الأراضي - مجموعة دراسات وبحوث فقهية إسلامية

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
417 /
7

المقدّمة

الارض التي قد استولى المسلمون عليها من دون قتال، سواء أ كان من ناحية انجلاء أهلها أم كان من ناحية تسليمها للمسلمين ابتداء، أو صلحا فلا شبهة في كونها من الانفال.

و تدل على ذلك:- اضافة إلى عدم الخلاف بين الاصحاب قديما و حديثا، بل عن جماعة دعوى الاجماع في المسألة- مجموعة من النصوص‌

منها صحيحة حفض بن البختري عن أبي عبد اللّه (ع) قال:

(الانفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بايديهم، و كل ارض خربة، و بطون الاودية فهو لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ، و هو للإمام (ع) من بعده، يضعه حيث يشاء) (1).

و هذه الصحيحة تتضمن عدّة عناوين قد جعلت كلها من الانفال.

الاول: ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب.

الثاني: أرض الصلح، على تفصيل يأتي في محله.

____________

(1) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث 1.

8

الثالث: الارض التي سلّمها أهلها للمسلمين تسليما ابتدائيا.

الرابع: الارض الخربة.

الخامس: بطون الاودية.

و سوف نتكلم في كل واحد من هذه العناوين في ضمن البحوث القادمة بشكل موسع إن شاء اللّه تعالى.

و منها موثقة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (ع) أنه سمعه يقول:

(أن الانفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا و أعطوا بايديهم و ما كان من أرض خربة، أو بطون أودية، فهذا كله من الفي‌ء، و الانفال للّه و للرسول. و ما كان للّه فهو للرسول (ص) يضعه حيث يحب) (1).

و هذه الصحيحة كالأولى و لا فرق بينهما إلا في نقطة واحدة و هي أن في الصحيحة الاولى قد جعل الأنفال للرسول (ص)، و من بعده للأئمة (ع). و في هذه الصحيحة قد اقتصر على جعلها للرسول (ص)

و لكن هذا المقدار من الفرق غير فارق بعد ما كان معلوما من الخارج أن ما كان للرسول (ص) فهو للإمام (ع).

و منها: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع):

(السريّة يبعثها الامام (ع) فيصيبون غنائم كيف يقسم قال:

أن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام (ع) أخرج منها الخمس للّه و للرسول، و قسم بينهم أربعة أخماس، و أن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام (ع) يجعله حيث أحب) (2).

____________

(1) الوسائل ج 6 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 10

(2) الوسائل ج 6 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 3

9

و هذه الصحيحة تدل بوضوح على أن كل ما غنم من الكفار من دون قتال فهو للإمام (ع) هذا. و لكن لا يبعد اختصاص هذه الصحيحة بغير الارض بقرينة التقسيم فيها.

و منها: موثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن الأنفال فقال:

(كل راض خربة، أو شي‌ء يكون للملوك فهو خالص للإمام، و ليس للناس فيها سهم، قال: و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب) (1).

و منها: موثقة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الأنفال فقال: (هي القرى التي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول (ص)، و ما كان للملوك فهو للإمام (ع)، و ما كان من الارض بخربة لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و كل أرض لا رب لها، و المعادن منها، و من مات و ليس له مولى فما له من الأنفال (2).

و هذه الموثقة: تتضمن مجموعة من العناوين و جعلت جميعها من الأنفال و سيأتي البحث عن كل واحد منها في ضمن الابحاث الآتية.

و منها: موثقة زرارة عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قلت له:

ما يقول اللّه: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ» (و هي كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل، و لا رجال، و لا ركاب، فهي نفل للّه و لرسوله) (3).

____________

(1) الوسائل ج 2 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 8.

(2) الوسائل ج 2 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 20.

(3) الوسائل ج 2 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 9.

10

و هنا عدة روايات أخرى. تدل: على ذلك، و لكن بما انها جميعا كانت ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها، الا أن يدعى تواترها اجمالا، و هو غير بعيد.

بحث عن عدة خطوط

الخط الأول: أن هذه الروايات تصنّف إلى عدة مجموعات:

الأولى: جاءت بهذا النص كل أرض خربة للإمام (ع).

الثانية: جاءت بنص آخر: القرى التي قد خربت، و انجلى أهلها فهي للّه، و للرسول (ص).

الثالثة: جاءت بنص ثالث: ما كان من الأرض بخربة لم يوجف عليها بخيل، و لا ركاب‌

الرابعة: جاءت بنص رابع: كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل، و لا رجال، و لا ركاب، فهي نفل للّه، و للرسول (ص).

الخامسة: جاءت بنص خامس: كل أرض لا رب لها.

السادسة: جاءت بنص سادس: أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا‌

11

بأيديهم. و بعد ذلك نقول:

لا شبهة في ان المجموعة السادسة: لا تنافي بقية المجموعات برمّتها، كما هو ظاهر.

و أما المجموعة الخامسة: فهي أيضا لا تنافي سائر المجموعات.

أما عدم تنافيها للمجموعة الرابعة بنكتة أن جلاء أهل الأرض لا يستلزم انقطاع علاقتهم عنها نهايتا لكي تصبح الأرض من الأرض التي لا رب لها.

و ذلك لأن منشأ جلاء أهلها لا يخلو من أن يكون خوفهم من سيطرة المسلمين عليها من دون أعراضهم عنها، بحيث متى زال الخوف من سيطرتهم رجعوا اليها، أو يكون منشأه تسليمهم الارض لهم تسليما ابتدائيا، أو اعراضهم عنها نهائيا.

اما الفرض الأول: فلا يوجب انقطاع علاقتهم عنها نهائيا بغير شبهة و اشكال.

و اما الفرض الثاني: فالارض، و أن خرجت عن نطاق ملكيتهم، و دخلت في الانفال، ألا ان خروجها انما كان بعنوان تسليم أهلها لها، لا بعنوان ما لا رب لها.

و اما الفرض الثالث: ففي سببيته لانقطاع علاقتهم عنها كلام و اشكال و سيأتي بيانه في ضمن الابحاث القادمة إن شاء اللّه تعالى.

نعم، إذا افترضنا ان الجلاء يوجب انقطاع علاقة المالك عن مملوكه و يوجب دخول الارض في نطاق الارض التي لا رب لها،

12

فعندئذ يقع التنافي بين المجموعتين بناء على ما هو الصحيح من ظهور القيد في الاحتراز، و دلالته على ان الحكم غير ثابت للطبيعي على نحو الاطلاق، و الا لكان القيد لغوا.

و على ضوء هذا الاساس، تدل المجموعة الرابعة على ان الحكم- و هو النفل- لم يثبت لطبيعي الأرض التي لا رب لها، بل ثبت لحصة خاصة منها- و هي التي يكون عدم الرب لها من ناحية جلاء اهلها- و الا لكان هذا القيد لغوا محضا بعد ما ثبت الحكم للطبيعي الشامل لها.

نعم، بناء على ما هو المشهور بين الأصحاب من عدم ظهور القيد في امثال الموارد للاحتراز، أو عدم اخذهم به و حمله على الاهتمام به في مورده أو نحوه فلا معارضة في البين اصلا.

فالنتيجة لحد الآن قد اصبحت انه لا تنافي بين هاتين المجموعتين على اساس كلا المسلكين.

و اما عدم تنافيها مع المجموعة الثالثة: فباعتبار انها تعم ما إذا كان لها اهل و رب و ان كان باستيلاء المسلمين عليها بغير الجهاد المسلح تخرج عن نطاق ملكية اهلها و تدخل في نطاق ملكية الامام (ع).

فتكون النسبة بين المجموعتين عموما من وجه، و مورد الالتقاء بينهما الارض الخربة التي لا رب لها، و مورد الانطباق للمجموعة الخامسة خاصة: الارض المعمورة التي لا رب لها، و مورد الانطباق للمجموعة الثالثة خاصة: الارض الخربة التي لها رب.

13

و اما عدم تنافيها مع المجموعة الثانية: فلأجل انها تعم صورة ما إذا كان لها اهل و رب، فان انجلاء الاهل لا يستلزم انقطاع علاقتهم عنها نهائيا، و لا يكون من اسباب ذلك، و عليه فتكون النسبة بين المجموعتين عموما من وجه لا عموما مطلقا.

و من هنا يظهر عدم تنافيها مع المجموعة الأولى أيضا، لأن تلك المجموعة تشمل ما إذا كان لها اهل فتكون النسبة بينهما عموما من وجه أيضا.

و اما المجموعة الرابعة: فلا تنافي مع المجموعة الأولى، و ذلك لأن كلا منهما يتضمن قيدا يوجب الخصوصية فيها من ناحية، مثلا الارض في المجموعة الأولى قد قيدت بصورة كونها خربة، و في المجموعة الرابعة قد قيدت بصورة جلاء اهلها، فيكون لكل من المجموعتين جهة خاصة من ناحية، وجهة مشتركة من ناحية اخرى.

و لا جل ذلك لا تنطبق المجموعة الأولى على الأرض المعمورة التي انجلى اهلها، فهي خاصة من هذه الناحية، و المجموعة الرابعة على الارض الخربة التي لم ينجل اهلها، فهي خاصة من تلك الناحية، و تنطبقان معا على الارض الخربة التي انجلى اهلها.

فالنتيجة ان النسبة بينهما عموم من وجه، لا عموم مطلق.

و كذلك لا تنافي مع المجموعة الثانية، و ذلك لأنها تشتمل على عنوان لا تنطبق المجموعة الرابعة عليه- و هو عنوان القرى التي قد خربت- و لا جل ذلك لا تكون النسبة بينهما عموما مطلقا، كما انها لا تنطبق على عنوان الارض فقط.

14

و من هنا ذكر الامام (ع) في موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة هذا العنوان، أي عنوان القرية الخربة في مقابل الارض الخربة، و هذا شاهد صدق على ما ذكرناه.

و اما مع المجموعة الثالثة: فالظاهر انه لا تنافي بينها و بين تلك المجموعة. و ذلك لأن الظاهر منها انها تعمّ صورة ما إذا لم يكن لها اهل، فان استيلاء المسلمين على الارض بغير الجهاد المسلح يعم هذه الصورة، حيث انه قد يكون من جهة تسليم الارض لهم ابتداء، و قد يكون من ناحية عدم اهل لها حتى يقاومهم على ذلك و قد يكون من جهة اخرى. فحينئذ- تكون النسبة بين المجموعتين عموما من وجه، و مورد الالتقاء بينهما: الارض الخربة التي قد انجلى اهلها، و مورد الاختصاص للمجموعة الثالثة: الارض الخربة التي لا اهل لها، و مورد الاختصاص للمجموعة الرابعة: الارض المعمورة التي انجلى اهلها.

و اما المجموعة الثالثة: فالظاهر ان النسبة بينها و بين المجموعة الأولى عموم و خصوص مطلق، فان المجموعة الأولى تعم جميع الاراضي الخربة و الميتة، سواء أ كان لها اهل أم لم يكن، و سواء استولوا عليها المسلمون، أم لا.

و أما المجموعة الثالثة فهي خاصة بالاراضي الخربة التي قد استولوا عليها المسلمون بغير عنوة، و ذلك بدلالة تقييد الارض الخربة فيها بقوله (ع) لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، فان هذا التقييد يدل على ان الاستلاء عليها كان بغير اراقة الدماء و الجهاد المسلح.

و على ذلك فعلى ضوء ما هو المعروف و المشهور بين الاصحاب قديما و حديثا من انه لا موجب لحمل المطلق على المقيد في امثال الموارد و انه يؤخذ بالمطلق على اطلاقه و يحمل القيد على نكتة اخرى كالتأكيد‌

15

او الاهتمام أو ما شاكل ذلك فلا تنافي بين المجموعتين.

و اما على ضوء ما هو الصحيح من انه لا موجب لرفع اليد عن ظهور القيد في الاحتراز فلا يمكن الاخذ بالمطلق على اطلاقه، لتوفر التنافي بين ظهوره فيه، و ظهور القيد في الاحتراز فلا يمكن الجمع بينهما، فعندئذ- لا بد من رفع اليد عن اطلاق المطلق و حمله على المقيد بمقتضى الارتكاز العرفي.

و من هنا بنينا في محله تبعا لسيدنا الأستاذ دام ظله، انه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين ان يكون الحكم الثابت في موردهما حكما واحدا و غير قابل للانحلال أو متعددا و قابلا لذلك.

و على هذا الأساس. لا بد من رفع اليد عن اطلاق المجموعة الأولى و ان الحكم- و هو النفل- لم يثبت لطبيعي الارض الخربة على نحو الاطلاق و انما ثبت لحصة خاصة منها- و هي الارض الخربة التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب-.

فالنتيجة ان الارض الخربة بمقتضى هذه المجموعة انما تكون من الأنفال إذا استولوا عليها المسلمون بغير عنوة و اراقة دم لا مطلقا فلا تدل- عندئذ- على إن الاراضي الخربة و الميتة التي لم يستولوا عليها المسلمون بغير الجهاد المسلح تكون من الانفال.

و اما مع المجموعة الثانية: فلا تنافي بينها و بين تلك المجموعة و ذلك لاختصاصها بالقرية التي قد خربت فلا تنطبق على الارض الخربة فحسب من دون ان تكون معنونة بعنوان القرية، كما ان هذه المجموعة لا تصدق على القرية الخربة فقط.

و من هنا يظهر حال المجموعة الثانية: مع المجموعة الأولى و انه لا تنافي بين المجموعتين بعين الملاك الآنف الذكر.

16

الخط الثاني: هل تختص الانفال بالاراضي، أو القرى التي قد استولوا عليها المسلمون بغير قتال؟

فيه وجهان: الظاهر هو الوجه الثاني يعني به عدم الاختصاص و ربما نسب ذلك إلى الاصحاب.

و السبب فيه ان اطلاق قوله (ع) في صحيحة حفض بن البختري المتقدمة: الانفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب يشمل الارض و غيرها، حيث ان مضمونة هو: ان كل ما اخذ من الكفار بغير قتال و اراقة دماء فهو من الانفال و ان كان منقولا، و لا موجب لتقييده بغير المنقول.

و مما يدل على ذلك قوله (ع) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة: و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلما غنموا للإمام (ع) بل لا يبعد اختصاصه بالمنقول فحسب.

الخط الثالث: هل الارض الخربة تشمل الارض الميتة بالاصالة أو تختص بما إذا كانت مسبوقة بالعمران

فيه وجهان:

ذكر المحقق الاصفهاني (قده) في حاشيته على مكاسب شيخنا العلامة الانصاري (قده) ما نصه: (أما الارض الخربة مطلقة كانت أو مقيدة فموردها المسبوقة بالعمارة لا الموات بالاصالة).

و لنأخذ بالمناقشة عليه: فان ما ذكره (قده) ان كان يقوم على اساس ان المنصرف من الارض الخربة هو المسبوقة بالعمارة فلا تشمل الموات بالاصالة، فيردّه:

انه لا موجب لدعوى مثل هذا الانصراف، ضرورة ان المنصرف منها عرفا ليس هذا المعنى، بل المنصرف منها عند العرف حسب ما هو المرتكز في اذهانهم هو المعنى الذي يكون في مقابل المعنى المنصرف من الارض العامرة عرفا بتقابل التضاد كالمعنى المتفاهم من‌

17

الارض الميتة في مقابل المعنى المتفاهم من الارض المحياة، فكما ان الارض العامرة تشمل العامرة طبيعيا، و العامرة بشريا، كذلك الارض الخربة تشمل الخربة بالاصالة، و الخربة بالعرض.

فالنتيجة انه لا منشأ لهذا الاختصاص و لا موجب لتلك الدعوى، و ان الارض الخربة كالأرض الميتة، فكما انها تشمل الميتة بالاصالة و الميتة بالعرض، فكذلك الارض الخربة.

و ان كان يقوم على اساس ان مورد رواياتها خصوص ما إذا كانت مسبوقة بالعمران دون الاعم منها و من الموات بالاصالة، فيردّه:

اولا: ان الامر ليس كذلك، فان الروايات التي تتضمن الارض الخربة تصنّف إلى ثلاثة اصناف.

الاول: جاء بهذا النص: كل ارض خربة للإمام (ع).

الثاني: جاء بنص أخر: ما كأن من الارض بخربة لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب.

الثالث: جاء بنص ثالث: كل ارض خربة باد اهلها. و بعد ذلك نقول:

اما الصنف الاول: فلا يكون فيه ما دل على أن مورده خصوص الارض الخربة التي كانت مسبوقة بالعمارة،

و ان شئت قلت: انه ليس هنا قرينة لا من الخارج و لا من الداخل على أن مورده الارض الخربة المسبوقة بالعمارة، و عليه فمقتضى عمومه شموله لكل ارض خربة، سواء أ كانت خربة بالاصالة أم كانت بالعرض.

و اما الصنف الثاني: فايضا لا دليل على أن مورده الارض الخربة المسبوقة بالعمران فحسب، دون الاعم منها و من الموات‌

18

بالاصالة. و قد ذكرنا سابقا انه يعم الارض الخربة التي ليس لها اهل و من الطبيعي ان الارض الخربة التي كانت كذلك تشمل الخربة بالاصالة أيضا.

نعم الارض الخربة التي يكون لها أهل لا تشملها نظرا إلى ان فرض الاهل لها خلف، حيث انه لا يمكن الا بقيام الفرد باحيائها و عمارتها، لما سيأتي في ضمن البحوث القادمة من انه لا يمكن فرض تحقق العلاقة بين الفرد و الارض ابتداء، سواء أ كانت على مستوى الملك أم كانت على مستوى الحق الا بقيامه باستثمارها و احيائها، ثم بعد ذلك اذا عرض عليها الخراب فهل يوجب خروجها عن نطاق علاقته بها نهائيا اولا؟! ففيه كلام سوف يأتي في ضمن الابحاث الآتية بشكل موسع.

و اما الصنف الثالث: فهو و ان كان مورده خصوص الارض الخربة المسبوقة بالعمارة بقرينة فرض وجود الاهل لها الا ان هذا الصنف ضعيف من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليه على انه لا يصلح ان يكون مقيدا لإطلاق الصنفين الاولين كما هو ظاهر.

هذا اضافة الى عدم الحاجة اليه، حيث انه يكفي لإثبات ما هو المقصود في المقام الصنفان الأولان.

و ثانيا على تقدير تسليم ان مورد الروايات الارض الخربة المسبوقة بالاحياء الا ان المتفاهم العرفي منها عدم خصوصية للمورد، جزما و انه لا فرق بين المسبوقة بالاحياء و غير المسبوقة به.

الخط الرابع: قد ورد في موثقة سماعة بن مهران المتقدمة ان البحرين مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و انها من الانفال،

هذا.

و قد حكى عن كتاب الاحياء كما عن شيخنا العلامة الانصاري (قده)

19

ان البحرين من البلاد التي قد اسلم اهلها عليها طوعا، و استجابوا للدعوة، فهي لأهلها، لا للإمام (ع).

و قد صرح بذلك الشهيد الثاني (قده) في الروضة في كتاب احياء الموات عند قول الشهيد الاول: (و كل ارض اسلم عليها اهلها طوعا فهي لهم).

بقوله: كالمدينة المشرفة، و البحرين، و اطراف اليمن بينما جعل (قده)- بلاد البحرين في كتاب الخمس من الروضة- من البلاد التي سلمها أهلها للمسلمين ابتداء من دون هجوم من قبلهم، و من المعلوم انها عندئذ للإمام (ع) لا لأهلها، فالتناقض بين قوليه (قده) في الكتابين المذكورين موجود.

و كيف كان فالصحيح انها تكون من الانفال لدلالة الموثقة المزبورة على ذلك من دون قرينة على الخلاف.

و اما كونها منها اي من الانفال لأجل تسليم اهلها للمسلمين تسليما ابتدائيا أو لأجل المصالحة أو نحو ذلك فالموثقة غير متعرضة لشي‌ء من هذه الاحتمالات.

الخط الخامس: ان ما جاء بهذا النص كل ارض لا رب لها فهي للإمام (ع) يؤدي كبرى كلية،

و تدخل في نطاق هذه الكبرى الارض الموات، سواء أ كانت مواتا بالاصالة أم كانت بالعرض إذا لم يكن لها مالك بالفعل.

و كذلك تدخل في نطاقها الارض العامرة طبيعيا، و العامرة بشريا إذا فرض عدم اهل لها بالفعل، كما إذا باد اهلها أو ما شاكل ذلك. هذا من ناحية.

20

و من ناحية أخرى: ان الارض التي استولى المسلمون عليها بغير عنوة، و هراقة دم، تشمل الارض التي ليس لها مالك بالفعل، و لا تختص بالارض التي كان لها مالك كذلك، كما اشرنا اليه آنفا، و لا فرق فيها بين كونها عامرة أو ميتة.

21

1- الارض الموات: اصالة، و عرضا

احياء الارض، اثره:

الملك، او الحق؟! شرائط الاحياء‌

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الارض الموات‌

[في أن أرض الموات من الأنفال]

لا شبهة في ان الارض الموات من الأنفال.

و تدل على ذلك: مضافا الى عدم الخلاف في المسألة بين الأصحاب بل عن غير واحد دعوى الاجماع فيها- طوائف من النصوص:

الطائفة الأولى: النصوص المتقدمة كصحيحة حفض بن البختري و موثقة محمد بن مسلم. و موثقة سماعة بن مهران. و موثقة اسحاق ابن عمار. و معتبرة زرارة. و غيرها من الروايات التي لا يبعد بلوغ المجموع حد التواتر اجمالا كما عرفت.

ثم ان هذه الطائفة و ان لم يرد شي‌ء منها في الموات بالاصالة خاصة.

لان بعضها تضمن كون الارض الخربة للإمام (ع).

و بعضها تضمن كون الارض الخربة التى لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب للإمام (ع).

و بعضها تضمن كون الارض التي لا رب لها للإمام (ع)، و هكذا.

24

الا ان دلالتها على كون الموات بالاصالة من الانفال تقوم على اساس ما قدمناه في ضمن الابحاث المتقدمة من ان الارض الخربة تشمل الموات بالاصالة، و لا تختص بالارض الخربة المسبوقة بالعمارة هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى ان الارض التي لا رب لها كما جاءت في بعض هذه الطائفة تشمل الموات بالاصالة، بل هي من اظهر مصاديقها و افرادها، و عليه فلا حاجة الى ورود دليل في الارض الموات بعنوانها خاصة.

و بكلمة اخرى: ان الذي جاء في الروايات المعتبرة و غيرها عنوانان:

احدهما: الارض الخربة.

و الأخر: الارض التي لا رب لها.

و اما الموات بالاصالة فلم ترد في لسان شي‌ء من روايتنا حتى في رواية ضعيفة.

نعم ورد في صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة الارض الموات و لكن مع فرض اهل لها كما هو كذلك في بعض الروايات الضعاف و هو مرسلة الصدوق عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث قال قلت: (و ما الانفال قال: بطون الاودية الى ان قال: و كل ارض ميتة قد جلا أهلها) الحديث (1).

و من الطبيعي انها لا تشمل الموات بالاصالة بقرينة فرض الاهل لها، و لا اهل للموات بالاصالة.

الا أن الذي يسهل الخطب ما ذكرناه سابقا من ان الارض الخربة تشمل الموات بالاصالة، و لا فرق فيها بين كونها خربة بالاصل‌

____________

(1) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث 32.

25

بان لم يجر عليها ملك من مالك اصلا كالمفاوز مثلا، و بين كونها خربة بالعرض من ناحية ابادة اهلها او نحو ذلك.

هذا اضافة إلى ما عرفت من ان الارض التي لا رب لها تشمل الموات بالاصالة، و تصدق عليها.

و دعوى- ان هذه النصوص التي جاءت بهذا العنوان (الارض التي لا رب لها) مسوقة لبيان مالكية الامام (ع) للأرض بما هي لا رب لها، لا بما هي موات بالاصالة، فحينئذ لا تدل على ان الموات بالاصالة بما هي موات ملك للإمام (ع).

خاطئة جدا، و ذلك لأن هذه الدعوى ان كانت تقوم على اساس انه لا اطلاق لها بالاضافة إلى الموات بالاصالة، و انما هي ناظرة إلى ملكية الارض للإمام (ع) بما هي لا رب لها فعلا من ناحية ابادة اهلها أو انجلائه أو ما شاكل ذلك.

فيرده: انه لا شبهة في اطلاقها و عمومها لكل ارض لا رب لها سواء أ كان عدم رب لها بالذات كالموات بالاصالة أو العامرة كذلك أو بواسطة امر طارئ كالموات بالعرض أو العامرة كذلك.

و ان كانت تقوم على اساس انها تدل على ملكية الامام (ع) بهذا العنوان أي بعنوان لا رب لها، و لا تدل عليها بعنوان آخر كالموات بالاصالة، فاذن لا دليل على انها ملك للإمام (ع).

فيرده: انها و ان كانت تدل على ذلك، الا ان هذا العنوان اي عنوان ما لا رب لها ليس في مقابل عنوان الموات بالاصالة، بل هو ينطبق عليها انطباق العنوان على معنونه، و الكلى على افراده.

و من الطبيعي ان كل ما ينطبق عليه عنوان ما لا رب لها فهو داخل في نطاق ملكية الامام (ع)، و قد عرفت انه لا شبهة في‌

26

انطباق هذا العنوان على الموات بالاصالة.

و ان شئت قلت: ان حيثية الموات بالاصالة للأرض لا تباين حيثية ما لا رب لها بحيث لا يمكن التقائهما في ارض واحدة، ليقال ان ما دل على ملكية الارض من الحيثية الأولى لا يدل على ملكيتها من الحيثية الثانية لعدم انطباقها على ما تنطبق عليه الأولى.

بل هما متداخلتان تداخل الاخص في الاعم، و منطبقتان في الخارج على ارض واحدة، فالارض الموات بالاصالة تنطبق عليها حيثية ما لا رب لها، و هي داخلة في نطاق ملكية الامام (ع).

و من الطبيعي انه لا فرق في دخولها في نطاق ملكيته (ع) بين ان يكون من جهة حيثيتها الخاصة و هي الموات بالاصالة، أو من جهة حيثيتها العامة التي تنطبق عليها و على غيرها- و هي حيثية ما لا رب لها-.

الطائفة الثانية: النصوص الدالة على ان الارض كلها للإمام (ع).

منها صحيحة أبي سيار مسمع بن عبد الملك في حديث قال:

قلت: لأبي عبد اللّه (ع) (إني كنت و ليت الغوص، فاصبت أربعمائة ألف درهم و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت ان احبسها عنك، و اعرض لها و هي حقك الذي جعل اللّه تعالى لك في اموالنا فقال: و ما لنا من الارض، و ما اخرج اللّه منها إلا الخمس، يا أبا سيار الارض كلها لنا، فما اخرج اللّه منها من شي‌ء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله فقال: لي يا أبا سيار قد طيبناه لك، و حللناك منه، فضم إليك مالك، و كل ما كان في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون، و محلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا، فيجيبهم طسق ما كان في ايدي سواهم، فان‌

27

كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الارض من ايديهم، و يخرجهم منها صفرة) (1).

و منها صحيحة أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر (ع) قال:

(وجدنا في كتاب علي (ع) ان الارض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين انا و اهل بيتي الذين اورثنا الارض و نحن المتقون، و الارض كلها لنا، فمن أحيا ارضا من المسلمين فليعمرها و ليود خراجها إلى الامام من اهل بيتي، و له ما اكل منها، فان تركها و اخربها فاخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و احياها فهو احق بها من الذي تركها، فليؤد خراجها إلى الامام من اهل بيتي، و له ما اكل منها، حتى يظهر القائم (ع) من اهل بيتي بالسيف فيحويها، و يمنعها، و يخرجهم منها، كما حواها رسول اللّه (ص) و منعها، إلا ما كان في ايدي شيعتنا، فانه يقاطعهم على ما في ايديهم و يترك الارض في ايديهم) (2).

فان دلالة هذه الطائفة على ان الارض الموات بالاصالة للإمام (ع) انما هي بالعموم.

الطائفة الثالثة: النبويان اللذان غير مرويين من طرقنا:

احدهما: ما روى عن النبي (ص) (موتان من الارض للّه و رسوله (ص) ثم هي لكم مني ايها المسلمون).

و ثانيهما: ما روى عنه (ص) (عادى الارض للّه و لرسوله (ص) ثم هي لكم مني). هذا.

و لكن ذكر المحقق الاصفهاني (قده) في المقام بان المسألة‌

____________

(1) الوسائل ج 9 الباب 4 من ابواب الانفال الحديث 12.

(2) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 2.

28

- و هي كون الارض الموات بالاصالة للإمام (ع)- و ان كانت اتفاقية إلا انه لا يمكن اتمامها بالنصوص الواردة في المقام- و هي الطوائف المتقدمة- حيث قد ناقش في تلك الطوائف باجمعها.

اما الطائفة الأولى و هي التي تصنّف إلى مجموعتين:

احداهما جاءت بهذا النص: (الارض الخربة التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب للإمام (ع).

و الاخرى: جاءت بنص آخر: (كل ارض لا رب لها).

فقد ناقش (قده) في كلتا المجموعتين.

اما المجموعة الاولى فقد قال: فيها كما عرفت بان الارض الخربة لا تشمل الموات بالاصالة، و تختص بالارض الخربة المسبوقة بالعمارة.

و قد تقدم جواب ذلك في ضمن البحوث السابقة بشكل موسع.

و اما المجموعة الثانية فقد قال: فيها بأنها مسوقة لبيان ملكية الارض للإمام (ع) بما هي لا رب لها، لا بما هي موات بالاصالة فلا تدل على ملكيتها من هذه الحيثية.

و قد تقدم الجواب عن ذلك آنفا بصورة موسعة.

و اما الطائفة الثانية فقد ذكر (قده) انها و ان كانت تعم الموات بالاصالة، إلا انه لا بد من حمله على الملك بمعنى آخر، فيكون كملكه تعالى ملكا حقيقيا، لا اعتباريا يترتب عليه الآثار، و ذلك الملك الحقيقي يعم الاملاك، و الملاك.

و اوضح ذلك بقوله: فان الممكنات كما انها مملوكة له تعالى حقيقة باحاطته الوجودية على جميع الموجودات بافضل انحاء الاحاطة الحقيقية، كذلك النبي (ص)، و الائمة (ع) بملاحظة كونهم (ع)

29

من وسائط فيض الوجود، لهم الجاعلية و الاحاطة بذلك الوجه بمعنى فاعل ما به الوجود، لا ما منه الوجود، فانه مختص بواجب الوجود، و لا بأس بان تكون الاملاك، و ملاكها مملوكة لهم بهذا الوجه و ان لم تكن مملوكة لهم بالملك الاعتباري الذي هو الموضوع للأحكام الشرعية و آثارها.

و الجواب عن ذلك: انه لا موجب لحمل الملك في هذه الطائفة من النصوص على الملك الحقيقي بالمعنى المذكور، لوضوح ان هذا الحمل بحاجة الى عناية زائدة، فلا يمكن الذهاب اليه من دون قرينة تشهد على ذلك.

و بكلمة اخرى: لا شبهة في ظهور النصوص في الملك الاعتباري و لا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور الا عند توفر قرينة على الخلاف و لا قرينة في المقام لا من الداخل، و لا من الخارج.

نعم قد يتوهم ان ملكية الامام (ع) للأرض كلها تتعارض مع تملك غير الامام بسبب من الاسباب الشرعية، كالإحياء، او نحوه، و هذا بنفسه قرينة على عدم امكان الاخذ بالظهور المزبور، و لا جل ذلك لا مناص من حمل الملك في النصوص على الملك الحقيقي.

و لكن هذا التوهم خاطئ جدا، و السبب فيه:

اما اولا: فلا مكان ان يقول: ان النصوص التي تدل على ان الارض كلها للإمام (ع) انما تنظر الى الارض بوضعها الطبيعي يعني ان ملكية الامام (ع) للأرض جميعا بملكية اعتبارية منصبة على الوضع الطبيعي للأرض بما هي.

و من الطبيعي ان ملكية الامام (ع) للأرض بهذا المعنى لا تتعارض مع ملكية غيره لها بالعنوان الثانوي، بداهة انه لا منافاة‌

30

بين كون الارض داخلا في نطاق ملكية الامام (ع) بالعنوان الاولى الطبيعي، و كونها داخلا في نطق ملكية غيره بالعنوان الثانوي العرضي كإحياء و عمارة، او نحو ذلك.

و اما ثانيا: فعلى ضوء ما حققناه في ضمن الابحاث القادمة من ان الاحياء لا يوجب اختصاص المحيى بالارض على مستوى الملك، و انما يوجب اختصاصه بها على مستوى الحق، فلا ملزم للقول بان النصوص المذكورة انما تنظر الى ملكية الارض للإمام (ع) بوضعها الطبيعي، اذ لا منافاة بين ملكية الامام (ع) للأرض على نحو الاطلاق، و اختصاص غيره بها على مستوى الحق، اذا قام باحيائها و عمارتها.

و نتيجة ذلك ان من قام باحياء الارض و عمارتها فقد حدثت له العلاقة بها على مستوى الحق، دون الملك، و هذا لا يتعارض مع بقاء رقبة الارض في ملك الامام (ع).

ثم ان الظاهر من النصوص هو الملكية بهذا المعنى يعني الملكية المطلقة، دون الملكية في اطار خاص- و هي الملكية على الشكل الاول، فان حمل النصوص عليها بحاجة الى قرينة، و لا قرينة في البين، الا على ضوء ما هو المشهور بين الاصحاب من ان الاحياء يوجب الاختصاص على مستوى الملك، فانه حينئذ لا بد من الالتزام بملكية الامام (ع) للأرض على الشكل الاول.

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة، و هي ان رقبة الارض ملك للإمام (ع) مطلقا اي سواء أطرأ عليها عليها عنوان ثانوي كالإحياء او نحوه، أم لم يطرء، فان الاحياء على الصحيح كما سيجي‌ء لا يكون مبررا ألا لاختصاص المحيي بها على مستوى الحق فحسب، و هذا‌

31

لا ينافي بقاء الرقبة في ملك الامام (ع)، بل هو يؤكد ذلك.

و من هنا يظهر انه لا موجب لحمل الملكية في تلك النصوص على اعتبارها امرا معنويا، فان الضرورة لهذا الحمل أو غيره انما تكون فيما اذا لم يمكن حملها على اعتبارها حكما شرعيا، و اما اذا امكن ذلك ثبوتا، و كانت النصوص ظاهرة فيه اثباتا، فلا ضرورة لذلك ابدا، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: لو اغمضنا النظر عن ظهور النصوص في نفسها في ملكية الارض للإمام (ع) بالملكية الاعتبارية الشرعية، الا ان في ذيلها قرائن تشهد على ذلك، و تؤكد ان ملكية الامام (ع) للأرض كلها حكم شرعي، و من جهة تلك القرائن لا مناص من الالتزام بذلك.

منها: فرض الطسق و الاجرة له (ع) فيها تفريغا على ملكيته لها، و هذا شاهد قطعي على ان ملكيته (ع) لها حكم شرعي، لا تكويني خارجي، و لا روحي محض.

و منها تحليله (ع) الارض للشيعة، دون غيرهم تفريغا على ملكيته لها، فانه يدل على ان الملكية هنا حكم شرعي لا غيره، نظرا الى ظهور النصوص في التحليل المالكي.

و منها فرض ان القائم (ع) اذا ظهر أخذ الارض من ايدي غير الشيعة، و يخرجهم منها صفرة، فانه يدل بوضوح على ان ملكيتها للإمام (ع) حكم شرعي، لا تكويني، و لا معنوي، حيث ان شيئا منهما لا يكون مانعا عن تملك غيره و تصرفه فيها، و لا يكون محرما كما فرض فيها.

و اما الطائفة الثالثة فقد ناقش (قده) فيها بأنها غير مروية من‌

32

طرقنا فلا يمكن الاستدلال بها، و هذا الذي افاده (قده) متين جدا، حيث لا يمكن الاستدلال بالنبويين المذكورين، لعدم ثبوتهما عندنا.

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة: و هي ان الارض الموات بشتى اشكالها و الوانها تكون من الانفال و ملكا للإمام (ع) يعني به منصب الامامة، و بعد ذلك نقول:

ان الكلام يقع حول الاراضي الموات في عدة نقاط رئيسية:

(النقطة الاولى) [في مدلول موثقة اسحاق بن عمار]

ان في موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة قد اعتبر- في كون القرية التي قد انجلى اهلها- من الانفال طرو الخراب عليها. و نتيجة ذلك انها اذا كانت عامرة لم تكن منها و كذا إذا كانت خربة و لم ينجل اهلها، هذا واضح.

و انما الكلام في ان القرية إذا كانت عامرة و لم يكن لها أهل، كما إذا باد أهلها، فهل تكون من الانفال؟ مقتضى هذه الموثقة انها و ان لم تكن من الانفال، إلا انه لا مانع من الحكم بكونها منها باعتبار دخولها في الارض العامرة التي لا رب لها، لوضوح ان الارض العامرة تشمل ما إذا كان عمرانها باحداث قرية أو بلد.

هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان في ذيل هذه الموثقة قد اعتبر في كون الارض التي لم يوجف عليها بخيل، و لا ركاب من الانفال كونها‌

33

خربة، و مقتضى ذلك عدم كون تلك الارض منها إذا كانت عامرة و قد تقدم ان هذه الموثقة لا تكون منافية لإطلاق موثقة زرارة المتقدمة أو ما شاكلها.

و من ناحية ثالثة قد عرفت ان ذيل هذه الموثقة يكون مقيدا لإطلاق صحيحة حفض بن البختري المتقدمة، أو نحوها. و نتيجة هذا التقييد هي ان الارض التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب انما تكون من الانفال و ملكا للإمام (ع) إذا كانت خربة، لا مطلقا و لو كانت عامرة.

لحد الان قد تبين انه لا يمكن الحكم بكون الارض التي لم يوجف عليها بخيل، و لا ركاب من الانفال إذا كانت عامرة بمقتضى هذه النصوص التي قد عرفت آنفا.

و لكن قد سبق ان لدينا مجموعات اخرى من النصوص، و هي تدل على ذلك. منها: ما جاءت بهذا النص: (كل ارض لا رب لها) هي للإمام (ع).

و من الطبيعي ان هذا النوع من الارض داخل في نطاق عموم هذه المجموعة، لوضوح إن كل ارض باد اهلها، يدخل فيما لا رب لها فعلا فتعمها تلك المجموعة نظرا الى ان مدلولها هو ان أي أرض لا مالك لها بالفعل فهي نفل، و داخلة في نطاق ملكية الامام (ع)، من دون فرق بين كونها عامرة أو خربة، و من دون فرق بين كونها مسبوقة بملكية احد لها أو لم تكن.

و من هنا قلنا ان القرية العامرة اذا لم يكن لها مالك فعلا تدخل فيها اي في تلك المجموعة.

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة، و هي ان كون الارض نفلا‌

34

لا ينحصر بالارض الميتة و الخربة، بل تعم الارض العامرة أيضا اذا كانت مما لا رب لها فعلا كما إذا كان عمرانها طبيعيا هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى فقد عرفت ان الارض الميتة و الخربة اذا كان موتها و خرابها بالاصالة فهي نفل للّه، و لرسوله (ص)، و من بعده للأئمة (ع).

و اما إذا كان موتها و خرابها بسبب طارئ و عارض فان لم يكن لها مالك فعلا فهي أيضا نفل، و ان كان لها مالك كذلك فهي ليست بنفل جزما، لان النصوص المتقدمة لا تدل على ملكية الارض للإمام (ع) اذا كان لها مالك بالفعل.

و اما فرض ان لها مالكا في هذا الحال يقوم على اساس امرين:

احدهما: افتراض ان الاحياء يوجب اختصاص المحيي بالارض على مستوى الملك، او يكون الموجب لذلك الاختصاص سببا آخر كشراء أو نحوه.

و الاخر: ان طر و الخراب لا يوجب انقطاع علاقة المالك عنها نهائيا.

و سيجي‌ء البحث حول هذين الامرين في ضمن البحوث القادمة، و نبين هناك المناقشة في الأمر الأول، و نقول: ان الاحياء اذا كان بعد تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام (ع) لا يوجب العلاقة الا على مستوى الحق دون الملك، و كذا الشراء، أو نحوه المتأخر عنه، المنتهي اليه بالتالي.

و اما الأمر الثاني فنبين هناك انه تام على القول بالملك من اي سبب كان، دون القول بالحق.

و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه امران:

الاول: ان النسبة بين كون الارض نفلا و كونها ميتة عموم من‌

35

وجه، فانها قد تكون نفلا، و لا تكون ميتة، كما اذا كانت عامرة طبيعيا بدون تدخّل انسان فيها، فانها نفل، مع انها ليست بميتة، و قد تكون ميتة، و لا تكون نفل، و ذلك كما اذا قام فرد باحياء الارض قبل تاريخ نزول آية الانفال، او فيما اذا اسلم اهلها عليها طوعا قبل ذلك التاريخ أو نحو ذلك، فان هذه العلاقة لا تزول بطرو الخراب عليها، و سوف نشير الى تفصيل ذلك في ضمن الموضوعات القادمة، و قد تلتقيان في مورد واحد كما في الموات بالاصالة.

الثاني: ان العنوان الرئيسي العام لكون الارض نفلا انما هو عنوان ما لا رب لها، فانه بشمل الاراضي الميتة، و العامرة التي لا مالك لها، كما اذا كان عمرانها مستندا الى طبيعتها من دون تدخّل عامل خارجي فيها.

النقطة الثانية [في أن الأرض الميتة إذا كان لها مالك بالفعل فليست من الانفال جزما]

قد عرفت ان الارض الميتة اذا كان لها مالك بالفعل فليست من الانفال جزما.

و من هنا قد قيد جماعة منهم المحقق (قده) في الشرائع كونها من الانفال، بما باد اهلها، أو لم يجر عليها ملك، كالمفاوز، و سيف البحار.

و من الواضح ان هذا التقييد انما هو للاحتراز عما اذا كان لها مالك بالفعل.

ثم ان سبب ملك الفرد للأرض قد يكون عملية الاحياء، بناء على القول بكونها سببا له، و قد يكون غيرها من الاسباب الأخر‌

36

كالإرث و الشراء و الهبة و ما شاكل ذلك، و على كلا التقديرين، فتارة يفرض اعراض المالك عن الارض، و اخرى يفرض عدم اعراضه عنها،

فيقع الكلام في مقامين:

الاول: فيما اذا كان سبب الملك عملية الاحياء.

الثاني: فيما اذا كان سببا آخر غيرها، كالشراء أو الارث، أو نحو ذلك.

اما المقام الاول: [فيما إذا كان سبب الملك عملية الإحياء]

ففيه اقوال:

القول الاول: ان علاقة المالك عن الارض تنقطع نهائيا بعد خرابها، و تدخل في علاقة من قام باحيائها و عمارتها.

القول الثاني: ان علاقة المالك بالارض ان كانت بسبب الاحياء انقطعت عنها نهائيا بعد خرابها، و ان كانت بسبب آخر، كالشراء، أو نحوه لم تنقطع لا بالخراب، و لا بقيام غيره باحيائها، و الاستيلاء عليها.

القول الثالث: ان علاقة المالك لا تنقطع عن الارض نهائيا بطرو الخراب، و انما تنقطع عنها كذلك بعد قيام غيره باحيائها و استثمارها.

القول الرابع: ان علاقة المالك لا تنقطع عن الارض مطلقا حتى بعد قيام غيره بعملية احيائها من دون فرق بين ان يكون سبب علاقته بها عملية الاحياء أو غيرها.

القول الاول [ان علاقة المالك عن الارض تنقطع نهائيا بعد خرابها، و تدخل في علاقة من قام باحيائها و عمارتها]

ذهب اليه جماعة منهم الشهيد الثاني (قده) في الروضة و المسالك و عن العلامة في التذكرة انه مال اليه، و عن السبزواري في الكفاية انه الاقرب، و عن الفاتح انه أوفق بالجمع بين الاخبار، بل عن المحقق في جامع المقاصد انه المشهور بين الاصحاب.

37

و كيف كان فقد استدل على هذا القول بوجهين:

الوجه الاول بمجموعة من النصوص التي جاءت بهذا اللسان أو قريبا منه (من أحيا ارضا مواتا فهي له).

و تقريب الاستدلال بها انها تدل باطلاقها على ان من يقوم بعملية احياء الارض الموات و استثمارها يملك الارض.

و من الطبيعي ان قضية ذلك لا محالة خروجها عن ملك صاحبها بعد خرابها، و الا لم يجز لغيره نهائيا ان يقوم باحيائها و التصرف فيها، و لم يترتب على احيائه اثر وضعا.

و لنأخذ بالمناقشة في هذا الدليل:

اما اولا: فلان تلك المجموعة من النصوص لا تدل بوجه على خروج الارض عن ملك صاحبها بعد خرابها، لوضوح ان ما تدل عليه هذه المجموعة و تؤكده هو ان من يقوم باحيائها يملك.

و من الطبيعي ان تملكه لها بالاحياء لا ينافي عدم خروجها عن ملك صاحبها بصرف الخراب، اذ من الممكن جزما ان تظل رقبة الارض في ملكه بعد خرابها.

و على الرغم من ذلك فيمكن للشارع ان يبيح لغيره القيام باحيائها لئلا تبقى الارض معطلة، فاذا قام غيره باحيائها، و انفق جهده في سبيل بعث الحياة فيها. و اصبحت حية، فقد انقطعت بذلك علاقة صاحبها عنها نهائيا لا بصرف خرابها و تدخل بعد ذلك في ملكه.

و بكلمة اخرى: ان تلك المجموعة تدل بالمطابقة على ان عملية الاحياء توجب تملك المحيى لرقبة الارض، و لا تدل ابدا على خروج الارض عن ملك صاحبها بطرو الخراب، اذ كما يحتمل ذلك يحتمل ان يكون خروجها عن ملكه بقيام غيره باحيائها: لا بخرابها فقط.

38

فلا ملازمة بين جواز قيام فرد آخر باحياء الارض و بين خروجها عن ملك صاحبها بمجرد الخراب، ليقال ان هذه المجموعة التي تدل على الأول بالمطابقة تدل على الثاني بالالتزام.

فالنتيجة: ان ما هو معلوم لنا خارجا هو خروج تلك الارض عن ملكية الفرد الأول بعد قيام الفرد الثاني باحيائها و استثمارها و انفاق الجهد في سبيل بعث الحياة فيها.

و لكن لا نعلم تاريخ خروجها الزمني و انه هل كان بطرو الخراب فحسب أي سواء أقام غيره باحيائها أم لم يقم، أو كان بعد انفاقه جهده في سبيل بعث الحياة فيها، فاللازم يكون الاعم، فالنصوص كما لا تدل على الأول، كذلك لا تدل على الثاني، و انما تدل على الجامع اجمالا من دون دلالة على أية خصوصية.

و أما ثانيا: فلان التمسك بهذه النصوص يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فلا يجوز.

بيان ذلك: لا شبهة في ان موضوع عملية الاحياء انما هو الارض الميتة التي ليس لها مالك بالفعل، لوضوح انه لو كان لها مالك كذلك لم يجز احيائها جزما، و لم يكن له اثر بالاضافة اليها نهائيا.

بداهة انه انما يؤثر في ايجاد الاختصاص على مستوى الملك، أو الحق على الخلاف في المسألة القادمة، اذا كان في الارض الميتة التي لم تكن لأي فرد علاقة بها و لو على مستوى الحق.

ثم ان هذا التقييد في موضوع هذه النصوص قد ثبت بدليل العقل و الشرع.

اما العقل فلاستقلاله بقبح التصرف في مال الناس عدوانا، و بدون الاذن منهم.

39

و اما الشرع فلحكمه بحرمة التصرف في مال المسلم بدون اذنه و طيب نفسه.

و دعوى- أن الاثر الوضعي المترتب على عملية الاحياء لا يتوقف على جواز هذه العملية تكليفا، فيمكن ان تكون العملية محرمة شرعا، و مع ذلك يترتب عليها الاثر الوضعي- و هو الملك أو الحق- اذا قام فرد بها خارجا، فلا ملازمة بين حرمتها تكليفا و عدم ترتب الاثر عليها وضعا، و كم له من نظير في الشرع المقدس-.

و ان كانت صحيحة في الجملة، الا أنها خاطئة في خصوص مورد الكلام، و ذلك لخصوصية فيه، و هي كون الارض في ملكية غيره.

و من الطبيعي ان الاحياء انما يؤثر في ايجاد العلاقة بين الارض و الفرد فيما اذا لم تكن مسبوقة بعلاقة اخرى بينها و بين الفرد الاخر، و الا فلا أثر له أصلا.

نعم اذا افترضنا ان المحل قابل لان تؤثر فيه عملية الاحياء و الاستثمار، كما اذا كانت في الارض الموات التي لا مالك لها فعلا، كالموات بالاصالة، أو نحوها، و كان منشأ حرمتها شيئا آخر كما اذا انطبق عليها عنوان هتك مؤمن مثلا أو كانت مصداقا للضرر المحرم، أو فرض نهي الشارع عنها بجهة من الجهات، ففي مثل ذلك لا مانع من ترتب الاثر الوضعي عليها، و الحرمة التكليفية المحضة غير مانعة عن ذلك، كما هو الحال في غيرها من اسباب الملك كالبيع، أو نحوه.

و أما اذا شك في تأثير الاحياء للشك في بقاء الارض بعد خرابها في ملكية صاحبها، أو خروجها عن نطاق ملكيته، فمن الطبيعي انه لا يمكن ترتيب الاثر عليه، للأصل المقتضى عدمه.

40

و على ضوء هذا الاساس فيكون موضوع العام في تلك المجموعة من النصوص متعنونا بعنوان عدمي- و هو الارض الميتة التي لا تكون ملكا لأحد- و بما ان احرازه فيما نحن فيه لا يمكن لا وجدانا، و لا تعبدا فلا يمكن التمسك به، لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

قد يناقش في ذلك: بانه لا مانع من التمسك بتلك النصوص في المقام، بدعوى انه ليس من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية باعتبار ان موضوعها- و هو الارض الميتة- لم يقيد بالقيد المشار اليه آنفا.

و السبب فيه: ان السيرة العقلائية قد جرت على جواز التصرف في الارض بعد خرابها و موتها، و ان كانت رقبتها باقية في ملكية صاحبها.

و هذه السيرة لما كانت ممتدة زمنيا الى تاريخ عصر التشريع من دون ورود أي ردع عنها، بل يظهر من بعض الروايات القادمة إمضائها، فبطبيعة الحال تكشف عن امضاء الشارع لها.

و النكتة في ذلك انه لا مصلحة في تعطيل الارض، و عدم الاستفادة منها، رغم الحاجة الى استثمارها و الاستفادة من ثرواتها.

و على هذا الضوء فاذا لم يقدم صاحبها بالقيام باحيائها و استثمارها فقد جوز الشارع لغيره ان يقوم بذلك، بل ربما ينتهي الأمر الى حكم الشارع بلزوم القيام بحقها.

فالنتيجة: انه لا مانع من التمسك بهذه النصوص باعتبار ان الدليل المزبور يخرج التمسك بها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و الجواب عن هذه المناقشة: انها بحاجة الى دليل، و لا نملك دليلا يدلنا على ذلك.

41

اما السيرة فهي غير جارية هنا جزما، بداهة ان المرتكز القطعي لدى اذهان العقلاء قبح التصرف في مال الناس بدون الاذن و الرضا منهم، لأنه لديهم نوع ظلم، و قبح الظلم عندهم من القضايا التي قياساتها معها، و مع ذلك كيف يتعقل جريان السيرة منهم على جواز التصرف فيه.

و دعوى: ان السيرة و ان كانت غير جارية على جواز التصرف في مال الناس بما هو، الا انه لا مانع من جريانها فيما نحن فيه، و ذلك لوجود الفارق، و هو ان فيما نحن فيه لا تكون ملكية الارض محرزة لصاحبها بعد خرابها، اذ كما يحتمل بقائها في ملكه، يحتمل خروجها بذلك، فعندئذ يمكن القول بقيام السيرة منهم على جواز القيام باحيائها و التصرف فيها.

خاطئة جدا، و ذلك لأنه لا فرق في حكم العقل بقبح التصرف في مال الناس بين ان يكون معلوما، او مشكوكا، ما لم يقم دليل على العدم، و لو كان ذلك الدليل اصلا عمليا، و الفرض هنا عدم الدليل، بل مقتضى الاصل العملي في المقام بقاء الارض في ملك صاحبها، و عدم انقطاع علاقته عنها نهائيا.

هذا اضافة الى ان هذه السيرة لو تمت فلا تثبت هذا القول- و هو خروج الارض عن ملك صاحبها بالخراب- بل تثبت بقائها في ملكه.

و اما بعض الروايات الآتية فهو و ان دل على جواز احياء الارض الخربة التي يكون لها مالك معروف، حيث ان ظاهره بقاء رقبة الارض في ملك مالكها، و عدم خروجها عن ملكه نهائيا، لا بعد خرابها، و لا بقيام غيره باحيائها، فان قيامه باحيائها انما يمنح له‌

42

الاختصاص بها على مستوى الحق.

و هذا لا ينافي بقاء الرقبة في ملك صاحبها، لأن المنافي له انما هو فيما لو كان احيائه موجبا لمنح الاختصاص له على مستوى الملك و الفرض انه لا يوجب ذلك.

الا ان هذا النص أجنبي عن القول المزبور تماما، فانه يدل على عكسه- و هو بقاء الارض في ملك مالكها حتى بعد قيام غيره باحيائها-

هذا اضافة الى ان هذا النص لا يصلح ان يكون قرينة على تعيين موضوع النصوص العامة المتقدمة حتى لا يكون التمسك بها في المقام من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و ذلك لما سيجي‌ء في ضمن البحوث القادمة من ان مورد هذا النص هو ما اذا كان صاحب الارض ممتنعا و مهملا عن القيام بعملية احيائها و استثمارها، فعندئذ يجوز لغيره أن يقوم بهذه العملية، و لكن لا يحصل له الا الحق فيها دون الملك.

و اما اذا لم يكن صاحبها ممتنعا و مهملا عن القيام بذلك فلا يجوز لغيره ان يقوم بها، فأذن كيف يكون النص المذكور قرينة على جواز التصرف في الارض الخربة و القيام باحيائها مطلقا.

فالنتيجة: ان هذا النص كما لا يكون دليلا على اثبات هذا القول، كذلك لا يكون دليلا على اثبات القول الثاني أيضا.

و من هنا يظهر انه لا صلة لهذه المناقشة بهذا القول اصلا، فان المناقشة انما تقوم على اساس بقاء الارض بعد خرابها في ملك صاحبها، و هذا القول انما يقوم على اساس خروجها عن ملكه بخرابها، فهما في طرفي النقيض.

نعم انها تنسجم مع القول الثاني الآتي و تدفع عنه الاشكال بان‌

43

التمسك فيه بالنصوص المتقدمة من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية كما سوف نشير الى ذلك بشكل موسع.

قد يقال: كما قيل: ان عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية انما هو فيما اذا كان المخصص لفظيا، و اما اذا كان لبيا فلا مانع من التمسك به.

و بما ان المخصص في محل الكلام لبى فلا مانع حينئذ من التمسك بعموم النصوص المذكورة في الشبهات المصداقية.

و اما كونه لبيا فانما هو باعتبار ان- ما دل من الادلة على حرمة التصرف في مال المسلم، بدون طيب نفسه، و رضاه- ليست نسبته الى تلك النصوص نسبة الخاص اللفظي الى العام، بل ان المستفاد من مجموع تلك الادلة هو القطع بعدم جواز التصرف فيه فالمخصص هنا انما هو القطع المذكور.

و بما انه لبى، فلا مانع من التمسك بعموم العام الا في موارده دون الاكثر، و عليه ففي كل مورد لا يكون القطع بعدم جواز التصرف موجودا لا مانع من التمسك بعموم تلك النصوص، و الفرض انه فيما نحن فيه غير موجود، للشك في بقاء الارض في ملك صاحبها و احتمال خروجها عنه نهائيا، فعندئذ لا مانع من الرجوع الى عمومها.

و هذا بخلاف ما اذا كان المخصص لفظيا، فان الملقى الى المكلف عندئذ حجتان، و قضيتهما بعد تحكيم الخاص على العام، و تقديمه عليه كأنّه لم يعمه العام من رأس، و كأنه لم يكن بعام، و عليه فلا يكون العام حجة في الافراد المشكوكة.

و لكن هذا الوجه خاطئ جدا، و السبب فيه ان المخصص مطلقا و لو كان لبيا فهو لا محالة يوجب تقييد موضوع العام بغير افراد‌

44

المخصص، ضرورة ان الاهمال في الواقع مستحيل، و اما الاطلاق فيه فهو أيضا كذلك، لأنه خلف، فلا مناص حينئذ من الالتزام بتقييده بغيرها، و لازم ذلك عدم حجية العام في الافراد المشكوكة، هذا.

و لكن على الرغم من ذلك فقد اصر المحقق الاصفهاني (قده) بالفرق بينهما، بدعوى ان المخصص اذا كان لفظيا لم يجز التمسك بالعام في الفرد المشكوك و المردد.

و اما اذا كان لبيا فلا مانع من التمسك بالعام فيه، فان منشأه ليس الا القطع بالخلاف، و هو فيما نحن فيه القطع بان ما هو في ملك صاحبها لا يجوز تملكه الا بناقل شرعي، ففي مثله يجوز التمسك بالعام في الافراد المشكوكة، لكشف حالها، لفرض انه حجة فيها، و لا يكون له مزاحم و مانع عن شمولها.

و قد أفاد (قده) في وجه ذلك بما إليك توضيحه: ان المخصص إذا كان لبيا فبما ان منشأه القطع بالخلاف اي بخلاف عنوان العام فلا يوجب تقييد موضوع العام في الواقع و نفس الأمر، و انما يوجب تقييده بعنوان القطع بخلافه، ففى كل مورد يكون القطع بالخلاف موجودا فلا يكون مشمولا للعام.

و اما فيما لا يكون القطع به موجودا فلا مانع من شمول العام له، و ان كان مشكوكا فيه، فان الشك لا يكون مانعا عن شموله و انطباقه عليه، فالمانع عن الاخذ به انما هو القطع، دون غيره و في اي مورد كان القطع بالخلاف منتفيا فانه مشمول للعام و يكون العام حجة فيه.

و فيما نحن فيه بما ان موضوع عمومات الاحياء قد قيد بالقطع بما لا يكون ملكا لأحد فمن الطبيعي ان في اي مورد يتوفر القطع‌

45

فيه فلا يكون مشمولا لها و اما فيما لا يتوفر القطع فيه فلا مانع من شمولها له و احراز انه من افراد العام.

و عليه فاذا شك في مورد لا يتوفر فيه القطع بالخلاف في انقطاع علاقة المالك عن الارض بعد خرابها و عدم انقطاعها فلا مانع من التمسك بتلك العمومات لإثبات انقطاعها عنها.

فالنتيجة ان المانع عن العمل بها انما هو القطع دون المقطوع به بوجوده الواقعي، فكون الارض الميتة في الواقع ملكا للغير، لا يمنع عن التمسك بعمومها، ما لم يتوفر لديه القطع بذلك.

و الى هذا يرجع ما افاده (قده) بقوله: و المخصص اللفظي، كما يكون حجة على المنافاة، كذلك يكون حجة على وجود المنافي، و المخصص اللبي ليس حجة الا على المنافاة، دون وجود المنافي.

و لذا لا يجوز التمسك بالعام على الأول، لاختلال حجيته على عدم المنافي، و يجوز التمسك به على الثاني، لعدم اختلال حجيته على عدم المنافي، و هذا يعني: ان المخصص اذا كان لفظيا فهو كما يكون حجة على المنافاة يعنى المنافاة بين حكم الخاص، و حكم العام كذلك يكون حجة على وجود المنافي- و هو وجود الخاص في الواقع فانه بوجوده الواقعي الموضوعي مناف للعام.

و اما اذا كان لبيا كالقطع فهو انما يكون حجة على المنافاة يعني منافاة حكم الخاص لحكم العام، و لا يكون حجة على وجود المنافي- و هو عنوان المقطوع به في الواقع-.

و النكتة فيه: ان المخصص على الأول انما هو عنوانه الواقعي،

و اما المخصص على الثاني انما هو عنوان القطع نفسه، لا العنوان الواقعي للمقطوع به.

46

و من الطبيعي ان القطع بالخلاف انما ينافي العام بمقدار سعته دون الازيد، ففي الزائد يكون العام محكما، و عليه فلا مانع من التمسك بالعام في غير موارد توفر القطع بالخلاف.

و الجواب عن ذلك ان منشأ التخصيص في المخصص اللبي و ان كان هو القطع، الا ان من الواضح لدى الارتكاز الجزمي العرفي ان القطع بما هو قطع لا يكون فيه ملاك التخصيص، بداهة انه ليس له شأن ما عدى كونه طريقا الى الواقع، و كاشفا عنه، فما يكون فيه ملاك التخصيص و التنافي انما هو المقطوع به بعنوانه الواقعي، فكون القطع منافيا للعام انما هو باعتبار تعلقه به، لا مطلقا و بقطع النظر عنه.

و عليه فبطبيعة الحال يكون القطع به كاشفا عن انه مانع و مناف للعام، بعنوانه الواقعي، لا بعنوانه العلمي، لأن حرمة التصرف في مال المسلم وضعا و تكليفا ليست تابعة للعلم، ضرورة انها تابعة لتحقق موضوعها في الواقع كان هناك علم أم لم يكن.

و من الطبيعي ان المنافي لتملك المحيي للأرض بالاحياء انما هو كونها في ملكية غيره، و لا دخل لعنوان القطع بذلك اصلا، فانها ان كانت في الواقع ملكا لغيره لم يملكها المحيي بالاحياء، و إلا ملكها، سواء أ كان هناك قطع بذلك، أم لم يكن.

فالنتيجة من ذلك أن الارض الموات التي هي موضوع في عمومات الاحياء بطبيعة الحال قد قيدت بما لا تكون ملكا لغير من يقوم باحيائها، غاية الأمر ان الكاشف لنا عن هذا التقييد في الواقع انما هو القطع، و لا يعقل ان يكون هذا التقييد تابعا للقطع، لما عرفت من ان حرمة التصرف في مال المسلم ليست تابعة له.

47

و هذا التقييد انما هو من مظاهر حرمة التصرف فيه، و آثارها فاذا كان موضوع هذه العمومات مقيدا في الواقع بما عرفت، فكيف يمكن التمسك بها في موارد الشك في تحققه بتحقق قيده، فان القطع و ان كان غير موجود فيها، إلا ان المانع عن التمسك بها في تلك الموارد ليس هو وجوده.

بل العمومات في حد نفسها لا تشمل تلك الموارد، باعتبار انها غير ناظرة الى تعيين افراد موضوعها في الخارج، و مصاديقه، و إلا فالمخصص إذا كان لفظيا فهو أيضا غير مانع عن التمسك بها في الموارد المزبورة، فلا فرق من هذه الناحية بين المخصص اللفظي و المخصص اللبي اصلا.

و على الجملة فبالتحليل العقلي لا يعقل كون القطع بنفسه في مورد الكلام مخصصا، و منافيا للعام، حيث قد عرفت ان ملاك التخصيص، و التنافي غير متوفر فيه، و انما هو متوفر في متعلقه‌

و عليه فلا يفرق بين كون الدليل عليه لفظيا، أو عقليا، فانه على كلا التقديرين لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في موارد التخصيص اللفظي انما هو من ناحية انه بعد تحكيم الخاص على العام، و تقديمه عليه كأنّ العام لم يعم الخاص من الأول، و لازم ذلك انه لا عموم له في موارد الشك حتى يتمسك به. و هذا بخلاف ما اذا كان التخصيص لبيا، فانه لا يوجب هدم عموم العام، فاذا كان باقيا حتى في موارد الشك فلا مانع من التمسك به في تلك الموارد، و هذا هو الفارق بين التخصيص اللفظي، و اللبي، كما اشرنا اليه سابقا أيضا.

48

- خاطئة جدا، و ذلك لأن المخصص اللفظي المنفصل، كما هو محل الكلام لا يمنع عن ظهور العام في العموم، و انما يمنع عن حجيته، فعمومه باق في موارد الشك، و غيرها، فاذن لا فرق من هذه الناحية أيضا بين اللفظي و اللبي،

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة: و هي انه لا يجوز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية مطلقا اي بلا فرق بين كون المخصص له لفظيا، أو لبيا.

و بذلك يظهر ان الاستدلال بتلك المجموعة من النصوص لإثبات ان علاقة المالك تنقطع عن الارض نهائيا بعد خرابها لا يقوم على اساس صحيح،

قد يناقش فيها بوجه آخر.

بيانه: ان الاستدلال بها على هذا القول يرتكز على ان يكون مفادها سببية الاحياء لملكية الارض للمحيي في الجملة، لا الملكية المطلقة له الدائمة التي لا تزول الا بناقل شرعي. و بما أن مفادها على ما هو مقتضى اطلاق قوله (ع) (فهي له) الملكية المطلقة غير الموقتة فلا تشمل احياء الفرد الثاني، لفرض ان الارض ظلت في ملك المحيي الاول حتى بعد خرابها، و لا تنقطع صلته عنها نهائيا الا بناقل شرعي، كالبيع، أو نحوه و عليه فلا أثر لإحياء الفرد الثاني، باعتبار انه في ملك غيره، و الا لزم كون الارض الواحدة في زمن واحد مجمعا للملكين لفردين على نحو الاستقلال، و هو مستحيل.

و هذا ليس من ناحية تزاحم العام بالنسبة الى الفردين، حتى يقال بان تقدم الزماني لأحدهما على الاخر لا يكون مرجحا، و ذلك‌

49

لأنا اذا تحفظنا على ظهور تلك النصوص في الملكية المطلقة غير الموقتة، لن يبق مجال لشمولها لإحياء الفرد الثاني، و هكذا، لأن مرد شمولها له الى رفع اليد عن ظهورها في الملكية المطلقة الدائمة و هذا خلف.

و الجواب عن هذه المناقشة:

اما اولا: فلنا ان نفرض الكلام فيما اذا لم تكن ملكية الارض للفرد بسبب قيامه باحيائها بل كانت بسبب آخر كتمليك الامام (ع)، او كانت باحيائه و لكن كان قبل تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام (ع)، لما سيجي‌ء في ضمن البحوث الآتية من ان الاحياء اذا كان قبل ذلك التاريخ يوجب منح المحيي ملكية الارض.

ففي مثل هذه الموارد اذا طرأ عليها الخراب، و اصبحت ميتة، فلا مانع من التمسك بعمومات تلك النصوص، بناء على عدم اطلاق ادلتها في تلك الموارد، فان دليل سببية الاحياء قبل التاريخ المذكور انما هو استقرار سيرة العقلاء، و من الطبيعي انه لا اطلاق لها.

و كذا تمليك الامام (ع) فانه لا اطلاق له بالاضافة الى هذه الحالة و الا لم تكن مشمولة لتلك العمومات، ضرورة انها لا تشمل الارض الخربة التي لم تنقطع علاقة صاحبها عنها نهائيا.

نعم اذا شك في انقطاع علاقته عنها من جهة عدم اطلاق ما دل على ملكيتها له، فلا مانع من التمسك بها، مع الاغماض عما تقدم من المناقشة.

و اما ثانيا فلان المتفاهم العرفي من هذه المجموعة من النصوص هو انها مسوقة لبيان سببية الاحياء للملك، و لا تكون في مقام بيان ان الملكية الممنوحة للمحيي بسبب احيائه ملكية مطلقة دائمية،

50

لا تزول الا بناقل شرعي.

و ان شئت قلت: انها في مقام بيان ان عملية الاحياء من احد موجبات الملك، و ان اكل المال بها ليس اكلا بالباطل، رغم إنها ليست تجارة عن تراض، حيث ان الشارع جعلها سببا ابتدائيا للملك في الاراضي الموات، فلا يمكن تملكها بدون هذه العملية، فهذه النصوص في مقام بيان هذه الجهة.

و اما ان الملكية الحاصلة منها ملكية مطلقة دائمية تظل الى الأبد حتى بعد خرابها و موتها، فليست ناظرة الى هذه الناحية اصلا.

و عليه فلا مانع من هذه الناحية عن شمول هذه المجموعة لإحياء الفرد الآخر بعد طرو الخراب و الموت.

فالنتيجة: ان هذه المناقشة لا اساس لها. على انها لو تمت فانما تتم على القول بافادة عملية الاحياء الملك، كما هو المفروض فيها و اما على القول بانها لا تمنح للمحيي الا الحق فيها فلا موضوع لهذه المناقشة، لأن الحق يزول بزوال الحياة عن الارض، فلا يعقل بقائه بعد زوالها، كما ستجي‌ء الاشارة اليه بشكل موسع.

الوجه الثاني: روايتان:

احداهما: صحيحة معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: (ايما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجها، و كرى انهارها و عمرها، فان عليه فيها الصدقة، فان كانت ارض لرجل قبله فغاب عنها، و تركها، فاخربها، ثم جاء بعد يطلبها، فان الارض للّه و لمن عمرها) (1).

بدعوى ان هذه الصحيحة تدل على ان علاقة المالك تنقطع عن‌

____________

(1) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 1.

51

ارضه بعد خرابها، و لأجل ذلك تدخل في ظل علاقة الرجل الذي قام باحيائها.

و الجواب عنه:

اما اولا: فيمكن دعوى ان الظاهر من الصحيحة عرفا هو اعراض المالك عنها، بقرينة استناد الخراب اليه و ترك الارض و غيابه عنها. و اما مجيئه بعد ذلك و طلبه الارض لا ينافي اعراضه عنها اولا، اذ ربما يتفق ذلك بجهة من الجهات، فتأمل.

و على هذا فالصحيحة اجنبية عن محل الكلام، فان محل الكلام في انقطاع علاقة المالك عنها بعد خرابها رغم عدم اعراضه عنها.

و اما في فرض الاعراض فلا اشكال في جواز قيام غيره باحيائها و منحه العلاقة له بالارض، سواء فيه القول بكون الاعراض موجبا لانقطاع علاقة المالك عن ماله نهائيا، كما هو الاظهر، اولا يوجب ذلك.

اما على الاول فلأنها بعد الاعراض قد اصبحت من المباحات،

و اما على الثاني فلان الاعراض بنفسه يتضمن الترخيص في التصرف بها و الاستيلاء عليها بعملية الاحياء و العمارة.

و اما ثانيا: فمع الاغماض عما ابديناه- من المناقشة- انها لا تدل بوجه على انقطاع علاقة المالك عن الارض نهائيا بطرو الخراب فحسب، اذ كما يحتمل ذلك، يحتمل انقطاع علاقته عنها بقيام غيره باحيائها و استثمارها فلا تدل الصحيحة لا على الاحتمال الاول و لا على الثاني.

و دعوى- ان الارض لو لم تخرج عن ملكية مالكها بالخراب لم يجز لغيره ان يقوم بعملية احيائها و عمارتها، لعدم جواز التصرف في مال المسلم- خاطئة جدا، و ذلك لأنها على الرغم من فرض بقائها‌

52

في ملكية صاحبها يجوز لغيره ان يقوم باستثمارها و الاستفادة منها ما دام كان صاحبها مهملا، و ممتنعا عن القيام بحقها.

بكلمة واضحة: ان خراب الارض و زوال عمرانها قد يكون مستندا الى اهمال صاحبها و امتناعه عن القيام بعملية احيائها و استثمارها و قد لا يكون مستندا الى ذلك، بل هو مستند الى سبب آخر من اسباب طارئة،

اما في الفرض الاول فان كانت صلته بها على مستوى الملك لم تنقطع عنها بالخراب و الموت. و لكن بالرغم من هذا يجوز لغيره ان يقوم باحيائها ما دام هو مهمل و ممتنع عن ذلك.

و تدلنا: على ذلك صحيحة سليمان بن خالد الآتية.

و ان كانت صلته بها على مستوى الحق فلا شبهة في انقطاعها عنها نهائيا بطرو الخراب، باعتبار ان الحق الحادث للمحيي‌ء في الارض انما هو نتيجة قيامه باحيائها و عمرانها، و معلول له، فاذا زالت الحياة و العمارة عنها سقط حقه لزوال علته‌

و اما في الفرض الثاني: فما دام صاحبها لم يكن ممتنعا عن القيام باحيائها و عمرانها و كان تأخيره ذلك مستندا الى سبب من اسباب طارئة لم يجز لغيره ان يقوم. بعملية احيائها.

نعم لو طال امد عذره زمنيا بحيث ينتهي الامر الى تعطيل الارض عرفا، ففي مثل ذلك للإمام (ع)، او نائبه ان يأذن لغيره بالقيام باحيائها، و استثمارها، و يفرض عليه ان يؤدي حق صاحبها منها.

و اما ثالثا: فمع الاغماض عن ذلك، و تسليم ان الصحيحة ظاهرة، في انقطاع علاقة المالك عن ارضه بعد خرابها، و حدوث‌

53

علاقة للثاني باحيائها، الا انه لا يمكن الاخذ بهذا الظهور:

و ذلك لان صحيحة سليمان بن خالد، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) (عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها ما ذا عليه قال الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها، قال: فليؤد اليه حقه) (1) نص في بقاء رقبة الارض في ملكية مالكها، و عدم حدوث الملكية للثاني بالاحياء و العمارة.

و من الطبيعي ان النص يتقدم على الظاهر، و عليه فلا بد من رفع اليد عن ظهور صحيحة معاوية بن وهب في حدوث العلاقة للثاني على مستوى الملك، و حملها على حدوث العلاقة له على مستوى الحق، فاذا لا تنافي بين الصحيحتين.

نعم اذا افترضنا وجود التعارض و التنافي بينهما فكان هو بالتباين نظرا الى ان صحيحة معاوية بن وهب ظاهرة بالاطلاق في انقطاع ملكية المالك عن ارضه بخرابها، و حدوث الملكية للفرد الثاني باستثمارها و احيائها، و صحيحة سليمان بن خالد ظاهرة باطلاقها في عدم انقطاع ملكية المالك عنها بذلك، و عدم كون الاحياء موجبا لمنح الملكية للثاني، و انما يوجب منح الحق له فيها.

و على أساس ذلك فلا بد من الرجوع الى مرجحات باب التعارض، لترجيح احداهما على الأخرى.

و لا يبعد دعوى تقديم صحيحة معاوية بن وهب، على صحيحة سليمان بن خالد من ناحية ان الروايات التي تدل على ان عملية الاحياء سبب لتملك المحيي للأرض روايات كثيرة تبلغ حد الاستفاضة بل لا يبعد بلوغها حد التواتر، فاذن تكون هذه الصحيحة أي صحيحة‌

____________

(1) الوسائل ج 17 الباب 3 من أبواب إحياء الموات الحديث 3.

54

معاوية بن وهب موافقة للسنة، دون صحيحة سليمان بن خالد، فتتقدم عليها بملاك ان موافقة السنة من احدى مرجحات باب المعارضة، كما هو المعروف بين الاصحاب.

و لكن غير خفي: ان هذه المعارضة بين هاتين الصحيحتين ترتكز على ضوء نظرية المشهور القالة بان الاحياء سبب لعلاقة المحيي بالارض على مستوى الملك.

و اما على ما سيجي‌ء من التحقيق من انه لا يوجب العلاقة الا على مستوى الحق فحسب، دون الملك. فعندئذ لا بد من رفع اليد عن ظهور صحيحة معاوية بن وهب في سببية الاحياء للملك، و حملها على سببيته للحق فقط، و عندئذ فلا تنافي بينهما اصلا، و سوف يأتي توضيح ذلك في ضمن الابحاث القادمة بشكل موسع.

فالنتيجة في نهاية الشوط انه لا يمكن الاستدلال بهذه الصحيحة على انقطاع ملكية المالك عن ارضه بالخراب.

و ثانيتهما: صحيحة ابي خالد الكابلي عن أبي جعفر (ع) قال وجدنا في كتاب علي (ع) (ان الارض للّه يورثها من يشاء من عباده، و العاقبة للمتقين، انا و اهل بيتي الذين اورثنا الارض، و نحن المتقون، و الارض كلها لنا، فمن أحيا ارضا من المسلمين فليعمرها، و ليودّ خراجها الى الامام من اهل بيتي، و له ما اكل منها، فان تركها و اخربها فاخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و احياها فهو احق بها من الذي تركها، فليؤدي خراجها الى الامام من اهل بيتي، و له ما اكل منها، حتى يظهر القائم (ع) من اهل بيتي بالسيف، فيحويها، و يمنعها، و يخرجهم منها، كما حواها رسول اللّه (ص)، و منعها، الا ما كان في ايدي شيعتنا، فانه‌

55

يقاطعهم على ما في ايديهم، و يترك الارض في ايديهم الحديث) (1).

بدعوى ان هذه الصحيحة تدل على انقطاع ملكية المالك عن ارضه بخرابها و تملك غيره لها بالاحياء.

و الجواب عن هذه الصحيحة.

اما اولا: فلا يبعد دعوى ظهورها لدى العرف في اعراض المالك عن الارض، بقرينة استناد الخراب اليه فتأمل، و عليه فتخرج الصحيحة عن مورد الكلام، و لا تكون شاهدة عليه، فان مورد الكلام انما هو فيما اذا لم يكن خراب الارض مستندا الى اعراض المالك عنها كما عرفت.

و اما ثانيا: فلأنها لا تدل على انقطاع ملكية المالك عنها بالخراب اذ كما يحتمل ذلك، يحتمل ان يكون انقطاعها بقيام غيره باحيائها و عمارتها، فالصحيحة لا تدل بوجه، لا على الفرض الأول، و لا على الفرض الثاني.

و اما ثالثا: فلأنها لا تدل على ملكية المحيي الثاني للأرض بقيامه باحيائها و استثمارها، و انما تدل على انه احق بها من الفرد الأول و من الواضح ان الحق اعم من الملك، فلا تدل على زوال ملكية المحيي الأول عن رقبة الارض.

فيحتمل: ان تكون الارض باقية في ملكية المحيي الأول.

و يحتمل: دخولها في ملكية الامام (ع) بعد خرابها.

و يحتمل: تملك المحيي الثاني لها بالاحياء.

فالمحتملات ثلاثة: و تعيين أي من هذه المحتملات من الصحيحة بحاجة الى عناية و قرينة معينة، و حيث لم تكن فلا معيّن في البين،

____________

(1) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 3.

56

و حينئذ فتصبح الصحيحة مجملة، فلا يمكن الاستدلال بها على هذا القول.

هذا اضافة الى امكان ان يقال: ان كلمة الأحق غير كلمة الملك، و في مقابلها. و بما ان مدلول الصحيحة هو الأولى، دون الثانية فلا مانع عندئذ من الالتزام ببقاء رقبة الارض في ملكية مالكها.

و لكن بما ان المالك لم يقم بعملية احيائها و عمارتها، فلا مانع من قيام غيره بذلك، و بعد قيامه ليس له ان يزاحمه فيه، لأنه قد اصبح بقيامه بهذه العملية احق منه في التصرف بها و الاستفادة منها بمقتضى هذه الصحيحة.

فالنتيجة ان الصحيحة على هذا تدل على عكس هذا القول تماما.

و اما بناء على ما هو الصحيح من ان أثر الاحياء انما هو حدوث العلاقة للمحيي على مستوى الحق دون الملك فقد اصبحت النتيجة على ما يلي:

ان مدلول الصحيحة على هذا: ان الثابت للمحيي الأول هو الحق المتعلق بالارض بقيامه باحيائها و عمارتها اذا كان تاريخ احيائه متأخرا زمنيا عن تاريخ نزول آية الانفال، كما هو المفروض في مورد الصحيحة، فاذا ترك الارض و اخربها انتفى ذلك الحق الثابت له بانتفاء علته و هي الحياة و العمارة.

و عليه فاذا قام غيره باحيائها و عمرانها ثبت له هذا الحق. و اما رقبة الارض فهي غير داخلة في نطاق ملكية المحيي الأول، و لا في نطاق ملكية المحيي الثاني، بل هي باقية في نطاق ملكية الامام (ع)، كما هو المفروض في مورد النص.

و على هذا فليس معنى قوله (ع) في تلك الصحيحة (فهو احق‌