاة- (أمر الصلاة نسخه نهج) و حافظوا عليها و استكثروا منها (و تقربوا بها وسائل) فإنها كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً و قد علم ذلك الكفار حين سألوا مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. الحديث و لا يخفى ان مرجع كلا التفسيرين إلى أمر واحد. و منها قوله تعالى فَلٰا صَدَّقَ وَ لٰا صَلّٰى وَ لٰكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى (القيامة 31) و الاستدلال بها متوقف على ان المراد من قوله تعالى- صَلّٰى- هي الصلوات المفروضة و لكن الظاهر بقرينة قوله تعالى وَ لٰكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى اي ما صدق ما يجب تصديقه و لا اتبع دعوة الحق بل كذب و أدبر إليها و تولى و المنقول في شأن نزولها انها نزلت في شأن معاوية و مغيرة به شعبة فحينئذ يخرج عن محل البحث.

و منها قوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ (فصلت 6) أقول: طرح البحث في الآية الكريمة نفيا و إثباتا يحتاج الى بسط من الكلام و سنتعرض إن شاء الله لتفسيره في البحث عن آيات الزكاة. و يحتاج أيضا الى تعيين المراد من لفظ المشركين لشيوع إطلاقه على من اتبع المبدعين كما في قوله تعالى اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ الآية و على المنافقين و على من نصب نفسه اماما من غير اذن الله فأطاعه في ما يأمر و ينهى و غيرها من الموارد.

فالعمدة في إثبات المدعى هو الإجماع و الدليل العقلي بأن يقال انه لا يجوز للكفار الإصرار على الكفر و الإدامة عليه و سلب الصلاحية عن أنفسهم بالتقريب الى الله سبحانه بالعبادات فيجب عليهم بضرورة العقل التوبة من الكفر و الايمان بالله المعروف بالفطرة و الظاهر أناته و المتجلي بخلقه لخلقه فيحصل لهم الصلاحية لتوجيه الخطاب إليهم فعلى هذا يصح ان يقال لا مانع من شمول الخطابات عقابا لا خطابا لو قام دليل شرعي أو عقلي على ذلك فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار‌

8

و ليس في البين دليل تعبدي يعتمد عليه فان الوجوه الاعتبارية التي أوردناها في صدر البيان عن كنز الفرقان و غيره في نهاية الضعف و الإجماع لم يتحقق و على فرض تحققه هو إجماع تعبدي مستند إلى الأدلة التي أوردناها في المقام من الآيات و غيرها و اما الآيات التي استدلوا بها على ذلك قد عرفت عدم دلالة بعض منها و عدم ظهور بعض منها.

[هل القيام المذكور في الآية قيام التهيؤ أم قيام الدخول إلى الصلاة؟]

قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ- الآية قالوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة قيام التهيؤ لا قيام الدخول و قد أقيم المسبب مقام السبب و استشكل عليه في كنز العرفان ان تأويل القيام إلى إرادة القيام تحليل عقلي خروج عن اللغة فإن إلى للغاية الزمانية أو المكانية فالأولى تقدير الزمان أي إذا قمتم زمانا ينتهي إلى الصلاة انتهى ملخصا أقول و الاولى ما عليه المشهور صرح به الشيخ (قده) في التبيان و المحقق الأردبيلي و الجزائري في آيات الأحكام و هذا استعمال شائع مثل فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ.

[هل إطلاق الأمر في الغسل حقيقة في الوجوب؟]

قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية الغسل من أوضح المفاهيم العرفية لا يحتاج الى بحث و تدقيق الأكمل و الكامل و الأسبغ و السابغ و لا بأس بالأخذ بإطلاقه أي ما يسمى غسلا من أي مرتبة و أي فرد اختار المكلف.

و إطلاق الأمر بالغسل يدل على الوجوب و اما القول بأن الأمر حقيقة في الوجوب كما صرح به بعض المفسرين فليس في محله و قد ثبت في محله ان الوجوب مستفاد من إطلاق الأمر لا من هيئته.

[هل يجب الوضوء للقيام لكل صلاة؟ أم إذا كان محدثا لا مطلقا؟]

أقول اختلفوا في تفسير الآية فقال بعض من العامة بوجوب الوضوء عند القيام الى كل صلاة أخذا بالإطلاق محدثا كان أو متطهرا و نسبوه الى علي (ع) أيضا و قال بعضهم إذا كان محدثا لا مطلقا و هو قول كثير منهم و الحق في المقام ان مطلقات الكتاب و السنة و عموماتهما لا يجوز الأخذ بهما قبل الفحص عن المخصصات و المقيدات فان العمومات و المطلقات المسوقة لبيان الأحكام الكلية على نحو القضية الحقيقية كلها في معرض التخصيص و التقييد سيما على ما هو المختار عند المحققين من جواز التخصيص و التقييد بالخبر الواحد الواجد شرائط الاعتبار فضلا عن تخصيصها بآيات أخرى في الكتاب فعليه يجب تقييد الآية بما علم من فعله (ص) و بما علم بالضرورة من عدم وجوب الوضوء للصلاة على من كان متطهرا و منه يعلم ما في قضية النسخ فان الواجب ليس هو المطلق كي ينسخ بل الواجب بمعونة المخصصات هو الوضوء على من لم يكن متطهرا فتبين ان القول بوجوب الوضوء‌

9

عند كل صلاة متطهرا كان أو محدثا من دون تبين من البيانات المنفصلة جزاف واضح و الله الهادي.

هل الوجوب في الآية غيري أو نفسي؟

فتلخص في المقام وجوب غسل الوجه و اليدين بمعونة ما ورد في تخصيص الآية و تقييدها على من لم يكن متطهرا و هل هذا الوجوب غيري أو نفسي ظاهر الآية هو الأول و حيث ان هذا الوجوب من ناحية العبادة المشروطة بالوضوء يأتي به المكلف بقصد أمر تلك العبادة كما هو الحال في جميع الاجزاء و الشرائط في كل عبادة مؤتلفة من عدة اجزاء و شرائط فيكفي في تحقق عبادية كل شرط و جزء إتيانهما بقصد أمر تلك العبادة و كذلك أيضا لو كانت من تلك الاجزاء و الشرائط شيئا عباديا من ناحية أمر آخر مثل قراءة القرآن و الأذكار و التسبيحات و السجدة فلا بد أيضا من إتيانها بقصد أمر تلك العبادة لا بقصد الأوامر المتعلقة بها أنفسها ثم لا يخفى انه لا يمكن تحقق العبادية في شي‌ء من الأفعال غير ما كانت عبادة بالذات الا بقصد الأمر و اما الدواعي الأخرى مثل خوفا من ناره و رغبة في جنته و ما فوقها من الغايات فلا يمكن تحقق العبادية بها فان تلك الغايات كلها يقصدها المكلف بعد تحقق العبادية لانحصار الربط و اضافة العبادة إليه تعالى بقصد امتثال امره سبحانه فقط. نعم بعد تحقق العبادية يكون كلها بالنسبة إلى تحقق الإخلاص في العبادة في عرض سواء و ان كان بينها تفاضل بحسب الفاضل و الأفضل فقصد الأمر من بين الدواعي يتحقق به الإخلاص أيضا كما يتحقق به العبادية.

[كيفية غسل الوجه و اليدين في الوضوء و بيان بعض مفردات الآية]

قوله تعالى بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ* قيل الوجه مأخوذ من المواجهة فالآية الكريمة تدل على وجوب غسل ما يواجه به منه قال العلامة المجلسي (قده) قال والدي (قده) بل الأمر بالعكس و المواجهة مشتق من الوجه انتهى ما أردناه فالمتحصل من كلمات المفسرين أن الحد الذي ذكروه في الوجه من قصاص الشعر الى آخر الذقن طولا و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا هو القدر المتيقن من حيث وجوب الغسل و ما زاد على ذلك لم يعلم وجوب غسله سواء قيل انها من الوجه كما عن بعض في الصدغين و الأذنين أو ما بين الأذنين كما عن بعض آخر هذا بحسب مجادلاتهم مع العامة و اما بحسب فقه الإمامية فهو المتعين.

اليد و هو على إطلاقه يشمل من رءوس الأصابع إلى أطراف المنكب و الحد الذي يجب غسله ما نص عليه الآية الكريمة من المرفق الى رءوس الأصابع قال في المرآت: اليد لغة لها معان منها معناها المتعارف اي الكف أو من أطراف الأصابع إلى‌

10

الكف انتهى ما أردناه.

قوله تعالى إِلَى الْمَرٰافِقِ جمع مرفق قال في البحار بكسر اوله و فتح ثالثة أو بالعكس و هو مجمع عظمي الذراع و العضد لأنه يرتفق به في الاتكاء و نحوه انتهى أما القراءة فقراءة الجمهور الى المرافق على ما هو المثبت في المصاحف و اما قراءة أهل البيت (سلام الله عليهم) من المرافق كما في بعض الروايات و الى المرافق كما في بعض آخر أيضا فعلى قراءة من المرافق لا إشكال في دخول المرفق في المغسول و اما على قراءة إلى فحيث انها رأس عظمي العضد و الذراع فشي‌ء منه داخل في الذراع و شي‌ء منه داخل في العضد فقد اختلفوا في وجوب غسله أصالة فذهب جمع ان الى بمعنى مع مثل قوله تعالى مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ آل عمران آية (51). و قوله تعالى وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ (هود 51) و قوله لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ (نساء 2). فعليه يجب غسل المرفق مع اليد ففيه ان الى في الآيات ليس بمعنى مع فما معنى قوله من أنصاري مع الله فهل يتوهم أحد ان عيسى الصديق و هو من أعاظم الموحدين ان يتفوه و يقول من أنصاري غير الله مع الله بل مراده (صلوات الله عليه) من أنصاري في الدعوة الى الله و السلوك الى بابه و العكوف الى حضرته كما قال إبراهيم (عليه السلام) إِنِّي ذٰاهِبٌ إِلىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ و اما الآيتين الأخيرتين فهما أيضا تضمين معنى الإضافة فعليه يكون دخول المرفق في المغسول استنادا الى ظاهر الآية مورد الاشكال قال في كنز العرفان و الحق أنها للغاية و لا يقتضي دخول ما بعدها فيما قبله و لا خروجه لوروده معهما اما الدخول فكقولك حفظت القرآن من أوله الى آخره و منه سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (الاسراء 1) و اما الخروج ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ و فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ و حينئذ لا دلالة له على دخول المرفق انتهى و قال المولى المحقق الأردبيلي (قده) و لا يبعد وجوب غسل المرفق و ان كان غاية و خارجا من باب المقدمة لأنه مفصل و حد مشترك كما ثبت في الأصول انتهى و قال العلامة المجلسي (قده) و مجي‌ء إلى بمعنى مع كما في قوله تعالى يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ و قوله مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ لا ينتفع فنحن انما استفدنا إدخال المرفق في الغسل من قول ائتمنا و قد أطبق جماهير الأمة أيضا على دخوله و لا يخالف فيه الا شرذمة شاذة من الأمة لا يعتد بهم انتهى.

أقول الظاهر ان الشائع في الاستعمال الدخول إذا كان ما بعد الى و ما قبله شيئا واحدا بالحقيقة أو بالاعتبار مثل قرأت القرآن من أوله الى آخره و اغسل بدنك من فرقك الى قدمك و هل الآية الكريمة سيقت ليعلم كيفية الغسل من رءوس الأصابع إلى المرفق أو لبيان حد المغسول الظاهر القطعي هو الثاني بداهة أن طور‌

11

الغسل و كيفيته من سنن العامة البديهية الفطرية عند عامة البشر مستغنى عن التعليم و التعلم و العجب انهم كيف رضوا ان ينسبوها الى شارع الإسلام سيما مع تصريح الرسول و آله (ص) اليه و تذكيرهم به و تعبيرهم كثيرا- بوضوء رسول الله (ص) في بياناتهم و لو كان مراد الشارع التعليم بكيفية الغسل استثناء من سنه الفطرة لوجب الردع ردعا شديدا بعناية أكيدة بالغة.

[في كيفية المسح على الرأس و الرجلين و بيان بعض مفردات الآية]

قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ و في بعض القراءات المنسوبة الى أهل البيت (ع) (عليهم السلام) فامسحوا بالفاء و عن القاموس كما في البحار في سياق معاني الباء «و للتبعيض عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ يُفَجِّرُونَهٰا تَفْجِيراً» «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» انتهى و قال ابن هشام في ترجمة الباء «الحادي عشر للتبعيض اثبت ذلك الأصمعي و الفارسي و القيتبي و ابن مالك قيل و الكوفيون و جعلوا منه عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ و قوله شربن بماء البحر ثم ترفعت و قوله شرب النزيف ببرد ماء الحشرج قيل و منه وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» انتهى. قال في كنز العرفان ص 10 و التحقيق انها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق فكأنه قال الصقوا المسح برؤوسكم و ذلك لا يقتضي للاستيعاب و لا عدمه بخلاف امسحوا رءوسكم فإنه كقوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ انتهى.

و فيه أولا انه لا محصل لالصاق المسح بالرأس و ثانيا ان قوله لا يقتضي الاستيعاب و لا عدمه غير ناهض لإثبات ما يحاول من افادة التبعيض فإن الآية ليست مهملة و لا مجملة بالنسبة إلى إفادة التبعيض و الاستيعاب.

و الذي يمكن في توجيه كلامه (قدس سره) ان الآية الكريمة مسوقة لإفادة تشريع أصل المسح لا في مقام تشريع الاستيعاب أو التبعيض بل الاستيعاب و التبعيض لا بد أن يستفاد من دليل خارج و على فرض عدم الدليل فإطلاق الآية لا يتأبى عن الاستيعاب و التبعيض و هو كما ترى ضرورة انه على فرض سوق الآية في مقام أصل التشريع- للمسح لا يعقل فرض إطلاقها بالنسبة إلى الاستيعاب و التبعيض.

و التحقيق ان يقال ان الآية الكريمة ليست لإفادة تشريع المسح فقط من دون عناية إلى مقدار المسح و كيفيته و ليست ساكتة عن وظيفة العمل بل لا بد ان يقال بالفرق لوجود الباء و عدمه فعلى فرض وجودها ظاهرة في التبعيض و على عدمه في الاستيعاب.

فتحصل مما ذكرنا ان (مسح) لكونه متعديا لا يحتاج في تحقق الإلصاق‌

12

بالممسوح الى الباء فإنه يفيد الإلصاق مستوعبا لجميع الرأس من غير احتياج الى الباء الا ان يقال ان المفعول لامسحوا هو الضمير الذي كناية عن الأيدي و الرؤوس مفعولا ثان لا بد من التعدية إليها من الباء فحينئذ يفيد الباء معنى الإلصاق كما ذكره في كنز العرفان و غيره في غيره و هذا غاية التوجيه بهذا البيان و يتفرع على ما ذكره ان إطلاق رءوسكم يقتضي كفاية المسح عليه في أي جزء منه و كفاية المسح عليه بمقدار ما سيصدق عليه المسح و هكذا من حيث كيفية المسح مبتدئا من الأعلى أو منكوسا و قد ذكرنا في صدر البيان ان هذه الإطلاقات حيث انها في معرض التقيد لا يجوز الأخذ و العمل بها الا بعد الفحص و اليأس عن مقيداتها فيضم إليها المقيدات لو ظفرنا بها و الا فالاطلاقات هي المرجع و الحاكم الفاصل.

قوله تعالى وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فالمنقول عن الكسائي و ابن عامر و حفص عن عاصم بنصب أرجلكم و حمزة و أبو عمر و أبو بكر عن عاصم بجرها فالقائلون بالجر يعطفها على رءوسكم و هم كافة الإمامية. في الوسائل عن الشيخ مسندا عن غالب بن هذيل قال سئلت أبا جعفر (ع) عن قول الله عز و جل وَ امْسَحُوا. وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ على الخفض هي أم على النصب قال بل هي على الخفض و جماعة من العامة الا انهم قالوا بالاستيعاب و ابن عباس و قد قال ان الوضوء غسلتان و مسحتان من باهلني باهلته و انس ابن مالك قال حين سمع قول الحجاج اغسلوا القدمين و خللوا بين الأصابع صدق الله و كذب الحجاج و عكرمة و الشعبي و جماعة من التابعين و اعترف بذلك جماعة من الزيدية القائلون بوجوب الجمع بين الغسل و المسح ان الكتاب ورد بالمسح و السنة بالغسل فوجب الجمع بينهما).

و أما القائلون بالنصب فمنهم من عطف الأرجل على محل الجار و المجرور فان محله نصب على الجار و المجرور و هو أمر شائع قد تلقاه النحاة بالقبول نحو مررت بزيد و عمرا و من القائلين بالنصب من عطف الأرجل على وجوهكم أو على أيديكم كما عن الزجاج أو بإضمار عامل آخر تقديره و اغسلوا أرجلكم كما في قول الشاعر «علفتها تبنا و ماء باردا» و تكلفوا في الجواب عن قراءة الجر و توجيهه بجر الجوار يعني ان الأرجل و ان كان منصوبا باغسلوا لكنه مجرور بمناسبة جوار المجرور مثل عَذٰابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ*.

و قال بعضهم ان الأرجل معطوفة على رءوسكم في تعليم الوضوء الذي فيه المسح على الخفين فلا بد حينئذ من المسح على الخفين لا لبيان تعليم مطلق الوضوء و أعجب ما في المقام ما عن الكشاف قال فان قلت فما نصنع بقراءة الجر و دخول الأرجل في حكم المسح قلت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة تغسل بصب الماء عليها‌

13

فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي فعطفت على الرابع الممسوح لا لتمسح و لكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها فقيل الى الكعبين فجي‌ء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة انتهى.

و به قال البيضاوي بعد ما حكم بوجوب الغسل قال و يؤيده السنة الشائعة و عمل الصحابة و قول أكثر الأئمة و التحديد و المسح لم يحد و جرة على الجوار و نظيره كثير في القرآن و الشعر كقوله تعالى عَذٰابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ* (1) وَ حُورٌ عِينٌ (2) بالجر في قراءة حمزة و الكسائي الى أن قال و للنحاة باب في ذلك و فائدته التنبيه على انه ينبغي ان يقصر في صب الماء عليها و يغسل غسلا يقرب من المسح انتهى ما أردناه.

أقول فاعتبروا يا أولي الألباب كيف عملت العصبية عملها النكير و ليس هذا التلاعب بالقرآن و أحكامه إلا التحفظ الشديد و الدفاع عن سلفهم و ما وقع منهم عن الجهل بكتاب الله و أحكامه و الحال ان القرآن هو المرجع لكل ما قيل و يقال.

أقول و بالله التوفيق اما عطف الأرجل على الوجه قال المحقق الأردبيلي فمعلوم قبحه سيما في القرآن العزيز انتهى. و قال العلامة المجلسي و ما تحمله القائلون في توجيه قراءة النصب من عطف الأرجل على الوجوه يوجب خروج الكلام عن حلية الانتظام لصيرورته بذلك من قبيل قول القائل ضربت زيدا و عمرا و أكرمت حامدا و بكرا بجعل بكرا معطوفا على زيدا بقصد الإعلام أنه مضروب لا مكرم و لا يخفى ان هذا الكلام في غاية الاستهجان عند أهل اللسان فكيف يحتج اليه أو يحمل الآية عليه انتهى.

و أما تكلفوا في توجيه النصب و إيجاب الغسل بإضمار اغسلوا ففيه ان التقدير خلاف الأصل فلا يصار اليه الا عند الاضطرار و عدم المندوحة لا بالتكلف العمدي و قد عرفت ان العطف على الرؤوس واضح و مذهب راجح.

و أما جر الجوار فلا يليق بكرامة القرآن و المجوزون بجر الجوار انما جوزوه بشرطين عدم وجود حرف العطف في الكلام و عدم الالتباس و المقام فاقد لكلا الشرطين كما لا يخفى.

و أما التوجيه ان الآية في مورد الوضوء الذي فيه المسح على الخفين و لتعليمه على الأمة لا لبيان مطلق الوضوء و تعليمه فلا يخفى ما فيه من الوهن و الركاكة فإنه‌

____________

(1) سورة هود آية 26.

(2) سورة الواقعة آية 21.

14

قول بغير علم على الله و لم يثبت عنه (ص) المسح على الخفين قال الصدوق في الفقيه: و لم يعرف للنبي (ص) خف الا خفا أهداه له النجاشي و كان موضع ظهر القدمين منه مشقوقا فمسح النبي على رجليه و عليه خفاه فقال الناس انه (ص) مسح على خفيه على ان الحديث في ذلك غير صحيح الاسناد. قال و روي عنها انها قالت لان امسح على ظهر بقر بالفلاة أحب إلى من أن امسح على خفي و اما ما أوله الزمخشري و البيضاوي ان المراد من المسح الغسل الخفيف أمر الله تعالى به و عبر عنها بالمسح رعاية للاقتصاد و تحذيرا من الإسراف المذموم تأويل ركيك لا يقبل و يرد إلى قائله و اما الشائعة في أعضاء الغسل غاية دون المسح فجي‌ء بالغاية في الأرجل أعلاما بأنه من الأعضاء المغسولة لا يخفى ما فيه من البرودة فإنه أول الكلام و التعليل الذي ذكره غير تام فان الوجه من الأعضاء المغسولة ليس له غاية مثل الرؤوس من الممسوحة و اما تأتي الغسل بقراءة الرفع كما نقل عنهم في كنز العرفان بقطع أرجلكم عن العطف و جعله مبتدأ. اي و أرجلكم مغسولة فلا دليل على هذا الإضمار و لا مجوز شرعا و عقلا.

قوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ- تنقيح البحث في المقام في ضمن مسائل:

المسئلة الاولى: بيان معنى الكعب الوارد في الآية

الكعب في اللغة هو العظم الناشز ظهر القدم و في أقرب الموارد «الكعب: بالفتح: كل ما ارتفع و علا» قال الشيخ الأنصاري (قده) و ادعى في الذكرى كما عن المدارك ان لغوية الخاصة متفقون على ان الكعب هو الناشز ظهرا لقدم الى ان قال و عن نهاية ابن الأثير ان قوما ذهبوا الى أنهما الكعبان اللذان في ظهر القدم و هو مذهب الشيعة و منه قول يحيى بن الحارث: رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم. و عن المصباح انه ذهب الشيعة الى ان الكعب في ظهر القدم و حكى هذه النسبة في مجمع البحرين عن بعض آخر أيضا انتهى و في القاموس قال كل مفصل للعظام و العظم الناشز فوق القدم و الناشز من جانبيها و بالضم الثدي انتهى.

أقول و من العجيب ما في كنز العرفان قال: و الناتيان لا شاهد لهما لغة و لا عرفا و لا شرعا انتهى نعم القول بأن الكعب هو العظم الناشز في آخر القدم ملتقى الساق و القدم هو مذهب العامة إلا الشاذ منهم كما عرفت من القاموس تفسيره الكعب بقوله كل مفصل للعظام الشامل بهذا القول أيضا و قال الراغب في مفرداته: كعب الرجل العظم الذي عند ملتقى القدم و الساق قال وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ انتهى. و لا يخفى ان بناءا على شمول الكعب على العظمين الناشزين من جانبي العقب كما هو‌

15

المستفاد من تفسير القاموس لا يصح أن يكون مرادا في الآية في الكعبين و لو كان المراد في الآية هما الناشزان من جانبي العقب لكان الواجب ان يقال الى الكعاب أو الكعبين من كل رجل من المكلفين فتعين ان يكون المراد هما الناشزان ظهر القدم أو المفصل بين الساق و القدم الظاهر هو الأول لما عرفت من تصريح اللغويين من الخاصة بحيث لم ينقل منهم خلاف في المقام و اما بناء على تفسير القاموس الشامل لكلا الموضعين فكذلك أيضا لتحقق الامتثال بالكعب الأول و توقف الامتثال على المسح الى الكعب الثاني و إلغاء الكعب الأول محتاج إلى عناية زائدة في المقام و اما ما ينسب إلى العلامة الحلي (قده) من المخالفة قال الشيخ (قده) ما حاصله ان التشنيع على العلامة ممن تأخر عنه انه خالف الإجماع في هذه المسألة ليس في محله ثم أخذ في شرح كلمات العلامة و عدم صحة نسبة المخالفة اليه على نحو الكلية و اما ما ذكره الراغب فإنما هو تفسير على مذهبه و قد ناقض ذيل كلامه مع أوله فتلخص مما ذكرنا ان الكعب هما العظمان الناشزان فوق القدم كما ذهب اليه المعظم من الفقهاء (قدس الله أسرارهم).

المسألة الثانية: أن الى في قوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ هل هي لبيان حد الممسوح أو لبيان حد المسح و بيان طوره؟

فالإنصاف ان الآية غير ظاهر في شي‌ء منهما بخصوصه و لا يقاس ذلك بما أسلفناه في تفسير قوله تعالى إِلَى الْمَرٰافِقِ فإن سنة الغسل سنة ضرورية بديهية عند كل أحد فلا يجوز حمل الآية على تعليم الغسل بخلاف المقام فليس للمسح طور متعين عادي فطري عند الناس فلو كانت الآية في مقام بيان حد الممسوح من الرجلين فيجوز الأخذ بإطلاق الآية من حيث طور المسح فيجوز المسح من رءوس الأصابع إلى الكعبين و بالعكس أيضا و لو قلنا ان الآية لبيان المسح فيتعين المسح من رءوس الأصابع إلى الكعبين الا ان الظاهر بحسب الأدلة المنفصلة عند بعض ان الآية لبيان حد الممسوح من الرجلين فعليها يجوز المسح من رءوس الأصابع إلى الكعبين كذلك لا بأس بالمسح من الكعبين الى رءوس الأصابع أيضا.

المسألة الثالثة: هل المسح على الرجلين الى الكعبين على الاستيعاب بحسب العرض؟

قال الشيخ (قده) في الخلاف: و الكعبان هما الناتيان في وسط القدم و قال:

من جوز المسح من مخالفينا انه يجب استيعاب الرجل بالمسح و قالوا كلهم ان الكعبين هما عظم الساقين الا ما حكي عن محمّد بن الحسن فإنه قال هما الناتيان ظهر القدم مع قوله بالغسل انتهى.

أقول حيث ان الأرجل معطوفة على رءوسكم المجرور بباء التبعيض فيكفي مسمى‌

16

المسح طولا كما حققناه في تفسير قوله تعالى بِرُؤُسِكُمْ فلا يجوز الاستيعاب فإنه خلاف التبعيض المستفاد من الباء قال الشيخ (قده) في الخلاف و قد ثبت ان الباء يقتضي التبعيض لأنه لا بد من أن يكون لدخولها في الكلام المفيد المستقل بنفسه فائدة و ليست فائدتها إلا التبعيض أيضا و يأتي في المقام النزاع المتقدم في الى و دخول الغاية في الممسوح و خروجه و ما اخترنا. ثم ان دعوى الظهور في دخول الغاية في المعنى إذا كانا من جنس واحد لا يخلو عن قوة.

(فروع)

الأول [في بيان] مقتضى حكم الشرط

في قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية- الابتداء بغسل الوجه عملا بالشرط و هكذا غير الوجه المذكور الأول فالأول سواء قلنا ان الواو العاطفة لمجرد افادة الجمع بين المعطوف و المعطوف عليه كما نسب الى المشهور من النحويين أو قلنا انها تفيد الترتيب كما هو المحكي عن بعض ضرورة ان المقام مقام ترسيم الوظيفة و تعيين التعبد فلا يجوز ان يقال ان الترتيب المذكور في الآية ليس فيه عناية به بل وقع تصادفا و جزافا و ان الترتيب المذكور من أحد أفراد الواجب و لا يخفى في الآية إطلاق بالنسبة إلى تقديم اليمين على اليسار في غسل اليدين و مسح الرجلين فلا بد في تقديم اليمين على اليسار من دليل منفصل خارج فتحصل انه لا بد ان يبدء بما بدء الله سبحانه به. و ان تقديم اليمين على اليسار المفتي به عند الأعلام انما استفيد من دليل خارج دون الآية.

الثاني إطلاق الأمر بغسل الوجه

عدم وجوب تخليل اللحية و الحاجبين و أشفار العينين إذا كانت البشرة مستورة باللحية و الحاجبين.

الثالث إطلاق الأمر بالغسل و المسح

يقتضي استيعاب أعضاء الغسل و المسح فلا يجوز التبعيض فيما يجب غسله و مسحه.

الرابع إيجاب الغسل و المسح على الإطلاق يقتضي غسل البشرة و المسح

عليها فلا يصح الغسل و المسح و على الأعضاء حائل ما عدا الوجه و الحاجبين على تفصيل تقدم.

[الكلام في آية الغسل]

[الاستدلال بالآية على الوجوب النفسي لغسل الجنابة و بيان بعض مفردات آية الغسل و أحكامه]

قال تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا الآية و هل الجملة معطوفة على الشرط و هو قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فيكون جملة مستقلة تقديره إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى

17

الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أو هي معطوفة على الجزاء يعني إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ ان كنتم محدثين فتوضؤا وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا. قال العلامة المجلسي في البحار كتاب الطهارة طبع قديم ص 98: فالجملة الشرطية في قوله سبحانه وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا يجوز ان تكون معطوفة على جملة الشرط الواقعة في صدرها و هي قوله عز و جل إِذٰا قُمْتُمْ فلا تكون مندرجة تحت القيام إلى الصلاة بل مستقلة برأسها و المراد يا ايها الذين آمنوا ان كنتم جنبا فاطهروا و تجوز ان تكون معطوفة على جزاء الشرط الأول أعني فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فيندرج تحت الشرط و يكون تقدير الكلام إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فإن كنتم محدثين فتوضؤوا وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا و على الأول يستنبط منها وجوب غسل الجنابة لنفسه بخلاف الثاني و قد طال التشاجر بين علمائنا (قدس سرهم) في هذه المسألة لتعارض الاخبار بين الجانبين و احتمال الآية الكريمة كلا من العطفين انتهى ما أردناه قال بعضهم و الأولى أنها جملة شرطية معطوفة على مثلها الى ان قال و يؤيده قول علي (ع) في قضية الأنصار أ توجبون عليه المهر و الحد و لا توجبون عليه صاعا من الماء و قول الصادق (ع) إذا أدخله فقد وجب الغسل انتهى ما أردناه.

و قال المولى المحقق الأردبيلي بعد استظهار الوجوب النفسي و عطف الجملة على الجملة و يدل عليه الاخبار أيضا مثل إذا التقى الختانان وجب الغسل انتهى.

أقول الحق في المقام عدم صحة الاستدلال بالآية على الوجوب النفسي و ما في سياقها من الروايات أيضا فإن الروايات مثل الآية الكريمة مطلقات و عموميات في معرض التقيد و التخصيص سيقت لبيان أصل التشريع و الأدلة دالة على ان الغسل واجب لأجل العبادات تكون مخصصة و مقيدة بها لا معارضة بها هذا على فرض دعوى ظهور الآية في عطف الجملة على الجملة و اما بناء على ظهور عطفها على جزاء الشرط الأول فالآية ناصة على ان الغسل واجب لأجل الصلاة و هو الظاهر و المختار. قال المحقق الأردبيلي: و يؤيده كون باقي الطهارات كذلك و يشعر به بعض الاخبار و يؤيده قوله تعالى ان و الا كان المناسب (إذا) انتهى.

يؤيده ذيل الآية الشريفة فإن التيمم سواء كان بدلا عن الغسل أو عن الوضوء لا يجب إلا لأجل غاية و هكذا يستحب عند غاية مندوبة و سيجي‌ء الكلام فيه ان وجوبه للصلاة و العبادات مستفاد من الآية أو عن أدلة منفصلة عنها.

قال بعض المحققين ان البحث عن الوجوب النفسي لغسل الجنابة قليل الجدوى في مقام العمل فإنه ليس واجبا فوريا ان قلنا بوجوبه و من قال بوجوبه قال بأنه واجب‌

18

موسع و تظهر فائدة الخلاف بين القولين فيمن أتى به عند خلو ذمته من العبادة المشروطة به هل يأتي به بنية الوجوب أو الندب؟ و في عصيانه فمن كان جنبا و يظن أو يعلم انه يموت قبل حلول وقت عبادة واجبة مشروطة بالغسل فلو تركه مات عاصيا و تاركا لهذا الواجب و قد نوقش في كلتا الفائدتين و قالوا لا إشكال في مشروعية الغسل قبل حلول الوقت و نية الوجه لم يعلم وجوبه فيصح الإتيان بغسل الجنابة بقصد امره من غير قصد نية الوجه سواء قلنا انه واجب أو مندوب. و اما الفائدة الثانية فقلما يتفق موردها و لو اتفق أحيانا قال العلامة المجلسي (قده) يوقعه خروجا عن الخلاف انتهى.

ثم انه لا ينافي الوجوب النفسي بناء على القول به مع الوجوب الغيري و أخذ الغسل شرطا في صحة الصلاة مثلا كما انه كذلك بالنسبة إلى الاستحباب النفسي.

فتحصل في المقام ان الآية الكريمة تفيد إيجاب الغسل للصلاة لا إيجابه لنفسه و أن استحبابه النفسي على ما هو التسالم عليه عند الفقهاء (قدس الله أسرارهم) انما هو بحسب الأدلة الأخرى غير الآية الكريمة.

قوله تعالى جُنُباً قال الراغب في مفرداته بعد تفسيره بالابعاد و قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أي أصابتكم الجنابة الى ان قال و سميت الجنابة لكونها سببا لتجنب الصلاة بحكم الشرع و قريب منه ما في بعض العبارات حيث قالوا أنه في اللغة بمعنى الابعاد و شرعا هو البعد عن أحكام الطاهرين.

أقول قد اشتبه الأمر على الراغب و من قال بمثل مقالته و لازم ما ذكروه هو القول بالحقيقة الشرعية في لفظ الجنب و هو مكان من الوهن، ضرورة أن الجنابة أمر واقعي و من كان به جنابة بما له من اللغوي فهو موضوع بعده من الأحكام الشرعية الواجبة أو غيرها فلحاظ البعد و الابعاد انما هو بحسب الوضع اللغوي لا بلحاظ حكم الشرع و أخذه قيدا في المعنى اللغوي.

و التحقيق ان الجنب قد استعمل في معان كثيرة منها البعد المكاني مثل قوله تعالى فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لٰا يَشْعُرُونَ (قصص آية 11) و قوله تعالى وَ الْجٰارِ الْجُنُبِ قال في القاموس بضمتين اي اللازق بك من غير قومك و الجار الجنب بضمتين اي البعيد و في أقرب الموارد و الجار الجنب أي جارك من غير قومك و منه وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ بِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْجٰارِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ الْجٰارِ الْجُنُبِ وَ الصّٰاحِبِ الآية (نساء آية 36) اي البعيد و في المفردات جنب فلان خير أو جنب شرا قال تعالى وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مٰالَهُ يَتَزَكّٰى (ليل 18- 19) و إذا‌

19

أطلق فمعناه بعد عن الخير. إذا تمهد ذلك فنقول معنى الجنب و الجنابة و العناية الملحوظة في الوضع في المقام ان الإنسان بعد عمل الاختلاط بالنسوان أو بعلل اخرى يحتاج الى تنظيف و طهارة في الجملة و فيه نوع من الاستقذار و هذه القذارة منها ما كان محسوسا و منها ما ليست بمحسوسة لضعفها و خفتها و في أقرب الموارد جنب الرجل من باب ضرب تنجس و في القاموس الجنابة المني و في الروايات أيضا إشعار بذلك في البحار عن الاحتجاج الطبعة القديمة عن الصادق (ع) الى ان قال السائل فما علة غسل الجنابة انما اتى الحلال و ليس من الحلال تدنيس قال الى ان قال ان النطفة دم لم يستحكم و لا يكون إلا بحركة شديدة و شهوة غالبة فاذا فرغ الرجل تنفس البدن و وجد الرجل رائحة كريهة، الخبر. عن القاموس تنفس الفرج نضخ الماء و فيه أيضا عن العلل و العيون مسندا عن محمد بن سنان عن الرضا (ع) قال و علة غسل الجنابة النظافة و تطهير الإنسان نفسه مما اصابته من أذاه و تطهير سائر جسده لأن الجنابة خارجة من كل جسده الخبر فتبين مما ذكرنا ان الجنب هو المستقذر و البعيد بحسب الواقع لا بحسب لحاظ حكم الشرع في المعنى اللغوي و في ما ذكرنا في الاستظهار كفاية في تأمين المدعي و ان العناية المأخوذة في وضع هذا اللفظ للمعنى اللغوي غير محتاج الى لحاظ الحكم الشرعي و ان أبيت مما ذكرنا و صعب عليك قبوله فعبر عن هذه الحالة المستقذرة بالحدث المعنوي و قد كشف عنه أمر الشارع ان الإنسان الجنب بما له من المعنى اللغوي موضوع لعدة من الأحكام الشرعية من الوجوب- و التحريم و غيرهما.

قوله تعالى فَاطَّهَّرُوا الطهارة و النظافة من المفاهيم الواضحة عند كل عاقل و حسن الطهارة و النظافة و كذلك ردائه القذارة مما يستقل به العقل بالضرورة و ليست لهما حقيقة شرعية أو متشرعة. فالطهارة على إطلاقها و بحسب مراتبها ممضاة في نظر الشرع في التذكر بها و الإرشاد إليها وردت آثار كثيرة الا ان الواجب منها في موارد قام الدليل بخصوصه على وجوبها و على اشتراطها صحة أو كمالا في بعض العبادات.

إذا تقرر ذلك فنقول المأمور به في الآية الكريمة هي الطهارة و مقتضى إطلاق الطهارة و عدم تقييدها بواحد من الأعضاء هو غسل تمام البدن من قرنه الى قدمه فمرجع هذا الإطلاق بالحقيقة هو الإطلاق في المتعلق اي متعلق التطهير لا في نفس التطهير فإن الإطلاق في التطهير غير وافي لإفادة المطلوب كما لا يخفى.

20

فروع

1- مقتضى الإطلاق في التطهير هو الاستيعاب

و الإتيان بالغسل على تمام البدن من دون تبعيض في الأعضاء بل وجوب التخليل في اللحية و الحاجبين و إيصال الماء إلى البشرة.

2- مقتضى الإطلاق ان يكون فعل الطهارة عملا عمديا اختياريا له

فلو غمسه في الماء أو انغمس بنفسه من غير التفات لم يكن مجزيا.

3- مقتضى إطلاق الأمر بالتطهير عند القيام إلى الصلاة ان يكون الفعل صادرا بقصد أمر الصلاة

إذا اتى بالغسل بعد دخول الوقت و هل يصح بعد دخول الوقت بقصد امره النفسي، الظاهر الصحة إذا لم يقصد خلاف الأمر الغيري.

4- مقتضى إطلاق الأمر بالتطهير عند إرادة الصلاة صحة إتيان الصلاة بالغسل من غير احتياج الى الوضوء

و الظاهر ان هذا الإطلاق لم يرد به دليل منفصل كي يكون مقيدا لإطلاقه قال الشيخ (قده) في الخلاف و روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) ان أهل الكوفة يروون عن علي (ع) انه كان يأتي بالوضوء قبل غسل الجنابة قال كذبوا على علي ما وجدوا ذلك في كتاب علي قال الله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.

5- مقتضى إطلاق الآية عدم وجوب الموالاة و عدم وجوب الترتيب

الا أن الأخذ بهذين الإطلاقين متوقف على عدم ورود دليل منفصل يقيده فالآية الكريمة من حيث إطلاقها بالنسبة إلى الترتيب و الموالاة في معرض التقييد.

[الكلام في آية التيمم]

[في بيان بعض مفردات الآية و بعض أحكام التيمم]

قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ* إلخ. عطف على المحذوف من متعلقات الشرط الأول اي ان كنتم صحاحا حاضرين محدثين فتوضؤوا و ان كنتم جنبا فاغتسلوا و ان كنتم مرضى أو على سفر الآية و الآية وردت لبيان حكم ذوي الأعذار فتنقيح البحث هنا في ضمن مسائل:

الاولى أن الآية متعرضة لحكم المحدث و الجنب بالعنوان الثانوي

و في مرحلة كونهما معذورين و مسوقة في مقام الامتنان و الإرفاق و لا يخفى ان عنوان المريض و المسافر من باب الأغلبية و ليس للوصف فيهما مفهوم كي يتوهم منه اختصاص الحكم الارفاقي بهما و المنقول عن الشافعي ان الحاضر‌

21

يتيمم و يصلي ثم يعيد إذا وجد الماء و فيه انه ان كان من باب الأخذ بالمفهوم و ان غير المسافر لا يجوز له التيمم فلا وجه لتيممه و ان صح تيممه فلا وجه لإعادة صلواته.

الثانية صرح بعض الأعيان ان المراد من المريض من يتضرر باستعمال الماء

و الذي لا يجد الماء لعجزه عن السعي اليه و طلبه. أقول و في شمول الآية لكلا القسمين من المريض إبهام و خفاء فان المستفاد من الآية الكريمة وجوب التيمم على المريض الذي لم يجد الماء و اما المريض الذي يتضرر باستعمال الماء فخارج عن مفاد الآية و لذا أول عدة من الأعاظم قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* اي لم تقدروا على الطهارة المائية صرح بذلك المولى المحقق الأردبيلي و العلامة المجلسي في أحد الوجهين و الفاضل المقداد و حيث ان المتبادر من قوله فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* هو الفقدان للماء لا عدم القدرة عليه على اي وجه كان فيشكل استفادة وجوب التيمم على المريض المتضرر باستعمال الماء من الآية بل يطلب حكمه من الأدلة الأخرى و قد التجأ بعضهم ان قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* قيد للمسافر فقط فيكون المريض على عمومه موضوعا لوجوب التيمم. غاية الأمر ان المريض الواجد للماء الغير المتضرر باستعماله يخرج عن التيمم بالمخصصات المنفصلة فعليه يدور وجوب التيمم مدار المرض الا ما أخرجه الدليل و التحقيق ان الموضوع هو المريض الفاقد للماء لا مطلق المريض فلا تعميم و لا تخصيص قال في الحدائق بعد نقل الوجه الأول و ان المراد من قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً* في تأويل لا تقدروا و قيل ان المراد كما هو ظاهرها الذي لا يحتاج الى ارتكاب تجوز و لا تأويل انما هو كون المكلف غير واجد للماء بأن يكون في موضع لا ماء فيه فيكون ترخيص متى وجد الماء و لم يمكن من استعماله في التيمم لمرض و نحوه مستفادا من السنة المطهرة و يكون المرضى و نحوهم غير داخلين في خطاب فلم تجدوا لأنهم يتيممون و ان وجدوا الماء و الظاهر انه الأقرب كما لا يخفى انتهى. و سيأتي مزيد توضيح بذلك في تفسير قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا* و في تفصيل كلام الرازي.

فإن قبل ذيل الآية الكريمة و هو قوله تعالى مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ الآية فيه إشعار بأن المراد المرضى على العموم سواء كانوا واجدين للماء أو فاقدين فإن إيجاب الطهارة و الغسل و الوضوء للمريض المتضرر باستعمال الماء مرفوع من ناحية الحرج قلت كلا فان نفي الحرج في مورد فقدان الماء لا مطلقا و لو كان خارجا عن مفاد الآية و سيجي‌ء مزيد بيان لذلك في تفسير الحرج المنفي على نحو الكلية و بيان تطبيقه على مورد البحث و ما أرسله في المجمع قال و المروي عن السيدين الباقر و الصادق (ع) جواز التيمم في جميع ذلك انتهى. ليس في مقام تفسير الآية بل بعد نقل الأقوال في جواز التيمم و عدمه في أقسام المرضى قال:

و المروي إلخ و قد توهم بعض ان الغرض من إيراد هذه المرسلة تفسير الآية بها و هو كما ترى.

22

الثالثة هل المراد من المسافر من كان موضوعا لوجوب التقصير أو للأعم منه

بمن لم يقصر الظاهر هو الثاني ضرورة ان من خرج من بيته و تسفر و تبرز يعد مسافرا لغة و وجوب القصر و عدمه شرعا أجنبي عن إطلاق اسم المسافر عليه كالعاصي بسفره و من كان كثير المسافر.

الرابعة هل يجب على المسافر السعي و الطلب بحيث يصدق عليه انه لم يجد ماء

أو ان المراد انه بحسب الغالب يسير في الصحاري و البراري و كان فاقدا للماء بالطبع و لا يجب عليه السعي و الطلب و لو مع احتمال وجوده لأنه حينئذ يصدق عليه انه لم يجد ماء و سقوط السعي و الطلب إرفاق له.

الظاهر الأول لعدم صدق عدم الوجدان مع عدم السعي و الطلب و لا يكون مشمولا للامتنان و الإرفاق بمحض عدم وجدانه الماء من غير طلب و سعي، و أدلة نفي الحرج و غيرها من أدلة الامتنان و التسهيل لا ينفي هذا المقدار من الطلب بل لا بد من طلب الماء و السعي إليه بمقدار متعارف بحيث لم يبلغ مبلغ الحرج و الضيق.

[في المراد بالمجي‌ء من الغائط و ملامسة النساء و الصعيد الطيب و بيان بعض المفردات الأخرى في الآية]

قوله تعالى أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ الآية: أو بمعنى الواو فان المجي‌ء من الغائط و لمس النساء ليسا قسيما للمريض و المسافر بل من كان به حدث أو جنابة مقسم للمسافر و المريض و غيرهما أيضا و الغائط الأرض المنخفض التي يقصدونها للتخلي بها عما يخرج من أحد السبيلين تجوزا و تسترا و الكناية عن الأحداث المعلومة اما بإيراد الجملة أي جاء أحد منكم من الغائط كما هو ظاهر بعض الكلمات أو المراد منها الفراغ من التخلي و الخروج عن المحل المعلوم أو ان المراد من الغائط الحدث المعلوم عبر عنها بالغائط تسميع للحال باسم محله.

و من قال ان المراد في الآية هو الوجه الثاني تكلف فيها بتقدير موضعا و جعل من للتبيين اي جاء موضعا من الغائط و يكون المراد بناء على ذلك التأويل دخوله في الخلاء قاصدا للتخلي و لا يخفى ان التحقيق هو الوجه الأول و لا وجه لتصحيح الوجه الثاني و لا محصل لهذا التأويل ثم ان الآية شاملة على إطلاقها لجميع الأحداث الواقعة في الخلاء بحسب الغالب و العادة لا الغائط المصطلح عند الناس.

قوله تعالى أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ و قرء بعضهم لمس و المعنى واحد كما صرح به بعض المفسرين و هل المراد من الملامسة ما يوجب الجنابة أو المراد به هو المس و الغسل باليد و نحوه و المنقول عن عمر بن الخطاب و عبد الله بن مسعود و عطاء و الشعبي هو الثاني و اختاره الشافعي و قال انه يوجب الوضوء و قال مالك انه المس و اللمس بشهوة و الحق هو الأول و يشهد على ذلك و يستأنس به التعبير بأو الدالة على التنويع و مقابلة الملامسة و جعلها قيما للمعطوف عليه و هو المجي‌ء من الغائط‌

23

و يؤيده أيضا ان المذكور في صدر الآية وجوب الوضوء للاحداث ما سوى الجنابة و الغسل للجنابة و في وجوب التيمم بدلا عن الغسل و الوضوء لا ينطبق على الجنابة إلا الملامسة فيدور الأمر بين أن يقال ان الآية ساكتة عن حكم التيمم للجنب بدلا عن الغسل أو ان المراد من الملامسة هي التي توجب الجنابة و القول بأن الآية ساكتة عن حكم التيمم للجنب خلاف ظاهر الآية و هي تصريح سياقها كما لا يخفى.

و انما عبر تعالى عما يوجب الجنابة بالملامسة تسترا و تعففا قال الباقر (ع) ان الله تعالى حي كريم عبر عن مباشرة النساء بملامستهن و في المجمع اختلف الموالي و الاعراب فيه فقالت الموالي المراد به الجماع و قالت العرب المراد به لمس المرأة فارتفعت أصواتهم الى ابن عباس فقال غلب الموالي المراد به الجماع انتهى.

قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً قد مر تفسيره فلا وجه لتكراره و هي قيد للشرط المذكور في أول الكلام و هو قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ و بعبارة أخرى قيد لاسم كان و هو الضمير المتصل في كنتم و جواب الشرط قوله فَتَيَمَّمُوا و احتمال كونه قيدا للمسافر فقط كما توهمه الرازي ساقط جدا إذ ليس قيدا للمرضى و المسافر معا فكيف يكون قيدا لأحدهما و قياس ذلك بصورة تعقب الجمل المتعددة قيدا في آخر الكلام و لم يعلم ارتباطه بأحدها قياس مع الفارق كما لا يخفى و كذلك الأمر بالنسبة إلى المجي‌ء عن الغائط و الملامسة كما أشرنا إليه سابقا.

قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً التيمم في اللغة بمعنى القصد أي التصدي إلى العمل مشرفا على الأخذ به لا القصد الباطني قال الراغب تيممت كذا و تيممته قصدته قال في القاموس التيمم التوخي و التعمد و الياء بدل من الهمزة و تيممته قصدته.

أقول لا دليل على ان تيمم يائها بدل عن الهمزة و ان أصلها كانت أمم غير استعمال كلاهما بمعنى القصد.

قوله تعالى صَعِيداً طَيِّباً اختلف أهل اللغة في معنى الصعيد فعن الجوهري انه التراب الخالص و نقل ابن فارس عن ابي عبيدة انه التراب الخالص عن السبخ و الرمل و في القاموس انه وجه الأرض و ترابها و في مرآت الأنوار انه وجه الأرض أو ما ارتفع منها أو خالطها من خلط السبخ و غيره و المنقول عن ابن الأعرابي و الخليل و الزجاج انه وجه الأرض و استظهر أن العناية في إطلاق الصعيد على وجه الأرض انه الصفحة و السطح المتصاعد منها اي السطح الأعلى منها و يقرب ذلك و يؤيده ما في الصافي عن المعاني عن الصادق (ع) قال الصعيد الموضع المرتفع‌

24

و الظاهر من القرائن و الشواهد ان الصعيد هو وجه الأرض و به صرح من المفسرين الفاضل المقداد في كنز العرفان و هو الظاهر من الطبرسي و الجزائري و المحكي عن الرازي و البيضاوي و صريح تفسير نفحات الرحمن.

قال تعالى فَعَسىٰ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْهٰا حُسْبٰاناً مِنَ السَّمٰاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (كهف 40) فالجنة التي عليها أشجار و نخيل بعد ما أرسل الله عليها حسبانا من السماء يصير صعيدا أي أرضا ملسا يزلق عليها باستيصال نباتها و أشجارها كذا قيل قال تعالى- وَ إِنّٰا لَجٰاعِلُونَ مٰا عَلَيْهٰا صَعِيداً جُرُزاً (كهف- 8) القمي خرابا و عن الباقر (ع) لا نبات فيها و في القاموس ارض جرز الى ان قال لا تنبت أو أكل نباتها أو لم يصبها مطر انتهى. فتلخص ان الصعيد هو وجه الأرض الذي لا تعلو عليها و لا تغلبها سبخة و لا ينافي ذلك ان الله سبحانه جعل لهذه الأمة الأرض و ترابها طهورا و في بعض منها ان التراب أحد الطهورين فان جواز التيمم على التراب بحسب السنة لا ينافي جوازه على الصعيد بحسب الكتاب ضرورة عدم التنافي و التخالف بين المثبتين و انما التنافي بين المثبت و النافي على أن التراب من مصاديق الصعيد و مما ينطبق عليه فلا تنافي بين العام و بعض مصاديقه الغالبة و ان أبيت الا ان تقول بالتخالف و التكاذب بين الدليلين فالجواب ما ذكرناه من عدم التنافي بل يعمل بكل منهما في مورده و هو دليل على كثرة التوسعة و التخفيف على هذه الأمة.

قوله تعالى طَيِّباً أقول فسره قوم بالحلال في مقابل الحرام و قوم بالطاهر في مقابل القذر و النجس و فسره بعض بأنها التي تنبت و استشهدوا بقوله تعالى وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً و الظاهر ان الطيب يقابل الخبيث و هو ما يكون للنفس تمايل اليه طبعا يقال ريح طيب و غذاء طيب و في ذيل رواية المعاني عن الصادق (ع) قال الطيب الموضع الذي ينحدر عنه الماء و مثله بعينه عبارة الفقه الرضوي في تفسير الصعيد الطيب و لعل الكتاب المنسوب الى الفقه الرضوي هو رسالة الصدوق الأول و كيف كان فالصعيد الطيب هي الأراضي البعيدة عن العوامل العمومي بقيت بكرا تنزل عليها الأمطار تجري عليها الرياح و تطلع عليها الشمس فتوصيف الصعيد بكونها طيبا من باب أفضل المصاديق و أفضل الإفراد لا يجوز الأخذ بمفهوم الطيب و القوم بعدم الجواز في غير موارد الصفة كما لا يخفى.

[في ما ينبغي التيمم به و كيفيته]

فالتيمم من ربي الأرض و عواليها الأفضل ثم الأفضل الى ان يبلغ مرتبة لا تميل اليه النفوس طبعا و يشمئز منها بما فيها من العوامل العمومي من الجص‌

25

المطبوخ و الأحجار الملقاة فيها و غيرها حتى كاد أن يخرج من إطلاق الصعيد و التراب.

قوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ الآية و هذه هي الطهارة الترابية التي من الله تعالى على هذه الأمة بدلا عن الطهارة المائية إرفاقا و تسهيلا و تخفيفا فأسقط منها المسحات مسح الرأس و الرجلين و أثبت طهارة الوجه و اليدين بالتراب و الصعيد مع تخفيف بين واضح بحيث اكتفى فيهما بالمسح في الجملة توضيحه.

توضيح ذلك ان التيمم بدلا عن الوضوء و الغسل بعد إسقاط المسحات في الوضوء اي المسح على رأس الرجلين انما هو على الوجه و اليدين فقال الزهري انه يمسح من المناكب الى رءوس الأصابع و المحكي عن بعض الأعاظم المسح على أعضاء الوضوء كله الوجه من قصاص الشعر الى الذقن و على اليدين من المرفقين الى رءوس الأصابع و المشهور هو المسح على بعض الوجه و بعض اليدين و هو القول الفصل و الحق المبين اما القول الأول فبطلانه غني عن البيان فان نص الكتاب في الوضوء هو الغسل من المرفقين فإيجاب التيمم من المنكبين بدلا عن الوضوء خروج عن مقتضى البدلية و لا دليل على مدعاه غير الآية الموجبة للتيمم بدلا عن الوضوء و كذلك فيما هو بدل عن الغسل و اما القول الثاني و هو المسح على أعضاء الوضوء قضاء لحكم البدلية ففيه ما قدمناه في البحث في مسح الوضوء ان (مسح) متعد بنفسه الى الممسوح من غير احتياج إلى أداة التعدية و بعد دخول الباء لا بد اما من القول بزيادة الباء و استيعاب المسح أو القول بالتبعيض حفظا و صونا لكلام الحكيم عن اللغوية و الهذر فتكون الآية بمكان الباء نصا في التبعيض فيبطل قول القائل بالمسح من المناكب و قول من قال بالمسح من المرافق و تعين مما ذكرنا أن ما يجب غسله في الوضوء مستوعبا يجب مسحه في التيمم مبعضا غاية الأمر عروض الإجمال في المقدار الممسوح فلا بد في تعيين المقدار الممسوح من الرجوع الى السنن المعتبرة الا ان يقال أن الآية الكريمة في مقام بيان المقدار الممسوح فسكوتها عن بيانه دليل على عدم التعيين من ذلك الحيث فيتخير في مسح اي قدر شاء من أي جهة من أعضاء الوضوء و التحقيق هو الأول لتعريض الروايات المفسرة و الروايات البيانية للمقدار الممسوح و ينسب الى المحقق التخيير في المعتبر بين المسح الاستيعابي و التبعيضي و عبارته في المعتبر تفيد الترخيص و الجواز في مسح الذراعين بعد الإفتاء بالمسح التبعيضي و ما رخصه من مسح الذراعين انما هو للعمل ببعض الاخبار و نسب الى المنتهى استحباب الاستيعاب و لم اتحصل من المنتهى الا وجوب استيعاب المسح على المقدار المفروض لا استيعاب المسح على العضو كله فيحتاج الى الفحص البالغ في عبارته.

(قوله تعالى منه) الظاهر ان (من) للتبعيض و الضمير يرجع الى ما يتيمم به اي امسحوا بوجوهكم و أيديكم بعض ما يتيمم به و الظاهر عدم دلالته على وجوب‌

26

علوق شي‌ء من التراب أو الصعيد باليدين عند التيمم و قيل ان من للسببية كما في قوله مِمّٰا خَطِيئٰاتِهِمْ أُغْرِقُوا الآية و الضمير راجع الى الحدث كقولهم تيممت من الجنابة و قيل إنها للبدلية و الضمير راجع الى الماء اي تيمموا صعيدا طيبا بدلا عن الماء و قيل انها لابتداء الغاية و المعنى ان المسح يبتدء منه اي من الصعيد أو من الضرب على الأرض و الحق ما ذكرناه من التبعيض.

فافادت الآية الكريمة وجوب الوضوء و الغسل من الجنابة للصلاة و ان الجنابة موجبة للغسل و البول و الغائط و الريح موجبات للوضوء ان فقدان الماء مبيح للتيمم و ان التيمم يباح به كل ما يباح بالغسل و الوضوء و كفاية التبعيض في التيمم و عدم وجوب الاستيعاب و عدم وجوب التخليل فيه و البدئة في الوجه في التيمم كما في الوضوء.

[تحقيق في معنى الحرج المذكور في الآية و بيان معنى الطهارة و إتمام النعمة]

«قوله تعالى مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ الآية» أقول الحرج الضيق و الظاهر انه لا ريب في اشتراط موضوع الأحكام و تقييدها بالقدرة و الاستطاعة إنما الكلام ان الناس مكلفون على قدر استطاعتهم العقلية أو دون ذلك و المدعى هو الثاني و ان الأحكام وضعت على قدر استطاعتهم العرفية و العادية و ما فوق ذلك فهو موضوع و مرفوع عنهم تحقيقا و تسهيلا و امتنانا على هذه الأمة و ما فوق ذلك و ان كان مقدورا لهم و يتمكنون من إتيانه و امتثاله الا ان فيه ضيقا و إصرا فبدل الله الضيق بالوسع و الإصر و المشقة بالتخفيف و الراحة و ما كلفهم الا بدون سعتهم قال تعالى وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (حج 77) قال تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (بقرة 185) قال تعالى وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لٰا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلّٰا وُسْعَهٰا (بقرة 233) قال تعالى لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (286) قال رَبَّنٰا وَ لٰا تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَ لٰا تُحَمِّلْنٰا مٰا لٰا طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ الآية (بقرة 286) قال تعالى لٰا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (أنعام 152) قال تعالى وَ لٰا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (مؤمنين 62).

في تفسير العياش عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أحدهما قال في آخر البقرة لما دعوا أجيبوا لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا قال ما افترض الله عليها لَهٰا مٰا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهٰا مَا اكْتَسَبَتْ، الحديث، و زاد في الحدائق كما حكي عنه أي إلا ما يسعه قدرتها فضلا و رحمة و عن الكافي عن حمزة الطيار في رواية شريفة عن الصادق (ع) الى ان قال ما أمروا إلا بدون سعتهم و كل شي‌ء أمر الناس به فهم متسعون له و كل شي‌ء لا يتسعون له فهو موضوع عنهم و لكن الناس لا خير فيهم و الروايات المفسرة في هذا الباب كثيرة و المتحصل من الآيات و إطلاقاتها و صريح الروايات ان جعل‌

27

الأحكام على موضوعاتها انما هو على السعة و الإرفاق و هو الحرج المنفي في الدين سواء كان لزوم الحرج في أصل التشريع أو بحسب العناوين الثانوية. و عروض الحرج و الشدة بحسب الأوضاع و الأحوال فيرتفع الحكم الأصلي و يقوم مقامه الحكم الاضطراري كما في الآية المبحوثة عنها و لا يخفى ان نفس الحرج انما هو في إتيان الواجبات و اما في المحرمات فمورد الحرج النفسي في تركها و الاضطرار إليها فعند الاضطرار الى ارتكابها فيرتفع أيضا و لا يخفى أيضا ان الحرج النفسي سواء كان في ارتكاب المحرمات المستقلات أو في إتيان الواجبات انما هو في الواجبات و المحرمات الشرعية التعبدية و اما الأحكام العقلية اي المستقلات العقلية ففيها طور آخر من البحث و لعل الله يوفقنا للبحث عنها في الأبحاث الآتية ان شاء الله.

فتحصل في المقام ان الحرج المنفي هو مطلق الحرج سواء بحسب أصل الشرع أو بحسب الأحوال و الأوضاع الطارئة و ينطبق انطباقا تاما على الآية المبحوثة عنها اي الحرج الطارئ بطرو العناوين الثانوية و يشمل أيضا بإطلاقها جميع أنواع الحرج في الموارد كلها فلا يمكن أن يتوهم ان الحرج المنفي بالأولية و الأولوية ما كان لازما بحسب أصل التشريع كما لا يخفى.

قوله تعالى يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ففي الكلام إبراز عطف و حنان منه سبحانه على المكلفين و تطييب لقلوبهم فسبحانه من إله ما ابره و ما أوصله فذكرهم انه سبحانه ما يريد في جعل الأحكام الا ما هو الأسهل و الأخف و الأوفق لشأنكم و حالكم لا الضيق و الحرج و قيل ان المراد في الآية انه ليس غرضه تعالى في تشريع الدين إيجادا لحرج و إيجاب الضيق و الظاهر هو الوجه الأول وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ بالطهارات الثلاث بإيجابها و تشريعها عليكم قيل ان المراد التطهير من الذنوب و قيل التطهير من الحدث بالتراب و قيل تنظيف الأبدان بالوضوء و الغسل و عن الحنيفية انها الطهارة عن النجاسة الحكمية و أورد عليه الشافعية بعدم إمكان الالتزام بالنجاسة الحكمية فإن حكم النجاسة وجوب غسل ملاقيها و بطلان صلاة من حملها و أجاب عنه الفاضل المقداد بان الشافعية لم يدركوا معنى النجاسة الحكمية و ما ذكروه من التوالي هي آثار النجاسة العينية الى ان قال فإذا الأولى ما ذكره الحنيفة و يمكن أن يكون الثاني أيضا مرادا انتهى. أقول مراده من الثاني طهارة القلب الذي ذهب إليه الشافعية و الحق في المقام و المناسب للتفسير و اللغة هو النظافة و النزاهة الحاصلة بالطهارات الثلاثة أمر الله تعالى بها و جعلها من شرائط الصلاة.

قوله تعالى- وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ الآية- المراد من النعمة هو الدين تفضل له‌

28

سبحانه على عباده و هداهم به الى سعادتهم العاجلة و الآجلة و هو تام كامل بحسب الأصول و الفروع بحسب الأزمان و الأدوار و الظاهر ان المراد من إتمامه تعالى هذا الدين جعله تعالى الأحكام الاضطرارية و تبديل ما يلزم من إتيانه الحرج بالأخف و الأسهل كي لا يقع المكلف في مضيقة الحكم الاولي لو امتثله و لا يقع في مخمصة مخالفته و عصيانه و لا يكون الموارد خاليا عن الحكم كي يحرم المكلف من فضيلة العبودية و نور الطاعة و تمامية الدين و اشتماله على حكم كل واقعة و حادثة في جميع شئون المكلفين من الفارقات بين مذهب الإمامية و غيرهم من الفرق، مبناء على مذهبهم لا يخلو واقعة من الحكم الشرعي لا بد من استنباطه و تفهيمه من الكتاب و السنة.

قوله تعالى- لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ذكر بعض المفسرين في تفسيره ما خلاصته ان شكره تعالى ان يطاع و لا يعصى و يذكر فلا ينسى. أقول: هذا أعلى مراتب الشكر و صرف كل نعمة منه تعالى في عبادته و طاعته.

الآية الثانية [في حكم الدخول في الصلاة حالة السكر أو الجنابة؟ و هل يتوجه الخطاب إلى السكران؟ و بيان معنى السكر في الآية]

قال تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا الآية النساء (43).

قوله تعالى- وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ- حال من فاعل لا تقربوا و هو صريح على إطلاقه في حرمة الدخول في الصلاة و اختلفوا في المراد من السكر في الآية الشريفة فقيل ان المراد من السكر سكر الخمر و ان الآية نزلت في شأن جمع من الصحابة كانوا على مائدة في منزل عبد الرحمن ابن عوف فشربوا و سكروا و قاموا الى الصلاة و تقدم أحد منهم ليصلي بهم فقرأ أعبد ما تعبدون و أنتم عابدون ما أعبد فنزلت و كانوا لا يشربون أوقات الصلاة و إذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون الا و قد ذهب عنهم السكر و علموا ما يقولون و عن ابن عباس نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع رسول اللّه (ص) فنهاهم الله عنه و عن ربيع الأبرار للزمخشري قال انزل الله في الخمر ثلاث آيات يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ الآية (بقرة 219) فكان بين شارب و تارك الى ان شربها رجل فدخل في صلاته فهجر فنزل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ الآية فشربها من يشربها من المسلمين حتى شربها عمر فأخذ لحى بعير فشج رأس عبد الرحمن بن عوف ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يغفر (الاشعار) مبلغ ذلك رسول اللّه (ص) فخرج مغضبا يجر ردائه فرفع شيئا كان في يده ليضربه فقال أعوذ بالله من غضب الله و غضب رسول اللّه فأنزل سبحانه إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ الآية (مائدة 90) أقول و بهذا المعنى روايات عند أهل السنة و كلماتهم و رواياتهم في غاية الاضطراب لا يلائم صريح الآيات و ظواهرها‌

29

و زعموا ان الصحابة و خاصة عمر بن الخطاب لم يفهموا من الآيات المنع و التحريم الى ان نزلت الآية في سورة المائدة و قالوا ان الخمر كان حلالا بمكة يشربونها الصحابة نم نزل التحريم و نسخت الإباحة تدريجا و كانوا يستثقلون امتثاله و طاعته فلذلك نسخت الحلية تدريجا بالتحريم التدريجي فالآية المبحوثة عنها دالة على جواز شربها و تحريمها في حال الصلاة فنسخت بالآيات الدالة على التحريم. و فيه: أولا ان حرمة الخمر فمن المستقلات العقلية و الآيات التي وردت في تحريمها انما وردت بلحن التذكر و بيان المفاسد لا بعنوان التعبد المولوي الشرعي فأول آية أعلنت بتحريمها قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ الآية (بقرة 219) و الإثم في اللغة الجنابة و هو في عداد الفواحش و المنكرات و القول بغير علم و الشرك بالله قال تعالى قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّٰهِ مٰا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطٰاناً الآية (الأعراف (33) و كذلك قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الآية (مائدة 90) فهي ناصة على انها في عداد الأزلام و الأنصاب و انها صد عن سبيل الله و عن ذكر الله- الى آخره- و في صريح روايات أئمة أهل البيت انه ما بعث الله نبيا الا بتحريم الخمر. و ثانيا: مع قطع النظر عما ذكرنا من التحريم الواقعي فلا معنى للنسخ أيضا فإن آية التحريم في سورة البقرة و آية الحلية في سورة النساء و هي متأخرة عن البقرة نزولا و من عجيب ما قيل في المقام حين نزل التحريم في سورة البقرة قال عمر: اللهم انزل علينا بيانا شافيا و لما قرأ عليه قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ- الى آخره- قال اللهم انزل علينا في الخمر بيانا شافيا و لما نزلت الآية في سورة المائدة إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال اللهم انتهينا. فانظر و اقض العجب كيف انزل الله القرآن باقتراح عمر و لو كان له فقه بآيات القرآن يفهم التحريم من الآية في سورة البقرة و لو كانت في الآيات إبهام و إجمال لوجب عليه الاستيضاح من رسول اللّه (ص) و هو (ص) مبين و ناطق عن الله و شارح لكلام الله فلا يصح له أن يقترح على الله في تشريع الأحكام و بيانها فتبين مما ذكرنا ان ما قيل في الآية المبحوثة انها منسوخة بآيات التحريم في نهاية الوهن و السقوط لما عرفت من التحريم الواقعي أولا و الآية في البقرة نزلت قبلها و عرفت انها لو سلم ان هذه الآية قبل آية البقرة فلا دلالة فيها على الإباحة فغاية الأمر انها لم تجهر و لم تعلن بتحريمها فكم فرق بين الحلية و الإباحة الشرعية من الله و بين عدم الإجهاد و عدم الإبلاغ بتحريمها فغاية ما يقال في تفسير الآية أنها بإطلاقها تدل على تحريم التلبس بالصلاة سكرانا و بطلان صلواته و سيجي‌ء ما فيه أيضا‌

30

في بيان القول الثاني و بطلان ما قيل في تحريمه أيضا.

ثم انهم استشكلوا في توجيه الخطاب الى السكران حيث لا يعقل فلا يعقل الخطاب و أجاب بعضهم ان المراد من السكر التمثيل و هو ما لم يبلغ الى حد يزيل العقل و أجيب تارة بأنه بسوء اختياره جعل نفسه بحيث لا يعقل الخطاب فهو مأخوذ بالخطاب فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار و الحق في الجواب ان ما ذكره من الجوابين على فرض كون القضية شخصية و اما إذا قلنا ان القضية حقيقية مفروضة فلا يلزم الاشكال المذكور كما لا يخفى. القول الثاني ان المراد من السكر سكر النوم لا سكر الخمر توضيح ذلك ان القائل بأن المراد هو سكر الخمر أخذ بمفهومه البدوي العوامي حسب ما استأنس به الأذهان العامية و حمل اللفظ عليه اقتراحا بلا دليل و حمل النهي الوارد على النهي التحريمي و الحكم التكليفي و هذا الدعوى باطل في حد نفسه بحسب مقام الثبوت فلا يحتاج إلى إبطاله في مرحلة الإثبات و اما القائل بأنه سكر النوم و غلبة النفاس أخذ بمفهومه العام الشامل لجميع أنواع السكر و لا يدعي التبادر في سكر النوم و لا يدعي التجوز فيه بخصوصية و قيام قرينة على المجاز بل يدعى ان المنهي عنه عام مخصص و مرجع دعواه الى تخصيص العام و تقييد المطلق فالمنهي نوع خاص من العام أو المطلق بحسب الدليل الشرعي و هذه الدعوى أمر معقول في حد نفسه و بحسب مقام الثبوت فيجب الأخذ به لو قام عليه دليل في مقام الإثبات قال في أقرب الموارد سكر الإناء سكرا ملأه و النهر سد فاه- و الريح سكورا و سكرانا سكنت بعد الهبوب- و عينه تحيرت و سكنت عن النظر- و الحر و الحار فتر- سكر الباب و سكره سده- سكرت أبصارنا مجهولا الى أن قال و لهم علي سكر. اي غضب شديد الى ان قال سكر سكرانا نقيض صحى انتهى ما أردناه و صرح ببعض ما ذكره في القاموس فالقدر المسلم عن هذه المعاني إذا نسب إلى الإنسان انسداد مشاعره و عروض حالة تعترض بين الإنسان و عقله و دركه قال تعالى لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (حجر 72) قال تعالى إِنَّمٰا سُكِّرَتْ أَبْصٰارُنٰا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (حجر 15) قال تعالى وَ جٰاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (ق 19) قال تعالى وَ تَرَى النّٰاسَ سُكٰارىٰ وَ مٰا هُمْ بِسُكٰارىٰ وَ لٰكِنَّ عَذٰابَ اللّٰهِ شَدِيدٌ فارادة واحدة من هذه المعاني و ترك ما سواه يحتاج الى دليل و مخصص بخصوصها فالقرينة العامية على انه لم يرد سكر الشراب تشريفهم بخطاب يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و بعد التصريح في أية سورة البقرة بأن في الخمر اثم كبير و صرح في الأعراف و هي مكية بأن الله حرم الإثم في قوله تعالى قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ (الأعراف 32) فلا يلائم و لا يناسب بأن المؤمنين يسكرون و في هذا تهجين و إزراء عليهم قال المحقق الأردبيلي (قده) و في الآية دلالة على عدم خروج المؤمن عن الايمان بشرب الخمر فتأمل فيه انتهى أقول ما ذكره (قده) في غاية الضعف سيما بناء على مفاد الأدلة القوية ان‌

31

الايمان كله عمل و القول و الإذعان أيضا من العمل سيما بملاحظة ما ورد في خصوص الخمر و انه يعمل في ايمان الرجل ما يعمل من الأفكار و لعل مراده عن الأمر بالتأمل ما ذكرناه و قال الفيض (قده) في توجيه هذا التشنيع على المؤمنين ما خلاصته بأن هذه الآية نزلت و لم يستقر حرمة الخمر بعد و الا كان تهجينا لهم و اما بعد استقرار التحريم على نحو الجزم فلا يصلح ان يخاطبوا بمثل هذا الخطاب و هو عجيب منه مع حذاقته و دقته في النظر و قد افتى موسى بن جعفر (ع) في جواب مهدي العباسي استنادا الى الآيتين في سورة البقرة 219 و الأعراف 33 بالتحريم الجزمي و بالجملة لا بد من الالتزام بلزوم هذا التشنيع و التهجين و الذي ذكروه من التوجيهات لا ينفع في الجواب و يؤيد ما ذكرناه أيضا ما رواه العياشي في تفسيره عن الحلبي قال سألته عن قول الله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية قال لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ الى ان قال و ليس كما يصف كثير من الناس يزعمون ان المؤمنين يسكرون من الشراب و المؤمن لا يشرب مسكرا و لا يسكر و الذي يترجح في النظر ان المراد من السكر هو سكر النوم و النهي الوارد لا يستفاد منها الا الحكم الوصفي و هو اشتراط صحة الصلاة بكونهم غافلين شاعرين لا الحكم التكليفي و على ذلك عدة من الروايات المصرحة بأن المراد سكر النوم و هي كافية في صحة تقييد العموم أو الإطلاق و ما يقابله من المرسلات و الضعاف لا يقاوم ما ذكرناه فلا بد من طرح ما يخالفه و يقابله أو تأويله و توجيهه و العمل بما ذكرناه كما لا يخفى فان قيل فأي مانع لشموله النوم و الخمر أيضا قلت لا يمكن فإن النهي عن سكر النوم شرط في صحة الصلاة و حكم وضعي و النهي عن الصلاة تحريم التلبس بالصلاة سكرانا نعم لا مانع من تعميمه بغير الخمر من المرقدات و غيرها ان لم يكن لحن الروايات المفسرة لحن الاختصاص.

قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ اي لا تقربوها جنبا قيل الضمير إلى الصلاة و قوله تعالى إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ اي مسافرين مع اشتراط التيمم بحسب أدلة أخرى و ضعف في المجمع هذا الوجه و ان عنوان المسافر و المرضى قد ذكر في ذيل الآية مع كمال العناية بهما و التوضيح لأحكامهما فالقول به في صدر الآية مع انه لا دليل عليه و لا اشعار به مستلزم للتكرار و قيل ان المراد مواضع الصلاة و الالتزام بإضماره واضع هناك أهون من إضمار التيمم في الوجه الأول و في كلمات بعض الأعيان ان القول بأن المقصود في المقام هي مواضع الصلاة و ان كان مخالفا للظاهر الا انه لا بأس بالالتزام به لمكان دلالة الروايات المعتبرة على ذلك. أقول:

و أحسن ما قيل في هذا الباب ما ذكره الجزائري نقلا عن الصفي الحلي (قده) في كتاب الصناعات البديعية و هو أن يكون المراد في صدر الآية معناها الحقيقي و يراد بها عند قوله تعالى وَ لٰا جُنُباً مواضعها الغالبة اعني المساجد و هذا نوع ثالث للاستخدام و عدم شهرة هذا النوع بين المتأخرين من أهل المعاني و البيان غير ضار فان صاحب‌

32

هذا الكلام من أعلام علماء المعاني و البيان انتهى. أقول: فبناء عليه لا تقربوا الصلاة و بكم نعاس و سكر من غلبة النوم و لا تقربوا مواضعها و أنتم جنب و هو المؤيد بالروايات عن أئمة أهل البيت (ع) و أضعف التفاسير ما تكلفه بعض المفسرين ان المراد من الصلاة المساجد عبر كناية عن المساجد بالصلاة لغلبة وقوعها فيها و وجه الضعف أن صراحة التعليل و هو قوله حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ ظاهر بل نص في إرادة نفس الصلاة لا أماكنها قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ الآية قد مر تفصيل القول فيها.

الآية الثالثة [الاستدلال على وجوب النية في العبادات و الطهارات و كذا وجوب الإخلاص فيها و بيان بعض المفردات في الآية]

قال تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة 5).

استدلوا بهذه الآية على وجوب النية في العبادات و في الطهارات و الظاهر انهم أرادوا وجوب الإخلاص فيها فلا محالة يدل وجوب الإخلاص في النية على وجوب النية أيضا و مع قطع النظر عن هذا التوجيه ليس في ظاهر الآية ما يدل على وجوب النية في العبادات بالمعنى الذي ذكروه في نية العبادات في أبواب الفقه.

و قد استظهر بعضهم أصالة العبادية في كل ما أمر به من الواجبات بمعونة الحصر الوارد فيها الا ما أخرجه الدليل و سيجي‌ء التعرض الى و هن هذا القول في ذيل البحث إن شاء الله تعالى.

(قوله تعالى مُخْلِصِينَ) حال من فاعل يعبدوا و معنى الإخلاص كما في قلائد الدرر عن بعضهم انه تنزيه العمل من أن يكون لغير الله فيه نصيب و قيل هو إخراج الخلق عن معاملة الحق و قيل هو ستر العمل عن الخلائق و تصفيته عن العلائق و قيل هو ان لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين و في كنز العرفان فصل معنى كونه له تعالى ان يفعله خوفا من عقابه و رجاء لثوابه و قيل يفعله حياء منه أو حبا له و قيل تعظيما له و مهابة و انقيادا و لا يخطر بباله عوض آخر سواه الى ان قال في تأييد القول الأخير و هو الأقوى لأن عدا ذلك شرك مناف للإخلاص انتهى ما أردناه.

و لا يخفى ما فيه من الضعف ففي الكتاب و السنة تصريح بان من أتى بالعبادات خوفا من ناره و طمعا في جنته و غيرها من الدواعي التي يرتبط بالآخرة إليه تعالى فلا إشكال في صحتها قال تعالى تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً (السجدة 17) قال تعالى وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً (أنبياء 90) قال تعالى أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ (زمر 9).

فالمتقين عند أعاظم الفقهاء (قدس الله أسرارهم) تنزيل تلك الآيات و السنن الكثيرة‌

33

على مراتب مقامات العابدين المتقين من حيث الايمان و الإيقان و هذا هو الحق الذي أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ.

و قد أسلفنا في بحث الوضوء و عباديته ان بعد تحقق العبادية بقصد الأمر و ارتباط المأمورية و انتسابه و إضافته إلى المولى الآمر يتحقق الإخلاص بجميع الدواعي التي في طول قصد الأمر و يتحقق الإخلاص بقصد الأمر أيضا فقصد الأمر من بين الدواعي كما انه يتحقق به العبادية يتحقق به الإخلاص أيضا بخلاف الدواعي الأخر فلا يتحقق بها الا قصد الإخلاص فقط فتبين أن الدواعي المذكورة لا ريب في كفاية كل واحد منها في صحة العبادة و تحقق الإخلاص.

(قوله تعالى لَهُ الدِّينَ) قالوا الدين بمعنى الجزاء اي مخلصين ما يوجب الجزاء و العبادة و سيجي‌ء تفسير الدين بالمعنى المتعارف الذي يجب التدين به.

قوله تعالى حُنَفٰاءَ الحنيف اي المائل إلى الحق و المعرض عن الباطل و هو حال أيضا من الفاعل اي مخلصا مائلا إلى الحق و معرضا عن الباطل.

قوله تعالى وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ إضافة الدين إلى القيمة للاختصاص و الموصوف محذوف اي دين الملة القيمة و في المجمع قال النصر بن شميل سألت الخليل عن هذا يقال القيمة جمع القيم و القيم القائم واحد فالمراد دين القائمين لله بالتوحيد و ناقش في ذلك المحقق الأردبيلي و قال يحتمل كون الإضافة بيانية اي و ذلك دين الذي هو القيمة.

أقول و الإنصاف ان الآية الكريمة أجنبية عما ذكروه من دلالتها على وجوب النية و وجوب الإخلاص فيها بل هي في مقام التوبيخ على الذين أوتوا الكتاب و أنهم ما تفرقوا أو ما اختلفوا إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ و تمت عليهم الحجة في أمر الدين و الآية الكريمة في سياق قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ إِلّٰا مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (الآية) «آل عمران» قال تعالى وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ «البقرة 212».

فالذين أوتوا الكتاب ما اختلفوا الا بعد البينة و ما أمروا بذلك و انما أمروا ان لا يعبدوا الا الله وحده لا شريك له مخلصين في الدين، الدين هو الإسلام الذي ارتضاه لأنبيائه و رسله لا يقبل من أحد غيره و هذا الدين هو التوحيد في ذاته تعالى و في نعوته و كمالاته و التدين به و بما وضع من الشرائع و بما بين من الحقائق و هذا الدين خاص إله سبحانه لا نصيب لأحد فيه لا قليلا و لا كثيرا فيجب الإخلاص بأن الدين لله سبحانه‌

34

و يجب الالتزام بأن الحكم ما حكم و الدين ما شرع و السبيل ما أوضح و الطريق ما بين و كل من وضع دينا أو تشرع حكما أو ادعى دعوة فهو افتراء و كذب و واضعه صنم و طاغوت يعبد من دون الله يجب ان يكفر به و يتبرء منه فتحصل ان الآية في مقام حصر العبادة لله و نفي الشركاء منه تعالى لا إخلاص العباد لله تعالى.

قال تعالى فَإِذٰا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ (عنكبوت 65) قوله تعالى مُخْلِصِينَ اي موحدين له تعالى بالالوهية و التدين بدينه فقط قال تعالى وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «يونس 22» قال تعالى وَ إِذٰا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «لقمان 32».

و يؤيد ذلك ما ذكره بعض المفسرين عطف قوله وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ عليه قال المولى العلامة الأنصاري في كتاب الطهارة: فالآية ظاهرة في التوحيد و نفي الشرك من وجوه. منها لزوم تخصيص العموم بأكثر من الباقي، و منها عطف إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة على العبادة الخالصة عن الشرك و هو التوحيد الى ان قال:

و بما ذكرناه فسره جماعة فعن مجمع البيان مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اي لا يخلطون بعبادته عبادة من سواه و عن البيضاوي أي لا يشركون به و عن النيشابوري تفسيره بالتوحيد و جزم بذلك شيخنا البهائي في الأربعين انتهى.

ثم لا يخفى انه بناء على تسليم ما ذكروه في الآية انها مسوقة لإثبات الإخلاص انما هو لإثبات الإخلاص في العبادة المفروغ من كونها عبادة فليس سياقها افادة تشريع الإخلاص و إيجاب النية في العبادات فينهدم ما توهمه بعض عن أصالة العبادية في الواجبات مضافا الى سقوطه لسقوط أصل الدعوى و ان الآية في مقام إثبات التوحيد و نفي الشرك.

و لا يخفى أيضا ان سبب هذا التوهم انما نشأ من لفظ يعبدوا و قد توهم المستدل ان المراد هي العبادة المصطلحة و ظن ان ألفاظ القرآن لا بد ان يحمل على المعاني اللغوية، و العبادة في اللغة بمعنى التذلل و التواضع و هو معنى عام صادق بالإقرار و الاعتراف بالله لتوحيده و يتحقق بالتسبيح و التمجيد و كذلك جميع العبادات الذاتية و يتحقق أيضا بقصد الأمر في غير العبادات الذاتية فهذا التوهم ساقط بسقوط أصله أي كون المراد من العبادة هي العبادات المشروعة من قبل الشارع مع ما لها من الشرائط و الاجزاء.

الآية الرابعة [الاستدلال على حرمة مس القرآن الكريم و بيان بعض المفردات في الآية]

قال تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا

35

الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ الواقعة 80.

استدلوا بهذه الآية على تحريم مس كتابة القرآن و خالف في ذلك بعض المحققين على ما سنشير إليه في ذيل البحث إن شاء الله.

«قوله تعالى إِنَّهُ» قالوا ان الضمير المنصوب راجع الى المتلو اي ما تلوناه عليك «لَقُرْآنٌ» و هو فعلان من قرء يقرء بمعنى المفعول سمي به الكتاب المجيد باعتبار كونه حروفا و ألفاظا يتلى و يقرء «كَرِيمٌ» قيل اي كثير الخير و النفع لما فيه من أصول العلم و أمهات الشرائع و في القاموس ما ملخصه كريم اي معظم و منزه قوله فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ الكتاب بمعنى المكتوب المكنون اي المستور قيل المراد به اللوح المحفوظ و هو صفة للقرآن أيضا و فيه تصريح بأن المراد من الكتاب في المقام ليس هو القرآن كما في غير هذا المقام من إطلاق الكتاب على القران كثيرا و يحتمل ان يكون خبرا ثانيا لان قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ صفة للقرآن أيضا أو خبر لان و الجملة خبرية أريد بها الإنشاء و الشاهد القطعي على انها نعت للقرآن قوله تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ فان التنزيل صفة للقرآن بلا ريب، و لا معنى لكون التنزيل صفة و نعتا للكتاب المكنون فيسقط ما احتمله بعض المحققين من رجوع الضمير الى الكتاب و كون الجملة نعتا للكتاب و يشهد على ما ذكرنا لفظ المس أيضا فإن المس هو الإلصاق الظاهري و إطلاق المس على الإدراك سيما ادراك الحقائق الغائبة عن الحس غير معهود في إطلاق القرآن المبين و محاوراته و المس الظاهري للكتاب المكنون لا محصل له.

و الظاهر ان هذا التعبير بالنفي أظهر و أقوى في إفادة المنع و التحريم فحينئذ يكون المراد من المطهرين هم الواجدون للطهارة و النظافة الظاهرية و يشمل بإطلاقه و عمومه لمن تطهر من الأحداث و قد ناقش في ذلك المحقق الأردبيلي (قده) من احتمال رجوع الضمير الى الكتاب و قواه بعض بأن رجوعه الى الكتاب أولى لأنه أقرب و قد غفل هذا المحقق عما ذكرنا انه لو كانت هذه الجملة نعتا للكتاب لوجب ان يكون قوله تعالى تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ نعتا للكتاب أيضا و غفل أيضا عما ذكرنا من الاستبعاد من إطلاق لفظ المس على الإدراك العلمي و أوهن من هذا ما ذكره في قلائد الدرر عن بعض أن قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ الآية نعت للقرآن باعتبار ما كان في الكتاب المكنون قبل التنزيل و هذا اخراص من القول إذ لا شاهد عليه في ظاهر اللفظ و ظاهر الآية صرح ان القرآن غير الكتاب المكنون و ليس بمرتبة من مراتب الكتاب المبين كما زعمه الأعاظم من الصوفية، فإن قلت ان المستثنى و هو المظهرون اي الواجدون للطهارة و الطهارة في اللغة مطلق النظافة فأي دلالة في الآية على‌

36

اشتراط الطهارة من الأحداث قلت نعم و انما تدل الآية على جواز مس كتابة القرآن لكل من كان مطهرا و يشمل لعمومه من كان مطهرا من الأحداث أيضا و هذا عام في معرض التخصيص كغيرها من عمومات القرآن فيخصص بالأدلة المنفصلة بالقربة و الإخلاص و غيرهما من القيود فيتم ما ذهب اليه المشهور من الفقهاء و المفسرين من تحريم المس لغير المتطهر من الأحداث قال الشيخ في التبيان (510 ج 9 ط نجف) و استدل بهذه الآية على انه لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث ان يمسوا القرآن الى ان قال و عندنا ان الضمير راجع الى القرآن و ان قلنا أن الكتاب هو اللوح المحفوظ فلذلك وصفه بأنه مصون. و يبين ما قلناه قوله تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ.

انتهى.

و قريب منه عبارة الطبرسي في المجمع قال و قالوا لا يجوز للجنب و الحائض و المحدث مس المصحف. عن محمد بن علي الباقر (ع) و طاوس و عطا و هو مذهب مالك و الشافعي فيكون خبرا بمعنى النهي و عندنا ان الضمير يعود الى القرآن و لا يجوز لغير الطاهر مس كتابة القرآن انتهى. ثم انه لا خفاء في صحة إطلاق القران على الخطوط فلا محصل لما عن بعض من ان القرآن عبارة عما يقرء و يتلى و يشكل صدقه على المصحف و الكتابة.

فتحصل في المقام انه لا ريب في بحث الطهور إفادة الآية عدم جواز المس للقرآن و عليه شواهد من الروايات أيضا في الحدائق قال في رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (ع) قال المصحف لا يمسه على غير طهر و لا جنبا و لا يمس خطه و لا تعلقه ان الله يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. و رواه في الوسائل مسندا، و اشتمال الرواية على المنع في غير الكتابة لا يضر في دلالتها على التحريم فالمنع من تعليق من ان القرآن ما يقرء و يتلى و يشكل صدقه على المصحف و الكتابة.

ثم انه لا خفاء في صحة إطلاق القرآن على الخطوط فلا محصل لما عن بعض من أن القرآن ما يقرء و يتلى و يشكل صدقه على المصحف و الكتابة.

فتحصل في المقام انه لا ريب بحسب الظهور في إفادة الآية عدم جواز المس للقرآن و عليه شواهد من الروايات أيضا و في الحدائق قال في رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (ع) قال المصحف لا يمسه على غير طهر و لا جنبا و لا يمس خطه و لا تعلقه ان الله يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و رواه في الوسائل مسندا و اشتمال الرواية على المنع في غير الكتابة لا يضر في دلالتها على تحريم المس فالكراهة في تعليق القرآن لقيام الأدلة على جوازه لا ينافي المنع عن مس كتابته.

قال الشيخ (قده) في الخلاف روى حماد عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد‌

37

الله (ع) قال كان إسماعيل ابن ابي عبد الله عنده فقال يا بني اقرء المصحف فقال اني لست على وضوء فقال لا تمس الكتابة و مس الورق و أقرئه.

أقول و هو مذهب الشافعي و مالك و ابي حنيفة مع زيادة تحريم المس للحاشية أيضا عند الشافعي.

الآية الخامسة [الاستدلال على الاستنجاء بالأحجار و الماء]

قال تعالى فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة 108).

قوله تعالى فِيهِ الضمير راجع الى مسجد قباء فان صدر الآية هكذا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجٰالٌ إلخ.

قوله تعالى رِجٰالٌ هؤلاء قوم من الأنصار كانوا يحبون التطهير بالماء و الظاهر انه كان من عادتهم و سنتهم ذلك- فنزلت الآية و أحسن الله الثناء عليهم و ربما يتوهم في بدو النظر ان الآية نزلت في تشريع الاستنجاء بالماء أو في مقام إمضاء ما صدر من أهل قباء في أول الأمر و ليس كذلك بل الظاهر ان رسول اللّه (ص) أمر بالاستنجاء و ابتلى رجل من الأنصار فأكل طعاما و لان بطنه و لم يستغن عنه الأحجار فاستنجى بالماء فنزلت فيه قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة (222) فالمتحصل في المقام ان الناس كانوا يستنجون بالكرسف و الأحجار فأمر رسول الله بالماء ثم نزلت الآية (في البقرة) و هي أول ما نزل بالمدينة ثم نزلت بعد سنين الآية في التوبة و قد اختلط تفسير احدى الآيتين بالأخرى و كذا مورد نزولهما و وجه ذلك ان مطهرية الماء و طهارته كانت عند عامة البشر من فطرياتهم المعلومة لا بد من إيقاظ فطرتهم و تربيتهم بالنظافة و الوضائة حتى ان اليوم لم يستكمل أمر النظافة في جميع الناس. في تفسير العياشي عن جميل قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول كان الناس يستنجون بالكرسف و الأحجار ثم أحدث الوضوء و أمر به رسول اللّه (ص) و أنزله في كتابه إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. قال الجزائري و نقل هذه الرواية في الكافي بسند صحيح أو حسن.

و عن دعائم الإسلام عن علي (ع) قال الاستنجاء بالماء في كتاب الله و هو قوله إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ و هو خلق كريم. و في تفسير هذه الآية روايات أخرى أيضا. و اما الآية في سورة التوبة في تفسير العياشي عن الحلبي عن ابي عبد الله (ع) قال سألته عن قول الله عز و جل- فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ- قال الذين يحبون ان يطهروا نصف الوضوء هو الاستنجاء قال قال نزلت هذه الآية في أهل قباء.

و في رواية ابن سنان عنه قلت له ما ذاك الطهر قال نصف الوضوء إذا خرج‌

38

أحدهم من الغائط فمدحهم الله تعالى بتطهرهم- أقول في تفسير هذه الآية روايات من العامة و الخاصة.

و ههنا مسائل:

الأولى- المستفاد من إطلاق الآيتين كفاية مطلق الوضوء و النقاء من غير احتياج إلى الأحجار

و من غير احتياج الى تعدد الغسلات و تكرارها و اما استحباب الجمع بين الماء و الأحجار فبالأدلة المنفصلة.

الثانية- إطلاق الآيتين تشمل الطهارة المطلقة الحسية

المعلومة سواء كان من الأحداث أو من الأقذار و اما الطهارة المعنوية و هي الطهارة من درن الآثام و دنس المعاصي كما ادعاه بعض فبديهي عدم صحة هذا الإطلاق في الآية الأولى اعني الآية في سورة البقرة فإن مقابلة التوابين بالمتطهرين قرينة واضحة على ان المراد من المتطهرين هي الطهارة من الأقذار و من الأحداث فان التوابين هم المتطهرون من قذارات الكفر و العصيان و اما الآية في سورة التوبة فقد توهم بعض ان المراد فيها هي المعنوية غير شاملة للطهارة الحسية استنادا الى ان الآية ناصة بالمدح و الثناء لأهل مسجد قباء الذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوىٰ في مقابل مسجد ضرار الذي أسس إِرْصٰاداً لِمَنْ حٰارَبَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ فالذين في مسجد قباء رجال صالحون كما ان الذين في مسجد ضرار رجال مفسدون فهذه المقابلة بين المسجدين ينتهي بالآخرة الى مقابلة من يسكنون فيهما بالكفر و الايمان و الطهارة و الخباثة و الإصلاح و الإفساد فلا محالة تكون الآية ظاهرة ان الذين يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا اي من المعاصي و القبائح و الفضائح و فيه ان ما ذكر من البيان لا يصلح لصرف اللفظ عن معناه اللغوي و ما ذكره من المعنى أي الطهارة من القذارات العقلية ليست في عرض الطهارة الظاهرية إلا بضرب من التأويل و المناسبة فغاية ما يقال انها من المصاديق و من أنواع الطهارة فلا وجه لاختصاص اللفظ بها و رفع اليد عن العموم و الإطلاق و اما لو قلنا ان إطلاق الألفاظ في مورد المعاني الظاهرية على المعنوية من باب التأويل فتخرج الطهارة المعنوية عن مصب الإطلاق و العموم فلا يصار إليها إلا بدليل قطعي.

الثالثة- يستفاد من الآية استحباب الكون على الطهارة

كما اختاره في كنز العرفان و علله بأن الطهارة شرعا حقيقة في رافع الحدث. أقول الحق انها من مصاديق المعنى اللغوي فقوله تعالى وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ليس المراد حدوث الطهارة محضا بل المحبوب نفس الطهارة و كذلك يستفاد محبوبية مطلق النظافة و استمرارها.

قال المحقق الأردبيلي (قده) و في سبب النزول دلالة الى ان قال و المبالغة في الاجتناب عن النجاسات انتهى و هو كما قال فإن الآية صريحة انه تعالى يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.

39

الرابعة- قالوا محبة الله لعباده المتطهرين ان يرضى عنهم و يحسن إليهم

و ليس ببعيد فقد ورد في الروايات ان رضاه ثوابه و سخطه عقابه.

توضيح و تفصيل: قد تقرر ان القرآن الكريم و آياته الشريفة لم يجعل لزمان دون زمان و لا لقوم دون قوم و عن أبي عبد اللّه (ع) ان القرآن حي لم يمت و انه يجري كما يجري الليل و النهار و كما يجري الشمس و القمر الحديث. فان القرآن قضاياه قضايا حقيقية ينحل فالآية النازلة في شأن إفراد بخصوصها لا بد من تطبيق تلك الإفراد على ذلك الكلي و كذلك لو نزلت الآية في شأن نوع خاص لا بد من تطبيق ذلك النوع على ذلك الكلي لا حمل الكلي على الفرد و النوع و هذا هو الأصل المسلم في باب التفسير ان النظر بعموم اللفظ لا خصوصية المورد و هذا معنى ما قالوا ان الموارد لا يكون مخصصا للعموم أصلا. نعم لا بد من الالتزام ان لا يخرج شأن النزول و مورده عن هذا العموم و لا ينافي إرادة نوع خاص منها عند قيام القرآن و عند تخصيصها و تقييدها بالمخصصات و المقيدات فان للشارع أخذ نوع من العام و المطلق موضوعا لحكم أو متعلقا له أو قيدا أو شرطا لحكم أو لصحة عبادة أو مانعا لتعلق عبادة أو مبطلا لها فعلى عهدة الفقيه التحري و الاجتهاد في الموارد الواردة بلحاظ الشرائط و المانع و غيرها على نحو المولوية.

و لا يخفى أيضا أن استعمال لفظ الطهارة و النجاسة و ما يشتق منهما في الطهارة و النجاسة المعنوية أو في الأعم منهما و من الحسية ليس من باب التأويل بل من باب استعمال الكلي في أنواعه أو في بعض أنواعه و من باب تطبيق هذا النوع على هذا الكلي و ان أبيت استعمالها في المعنوية إلا بعد التذكر و الإرشاد فلا مضايقة.

فعلى هذا لو قلنا ان الآية الواردة في شأن أهل قباء صريحة و ناصة في الطهارة العقلية المعنوية لوجب الأخذ بعموم الطهارة بأنواعها و أقسامها و كذا لو قلنا انها نص في الطهارة الحسية أو الاستنجاء بالماء لوجب الأخذ بعموم الطهارة حسية كانت أو معنوية ثم لا يخفى ان الطهارة كما نبهنا عليه غير مرة انها من الأمور الحسية الواقعية و ليس من الأمور الانتزاعية الاعتبارية و كذلك القذارة و الخباثة ففي حديث أربعمائة عن علي (ع) ان الله يبغض العبد القاذورة (الحديث) فحسن النظافة و قبح الخباثة من الضروريات البديهية العقلية و الأمر يزيد وضوحا و بيانا في الطهارة المعنوية مثل الطهارة من رجس الكفر و الشرك و الفسوق و العصيان و كذلك في الخباثة و النجاسة المعنوية فإنها من المستقلات العقلية فيجب الاجتناب من الكفر و الفسوق بالضرورة و يحسن النظافة و النزاهة من الرجس رجس الكفر و النفاق. فكل ما‌

40

ورد في الكتاب و السنة في هذا الباب فهو إرشاد و تذكر الى ما أدركه العقل تدور تلك الخطابات مدار ما أرشد إليه العقل فيسقط الأخذ بالعموم التعبدي فالخباثة قبيح و رجس بجميع أقسامها حسية كانت أو معنوية بحسب مراتبها شدة و ضعفا. و كذلك النظافة و الوضائة حسن جميل بحسب مراتبها شدة و ضعفا حسية كانت أو معنوية.

الآية السادسة [في بيان معنى الطهور و أحكامه]

قال تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّٰا خَلَقْنٰا أَنْعٰاماً وَ أَنٰاسِيَّ كَثِيراً (فرقان 49) المستفاد من موارد الاستعمال ان طهورا قد استعمل في ثلاثة معان:

الأول- للمبالغة من الطاهر مثل أكول و ضروب و معنى المبالغة فيه مع ان مادة طهر لازم غير متعد إلى شدة الطهارة و الوضائة فيه مثل قوله تعالى وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً.

الثاني- بمعنى المصدر و منه قوله (ع) لا صلاة إلا بطهور.

الثالث- انه اسم لما يتطهر به كالسحور لما يسحر به و الوقود لما يوقد به مثل قوله تعالى فَاتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ (البقرة 24) و ذهب الى كل من هذه المعاني فريق فالحنفية إلى انها بمعنى المبالغة لا غير.

و الحق ان المعاني المذكورة كلها صحيحة و قد وردت في الاستعمال و صرح به اساتيذ اللغة فلا وجه لإثبات واحد و نفي ما سواه قال في القاموس الطهور المصدر و اسم لما يتطهر به و الطاهر المطهر. و في أقرب الموارد الطهور المصدر و اسم لما يتطهر به كالوضوء و الوقود لما يتوضأ به و يوقد به (ما عندي طهورا تطهر به اي وضوء أتوضأ به يقال التوبة طهور للمذنب) و قيل الطاهر المطهر و منه أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً اي مطهرا اطلب لي ماء طهورا اي بليغا في الطهارة لا شبهة فيه و عن الصحاح الطهور ما يتطهر به كالسحور و عن الفاضل الفيومي في كتاب مصباح المنير حيث قال: و طهور قيل مبالغة و انه بمعنى طاهر و الأكثر انه لوصف زائد قال ابن فارس قال تغلب الطهور في نفسه و المطهر لغيره و قال الأزهري أيضا الطهور في اللغة الطاهر المطهر و فعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل بل مثل الطهور لما يتطهر به انتهى ما أردناه.

أقول و قد كثر التشاجر و الاختلاف بين المتأخرين في ان الطهور بمعنى الطهر و عندي ان هذا النزاع قليل الجدوى و قد أعرضنا عن إيراده في المقام فان الطهور بمعنى ما يتطهر به يرجع عند التحليل ان الماء طاهر و مطهر فلا ينبغي- بعد ثبوت ان المراد منه ما يتطهر به- النزاع في ان طهورا ليس بمعنى الطاهر المطهر و يصير النزاع لفظيا و الحق في المقام أن الظاهر‌

41

من الآية هو المعنى الثالث و الآية الكريمة و ما في سياقها من الآيات و الروايات إمضاء لهذه الفطرة و إرشاد إليها و تذكر بها و تحديد لحدودها فعن المستدرك من الجعفريات بسنده الشريف عن علي أمير المؤمنين (ع) قال قال رسول اللّه (ص) الماء يطهر و لا يطهر و بهذا السند عنه أيضا قال: الماء يطهر و لا يطهر و رواه في البحار عن المحاسن عن أبي عبد الله عن أمير المؤمنين (ع) و رواه أيضا عن الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه عن النبي (ص).

و قد استشكل على هذا الاستدلال بوجوه منها ان الآية تدل على مطهرية الماء النازل من السماء فقط و الدليل أخص من المدعى و فيه ان خصوصية المورد لا ينافي الإطلاق بل يجب الأخذ به سيما بمعونة ما ذكرناه ان المقام مقام التذكر و الإرشاد لا مقام التشريع و التأسيس و أجيب أيضا ان المياه كلها نازلة من السماء فسلكها الله تعالى يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ و فيه ان هذه المسألة مسألة علمية طبيعية و إثبات أن مواد المياه الموجودة في العالم أو نفس المياه كلها نازلة من السماء استنادا بالآيات الكريمة موكول الى محل آخر و الجواب الفقهي ما ذكرناه.

و الاشكال الثاني ان ماء نكرة في سياق الإثبات فلا عموم فيها و لا إطلاق و الجواب ان الظاهر من الماء بمعنى الجنس لا النكرة و مورد الإمضاء هي طبيعة الماء و ماهيته لا الفرد المبهم لا بعينه و أجاب في الحدائق بأن النكرة في سياق الإثبات و أن لم يكن مفيدا للعموم الا انه سيق الكلام في مقام الامتنان و التفضل للعموم في جميع الحوائج الضرورية سيما بملاحظة ما ورد من التهديد في قوله تعالى وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ و هذه النكرة مثل ما ذكروه في قوله تعالى فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ و هذا الجواب لا بأس به و الأظهر ما ذكرناه.

و الاشكال الثالث ان طهورا كيف يكون بمعنى المطهر و الحال ان طهر فعل لازم غير متعد و الجواب ان استعمال طهور بمعنى ما يتطهر به سماعي قد تواتر في استعمال العرب و اجمع علماء اللغة بالتنصيص به و يستدل أيضا على ما استظهرناه من العموم في قوله تعالى مٰاءً بقوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ. فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، الآية فعلق جواز التيمم على عدم وجدان الماء و (ماء) في هذه الآية نكرة في سياق النفي فلا يجوز التيمم لو وجد نوع من أنواع المياه كما هو نص الكتاب و السنة القطعية و إجماع علماء الإسلام فلا يصغي الى ما نقل عن عبد الله بن عمر و ابن عاص من جواز التيمم مع وجود ماء البحر و ما عن سعيد بن مسيب عن عدم جواز الوضوء مع وجود ماء آخر و لا دليل على مطهرية مائع آخر غير الماء كالنبيذ عند أبي حنيفة.

42

الآية السابعة [الاستدلال على الطاهرية و المطهرية من الأحداث و الأقذار و بيان بعض المفردات في الآية]

قال تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ أنفال 11.

المشهور عند المفسرين ان الآية نزلت في غزوة بدر و قد نزل المشركون على الماء و نزل المسلمون على كثيب تسيخ فيه أقدامهم و هم كانوا على خوف و اضطراب حين رأوا كثرة المشركين و عدتهم (بكسر العين) و عدتهم (بضم العين) مع قلة عدتهم و ضعف عدتهم و كان لهم فرسان و سبعون جملا يتعاقبون عليها- القصة- فسلط الله عليهم النعاس و انزل الله الأمن و الطمأنينة على قلوبهم و احتلم أكثرهم في تلك الليلة فأنزل الله عليهم من السماء ماء فسالت الوادي و جعل المسلمون الحياض و الغدر ان فشربوا و اغتسلوا من الجنابة فاطهروا من القذارات و تلبدت الأرض و نبتت عليها أقدامهم.

قوله تعالى مٰاءً الكلام فيه بعينه الكلام في الآية السابقة قوله تعالى لِيُطَهِّرَكُمْ الظاهر في الآية بحسب الإطلاق هي الطهارة من الأحداث و الأقذار، و الفرق بين هذه الآية و سابقتها أن السابقة ظاهرة في الطاهرية و المطهرية و هذه نص فيهما.

قوله تعالى رِجْزَ الشَّيْطٰانِ الرجز بالضم و الكسر القذارة كما في قوله تعالى الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (المدثر- 5) و الشرك و العذاب و عبادة الأوثان و الظاهر ان جميع هذه المعاني من مصاديق الرجز و افراده و لا مانع من تعميم الرجز الى جميعها الا ان المورد يتأبى بحسب الظاهر عن صدق الآية و تعميمها الى غير الأحداث و الأقذار التي يتطهر منها بالماء.

هذا ان قلنا انه عطف تفسير و توضيح لقوله تعالى لِيُطَهِّرَكُمْ، و حينئذ يكون المراد من رجز الشيطان الحدث بالجنابة و القذارات الحاصلة بالاحتلام فعليه يترتب و يتفرع قوله تعالى وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ بقوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً و هذا هو الظاهر من الآية و قيل المراد من رجز الشيطان العذاب و الوسوسة التي يلقيها إليهم و يوجب لهم الحزن و الخوف على ما هو المشهور في شأن النزول من تمثل الشيطان لهم فعلى هذا يكون عطفا على قوله تعالى أَمَنَةً و مترتبا و متفرعا على قوله تعالى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ.

قوله تعالى وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ ربط القلوب إنزال الأمن في قلوبهم و تشجيعها و سكونها بما وعد الله تعالى على رسوله و أوليائه المجاهدين كي يثبتوا في مواقع الطعن و الضرب و يصبروا صبر الكرام الأحرار في إعزاز اسم الله الكريم و إعلاء كلمته سبحانه.

قوله تعالى يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ و الظاهر ان الضمير راجع الى الربط اي ربط القلوب و يثبت به أقدام المجاهدين بطمأنينة قلوبهم الزكية و عزيمة نفوسهم الطاهرة‌

43

و قيل ان المراد من تثبيت الاقدام ان الوادي كان رملا يسيخ فيه أقدامهم فتبلل الوادي بنزول المطر و تثبت فيه أقدامهم و هذا الوجه انما يمكن بناء على ان قوله تعالى وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ مترتب و متفرع على قوله وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً و اما بناء على ما ذكرنا انه متفرع على قوله إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً فيكون يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ عطفا عليه فيكون ظاهر في الصبر و الثبات القلبي.

الآية الثامنة [الاستدلال على حرمة الجماع في الحيض دون سائر الاستمتاعات و بيان معنى الحيض و الأذى و اعتزال النساء حتى يطهرن و بيان بعض الأحكام]

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة 222) قيل في وجه السؤال ان سنة اليهود في أمر النساء و الاجتناب عنهن في زمن الحيض كانت في طرف الإفراط و قد سرت هذه العادة إلى الأعراب الوثنيين المخالطين مع اليهود و كانوا يفارقونهن في المسكن و المطعم و المشرب و أمثالها و كانت النصارى على طرف التفريط و التساهل و لا يبالون بشي‌ء أمرهن فالمحيض مصدر من حاض يحيض فقد وقع السؤال عن نفس الحيض بلحاظ نفس الحيض لا باعتبار أحكامه و قوله أَذىً جواب عن هذا السؤال فالمشهور في تفسير الأذى انه القذر و النجس و قوله يشكل حملة على الحيض بمعناه المصدري قال في آلاء الرحمن ص 198 و لا بد في قوله بل هو أذى نحو من الاستخدام فان الحيض بمعناه المصدري ليس قذرا يجتنبه الرجال و انما القذر و الذي هو الدم و يحسن هذا بشدة الملابسة و الاستغناء به عن التصريح باسم دم الحيض المتعذر انتهى.

و قيل ان أذى بمعنى الضرر و الحق ان أذى ليس بمعنى قذر و لا بمعنى الضرر و المواد المستعملة فيها أذى تشهد على خلافه قال لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلّٰا أَذىً و لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ و غيرهما من الآيات و قال في القاموس في تفسير أذى هي المكروه و في أقرب الموارد أذى يأذي و آذاه وصل اليه المكروه و ما ذكروه في معناه أنه القذر و المتقذر أو الضرر من مصاديق المعنى الذي ذكرناه ينطبق عليه أحيانا لا مطلقا.

فالمتحصل من موارد الاستعمال و من تصريح أهل اللغة انه المكروه المنافر للطبع الغير الملائم به و كيف كان فهو جواب عن السؤال و هو نفس الحيض و فيه تعرض لما كان دائرا و رائجا في الوقت من الغلو و الإفراط و الخرافات في أمر النساء و الحيض و شدة الاجتناب عنهن و أجاب و أجمل في الجواب بالأخذ بالوسط الحق بين الغالين المفرطين و بين المتساهلين الذين لا يبالون بشي‌ء من أمرهن ثم أخذ في بيان الحكم و بيان الوظيفة العادلة في الاجتناب عنهن و عبر عن هذا الاجتناب كناية بالاعتزال و النهي و عدم القرب منهن و هو الاختلاط الجنسي على ما سيجي‌ء بيانه فان المعلوم من سنة القرآن المبين الصفح عن التعريض بما يستقبح ذكره و من العجيب ما في‌

44

المنار ملخصا أن أذى بمعنى الضرر و علة للحكم قدم على الحكم تسهيلا لقبول المتساهلين.

و فيه أولا ان الأذى ليس بمعنى الضرر كي يكون علة للحكم و لو كان بمعنى الضرر فهو جواب عن السؤال مستقيما لا انه علة للجواب قدم على الجواب كي يتسارعوا الى قبوله ثم ان العلل المذكورة للاحكام في بعض الموارد في الكتاب و السنة لبست علة للحكم يدور مدارها و انما هو لبيان شي‌ء من مصالحها و حكمها و قد ذكر في الآثار المروية عن النبي و الأئمة (ع) من مفاسد الوقاع في زمن الحيض فلا يكون الأذى علة منحصرة للحكم فلا يمكن ان يقال ان الضرر على فرض تسليمه علة للحكم فلا وجه للالتزام بهذا الوجه الردي كي ينحل نظام الآية و يختل ارتباط جملاته.

قوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ الاعتزال هو التنحي و التباعد و المحيض كما ذكرنا في صدر البيان مصدر من حاض يحيض بمعنى سال يسيل مثل مجي‌ء و مبيت و الجار و المجرور بتقدير المضاف متعلق باعتزلوا و اسم زمان متعلق به أيضا أي فاعتزلوا النساء في حال الحيض أو في زمان الحيض و عن الفخر الرازي و ظاهر بعض المفسرين ان المحيض اسم مكان و هو موضع الدم و هو مفعول لاعتزلوا فيكون الآية نصا في تحريم موضع الدم من دون احتياج الى تقييد الاعتزال المطلق و تخصيصه بالأدلة المنفصلة بتحريم موضع الدم و قواه بعض الأجلة بأن المحيض لا يخلو اما ان أن يكون مصدرا إذا اسم زمان أو اسم مكان فعلى الأول يحتاج إلى إضمار المضاف و الأصل عدم الإضمار و على تقديره فاضمار المكان أولى فإن إضمار الزمان التزام بوجوب الاجتناب المطلق عن النسوان بالكلية في مدة الحيض و هو خلاف الإجماع و هذا من العجائب فان في المحيض ظرف للاعتزال على جميع التقادير و ليس مفعولا به و ما ذكره في ترجيح كونه اسما للمكان قد خلط فيه بين المفعول به و المفعول فيه فلا يرجع ما ذكره هؤلاء الأفاضل إلى معنى محصل.

نعم ذكر بعضهم ان العناية بإعادة اسم الظاهر دون الإشارة بالضمير ان المحيض المذكور في صدر الآية و المذكور في المقام اسم زمان فالإتيان بالضمير لا يكون وافيا لإفادة المراد.

فتحصل ان تقييد وجوب الاعتزال بموضع الدم لا بد ان يلتمس عن الأدلة المنفصلة أو من قرائن أخرى و قد كثر القيل في هذا الباب من أرادها فليراجع الى المطولات.

و الظاهر ان الآية الكريمة بعد التأمل فيها صدرا و ذيلا تدل على ان المراد هو الاعتزال الخاص و هو الوقاع عن موضع الدم لا مطلق الاعتزال حيث قال تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ فالأمر بالإتيان ليس للوجوب بل مفاده رفع‌

45

الحظر و الإرسال و الإطلاق في إتيانهن مثل قوله تعالى وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا فلسان التحليل و رفع الحظر صريح ان الممنوع في زمن الحيض هو الإتيان فقط لا مطلق الاعتزال.

فتحصل في المقام ان قوله تعالى فِي الْمَحِيضِ اما مصدر بتقدير المطاف أو اسم زمان فالآية الكريمة لا تدل على أزيد من تحريم موضع الدم و اما كراهة سائر الاستمتاعات منهن أو تحريمها فخارج عن مفاد الآية فلا بد ان يطلب من أدلة أخرى.

قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ عطف تفسير و توضيح لقوله تعالى فَاعْتَزِلُوا و قد عبر تعالى عن ترك الوقاع بالاعتزال و عدم القرب منهن مراعاة للأدب البالغ في القرآن الكريم.

فالصفح عما يستقبح ذكره من سنة الكرام الأبرار المتأدبين بأدب الله سبحانه.

قوله تعالى حَتّٰى يَطْهُرْنَ قيد و غاية لوجوب الاعتزال و حرمة القرب منهن و ظاهره الإطلاق و عدم توقف المسيس منهن بأمر آخر و المراد من الطهارة هو النقاء من الدم و انقطاعه فالطهارة مصدر طهر و ضده القذارة و كلتاهما فعل لازم غير متعد.

قوله تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ الآية فلما كان مفاد الجملة الاولى هو الإطلاق و جواز المس بهن من دون توقف بأمر آخر فلا محالة يقع المنافاة بينه و بين الجملة الشرطية التالية و حيث ان الشرط و القيد متصل فلا مانع من تقييد إطلاق مفهوم الغاية بمفهوم الشرط الا ان ذلك متوقف على القول بحجية مفهوم الشرط و متوقف أيضا على أن لا يكون أحد المفهومين أقوى ظهورا من الآخر فمفهوم الغاية كالنص في انتهاء الحكم المعني عند وجود الغاية و مفهوم الشرط مردد بين كون الطهارة قيدا استحبابيا أو قيدا وجوبيا كي يحرم الإتيان بهن قبل هذا الشرط فعليه يكون مفهوم الغاية قرينة و شرحا لمفهوم الشرط فيكون الطهارة في المقام قيدا و شرطا استحبابيا فلا مانع من جواز المسيس قبل الطهارة و توقفه على الطهارة استحبابا فيسقط ما ذكره الفخر الرازي و غيره من توقف الجواز على تحقق كلتا الجملتين من دون تعرض لدفع التنافي بينهما.

ثم ان الطهارة أمر ذو درجات فالتطهير المذكور شامل بإطلاقه جميع مراتبها شمولا بدليا لا شمولا عموميا فيكفي في شمول الطهارة و صدقها غسل الموضع و جواز المسيس بعده و دعوى انصراف الطهارة إلى الطهارة الكاملة و الاغتسال مدفوع بأن هذا الانصراف انصراف بدوي يرتفع بعد التأمل.

هذا كله بناء على قراءة التخفيف و اما بناء على قراءة التقليل فقال الفخر الرازي ان القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان و أمكن الجمع بينهما وجب الجمع بينهما انتهى. يريد الاستدلال عن طرف الشافعي ان قراءة التشديد يوجب الجمع بين النقاء و الاغتسال لتعارضها بقراءة التخفيف فالترجيح لجانب قراءة التشديد.

46

أقول معنى ما ذكره من ترجيح قراءة التشديد بالجمع بين القراءتين ليس استظهارا من الآية و مرجع ما ذكره هو إجمال الآية و الرجوع الى الأصل العملي و هو الاحتياط و الحق ان ما ذكره من تواتر القراءتين ليس بشي‌ء و انما هذا شي‌ء نهجوا به في كلماتهم و مقالاتهم و لا سبيل لنا الى هذه القراءات الا آحاد غير واجدين للشرائط المعتبرة في حجية الخبر الواحد المقررة في الأصول. قال في آلاء الرحمن (ص 29) الى ان قال ما هي إلا روايات آحاد عن آحاد لا توجب اطمئنانا و لا وثوقا فضلا عن و هنا بالتعارض و مخالفتها للرسم المتداول المتواتر بين عامة المسلمين في السنين المتطاولة و ان كلا من القراء لم تثبت عدالته و لا ثقته انتهى ما أردناه.

و يؤيد قراءة التخفيف أيضا ما رواه في نور الثقلين عن الخصال عن موسى بن جعفر عن أبيه (ع) انه قال سئل أبي عما حرم الله من الفروج في القرآن و عما حرم رسول الله في سنته فقال الذي حرم الله من ذلك أربعة و ثلاثين وجها سبعة عشر في القرآن و سبعة عشر في السنة فأما الذي في القران فالزنا الى قوله و الحائض حتى تطهر لقوله تعالى حَتّٰى يَطْهُرْنَ.

فهذه الرواية الشريفة كما أنها تؤيد قراءة التخفيف تصرح أيضا بأن الغاية للتحريم هو النقاء و مما يؤيد قراءة التخفيف ما رواه في تفسير العياشي عن عيسى بن عبد الله قال قال أبو عبد الله (ع) المرأة الحيض يحرم على زوجها ان يأتيها في فرجها لقول الله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ الحديث.

و القول الجامع في الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم) ان طائفة منها ناصة و صريحة فيما يستفاد من الآية الكريمة من جواز المسيس على استحباب الاجتناب حتى يغتسلن و طائفة منها مانعة عن المسيس و فيها قرائن الكراهة و هي قابلة للجمع مع الروايات الدالة على الجواز و طائفة منها صريحة في المنع قبل الاغتسال الا انها لموافقتها لمذهب علماء العامة المعاصرين لهم فلا يمكن الوثوق بها.

فتحصل في المقام ان مفاد الآية الكريمة عند التأمل و التحليل عين مفاد الروايات الشريفة جواز الإتيان بعد النقاء و استحباب الصبر على التطهير و الاغتسال.

[الأمر بالإتيان للترخيص و رفع الحظر و تشريع النكاح]

قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ- الأمر بالإتيان للترخيص و رفع الحظر و هو مفيد الإباحة بالمعنى الأخص و لا وجه لما يقال انه يفيد الإباحة بالمعنى المطلق الشامل للوجوب و الاستحباب و الكراهة و الإباحة كما لو صادف حين فراغها ممن‌

47

الاغتسال لآخر أيام الظهار و الإيلاء و نحو ذلك.

فان هذه العروض انما هي بالعناوين الثانوية و الآية مسوقة بالعنوان الاولي و بالطبيعة المستمرة و ثانيا بناء على ما ذكرنا من ان الطهارة قيد استحبابي لجواز الإتيان فلو صادف عنوان الوجوب بوقت النقاء فليس الاغتسال حينئذ قيدا استحبابيا لجواز المسيس.

قوله تعالى مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ، اختلفوا في هذا الأمر و ما المراد منه على أقوال الأول الذي أمر الله تعالى بالاعتزال و الاجتناب منها و الثاني من قبل النكاح لا الفجور و الثالث ان يكون من جهة الحرام مثل ان لا تكن صائمات محرمات معتكفات و قيل المراد الأمر التكويني اي الاهتداء طبعا و تكوينا مع أعداد التجهيزات اللازمة للتوالد و للتناسل لحفظ النوع و بقاء النسل و كلها مخدوش.

بل الظاهر ان المراد هي سنة التشريع و شريعة النكاح المرغوب فيه و المندوب إليه لإقامة سنة التكوين على ما سنة تعالى و قرره طبق الأسباب و المسببات ان خلق بينهما من العواطف الشريفة قال تعالى و من آياته أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم 21). و ما جعل فيهما من الميولات الغريزية للاختلاط الجنسي و ما هيأه الله واعده من تجهيز وسائل اللقاح من اختلاط الزوجين ما يدهش منها العقول فسبحانه من خالق ما أحكمه فهذه السنة المقدسة الإلهية مجاري قضائه تعالى في أمر الخليقة و بقاء هذا النوع و ادامة هذا النسل و قد أمر سبحانه عباده في سنة التشريع لإقامة هذه السنة و إيجاد الأسباب الموكولة اليه و منها الإتيان عن المحل المعتاد.

[الكلام في وجوب التوبة و أنها تكون عن الكبائر أم تعم الصغائر]

قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ الآية- لما كان حبه تعالى بعباده و بيان حقيقة الحب فيه سبحانه من أغمض المسائل الكلامية يحتاج الى بسط و توضيح في المقال يخرجنا عن البحث التفسيري و قد أعرضنا عن إيراده في المقام اما التوبة فيقع الكلام في وجوبها و بيان حقيقتها و فضيلتها- اما الكلام في الأول فقد تكاثرت الأدلة في الكتاب و السنة في الأمر به و الحث عليه و قد توهم بعض على ما نقله الشيخ العلامة الأنصاري (قدس سره) عدم وجوب التوبة في الصغائر استنادا بأن اجتناب الكبائر و إتيان الطاعات و الصالحات مكفرة للصغائر فلا يحتاج في تكفير الصغائر إلى التوبة و لعل القائل يستند في هذه الدعوى الى قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (النساء 31) و الى قوله تعالى إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ (هود 114).

و فيه أولا ان ظاهر الآية الأولى بقرينة ذيلها ان هذا التفكير في يوم الحساب و عند دخول الجنة و ظاهر الآية الثانية كما صرح به الشيخ (قده) أعم من‌

48

الكبائر و الصغائر كما هو ظاهر غير واحد من الآيات الدالة على التكفير و أورد عليه أيضا بأن إتيان الطاعات و اجتناب الكبائر لو قلنا انها مكفرة للصغائر لكن التوبة أسبق من الكل لأنه يتحقق في الزمان المتصل بالمعصية لا يمكن فيه تحقق غيره غالبا.

و التحقيق في الجواب عن هذه المغالطة أن مرتبة تكفير المعاصي بالطاعات أو باجتناب الكبائر ليست في مرتبة وجوب التوبة فإن الكلام في وجوب التوبة من حيث الحكم التكليفي و اما ما يفعل الله بعباده بفضله و كرمه فأجنبي عن محل الكلام فوعده تعالى وعد الصدق الذي وعده لأهل طاعته أن يغفر لهم ما سلف من الله و الصغائر ليس ترخيصا في المعصية و الإهمال في التوبة و الرجوع اليه تعالى و الاعتذار اليه سبحانه من التجري به و عن هتك حريمه و هذا الوجه بمكان من السقوط فوجوب التوبة من المستقلات العقلية و جميع ما ورد في الكتاب و السنة من الأمر به و الحث عليه إرشاد به و تذكر اليه و تقريب ذلك ان الأحكام من الواجبات و المحرمات سواء كانت من المستقلات العقلية أو من التعبديات الشرعية المولوية لا بد من امتثالها و الخروج عن عهدتها بالضرورة و الإهمال في ذلك غير مسقط لوجوب الامتثال و هذا الوجوب باق بحاله كما كان و كذلك التصميم على المخالفة و العصيان في المستقبل فالتوبة واجبة بعين وجوب الامتثال بالبداهة العقلية فهي تجديد ايمان و التزام و أحكام عهد و تثبيت ميثاق كما صرح بذلك سيد العابدين (صلوات الله عليه) في دعائه في طلب التوبة قال و لك يا رب شرطي ان لا أعود في مكروهك و ضماني الا أرجع في مذمومك و عهدي أن اهجر جميع معاصيك. الدعاء (31).

[في بيان حقيقة التوبة و ماهيتها]

فتبين ان التكفير تكفير السيئات بالحسنات و تكفير الصغائر باجتناب الكبائر ليس في مرتبة التوبة و لا في عرضها فلا يمكن أن يكونا من إفراد الواجب التخييري و لا متزاحمين مع التوبة و ليست أدلتهما معارضة بأدلة وجوب التوبة فحيث ان الوجوب وجوب إرشادي قال الشيخ (قده) فلا يترتب عقاب على تركها غير العقاب الذي يتوجه على أصل المعصية و قال ان مرادنا بالأمر الإرشادي ليس الا ما يترتب عليه أثر إلا ما يترتب على أصل العمل فالأوامر الإرشادية يدور مدار المرشد اليه كالتعلم الواجب للاحكام و أمثاله. أقول هذا الوجه غير مرض عندنا فإن التوبة لا يقاس بالتعلم و أمثاله فالتوبة في عين انها جبران لما خالف أمر ربه تعالى التزام بالطاعة و هذا الالتزام واجب و تركه تفريط في جنب المولى جل مجده و ثانيا قد ذكرنا ان التوبة مصداق للامتثال الواجب و تغايرهما بحسب المفهوم و الاعتبار لا بحسب المصداق فالكلام في وجوب التوبة بعينه في وجوب الامتثال و اما حقيقة التوبة قيل هو الندم على ما فات و ظاهر بعض الكلمات اشتراط الاستغفار فيه، أقول الظاهر انه‌

49

لا ينفك غالبا عن التشوق إلى المغفرة و الاستحياء من الله سبحانه و اما اشتراط الاستغفار الإنشائي باللسان فلم اتحصل دليل على وجوبه و اما بناء على ما ذكرنا فهو الندم و القيام بما يحققه من الأعمال لا الندم فقط مثلا الحابس حقوق الناس لا بد له من الندم و التخلص من مظالم العباد و هكذا غيره من الأعمال. ثم لا يخفى ان التوبة تختلف مراتبه بحسب اختلاف مراتب التأبين فلا محالة تختلف مراتب التوبة و تنقسم إلى الأكمل و الكامل و على ذلك يحمل اختلاف الروايات الواردة في بيان حقيقة التوبة.

(و اما فضيلة التوبة)

قال تعالى الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. (شورى 13) فكفى بها فضلا و شرفا انها من أعظم الفرائض و أجل العبادات و الله سبحانه يهدي الى جنابة من ينيب اليه فإنابة العبد الى الله و وقوفه موقف التسليم بين يدي ربه وقوف المستسلم الذليل، وقوف من لا رب له الا الله وحده و يسأله و يتضرع إليه إيفاء لوظيفة العبودية و رفع الغفلات عنه و نزول السكينة الإلهية عليه عين الهداية الربانية قد دخل حريم الانس و جلس بساط القرب و قد قبض الله قلبه اليه و أطلق لسانه بالتمجيد له حتى اقبل بكله و كنه همته الى الله مناجيا باكيا قلقا و قد اقبل الله تعالى إليه إقبال الشفيق و نصت اليه إنصات الصديق و يجيبه إجابات الأحباء و يناجيه مناجاة الأصدقاء.

قوله تعالى التَّوّٰابِينَ- إثبات الحب للتوابين لا ينافي حبه للتائبين و لعل العناية فيه عدم بأسه من الله سبحانه فاذا زلت قدمه بعد التوبة الاولى يرجع الى ربه ثانيا مرة بعد اخرى فاليأس بعد تكرر التوبة و تكرر نقضها حرام بين و من تسويلات الشيطان و تكرر الرجوع الى جنابه وثوق بسعة كرمه و فوز حسان فلا يضيق فضله عن مغفرة المذنبين.

و يحتمل ان يكون التواب مبالغة من حيث الكيفية أي من يكون قويا في التوبة شديد التمسك كما ذكره السيد السند (قده) في شرح الصحيفة المباركة و في التعبير بأن المؤكدة و تصدير الجملة بها في قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ اشعار بكمال العناية للتوابين و لتثبيت محبته تعالى لهم. و في شرح الصحيفة في قوله (ع) انك قلت في محكم كتابك انك تقبل التوبة عن عبادك و تعفو عن السيئات و تحب التوابين فأوجب لي محبتك كما شرطت. الدعاء.

50

قال السيد فان قلت لم قال في هذه الفقرة و أوجب لي محبتك و لم يقل أحبني كما قال و اقبل توبتي و اعف عن سيئاتي و من أين فهم إيجاب شرطه تعالى محبة التوابين حتى عبر بذلك قلت فهم الإيجاب عن تأكيد النسبة و تحقيق الحكم بأن المؤكدة في قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ و كان التأكيد مؤذنا بتحقق مضمونها و موجبا للجزم بحصوله و انه واجب ثابت لا محالة انتهى ما أردناه.

و قد مضى تفسير قوله تعالى وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ في تفسير قوله فِيهِ رِجٰالٌ (توبة 108).

الآية التاسعة [الاستدلال على منع المشركين من الدخول إلى المسجد الحرام و بيان معنى النجس و مفردات أخرى و بعض الأحكام]

قال تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شٰاءَ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة 28).

قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، الحصر في طرف المحمول اي حصر صفات المشركين بكونهم نجسا لا حصر الموضوع كما في بعض الكلمات بأن لا يكون غير المشركين نجس و الحصر إضافي بالنسبة إلى الطهارة.

و المراد من المشركين الوثنيون من قريش و عبدة الأصنام فلا تشمل اليهود و لا النصارى و لا غيرهما من الفرق التي ألحدوا في ذاته تعالى و في توحيده و معاني أسمائه جل مجده و ثناؤه لا من حيث عدم صحة إطلاق المشرك على غير الوثني بل من حيث ان إطلاق الشرك على الفرق باعتبارات مختلفة و بعنايات ممتازة يشكل معها الأخذ بعموم المشرك و إطلاقه يجد هذه العنايات الباحث المتأمل في آيات القرآن قال تعالى وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ.

صرح تعالى في حال ايمانهم على تحقق الشرك بلحاظ انهم يعصون ربهم و يطيعون الشيطان قال تعالى اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ (توبة 31).

فهؤلاء الأحبار غيروا أحكام الله و حرفوها فاليهود مع علمهم انه ليس لغير الله سبحانه حق التشريع و التحليل و التحريم قبلوا منهم و أطاعوهم فيما ادعوا و شرعوا، فاتخذوا بذلك هؤلاء الخائنين أربابا من دون الله، فسماهم سبحانه بذلك مشركين. و النصارى و ان أطلق عليهم المشرك كما في هذه الآية الا انه قد قوبل في كثير من الموارد بالمشركين و عبر عنهم و عن اليهود بأهل الكتاب قال‌

51

تعالى لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ. الآية (البينة 1) و لذا اعترف الأعاظم من الفقهاء بعدم صحة الاستدلال بهذه الآية على نجاسة أهل الكتاب.

قوله تعالى «نَجَسٌ» بفتح العين أقول المعروف عن فقهاء العامة و مفسريهم عدم القول بنجاسة المشركين أيضا و نسب المحقق الأردبيلي القول بالنجاسة إلى الفخر الرازي و استشكلوا في دلالة الآية على النجاسة و قالوا ان نجسا مصدر فلا يمكن حمله على الأعيان فلا بد من تأويله بتقدير مضاف اي ذو نجس يعني ان المشركين حيث انهم لم يجتنبوا من النجاسات و لم يغتسلوا من الجنابة فهم ذو قذارة و نجاسة و زاد البيضاوي ان ما كان الغالب فيه النجاسة تحكم بنجاسته قياسا على مورد هذه الآية.

فالمتحصل من كلماتهم ان المراد في الآية نجاستهم بالعرض لا بأعيانهم كما هو المدعي و أجيب عن هذا التأويل بأن كونهم ذا نجاسة غالبا لا يستلزم نجاستهم و لا دليل عليه فضلا عن قياس غير مورد الآية عليه بل مقتضى الإطلاق الحكم بنجاسة أعيانهم و الا فلا مسوغ لحمل نجس على الأعيان على الإطلاق بظهور الإطلاق في النجاسة الدائمة لا الغالبية.

و استشكل أيضا بأن نجاسة أعيان المشركين انما هي نجاسة جعلية تعبدية لا نجاسة تكوينية خارجية فعلية يتوقف صحة إطلاق لفظ نجس على ثبوت الحقيقة الشرعية في زمان نزول الآية و هذا أمر عجيب فأي تلازم بين صحة إطلاق نجس على المشركين و بين ثبوت الحقيقة الشرعية فإن استعمال هذا اللفظ في القذارات العرفية التكوينية و القذارات الجعلية التعبدية على نحو واحد و ملاك واحد غاية الأمر ان المصداق التعبدي صارت بمنزلة التكويني فتكثير المصداق لمفهوم اللفظ و استعمال اللفظ فيه ليس الا كاستعماله في التكويني و هو غير الحقيقة الشرعية فإن الحقيقة الشرعية اخلاء اللفظ عن معناه الأول و وصفه ثانيا في مقابل المعنى المستحدث الشرعي فالقول بتوقف استعمال لفظ نجس في النجاسة التعبدية على ثبوت الحقيقة الشرعية ساقط جدا.

و الحق في المقام عدم صحة هذا التأويل لعدم الدليل عليه و لا مسوغ لإخراج القرآن عن ظاهره و لا يجوز تأويله إلا بدليل قطعي و ما ذكروه من استحالة حمل المصدر على الأعيان فيندفع انه من باب زيد عدل و ان حمل نجس على المشركين من باب المبالغة و هو مجاز شائع لا بد من التزامه فلا يصل النوبة إلى تأويل الآية و إضمار المضاف فعليه تكون الآية ظاهرة في نجاسة المشركين بأعيانهم فإن قلت ان‌

52

إطلاق لفظ النجس على المشركين في زمان نزول الآية ليس إلا كإطلاق لفظ الرجس على الميسر و الأنصاب و الأزلام فيكون المراد القذارة المعنوية كما ادعاه بعض الأجلة قلت ان بين الإطلاقين فرقا بينا فإن إطلاقها في الميسر و أمثاله مضافا الى عدم صلاحية المورد للنجاسة الشرعية التعبدية تصريح بأن الميسر و عبادة الأوثان من عمل الشيطان يجب الاجتناب عنه فيكون كالنص في النجاسة المعنوية و في بيان ان القذر هو عمل المكلف لا جسمه بخلاف المقام فليس إطلاقه و استعمال اللفظ فيه الا كاستعماله في الكلب و الخنزير فهذا الاستعمال كما صرح بعض الأعاظم أصرح بيان في إفادة النجاسة و لو جاز التشكيك في المقام لجاز التشكيك في نجاسة الكلب و الخنزير على انا قد ذكرنا في طي الأبحاث انه يجب الأخذ في أمثال المقام بإطلاق اللفظ و إسراء الحكم إلى القذارة المعنوية و الجسمية ما لم تقم قرينة على إرادة واحدة منها بخصوصها. و الموارد التي ورد بها النص من باب المثال و المصداق و الاكتفاء بالموارد التي صرح بها في لسان الروايات هو الأحوط و الاولى.

قد تقدم أن مورد إطلاق لفظ الطهارة و النجاسة في الحسية و تعميم استعمالها في المعنوية من باب التذكر بالمصداق لا من باب التأويل و الاكتفاء فهما بالموارد المنصوصة لأجل التذكر و الإرشاد هو الاولى.

هذا كله بناء على ان لفظ نجس مصدر يشكل حمله على الأعيان اما بناء على كونه صفة مشبهة لوحظ فيه معنى الوصفية فيكون بمعنى القذر بكسر العين اي ضد الطاهر كما صرح به في القاموس و المحكي عن الجوهري و الأزهري و غيرهم من اساتيد اللغة فلا إشكال حينئذ في حمله على المشركين و الأخذ بظاهر الآية و الحكم بنجاسة المشركين بأعيانهم قال في الكشاف و عن ابن عباس رضي الله عنه أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير و عن الحسن من صافح مشركا توضأ و أهل المذاهب على خلاف هذين القولين و قرأ بكسر النون و سكون الجيم على تقدير حذف الموصوف كأنه قيل انما المشركون جنس نجس أو ضرب نجس و أكثر ما جاء تابعا لرجس انتهى.

و غرضه من تقدير الموصوف دفع ما يرد على الاستدلال انه لو كان وصفا لكان حق العبارة ان يقال انما المشركون نجسون أو أنجاس قال الشيخ (قده) و اما بناء على كونه صفة مرادفة للنجس بالكسر الى ان قال و يكون إفراد الخبر على تأويل انهم نوع أو صنف نجس.

قال و التأمل في ثبوت الحقيقة الشرعية في غير محله اما بما ذكرناه في أول باب النجاسات ان النجاسة الشرعية هي القذارة الموجودة في الأشياء في نظر الشارع و لم ينقل عن معناه اللغوي انتهى.

53

فتلخص من جميع ما ذكرناه ان ظاهر الآية الشريفة نجاسة المشركين سواء كان لفظ نجس مصدرا أو صفة و سواء كان بوزن فعل «بفتحتين» أو فعل «بكسر و سكون» كما هو المتسالم عليه عند معظم الفقهاء و اما إسراء الحكم الى غير المشركين من أصناف الكفار فخارج عن مفاد الآية الكريمة فليلتمس من أدلة أخرى.

(قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ الآية الفاء للتفريع الا انه ليس فيه دلالة على ما استظهرناه من نجاسة المشركين فان التفريع يصح على جميع الوجوه سواء قلنا بالنجاسة الشرعية أو بالكشف عن النجاسة الواقعية كما ذكره الشيخ (قده) أو قلنا بالنجاسة المعنوية اي خبث بواطنهم و سرائرهم بالكفر.

و النهي عن قرب المسجد نهي عن دخوله بطريق المبالغة و التأكيد كما في قوله لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ* و لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ و هذا النهي ليس نهيا تكليفيا كما ذهب بعض المفسرين و انما هو حكم وضعي مثل قوله (ع) لا يرث الكافر المسلم و أمثاله فلا يصح الاستدلال به على تحريم دخول الكافرين في مسجد الحرام بل يمنعون منه و يطردون عنه و المخاطب بإجراء هذا الحكم هم المؤمنون المخاطبون في صدر الآية و لا يصح أيضا الاستدلال به على ان الكفار مكلفون بالفروع كما انهم مكلفون بالأصول بل الأمر بالعكس و منعوا عن حضور الموسم قوله تعالى الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ قيل ان المراد ان المشركين منعوا عن الحج و العمرة و حضور الموسم و هو المحكي عن أبي حنيفة و قيل المراد منعهم و عزلهم عن ولاية الحج و امارة الحاج و نظارتهم في شئونهم كما كان قبل الحين.

و قيل ان المراد المنع عن دخول الحرم و الحرم كله مسجد بالنسبة الى هذا الحكم. أقول الآية الكريمة لا تدل على تحريم شي‌ء مما ذكروه و انما تدل على المنع من دخول المسجد الحرام و اما ما سوى ذلك فقد علم بعض منها من السنة.

قال المسعودي في مروج الذهب ص 297 و في سنة تسع حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالناس و قرأ عليهم علي ابن أبي طالب سورة براءة و أمر أن لا يحج مشرك و لا يطوف بالبيت عريان انتهى. و في المجلد السادس من البحار ص 636 و روى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال خطب على الناس و اخترط سيفه فقال لا يطوفن بالبيت عريان و لا يحجن البيت مشرك و من كان له مدة فهو الى مدته و من لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر و كان خطب يوم النحر انتهى و فيه أيضا و ذكر أبو عبد الله الجاحظ بإسناده عن زيد بن بقيع قال سألنا عليا بأي‌

54

شي‌ء بعثت في ذي الحجة قال بعثت بأربعة لا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة و لا يطوف بالبيت عريان و لا يجتمع مؤمن و كافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا و من كان بينه و بين رسول اللّه عهد فبعهده الى مدته و من لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر انتهى ما أردناه.

فالمدار هو دلالة اللفظ لا إمكان انطباق القضايا الواردة في المورد على الآية و ما ذكروه ليس الا من هذا الباب لا من باب دلالة اللفظ عليه.

قوله تعالى بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا هي السنة التاسعة من الهجرة و في الثامنة كان فتح مكة و كسر الأصنام.

(فروع)

الأول: قيل يستفاد من الآية منع دخولهم المسجد

اي مسجد كان لان وجه المنع هو نجاستهم و هو بعيد لأن الآية تدل على منع دخول المشركين المسجد الحرام و لم يعلم بعد ان تمام الملاك نجاستهم و لم يعلم أيضا انها بالنسبة الى كل مسجد و الذي أوقعهم في ذلك انهم استفادوا الحكم من أدلة أخرى من عدم جواز تمكين المشركين من دخول مساجد المسلمين فمع قطع النظر عنها فلا يمكن الاستدلال بالآية كما لا يخفى.

الثاني: استدلوا بالآية الكريمة على تحريم إدخال النجاسات في المسجد الحرام و في المساجد كلها

فان الملاك هو منعهم عن دخول المسجد الحرام لكون أعيانهم نجسة فيحرم إدخال كل نجس في المسجد الحرام و المساجد كلها و فيه ما عرفت ان التفريع في قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا ملائم مع جميع الأقوال قال قتادة في قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ لأنهم جنب و قال قوم لأنهم أخباث أرجاس و قال قوم انهم أعيان نجسة.

و اما بناء على ما ذكرنا من اختيار نجاسة أعيانهم فلا يمكن التجاوز عن المسجد الحرام الى غيره من المساجد و لا عن المشركين الى غيرهم.

الثالث: استدلوا بالآية على منع دخول المشركين و أهل الكتاب بالمسجد الحرام و المساجد كلها من أجل شمول المشركين الكتابي

و فيه ان الآية لا دلالة فيها على أزيد من منع المشركين عن المسجد الحرام و لا دلالة فيها على منع الكتابي من المسجد الحرام و لا منع المشركين و الكتابي عن المساجد و مستندهم في هذا الباب اما الإجماع و اخبار لا تخلو من قصور في الدلالة أو ضعف في السند. في البحار ج (18) طبعة كمباني ص 127 عن نوادر الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه قال رسول الله (ص) ليمنعن أحدكم مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم أو ليمسحن الله تعالى قردة و خنازير ركعا سجدا.

و لا دلالة فيه أزيد من الكراهة بقرينة ذيل الحديث من ذكر الصبيان و قد دخل وفد نجران على رسول الله (ص) و هو مسجده و صلوا فيه على ما حكي في التواريخ و التفاسير و نقل في التواريخ عن طرق العامة أيضا ان أبا سفيان دخل مسجد الرسول لتجديد عقد العهد فالنظر إلى دلالة الآية و اما ما سواها فلا بحث لنا في دلالته و عدمها.

الآية العاشرة [الاستدلال على نجاسة الخمر و بيان معنى الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الرجس و مفردات أخرى و ذكر بعض الأحكام]

قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (مائدة 90) إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91).

ذكر بعض الباحثين ان الخمر في اللغة هو الخمر المتخذ من العنب و غيره من المسكرات ملحقة من حيث الحكم و بلحاظ الملاك و لحقها اسم الخمر بلحاظ غايته و اشتراكها معه في الفساد.

و قال قوم ان المراد من الخمر هو مطلق المسكر المائع سواء اتخذ من العنب أو غيره من الثمار و الحبوب و لكل من الطرفين أدلة و وجوه تمسكوا بها في إثبات مدعاهم و الظاهر ان هذا النزاع قليل الجدوى بعد تسالمهم و اعترافهم بأن المسكرات كلها قليلها و كثيرها حرام بالضرورة و ليس هذا نزاعا فقهيا بل هو بحث لغوي في تعيين متعلق التحريم و متعلق التحريم معلوم بالضرورة و هو مطلق المسكر سواء كان إطلاق الخمر عليها على نحو الحقيقة أو على بعضها بالحقيقة و على بعضها بالمجاز «و من القائلين بأن الخمر هو مطلق المسكر الفيروزآبادي في القاموس قال ما ملخصه أن آية التحريم نزلت بالمدينة و ليس اليوم خمرهم الا الخمر المتخذ من- البسر و التمر فأراقوا آنيتهم سميت بالخمر لأنها تخمر العقل و يستره انتهى». و قد‌