تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى - ج7

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
235 /
5

الجزء السابع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الخمس

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الخمس و هو من الفرائض، و قد جعلها اللّه تعالى لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) و ذريته عوضا عن الزكاة إكراما لهم، و من منع منه درهما أو أقل كان مندرجا في الظالمين لهم و الغاصبين لحقهم، بل من كان مستحلا لذلك كان من الكافرين، ففي الخبر عن أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما أيسر ما يدخل به العبد النار، قال (عليه السلام): «من أكل من مال اليتيم درهما و نحن اليتيم» و عن الصادق (عليه السلام): «إن اللّه لا إله إلّا هو حيث حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال» و عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئا أن يقول: يا رب اشتريته بمالي؛ حتى يأذن له اهل الخمس».

10

[فصل في ما يجب فيه الخمس]

فصل في ما يجب فيه الخمس و هي سبعة أشياء:

[الأول: الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب قهرا بالمقاتلة معهم]

الأول: الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب قهرا بالمقاتلة معهم بشرط أن يكون بإذن الإمام (عليه السلام)، من غير فرق بين ما حواه العسكر و ما لم يحوه و المنقول و غيره كالأراضي (1) و الأشجار و نحوها، بعد إخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي و نحوها منها، و بعد إخراج ما جعله الإمام (عليه السلام) من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، و بعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الورقة و المركب الفاره و السيف القاطع و الدّرع فإنها للإمام (عليه السلام) و كذا قطائع الملوك فإنها أيضا له (عليه السلام)، و أما إذا كان الغزو بغير إذن الإمام (عليه السلام) فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام (عليه السلام)، و إن كان في زمن الغيبة فالأحوط

____________

(1) هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، و هو الصحيح بمقتضى اطلاق الآية الشريفة، و مجموعة من الروايات ..

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس الخمس إلّا في الغنائم خاصة» (1).

و منها: صحيحة عمار بن مروان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: فيما‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

11

..........

____________

يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه و الكنوز الخمس» (1) فان الغنيمة لغة و عرفا بمعنى مطلق الفائدة، فكل ما يغتنمه المرء من المال فهو غنيمة، و لا تختص بغنائم الحرب، فإنها من أحد مصاديقها و افرادها، و على هذا فلا شبهة في أن الآية الشريفة و كذلك الروايات تعم باطلاقها الأراضي المأخوذة من الكفار بالقهر و الغلبة لصدق الغنائم عليها كغيرها من الأموال المأخوذة منهم بعنوة و هراقة دم، و لكن قد تواجه اطلاق الآية الشريفة مجموعة من الاشكالات و الشكوك.

الأول: ان الأراضي المفتوحة عنوة بما أنها ملك للمسلمين قاطبة، فلا تعد غنيمة للغانم و القاتل لكي تكون مشمولة للآية الشريفة.

و الجواب: أولا: أنها انما لا تعد غنيمة للغانم لو قيل بأنها ملك لطبيعي المسلمين لا لآحادهم الموجودين و من سيوجد في المستقبل، و على هذا فيصدق عليها أنها غنيمة للغانمين و المقاتلين، غاية الأمر أنها لا تكون على نحو الاختصاص بهم، بل على نحو الاشتراك بينهم و بين غيرهم، و من المعلوم أن هذا المقدار يكفى في صدق الآية الشريفة.

و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن الآية الشريفة لا تشمل الأراضي، الا انه لا مانع من شمول الروايات لها، حيث انه لا مجال للإشكال المذكور فيها.

الثاني: ان الغنيمة في الآية الكريمة قد فسرت في صحيحة ابن مهزيار بالفائدة التي يستفيدها المرء، و على أساس هذا التفسير يكون الموضوع في الآية عبارة عن الفوائد المالية الشخصية، و نصوص ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة تخرجها عن كونها فائدة شخصية، و تجعلها فائدة عامة لعموم المسلمين، فلا يصدق عليها عنوان الغنيمة بالمعنى المفسر في الصحيحة، فلا‌

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6.

12

..........

____________

يبقى حينئذ للآية اطلاق تشمل الأرض المفتوحة عنوة.

و الجواب: ان هذا التفسير لا ينافي اطلاق الآية و شمولها للأرض المفتوحة عنوة، و لا يوجب حكومة نصوص مالكية المسلمين عليها، لأن هذا التفسير في الصحيحة للإشارة إلى أن الغنيمة في الآية الشريفة إنما هي بمعناه اللغوي و العرفي، و هو ما يغنمه المرء و يفيده، و من الطبيعي انه لا مانع من أن يرجع ما يفيد المرء و يغنمه إلى غيره أيضا كالأرض المفتوحة عنوة، فانها غنيمة و فائدة جزما يغنمها المرء و يفيدها رغم أنها لا ترجع إلى خصوص الغانمين، بل إلى عموم المسلمين منهم الغانمين و المقاتلين، على أساس أنه يصدق على كل من الغانمين عنوان المغنم و المفيد، و عليه فقوله (عليه السلام) في الصحيحة: «فالغنائم و الفوائد- يرحمك اللّه- فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها ...» (1) يصدق على كل من الغانمين للأرض على ما هو الصحيح و المستفاد من الروايات ان الأرض المذكورة ملك لآحاد المسلمين على سبيل الاشاعة، لا للطبيعي.

و مع الاغماض عن ذلك يكفى في تعلق الخمس بالأرض المفتوحة عنوة اطلاق الروايات.

الثالث: ان تقسيم الغنائم الوارد في مجموعة من النصوص قرينة عرفا على أن المراد من الغنيمة في الآية المباركة و الروايات الغنائم المنقولة دون الأعم منها و من غيرها.

منها: صحيحة معاوية بن وهب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف تقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسم بينهم أربعة أخماس» (2).

____________

(1) الوسائل باب: 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 5.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الانفال الحديث: 3.

13

..........

____________

و منها: صحيحة ربعي بن عبد اللّه بن الجارود عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه كان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس- الحديث-» (1).

و الجواب: ان تقسيم الغنائم في هذه الروايات قرينة على أن المراد منها فيها الغنائم المنقولة و لا يصلح أن يكون قرينة على أن المراد منها في الآية المباركة و الروايات المتقدمة أيضا الغنائم المنقولة، فاذن تبقى الآية الشريفة و الروايات على اطلاقهما و لا مقيد له.

الرابع: انه لم يتعرض وجوب الخمس في شي‌ء من الروايات الواردة لبيان أحكام الأراضي الخراجية، و من المعلوم ان سكوت تلك الروايات على الرغم من كونها في مقام بيان ما يتعلق بتلك الأراضي من الأحكام و الآثار دليل على عدم وجوبه.

و الجواب: ان هذه الروايات تصنف إلى مجموعتين.

الأولى: ما كانت في مقام بيان أن الأراضي الخراجية ملك عام للمسلمين.

الثانية: ما كانت في مقام بيان ما يتعلق بتلك الأراضي من الأحكام.

و أما المجموعة الأولى: فهي ليست في مقام بيان ما يتعلق بها من الأحكام لكي يكون سكوتها في مقام البيان دليلا على عدم وجوب الخمس فيها، بل هي في مقام بيان مالكية المسلمين للأرض المغنومة في مقابل الغنائم المنقولة التي هي ملك خاص للمقاتلين و تقسّم بينهم، و لا تنظر إلى جهة أخرى كتعلق الخمس بها أو نحوه لا نفيا و لا اثباتا، فمن أجل ذلك لا تنافي ما دل على وجوب الخمس فيها.

و أما المجموعة الثانية: فمنها صحيحة أبي نصر قال: «ذكرت لأبي الحسن‌

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب قسمة الخمس الحديث: 3.

14

إخراج خمسها (1) من حيث الغنيمة خصوصا إذا كان للدعاء إلى الإسلام،

____________

الرضا (عليه السلام) الخراج و ما سار به أهل بيته، فقال: العشر و نصف العشر على من اسلم طوعا و تركت أرضه بيده- إلى أن قال- و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الامام (عليه السلام) يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر قبل ارضها و نخلها و الناس يقولون لا تصلح قبالة الأرض و النخل إذا كان البياض أكثر من السواد و قد قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خيبر و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر» (1) فانها تدل على أمرين ..

أحدهما: أن أمر الأرض المفتوحة عنوة بيد الإمام (عليه السلام) فله أن يقبلها بالذي يرى.

و الآخر: ان على المتقبلين في حصصهم من حاصل الأرض الزكاة، و لا نظر لها إلى تعلق الخمس بها و عدم تعلقه لا نفيا و لا اثباتا، و ساكتة عنه.

و إن شئت قلت: ان هذه الروايات انما هي ناظرة إلى بيان ما يتعلق بنتاج تلك الأراضي و حاصلها كالزكاة، و لا نظر لها إلى بيان ما يتعلق برقبتها كالخمس، فاذن لا تنافي ما دل على تعلق الخمس بها، هذا اضافة إلى أن أمر خمسها أيضا بيد الامام (عليه السلام) فله أن يقبله بالذي يرى، كما هو الحال في أربعة أخماسها.

فالنتيجة: ان الأظهر تعلق الخمس بالأراضي المغنومة كسائر الغنائم، فيكون خمس رقبتها للّه و للرسول و لذي القربى و اليتامى ... الخ و أربعة أخماسها للمسلمين عامة.

(1) بل لا يبعد أن تكون للإمام (عليه السلام) إذا كان الغزو بدون اذن من الحاكم‌

____________

(1) الوسائل باب: 72 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه الحديث: 2.

15

..........

____________

الشرعي في زمن الغيبة شريطة أن يكون الغزو ابتدائيا، فان صحيحة معاوية بن وهب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) السريّة يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام عليهم اخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسم بينهم أربعة أخماس، و إن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحب» (1) و إن كانت موردها زمان الحضور، الّا انه لا خصوصية له، حيث أن مقتضى اطلاقات الكتاب و السنة عدم اختصاص الجهاد بزمان الحضور، بل هو مشروع في كل زمان شريطة توفر شروطه، و عليه فلا محالة يكون حكمه في زمن الغيبة حكمه في زمن الحضور، غاية الأمر انه إن كان في زمن الحضور فلا بد أن يكون باشراف النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أو أحد الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، و إن كان في زمن الغيبة فلا بد ان يكون باشراف الفقيه الجامع للشرائط، و على هذا فان كان باذن الفقيه وجب اخراج خمس ما غنم و تقسيم الباقي بين الغانمين و المقاتلين. و بذلك يظهر حال ما يأخذه السلاطين من الكفار بالمقاتلة معهم بدون اذن ولي الأمر، فان ذلك كله يرجع إلى بيت المال و لا يحق المقاتلون فيه شيئا، فلا موضوع حينئذ لوجوب الخمس.

و دعوى: ان الصحيحة قاصره في نفسها عن الدلالة على اعتبار الاذن حتى في موردها و هو زمان الحضور فضلا عن زمان الغيبة على اساس أنها ظاهرة في التفصيل بين القتال و عدمه لا بين الاذن و عدم الإذن.

مدفوعة: بأنه لا قصور فيها، بتقريب انها تتكفل قضية شرطية قد أخذ فيها قيدان ..

أحدهما: أن يصيب المقاتلون الغنائم بالقتال و هراقة الدماء.

و الآخر: أن يكون ذلك بأمر الامام (عليه السلام) و اذنه، فاذا توفر القيدان معا‌

____________

(1) الوسائل باب: 41 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه الحديث: 1.

16

فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفار بالمقاتلة معهم من المنقول و غيره يجب فيه الخمس على الأحوط و إن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام.

و من الغنائم التي يجب فيها الخمس: الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب (1)، بل الجزية المبذولة لتلك السرية بخلاف سائر أفراد الجزية.

____________

فالغنيمة تقسم أخماسا: خمس منها للّه و للرسول، و أربعة أخماس منها تقسم بين المقاتلين، و إذا انتفى القيد الأول و هو القتال فالغنيمة كلها للإمام (عليه السلام) كما نص بذلك في ذيل الصحيحة، و إذا انتفى القيد الثاني و هو الاذن فالأمر أيضا كذلك بمقتضى الفهم العرفي و إن لم يصرح به في الصحيحة. و تصريح الامام (عليه السلام) في الصحيحة بأحد فردي مفهوم القضية دون الفرد الآخر لا يمنع عن ظهورها فيه لعدم علاقة بين الأمرين من هذه الناحية، و هذا يعني ان التصريح بأحدهما لا يكون قرينة على عدم الآخر عند العرف.

فالنتيجة: ان الصحيحة ظاهرة في تعليق ملكية الغنيمة للمقاتلين على مجموع الأمرين هما القتال و الإذن من الامام (عليه السلام) و بانتفاء كل واحد منها تنتفي ملكيتهم لها، و عليه فبطبيعة الحال يرجع أمرها إلى الامام (عليه السلام) فلا تكون مشمولة لأدلة الخمس.

و اما الدفاع عن الإسلام فهو واجب على كل أحد إذا كان متمكنا و قادرا عليه، و لا يتوقف على الإذن حتى في زمان الحضور، و إذا أخذ المدافعون من الكفار الغنائم وجب تخميسها أولا ثم تقسيم الباقي بينهم لإطلاق الآية الشريفة و الروايات.

(1) لا شبهة في وجوب الخمس فيه، و لكن كونه من الغنيمة بالمعنى‌

17

و منها أيضا: ما صولحوا عليه، و كذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم و لو في زمن الغيبة، فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلا كان أو كثيرا من غير ملاحظة خروج مئونة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب و سائر الفوائد.

[مسألة 1: إذا غار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة]

[2877] مسألة 1: إذا غار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة (1) و لو في زمن الغيبة فلا يلاحظ فيها مئونة السنة، و كذا إذا أخذوا بالسرقة و الغيلة (2)، نعم لو أخذوا منهم بالربا أو بالدعوى الباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مئونة السنة، و إن كان الأحوط إخراج خمسة مطلقا.

____________

الأخص يتوقف على أن يكون أخذه بملاك الغلبة و القهر و هراقة الدم، و الّا فلا يكون من الغنيمة بالمعنى الأخص بل هو داخل حينئذ في مطلق الغنيمة و الفائدة، و يكون من ارباح المكاسب و يعتبر فيه ما يعتبر فيها. و كذلك الحال في الجزية المبذولة لتلك السرية و ما صولحوا عليه، فان صدق الغنيمة بالمعنى الأخص عليهما يرتبط بمدى ربطهما بالقهر و الغلبة و هراقة الدماء، و الّا فهما يدخلان في مطلق الفائدة، و يكون حكمهما حكم ارباح المكاسب.

(1) هذا إذا كانت الغارة باذن ولي الأمر، و الّا فهي للإمام، و تدخل حينئذ في بيت المال فلا خمس فيها كما مر.

(2) فيه اشكال بل منع، و الظاهر أنها داخلة في مطلق الفوائد التي يستفيدها المرء، و يكون حكمها حكم أرباح المكاسب حيث انه لا يصدق عليها الغنيمة بالمعنى الأخص، و هي المأخوذة من الكفار بالغلبة و هراقه الدماء.

و من هنا يظهر أنه لا فرق بين أخذها بالسرقة و الغيلة و أخذها بالمعاملات الربوية، او الدعوى الباطلة، فانها في تمام هذه الصور من الفوائد‌

18

[مسألة 2: يجوز أخذ مال النّصاب أينما وجد]

[2878] مسألة 2: يجوز أخذ مال النّصاب أينما وجد، لكن الأحوط إخراج خمسه مطلقا (1)، و كذا الأحوط إخراج الخمس مما حواه العسكر من البغاة إذا كانوا من النّصاب و دخلوا في عنوانهم و إلا فيشكل حلية مالهم (2).

____________

و ارباح المكاسب.

(1) بل هو الأظهر فان صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس» (1) ظاهرة في وجوب اخراج خمسه فورا إذا أخذ من دون انتظار زيادته على مئونة السنة. و مثلها رواية معلى بن خنيس. و على الجملة فالصحيحة ظاهرة في أن خمس مال الناصب كخمس المعادن و المال المختلط بالحرام و غنائم دار الحرب و الغوص، و ليس كخمس ارباح المكاسب، فلا يكون المالك مرخصا في تأخير اخراجه إلى ما بعد مؤنة السنة.

و اما على تقدير عدم ظهور الصحيحة في وجوبه فورا و اجمالها من هذه الناحية، فلا مانع من الرجوع إلى اطلاق ما دل على أن الخمس بعد المئونة، كما في صحيحة ابن أبي نصر قال: «كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): الخمس اخرجه قبل المئونة أو بعد المئونة؟ فكتب: بعد المئونة» (2) و الخارج من اطلاقها المعادن و غنائم الحرب و المال المختلط بالحرام و الغوص، و لا دليل على اخراج مال الناصب عنه، لأن ما دل على وجوب الخمس فيه مجمل فلا يصلح ان يكون مقيدا لإطلاقها، فاذن يكون هو المرجع فيه، و بذلك يظهر حال ما بعده.

(2) بل الظاهر عدم الحلية، فان الثابت انما هو حلية مال المسلم إذا كان‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 6.

(2) الوسائل باب: 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

19

[مسألة 3: يشترط في المغتنم أن لا يكون غصبا من مسلم أو ذمي أو معاهد أو نحوهم ممن هو محترم المال]

[2879] مسألة 3: يشترط في المغتنم أن لا يكون غصبا من مسلم أو ذمي أو معاهد أو نحوهم ممن هو محترم المال (1) و إلا فيجب ردّه إلى مالكه، نعم لو كان مغصوبا من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه و إعطاء خمسه و إن لم يكن الحرب فعلا مع المغصوب منهم، و كذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها.

[مسألة 4: لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين دينارا]

[2880] مسألة 4: لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين دينارا فيجب إخراج خمسه قليلا كان أو كثيرا على الأصح.

[مسألة 5: السلب من الغنيمة فيجب إخراج خمسه على السالب]

[2881] مسألة 5: السلب من الغنيمة فيجب إخراج خمسه على السالب (2).

____________

ناصبيا لا مطلقا.

(1) هذا مضافا إلى أنه على القاعدة، فلا يحتاج إلى دليل تدل عليه صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سأله رجل عن الترك يغزون على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم، أ يرد عليهم؟ قال: نعم و المسلم أخو المسلم، و المسلم أحق بماله أينما وجده» (1). و موردها و إن كان مال المسلم، و لكن العرف لا يفهم خصوصية له الّا باعتبار ان ماله محترم و إن كان غير مسلم كالذمي و المعاهد.

(2) هذا هو الصحيح لأنه داخل في غنائم الحرب، و اما القول بأنه للسالب خاصة فلا دليل عليه، و اما ما روي عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) من: «أن من قتل قتيلا فله سلبه و سلاحه» فهو غير ثابت.

نعم، لولي الأمر ذلك إذا رأى فيه مصلحة، و عندئذ يدخل في ارباح المكاسب.

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه الحديث: 3.

20

[الثاني: المعادن]

الثاني: المعادن من الذهب و الفضّة و الرصاص و الصفر و الحديد و الياقوت و الزبرجد و الفيروزج و العقيق و الزّيبق و الكبريت و النفط و القير و السبخ و الزاج و الزرنيخ و الكحل و الملح بل و الجصّ و النورة و طين الغسل و حجر الرحى و المغرة- و هي الطين الأحمر- على الأحوط، و إن كان الأقوى (1) عدم الخمس فيها من حيث المعدنية بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مئونة السنة.

[الثاني: المعادن]

____________

(1) في القوة اشكال بل منع، إذ لا يبعد صدق المعدن عليها عرفا.

بيان ذلك: ان المعدن على نوعين ..

أحدهما: الظاهر.

و الآخر: الباطن.

اما المعدن الظاهر في المصطلح الفقهي فهو عبارة عما تكون طبيعته المعدنية ظاهرة و بارزة سواء أ كان الوصول إليها بحاجة إلى بذل جهد و انفاق عمل، كما إذا كانت في أعماق الأرض، أم لم يكن، كما إذا كانت على سطح الأرض. أو فقل ان المراد بالظاهر ما يبدو جوهره من غير عمل، و السعي و العمل انما هو لتحصيله و الوصول إليه، و هو اما أن يكون سهلا أو متعبا كالنفط، و الملح، و القار، و القطران، و الموميا، و الكبريت، و أحجار الرحى، و البرمة، و الكحل، و الياقوت، و مقالع الطين، و الجص، و النورة و أشباهها. و الظاهر صدق المعدن على كل منهما عرفا شريطة أن تكون طبيعته المعدنية متكونة في مساحة من الأرض و إن كانت بارزة على سطح الأرض.

و اما المعدن الباطن في المصطلح الفقهي فهو عبارة عما لا يبدو جوهره من دون بذل جهد و عمل في سبيل انجازه، و ذلك كالذهب و الفضة و ما شاكلها، فان المادة الذهبية لا تصبح ذهبا بشكله الكامل الّا بعد التصفية و التطوير العملي،

21

..........

____________

و هذه المادة قد تكون قريبة من سطح الأرض، و قد تكون متوغلة في اعماق الأرض بحيث لا يمكن الوصول إليها الّا من خلال الحفر المتزايد و الجهد الأكبر و العمل الشاق.

فالنتيجة انه لا فرق في صدق المعدن عرفا بين المعدن الباطن و الظاهر، كما أنه لا فرق بين أن تكون طبيعته المعدنية مستورة في باطن الأرض و عمقها، أو تكون مكشوفة على سطح الأرض. و تؤكد ذلك صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة؟ فقال: ما الملاحة؟ فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا، فقال: هذا المعدن فيه الخمس، فقلت: و الكبريت و النفط يخرج من الأرض، قال: فقال: هذا و اشباهه فيه الخمس» (1). فانها تدل على أنه معدن عرفا و واقعا، لا أنه معدن تنزيلا و شرعا لا واقعا، لما مر من ان المعيار في المعدن لدى العرف العام هو أن تكون طبيعته المعدنية متكونة في مساحة من الأرض سواء أ كانت في باطنها أم كانت في ظاهرها. و أما إذا شك في شي‌ء انه من المعدن أو لا، كالجص مثلا أو نحوه، فان كان هناك أصل موضوعي لإثبات انه ليس بمعدن كما إذا كانت طبيعته المعدنية تصبح معدنا بالتدريج و الحركة الذاتية بعد ما لم تكن معدنا في زمان جزما، كما هو الحال في بعض الاحجار الكريمة، و شك فيه فلا مانع من استصحاب بقائه على حالته الأولى، و به يحرز انه ليس بمعدن فيكون مشمولا لعموم ما دل على وجوب الخمس في كل فائدة.

و أما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي في البين فالمرجع الأصل اللفظي و هو العام الفوقي على اساس ان المخصص المنفصل إذا كان مجملا مفهوما لم يكن حجة الّا في المقدار المتيقن، و في الزائد المشكوك يرجع إلى عموم العام.

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 4.

22

و المدار على صدق كونه معدنا عرفا، و إذا شك في الصدق لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثية بل يدخل في أرباح المكاسب و يجب خمسه إذا زادت عن مئونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه.

و لا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة، و بين أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها، و لا بين أن يكون المخرج مسلما أو كافرا ذميا بل و لو حربيا، و لا بين أن يكون بالغا أو صبيا (1) و عاقلا أو مجنونا فيجب (2) على وليهما إخراج الخمس،

____________

(1) في عدم الفرق بينهما اشكال بل منع، لأن الظاهر من حديث الرفع هو رفع قلم التشريع عنه، و من الطبيعي انه يعم التشريع وضعا و تكليفا، و هو يصلح ان يكون مقيدا لإطلاق دليل وجوب الخمس في المعادن.

و دعوى ان حديث الرفع رافع للتكليف فقط دون الوضع، مدفوعة بأن الظاهر من الحديث بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو رفع تشريع الاحكام المجعولة على البالغين عن الصبيان، و من المعلوم انه لا فرق فيها بين الاحكام الوضعية و التكليفية، فان كلتيهما مجعولتان في الشريعة المقدسة، و حديث الرفع انما يرفع تشريعها و جعلها عن الصبيان، و يوجب تقييده بالبالغين.

(2) هذا هو الظاهر حيث انه لا دليل على عدم تعلق الخمس بالمعادن إذا كان مالكها مجنونا، و أما حديث رفع القلم المتضمن للمجنون فهو ضعيف من ناحية السند، فلا يمكن الاعتماد عليه، فاذن اطلاقات أدلة الخمس فيها محكمة، و مقتضاها عدم الفرق بين أن يكون مالكها عاقلا أو مجنونا.

23

و يجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر (1) على دفع الخمس مما أخرجه و إن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه.

و يشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين دينارا بعد استثناء مئونة الإخراج و التصفية و نحوهما (2) فلا يجب إذا كان المخرج أقل منه و إن كان الأحوط إخراجه إذا بلغ دينارا بل مطلقا، و لا يعتبر في الإخراج أن يكون دفعة فلو أخرج دفعات و كان المجموع نصابا وجب إخراج خمس المجموع، و إن أخرج أقل من النصاب فاعرض ثم عاد و بلغ المجموع

____________

(1) فيه ان هذا مبني على عدم صحة أداء العبادة من الكافر، و قد تقدم في أول كتاب الزكاة في المسألة (16) الاشكال في مانعية الكفر عن صحة العبادة.

(2) فيه اشكال بل منع، و الظاهر انه يكفى في وجوب الخمس في المعدن بلوغ قيمة المخرج عشرين دينارا قبل استثناء المئونة، كما إذا كانت قيمة ما اخرج من المعدن تعادل عشرين دينارا، و المئونة التي قد صرفت في عملية الاخراج تعادل خمسة دنانير، و في هذه الحالة يجب الخمس في الباقي بعد المئونة و هو خمسة عشر دينارا في المثال، فيكون وجوبه فيه مشروطا ببلوغ المجموع النصاب. و تدل على ذلك صحيحة أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما اخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شي‌ء؟ قال: ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» (1) بتقريب أنها ظاهرة في أن فيه شيئا إذا بلغت قيمته عشرين دينارا من دون تقييد بلوغها بما بعد المئونة، كما أنها لا تدل على أن ما اخرج من المعدن كله متعلق للخمس، بل تدل‌

____________

(1) الوسائل باب: 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 1.

24

..........

____________

على أن فيه خمسا إذا بلغ ما يكون في مثله الزكاة، و أما انه تعلق بالمجموع أو تعلق به بعد استثناء المئونة فهي ساكتة عنه، و عليه فاستفادة ان تعلقه به يكون بعد المئونة انما هي من الآية الشريفة و روايات الباب بقرينة مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية حيث إنهما على ضوء هذه القرينة تدلان على ان موضوع وجوب الخمس مطلقا الفائدة التي يستفيدها المرء و الغنيمة التي يغنمها، سواء أ كان الاغتنام بالتكسب بمختلف أصنافه أم كان بالاخراج من المعادن.

نعم، يختلف الخمس المتعلق بالفائدة التي يستفيدها المرء من الكسب و الفائدة التي يستفيدها من المعادن في بعض الشروط.

و إن شئت قلت: ان متعلق الخمس في ظاهر الدليل و إن كان عنوان المعدن، الّا ان المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن تعلقه به بما هو غنيمة و فائدة، غاية الأمر ان الاغتنام قد يكون بالتكسب، و قد يكون بالغوص، و قد يكون باخراج المعدن، فان كل ذلك نوع اغتنام يغتنمه المرء و فائدة يستفيدها، فالخمس مجعول في الغنيمة و الفائدة بعناوين مختلفة، فمن أجل ذلك يختلف في بعض الشروط باختلاف تلك العناوين، فان الغنيمة و الفائدة إن كانت بالتكسب فلها حكم و هو ان الخمس فيها بعد مؤنة السنة، فاذا زادت وجب اخراج خمس الزائد و الّا فلا، و إن كانت من المعدن فلها حكم و هو ان الخمس فيها بعد مؤنة الاخراج دون مؤنة المالك طول السنة، و لذا يجب اخراج خمسها فورا، و لا يجوز تأخيره و المسامحة فيه.

فالنتيجة: ان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضى كون موضوع وجوب الخمس الفوائد و الغنائم سواء أ كانت من التجارة و الزراعة و الصناعة و نحوها، أم كانت باخراجها من المعادن و لا يرى العرف لعنوان المعدن موضوعية من هذه الناحية، و انما تكون له موضوعية من ناحية أخرى و هي‌

25

نصابا فكذلك على الأحوط (1)، و إذا اشترك جماعة في الإخراج و لم يبلغ حصة كل واحد منهم النصاب و لكن بلغ المجموع نصابا فالظاهر وجوب

____________

وجوب خمسه فورا و عدم استثناء مؤنة السنة منه، و على هذا فاستثناء مؤنة الصرف من موضوع وجوب الخمس في المعدن يكون على القاعدة حيث لا يصدق عنوان الفائدة و الغنيمة إلّا على الباقي و ذلك يحدد موضوعه فيه.

(1) بل على الأقوى حتى بناء على القول بان الاعراض سبب لخروج المال عن ملك مالكه- كما استظهرناه في محله- فانه إذا عاد إليه مرة ثانية و أخذه ملكه.

و دعوى ان ظاهر صحيحة أبي نصر المتقدمة هو أن يبلغ المخرج النصاب باخراج واحد عرفا، و أما إذا كان متعددا كما إذا كان أخرج في هذا اليوم كمية، و في اليوم الثاني كمية أخرى، أو في هذا الاسبوع كمية و في الاسبوع الثاني كمية أخرى و هكذا فالمجموع بلغ حد النصاب فلا يكون مشمولا لها، بتقريب ان الظاهر من امثال المقام عرفا ان كل اخراج موضوع مستقل على أساس ان الحكم انحلالي.

مدفوعة .. أولا: ان الصحيحة لا تكون ظاهرة في ذلك، بل قوله (عليه السلام) فيها:

«ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» يدل على ان المعيار في وجوب الخمس ببلوغ قيمة المجموع عشرين دينارا، سواء أ كان دفعة واحدة، أو دفعات متعددة، بل اخراج النصاب دفعة واحدة و في يوم واحد في زمان التشريع بالوسائل اليدوية العادية بعيد جدا، فانه بحاجة إلى طول الزمان و اخراجه فيه بدفعات متعددة.

و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان الصحيحة ظاهرة فيه، الّا انه لا‌

26

خمسه (1)، و كذا لا يعتبر اتحاد جنس المخرج فلو اشتمل المعدن على

____________

مفهوم لها، و لا تدل على نفي الخمس عما إذا كان اخراج النصاب دفعات متعددة عرفا، فاذن لا مانع من التمسك باطلاق أدلة وجوب الخمس في المعادن لإثبات وجوبه فيه.

فالنتيجة: ان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضى عدم الفرق بين اخراج المعدن بقدر النصاب دفعة واحدة عرفا، أو دفعات متعددة كذلك، فان المعيار انما هو ببلوغ المخرج النصاب و إن كان ذلك بدفعات متعددة، نعم لو أخرج المعدن و صرفه، ثم أخرج و صرفه و هكذا فلا خمس لأن كل واحد لم يبلغ النصاب، و المجموع لا وجود له.

(1) في الظهور اشكال بل منع، فان الخطاب باخراج الخمس المتعلق بالمخرج من المعدن هل هو متوجه إلى كل واحد منهم، أو إلى المجموع على نحو يكون كل واحد منهم جزء المجموع، و كلا الأمرين لا يمكن.

أما الأول: فلفرض أن حصة كل منهم لم تبلغ النصاب.

و أما الثاني: فلأن المجموع بما هو لا وجود له في الخارج لكي يمكن توجيه الخطاب التكليفي إليه.

و إن شئت قلت: ان عنوان المجموع إن لوحظ على نحو الموضوعية فلا وجود له في الخارج الّا في عالم الذهن، فلا يمكن القاء الخطاب نحوه، و إن لوحظ على نحو المعرفية الصرفة إلى آحاده و افراده في الخارج فالمفروض ان حصة كل واحد منهم لم تبلغ النصاب.

و دعوى ان صحيحة أبي نصر المتقدمة ظاهرة في أن ما استخرج من المعدن إذا بلغت قيمته حد النصاب ففيه الخمس، و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين ان يكون المستخرج ملكا لفرد واحد أو متعدد.

27

جنسين أو أزيد و بلغ قيمة المجموع نصابا وجب إخراجه، نعم لو كان هناك معادن متعددة اعتبر في الخارج من كل منهما بلوغ النصاب دون المجموع و إن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع خصوصا مع اتحاد جنس المخرج منها لا سيما مع تقاربها بل لا يخلو عن قوة (1) مع الاتحاد و التقارب، و كذا لا يعتبر استمرار التكون و دوامه فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثم انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدنا.

____________

مدفوعة بان الصحيحة ليست في مقام البيان من هذه الناحية أصلا، لأنها انما تكون في مقام بيان أن ما اخرج منه إذا بلغت قيمته النصاب ففيه الخمس شريطة توفر سائر شروطه، و لا نظر لها إلى أنها متوفرة أولا، و انما تنظر إلى أنه لا مانع من تعلق الخمس به من هذه الناحية و من شروطه أن يكون له مالك، و يبلغ سهمه النصاب، و اما إذا لم يكن له مالك، أو كان و لكن لم يبلغ سهمه وحده النصاب و إن بلغه سهم المجموع فلا أثر له كما مر، هذا اضافة إلى أن توجيه الخطاب باخراج الخمس إلى المجموع بحيث يكون توجيهه إلى كل واحد منهم ضمنيا مرتبطا مع الآخر ثبوتا و سقوطا بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه.

(1) هذا هو الصحيح لأن المناجم و المعادن المتعددة إذا كانت من جنس واحد، كما إذا كان الكل من الذهب أو الفضة أو الفحم، فانه إذا بلغ ما اخرج من الجميع النصاب تعلق الخمس به و إن لم يبلغ ما اخرج من كل منهما ذلك، و النكتة فيه ما تقدم من ان المتفاهم العرفي من أدلة الخمس على أساس المناسبات الارتكازية ان موضوعه الفائدة التي يستفيدها المرء و الغنيمة التي يغتنمها سواء أ كان اغتنامها من المعادن أم المكاسب أم غيرها، غاية الأمر ان اغتنامها إن كان من المعادن و المناجم فهو يختلف عما إذا كان اغتنامها من‌

28

[مسألة 6: لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية]

[2882] مسألة 6: لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية فإن علم بتساوي (1) الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمسا أجزأ و إلا فلا لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده (2).

____________

المكاسب في نقطتين ..

الأولى: ان وجوب الخمس في الأول مشروط ببلوغ الغنيمة النصاب دون الثاني.

الثانية: ان المستثنى عن وجوب الخمس في الأول مؤنة العمل و الجهد في سبيل اخراجها دون مؤنة السنة، و المستثنى منه في الثاني كلتا المئونتين معا على تفصيل يأتي في ضمن المسائل القادمة، و على هذا فإذا اغتنم من مناجم الذهب ما بلغ حد النصاب تعلق به الخمس سواء أ كان اغتنامه من منجم واحد أو أكثر لصدق انه استفاد و اغتنم من المعادن و المناجم ما بلغ النصاب، و لا يتوقف هذا الصدق على أن يكون من منجم واحد.

(1) بل يكفى الوثوق و الاطمئنان بالتساوي أو الزيادة فيما أخرجه خمسا.

(2) في اطلاقه اشكال بل منع، لأن قوة الاحتمال إن كانت ضئيلة بدرجة لا تمنع من الوثوق بعدم الزيادة في الباقي عنده فلا قيمة له، كما إذا كانت لدى المكلف احتمالات:

1- تساوي اجزاء التراب في الاشتمال على الجوهر.

2- زيادته في المقدار المخرج خمسا.

3- زيادته في المقدار الباقي عنده.

و في مثل هذه الحالة إن كانت هذه الاحتمالات متساوية أو لم تكن قوة بعضها بمرتبة تؤدي إلى الوثوق و الاطمئنان بالخلاف فالأمر كما في المتن.

29

[مسألة 7: إذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء]

[2883] مسألة 7: إذا وجد مقدارا من المعدن مخرجا مطروحا في الصحراء فإن علم أنه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما أو علم أن المخرج له حيوان أو إنسان لم يخرج خمسه وجب عليه إخراج خمسه على الأحوط إذا بلغ النصاب (1)،

____________

و أما إذا افترض ان قوة الاحتمال الأول أو الثاني كانت بمرتبة تؤدي إلى الوثوق و الاطمئنان بعدم الزيادة في المقدار الباقي عنده فلا يتم ما في المتن.

(1) في الوجوب اشكال بل منع، لأن الظاهر من الروايات التي تنص على وجوب الخمس في المعادن بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية انه انما يجب على من بذل جهده و طاقته في سبيل استكشافها و الوصول إليها و استخراجها إذا كانت متوغلة في اعماق الأرض، أو على من قام بعملية الأخذ و الاستيلاء عليها خارجا إذا كانت متكونة على وجه الأرض، و هذا يعني ان العامل في الفرض الأول يملك المادة التي يستخرجها خاصة من اعماق الأرض و لا يملك شيئا منها ما دام في موضعه الطبيعي، و في الفرض الثاني يملك المادة التي جعلها في حوزته و لا يملك شيئا منها ما دام خارجا عنها، و على هذا الأساس فإذا وجد مقدار من المادة المعدنية مخرجا و مطروحا على الأرض و لا يدري انه بسبب السيل أو الزلزلة أو حفر الحيوان أو ما شاكل ذلك فهذا غير داخل في المعدن و لا يجب عليه خمسه من باب خمس المعدن.

أو فقل ان الروايات تنص على وجوب الخمس في المعدن، و من المعلوم ان وجوبه انما هو على من يملك المعدن بأحد الطريقين و لا يصدق المعدن على المخرج منه و المطروح على وجه الأرض بسبب أو بآخر لكي يجب خمسه على من جعله في حوزته بملاك خمس المعدن، بل هو داخل في الفائدة و يجري عليها حكمها، و لا فرق في ذلك بين أن يكون خروجه مطروحا‌

30

..........

____________

على وجه الأرض بعد اكتشافه و الوصول إليه بعملية الحفر و بذل الجهد أو قبل ذلك، اذ قد يخرج المعدن من اعماق الأرض مطروحا على وجهها بسبب الزلزلة التي قد توجب احداث الحفر فيها أو الانفجار الذي قد يسبب خروج المعدن و القائه على وجه الأرض، كما انه لا فرق بين أن يكون المستولى عليه و من يحوزه صاحب الحفرة أولا، باعتبار أن صاحبها لا يملك من المعدن شيئا ما دام يظل باقيا في موضعه الطبيعي.

نعم، هو باكتشافه و الوصول إليه من خلال عملية الحفر و بذل الجهد أصبح أحق به من الآخرين، و لا يحق لغيره أن يقوم باستخراجه من حفرته، و أما إذا خرج منها بطريق أو آخر مطروحا على وجه الأرض فهو ليس ملكا له، و يجوز لغيره أن يحوزه و يستولى عليه.

فالنتيجة انه لا يجرى حكم المعدن على المخرج منه المطروح على وجه الأرض، بل هو داخل في مطلق الفائدة.

و أما إذا كان المخرج له انسانا فان كان اخراجه اتفاقيا و على نحو الصدفة، كما إذا كان قيامه بعملية الحفر لغاية أخرى، و لكن وصل إلى المعدن و المنجم اتفاقا و اخرج منه بدون قصد استملاكه و حيازته ثم طرحه على وجه الأرض كان حكمه حكم ما تقدم، و عليه فكل من يحوزه و يجعله في حوزته يدخل في فائدته التي يستفيدها دون المعدن، و إن كان بغاية الوصول إليه و اكتشافه و بعده قام بعملية الاخراج فأخرج مقدارا منه و جعله في حوزته قاصدا به التملك ثم أعرض عنه فلا يسقط عنه خمسه، بل هو مأمور باخراجه، و لكنه إذا عصى فعلى كل من يحوزه أن يقوم باخراج خمسه.

و أما بالنسبة إلى أربعة أخماسه الأخرى فلا شي‌ء عليه، باعتبار أنها داخلة في الفائدة التي يستفيدها المرء أثناء السنة دون المعدن، و كذلك الحال إذا شك في انه أخرج خمسه ثم طرحه و أعرض عنه، فانه بمقتضى الاستصحاب بقاء‌

31

بل الأحوط (1) ذلك و إن شك في أن الإنسان المخرج له أخرج خمسه أم لا.

[مسألة 8: لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها]

[2884] مسألة 8: لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها (2)، و إذا

____________

خمسه فيه، فيجب على من يحوزه اخراجه.

نعم، إذا كان الحائز شيعيا لم يجب عليه خمسه في كلتا الصورتين بمقتضى اخبار التحليل، و سيأتي الكلام فيها بعونه تعالى في آخر بحث الخمس.

و أما إذا شك في أن طرحه و اعراضه عنه هل هو بعد الحيازة أو قبلها فلا يجب عليه شي‌ء لعدم العلم بأنه متعلق للخمس، و حينئذ يدخل الكل في الفائدة، فان بقى إلى آخر السنة وجب اخراج خمسه و الّا فلا شي‌ء عليه.

(1) بل هو الأقوى للاستصحاب كما مر.

(2) فيه اشكال بل منع، و التخريج الفني لذلك: ان المعادن الموجودة في الأراضي المملوكة بملكية خاصة ليست خاضعة للأرض في مبدأ الملكية، و ذلك لأن مصدر علاقة الفرد بالأرض و مبدأها انما هو عملية الاحياء، فلا يمكن ان تنشأ العلاقة بينهما بدون ان تنتهى إلى تلك العملية في نهاية المطاف، و الناتج من عملية الاحياء انما هو علاقة المحيى بالأرض، و من الطبيعي ان أثرها لا يمتد إلى المعادن الموجودة فيها و غيرها من الثروات الطبيعية التي لها كيان مستقل في مقابل الأرض، و الفرض أنها ليست أرضا، و مقتضى النصوص الشرعية التي جاءت بهذا اللسان «من أحيا أرضا مواتا فهي له» (1) أو قريبا منه هو أن أثر الاحياء من المحيى ملكية الأرض لا غيرها، و عليه فالمصادر و الثروات الطبيعية التي تتكون فيها بكيان مستقل قائم بذاته ليست من‌

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب احياء الموات الحديث: 5.

32

..........

____________

توابع الأرض و شئونها و اذيالها، بل نسبتها اليها نسبة الظرف إلى المظروف، فلذلك لا تكون مشمولة للنصوص.

و إن شئت قلت: ان احياء الأرض عبارة عن توفير الشروط للانتفاع بها بمختلف صنوفه، كبناء أو زرع أو نحوهما التي لم تكن متوفرة فيها قبل عملية الاحياء، و انما نتجت منها، و من الواضح أن تلك الشروط شروط للانتفاع بالأرض و الاستفادة منها، و لا علاقة لها بغيرها من المصادر و الثروات الطبيعية الموجودة فيها، حيث ان علاقة العامل بتلك المصادر و الثروات انما هي على أساس إنفاق العمل و السعي و بذل الجهد و الطاقة في سبيل الاستيلاء و السيطرة عليها، مثلا علاقة العامل بالمناجم و العيون الموجودة في اعماق الأرض انما هي باكتشافها من خلال عمليات الحفر و بذل الجهد للوصول إليها، و من هنا لا يصدق على ذلك عنوان الاحياء، فما في كلمات الأصحاب من اطلاقه عليه مبني على المسامحة.

نعم، تصدق عملية الاحياء على تصفية المواد المعدنية، كما إذا كانت من المعادن الباطنة كالذهب و الفضة و ما شاكلهما، فانه لا يبدو جوهرها بشكل كامل الّا بعد عملية التصفية و التطوير، و هذه العملية و إن كانت احياء بالنسبة إليها إلّا أنها لا تؤثر في شي‌ء على أساس أن هذه العملية من العامل انما هي بعد دخول تلك المواد المعدنية في نطاق ملكيته، فان القيام بها لا يمكن ما دامت تلك المواد في موضعها الطبيعي، فلا محالة يتوقف على أخذها و اخراجها من موضعها الطبيعي و نقلها إلى مكان هذه العملية، و من المعلوم ان علاقة العامل بها قد تحققت بنفس عملية الأخذ و الاخراج و جعلها في حوزته.

فالنتيجة: ان عملية الاحياء لا تكون منشأ لعلاقة العامل بالمواد المعدنية، هذا اضافة إلى أن هذه العملية خاصة بالمعادن الباطنة، و لا موضوع لها في المعادن الظاهرة.

33

أخرجه غيره لم يملكه (1) بل يكون المخرج لصاحب الأرض، و عليه الخمس (2) من دون استثناء المؤونة لأنه لم يصرف عليه مئونة.

____________

إلى هنا قد ظهر ان مصدر علاقة الفرد بالمواد المعدنية ليس عملية الاحياء، و انما هو عملية استخراجها إذا كانت في اعماق الأرض، و عملية الأخذ و الاستيلاء عليها خارجا إذا كانت متكونة على وجه الأرض، و هذا يعني ان الفرد لا يملك منها شيئا ما دامت في موضعها الطبيعي.

نعم، ان قيامه بعملية الحفر و بذل الجهد في سبيل اكتشافها و الوصول اليها يجعله أحق بها من الآخرين على أساس أنه يخلق بعمله و جهده هذا فرصة الانتفاع بها و الاستفادة منها، و ما دامت تلك الفرصة موجودة فقد ظل حقه ثابتا و إن لم يكن ممارسا الانتفاع بها، و ليس لأيّ واحد أن يستخدم تلك الحفرة التي حفرها في سبيل الحصول عليها، و هذا لا بمعنى ان قيامه بعملية الحفر قد خلق علاقة الاختصاص له بتلك المواد في اعماق الأرض على مستوى الملك أو الحق، بل بمعنى انه اتاح له فرصة الانتفاع من هذه الحفرة للاستفادة منها دون الآخرين، و هذا يعني ان العملية هذه قد خلقت له علاقة الاختصاص بتلك الحفرة على مستوى الملك أو الحق دون المواد المعدنية ما دامت باقية في موضعها.

(1) بل يملكه كما مر، غاية الأمر أن تصرفه في أرض الغير بدون اذنه محرم و يضمن أجرة مثل تصرفه فيها.

(2) الأمر كما ذكره بناء على مسلكه (قدّس سرّه) من ان المعادن خاضعة للأرض في مبدأ الملكية، إذ عندئذ تختلف هذه المسألة عن المسألة المتقدمة، فانه اذا وجد مقدارا من المعدن مطروحا على وجه الأرض بسبب الحوادث الأرضية أو نحوها، فان كانت الأرض من الأراضي المباحة فلا يجري عليه حكم‌

34

[مسألة 9: إذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين]

[2885] مسألة 9: إذا كان المعدن في معمور (1) الأرض المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين فأخرجه أحد من المسلمين ملكه (2) و عليه الخمس، و إن

____________

المعدن، باعتبار أن علاقة الواجد به على مستوى الملك انما هي بسبب حيازته و جعله في حوزته فعلا لا باستخراجه من الأرض، و لذا لا يجب عليه خمسه فورا، باعتبار انه داخل حينئذ في ارباح المكاسب. و إن كانت من الأراضي المملوكة بملكية خاصة فعلى ما بنى عليه الماتن (قدّس سرّه) من ان المصادر و الثروات الطبيعية المتكونة في الأرض تابعة لها في مبدأ الملكية يجري عليه حكم المعدن على أساس انه مملوك لمالك الأرض قبل خروجه منها، فإذا خرج سواء أ كان بجهده و تعبه أم كان بسبب آخر كحادث أرضي كان المخرج مملوكا له من البداية، أي في حال كونه في موضعه الطبيعي، فلذلك يجب عليه اخراج خمسه فورا.

(1) في التقييد بالمعمور اشكال بل منع و إن كان مشهورا، إذ لا دليل عليه غير تقييد الأرض في صحيحة الحلبي بالسواد، و لكن بما أن هذا التقييد قد ورد في كلام السائل دون الامام (عليه السلام) فلا قيمة له، مع أن مقتضى مجموعة من الروايات ان موضوع ملكية المسلمين مطلق الأرض سواء أ كانت ميتة أم كانت حية، طبيعيا كانت أو بشريا، فإذا أخذت الأرض الموات من الكفار قهرا و عنوة فهي ملك للمسلمين.

(2) في الملك اشكال بل منع، و الأظهر انه يمنحه الحق فيه، و الوجه في ذلك ان المصادر و الثروات الطبيعية الموجودة في الأراضي المفتوحة عنوة خاضعة لها في مبدأ الملكية، يعني كما ان الأرض ملك عام للمسلمين كذلك المصادر و الثروات الموجودة فيها.

و النكتة فيه ان مصدر علاقة المسلمين بالأرض التي كانت بأيدي الكفار‌

35

..........

____________

و تحت استيلائهم انما هو استيلاء المقاتلين من المسلمين عليها بعنوة و هراقة دم و أخذها منهم بالسيف، و من الطبيعي ان أثر الاستيلاء يمتد إلى المصادر و الثروات الطبيعية كالمناجم و نحوها الموجودة في الأرض، سواء أ كانت متوغلة في أعماقها أم كانت على وجهها، على أساس ان الاستيلاء خارجا على بقعة من الأرض لدى العرف و العقلاء استيلاء على جميع ما في هذه البقعة من الثروات الطبيعية، باعتبار ان الاستيلاء على الظرف استيلاء على المظروف طبعا، و بذلك يختلف مفهوم الاستيلاء عن مفهوم الاحياء، و على أثر هذا الاختلاف تختلف النتيجة، فان ملكية الأرض إن كانت نتيجة الاستيلاء عليها فامتدت إلى المعادن المتكونة فيها و غيرها من الثروات الطبيعية، و إن كانت نتيجة الاحياء فلا تمتد، لأن الاحياء انما يخلق صفة في الأرض فحسب و لا يمتد أثره إلى المصادر و الثروات الطبيعية المتكونة فيها بكيان مستقل كالمناجم و نحوها، غاية الأمر ان الأرض ظرف لها، و من المعلوم ان المظروف ليس من تبعات الظرف و شئونه، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الناتج من عملية الاحياء الملك أو الحق.

فالنتيجة: ان المناجم الموجودة في الأراضي المفتوحة عنوة تخضع للأرض في مبدأ الملكية و ليست من المشتركات العامة، و المناجم الموجودة في الأراضي التي هي من الأنفال تخضع لتلك الأراضي في مبدأ الملكية، و المناجم الموجودة في الأراضي المملوكة بملكية خاصة لا تكون خاضعة لها في مبدأ الملكية و انما هي من المشتركات العامة.

ثم ان حكم المناجم الموجودة في الأراضي المفتوحة عنوة حكم نفس تلك الأراضي، و قد ذكرنا في كتابنا «الأراضي» ان لكل فرد من المسلمين يحق أن يقوم بالتصرف فيها و الانتفاع بها على ضوء الخطوط المرسومة من قبل ولي الأمر حفاظا على مصالح الأمة و تحقيقا للتوازن بين طبقاتهم، و كذلك الحال في‌

36

أخرجه غير المسلم ففي تملكه إشكال (1)، و أما إذا كان في الأرض الموات حال الفتح فالظاهر أن الكافر أيضا يملكه (2) و عليه الخمس.

[مسألة 10: يجوز استئجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر]

[2886] مسألة 10: يجوز استئجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر، و إن قصد الأجير تملكه لم يملكه.

[مسألة 11: إذا كان المخرج عبدا كان ما أخرجه لمولاه و عليه الخمس]

[2887] مسألة 11: إذا كان المخرج عبدا كان ما أخرجه لمولاه و عليه الخمس.

____________

المعادن الموجودة فيها.

و أما في مسألة الخمس فلا فرق بين أن تكون علاقة الفرد بالمعدن في مستوى الملك أو الحق.

(1) الأظهر عدم التملك لما مر من ان المعادن كالأراضي ملك عام للمسلمين، و لا يحق لغير المسلم أن يتصرف فيها، و لو تصرف فبما انه في ملك المسلم فلا أثر له، و لا يمنح حقا، بداهة انه تصرف منه بلا مبرر له، فلا يمكن أن يحدث حقا له.

فالنتيجة: ان تملك الكافر لها بالاستخراج كتملكه الأرض بالاحياء بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه في المقام.

(2) الأظهر انه لا يملك، و قد ذكرنا في كتابنا «الأراضي» ان علاقة المحيي بالأرض ترتبط بأمرين ..

أحدهما: أن يكون الاحياء باذن الامام (عليه السلام) أو نائبه، و تدل عليه اخبار التحليل، فان كل من شملته تلك الأخبار فهو مأذون في التصرف فيها باحياء أو غيره.

و الآخر: اسلام المحيى، و تدل عليه صحيحة الكابلي على أساس تقييد المحيي بكونه من المسلمين، فان القيد و إن كان مما لا يدل على المفهوم الّا أنه‌

37

[مسألة 12: إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملا يوجب زيادة قيمته]

[2888] مسألة 12: إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملا يوجب زيادة قيمته كما إذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حليا أو كان مثل الياقوت و العقيق فحكّه فصّا مثلا اعتبر في إخراج الخمس مادته (1) فيقوّم حينئذ

____________

لا شبهة في ظهوره عرفا في أن الحكم غير ثابت للطبيعي الجامع بين المسلمين و غيرهم و الّا لكان لغوا محضا، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى قد مر أن المعادن الموجودة في الأراضي التي هي ملك للإمام (عليه السلام) خاضعة لها في مبدأ الملكية، يعني كما أن تلك الأراضي ملك للإمام (عليه السلام) كذلك المعادن الموجودة فيها، و على هذا فحكمها حكم الأراضي.

ثم ان عدم ملك الكافر الأرض الموات بالاحياء و المعادن فيها بالاستخراج انما هو فيما إذا كان قيامه بذلك متأخرا زمنيا عن تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام (عليه السلام)، و أما إذا كان متقدما زمنيا على تاريخ التشريع فلا شبهة في أنه يوجب الملك، لأن عملية الاحياء و الاستخراج و الحيازة كل ذلك من أسباب الملك لدى العرف و العقلاء بلا فرق بين الكافر و المسلم، و كذلك الحال في الأرض المفتوحة عنوة و المناجم فيها. و بذلك يظهر انه لا فرق بين المناجم الموجودة في الأرض المفتوحة عنوة و المناجم الموجودة في الأرض الموات التي هي ملك للإمام (عليه السلام).

(1) في الاعتبار اشكال بل منع، لأنه اما أن يكون مبنيا على أن متعلق الخمس مالية العين دون نفس العين بحدودها الشخصية، و الفرض ان مالية المادة في المسألة تظل باقية على حالها، و الهيئة الطارئة عليها انما توجب زيادة القيمة فيها بحدّها الشخصي لا ماليتها، و المفروض عدم الشركة في العين، فاذن ما فيه الشركة و هو المالية فلا زيادة فيه، و ما فيه الزيادة و هو العين بحدّها فلا‌

38

..........

____________

شركة فيه، أو يكون مبنيا على أن الهيئة ملك للعامل بقانون ان كل عامل يملك نتيجة عمله و جهده.

و الجواب: اما عن الأول، فلما سوف يأتي في ضمن البحوث القادمة من أن متعلق الخمس نفس العين على نحو الاشاعة فيها، و على هذا فكل ما يوجب زيادة قيمة العين بحدّها فهي مشتركة بالنسبة، و لا فرق بين أن يكون ذلك بانفاق عمل و بذل جهد في سبيل تطويرها و انجازها كالمادة الذهبية مثلا، فانها لا تصبح ذهبا بشكله الكامل الّا بعد التصفية و التطوير، أو يكون باجراء عمل عليها و جعلها دينارا أو حليا أو ما شاكل ذلك.

و اما عن الثاني، فلأن قانون أن كل عامل يملك نتيجة عمله و جهده و آثاره القيمة قانون عقلائي و شرعي.

أما الأول: فلأن العقلاء حسب فطرتهم الأولية لا يعترفون بالأسباب التي تكون مظهرا من مظاهر القوة و التحكيم و الظلم على الآخرين، فانها أسباب ولدتها الظروف الثانوية في المجتمعات التي لا تقوم على أساس العدل و التوازن الاجتماعي و القيم الانسانية، و انما تقوم على أساس القوة و اللّاأخلاقية اخلاقية، فلا يسمح لدى العقلاء ان من كانت عنده قوة و وسائل و معدات أن يستولي على الأراضي الشاسعة أو المصادر و الثروات الطبيعية بالقوة و التحكيم على الآخرين في ميدان المنافسة من دون انفاق عمل و بذل جهد في سبيل ذلك.

و أما الثاني: فلأن الإسلام لم يعترف بالسيطرة و الاستيلاء على الثروات الطبيعية كالمناجم و المياه و الأراضي و الكلاء و الغابات و نحوها بالقوة و التحكيم على الآخرين في ميدان المنافسة و منعهم من الاستفادة منها، مع ان نسبة الكل اليها نسبة واحدة، و انما اعترف بالعمل و بذل الجهد و الطاقة في سبيل الاستيلاء عليها و أن كل فرد انما يأكل ثمار عمله و يملك نتيجته دون أكثر، و يجعل‌

39

سبيكة أو غير محكوك مثلا و يخرج خمسه، و كذا لو اتجر به فربح قبل أن يخرج خمسه ناويا الإخراج من مال آخر (1) ثم أداه من مال آخر، و أما إذا اتجر به من

____________

مصدر علاقة كل فرد بها العمل و بذل الجهد وجودا و عدما و سعة و ضيقا، و قد اكتشفنا ذلك من خلال نصوصه التشريعية التي جاءت في مختلف الموارد بمختلف الألسنة حيث جعل الاحياء مصدر علاقة الفرد بالأرض الموات، و الحيازة مصدر علاقته بالثروات الطبيعية المنقولة، و عملية التنقيب و الإخراج في المناجم و المياه في باطن الأرض و اعماقها مصدر علاقته بهما و هكذا.

و على ضوء هذا الأساس فالمالك في المقام و إن كان يملك نتيجة عمله و جهده، الّا ان ذلك انما هو بالنسبة إلى حصته و هي الأربعة الأخماس، و لا قيمة لعمله بالنسبة إلى حصة غيره ما لم يكن باذن من بيده أمرها كالفقيه الجامع للشرائط، و لا احترام له حينئذ، فلذلك تصبح الهيئة المندمجة في المادة أيضا مشتركة باعتبار أنها هيئة لمال الشريكين معا، و أما اختصاص المالك بالهيئة المندمجة في حصته فهو على القاعدة، و اما اختصاص الفقير بالهيئة المندمجة في حصته فهو بقاعدة أن من ملك شيئا ملك أثره و لازمه، غاية الأمر ان ايجاد الغير إن كان باذن المالك استحق أجرة عمله إذا لم يقصده مجانا و الّا لم يستحقها على أساس انه لا قيمة لعمله حينئذ كعمل الغاصب.

(1) فيه انه لا أثر للنية المجردة، لأن البيع إن كان شخصيا فهو فضولي بالنسبة إلى مقدار الخمس فيه، و مجرد انه ينوي الأداء لا يؤثر في صحته، فانها تتوقف على أحد أمور ..

الأول: أداء البائع خمس المبيع من مال آخر عنده شريطة أن يكون ذلك باذن الحاكم الشرعي، فانه إذا أداه ملك خمسه، و حينئذ فإذا أجاز صح بناء على‌

40

غير نية الإخراج من غيره فالظاهر أن الربح مشترك بينه و بين أرباب الخمس (1).

____________

ما هو الحق من صحة العقد الفضولي و إن كان المجيز غير المالك حين العقد، فانه حينئذ داخل في كبرى قاعدة من باع ثم ملك.

الثاني: أداء المشتري خمسه اما من نفس المبيع أو من مال آخر عنده، و يرجع حينئذ إلى البائع و يأخذ منه بدله الذي هو عوض عن الثمن المأخوذ من المشتري ازاء خمس المبيع، و بذلك يتم البيع، و في هذين الفرضين يكون الربح كله للبائع.

الثالث: اجازة الحاكم الشرعي البيع، فانه إذا أجازه صح و انتقل الخمس إلى ملك المشتري و الثمن إلى ملك أهله، و في هذا الفرض يكون الربح كله لأهل الخمس.

و أما إذا لم يتوفر أحد هذه الأمور فيظل البيع باطلا بالنسبة إلى مقدار الخمس، و لا فرق في ذلك بين أن يكون البائع ناويا الأداء من مال آخر أولا، فانه على كلا التقديرين يكون البيع فضوليا بالنسبة إليه و باطلا، و لا أثر لنية الأداء أصلا. فما في المتن من الفرق بينهما لا أساس له، و لا يمكن تبريره بشي‌ء.

و أما إذا كان البيع كليا و لكن في مقام التسليم فقد سلّم إلى المشتري المال المتعلق للخمس، فلا شبهة في صحة البيع حينئذ، و انما يضمن البائع خمس ما سلّمه إلى المشتري بسبب اتلافه له، و بذلك يظهر ان هذا الفرع ليس كالفرع الأول في المسألة، و لا وجه لما في المتن من أنه مثله بقوله: و كذا لو اتجر به فربح ... الخ.

(1) قد مرّ ان الربح انما يكون مشتركا بينهما إذا كان البيع باجازة الحاكم‌

41

[مسألة 13: إذا شك في بلوغ النصاب و عدمه فالأحوط الاختبار]

[2889] مسألة 13: إذا شك في بلوغ النصاب و عدمه فالأحوط الاختبار (1).

[الثالث: الكنز]

الثالث: الكنز، و هو المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، و المدار الصدق العرفي، سواء كان من الذهب أو الفضة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر (2)، و سواء كان في بلاد الكفار الحربيين أو غيرهم أو في بلاد الإسلام في الأرض الموات أو الأرض الخربة

____________

الشرعي، و أما إذا لم يكن باجازته كما هو المفروض في المسألة فالبيع يكون باطلا بالنسبة إلى مقدار الخمس إذا كان شخصيا، و إذا كان ما في الذمة فالبيع يكون صحيحا و الربح كله للبائع و لكنه يضمن مقدار الخمس كما مر.

(1) لا بأس بتركه، لأن الشبهة موضوعية و المرجع فيها الأصل المؤمن من الأصل الموضوعي أو الحكمي، و لم يقم دليل على وجوب الاختبار و الفحص فيها.

و دعوى ان الرجوع إلى الأصل المؤمن في المسألة بما أنه قد يؤدي إلى مخالفة الواقع التي لا يرضى الشارع بها فلا يجري.

مدفوعة بأن مجرد مخالفته للواقع بل الظن بها لا يمنع عن جريانه، لأن الواقع إذا لم يكن منجزا فلا أثر لمخالفته، و لا إدانة عليها، و لا يحكم العقل بقبحها، نعم إذا كان المكلف واثقا و مطمئنا بأن اجراء الأصل بدون الاختبار و الفحص يؤدي إلى مخالفة الواقع لم يجز، بل يجب عليه الاختبار و الفحص سواء أ كان في هذه المسألة أم كان في غيرها.

(2) في وجوب الخمس في غير المسكوكين من الذهب و الفضة و كذلك في غيرهما من الجواهر اشكال بل منع و إن كان وجوب الخمس في الجميع هو المعروف و المشهور بين الأصحاب.

42

..........

____________

بيان ذلك: ان مقتضى اطلاق مجموعة من الروايات التي تجعل من الأشياء التي تعلق بها الخمس الكنز وجوب الخمس في الجميع، فان كلمة (الكنز) موضوعة لغة و عرفا للمال المدفون في الأرض أو في بطن الشجر أو في الجدار، و لا فرق بين أن يكون دفنه عن ارادة و قصد أو لا، هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان المال المدفون لا يختص بالذهب و الفضة، بل يعم غيرهما من الجواهر كالأحجار الكريمة و غيرها من النفائس الثمينة.

فالنتيجة: ان مقتضى اطلاق هذه المجموعة وجوب الخمس في الكل شريطة أن يكون مكنوزا و مدفونا. و لكن صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: ما تجب الزكاة في مثله ففيه الخمس ...» (1) تدل على وجوب الخمس في مثل ما تجب فيه الزكاة، و ظاهر المماثلة بينهما المماثلة في الجنس و المقدار معا، لا في المقدار فقط، اذ حمل الصحيحة على المماثلة في المقدار فحسب خلاف الظاهر عرفا حيث ان الظاهر منها لدى العرف المماثلة في الجنس و المقدار معا كما هو مقتضى الاطلاق، أو لا أقل من ظهورها في المماثلة في الجنس فقط، و حيث ان الزكاة تجب في الذهب و الفضة إذا كانا مسكوكين بسكة المعاملة لا مطلقا، و لا في مطلق الجواهر فبطبيعة الحال يكون الخمس واجبا فيهما كذلك لا مطلقا، و لا في مطلق الكنز، فاذن لا بد من تقييد اطلاق تلك الروايات بها.

فالنتيجة: ان الكنز إذا كان من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة وجب خمسهما من باب خمس الكنز، و أما إذا كان منهما غير مسكوكين بها، أو كان مسكوكا بها و لكن من غير الذهب أو الفضة فهو داخل في مطلق الغنيمة و الفائدة، و يجب خمسه من باب خمس أرباح المكاسب و مع هذا فالأحوط و الأجدر به اخراج خمسه فورا بقصد الأعم من‌

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث: 2.

43

التي لم يكن لها مالك أو في أرض مملوكة له بالإحياء أو بالابتياع مع العلم بعدم كونه ملكا للبائعين (1)، و سواء كان عليه أثر الإسلام أم لا، ففي جميع هذه يكون ملكا لواجده و عليه الخمس (2)، و لو كان في أرض مبتاعة مع

____________

خمس الفائدة أو الكنز.

(1) بل يكفي عدم العلم بذلك، و لا يضر احتمال انه ملك لهم على أساس أن الواجد في هذه الحالة و إن علم اجمالا بأنه اما ملك لمالك سابق لم يبق في قيد الحياة عادة، و لا يعلم بوجود وارث له فعلا، أو ملك لأحد هؤلاء البائعين، الّا انه لا أثر لهذا العلم الإجمالي حيث انه لا يمنع من استصحاب عدم وجود وارث له بالفعل لعدم المعارض له، و استصحاب عدم كونه ملكا لأحد هؤلاء لا يعارضه لأنه أصل حكمي و ذاك موضوعي، و لا مانع من جريان كليهما معا، و نتيجة ذلك أنه من الانفال، فإذا وجده شخص فهو له و عليه خمسه لدى توفر شروطه.

(2) بل حتى مع عدم العلم بكونه ملكا لأحد البائعين كما مر.

ثم ان علاقة الواجد بالكنز تختلف باختلاف هذه الصور، ففي بعضها تكون على مستوى الملك، و في بعضها الآخر تكون على مستوى الحق.

بيان ذلك: ان مصدر علاقة الفرد بالكنز انما هو بوجدانه سواء أ كان ببذل الجهد و انفاق العمل في سبيله أم كان بطريقة الصدفة، و على هذا فان كان تاريخ الكنز زمنيا مقدما على تاريخ الإسلام فهو لواجده على مستوى الملك بلا فرق بين أن يكون في دار الكفر أو الإسلام، و إن كان متأخرا عن الإسلام زمنيا، فان كان في دار الكفر فهو أيضا لواجده على مستوى الملك، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الواجد واثقا و متأكدا بأن له مالكا غير محترم بالفعل أو لا.

44

..........

____________

فالنتيجة: ان علاقة الواجد بالكنز في تمام هذه الصور علاقة الملك، و عليه خمسه شريطة توفر شروطه ككونه من الذهب أو الفضة المسكوكة بسكة المعاملة، و بلوغه النصاب.

و إن كان في دار الإسلام سواء أ كان في الأرض التي لا ربّ لها من الميتة أو المعمورة، أم في الأرض المفتوحة عنوة، أم المحياة، أو المبتاعة، فان علم بوجود مالك محترم له بالفعل و مجهول عنده جرى عليه حكم اللقطة، فان كان ذات علامة مميزة وجب التعريف سنة كاملة، و بعد السنة إذا لم يوجد فهو مخير بين التصدق مع الضمان و التملك به و التحفظ عليه إلى أن يجي‌ء صاحبه، و إن لم يكن ذات علامة أو انه كان و لكن لا يمكن التعريف أو انه بلا أثر فحكمه التصدق، و إن لم يعلم بوجود مالك محترم له فعلا كما إذا كان تاريخه الزمني قبل مئات السنين و لا يحتمل عادة بقاء مدخره في قيد الحياة، و حينئذ فان علم بوجود وارث له فعلا و امكان الوصول إليه بالتعريف إذا كان ذات علامة مميزة وجب، و الّا تصدق به. و إن لم يعلم بوجود وارث له فعلا فهو لواجده على أساس أن موضوع علاقته به مركب من أمرين ..

أحدهما: وجدان الكنز.

و الآخر: أن لا يكون له مالك محترم بالفعل. و الأول محرز بالوجدان، و الثاني بالاستصحاب. و كذلك الحال إذا وجد كنزا في دار الكفر و علم بقرائن أنه لمالك محترم تطبيقا لنفس ما تقدم، هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان علاقة الواجد بالكنز في هذه الصورة انما هي على مستوى الحق دون الملك بلا فرق بين أن يكون الكنز في الأرض التي لا ربّ لها، أو في الأرض المفتوحة عنوة، أو المحياة، أو المبتاعة، أما على الأول، فلأنه من الانفال و ملك للإمام (عليه السلام) كالمعادن و المناجم و المياه و غيرها من الثروات الطبيعية الموجودة فيها، و هذا لا من جهة ان الروايات التي تنص على ملكية الأرض التي لا رب لها للإمام (عليه السلام)

45

..........

____________

تدل على ملكية الكنوز الموجودة فيها أيضا له (عليه السلام)، فان تلك الروايات لا تدل عليها لا بالمطابقة باعتبار أنها ليست من الأرض بل هي مدفونة فيها و موجودة مستقلة في قبالها، و لا بالالتزام لأنها ليست من توابعها و شئونها، بل لها كيان مستقل و تكون نسبتها اليها نسبة المظروف إلى الظرف لا نسبة الثمرة الى الشجرة، بل من جهة الروايات التي تنص على أن من مات و ليس له موالي فما له من الأنفال، بتقريب ان الكنوز الموجودة فيها إذا كان تاريخها الزمني قبل مئات السنين و لا يحتمل بقاء مدخرها في قيد الحياة لحد الآن عادة، و لا يعلم بوجود وارث له، و إذا شك فيه فمقتضى الأصل عدمه، تكون من الأنفال تطبيقا لتلك الروايات، و حيث ان الامام (عليه السلام) قد أباح التصرف في الانفال لكل من شملته نصوص التحليل، فتكون النتيجة ان من وجد كنزا فيها و لم يعلم بوجود مالك محترم له فعلا فهو له، و لا فرق بين أن يكون وجدانه بانفاق عمل و بذل جهد في سبيله قاصدا اياه، أو بطريقة الصدفة و الاتفاق، و بذلك يظهر ان علاقته به لا محالة تكون على مستوى الحق دون الملك و إن كان المشهور هو الثاني و ذلك لعدم الدليل على انقطاع علاقة الامام (عليه السلام) عنه. و من هنا قلنا ان الاحياء انما يمنح علاقة المحيي بالأرض على مستوى الحق دون الملك لعدم الدليل على انقطاع علاقة الامام (عليه السلام) عن الأرض. على تفصيل ذكرناه في كتابنا «الأراضي»، و لكن في المقام لا تظهر الثمرة بين القولين، فانه على كلا القولين يجب عليه خمسه عند توفر شروطه كما مر.

و اما على الثاني، و هو ما إذا كان الكنز في الأرض المفتوحة عنوة فهو ملك للمسلمين كالأرض، على أساس ان مصدر علاقة المسلمين بالأرض التي كانت تحت سيطرة الكفار و بأيديهم انما هو استيلاء جيوش المسلمين عليها بعنوة و هراقة دم و أخذها منهم بالسيف، و من الطبيعي ان أثر الاستيلاء يمتد إلى المصادر و الثروات الطبيعية الموجودة فيها كالمناجم و المياه و الكنوز و نحوها،

46

..........

____________

سواء أ كانت متوغلة في أعماقها أم كانت متكونة على وجهها باعتبار ان الاستيلاء على بقعة من الأرض خارجا استيلاء على ما في هذه البقعة من الثروات الطبيعية بنظر العرف و العقلاء، فمن يستولي على الظرف يستولي على المظروف طبعا، فلا ينفك الاستيلاء على الأول عن الاستيلاء على الثاني، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: ان الشارع أجاز لكل فرد من آحاد المسلمين أن يمارس حقه في الانتفاع بالأراضي المفتوحة عنوة و أنه حرّ في ممارسة أيّ لون من ألوان الانتاج منها و الانتفاع بها في ضمن المناهج التي رسمت من قبل ولي الأمر أو الدولة الاسلامية في حدود دائرة الشرع و عدم التعدي و التجاوز عنها بخلق شروطها كتشجير الاشجار و زرع الحبوب و اخراج المعادن و الكنوز و غيرهما من الثروات الطبيعية فيها.

و من ناحية ثالثة: ان علاقة الممارس بها إنما هي على مستوى الحق دون الملك لعدم الدليل على انقطاع علاقة المسلمين عنها، فاذن هو أحق بها، على أساس انه أوجد فيها شروطا و خلق لها صفات و هيأ فيها فرصا للعمل لم تكن، و أما ذات الرقبة فهي مشتركة بين الكل على مستوى الملك، و على هذا فإذا وجد فرد فيها كنزا فهو أحق به، و عليه خمسه إذا توفر شروطه.

و أما على الثالث: و هو ما إذا كان الكنز في الأرض المحياة أو المبتاعة، فهو ليس لصاحب الأرض، و ذلك لأن الناتج من عملية الاحياء انما هو علاقة المحيى بالأرض، و من الطبيعي ان أثرها لا يمتد إلى الكنوز المدفونة فيها، و لا إلى غيرها من الثروات الطبيعية الموجودة في اعماقها أو المتكونة على وجهها، على أساس أنها موجودات مستقلة في قبال الأرض، و ليست من أجزائها، و نصوص الاحياء انما تمنح المحيي علاقة بالأرض على مستوى الحق كما هو الصحيح أو الملك- كما هو المشهور- لا بأشياء أخرى التي لا ترتبط بالأرض‌

47

..........

____________

الّا ارتباط المظروف بالظرف، كالطفل في بطن الأم و البيض في بطن الدجاج، و كذلك الحال في الأرض المبتاعة فان علاقة الفرد بها الناشئة من الأسباب الثانوية كالبيع أو الهبة أو الإرث أو نحوها ليست أقوى و أعمق من علاقته بها الناشئة من عملية الاحياء على أساس أنها كلا تنتهى في نهاية المطاف إلى تلك العملية التي هي مبدأ علاقة الانسان بالأرض، و على هذا فالكنوز الموجودة في تلك الأراضي إذا كان تاريخها الزمني قبل قرون بحيث لا يحتمل عادة بقاء مدخرها على قيد الحياة، و لا يعلم بوجود وارث له فعلا، و إذا شك فيه فمقتضى الاستصحاب عدمه، فهي من الانفال تطبيقا للروايات المتقدمة، و حينئذ فإذا وجد فرد كنزا فيها و لم يعلم بوجود مالك محترم له فهو أحق به على مستوى الحق دون الملك تطبيقا لما تقدم.

نعم، إذا علم أنه لمالك محترم قبل تاريخ تشريع الانفال و لم يبق في قيد الحياة إلى زمان التشريع، و لا يعلم بوجود وارث له، فهو ليس من الانفال، و أما إذا شك في أن تاريخ موته قبل تاريخ تشريع الانفال أو بعده مع فرض عدم العلم بوجود وارث له فعلا، فلا يكون هنا أصل لإثبات تأخر موته عن زمان التشريع أو تأخره عن زمان الموت، فانه في نفسه لا يجرى أما لابتلائه بمحذور الاستصحاب في الفرد المردد إذا لوحظ زمان كل منهما على نحو المعرفية الصرفة إلى واقع زمان مردد بين زمانين يقطع بحدوث الحادث الآخر في أحدهما و عدم حدوثه في الآخر، فلا شك في البين بالنسبة إلى كل من الفردين الطوليين، أو لعدم الحالة السابقة له إذا لوحظ ذلك على نحو الموضوعية، و عندئذ فتصل النوبة إلى الأصل الحكمي و هو استصحاب عدم انتقاله إلى الإمام لكي يكون من الانفال، و لكن غير خفى ان البحث عن الشك في التقدم و التأخر في المسألة بحث نظري محض و لا أثر عملي له في مقام التطبيق، فان الكنز سواء أ كان من الانفال أم لم يكن فعلى واجده أن يخمسه شريطة أن يكون من‌

48

..........

____________

الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة، و أن يكون بقدر النصاب، إذ لا فرق في هذا الحكم بين أن تكون علاقته به على مستوى الملك أو الحق.

لحد الآن قد وصلنا إلى هذه النتيجة، و هي ان الكنوز من الانفال إذا كانت في الأراضي التي هي خاضعة لمبدإ ملكية الدولة كالأراضي التي لا رب لها سواء أ كانت ميتة أم معمورة، و في الأراضي التي هي خاضعة لمبدإ الملكية الخاصة كالأرض المحياة أو المبتاعة، على تفصيل قد مر.

و أما الكنوز المدفونة في الأراضي التي هي خاضعة لمبدإ الملكية العامة كالأراضي المفتوحة بالقهر و الغلبة، فان كان تاريخها الزمني قبل الفتح فهي ملك للمسلمين، و ان كان تأريخها الزمني بعد الفتح فهي من الانفال شريطة أن لا يكون لها مالك محترم، و الّا فيجرى عليها حكم اللقطة كما مر، و إذا شك في أن تاريخها الزمني قبل تاريخ الفتح حتى تكون خاضعة لملكية المسلمين أو بعده حتى تكون خاضعية لملكية الدولة، ففي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب إذا كان تاريخ كل من دفنها في تلك الأراضي و فتحها مجهولا، أو كان تاريخ الفتح معلوما و تاريخ الدفن مجهولا تطبيقا لنفس ما تقدم من المحذور، و هو الابتلاء اما بمحذور الاستصحاب في الفرد المردد، أو بعدم الحالة السابقة للمستصحب، و اما استصحاب عدم الدفن في زمان الفتح و إن كان لا مانع منه في نفسه الّا أنه لا يجري من جهة عدم ترتب أثر عملي عليه الّا على القول بالأصل المثبت، و أما إذا فرض ان تاريخ الدفن معلوم و تاريخ الفتح مجهول فلا يجري استصحاب عدم الدفن في زمان الفتح لعين المحذور المتقدم، و أما استصحاب عدم الفتح في زمان الدفن فهو لا يجرى من جهة انه لا يترتب عليه نفي الموضوع و هو الطبيعي الجامع بينه و بين الفرد المقطوع العدم الّا على القول بالأصل المثبت، اذ نفي الطبيعي بنفي فرده من المثبت على تفصيل ذكرناه في ضمن البحوث الفقهية و الأصولية، و لكن غير خفي انه لا أثر عملي لهذه المسألة في مرحلة‌

49

..........

____________

التطبيق، و انما هي مسألة نظرية صرفة لأن تلك الكنوز سواء أ كانت من الانفال أم كانت ملكا للمسلمين فإذا وجدها فرد فهي له على مستوى الحق و عليه خمسها عند توفر شروطه.

و من هنا يظهر أن ما ذهب إليه جماعة من التفصيل بين ما إذا كان الكنوز في دار الكفر، و ما إذا كان في دار الإسلام، فعلى الأول فهو لواجده مطلقا و إن كان عليه أثر الإسلام، و على الثاني فهو من اللقطة معللا بأن كونه في دار الإسلام أمارة على انه ملك لمالك محترم، فلا يمكن المساعدة عليه، لما مر من ان الكنز إذا كان في دار الكفر فالأمر و إن كان كذلك فانه لواجده مطلقا، أي سواء أ كان تاريخه الزمني متقدما مئات السنين أم لا، و سواء أ كان عليه أثر الإسلام أم لا، الّا إذا علم بأنه ملك لمالك محترم، فان حكمه قد ظهر مما تقدم، و إذا كان في دار الإسلام فان كان تاريخه الزمني قبل عدة قرون بحيث لا يحتمل بقاء مدخره عادة لحد الآن و لا يعلم بوجود وارث له فعلا فقد مر انه من الانفال، و إذا وجده فرد فهو أحق به و ليس ملكا لأحد، و ان كان تاريخه الزمني متأخرا بحيث يحتمل بقاء مدخره عادة على قيد الحياة فعلا جرى عليه حكم اللقطة دون الكنز.

و أما صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، و إن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به» (1). و قريب منها صحيحته الأخرى، فهي و إن دلت على أن الورق لواجده و مقتضى اطلاقها أنه له و إن علم بوجود مالك له فعلا المجهول عنده، لأن جلاء أهل الدار عنها لا يستلزم انقطاع علاقتهم بها، فانه أعم من الاعراض، الا أنها لا تدل على أنه لواجده بملاك الكنز، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون بملاك الاعراض. أو فقل انه لا بد من حمل الصحيحة على الاعراض عن الدار بما فيها من الورق كما هو غير بعيد، بل هو‌

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب كتاب اللقطة الحديث: 1.

50

..........

____________

قريب باعتبار أن خراب الدار يكشف عن طول مدة الجلاء، و من الطبيعي أن طول مدته يكشف إما عن اعراض المالك عنها بما فيها من الورق و الّا كان يرجع إليه في هذه المدة طبعا، أو أنه لم يبق في قيد الحياة، و لا علم له بوجود وارث له بالفعل.

ثم أن هاهنا أربع مسائل، كل واحدة منها متمثلة في عنوان خاص في الفقه:

1- الكنز.

2- اللقطة.

3- المجهول مالكه وصفا لا عينا.

4- المعروف مالكه المفقود عينا.

أما الكنز فهو عبارة عن المال المدفون في الأرض أو الجدار أو غير ذلك، و ليس له مالك محترم فعلا، و قد مرّ انه لواجده إذا وجده، و حكمه وجوب الخمس شريطة توفر أمرين فيه.

أحدهما: أن يكون من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة.

و الآخر: أن يبلغ النصاب، و الّا فلا شي‌ء فيه.

و اما اللقطة بالمعنى الأخص فهي عبارة عن المال الضائع غير الانسان و الحيوان و له مالك محترم بالفعل و مجهول الهوية عينا و وصفا، و لها أحكام خاصة ..

منها: ان على الملتقط أن يقوم بتعريفها سنة كاملة شريطة توفر أمور ..

الأول: أن لا يكون جازما بعدم جدواه لليأس عن وجدان صاحبها.

الثاني: أن تكون ذات علامة مميزة.

الثالث: أن لا يكون فيه تعريض النفس في الخطر، فإذا توفرت تلك الأمور وجب القيام بتعريفها طول السنة.

و منها: أن الملتقط بعد سنة من التعريف مخيّر بين التصدق بها مع‌

51

..........

____________

الضمان، و تدل عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «و سألته عن الرجل يصيب اللقطة فيعرفها سنة، ثم يتصدق بها فيأتي صاحبها، ما حال الذي تصدق بها؟ و لمن الأجر، هل عليه أن يرد على صاحبها أو قيمتها؟ قال: هو ضامن لها و الأجر له الّا أن يرضى صاحبها فيدعها و الآجر له» (1)، و بين جعلها في عرض ماله و يجرى عليها ما يجرى على ماله حتى يجي‌ء لها طالب، و الّا فعليه أن يوصى بها في وصيته، و تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن اللقطة؟ قال: لا ترفعها، فان ابتليت بها فعرّفها سنة، فان جاء طالبها و الّا فاجعلها في عرض مالك يجري عليها ما يجري على مالك حتى يجي‌ء لها طالب، فان لم يجي‌ء لها طالب فاوص بها وصيتك» (2) و قريب منها صحيحته الأخرى. و بين تملكها، و تدل عليه صحيحة حنان بن سدير، قال:

«سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا اسمع عن اللقطة: فقال: تعرّفها سنة، فان وجدت صاحبها و الّا فأنت أحق بها» (3).

ثم ان هذه الصحيحة بما أنها ناصة في أحقية الواجد لها فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور صحيحة علي بن جعفر و غيرها في وجوب التصدق بها تعيينا، و حملها على الوجوب المشروط، و رفع اليد عن ظهور صحيحة محمد بن مسلم في وجوب التحفظ عليها تعيينا و حملها على الوجوب المشروط، فالنتيجة أن وجوب كل من التصدق و التحفظ مشروط بعدم التملك، كما ان وجوب كل منهما مشروط بعدم الآخر، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى انه إذا تملكها فهل عليه ضمان إذا جاء صاحبها و لم يرض به و طالبه بها؟ المعروف و المشهور الضمان، و لكن الصحيح عدم الضمان، لأنه بحاجة إلى دليل، و لا يوجد دليل عليه في المقام على اساس ان مقتضى القاعدة فيه عدم الضمان، باعتبار ان تصرفه فيها و تملكه لها باذن الشارع بعد تعريفها‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب كتاب اللقطة الحديث: 14.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب كتاب اللقطة الحديث: 10.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب كتاب اللقطة الحديث: 5.

52

..........

____________

سنة كاملة، و هو لا يقتضى الضمان، و التعدي عن مورد الصدقة إلى هذا المورد بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه، لا فيه و لا في الخارج. فالنتيجة عدم الضمان هو الأظهر في صورة تملك الواجد لها.

و منها: أن المشهور بين الفقهاء عدم وجوب تعريفها إذا كانت قيمتها أقل من الدرهم، و لكنه لا يخلو عن اشكال بل منع، لأن مقتضى الاطلاقات وجوب تعريفها سنة و إن كانت قيمتها أقل من الدرهم، و لا دليل على تقييد تلك الإطلاقات الا مرسلة محمد بن أبي حمزة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن اللقطة؟ قال: تعرف سنة قليلا كان أو كثيرا، قال: و ما كان دون الدرهم فلا يعرف» (1) و هذه المرسلة و إن كانت تامة دلالة الا انه لا يمكن الاعتماد عليها من جهة الارسال، فاذن الأظهر وجوب تعريفها و إن كانت قيمتها أقل من الدرهم.

و منها: جواز تملكها إذا لم تكن ذات علامة مميزة قابلة للتعريف، و لكنه أيضا لا يخلو عن اشكال بل منع، لأن تملك مال الغير بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه في المقام، و مقتضى القاعدة حينئذ هو التصدق بها، لأنه غاية ما يمكن ايصاله إلى المالك، نعم، في خصوص من وجد حيوانا في فلاة كالشاة أو نحوها فالرواية تنص على أنه له، كصحيحة هشام بن سالم و غيرها.

و لكن ذلك خارج عن محل الكلام فانه في اللقطة بالمعنى الأخص لا في الضالة، و التعدي بحاجة إلى قرينة، و من هنا يظهر ان الكنز يختلف عن اللقطة موضوعا و حكما، اما موضوعا فلأن الكنز هو المال المقيد بقيدين ..

أحدهما: أن يكون مدفونا في الأرض أو نحوها.

____________

(1) الوسائل باب: 4 من أبواب كتاب اللقطة الحديث: 1.

53

..........

____________

و الآخر: أن لا يكون له رب محترم فعلا. و اما اللقطة فهي مقيدة بأن يكون لها رب محترم فعلا و مجهول، كما أنها لا تكون مقيدة بالدفن. و اما حكما فلأن الكنز من الواجد و عليه خمسه كما مر دون اللقطة.

فالنتيجة: ان الكنز الذي له حكم خاص يفترق عن اللقطة في أمرين ..

أحدهما: ان الكنز هو المال المدفون في الأرض أو نحوها، و اللقطة أعم من أن تكون مدفونة أو مكشوفة.

و الآخر: ان المعتبر في الكنز أن لا يكون له مالك محترم بالفعل، و اما في اللقطة فيعتبر فيها أن يكون لها مالك كذلك و مجهول، فذلك يختلف حكمه عن حكمها.

و اما المجهول مالكه وصفا لا عينا فهو يتمثل في المال الذي يكون مالكه معلوما عينا و مجهولا مكانا و بلدة أو وصفا، فمن أجل ذلك لا موضوع للتعريف و إن كان ذات علامة، و لا يمكن ايصاله إليه، و حكمه التصدق به تعيينا من قبله لأنه غاية ما يمكن ايصاله اليه. و تدل عليه صحيحة يونس ابن عبد الرحمن قال: «سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) و أنا حاضر .. إلى أن قال:

فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها إلى منزله و رحلنا إلى منازلنا، فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأي شي‌ء نصنع به؟ قال:

تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة، قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟

قال: على أهل الولاية» (1). ثم ان المراد من قول السائل «لسنا نعرفه» أي لا نعرفه وصفا لا أنه لا نعرفه عينا، فانه لا ينسجم مع كونه رفيقا له في مكة، نعم إذا كان المالك مجهولا عينا أيضا فعندئذ إذا احتمل امكان ايصاله‌

____________

(1) الوسائل باب: 7 من أبواب كتاب اللقطة الحديث: 2.

54

احتمال كونه لأحد البائعين عرّفه (1) المالك قبله فإن لم يعرفه فالمالك قبله

____________

إليه بالتعريف وجب إذا كان ذات علامة مميزة قابلة للتعريف إلى أن ينسى من وجدان صاحبه، على أساس أن وجوب التعريف لا يتوقف على صدق اللقطة عليه، بل هو على طبق القاعدة باعتبار أن رد المال و ايصاله إلى مالكه واجب شرعا و عقلا، فإذا كان الايصال متوقفا على التعريف وجب. ثم ان هذا التعريف لا يكون محدودا إلى سنة، لأن التعريف المحدود بها انما هو في اللقطة للنص الخاص، و اما في المقام فبما أنه على طبق القاعدة فلا يكون محدودا الّا باليأس عن الوصول إلى مالكه، فإذا يئس وجب التصدق به، و لا يجري عليه حكم اللقطة من التخيير بين الأمور الثلاثة المتقدمة، لفرض عدم صدقها عليه، فلا يكون مشمولا لدليلها، و أما إذا لم يكن ذات علامة، أو كان و لكن لا يمكن تعريفه، أو لا أثر له، فالوظيفة التصدق به.

و أما المال المعروف مالكه المفقود عينا فيجب الفحص و الطلب عنه أو عن وارثه ببذل أقصى جهده في سبيل الوصول إليه، فان قدر عليه، و الّا فهو كسبيل ماله حتى يجي‌ء صاحبه، و إن لم يجي‌ء فيوصي به، و تنص عليه مجموعة من الروايات، منها: صحيحة هشام بن سالم قال: «سأل خطاب الأعور أبا ابراهيم (عليه السلام) و أنا جالس، فقال: انه كان عند أبي أجير يعمل عنده بالأجرة، ففقدناه و بقى من أجره شي‌ء، و لا يعرف له وارث، قال: فاطلبوه، قال: قد طلبناه فلم نجده، فقال: مساكين- و حرك يده- قال: فأعاد عليه، فقال: اطلب و اجهد فان قدرت عليه و الّا فهو كسبيل مالك حتى يجي‌ء له طالب، فان حدث بك حدث فأوص به إن جاء لها طالب أن يدفع إليه» (1) هذا كله مع احتمال مجي‌ء صاحبه و اما مع اليأس و انقطاع الأمل فحكمه التصدق.

(1) لكن ظهر مما تقدم انه لا أثر لهذا الاحتمال، لأن المشتري إذا وجد‌

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه الحديث: 1.