المسائل المستحدثة

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
384 /
3

تقديم

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يشكل الفقه الإسلامي الركيزة المهمة في الدين، و تأتي الحاجة إليه من حاجة الانسان إلى التمسك بدينه الذي يجب عليه الرجوع إليه و الأخذ به لقصور البشر عن إدراك المصالح و المفاسد في جميع أجزاء حياتهم. و الفقه بدوره يعلمنا الأحكام الدينية التي بوسعها أن تنظم لنا حياتنا الدنيا و توصلنا إلى شاطئ الأمان في الآخرة فيعتبر نعمة من نعم الله علينا. و بما أنه يرتبط بدنيانا و آخرتنا كانت الحاجة إليه ضرورية و أساسية، و قد ورد عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الحث على التفقه في الحلال و الحرام و طلب العلم حيث قال الرسول (ص)" من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله له طريقا من طرق الجنة"، و قال الإمام علي (ع)" لا كنز أنفع من العلم"، و قال الإمام الصادق (ع)" أطلب العلم و لو بخوض اللجج و شق المهج". و قد و اكب الفقه الشيعي الحياة و انفتح عليها بسبب فتح باب الاجتهاد على مصراعيه متصلا بالنبي و أهل بيته المعصومين عليه و عليهم آلاف السلام، فبحث علماؤنا مسائل الفقه بأجمعها و حققوا و دققوا و دونوا ذلك بموسوعاتهم الكثيرة القوية في استدلالها المتينة في مبانيها الساطعة في حجتها و لم يقتصروا على القديم من المسائل بل واكبوا المسيرة الانسانية ليبحثوا كل ما يستجد من مسألة أو قضية من قضايا الحياة سواء كانت تتعلق بالطب أو السياسة أو الاقتصاد أو المرأة أو أمور تتعلق بالاجتماع و نحو ذلك مستندين على أن ما من واقعة إلا و لها حكم ففتحوا بابا ينسجم مع روح العصر و التطور أسموه (مستحدثات المسائل) تناولوا فيه إعطاء الحكم الشرعي لكل ما يتعلق بحياتنا المعاصرة. و بذل علماؤنا الإعلام الماضون منهم و المعاصرون جهدا كبيرا و قطعوا شوطا في هذا المجال فجزاهم الله خيرا، و من هذه الكوكبة سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض دام ظله الذي كرس حياته لخدمة الاسلام فأغنى المكتبة الاسلامية و الحوزة العلمية ببحوثه القيمة و كتاباته الجليلة التي اتسمت ببراعة فقهائنا الذين يعجز البيان عن تقدير جهودهم و جهادهم. و نحن إذ نقدم هذه الباقة العطرة من هذا العلم الشريف ندعو الله تعالى أن يديم ظل المرجع الكريم و أن يوفق المسلمين للعمل و الاستفادة من منابع آل محمد. و الحمد لله رب العالمين مؤسسة المرحوم محمد رفيع حسين معرفي الثقافية الخيرية الكويت‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الفصل الأول أحكام الاجتهاد

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الأحكام الشرعية الإسلامية و هي تصنف إلى صنفين

أحدهما: الأحكام الشرعية التي لا تزال تحتفظ بضرورتها بين المسلمين عامة

رغم فصل هذه الأحكام عن عصر التشريع بقرون كثيرة، و سنين متطاولة متمادية. و هذا الصنف- من الأحكام- الذي يتمتع بطابع ضروري لا تتجاوز نسبته إلى مجموع الأحكام الشرعية عن ستة في المائة بنسبة تقريبية، و لا يوجد في هذا الصنف خلاف بين الفقهاء و المجتهدين نهائياً، فإن الخلاف بينهم إنما يبدو في الأحكام الشرعية النظرية التي يتوقف إثباتها على أعمال النظر و الفكر على ضوء البحث النظري و التطبيقي في علميّ الأصول و الفقه. و يكون موقف جميع عناصر المكلفين من المجتهدين و المقلدين تجاه ذلك الصنف من الأحكام على السواء فلا يرجع غير المجتهد فيه إلى المجتهد، حيث لا موضوع فيه لعمليّة الاجتهاد و الاستنباط، لأن الاجتهاد أنما هو استخراج الحكم الشرعي من دليله و تعيين الموقف العملي تجاه الشريعة بحكم التبعية لها. و الفرض أن الموقف العملي لكل مكلف فيه تجاه الشرع معين بدون حاجة إلى أعمال النظر و التطبيق. و لما كان ذلك الصنف من الأحكام شطراً قليلًا من مجموع الأحكام الشرعية الإسلامية لم تعالج به مشاكل حياه الإنسان الكبرى في مختلف جوانبها و علاقاته مع الآخرين. المادية و المعنوية، و لا يمكن الحفاظ به على حقوق الإنسان في تمام مجالاته الفردية و الاجتماعية.

و الصنف الآخر: الأحكام التي تتمتع بطابع نظري

و هذا الصنف من الأحكام هو الذي يتوقف إثباته على عملية الاجتهاد و الاستنباط. و من الطبيعي أن الوصول إلى مرتبة الاجتهاد لا يتيسر لكل أحد، حيث أنه يتوقف على تقديم دراسات و دراسات و بذل جهد كثير في تكوين مجموعة قواعد مشتركة و نظريات عامة، و ممارساتها خلال سنين كثيرة. و السبب فيه: أن عملية الاجتهاد من النصوص التشريعية كالكتاب و السنة تتوقف على دراسة عدة نقاط على صعيد البحث النظري و التطبيقي بشكل ذات طابع إسلامي على الرغم من تقديم دراسة مجموعة علوم بصورة مسبقة كالإعداد لها.

8

ما هي النقاط؟

النقطة الأولى:

إن كل مجتهد يعتمد بطبيعة الحال في صحة كل نص من النصوص التشريعية ما عدا النصوص القرآنية و السنة القطعية على نقل أحد الرواة و أرباب الكتب في إطار خاص. و من الضروري أن المجتهد مهما حاول في تدقيق وثاقة الراوي و امانته في النقل لن يتأكد بشكل قاطع من صحة النص و مطابقته للواقع الموضوعي في نهاية المطاف و ذلك لجهات. الأولى: أنه لا يعرف مدى وثاقة الراوي و أمانته في النقل بشكل مباشر و أنما وصلت إليه في إطار نقل الآحاد تاريخياً في كتب الرجال. الثانية: أن الراوي مهما بلغت وثاقته و أمانته في النقل مداها إلا أنه لك يكن مصوناً من الخطاء و الاشتباه، و نقل ما لا واقع له، و بذلك يتغير وجه عملية الاجتهاد عن واقعها الموضوعي. الثالثة: أن وصول النصوص التشريعية إليه لم يكن بشكل مباشر بل بعد أن تطوف عدة أشواط و تصل إليه في نهاية المطاف. فالنتيجة على ضوء هذه الجهات الثلاث إن المجتهد في مقام عملية الاجتهاد و تعيين الوظائف العملية تجاه الشريعة- مهما اهتم و بالغ في تدقيق السند- لن يتمكن إن يتأكد بشكل قاطع بصحة تلك النصوص و صدورها من مصادرها، و مطابقتها للواقع الموضوعي في كل شوط، فما ظنك في تمام الأشواط.

النقطة الثانية:

إن كل مجتهد بطبيعة الحال يعتمد في كشف مدا ليل النصوص التشريعية و تعيينها في اطارها الخاص على الفهم العرفي و طريقتهم المتبعة في باب الألفاظ التي تقوم على أساس مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية و تكوين قواعد مشتركة منها وفقاً لشروطها العامة.

النقطة الثالثة:

إن كل مجتهد يعتمد في كشف مطابقة مدا ليل النصوص التشريعية المحددة بالفهم العرفي لواقع التشريع الإسلامي على قاعدة عقلائية منذ عهد التشريع و هي أن العقلاء يحملون كل كلام صادر من متكلم ملتفت على بيان الواقع و الجد دون التقية و نحوها.

9

فهذه هي: النقاط الثلاث التي لا بد لكل مجتهد للوصول إلى درجة الاجتهاد من دراسة هذه النقاط دراسة موضوعية، و بذل الجهد فيها، و تكوين النظريات العامة و القواعد المشتركة، مع دراسة عدة علوم أخرى بصورة مسبقة كالإعداد لها.

الفراغ بين عصر التشريع و عصر الاجتهاد

ثمّ أن الفراغ بين عصر التشريع و عصر الاجتهاد مهما زاد و كثر واجهت النصوص التشريعية الشكوك و الأوهام أكثر فأكثر من مختلف الجوانب و الجهات. و من هنا كانت عملية الاجتهاد في الزمن المعاصر عملية صعبة و معقدة، و محفوفة بالشكوك و الأوهام و المخاطر، فعلى المجتهد أن يقوم لدفع تلك الشكوك و الأوهام و المخاطر، و مل‌ء الفراغ في مقام هذه العملية، و لا يتمكن من ذلك إلا بما يتبناه في الأصول من النظريات العامة، و القواعد المشتركة في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها العامة. و لما لم تكن تلك القواعد المحددة في الأصول متمتعة بطابع قطعي لم تدفع الشكوك و الأوهام- التي تواجه النصوص بشكل قطعي- و حينئذ فيواجه المجتهد أمام ذلك الموقف- الذي يتخذه في مقام عملية الاجتهاد رغم عدم تأكده بصحة تلك العملية و مطابقتها للواقع الموضوعي جزماً: السؤال التالي: و هو أن المجتهد لما لم يتمكن من التأكد بصحة النصوص التشريعية بشكل قاطع- في مقابل الشكوم و الأوهام التي تواجهها في كل شوط شتى الجهات- فكيف يسمح له أن يعتمد على هذه النصوص في مقام عملية الاجتهاد و استنباط الأحكام الشرعية منها، رغم أن الإسلام لم يسمح العمل بالظن و الاعتماد عليه في تشريعه. و الجواب عن ذلك السؤال: هو أن الدين الإسلامي قد سمح منذ بداية تشريعه للتصدي لعملية الاجتهاد، و تحديد الوظيفة العملية تجاه الشريعة من النصوص التشريعية، رغم أن هذه العملية لا تتعدى عن درجة الظن إلى درجة اليقين في تمام مراحل وجودها- من البداية إلى أن تطورت و أصبحت عملية معقدة. فإن من كان يعيش في عصر النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) من المسلمين لم يكن يتمكن كل فرد منهم أن يسمع الحكم الشرعي من النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) مباشرة، أو من أناس لا يشك في صدقهم، و لا سيما النساء و من يكون بعيداً عن المدينة المنورة. فأذن بطبيعة الحال كان سماع الأحكام الشرعية غالباً من النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) (بواسطة أناس ينقلون الأحاديث و الأحكام إليهم. و حينئذ يكون فهم الحكم الشرعي من الروايات‌

10

الواصلة إليهم. تارة يكون مستنداً إلى القطع بالصدور، و الدلالة و الجهة و لو كان ذلك من جهة غفلة الشخص عن احتمال خطأ الناقل و اشتباهه في النقل و أخرى لا يكون مستنداً إلى القطع بهذه الجهات، لالتفاته إلى أن الناقل قد يخطأ و يشتبه في النقل، أو في السماع و ان افترض القطع بعدم تعمده في الكذب، و في مثل ذلك لا محالة يكون فهم الحكم الشرعي من النصوص بحاجة إلى قاعدة عامة كحجية تلك النصوص، و حجية ظهورها العرفي، أو ما شاكل ذلك، و لا يمكن ذلك الفهم بدون تطبيق هذه القواعد العامة و أن كان ذلك التطبيق بحسب الارتكاز، و بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة هذه القواعد و حدودها، و أهمية دورها في عملية الاستنباط و الاجتهاد. و من المعلوم: أن هذا بداية نقطة عملية الاجتهاد و الاستنباط بأبسط وجودها. ثمّ تطورت عصراً بعد عصر تدريجياً إلى أن تبلورت هذه العملية في زمان الصادقين (عليهما السلام) بين جماعة من الرواة، و وجدت بذرة التفكير الأصولي في آفاق أذهانهم. كما يظهر ذلك بوضوح من بعض الأسئلة الموجهة من قبل هؤلاء إلى الامام (عليه السلام) كقول الراوي: «أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني» و نحو ذلك، فإنه يكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي في مرتكزات ذهنه، و هي حجية خبر الثقة و هذا يعني- أن يونس بن عبد الرحمن إذا كان ثقة أمكن استنباط الحكم الشرعي من قوله- بتطبيق القاعدة العامة عليه- و هي حجية خبر الثقة. و إن شئت قلت: إن من راجع الروايات و نظر فيها يظهر له من مجموعة الأسئلة فيها وجود بذرة التفكير الأصولي في آفاق اذهان هؤلاء الرواة، و مرتكزاتهم. ثمّ أن هذه البذرة قد تطورت و نمت في عصر الغيبة تدريجاً على ضوء تطور العمل الفقهي، و نموه و توسعه بتوسع مختلف جوانب الحياة و نموها إلى أن انفصلت دراسة هذه البذرة عن الدراسة الفقهية، و أصبحت دراسة علمية مستقلة، و قائمة بنفسها، و تسمى هذه الدراسة التي هي على صعيد البحث النظري- بعد انفصالها عن الدراسة الفقهية التي هي على صعيد البحث التطبيقي و استقلالها- بعلم الأصول، فالتسمية متأخرة. و أما المسمى- و هو جودة البذرة- فهو ولد منذ ولادة العمل الفقهي، و لا يمكن انفكاك النظر الفقهي عن النظر الأصولي في أية مرحلة من مراحل وجوده، للترابط الوثيق بينهما في تمام المراحل، حيث أن عملية الاستنباط عملية قد نتجت من الترابط بينهما ترابط العلم النظري بالعلم التطبيقي. إلى هنا قد استطعنا إن نخرج بهذه النتيجة: و هي إن عملية الاجتهاد، و تحديد الوظائف العملية تجاه الشريعة- من النصوص التشريعية- ليست عملية مستحدثة في عصر الغيبة، بل أنها موجودة في‌

11

عصر التشريع على طول الخط، غاية الأمر أن وجودها في ذلك العصر كان وجوداً بدائياً بسيطا، و غير متطور و معقد. ثمّ أن عملية الاجتهاد في عصر التشريع تمتاز عن عملية الاجتهاد في عصر الغيبة بأمرين: أحدهما: أن الاجتهاد في عصر التشريع على طول الخط كان عملية سهلة، و غير معقدة، إذ الإنسان في ذلك العصر لم يكن بحاجة في الوصول إلى مرتبة الاجتهاد إلى تقديم دراسات مجموعة علوم بصورة مسبقة بالصيغ الموجودة حالياً كالإعداد لها و إلى تقديم دراسات النصوص التشريعية في مختلف مجالاتها لمل‌ء الثغرات و الفجوات التي تنجم عن ابتعاد الفقيه عن عصر التشريع. و أما الاجتهاد في هذا العصر فالوصول إليه بحاجة إلى تقديم الدراسات في مختلف الجهات، و ممارستها لمل‌ء الفراغ الناجم من ابتعاد الفقيه عن عصر التشريع، و دفع الشكوك و الأوهام التي تواجهها النصوص التشريعية مهما أمكن، و تبرير العمل بها رغم وجود تلك الشكوك و الأوهام في الواقع، و عدم إمكان إزالتها نهائياً. و الآخر: إن الاجتهاد في عصر التشريع أقرب إلى واقع التشريع الإسلامي من الاجتهاد في العصور المتأخرة، حيث إن الاجتهاد في هذه العصور كما عرفت مكتنف بالشكوك و الأوهام حول مدى صحة النصوص التشريعية الواصلة بطريق الآحاد عبر قرون متطاولة، بينما لم يكن الاجتهاد في عصر التشريع مكتنفاً بتلك الشكوك و الأوهام. نعم يشتركان في نقطة واحدة: و هي سماح الشرع في كشف واقع التشريع الإسلامي ظاهراً بالعملية المذكورة- التي هي عملية ظنية لا تتعدى عن حدود الظن-. و حينئذ علينا أن نفصل ذلك الظن عن الظن الذي لم يسمح الإسلام العمل به. و الاعتماد عليه فيه التشريع.

بيان ذلك: أن الظن الذي قد سمح الإسلام العمل به في كشف تشريعاته كان ذا طابع خاص- يشرح ذلك الطابع في ضمن حدود معينة وفقاً لشروطها العامة في علم الأصول- و هو الطن الحاصل من النصوص التشريعية بالأحكام الشرعية في ضمن شروطه المبينة المحدودة. و لا فرق في جواز العمل بذلك الظن بين عصر التشريع على طول الخط و العصور المتأخرة إلى نهاية المطاف، فإن الفصل الزمني بينهما مهما طال لا يؤثر في ذلك.

12

الأخباريون و مسألة الاجتهاد

قد عارض جماعة كثيرة من الإخباريين عملية الاجتهاد و مدرسته، و شجبوا هذه المدرسة شجباً عنيفاً، و في نهاية المطاف علم الأصول، بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة علم الأصول، و أهمية دوره الأساسي في الفقه، و أنه العمود الفقري للعمليات الفقهية في مختلف مجالات الحياة.

و هذه المعارضة الشديدة من هؤلاء تقوم على أساس نقطتين:

النقطة الأولى: أنهم فسروا كلمة (الاجتهاد) بتفسير خاطئ:

و قالوا: إن الاجتهاد يعني التفكير الشخصي للفقيه في المسألة إذا لم يوجد فيها نص، و هذا التفكير الشخصي يقوم على أثر الاعتبارات العقلية، و المناسبات الظنية التي تؤدي إلى ترجيحه بصفة كونه حكماً اجتهادياً ذا طابع شرعي. كما كان هذا هو المتداول بين أبناء العامة، فأنهم إذا لم يجدوا نصاً في المسألة عملوا بعقولهم و أفكارهم الشخصية فيها بملاك المناسبات الظنية، و الاستحسانات العقلية، و القياسات الاعتبارية. جعلوا هذه الأفكار الشخصية، و الآراء التي تبتني على تلك الاعتبارات العقلية الظنية مصدراً من مصادر الحكم الشرعي. و لأجل هذا التفسير الباطل شنَّ هؤلاء الجماعة هجوماً شديداً على مدرسة الاجتهاد و أهلها، و أن هذه المدرسة قد اسست في مقابل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و على خلافها، و لذا وردت في ذم هذه المدرسة روايات كثيرة منهم (عليهم السلام).

النقطة الثانية: إن علم الأصول هو العلم الحادث في عصر الغيبة.

و مأخوذ من العامة، فأنهم الأصل فيه، و ليس موجوداً على طول تاريخ الفقه، و في عصر التشريع و زمان الأئمة (عليهم السلام) و لأجل ذلك قالوا: أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) عملوا على طبق النصوص التشريعية حرفياً و بدون حاجة إلى علم الأصول، و تطبيق القواعد العامة. فإذا كان هذا هو طريق تحديد المواقف العملية للإنسان تجاه الشريعة في زمان الأئمة (عليهم السلام) لم يجز التعدي عن هذه الطريقة إلى طريقة أخرى و هي- طريقة الاجتهاد- التي لم تكن موجودة في ذلك الزمان لكي يستكشف إمضاؤها. فإذن لا يمكن إثبات أن الشارع قد سمح بطريقة الاجتهاد و الاستنباط، و مع عدم السماح بها لا حاجة إلى علم الأصول، فإن الحاجة إليه تنبع عن واقع حاجة عملية الاجتهاد و الاستنباط إليه.

13

أما النقطة الأولى:

فلأن تفسير الاجتهاد لدى الأصوليين بالتفسير المذكور تفسير خاطئ لا واقع موضوعي له، فإنهم لم يقولوا بالاجتهاد بالتفسير المزبور في أي تاريخ من التاريخ المعاصر للاجتهاد بداهة أن الاجتهاد عندهم ليس في مقابل النصوص التشريعية مصدراً من مصادر الحكم الشرعي، كيف حيث أنهم شجبوا الاجتهاد بهذا المعنى، شجباً مريراً على طول الخط تبعاً للروايات المأثورة عن الأئمة (عليهم السلام) فإنها وردت في شجب الاجتهاد بهذا المعنى، و ذم من يقوم باستنباط الحكم الشرعي بهذه الطريقة. بل الاجتهاد عندهم بمعنى استنباط الحكم الشرعي من الدليل، و تعيين الموقف العملي به تجاه الشريعة، و معنى الاستنباط هو تطبيق القواعد العامة المشتركة المحددة- الثابتة حجيتها شرعاً في الأصول بنحو الجزم و القطع- على مواردها الخاصة. و من المعلوم أن الاجتهاد بهذا المعنى قد أصبح في عصرنا الحاضر من البديهيات، بل الأمر كذلك في تمام العصور أي منذ ولادة الفقه، و لا يسع لأي واحد إنكاره و شجبه حتى من الإخباريين، إذ من الضروري أن النصوص التشريعية ليست قطعية في مختلف جهاتها حتى عندهم. و عليه فبطبيعة الحال كانوا في فهم الحكم الشرعي من تلك النصوص في كل مسألة من المسائل الفقهية بحاجة إلى تطبيق قاعدة عامة عليها كحجية خبر الثقة، و حجية الظهور العرفي، أو نحو ذلك. و لا يمكن فهم الحكم الشرعي منها في كل مورد و واقعة بدون الاستعانة بهذه القواعد العامة، و تطبيقها، و إن كان ذلك بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة تلك القواعد، و حدودها، و أهمية دورها. و هذه هي عملية الاجتهاد و الاستنباط، و لا نقصد بالاجتهاد إلا فهم الحكم الشرعي من دليله بتطبيق القاعدة العامة عليه، و لا يمكن للأخباريين إنكار الاجتهاد بهذا المعنى، حيث أن إنكاره مساوق لإنكار الفقه نهائياً. و من هنا لا شبهة في أن بذرة التفكير الأصولي موجودة في آفاق أذهان الأخبارين فإنكارهم للأصول يرجع إلى إنكارهم له بوصف كونه دراسة علمية مستقلة و منفصلة عن البحوث الفقهية. و قد تحصل من ذلك: أن العامة ليسوا هم الأصل في التفكير الأصولي حيث أن هذا التفكير موجود على طول التاريخ: نعم هم الأصل في تأليف الأصول بصورة دراسة علمية مستقلة.

14

و أما النقطة الثانية:

فقد عرفنا أن عملية الاجتهاد و الاستنباط لم تكن متأخرة تاريخياً عن عصر الحضور بل هي كانت موجودة في ذلك العصر غاية الأمر أن وجودها فيه كان بدائياً و غير معقد أو متطور ثمّ إننا إذا افترضنا أن عملية الاجتهاد متأخرة زماناً عن عصر الحضور و لم تكن موجودة في ذلك العصر و إنما وجدت و برزت في مظهر الوجود في عصر الغيبة. فحينئذ قد تبدو أمام هذا الافتراض المشكلة الآتية و هي أن عملية الاجتهاد و الاستنباط بما أنها حدثت في عصر الغيبة و لم تكن موجودة في عصر الحضور من ناحية، و غير كاشفة عن واقع التشريع الإسلامي إلا في حدود الظن فقط من ناحية أخرى فمع ذلك كيف يمكن الاعتماد على هذه العملية الظنية رغم أن الإسلام قد منع عن العمل بالظن و الاعتماد على القول بغير العلم.

حل هذه المشكلة بطريقتين

" الطريق الأول"

إن موقف الإنسان أمام الله تعالى- بحكم كونه عبداً له سبحانه و مسئولًا عن امتثال أحكامه و مدعواً من قبل عقله الفطري بالتوفيق بين سلوكه و أفعاله في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، و الفردية، المادية، و المعنوية، و بين الأحكام الشرعية الإلهية يدور بين ثلاث خطوات: الخطوة الأولى: أن الإنسان يقتصر في سلوكه أمام الله تعالى، و إطاعته على خصوص الأحكام الشرعية التي تتمتع بطابع ضروري أو قطعي. الخطوة الثانية: الأخذ بطريقة الاحتياط في مختلف مجالات الحياة. الخطوة الثالثة: الأخذ بطريقة الاجتهاد، و تعيين الوظائف العملية بها تجاه الشريعة. و بعد ذلك نقول: أما الخطوة الأولى: فلا يمكن للإنسان- بحكم كونه عبداً للّه تعالى، و يرى نفسه ملزماً ببناء كل تصرفاته و سلوكه في شتى جوانب الحياة على أساس القوانين الشرعية الإلهية- أن يأخذ بهذه الخطوة، لما عرفت من أنها لا تكفي إلا في شطر قليل من مجالات الحياة. و لازم ذلك: هو أن يكون الإنسان حراً في تصرفاته و سلوكه الاجتماعية، و الفردية إلا في هذا الشطر‌

15

القليل منها، و من البديهي أن هذا لا ينسجم مع اهتمام الشارع و حكم العقل ببناء كل تصرفاته، و سلوكه في مختلف المجالات على الشريعة من ناحية و كون هذه الشريعة شريعة خالدة متكفلة لحل تمام مشاكل الإنسان على طول الخط من ناحية أخرى. و من هنا قد أشرنا: فيما تقدم من أن تلك الفئة من الأحكام الإسلامية باعتبار قلتها لا تعالج بها مشاكل الإنسان الكبرى: الاجتماعية، و الفردية بينما كان الدين الإسلامي هو النظام الوحيد لحل المشاكل المعقدة في مختلف مجالات الحياة على أساس أنه يزود الإنسان بطاقات نفسية، و بملكات فاضلة و أخلاق سامية لمعالجة تلك المشاكل المعقدة، و هو يربط بين الدوافع الذاتية و الميول الطبيعية و الاتجاهات الشخصية للإنسان، و بين مصالح الإنسان الكبرى: و هي العدالة الاجتماعية التي قد أهتم الإسلام بها، و هو الوسيلة الوحيدة لحل التناقضات بين الدوافع الذاتية لمصالح شخصية. و بين الدوافع النوعية لمصالح نوعية، و هو يجهز الإنسان بطاقات غريزة الدين و دوافعه، و بذلك تصبح المصالح العامة للمجتمع الإنساني على وفق الميول الطبيعية، و الدوافع الذاتية، و هذا معنى حل الدين الإسلامي لمشكلة الإنسان الكبرى على وجه الأرض. و لأجل هذا المحذور لا يمكن اقتصار المكلف في مقام أداء الوظيفة على هذه الخطوة فقط. و أما الخطوة الثانية: فهي و إن كانت في نفسها خطوة جادة إلا أنه لا يمكن الأخذ بها، لأجل أحد محذورين: الأول: أن كل فرد من أفراد المكلفين لا يتمكن من الأخذ بهذه الخطوة في مختلف مجالات الحياة، و العلاقات مع الآخرين، فإن الأخذ بها يتوقف على معرفة مواردها و هي لا تتيسر لكل فرد. الثاني: أن هذه الخطوة بما أنها تتطلب انشغال المكلف بالوظائف الدينية بأكثر من اللازم فلاجل ذلك قد تؤدي إلى نتيجة مضادة لها كما فصلنا الحديث عن ذلك في علم الأصول. و أما الخطوة الثالثة: و هي عملية الاجتهاد و الاستنباط- فهي عبارة عن إقامة المجتهد الدليل في كل واقعة من الوقائع على تحديد الموقف العملي للإنسان تجاه الشريعة بحكم التبعية لها، و يسمى ذلك في المصطلح باسم عملية الاجتهاد و الاستنباط فعلم الفقه هو العلم الذي وضع لهذه العملية، و تعيين المواقف للإنسان تجاه الشرع في تمام الوقائع و الأحداث التي تمر على حياة الإنسان فكلما تجددت المشاكل للحياة بتجدد الوقائع و الأحداث فعلى الفقيه أن يقوم بتحديد الموقف العملي للإنسان أمام هذه المشاكل.

16

و لأجل ذلك: يتطور علم الفقه و يتسع و يتعمق بتطور الأحداث و الوقائع، و تجدّد المشاكل. فالنتيجة من ذلك: أن علم الفقه يتولى تحديد الموقف العملي لكل إنسان مكلف تجاه الشريعة بحكم تبعيته لها في مختلف سلوكه. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى أن طبيعة هذه العملية في كل واقعة تتطلب تطبيق القواعد العامة عليها، و لا يمكن الاستنباط و الاجتهاد بدون الاستعانة بتطبيقها عليها نهائياً فإن خبر الثقة في كل مورد و واقعة إنما يكون دليلًا على تعيين الموقف العملي و تحديده تجاه الشرع إذا ثبتت حجيته كقاعدة عامة و إلا لم يكن الخبر المزبور دليلًا على الاستنباط و تعيين الوظيفة. فعلم الأصول موضوع لطريقة تحديد القواعد العامة في الحدود المسموح بها على صعيد البحث النظري. و علم الفقه موضوع لتصدي الفقيه إقامة الدليل في كل مورد و واقعة على تعيين الموقف العملي تجاه الشرع على صعيد البحث التطبيقي. و من هنا تكون البحوث الأصولية بحوثاً نظرية لتحديد النظريات العامة المحددة، و البحوث الفقهية بحوثاً تطبيقية، و لأجل ذلك تكون عملية الاجتهاد و الاستنباط مرتبطة بعلم الأصول ارتباط الصغرى بالكبرى، و العلم التطبيقي بالعلم النظري فلا يمكن افتراض تجرد علم الفقه عن علم الأصول في تمام مراحل وجوده أي من البداية إلى النهاية. و نستخلص من ذلك كله أن الاجتهاد و الاستنباط بهذا المعنى- و هو إقامة الدليل على تحديد الموقف العملي تجاه الشرع- أمر لا يقبله الشك، و يكون من البديهيات التي هي غير قابلة للنظر و التأمل فيها إذ بعد ما عرفنا أن الأحكام الشرعية لم تبلغ في الوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل عليها فلا يعقل أن تكون هذه العملية غير مشروعة، حيث أن ذلك مساوق لإهمال الشريعة و تجميدها نهائياً. و من المعلوم أن ذلك مخالف لضرورة حكم العقل، و الشرع، و لا ينسجم مع خلود هذه الشريعة، و كونها الوسيلة الوحيدة لحل المشاكل و التناقضات في مختلف سلوك الإنسان على طول الخط. فالنتيجة أن هذه العملية عملية ضرورية تنبع عن ضرورة تبعية الإنسان للشريعة، و مسئوليته أمامها. ثمّ أن الإخباريين لا يمكن أن يكونوا منكرين للاجتهاد بهذا المعنى، فإن انكاره مساوق لإنكار الفقه نهائياً، حيث قد عرفت أن الفقه هو نفس هذه العملية في كل واقعة و مسألة، و الفرض أنهم لا يكونون منكرين لعلم الفقه، و قد عرفنا أن ارتباط الفقه بالقواعد العامة الأصولية كان ذاتياً على أساس أنها النظام العام في العملية، و يستحيل افتراض تجرده عن هذا النظام العام على طول التاريخ.

17

تبقى نقطتان من التساؤل:

النقطة الأولى: إن الإسلام كما يسمح للشخص باستنباط حكمه الشرعي و تحديد موقفه العملي تجاه الشريعة هل يسمح له باستنباط حكم غيره و تحديد موقفه العملي تجاها و الافتاء به؟ النقطة الثانية: إن الإسلام هل يسمح بعملية الاجتهاد و الاستنباط في كل عصر، و لكل فرد، أو لا يسمح إلا لبعض الأفراد، أو في بعض العصور؟

أما النقطة الأولى:

فلا شبهة في سماح الإسلام باستنباط حكم الغير، و تحديد وظيفته العملية تجاه الشريعة، و الافتاء به، و حجية هذا الافتاء على الغير فانه- بحكم كونه عامياً و غير مجتهد- مدعو من قبل العقل، و ملزماً ببناء كل تصرفاته و سلوكه في مختلف مجالات الحياة على فتاوى المجتهد و آرائه، و يسمى ذلك في المصطلح العلمي بعملية التقليد. و هذه العملية عملية ضرورية في الإسلام كعملية الاجتهاد تنبع من ضرورة واقع جهات ثلاث: الأولى: أن كل فرد بحكم كونه عبداً للّه تعالى ملزم من قبل العقل بامتثال أحكامه الشرعية و بتطبيق سلوكه في تمام مجالات الحياة الاجتماعية و الفردية على الشريعة. الثانية: أن كل فرد من المكلف لا يتمكن من الاجتهاد و عملية الاستنباط و تعيين موقفه العملي في كل واقعة تجاه الشريعة. الثالثة: إنه لا يتمكن من الاحتياط في كل واقعة من الوقائع التي تمر على حياة الإنسان حيث أنه يتوقف على تشخيص موارده، و دفع موانعه، و هو لا يتيسر لكل فرد، و لا سيما في الشبهات الحكمية، إلا أن يكون مجتهداً، أو كان بهداية منه. و قد تحصل من ذلك أن عملية التقليد كعملية الاجتهاد أمر لا يقبله الشك و تكون من البديهيات و هذه البداهة تنبع في النهاية من بداهة تبعية الإنسان للدين فالمنع عن هاتين العمليتين مساوق للمنع عن التبعية للدين، فاذن لا معنى للنزاع في أن الشارع قد سمح بهاتين العمليتين أو لم يسمح بهما، فإنه كالنزاع في البديهيات، و لا معنى له أصلًا. ثمّ أن التقليد- مضافاً إلى ما ذكرناه: من أنه عنصر ضروري في الإسلام لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة- مطابق للجبلة و الفطرة أيضا و هي رجوع الجاهل إلى العالم في تعيين مواقفه العملية‌

18

و قد جرت على ذلك السيرة القطعية من العقلاء، و هذه السيرة موجودة على امتداد عصر التشريع و بدون أي ردع عنها. إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة: و هي أن الاجتهاد و التقليد في الحدود المسموح بهما عنصران اساسيان في الإسلام، و كل فرد- بحكم التبعية للدين- ملزم بالعمل بأحد هذين العنصرين تحديداً لموقفه العملي من الشرع، و حفاظاً على ظاهر التشريعات الإسلامية و الآثار الإيجابية، و ضبطاً للآثار السلبية المترتبة على عدم العمل بهما.

و أما النقطة الثانية:

و هي سماح الإسلام بعملية الاجتهاد في كل عصر و لكل فرد فهي أيضاً ضرورية و هذه الضرورة تنجم عن ابدية الشريعة الإسلامية من ناحية، و انها الوسيلة الوحيدة لحل تمام مشاكل الحياة المعقدة في كل عصر من ناحية أخرى. و التبعية التي تفرض على الإنسان للدين في سلوكه بشتى اشكاله من ناحية ثالثة، و النصوص التشريعية الواصلة في هذا العصر ليست من الوضوح بدرجة تغني عن كلفة اقامة الدليل، و بذلك الجهد فيها من ناحية رابعة، و ضرورة عدم الفرق بين عصر دون و فرد دون فرد من ناحية خامسة. و مجموع هذه النواحي: يستدعي ضرورة حركة فكرية اجتهادية ذات طابع إسلامي على طول الخط لكي تفتح الآفاق الذهنية، و تحمل مشعل الكتاب و السنة في كل عصر، و لو لا هذه الحركة الفكرية الاجتهادية في الإسلام، التي تطورت و تعمقت عصراً بعد عصر بتطور الحياة و اتساعها و تعمقها في مختلف مجالاتها الاجتماعية و الفردية- لم تتبلور اصالة المسلمين في التفكير و التشريع المتميز المستمد من الكتاب و السنة على طول التاريخ في عصر الغيبة. لو لم تكن هذه الحركة الفكرية المسماة في الاصطلاح العلمي بعملية (الاجتهاد) مستمرة في هذا العصر على طول الخط لانطفى مشعل الكتاب و السنة في نهاية المطاف و ظلت المشاكل الحياتية المتجددة في كل عصر بدون حل صارم. و من هنا يتطور علم الفقه، و يتسع، و يتعمق تدريجياً تبعاً لتطور الحياة، و اتساعها، و تعمقها في تمام المجالات. و من هنا يكون تطور علم الفقه، و اتساعه في تمام المجالات الحياتية على طول الخط يؤكد في المسلمين اصالتهم الفكرية، و شخصيتهم التشريعية المستقلة المتميزة.

19

فاذن لا بد من قيام جماعة في كل عصر لبذل الجهد للوصول إلى هذه المرتبة أي مرتبة الاجتهاد و تحمل مصاعبها، و مشاقها، و إلا لظلت المشاكل المتجددة بدون حلول ملائمة لها في إطار الشرع.

" الطريق الثاني"

إن حقيقة الاجتهاد عبارة عن عملية تطبيق القواعد المشتركة و النظريات العامة- التي يبناها المجتهد في الأصول- على صغرياتها، و عناصرها الخاصة في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها، و نتيجة هذه العملية هي أحكام شرعية ظاهرية. و تلك الأحكام تكون وليدة أفكار المجتهدين بما لها من الطابع الإسلامي، و لذا قد تكون مطابقة للأحكام الشرعية الواقعية، و قد تكون مخالفة لها، و على كل التقديرين يلزم العمل بها. حيث ان المجتهد: قد اثبت حجية تلك القواعد و النظريات العامة التي تتمتع بطابع أصولي بشكل قطعي من قبل الشرع في علم الأصول. و لا نقصد بذلك: بطبيعة الحال مطابقة تلك القواعد و النظريات لواقع التشريع الإسلامي، بل نقصد به قطع المجتهد بحجيتها التي تؤدي إلى تنجيز الواقع لدى الإصابة، و التعذير لدى الخطأ. كما لا نقصد بالقطع بالحجية: قطع المجتهد بها مباشرة فإن المجتهد قد يقطع بها بشكل مباشر، و قد يقطع بها في نهاية المطاف، بقانون ان كلما يكون بالغير لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات. و حيث أن غير القطع الوجداني من الإمارات و القواعد العامة لا تملك الحجية الذاتية، و إنما جاءت حجتيها من قبل الغير فلا بد أن تنتهي إلى ما يملك الحجية الذاتية- و هو القطع الوجداني- و لو في نهاية المطاف و إلا لتسلسل. إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة: و هي أن عملية الاجتهاد و إن كانت في نفسها عملية ظنية إلا أنها مؤمنة على كل تقدير جزماً، و عليه فعمل المجتهد يكون مستنداً إلى القطع بالمؤمن دائماً و كذا الحال في المقلد، حيث أنه يقطع بحجية فتاوى المجتهد عليه و بمؤمنيتها على كل تقدير فلا يكون المكلف عاملًا بالظن بها و معتمداً عليه في حال من الحالات، و لا يجوز ذلك بحكم العقل، لإلزامه بتحصيل القطع بالمؤمن، و دفع احتمال العقاب. و مدلول نصوص الكتاب و السنة الناعية عن العمل بالظن ارشاد إلى ذلك، و لا يكون تعبيراً عن حكم شرعي مولوي عام.

20

الفقه و الأصول مترابطان بترابط متبادل على طول التاريخ

ان علم الأصول: قد وضع لممارسة وضع النظريات العامة و تحديد القواعد المشتركة- في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها العامة- للتفكير الفقهي التطبيقي. و في مقابل ذلك علم الفقه، فإنه قد وضع لممارسة طريقة تطبيق تلك النظريات العامة و القواعد المشتركة على المسائل و العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى مسألة أخرى. و من هنا يرتبط: علم الفقه بعلم الأصول ارتباطا وثيقاً منذ ولادته إلى أن ينمو، و يتطور، و يتسع تبعاً لتطور البحث الفقهي، و اتساعه بوجود مشاكل جديدة في الحياة. بيان ذلك: أن فهم الحكم الشرعي من النصوص التشريعية في كل مسألة و مورد بحاجة إلى عناية و دقة ما، و من المعلوم أن هذا الفهم المسمى بالتفكير الفقهي لا يمكن بدون التفكير الأصولي يعني بدون استخدام القواعد العامة الأصولية و أن كان الممارس غير ملتفت إلى طبيعة تلك القواعد، و حدودها، و أهمية دورها في ذلك. و لأجل هذا الترابط الوثيق بين الفقه و الأصول فكلما اتسع البحث الفقهي، و تعمق باتساع مشاكل الحياة، و وجود عناصر جديدة فيها ادى ذلك إلى اتساع البحوث الأصولية و النظريات العامة و تطورها، و تعمقها، حيث أن اتساع الفقه كماً كيفاً يدفع البحوث الأصولية العامة خطوة إلى الامام، لحل المشاكل الجديدة في الحياة. فالنتيجة: أن توسع البحوث الفقهية التطبيقية و تطورها، تبعاً لتطور الحياة، و توسعها في مختلف مجالاتها يتطلب توسع البحوث الأصولية، و تطورها بنسبة واحدة و على هذا الضوء: فكلما كان الباحث الأصولي ادق و اعمق في التفكير الأصولي، و تكوين النظريات العامة، و القواعد المشتركة المحددة كان ادق و أعمق في طريقة عملية تطبيقاتها على المسائل الخاصة وفقاً لشروطها العامة، لوضوح أن الترابط بين العلمين و التفاعل بينهما في تمام المراحل يستدعي أنه اذا بلغ مستوى التفكير الأصولي درجة بالغة من الدقة و العمق بلغ مستوى التفكير الفقهي التطبيقي نفس الدرجة. و لا يعقل أن يكون مستوى التفكير الأصولي بالغاً درجة كبيرة من الدقة و العمق، و لكن كان مستوى التفكير الفقهي التطبيقي دون ذلك المستوى و الدرجة. و أن شئت قلت: أن النظريات العامة الأصولية كلما كانت موضوعة في صيغ أكثر عمقاً و صرامة، و أكبر دقة كانت أكثر غموضاً، و تطلبت في مجال التطبيق دقة أكبر، و التفاتاً أكثر.

21

و هذا معنى الترابط و التفاعل بين الذهنية الأصولية و الذهنية الفقهية، و هاتان الذهنيتان متبادلتان على مستوى واحد في ذهنية كل فرد في تمام مراحل وجودهما فإن دقة البحث في النظريات العامة في الأصول تنعكس في الفقه على صعيد التطبيقات. و لا نقصد بذلك أن عملية تطبيق النظريات العامة على المسائل و العناصر الخاصة لا يحتاج إلى أي تفكير، و بذل جهد علمي، و أن الجهد العلمي المبذول في دراسة النظريات العامة على صعيد البحث النظري، و تكوين القواعد المشتركة في الحدود المسموح بها- يغني عن بذل جهد جديد في تطبيق هذه النظريات العامة على مواردها الخاصة، اذ من الواضح أن المجتهد كما أنه بحاجة- في دراسة النظريات العامة في الأصول، و تكوين القواعد المشتركة المحددة- إلى التفكير، و بذلك الجهد العلمي المتعب خلال سنين متمادية، كذلك أنه بحاجة في تطبيق تلك النظريات العامة و القواعد المشتركة على عناصرها الخاصة إلى دراسة جوانب التطبيق، و ممارستها، و ما يرتبط به من القرائن و الامارات العرفية، و المناسبات الارتكازية في كل مسألة بلحاظ طبيعة تلك المسألة و أرضية موردها. بل نقصد بذلك أن الذهنية الأصولية النظرية ترتبط بالذهنية الفقهية التطبيقية في تمام المراتب فإذا بلغت الذهنية الأصولية درجة أكبر عمقاً، و أكثر دقة انعكست تماماً في الذهنية الفقهية و تطلبت في مجال التطبيق دقة أكثر، و عمقاً أكبر. و نظير ذلك عم الطب حيث يبحث فيه عن النظريات العامة، و تكوين القواعد المشتركة على صعيد البحث النظري، و في مجال تطبيق تلك النظريات العامة على المريض يدرس الطبيب حالاته و مشاكله الداخلية، و الخارجية التي يمكن أن يكون مرضه مرتبطاً بها. و في خلال التطبيق يصادف العثور على مشاكل جديدة و عوامل أخرى بصورة مستمرة و لا يتمكن معالجة المريض الناجم مرضه من المشاكل و العوامل المزبورة الا بدراستها على أساس أن ما لديه من النظريات العامة لا ينطبق على المريض المذكور بلحاظ طبيعة مرضه. و من الطبيعي أن هذه المشاكل الجديدة و العوامل الأخرى تدفع النظريات الطبية العامة خطوة إلى الامام دقة و عمقاً، و أكثر استيعاباً، لحل تلك المشاكل و العوامل الجديدة. و من هنا تتطور النظريات الطبية العامة، و تتوسع و تتعمق عصراً بعد عصر بشكل مستمر، و من البديهي أنه كلما تطورت تلك النظريات، و توسعت دراستها و تعمقت بدقة أكبر، و بالتفات أوسع، و باستيعاب أكمل تطلبت في مجال التطبيق دراسة حالات المرضى أكثر دقة، و أكبر عمقاً، و أوسع التفاتاً و أكمل‌

22

استيعاباً، و متى كانت النظريات الطبية نظريات بسيطة بدائية تطلبت في مجال التطبيق دراسة حال المرضى بنفس تلك البساطة و المستوى، و لذا كان الطبيب في الأزمنة السابقة و القرون المتقدمة يكتفي في مجال التطبيق برؤية لسان المريض أو إحصاء نبضه أو ما شاكل ذلك.

اختلاف المجتهدين في الفتاوي

يقع الخلاف بينهم في مرحلتين: المرحلة الأولى: في تكوين النظريات العامة، و القواعد المشتركة للتفكير الفقهي. المرحلة الثانية: في مجال تطبيق تلك القواعد، و النظريات العامة على صغرياتها، و مواردها الخاصة. أما المرحلة الأولى: فمنشأ الاختلاف في هذه المرحلة انما هو الاختلاف في نتائج الأفكار التي تستعمل في تكوين تلك القواعد، و النظريات العامة و تحديدها في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها العامة، فإن نتيجة التفكير حول حجية النصوص التشريعية تختلف بطبيعة الحال سعة و ضيقاً، كماً كيفاً، تبعاً لاختلاف شروطها العامة. و كذلك حول استفادة مداليل تلك النصوص على أساس المناسبات العرفية الارتكازية، و مطابقة تلك المداليل للواقع الموضوعي، و مستوى تلك القواعد و مداها دقة شمولًا. ثمّ أن ذلك الاختلاف الموجود في نتائج الأفكار بين المجتهدين في تحديد تلك القواعد، و النظريات العامة في الأصول على صعيد البحث النظري يرجع في نهاية المطاف إلى إحدى النقاط التالية: الأولى: الموقف الشخصي لكل مجتهد ازاء تحديد تلك القواعد، و النظريات العامة، و تكوينها وفقاً لشروطها، فإنه قد يؤثر في موقفه الواقعي أمام هذه القواعد و النظريات، و يغيره عن وجهه الواقعي. الثانية: المقدرة الفكرية الذاتية، فإن لاختلاف المجتهدين في تلك المقدرة الفكرية أثراً كبيراً لاختلافهم في تحديد تلك القواعد و النظريات العامة و تكوينها بصيغة أكثر دقة، و عمقاً. الثالثة: المقدرة العلمية بصورة مسبقة، فإن لاختلاف المجتهدين في تلك المقدرة العلمية أثراً بارزاً في كيفية تكوين تلك القواعد، و النظريات العامة، تبعاً لشروطها. الرابعة: غفلة المجتهد خلال دراسة تلك القواعد، و ممارستها عما يفرض دخله في تكوينها، أو عدم‌

23

استيعابه تمام ما يفرض دخله فيه، فإن ذلك يغير وجه تلك القواعد سعة و ضيقاً عن واقعها. الخامسة: اختلاف الظروف و البيئة التي يعيشه المجتهد فيها مدة من عمره، فإنه قد يؤثر في سلوكه العملي تجاه تكوين تلك القواعد، و تحديدها في اطار إسلامي. السادسة: خطاء المجتهد في الفهم و النظر، حيث أنه يغير وجه تكوين تلك القواعد، و النظريات العامة عن واقعها الموضوعي كماً و كيفاً. و أما المرحلة الثانية: و هي مرحلة التطبيق- فيقع الخلاف بين المجتهدين في هذه المرحلة مع افتراض اتفاقهم في المرحلة الأولى، كما إذا افترض انهم متفقون على حجية كل نص يرويه ثقة أمين كقاعدة عامة، و لكن قد يقع الخطأ في مقام التطبيق فيبدو لبعض منهم وثاقة الراوي و أمانته في النقل في رواية، و بنى عليها حجيتها، و العمل على وفقها، رغم أنه في الواقع ليس بثقة و أمين، و بذلك يتغير موقفه أمام عملية الاجتهاد و الاستنباط عن موقف من أصاب الواقع، و علم بعدم وثاقته. و قد يبدو له: دلالة الأمر الوارد في مسألة مثلًا على الوجوب غافلًا عن وجود قرينة تعبر عن الاستحباب فيها، و قد يكون الأمر بالعكس. و قد يبدو له: عدم التعارض بين نصين فيجمع بينها بتقديم أحدهما على الآخر، لوجود مرجح دلالي رغم أن بينهما تعارضاً، و لا مرجح له في الواقع. و قد يبدو له تعارض بينهما، و في الواقع لا معارضة، و هكذا، فإن هذه الخلافات التي تقع بين المجتهدين على صعيد التطبيقات مع افتراض اتفاقهم على صعيد النظريات فأيضاً تنشأ من الاختلافات بينهم في النقاط الآنفة الذكر.

الأحكام الاجتهادية فيها مجموعة من الأخطاء

قد أصبح من المعقول أن توجد لدى كل من يمارس عملية الاجتهاد و الاستنباط مجموعة من الأخطاء و المخالفات لواقع التشريع الإسلامي، فإذن علينا أن نفصل الأحكام الإسلامية في واقع التشريع الإسلامي عن الأحكام الشرعية التي هي نتيجة اجتهادات المجتهدين و نظرياتهم، فإن الخلافات بين المجتهدين إنما هي واقعة في هذه المجموعة من الأحكام الشرعية التي هي ذات طابع اجتهادي، حيث أنها قد تطابق التشريع الواقعي في الإسلام، و قد تخالفه، لا في الأحكام الإسلامية التي هي ذات طابع واقعي في تشريعها.

24

و بكلمة أخرى: أن الأحكام الشرعية الإسلامية في واقعها الموضوعي ليست وليدة أنظار الإنسان و أفكاره المتخالفة بعضها مع بعضها الآخر، فإنها أحكام إلهية قد جاء بها النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) و هي ثابتة على أسس متينة، و أصول موضوعية، و مبادئ واقعية، و لا تتغير تلك الأحكام بتغير الأفكار، و الآراء و الأزمان. و أما الأحكام التي هي وليدة اجتهادات المجتهدين فهي بطبيعة الحال تختلف باختلاف الاجتهادات و الأنظار فقد تكون مطابقة لواقع التشريع الإسلامي، و قد تكون مخالفة له، و حيث أن الأحكام الإسلامية الواقعية موزعة في مجموع اجتهادات المجتهدين هنا و هناك فبطبيعة الحال تتفاوت نسبة التوزيع إلى المجموع بتفاوت الأبواب و المسائل.

بيان ذلك أن المسائل الموجودة في الموسوعات الفقهية، و الرسائل العملية على ثلاث أنواع:

النوع الأول: المسائل المتوفرة في أبواب المعاملات و بعض أبواب العبادات،

حيث أن نسبة الخلاف الموجود بين المجتهدين في مسائل تلك الأبواب أصغر حجماً من الخلاف الموجود بينهم في أكثر مسائل أبواب العبادات. أحدهما أن مسائل هذه الأبواب غالباً مسائل عقلائية يرجع في تعيين حدودها سعة و ضيقاً، و تحديد المواقف العملية فيها إلى طريقة العقلاء و العرف العام، إلا فيما اذا قام نص خاص من قبل الشرع على الخلاف. و لأجل ذلك: لا تحتاج عملية الاجتهاد فيها إلى أعمال مقدمات نظرية بدقة أكثر، و عمق أكبر. و الآخر: أن النصوص الواردة في جملة من مسائل تلك الأبواب، و بعض أبواب العبادات كانت نصوصاً واضحة في مختلف جهاتها فلا تقبل الشكوك و الأوهام بدرجة تؤدي إلى الخلاف بين المجتهدين كنصوص مسائل الأرث، أو ما شاكلها. و من الطبيعي أن نسبة الخطاء في مجموع آراء المجتهدين لواقع التشريع الإسلامي في مجموع مسائل هذه الأبواب أقل نسبة الخطاء في مجموع آرائهم لواقع التشريع الإسلامي في مجموع أبواب العبادات على حساب نسبة عدد الفتاوي.

25

النوع الثاني: المسائل المشهورة بين المجتهدين التي قلما يوجد الخلاف بينهم في تلك المسائل، على أساس وضوح مصادرها التشريعية

و عدم تطرق الشكوك و الأوهام فيها غالباً. و بطبيعة الحال: أن نسبة توزيع الأحكام الإسلامية الواقعية بين اجتهادات المجتهدين في مجموع تلك المسائل التي هي ذات طابع اتفاقي أكبر من نسبته بين اجتهاداتهم في مجموع المسائل الخلافية التي هي ذات طابع خلافي مع الحفاظ على النسبة.

النوع الثالث: المسائل الخلافية،

أما بملاك ورود نصوص متضاربة فيها، أو بملاك أنها من المسائل النظرية الغامضة، و على كلا التقديرين تتوقف عملية الاجتهاد فيها على أعمال مقدمات نظرية أكثر حدساً، و أكبر دقة، و لأجل ذلك يقع الخلاف في تلك المسائل بين المجتهدين على طول الخط. و من الواضح أن نسبة توزيع الأحكام الواقعية بين اجتهادات المجتهدين في مجموع هذه المسائل الخلافية أصغر حجماً من النسبة بين اجتهاداتهم في المسائل الاتفاقية على حساب عدد الفتاوي و الاجتهادات.

فالنتيجة في نهاية المطاف:

أن الأحكام الواقعية موزعة في مجموع الاجتهادات و الفتاوي للمجتهدين منذ عهد وجود عملية الاجتهاد لحد الآن غاية الأمر أن نسبة التوزيع تختلف باختلاف الأبواب و المسائل. و أما نسبة توزيع الأحكام الواقعية إلى مجموع اجتهادات كل مجتهد في كل عصر فهي بطبيعة الحال مختلفة، و لا يحتمل أن تكون النسبة في الجميع نسبة واحدة. نستخلص من ذلك كله: الحجر الأساسي لزاوية الفصل بين الأحكام التي تتمتع بطابع اجتهادي و الأحكام التي تتمتع بطابع واقعي. و هذا الفصل بين الفئتين من الأحكام الإسلامية لن يدع مجالًا، و لا يدع للشكوك و الريب حول الخلاف الواقعي بين المجتهدين في الأحكام الاجتهادي. و ما قيل: من التشكيك في هذا الخلاف، و أنه كيف يمكن تبريره رغم أن الدين الإسلامي واحد بتمام تشريعاته الموجودة في الكتاب و السنة فهو ناجم عن عدم فهم معنى عملية الاجتهاد و الاستنباط‌

26

أصلًا و عن أن هذا ليس اختلافاً في الأحكام الواقعية الإسلامية، و إنما هو اختلاف في الأحكام الاجتهادية التي هي، وليدة أفكار المجتهدين في اطار اسلامي، و هي قد تطابق الأحكام الواقعية و قد لا تطابق. و قد تقدم أن الاجتهاد مهما بلغ مداه من الصحة لا يملك مطابقته لواقع التشريع الإسلامي، و لكن مع ذلك طابع إسلامي لما عرفت من أن الاجتهاد من النصوص التشريعية للكتاب و السنة في الحدود المسموح بها شرعاً لا محالة يتمتع بطابع إسلامي. نعم يفترق هذا الطابع الإسلامي عن الطابع الإسلامي لواقع التشريع في نقطة و هي أنه في الأول ظاهري، و في الثاني واقعي، و لأجل ذلك يقع الخلاف فيه، دون الثاني. و من هنا يظهر بوضوح أن الاجتهاد ليس وليد أفكار المجتهد فحسب، و منعزلًا عن التشريع الإسلامي تمام الانعزال، و في زاوية أخرى مقابل زاوية التشريع، بل له حظ التشريع الإسلامي الظاهري. و أن شئت قلت: بعد ما عرفنا من أن الاجتهاد عنصر أساسي في الإسلامي في كل عصر فهو بذاته يتطلب الاختلاف بين المجتهدين فلا يمكن افتراض الاجتهاد في المسائل الفقهية و أعمال النظر و الرأي فيها بدون الاختلاف، فإنه خلف. و كذلك الحال في كافة العلوم النظرية: كعلم الفلسفة و علم الطب، و الهندسة، و ما شاكل ذلك.

نتائج هذه البحوث عدة نقاط

الأولى: أن عملية الاجتهاد و الاستنباط موجودة في عصر التشريع على طول الخط،

غاية الأمر أن هذه العملية ذلك العصر كانت عملية بسيطة و غير معقدة، و الممارس لها في ذلك غير ملتفت و واع إلى طبيعة القاعدة الأصولية و حدودها، و أهمية دورها في هذه العملية.

الثانية: أن عملية الاجتهاد في عصر الغيبة قد أصبحت عملية معقدة و صعبة فتواجهها الشكوك و الأوهام

من مختلف الجهات التي تنبع من الفصل الموجود بين هذا العصر و عصر التشريع، و قد عرفت أن الوصول إلى مرتبة الاجتهاد لا يمكن إلا بعد تقديم دراسات و دراسات حول تمام جوانب النصوص التشريعية و ممارستها على طوق السنين على الرغم من تقديم دراسات عدة علوم بصورة مسبقة.

الثالثة: أن الاجتهاد و التقليد عنصران أساسيان في الإسلام،

و ضروريان لتحديد المواقف العملية للانسان تجاه الشريعة- بحكم ضرورة تبعيته لها- على طول التاريخ.

27

الرابعة: أن علم الأصول ليس علماً مستحدثاً في زمن متأخر من علم الفقه،

بل هو موجود منذ ولادته، و مرتبط به ارتباط العلم النظري بالعلم التطبيقي و لا يمكن انفكاك الفقه عن الأصول على طول التاريخ و في تمام المراحل، فإن المتاخر إنما هو دراسة بذرة التفكير الأصولي منفصلة عن دراسة البحث الفقهي التطبيقي و تسمية هذه الدراسة بعلم الأصول، و أما البذرة فهي موجودة منذ تاريخ حدوث الفقه.

الخامسة: ان اختلاف المجتهدين في الفتاوى ينبع من الاختلاف بينهم في مرحلتين:

المرحلة الأولى: في تحديد النظريات العامة، و القواعد المشتركة في الأصول، و المرحلة الثانية في تطبيق تلك النظريات العامة و القواعد المشتركة على عناصرها الخاصة في الفقه، و قد عرفت مناشئ هذا الاختلاف بشكل موسع.

السادسة: أن نسبة توزيع الأحكام الواقعية إلى مجموع اجتهادات المجتهدين تختلف باختلاف الأبواب و المسائل

كما أنها تختلف باختلاف المجتهدين و ليست على نسبة واحدة في الجميع. هذا تمام ما أوردناه في هذه الرسالة بعونه تعالى و توفيقه و هو الموفق و المعين نحمده سبحانه و نشكره على ذلك. النجف الأشرف في 1983/ 10/ 10 م‌

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الثاني [في الأحكام]

أحكام التقليد‌

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الأحكام الموجودة في الشريعة الإسلامية المقدسة على قسمين:

الأول: ما يرجع إلى أصول الدين. و الثاني: ما يرجع إلى فروع الدين. أما ما يرجع إلى أصول الدين، فلا يكتفى فيه بالتقليد، و ذلك لأن المطلوب شرعاً في أصول الدين أن يحصل العلم و اليقين للمكلف بربه، و بنبيّه، و معاده، و دينه، و إمامه، فمورد التقليد ينحصر في فروع الدين من الحلال و الحرام، و نحوهما من الأحكام الشرعية الفرعية.

[أحكام التقليد]

(مسألة 1) في الشريعة الإسلامية أوامر و نواهٍ، يجب على المكلف أداؤها و امتثالها،

و لا وسيلة لمعرفة المكلف بأنه قد امتثل تلك الأوامر و النواهي، إلّا إذا كان في جميع أفعاله و تروكه مجتهداً، أو مقلداً، أو محتاطاً، هذا في غير الأحكام البديهية المسلَّمة في الشرع، كوجوب الصلاة و الصوم، و حرمة قتل النفس المحترمة و الزنى، و غيرها كالمسائل القطعية التي لا يتوقف العلم بها على جهد و درس، فإن هذا النوع من الأحكام لا اجتهاد فيه و لا تقليد و لا احتياط. و المراد بالاجتهاد هو استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها. و الاحتياط هو أن يأتي المكلف بكل شي‌ء يحتمل فيه الأمر و الوجوب و لا يحتمل تحريمه، و أن يترك كل شي‌ء يحتمل فيه النهي و التحريم و لا يحتمل فيه الوجوب بحالٍ. و الاحتياط على قسمين: لأنه تارة: يقتضي التكرار. و أخرى: لا يقتضيه. و مثال الأول: أن يجهل المكلف في بعض الحالات أن الواجب عليه صلاة القصر، أو صلاة التمام، فإذا أراد أن يحتاط تحتّم عليه أن يعيد الصلاة مرتين، قصراً تارة، و تماماً أخرى. و مثال الثاني: أن يجهل المكلف حكم الإقامة للصلاة، فلا يعلم هل هي واجبة أو مستحبة، فإذا أراد أن يحتاط أقام و صلى، و ليس في هذا القسم تكرار. و كلا قسمي الاحتياط جائز، و ان كان المكلف متمكناً من التعرف على الحكم الشرعي عن طريق الاجتهاد أو التقليد، لكن معرفة موارد الاحتياط تحتاج إلى اطلاع فقهي واسع، و هو متعسر على العوام، بالإضافة إلى تعذر الاحتياط أحياناً. و مثال ذلك أن ينذر شخص نذراً و ينهاه والده عنه، فهو يحتمل أن الوفاء بالنذر واجب لأنه نذر، و يحتمل أنه حرام رعاية لنهي الوالد، فلا يمكنه الاحتياط في هذه الحالة، فيتعين عليه الاجتهاد أو التقليد، للتعرف على الحكم الشرعي بصورة محددة.

32

(مسألة 2) التقليد هو العمل بقول المجتهد في الأحكام الشرعية

و لا يتحقق إلا بالعمل.

(مسألة 3) يتحقق البلوغ الشرعي في الأنثى إذا أكملت تسع سنوات هلالية، و في الذكر إذا أكمل خمس عشرة سنة هلالية.

و لكن لو نبت له الشعر الخشن في منطقة العانة، أو خرج منه المني في حالة النوم، أو اليقظة، قبل أن يكمل سن الخامسة عشرة كان بالغاً شرعاً.

(مسألة 4) يشترط في مرجع التقليد البلوغ، و العقل، و الإيمان،

بأن يكون إمامياً اثنا عشرياً، و الذكورة، و الاجتهاد، و العدالة، و هي عبارة عن الإتيان بالواجبات كلّها، و ترك المحرمات كذلك، و طهارة المولد.

(مسألة 5) إذا تعدّد المجتهدون الذين تتوفر فيهم شروط مرجع التقليد،

فإن كانوا متفقين في آرائهم و فتاويهم، فبإمكان المقلّد أن يرجع إلى أي واحد منهم، و إن كانوا مختلفين في الآراء و الفتاوى، وجب الرجوع إلى الأعلم منهم، و إن كانوا على مستوى واحد مقدرة و فضلًا وجب الأخذ بمن كان قوله مطابقاً للاحتياط إن أمكن، و إن لم يمكن الاحتياط تخير في الأخذ بقول أيّ واحد منهم.

(مسألة 6) يجب على المكلف الفحص و البحث عن الأعلم،

و في فترة الفحص و البحث يجب عليه أن يحتاط في أعماله و إن استلزم التكرار.

(مسألة 7) إذا قلد المكلفُ شخصاً بتخيّل أنه المجتهد الأعلم، ثمّ تبيَّن له أنه ليس بأعلم،

وجب عليه العدول عنه إلى المجتهد الأعلم.

(مسألة 8) إذا قلّد الأعلم، ثمّ أصبح المجتهد الفلاني أعلم منه،

وجب عليه العدول من السابق إلى اللاحق، و كذلك لو مات مرجع التقليد، و وجد الأعلم من بين الأحياء، وجب عليه العدول إليه.

33

(مسألة 9) يجب على المقلّد الرجوع إلى الأعلم من الأحياء في بقائه على تقليد الميت.

(مسألة 10) إذا قلّد مجتهداً فمات،

فإن كان أعلم من الأحياء وجب البقاء على تقليده مطلقاً، أي من دون فرق بين ما تعلّمه من فتاوى المرجع و ما لم يتعلّمه، و ما عمل به و ما لم يعمل به، و إن كان الحي أعلم وجب العدول إليه.

(مسألة 11) يجوز تقليد الميت ابتداءً شريطة إحراز أنه يفوق الأحياء و الأموات جميعاً في العلم،

بأن يكون أعلم من الجميع بأحكام الشريعة.

(مسألة 12) تثبت عدالة المرجع بأمور:

الأول: العلم الحاصل بالاختبار و الممارسة. الثاني: أن يشهد بعدالته شخصان عادلان، و تسمى شهادة العادلين بالبيّنة. الثالث: أن يشهد بعدالته شخص معروف بصدق اللهجة، و التحرج عن الكذب، حتى لو لم يكن عادلًا و ملتزماً دينياً في كل سلوكه، و هو المسمّى بالثقة. الرابع: حسن الظاهر، و المراد به حسن المعاشرة و السلوك الديني بين الناس، بمعنى أن يكون معروفاً عندهم بالاستقامة، و الصلاح، و التدين.

(مسألة 13) يثبت الاجتهاد و الأعلمية بالعلم الوجداني،

كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة و علم باجتهاد مجتهد أو أعلميته، و كذلك يثبت بالشياع المفيد للاطمئنان، و بالبينة، و بخبر الثقة، و يعتبر في البينة و في خبر الثقة هنا أن يكون المخبر من أهل الخبرة و الفضل القادرين على التقييم العلمي.

34

(مسألة 14) من ليس أهلًا للمرجعية في التقليد يحرم عليه الفتوى،

كما أن من ليس اهلًا للقضاء يحرم عليه القضاء، و لا يجوز الترافع اليه و لا الشهادة عنده، و المال المأخوذ بحكمه حرام و ان كان الاخذ محقاً. س: إذا كان المؤمن لا يتمكن من استنقاذ حقه إلّا بالترافع إلى الحاكم غير الشرعي فهل يجوز له ذلك ام لا؟ ج‍: في تلك الحالة فقط يجوز، و حينئذ إن كان الحق عيناً شخصية خارجية أخذها صاحبها، و ان كان مالًا في الذمة أي غير معيّن في الخارج فلا بد من أخذ الاذن من الحاكم الشرعي في قبضه. س: من هو الشخص المؤهل للقضاء الذي يحوز الترافع اليه؟ هو المجتهد الجامع للشرائط منها شرط الأعلمية، أو المنصوب من قبلهِ.

(مسألة 15) الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليد موكله

لا تقليد نفسه.

(مسألة 16) المأذون، و الوكيل عن المجتهد في التصرف في الأوقاف التي ليس لها متولٍ خاص ينعزل بمجرد موت المجتهد

و ينتهي دوره و عليه أن يرجع إلى مجتهد حي، و أما المنصوب من قبل المجتهد ولياً على الوقف أو على أموال القاصرين، بأن قال له المجتهد مثلًا: جعلتك وليّاً على هذا الوقف أو على مال هذا اليتيم، فتبقى هذه الولاية نافذة المفعول حتى بعد موت ذلك المجتهد.

(مسألة 17) إذا مارس العادل في لحظة ضعف أو هوى ذنباً زالت عنه العدالة،

فإذا ندم و تاب رجعت اليه العدالة ما دام طبع الطاعة و الانقياد للمولى عز و جل ثابتاً في نفسه.

(مسألة 18) الاحتياط المذكور في مسائل هذه الرسالة أن كان وجوبياً وجب على المكلّف أن يعمل به تبعاً لمقلّده،

و لا يجوز العدول فيه إلى مجتهد آخر، و إن كان استحبابياً فالمكلف مخيّر بين تركه و بين العمل به.

35

" [كتاب الطهارة]

أحكام الطهارة

[في المياه]

الأول: الماء المطلق،

و هو ما يصح استعمال لفظ الماء فيه بلا مضاف إليه، كالماء الذي يكون في البحر، أو النهر، أو أنابيب الإسالة، أو غير ذلك، فانه يصح أن يقال له ماء بلا إضافة.

الثاني: الماء المضاف،

و هو ما لا يصح استعمال لفظ الماء فيه بلا مضاف إليه، كماء الرمان، و ماء الورد. فانه لا يصح أن يقال له ماء بلا إضافة، بل يقال له ماء الرمان، أو ماء الورد. و ينقسم الماء المطلق إلى قسمين: الأول: الماء الكثير، أو المعتصم، و نطلق هذا الاسم على كل ماء له مادة تمدّه بالماء، كماء البئر النابع، و ماء الأنهار، و الماء الموجود في أنابيب الإسالة، و ماء المطر حين نزوله من السماء، فإن كل ماءٍ من هذا القبيل يعتبر ماءً كثيراً. و كذلك يطلق هذا الاسم على الماء الراكد الذي ليس له مادة في الأرض، و لا في السماء إذا بلغ كراً أو أكثر، و مقدار الكرّ وزنا ثلاثمائة و تسعة و تسعون كيلواً تقريباً، و مقداره في المساحة ما بلغ مكسّره اثنين و أربعين و سبعة أثمان شبر اعتيادي. الثاني: الماء القليل أو غيرُ المعتصم، و هو غير الماء الكثير، و نعني به الماء الذي لا مادة له، و لا يبلغ مقداره الكر، و ليس مطراً.

حكم الماء القليل و الكثير

الماء القليل و الكثير طاهران، مطهَّران من الحدث و الخبث، غيرَ أنهما يختلفان في تأثرهما بالنجاسة، فالماء الكثير لا يتأثر، و لا يتنجس بملاقاة النجس، فضلًا عن المتنجس، فلو أصابه بول، أو دم، أو غيرهما من الأعيان النجسة، يبقى طاهراً، إلّا إذا تغير لونه بلون النجاسة، أو طعمه، أو ريحه، فإذا تغيَّر حُكم بنجاسته. و أمّا الماء القليل فيتأثر، و ينجس بمجرد أن يلاقي العين النجسة، أما إذا لاقى الشي‌ء المتنجس الخالي عن العين النجسة فلا ينجس، و ان كان الأحوط استحباباً الاجتناب عنه.

36

(مسألة 19) إذا تنجس الماء الكثير بالتغير بعين النجاسة، أمكن تطهيره،

بأن يفتح عليه ماء الإسالة إلى أن يزول تغيّره، و يطهر بعد ذلك بمجرد اتصاله به.

(مسألة 20) إذا تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة، أمكن تطهيره،

بان يفتح عليه ماء الإسالة، فيطهر بمجرد اتصاله به، و في نفس اللحظة، بدون حاجة للانتظار إلى أن ينتشر ماء الحنفية في كل جوانب الماء.

حكم الماء المضاف

الماء المضاف لا يرفع الخبث و لا الحدث، و ينجس القليل و الكثير منه بمجرد ملاقاة النجاسة، و إذا تنجس لا يطهر أبداً و إن اتصل بالماء الكثير.

37

" أحكام التخلي"

يجب حال التخلي، بل في سائر الأحوال ستر بشرة العورة عن كل ناظر مميّز، عدا الزوج و الزوجة، فإنه يجوز لكل منهما أن ينظر إلى عورة الآخر.

(مسألة 21) العورة في الرجل هي القبل و الدبر و البيضتان،

و في المرأة تمام بدنها حتى الوجه و الكفين على الأحوط وجوباً.

(مسألة 22) يحرم على المتخلي استقبال القبلة، و استدبارها حال التخلي

على الأحوط وجوباً.

(مسألة 23) لو اشتبهت القبلة لم يجز له التخلي على الأحوط وجوباً،

إلا بعد اليأس عن معرفتها، و عدم امكان الانتظار.

(مسألة 24) يجب غسل موضع البول بالماء القليل مرّتين على الأحوط وجوباً،

و في الغسل بغير القليل أي بالكثير يجزئ مرة واحدة. و لا يجزئ غير الماء، و أما موضع الغائط فإن تعدَّى فتحة المخرج وجب غسله بالماء، و ان لم يتعدّ المخرج تخيَّر بين غسله بالماء، و بين مسحه بالأحجار، أو الخرق، أو نحوهما من الأجسام القالعة للنجاسة، و الماء أفضل.

(مسألة 25) كيفية الاستبراء من البول: أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثاً،

ثمّ من أصل القضيب إلى رأس الحشفة ثلاثا، ثمّ ينتر الحشفة ثلاثاً، و فائدة الاستبراء هو طهارة البلل الخارج بعده إذا احتمل أنه بول.

(مسألة 26) إذا بال و لم يستبرئ، ثمّ خرج منه بلل مشتبه بالبول،

يبنى على كونه بولًا، فيجب التطهير منه، و الوضوء.

38

(مسألة 27) لا استبراء للنساء،

و البلل المشتبه الخارج منهنّ طاهر، و لا يجب له الوضوء.

[في الوضوء]

كيفية الوضوء

الوضوء عبارة عن غسل الوجه، و اليدين، و المسح على مقدّم الرأس، و على القدمين، و كيفيته هي أن تغسل وجهك بماء مطلق طاهر، ابتداءً من منابت الشعر في أعلى الجبهة إلى نهاية الذقن، ثمّ تغسل يدك اليمنى ابتداءً من المرفق إلى أطراف الأصابع، ثمّ تغسل يدك اليسرى كذلك، ثمّ تمسح برطوبة باطن كفك الأيمن على مقدم رأسك، ثمّ تمسح على ظاهر قدمك اليمنى، من أطراف الأصابع إلى نهاية القدم) الكعب (، ثمّ تمسح برطوبة باطن يدك اليسرى على ظاهر قدمك اليسرى كذلك.

(مسألة 28) بعد إكمال غسل اليد اليسرى لا يصح أخذ ماء جديد لمسح الرأس و القدمين،

بل لا بد من مسحهما بالرطوبة الناشئة من غسل اليد اليسرى باليمنى.

(مسألة 29) يشترط في المسح أن لا يكون على مقدم الرأس و ظاهر القدمين بلل ظاهر.

شرائط الوضوء

1) أن يكون الماء مطلقاً، فلا يصح الوضوء بالماء المضاف. 2) أن يكون الماء طاهراً، فلا يصح الوضوء بالماء النجس. 3) أن يكون الماء مباحاً، فلا يصح الوضوء بماء الغير بدون إذنه. 4) إباحة الفضاء بالنسبة إلى مسح الرأس و القدمين، فإنه لا بدّ أن يكون في فضاء مباح، و لا تشترط إباحة الفضاء بالنسبة إلى غسل الوجه و اليدين، فلو غسل المكلف وجهه و يديه في مكان مغصوب، و مسح رأسه و قدميه في مكان مجاور مباح صح وضوؤه. 5) طهارة أعضاء الوضوء، بمعنى أن يكون كل عضو طاهراً حين غسله، أو مسحه. 6) عدم المانع من استعمال الماء لمرض، بمعنى أن يكون المتوضئ في حالة صحية على نحو لا يضر به الوضوء ضرراً خطيراً، فإذا كان الوضوء يضر به ضرراً خطيراً وجب عليه التيمم،

39

و لو عصى و توضأ بطل وضوؤه. و إذا كان الوضوء لا يضر به ضرراً خطيراً لم يحرم عليه، فإذا توضأ و الحال هذه صحَّ وضوؤه. 7) النيّة، بأن يكون الداعي إلى الوضوء و الباعث نحوه مرضاة الله تعالى و من أجله. 8) المباشرة، بمعنى أن يزاول و يمارس المتوضئ بنفسه أفعال الوضوء بالكامل، و لا يجوز له أن يستنيب غيره في شي‌ء من ذلك، إلّا مع العجز و الاضطرار، فإذا أضطر المكلّف إلى أن يوضّئه غيره لمرض و نحوه، وجب أن ينوي هو، ثمّ يغسل ذلك الغير وجهه و يديه، ثمّ يمسح رأسه و قدميه بكف المريض نفسه. 9) الموالاة، و هي التتابع في الغسل و المسح. 10) الترتيب بين الأعضاء بتقديم الوجه، ثمّ اليد اليمنى، ثمّ اليسرى، ثمّ مسح الرأس، ثمّ مسح الرجل اليمنى، ثمّ اليسرى.

وضوء الجبيرة

الجبيرة هي ما يوضع على العضو الكسير، و يطلق الفقهاء لفظ الجبيرة أيضاً على الخرقة التي تعصب بها الجروح و القروح.

(مسألة 30) العضو الكسير أو الجريح إذا كانت عليه جبيرة أو عصابة،

فعلى المكلف أن يتوضأ وضوء الجبيرة إذا توفرت الشروط التالية: أولًا: أن يكون العضو الكسير أو الجريح من أعضاء الوضوء ( (الوجه و اليدان و الرأس و القدمان)). ثانياً: إن يتضرر باستعمال الماء. ثالثاً: إن لا تكون الجبيرة أو العصابة نجسة بأن تكون طاهرة و لو ظاهرها و لا تضر نجاسة ما هو داخل الجبيرة أو العصابة. رابعاً: أن لا تزيد الجبيرة أو العصابة على الحد المألوف و المعروف كما و حجماً، و العادة جارية بأن تكون العصابة أو الجبيرة أوسع من موضع الإصابة بقدر ما، فإذا تجاوزت ذلك و أشغلت حيّزا أكبر مما هو مألوف لم يكف المسح عليها بل يجب تصغيرها إن أمكن، و ان‌

40

لم يمكن تصغيرها فوظيفته التيمم إذا لم تكن الجبيرة في أعضاء التيمم، و أما إذا كانت في أعضائه التيمم فيجب الجمع بين التيمم و بين وضوء الجبيرة. خامساً: أن تكون مباحة، فلا يجوز المسح على الجبيرة أو العصابة المغصوبة فإذا توفرت هذه الشروط وجب على المكلف وضوء الجبيرة.

(مسألة 31) إذا كان العضو الجريح أو الكسير من غير أعضاء الوضوء،

فان كان هذا العضو يتضرر بغسل أعضاء الوضوء لكونه قريباً منها وجب على المريض التيمم بدلًا عن الوضوء، و ان لم يكن يتضرر به فوظيفته الوضوء بالطريقة الاعتيادية.

(مسألة 32) إذا كانت الإصابة الجرح أو الكسر أو القرح في أحد أعضاء الوضوء و كان الموضع طاهراً و مكشوفاً و بالامكان غسله بدون ضرر،

وجب على المريض الوضوء بالطريقة الاعتيادية.

(مسألة 33) إذا كانت الجبيرة في أحد أعضاء الوضوء و كان العضو طاهراً، و لكن لا يتيسر حلّها و لا يتسرب الماء إلى العضو بدون حلّها

ففي هذه الحالة يجب على المريض التيمم إذا لم تكن الجبيرة في مواضع التيمم و هي الجبهة و الكفان، و ان كانت في مواضع التيمم فوظيفته الجمع بين التيمم و بين وضوء الجبيرة.

(مسألة 34) إذا كانت الجبيرة في أحد أعضاء الوضوء و كان بالامكان حلُّها عن ذلك العضو

و إتمام الوضوء بدون ضرر و لكن المشكلة هي أن العضو نجس بسبب الدم و القيح مثلًا و لا يمكن تطهيره، فالحكم هنا هو التيمم سواء أ كان الموضع المتنجس من مواضع التيمم أم لا.

(مسألة 35) الدواء الذي لطخ به موضع من أعضاء الوضوء للتداوي يجري عليه حكم الجبيرة

فيمكن للمكلف أن يتوضأ و يمسح عليه، و إما الحاجب و المانع الذي يلصق بالبشرة كالقير و الصبغ و نحوهما، فان أمكن رفعه وجب و ان لم يمكن رفعه وجب التيمم بدلًا عن الوضوء إذا لم يكن الحاجب في مواضع التيمم،

41

و ان كان في مواضعه وجب الجمع بين الوضوء و التيمم.

(مسألة 36) العصابة التي يعصب بها العضو لألم أو ورم لا تشمله أحكام الجبيرة

الموضوعة على الجرح أو الكسر، فلا يجزي المسح على العصابة التي عصب بها العضو لألم أو ورم، بل يجب الوضوء الاعتيادي إذا لم يكن غسل العضو ضررياً، و إما إذا كان يتضرر بغسله فالواجب عليه هو التيمم.

(مسألة 37) في كل مورد يشك في أن وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمم، فالاحوط وجوباً الجمع بينهما.

(مسألة 38) إذا كانت الجبيرة على العضو الماسح، مسح ببلَّتها.

نواقض الوضوء

النقض لغة: الإبطال و الهدم، و ناقض الوضوء عند الفقهاء ما يبطل الوضوء و يزيل الطهارة، و يسمى كل واحد من نواقض الوضوء بالحدث.

و نواقض الوضوء خمسة:

الأول: خروج البول،

أما خروج المذي أو الوذي أو الودي فإنه لا ينقض الوضوء، كما أنه لا ينجس الموضع الذي يلاقيه، فلا يجب التطهير منه. و المذي سائل شفاف لزج يخرج من الذكر بملاعبة النساء، أو التفكير بالجماع. و الوذي سائل أبيض يخرج بعد خروج المني. و الودي سائل أبيض يخرج بعد خروج البول.

الثاني: خروج الغائط.

الثالث: خروج الريح من الدبر.

الرابع: النوم المستغرق الذي لا يبقى معه سمع، و لا بصر، و لا إدراك.

و مثل النوم في نقضه للوضوء الجنون، و السكر، و الإغماء على الأحوط وجوباً.

42

الخامس: استحاضة المرأة

على تفصيل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

حكم المبطون و المسلوس

من استمر به الحدث كالمبطون: و هو الذي لا يستمسك معه الغائط، و المسلوس: و هو الذي لا يستمسك معه البول، له حالات ثلاث: الأولى: أن تكون له فترة تسع الوضوء و الصلاة الاختيارية، و حكمه وجوب انتظار تلك الفترة، و الوضوء و الصلاة فيها. الثانية: أن لا تكون له فترة أصلًا، أو تكون له فترة يسيرة، لا تسع الطهارة و بعض الصلاة، ففي هذه الحالة يتوضأ، و يصلي، و لا ينتقض وضوؤه بما يخرج منه قهراً. الثالثة: أن تكون له فترة تسع الطهارة و بعض الصلاة، ففي هذه الحالة يجب عليه الوضوء، و الصلاة في تلك الفترة، و لا يجب عليه إعادة الوضوء إذا فاجأه الحدث أثناء الصلاة.

حكم المحدث

لا يجوز للمحدث مسُّ كتابةِ القرآن الكريم، حتى الحرف الواحد منه، بل حتى الحركة و السكون، لا بيده، و لا بشي‌ء من جسمه و شعره، و كذا لا يجوز له مسّ اسم الجلالة، و سائر أسمائه، و صفاته على الأحوط وجوباً، و الأولى إلحاق أسماء الأنبياء، و الأوصياء، و سيدة النساء (صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين )به.

الغسل

الغسل على قسمين: ارتماسي و ترتيبي.

و يتحقق الغسل الارتماسي برمس جميع البدن في الماء، بحيث يستوعب تمام أجزاء البدن، و يغمرها بالكامل، و إذا كان الشعر كثيفاً يفرَّقه بالتخليل، حتى يعلم بوصول الماء إلى الكل عند ارتماسه في الماء، و يرفع قدمه عن الأرض إن كانت موضوعة عليها. و يتحقق الغسل الترتيبي بغسل الرأس و الرقبة أولًا، ثمّ بقية البدن، و الأحوط الأولى أن يغسل أولًا تمام الجانب الأيمن، ثمّ تمام الجانب الأيسر.

43

(مسألة 39) يشترط في الغسل ما يشترط في الوضوء،

من النية، و طهارة الماء، و إباحته، و إطلاقه، و طهارة أعضاء الجسد، و عدم وجود مانع من استعمال الماء، كالمرض، و أن يباشر المغتسل غسله بنفسه إن أمكنه، و لا يشترط هنا أن يكون الغسل من الأعلى إلى الأسفل، و كذا لا تشترط الموالاة، و هذا بخلاف الوضوء، فقد تقدم أنه يشترط فيه الغسل من الأعلى إلى الأسفل، و الموالاة.

(مسألة 40) النية في الغسل الارتماسي لا بد أن تبدأ بابتداء عملية الارتماس،

و لا يكفي أن تكون عند تغطية تمام البدن بالماء، فإذا أراد الغسل و هو في الماء، فلا بد أولًا أن يخرج شيئاً من بدنه، ثمّ يرتمس في الماء بقصد الغسل.

(مسألة 41) الغسل الترتيبي أفضل من الغسل الارتماسي.

44

(مسألة 42) يجب الغسل بعدة أسباب

هي: 1. الجنابة. 2. الحيض. 3. الاستحاضة. 4. النفاس. 5. الموت. 6. مس الميت.

1- الجنابة:

تتحقق الجنابة بأمرين:

الأول: خروج المنيِّ،

فإنه موجب للغسل شرعاً، سواء كان خروجه بالاختيار أم بغير الاختيار، في حال اليقظة أم في حال النوم، قليلًا كان أم كثيراً، بالجماع أو بغيره.

(مسألة 43) قد يخرج من الرجل ماء يشك في أنه منّي أو غير منّي،

ففي هذا الفرض لا بد من الرجوع إلى ثلاثة أوصاف، و هي: 1- الخروج مع اللذّة. 2- الدفق: أي الخروج بشدة. 3- فتور الجسم: أي حالة الاسترخاء بعد خروجه. فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الثلاثة في السائل المشكوك كان حكمه حكم المنيّ، و إذا انتفى وصف واحد منها، مع سلامة الجسم من المرض، فلا يترتب عليه آثار المني.

(مسألة 44) إذا خرج من الرجل مني، و اغتسل من الجنابة، و بعد الغسل رأى رطوبة

لا يعلم هل هي من بقيّة المني السابق قد بقيت في المجرى، أو هي سائل طاهر؟ ففي مثل هذا الفرض إن كان قد بال قبل أن يغتسل فلا شي‌ء عليه، و ان لم يكن قد بال فالرطوبة بحكم المني، و يجب عليه إعادة الغسل.

45

(مسألة 45) المرأة إذا خرج الماء منها بسبب حالة شهوة و تهيّج جنسي وجب عليها ان تغتسل،

و إن كانت محدثة بالأصغر قبل الغسل وجب عليها الجمع بين الوضوء و الغسل، و إذا خرج الماء منها من دون شهوة و تهيّج، لم يجب عليها الغسل، حتى لو كان خروج الماء منها في وقت مداعبة الزوج لها. قد تسأل: هل إن مجرد خروج السائل من المرأة بشهوة بسبب مداعبة الرجل لها أو بسبب التفكير الجنسي يكون موجباً للجنابة أم لا؟ و الجواب: إن ذلك لا يكون موجباً للجنابة و لا يجب عليها الغسل إلّا إذا حصلت بعد خروجه حالة الاسترخاء و فتور الجسد.

الثاني: الجماع

و لو لم ينزل المني، و يتحقق بدخول الحشفة في قُبل المرأة، و أما دخولها في دبرها، أو دبر الذكر، أو البهيمة، فهو يوجب الغسل على الأحوط وجوباً، و إذا كان محدثاً بالأصغر قبل ذلك فالأحوط وجوباً ضم الوضوء إلى الغسل أيضاً.

(مسألة 46) إدخال بعض الحشفة يوجب الغسل على الأحوط وجوباً.

يحرم على الجنب أمور:

1. مسّ كتابة القرآن الكريم. 2. مسّ أسماء الله تعالى و صفاته على الأحوط وجوباً. 3. التواجد في المسجدين الحرمين: المسجد الحرام، و مسجد النبي، فإنهما محرمان على الجنب، و لا يسمح له بالمكث فيهما، و لا المرور و الاجتياز أيضاً. 4. التواجد في غير الحرمين من المساجد، فإنه حرام على الجنب، و يستثنى من ذلك حالتان: الأولى: أن يكون للمسجد بابان فيجتاز الجنب المسجد بان يدخل من باب و يخرج من الباب الآخر مباشرة بدون مكث. الثانية: أن يدخل إلى المساجد لأخذ شي‌ء منها، كما لو كان له متاع، أو كتاب في المسجد، فيدخل، و يأخذه، و يخرج بدون مكث، و لا يجوز له وضع شي‌ء فيها حال الاجتياز، و لا من خارجها، و الأحوط وجوباً إلحاق المشاهد المشرفة بالمساجد في الأحكام المذكورة دون الأروِقةَ.

46

5. قراءة آية السجدة من سور العزائم و هي الم السجدة آية: 15، و حم السجدة آية: 27، و النجم آية: 63، و العلق آية: 19.

2- الحيض

دم الحيض له صفات تميزه، فهو غالباً يكون أحمر حارّاً، يخرج بدفق و حرقة، و لكي يكون الدم حيضاً شرعاً يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية: 1) أن تكون المرأة قد أكملت تسع سنين هلالية، و لم تتجاوز ستين سنة. 2) أن يكون الدم مستمراً خلال ثلاثة أيام، فلو لم يستمر الدم ثلاثة أيام لم يكن حيضاً. 3) أن لا يتجاوز الدم عشرة أيام، فإذا تجاوز عشرة أيام فلا يعتبر كله حيضاً، بل يعتبر بعضه حيضاً ( (يراجع لمعرفة التفاصيل الرسالة العلمية)). 4) أن تكون المرأة قد مرّت بها قبل ذلك فترة طهر و سلامة من دم الحيض، لا تقل عن عشرة أيام على الأحوط وجوباً، بمعنى أنها لو كانت قد حاضت و نقت من حيضها، ثمّ رأت دماً بعد تسعة أيام مثلًا لم يعتبر الدم الجديد حيضاً، لأن فترة الطهر بين حيضتين لا يمكن أن تكون أقصر من عشرة أيام.

(مسألة 47) المرأة الحامل إذا رأت الدم، و كانت واثقة و متأكدة بأنه من دم الحيض، عملت ما تعمله الحائض،

و إن لم تكن واثقة بذلك، فإن كان الدم في أيام العادة، و كان بصفة الحيض، اعتبرته حيضاً، و إن لم يكن في أيام العادة، و لا بصفة الحيض، اعتبرته استحاضة.

أحكام الحيض

يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب، و أيضاً يحرم عليها و على زوجها الاتصال بالجماع، و أما وطؤها دبراً فلا يجوز مطلقاً على الأحوط وجوباً، لا في حال الحيض و لا في حال الطهر، و أما الاستمتاع بالحائض بغير الوطء فلا بأس به.

47

(مسألة 48) لا يصح طلاق الحائض إذا كانت مدخولًا بها و لو دبراً،

و كان زوجها حاضراً، و أما إذا كان زوجها غائباً عنها، أو كانت حاملًا، أو غير مدخول بها، جاز طلاقها.

(مسألة 49) يجب على الحائض بعد النقاء من الدم قضاء ما فاتها من الصيام الواجب،

و لا يجب عليها قضاء الصلاة.

(مسألة 50) يستحب للحائض التحشي، و الوضوء في وقت كل صلاة واجبة،

و الجلوس في مكان طاهر مستقبلة القبلة، ذاكرة الله تعالى، و الأولى لها اختيار التسبيحات الأربع.

3- الاستحاضة

دم الاستحاضة في الغالب أصفر، بارد، رقيق، يخرج بلا حرقة، عكس دم الحيض، و لا يشترط فيه شي‌ء من شرائط الحيض المتقدمة، فقد تراه الأنثى قبل سن التاسعة، و بعد سن الستين، و بعد الحيض مباشرة، و لا حد لقليله و لا لكثيره، فقد يمكث يوماً أو بعض يوم، و قد يستمر شهراً أو أكثر.

(مسألة 51) يعتبر دم الاستحاضة حدثاً شرعاً،

و هو ناقض للطهارة، كما تقدمت الإشارة إليه في نواقض الوضوء، فإذا كانت المرأة على وضوء، و خرج منها دم الاستحاضة، و لو بمعونة القطنة بطل وضوؤها، و عليها أن تتطهر بالغسل، أو الوضوء على التفصيل الآتي.

(مسألة 52) الاستحاضة على ثلاثة أقسام:

قليلة، و متوسطة، و كثيرة. الاستحاضة القليلة: ما يكون الدم فيها قليلًا بحيث لا يغمس القطنة. الاستحاضة المتوسطة: ما يكون فيها الدم أكثر من ذلك بحيث يغمس القطنة و لا يسيل. الاستحاضة الكثيرة: ما يكون فيها الدم أكثر من ذلك، بحيث يغمس القطنة، و يسيل منها.

48

(مسألة 53) حكم المستحاضة بالاستحاضة القليلة تبديل القطنة، و تطهير ظاهر الفرج، و وجوب الوضوء لكل صلاة فريضة.

(مسألة 54) حكم المستحاضة بالاستحاضة المتوسطة تبديل القطنة، و تطهير ظاهر الفرج، و غسل واحد،

و الوضوء لكل صلاة، و الأقرب أن يكون الوضوء بعد الغسل، فإذا أصبحت المرأة مستحاضة بالاستحاضة المتوسطة قبل صلاة الفجر مثلًا وجب عليها أن تغسل لصلاة الصبح، ثمّ تتوضأ. فتصلي، ثمّ تبدل القطنة، و تتوضأ، و تصلي الظهرين، ثمّ تبدل القطنة، و تتوضأ، و تصلي العشاءين.

(مسألة 55) حكم المستحاضة بالاستحاضة الكثيرة تبديل القطنة، و الغسل لصلاة الصبح، و الغسل لصلاتي الظهرين

بشرط أن تجمع بينهما، و الغسل لصلاتي العشاءين كذلك.

(مسألة 56) لا يصح الصوم من المستحاضة بالاستحاضة الكثيرة

ما لم تكن مؤدية في النهار الذي تصوم فيه لغسل صلاة الصبح، و غسل الظهر و العصر، بل على الأحوط وجوباً أن تغتسل للمغرب و العشاء من الليلة التي تريد أن تصوم في نهارها، فإذا أرادت ان تصوم يوم الجمعة مثلًا، فلا يصح صومها إلّا إذا اغتسلت لصلاتي المغرب و العشاء من ليلة الجمعة، و اغتسلت لصلاة الصبح من نهار الجمعة، و اغتسلت لصلاتي الظهر و العصر منه.

(مسألة 57) صحة الصوم من المستحاضة بالاستحاضة القليلة و المتوسطة لا تتوقف على الوضوء أو الغسل.

(مسألة 58) إذا فعلت المستحاضة الكبرى أو الوسطى ما يجب عليها من غسل، جاز لزوجها أن يقاربها،

و لا يقاربها بدون ذلك.

49

(مسألة 59) يجوز للمرأة المستحاضة بأقسامها الثلاثة أن تدخل المساجد،

و تمكث فيها، و تقرأ سورة العزائم، و آيات السجدة منها، سواء أدت ما يجب عليها من غسل و وضوء أم لا.

(مسألة 60) لا يجوز للمستحاضة بأقسامها الثلاثة مسّ كتابة القرآن الكريم قبل الغسل و الوضوء،

و أنما يجوز بعدهما أثناء الصلاة فقط، و أما بعد الصلاة فلا يجوز أيضاً.

4- النفاس

النفاس هو الدم الذي يقذفه الرحم بسبب الولادة، و أقصى حد النفاس عشرة أيام من حين رؤية الدم، لا من تاريخ الولادة، و الأحوط وجوباً إذا كان الدم أقلّ من ثلاثة أيام أن تجمع المرأة بين أحكام النفساء و وظائف المستحاضة.

(مسألة 61) إذا استمر الدم بالنفساء و تجاوز عشرة أيام،

فإن كانت ذات عادة محددة في الحيض، كأن تكون عادتها سبعة أيام مثلًا اعتبرت السبعة أيام نفاساً، و الباقي استحاضة، و أما إذا لم تكن ذات عادة محددة و مضبوطة في الحيض، جعلت الأيام العشرة كلها نفاساً، و ما بعدها استحاضة.

(مسألة 62) حكم النفساء و الحائض واحد،

من تحريم مسّ القرآن الكريم، و قراءة آية السجدة من العزائم، و المكوث في المسجد، و الدخول فيه بغير قصد العبور، و الوطء، و عدم صحة الطلاق، و تترك الصلاة و الصيام ما دامت في نفاسها، و تقضي بعد ذلك الصيام دون الصلاة.

(مسألة 63) كيفية الغسل من النفاس، و الحيض، و الاستحاضة، تماماً كصورة الغسل من الجنابة،

إما ترتيبي، أو ارتماسي.

50

" أحكام الأموات"

إذا مات المسلم توجهت على الأحياء واجبات كفائية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، و إذا تركوها جميعاً كانوا آثمين و محاسبين. منها: توجيه المحتضر إلى القبلة، بأن يُلقى المحتضر على ظهره حين نزع الروح، و باطن قدميه إلى القبلة بحيث لو جلس لا ستقبل القبلة بوجهه. و الأحوط لزوماً وجوب ذلك على المحتضر نفسه إن أمكنه ذلك.

5- غسل الميت

(مسألة 64) يجب تغسيل الميت المسلم،

و كيفية تغسيله هي أن يغسل الميت ثلاث مرات، الأولى: بالماء مع قليل من السدر، و الثانية: بالماء مع قليل من الكافور، و الثالثة: بالماء الخالص دون أن يضاف إليه شي‌ء.

(مسألة 65) يجب أن يبدأ الغاسل بالرأس مع الرقبة،

ثمّ بالجانب الأيمن، ثمّ بالجانب الأيسر، و لا بد من نية القربة في كل غسل من الاغسال الثلاثة. و لا يجوز للغاسل أن ينظر إلى عورة الميت، أو يلامسها بيده حين الغسل.

(مسألة 66) يجب تحنيط الميت بعد تغسيله،

و التحنيط هو مسح الكافور براحة الكف على الأعضاء السبعة من الميت التي يسجد عليها المصلي، و هي الجبهة، و الكفان و الركبتان، و ابهاما الرجلين.

(مسألة 67) بعد أن يغسل الميت و يحنط، يجب تكفينه بثلاث قطع:

القطعة الأولى تسمى المئزر، يلف بها الميت من السرة إلى الركبة. و الثانية تسمى القميص، يلف بها الميت من أعلى الكتفين إلى نصف الساق. و الثالثة تسمى الإزار، يغطي البدن بالكامل من أعلى الرأس حتى نهاية القدم.

51

(مسألة 68) تجب الصلاة على كل ميت مسلم بعد غسله و تحنيطه و تكفينه،

و لا تجب على أطفال المسلمين إلا إذا بلغوا ستَّ سنين.

(مسألة 69) يشترط في الصلاة على الميت أمور:

1- أن توجد جثته، فلا يصلى على الغائب. 2- أن يوضع الميت مستلقياً على ظهره. 3- أن يستقبل المصلي القبلة، و يقف خلف الجنازة غير بعيد عنها، و رأس الميت إلى جهة يمين المصلي، و أن تكون الصلاة من قيام لا من قعود.

(مسألة 70) كيفية الصلاة على الميت كما يلي:

ينوي المصلي انه يصلي على الميت قربة إلى الله تعالى، و يكبر خمس تكبيرات بهذه الصورة: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أنّ مُحمداً عبده و رسوله. الله أكبر، اللهم صل على محمد و آل محمد. الله أكبر، اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات. الله أكبر، اللهم اغفر لهذا الميت. الله أكبر. ثمّ ينصرف.

(مسألة 71) يجب دفن كل ميت مسلم،

و كيفيته: بأن يدفن في حفرة من الأرض، تمنع عنه الطيور و الوحوش، و تكف رائحته و ضرره عن الناس، و يجب وضعه على الجانب الأيمن موجّهاً وجهه إلى القبلة.

52

(مسألة 72) السقط إذا كان مستوي الخلقة غسِّل، و حنِّط، و كفِّن،

و لم يصلَّ عليه، و ان كان دون أربعة أشهر، و ان لم يكن مستوي الخلقة لف بخرقة، و دفن على الأحوط وجوباً.

6- مسّ الميت

(مسألة 73) من مسّ ميتاً قبل أن يبرد جسمه و تذهب حرارته فلا غسل عليه،

أجل يتنجس نفس العضو و الجزء الذي لمس الميت إذا كان هو أو جسم الميت رطباً، و أيضاً من مسّ ميتاً مسلماً بعد تغسيله غسل الأموات فلا شي‌ء عليه، حتى و إن كان المس برطوبة. و من مسّ ميتاً بعد أن يبرد جسمهُ، و قبل أن يغسل غسل الأموات وجب عليه الغسل.

التيمم

يصح التيمم بدلًا عن الغسل أو الوضوء في مواضع،

و هي: 1- أن لا يوجد الماء في كل المساحة التي يقدر المكلف على الوصول إليها، و التحرك ضمنها، ما دام وقت الصلاة باقياً، أو كان الماء موجوداً لكن بمقدار لا يكفي للوضوء أو الغسل. 2- أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، و لكن الوصول إليه يستلزم مشقة شديدة و حرجاً، كما إذا كان الماء في موضع بعيد، أو كان الماء ملكاً لشخص، و لا يأذن بالتصرف فيه إلّا بالالتماس و التذلل له بما يكون محرجاً. أو أن الوصول إليه محفوف بالمخاطر. 3- أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، و لكنه ملك للغير، و هو لا يأذن بالتصرف فيه إلا بثمن مجحف يضر بحاله من الناحية المالية، أو أن الوصول إليه يتوقف على ارتكاب أمور محرَّمة، كما إذا كان الطريق إلى الماء مغصوباً. 4- أن يكون الماء موجوداً لكن الوقت لا يكفي للغسل و الصلاة معاً، أو للوضوء و الصلاة معاً، فحينئذٍ يجوز له أن يتيمم من أجل إدراك تمام الصلاة في الوقت. 5- أن يكون التوضّؤ أو الاغتسال للصلاة ممكناً، و لكنه مضر بالإنسان من الناحية الصحية. 6- إذا خاف العطش على نفسه، أو على شخص آخر يهُمه أمره، و لم يكن لديه من الماء ما يكفي لرفع العطش و الوضوء معاً.