بحوث في شرح العروة الوثقى - ج1

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
507 /
5

الجزء الأول

كتاب الطهارة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

فصل في المياه

الماء المطلق و المضاف

[المدخل]

(تعريف الماء المطلق و المضاف. طهارة الماء المطلق و مطهريته. طهارة الماء المضاف. عدم مطهريته من الحدث و الخبث. انفعاله بملاقاة النجاسة. صور الشك في الإطلاق و الإضافة. فروع و تطبيقات).

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

فصل (في المياه)

[تعريف الماء المطلق و المضاف]

الماء إما مطلق أو مضاف (1) كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء.

____________

(1) قسم المصنف- (قدس سره)- تبعا للفقهاء في بحث المياه عنوان الماء الى قسمين: مطلق و مضاف، حيث ان كلمة «إما» هنا للتقسيم و ليست للترديد، و لهذا لا بد من فرض قدر جامع يكون مقسما و جامعا بين المطلق و المضاف ليحصص الى هاتين الحصتين. و من هنا توهم في المقام أن لفظ الماء بنفسه موضوع لمعنى شامل للماء المطلق و المضاف، و استدل على ذلك بنفس صحة التقسيم، بدعوى أنها تكشف عن ان لفظ «الماء» يدل على سنخ معنى قابل للانقسام الى هاتين الحصتين، و هو مساوق مع فرض كونه موضوعا للجامع، فيكون إطلاق لفظ «الماء» على ماء الرمان إطلاقا حقيقيا. و هذا الاستدلال سنخ ما وقع في علم الأصول من الاستدلال في عدة موارد على عمومية المعنى بصحة التقسيم، فقد استدل بصحة تقسيم الأمر إلى الوجوب و الاستحباب على انه موضوع للأعم، و استدل الأعمى في بحث الصحيح و الأعم بصحة تقسيم الصلاة الى الصحيحة و الفاسدة على وضعها للأعم. و هكذا.

و في مقابل ذلك: ذهب المشهور الى ان لفظ «الماء» موضوع لخصوص المطلق، و أن إطلاقه على الماء المضاف مجاز، و لهذا يحتاج في مقام استعماله في الماء المضاف إلى قرينة، و هي إضافة الماء الى ما يبين المقصود‌

10

..........

____________

ففي قولنا «ماء الرمان» تكون كلمة الرمان هي القرينة على التجوز، ككلمة «يرمي» بالنسبة إلى «الأسد».

و هناك وجه ثالث يتراءى من بعض كلمات السيد الأستاذ- (دام ظله)- (1) و حاصله هو: أن كلمة «ماء الرمان» مثلا هي بنفسها موضوعة لهذه الحصة من المائع المعتصر من حبات الرمان، فاستعمال كلمة الماء في قولنا «ماء الرمان» في هذا المائع المعتصر يكون استعمالا حقيقيا لأنها موضوعة له، غاية الأمر إنها موضوعة على وجه التقييد. فالفرق بين المضاف و المطلق- مع ان لفظة الماء موضوعة لكل منهما- هو أن لفظة «الماء» بلا قيد موضوعة للمطلق، و مع قيد الرمان موضوعة لهذا المائع المخصوص.

فهذه وجوه ثلاثة، يتلخص أولها في تخيل دلالة التقسيم على ان لفظ الماء موضوع للمعنى الجامع بين المضاف و المطلق، بحيث يكون إطلاق لفظ الماء على المضاف حقيقيا. و يتلخص ثانيها في أن المطلق معنى حقيقي و المضاف معنى مجازي، و يحتاج استعمال اللفظ فيه الى نصب قرينة. و الوجه الثالث كأنه متوسط بين الوجهين، و هو أن لفظة الماء حقيقة في كل من المطلق و المضاف، لا أنه مجاز في المضاف كما هو الحال على الوجه الثّاني، و لكنها لا تكون حقيقة في كل منهما بلا قيد كما هو على الوجه الأول، بل هي بلا قيد موضوعة للمطلق و مع قيد الرمان مثلا موضوعة للمقيد.

و كل هذه الوجوه محل نظر في المقام:

أما الوجه الأول، فيرد عليه: أن صحة التقسيم متفرعة على أن المعنى الذي استعمل فيه لفظ المقسم من جملة التقسيم عام، و ليست متفرعة على عموم المعنى الموضوع له. و كون المعنى المستعمل فيه اللفظ عاما أحيانا‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 7.

11

..........

____________

لا يثبت عموم المعنى الموضوع له، لأن الاستعمال أعم من الحقيقة.

و تصوير معنى جامع يستعمل فيه لفظ الماء عند تقسيمه الى المطلق و المضاف لا ينافي كون أحدهما حقيقيا و الآخر مجازيا، إذ يمكن أن يتم ذلك إما بتقريب انتزاع عنوان جامع في طول المعنى الحقيقي و المعنى المجازي، كعنوان ما يطلق عليه اللفظ و يقسم الى المطلق و المضاف. و إما بتقريب: أن يكون الجامع معنى مجازيا في عرض المعنى المجازي الذي يراد تقسيم الجامع إليه، بأن يؤخذ عنوان المائع مثلا، لكن لا بعرضه العريض، بل بنحو من التضييق، فنستعمل لفظة الماء في طبيعي المائع المحدد و يقسم الى المطلق و المضاف.

و أما الوجه الثاني الذي ذهب اليه المشهور، فحاصله كما عرفنا: أن لفظ الماء له معنيان: حقيقي و هو الماء المطلق، و مجازي و هو الماء المضاف و في استعمال لفظ الماء في الماء المضاف نحتاج إلى ذكر المضاف اليه ليكون قرينة على الاستعمال المجازي. و هذا الكلام بحاجة الى تدقيق و توسيع.

و توضيح ذلك: أنه في باب استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له مجازا يكون مقوم المجازية هو المشابهة التي تصحح الاستعمال المجازي ثبوتا و هذه المشابهة تارة تكون قائمة بين المعنى الحقيقي للفظ و معنى آخر مستقل في نفسه، من قبيل ان نستعمل كلمة «القلب» في الصورة المرسومة على الورقة باعتبار وجود مشابهة بين هذه الصورة و قلب الإنسان. و هذا الاستعمال يكون صحيحا، سواء أقيمت قرينة على ذلك أو لا، فإن صحة الاستعمال المجازي متقومة بالمشابهة، و هي موجودة في المقام، فلا يستهجن هذا الاستعمال. غاية الأمر أنه في صورة عدم قيام القرينة لا يفهم المطلب لمن لا يكون ملتفتا الى النكات، لأنه يجري أصالة الحقيقة و يتخيل أن اللفظ استعمل في معناه الحقيقي، و لكن الإفهام و عدم الإفهام شي‌ء و كون الاستعمال المجازي في نفسه صحيحا شي‌ء آخر. هذا نحو من المجاز.

12

..........

____________

و أخرى، يكون التجوز بصورة أخرى، إذ قد نفرض أننا نستعمل كلمة «القلب» مجازا في شي‌ء لو خلينا نحن و هو فلا شباهة بينه و بين قلب الإنسان أصلا، و إنما الشباهة باعتبار الإضافة، كما نقول مثلا: «الصحن الشريف هو قلب النجف الأشرف». فنحن إذا لاحظنا الصحن الشريف بما هو لا نجد أي شباهة بينه و بين قلب الإنسان كتلك الشباهة التي كنا نجدها بين قلب الإنسان و الصورة المرسومة له على الورق. ففي هذه الحالة لو أردنا أن نستعمل كلمة «القلب» في الصحن الشريف من دون إضافة كان الاستعمال غلطا و لا يكون صحيحا لا حقيقة و لا مجازا، لعدم المشابهة بينهما، و انما يصبح الاستعمال بهذه الصورة صحيحا إذا استعملت كلمة «القلب» مضافة الى كلمة «البلد» فيقال مثلا: «الصحن قلب البلد»، فحينئذ يكون هذا الاستعمال استعمالا مجازيا صحيحا. و النكتة في ذلك هي: أن المشابهة هنا قائمة بالإضافة لا بذات المضاف بما هو، ففي قولنا: «الصحن قلب البلد» استعملنا كلمة «القلب» في شي‌ء تكون نسبته الى البلد كنسبة القلب الى بدن الإنسان، فالمشابهة هنا بين النسبتين لا بين ذات المعنيين المضافين بما هما معنيان اسميان قائمان بأنفسهما.

فبهذا نعرف: أن المجازية تحتاج دائما إلى المشابهة التي هي المصحح الثبوتي للتجوز، و هذه المشابهة تارة تكون قائمة بمعنى نفسي بحد ذاته، و أخرى تكون قائمة بالإضافة. فنحتاج في مقام تصحيح الاستعمال المجازي إلى الإضافة، فالإضافة في قولنا «قلب البلد» ليس من قبيل كلمة يرمى في قولنا «أسد يرمي»، فان كلمة يرمى ليست مقومة لصحة الاستعمال المجازي لكلمة أسد في الرجل الشجاع، بل هي قرينة على التجوز في مقام التفهيم، فلو لم تكن هذه الكلمة و استعمل لفظ الأسد في الرجل الشجاع بدونها لكان استعمالا مجازيا صحيحا، غاية الأمر ان المتكلم لم يفهم مقصوده. و أما‌

13

..........

____________

لو استعملت كلمة «القلب» في الصحن دون ان تلحظ الإضافة كان استعمالا غير صحيح، لأن المصحح للاستعمال المجازي هو المشابهة، و المشابهة قائمة بالإضافة، فما لم تلحظ اضافة الصحن الى البلد لا توجد مشابهة مصححة للاستعمال المجازي.

فاذا استطعنا أن نفرق بين هذين النحوين من المجازية نقول: إن كل ما نطلق عليه اسم الماء المضاف فهو مجاز بالنحو الثاني، بمعنى أنه واجد لملاك النحو الثاني من التجوز، و هو المشابهة بين الإضافتين. و قد يكون اضافة الى ذلك واجدا لملاك النحو الأول من التجوز، و هو المشابهة بين ذات الشيئين، و قد لا يكون واجدا لملاك النحو الأول أصلا، ففي قولنا «ماء الرمان» و «ماء الذهب» و «ماء الوجه» و «ماء الورد» يكون استعمال لفظ الماء مجازيا على أساس المشابهة بين اضافتين، فماء الرمان أو ماء الذهب يعني شيئا نسبته الى الرمان أو الى الذهب من حيث ان له ذوبانا كنسبة ماء العين الى العين، فهو من قبيل استعمال قلب البلد و ارادة الصحن به. و كلمة الرمان أو الذهب ليست مجرد قرينة على التجوز في مقام التفهيم ككلمة يرمي، بل هي مقومة للملاك المصحح للتجوز في هذه الاستعمالات و هو المشابهة بين الإضافتين و النسبتين، فبدون ذكر المضاف اليه لا يكون محط المشابهة ملحوظا.

و أما المشابهة بين ذات الشيئين فهذا كثيرا ما لا يكون متحققا، كما في «ماء الذهب» و «ماء الفضة» و «ماء الوجه» و نحو ذلك، و لهذا نجد ان استعمال كلمة الماء بدون إضافته إلى الذهب أو الفضة أو الوجه و ارادة ماء الذهب و ماء الفضة و ماء الوجه منها ليس استعمالا صحيحا أصلا و لو نصب المستعمل قرينة على مراده، لأن المشابهة قائمة بين الإضافتين لا بين الذاتين.

14

..........

____________

نعم في بعض أقسام المياه المضافة زائدا على المشابهة القائمة بين الإضافتين توجد مشابهة أخرى قائمة بنفس الذات بلا اضافة من قبيل ماء الرمان، فيصح عرفا إطلاق لفظ الماء عليه بلا قيد على سبيل التجوز، فيقال عنه «ماء» بلحاظ المشابهة في الميعان و الصفات بينه و بين الماء المطلق بينما لا يصح و لو مجازا إطلاق لفظ الماء من دون لحاظ الإضافة على ما انحصرت المشابهة فيه بالمشابهة في الإضافة. كما انه بالنسبة الى بعض أقسام الماء المجازي قد يكون التجوز بلحاظ المشابهة في نفسه، بحيث يكون مركزها نفس الذات لا الإضافة، فلا تصح فيه الإضافة. و ذلك كما في الماء المخلوط بمقدار من التراب بحيث يخرجه عن صدق اسم الماء المطلق عليه، فإنه لا يصح ان يقال له «ماء التراب» و ان كان إطلاق لفظ الماء عليه مجازا صحيحا بدون إضافة، لأن المشابهة المصححة للتجوز هنا بين الذاتين لا بين الإضافتين.

و بهذا ظهر أن الماء المجازي له ملاكان، و لكل منهما مركز غير مركز الآخر، و النسبة بينهما هي العموم من وجه. فأحد الملاكين هو المشابهة القائمة بين النسبتين و الإضافتين، و تكون اضافة كلمة الماء الى المعتصر منه و المأخوذ منه مصححة للاستعمال المجازي ثبوتا، لا أنها مجرد قرينة كاشفة إثباتا. و الملاك الآخر هو المشابهة بين الذاتين، من دون ان يكون للإضافة دخل في تتميم هذه المشابهة، و انما هي مجرد قرينة على المقصود. و يجتمع الملاكان في مثل «ماء الرمان» و «ماء الورد»، و يفترق الملاك الأول في مثل «ماء الذهب» و «ماء الوجه»، و يفترق الملاك الثاني في مثل الماء المخلوط بمقدار من التراب.

و كل ما نطلق عليه اسم الماء المضاف و نستعمل لفظ الماء فيه مضافا الى مصدره المأخوذ منه فهو جار وفق الملاك الأول، و كل ما يصح أن‌

15

..........

____________

نطلق عليه لفظ الماء المجرد عن الإضافة على سبيل التجوز فهو جار وفق الملاك الثاني، و ما كان جاريا وفق الملاك الأول كثيرا ما لا يصح إطلاق اسم الماء المجرد عليه و لو على سبيل التجوز فضلا عن ان يكون إطلاقا حقيقيا.

و على هذا الأساس نعرف أن المقصود من الماء المضاف الذي يقع الكلام فقهيا في شمول بعض أحكام الماء المطلق له و عدم الشمول ليس ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه مع الإضافة، إذ قد يصح إطلاق لفظ الماء مع الإضافة على شي‌ء مع عدم وجود أي مشابهة نفسية بينه و بين الماء المطلق و مثل هذا لا معنى للتكلم عن أسراء أحكام الماء المطلق اليه. بل المقصود من قسيم الماء المطلق الذي يقع الكلام فيه فقهيا ما يصح إطلاق لفظ الماء مجازا عليه بلا اضافة، بحيث تكون الإضافة مجرد قرينة على المعنى المجازي لا مقومة لملاك التجوز، فيشمل الماء المخلوط بالتراب، فإنه يصح إطلاق لفظ الماء المجرد عليه مجازا مع انه لا يطلق عليه الماء المضاف، فلا يقال «ماء التراب» و لا يشمل «ماء الذهب» مثلا، لأنه لا يصح إطلاق لفظ الماء المجرد عليه و لو مجازا، بالرغم من كونه ماء مضافا، بمعنى صحة إطلاق لفظ الماء عليه مع الإضافة. فالنسبة بين الماء المقابل للماء المطلق الذي يقع الكلام فقهيا في شمول أحكام المطلق له، و بين الماء المضاف هي العموم من وجه، و اضافة كلمة الماء الى المصدر المأخوذ منه الشي‌ء هي في استعمالات الماء المضاف دخيلة في تتميم ملاك الاستعمال المجازي و تصحيحه ثبوتا و ليست مجرد قرينة عليه إثباتا، كما هو الحال في كلمة «يرمى» في قولنا: «رأيت أسدا يرمى».

و أما الوجه الثالث: و حاصله ان إطلاق لفظ «الماء» على ماء الرمان ان كان بلا إضافة الى الرمان فهو مجاز، و إذا كان معها فهو إطلاق حقيقي، لأن كلمة «الماء» بما هي مضافة تدل حقيقة على ماء الرمان، فإن أريد‌

16

..........

____________

بهذا دعوى كبرى كلية في باب المجاز و الحقيقة، و هي أن كل لفظ له وضع لمعناه المجازي و لكنه وضع نوعي، و بذلك يختلف عن المعنى الحقيقي. فالكلام في ذلك كبرويا موكول الى بحث تصوير الحقيقة و المجاز كلية، و قد حققنا في علم الأصول عدم احتياج المجاز إلى الأوضاع النوعية.

و ان أريد بيان مطلب يختص بالمقام- بعد الاعتراف بأن التجوز كلية لا يحتاج الى الوضع- فيرد عليه: ان هذا لا يستقيم على المباني المشهورة في باب الوضع، إذ يكون وضع كلمة «الماء» المضافة إلى الرمان بما هي مضافة لماء الرمان لغوا، لأنه إن أريد بهذا الوضع تصحيح الاستعمال و إخراجه عن كونه غلطا، فالمفروض ان صحة الاستعمال المجازي كلية لا تحتاج الى وضع، و هذا استعمال مجازي فلا يحتاج تصحيحه الى وضع، و ان أريد بهذا الوضع جعل الاستعمال مستغنيا عن القرينة و في عرض المعنى الحقيقي الأول فهذا أيضا غير صحيح، لأن الموضوع مقيد بفرض وجود القرينة، لأن كلمة «الرمان» هي القرينة في المقام، و قد قيدت بها كلمة الماء، فكيف يطلب من هذا الوضع الاستغناء عن القرينة مع أنه مقيد بوجودها.

فالذي ينبغي أن يقال مستخلصا من مجموع ما ذكرناه: أن لفظ «الماء» حقيقة في الماء المطلق و استعماله في غيره مجاز، غير أن التجوز تارة يكون بلحاظ المشابهة بين الإضافتين، و أخرى يكون بلحاظ المشابهة بين الذاتين ففي الأول تكون الإضافة مقومة لصحة الاستعمال المجازي ثبوتا، و في الثاني تكون مجرد قرينة على تفهيم المقصود إثباتا. و ما يقع الكلام في إسراء أحكام الماء المطلق اليه انما هو الماء المجازي بالنحو الثاني لا الماء المجازي بالنحو الأول، و النسبة بين الماءين المجازيين العموم من وجه.

17

[أقسام الماء المطلق]

و المطلق أقسام: الجاري، و النابع غير الجاري، و البئر، و المطر، و الكر، و القليل (1).

____________

(1) بعد أن قسم الفقهاء الماء الى مطلق و مضاف، قسموا المطلق بدوره إلى أقسام: الجاري، و البئر، و المحقون. ثم قسموا المحقون الى:

القليل، و الكثير. و اعترض عليهم بإهمال ماء المطر مع انه من أقسام الماء المطلق، و بإهمال الماء النابع الذي له مادة و ليس له عمق في الأرض. و قد تدارك المصنف- (قدس سره)- ذلك فقسم الماء المطلق إلى: الجاري، و النابع غير الجاري، و البئر، و المطر، و الكر، و القليل.

و قد ذكر السيد الأستاذ- (دام ظله)- في مقام الاشكال على هذا التقسيم: أنه ما دام الملحوظ في هذا التقسيم بيان أحكام هذه الأقسام- من حيث الاعتصام و الانفعال- فلا بد من اضافة قسم آخر اليه، و هو ماء الحمام لأنه يتميز بالاعتصام رغم كونه ماء قليلا (1).

و التحقيق: أنا إذا بنينا في ماء الحمام على أن تقوي السافل بالعالي على القاعدة، كما هو المختار، فماء الحمام يدخل في الكر حقيقة، و لا موجب لجعله قسما برأسه. و إذا بنينا على ان هذا التقوي ثابت بأخبار ماء الحمام- بدعوى: أنها تتكفل تنزيل مجموع السافل و العالي منزلة الماء الواحد و إلغاء شرطية تساوي السطوح، كما ذكر السيد الأستاذ في أخبار الحمام- فمعنى ذلك أن ملاك اعتصام ماء الحمام هو الكرية أيضا، و لكن بعناية التعبد الشرعي فهو مصداق لأحد الأقسام المعتصمة المذكورة في التقسيم، و هو الكر، بعد فرض إعمال العناية في توسعته، فلا ضرورة لجعل ماء الحمام قسيما له.

هذا مضافا الى أن الظاهر أنه ينبغي أن يكون المراد من أمثال هذا التقسيم بيان أقسام واقعية مستوعبة للماء استطراقا الى الحديث عن أحكامها،

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 9.

18

و كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث و الخبث (1).

____________

و تحقيق ما يناسب كل قسم من الحكم بالانفعال أو الاعتصام أو التفصيل، و ليس التقسيم بلحاظ تحديد موضوعات الأحكام ابتداء، فحتى لو فرض أن ماء الحمام موضوع مستقل للاعتصام لا موجب لجعله قسما.

[طهارة الماء المطلق و مطهريته]

(1) لا إشكال في طهارة الماء في نفسه، و كذا مطهريته في الجملة.

و ذلك واضح بالضرورة، بل يمكن أن يقال بأن مطهرية الماء هي مقتضى الإطلاق المقامي لنفس أدلة النجاسات الواردة بلسان «هذا قذر» أو «نجس»، لأن ظاهرها بيان فرد اعتباري و جعلي للمفهوم العام المعلوم عند العرف من القذر و النجس، و يفهم العرف بالإطلاق المقامي لهذا البيان أنه يجب أن يصنع به في مقام دفعه ما يصنع بالقذر الحقيقي من غسله بالماء.

و انما يقع البحث حول تحصيل أدلة خاصة من الكتاب أو السنة على الطهارة و المطهرية، لأجل الحصول على إطلاق في دليل الطهارة و المطهرية يرجع إليه في موارد الشك، إذ لا إطلاق للضرورة لحالة الشك. و قد استدل على ذلك بالآيات و الروايات:

الدليل من الآيات:

أما الآيات، فهناك آيتان يستدل بهما على ذلك:

(الآية الأولى):

فالآية الأولى قوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1).

____________

(1) سورة الفرقان الآية 48.

19

..........

____________

و التقريب الابتدائي للاستدلال بها واضح، و تحقيق ذلك يكون بلحاظ الموضوع تارة، و بلحاظ الحكم اخرى، فهنا جهتان:

«الجهة الأولى»- من ناحية الموضوع و شمول الماء في الآية الكريمة لتمام أقسام الماء، و الوجه في دعوى شمولها لجميع المياه هو إطلاق كلمة «ماء» في الآية الشريفة. و قد استشكل في ذلك بوجهين:

الوجه الأول- أن الموضوع فيها خصوص ماء المطر، بقرينة كلمة الانزال، فلا تشمل مطلق المياه.

و يمكن الجواب على ذلك بوجوه:

الأول: ما في الجواهر، من تتميم الاستدلال بها بالإجماع المركب (1).

و فيه: انه إن صح التمسك بالإجماع المركب في عدد من الموارد، فلا يصح التمسك به في مثل هذا المورد، لأن الإجماع على مطهرية تمام أقسام المياه التي لم يقع فيها خلاف انما هو إجماع بسيط فعلي، و لم يثبت إجماع على مطهرية سائر المياه غير المطر على تقدير مطهرية ماء المطر، بحيث لو لم يقم دليل الا على طهارة ماء المطر لحكموا بطهارة باقي المياه. فإن أريد التمسك بذلك الإجماع البسيط الفعلي، فهو خروج عن الاستدلال بالآية و ان أريد التمسك بهذا الإجماع التعليقي، فهو لم يثبت.

هذا مضافا إلى أنه لو فرض تمامية ذلك لم يتحصل لنا إطلاق نتمسك به في موارد الشك و الخلاف إذا اتفقت، لأن المفروض تتميم الآية بالإجماع الذي هو دليل لبي لا إطلاق له.

الثاني: دعوى أنه ليس المراد من «الانزال» و «السماء» الانزال و السماء الحسيين بل المعنويين، فقد أطلق لفظ السماء على المعنوي في قوله‌

____________

(1) جواهر الكلام الجزء الأول ص 71.

20

..........

____________

تعالى وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ (1)، و أطلق لفظ الانزال على المعنوي في قوله تعالى قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ (2) فليكن الانزال من السماء جمعا بين المعنويين، فيراد الانزال المعنوي من السماء المعنوية.

و فيه: أن هذا- و ان لم يكن بعيدا عن اللغة، إذ يمكن القول بأن معنى الانزال و السماء أعم لغة من المصداق الحسي، و انما ينصرف ذهننا الى خصوص المصداق الحسي بدلا عن المعنوي لشدة أنس ذهننا بالماديات- لكن ليس للآية ظهور على أي حال في إرادة الانزال و السماء المعنويين، ان لم نقل بظهورها في ماء المطر، باعتبار شدة أنس الذهن بأن «ماء السماء» هو المطر، و شيوع استعماله في ذلك عرفا. و يكفي مجرد الإجمال و تردد الانزال بين المادي و المعنوي لتثبيت الاشكال و المنع عن الإطلاق، لأنه يكون محفوفا بما يحتمل قرينيته، فيبتلى بالإجمال و لا ينعقد للآية ظهور في الإطلاق.

الثالث: أن جميع المياه نزلت من السماء، كما تدعيه بعض الفرضيات الحديثة، فلا تكون كلمة الانزال موجبة للتقييد.

و فيه: ان هذا- و إن كان ممكنا في نفسه- لكن التصديق به يحتاج الى دليل عقلي أو نقلي، و كلاهما مفقود في المقام:

أما الأول، فلأن الدليل العقلي المتصور في المقام هو الأدلة العلمية القائمة على أساس التجربة، و لم يقم أي دليل علمي على ذلك، و انما هي فرضية فرضها بعض العلماء في مقام تفسير تكون المياه، و انه بشدة الحرارة حصل البخار و أدى الى هطول المطر، فتكوّن الماء على الأرض.

و أما الثاني، فقد استدل السيد الأستاذ (دام ظله) على نزول المياه بأجمعها‌

____________

(1) الذاريات 51: 22.

(2) الأعراف 7: 26.

21

..........

____________

من السماء بآيات (1) منها قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (2)، و منها قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ (3)، و منها قوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ (4).

و الظاهر أنه لا دلالة في هذه الآيات الكريمة على نزول المياه بأجمعها من السماء:

أما الآية الأولى، فهي أجنبية عن محل الكلام، لأن المراد من التنزيل فيها التنزيل المعنوي لا التنزيل من السماء، لأن التنزيل من السماء لا يمكن أن يشمل جميع الأشياء، و قد صرح في الآية بشمول التنزيل لجميع الأشياء، فلا تدل إذن على أن المياه نازلة من السماء.

و أما الآية الثانية، فهي مخصوصة بماء المطر، و لا تدل على أن جميع المياه حتى البحار مثلا قد أنزلت من السماء، بقرينة قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً، فإن الآية بصدد التنبيه على حادثة اعتيادية يراها الإنسان في حياته، و هي نزول المطر و ما يترتب عليه من آثار تدل على الحكمة و التدبير.

و أما الآية الثالثة، فليس فيها إطلاق، بل هي إخبار عن إنزال ماء من السماء بقدر، و كلمة «ماء» نكرة في سياق الإثبات، فلا يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات أن جميع المياه نازلة من السماء. و دعوى أن التهديد في‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 13.

(2) الحجر 15: 21.

(3) الزمر 39: 21.

(4) المؤمنون 23: 18.

22

..........

____________

ذيل الآية المستفاد من قوله تعالى وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ يدل على إرادة مطلق الماء لا خصوص ماء المطر، لأن الذهاب بماء المطر وحده لا يوجب بلاء، لإمكان اكتفاء الناس بسائر المياه. مدفوعة بأن إرادة ماء المطر وحده كافية في صحة التهديد، لأن لماء المطر آثارا عظيمة في حياة الإنسان، و زراعته لا يمكن الحفاظ عليها بدونه. هذا مضافا الى أن قرينة التهديد لا توجب إثبات الإطلاق، بل كون النازل من السماء مقدارا يصح التهديد بذهابه، و هذا لا يكفي لإثبات أن جميع المياه حتى ماء البحر مثلا نازل من السماء، لأننا إذا افترضنا أن المقصود بالماء المتوعد بذهابه هو غير ماء البحر من بقية المياه مثلا لكفى ذلك في صدق التهديد، فلا يمكن جعل التهديد قرينة على الإطلاق.

على اننا يمكننا ان نفرض تبخير ماء و صيرورة البخار ماء، فان سلمنا أن الماء الأول كان نازلا من السماء، لا نسلم كون الماء المستحيل اليه البخار عين الماء الأول، بل يعد ماء جديدا و ليس نازلا من السماء، فلا يشمله الإطلاق. و لهذا فان نفس من يستدل بقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً يعترف بأن الماء النجس يستحيل بالتبخير و يكون الماء الحاصل من بخاره طاهرا.

الرابع: ان الطهورية المستفادة من الآية إنما هي ثابتة لماء المطر بما هو ماء بقطع النظر عن مطريته و إنزاله من السماء، فإنها جعلت صفة للماء الذي جعل موضوعا للإنزال، فالانزال تعلق بالماء الطهور لا أن الطهورية تعلقت بالماء النازل، و هذا يعني ان الطهورية ثابتة للماء في المرتبة السابقة على الانزال، و إذا ثبتت طهارته بما هو ماء ثبتت طهارة جميع المياه.

و فيه: أن هذا غاية ما يدل عليه أن الإنزال من السماء ليس بما هو إنزال دخيلا في موضوع الحكم بالطهورية، و لكنه لا ينفي دخالة أمر آخر‌

23

..........

____________

يكون الانزال معرفا عنه و مساوقا له، و حيث أن الموضوع لا إطلاق فيه لغير النازل فلا يمكن نفي دخالة ذلك الأمر الآخر بالإطلاق.

ثم لو قطع النظر عن كل هذه المناقشات، و فرض شمول الآية الكريمة لتمام أقسام المياه، فغاية ما تدل عليه طهورية الماء حين إنزاله بمعنى كونه طاهرا بطبعه، و ليس لها إطلاق أحوالي يدل على دوام طهوريته، ففي موارد الملاقاة مع المتنجس و نحو ذلك- التي هي موارد الشك في الطهارة و المطهرية- لا يمكن التمسك بالإطلاق.

الوجه الثاني- ان كلمة «ماء» في الآية الشريفة نكرة في سياق الإثبات، فلا تفيد العموم.

و أجيب عن ذلك بوجهين:

الأول: ما ذكره السيد الأستاذ- مد ظله- من أن الآية الشريفة في مقام الامتنان على جميع العباد، و في كل بلد من بلادهم يوجد قسم من المياه، فلكي يكون الامتنان على الجميع لا بد أن يراد بالماء تمام تلك الأقسام (1).

و فيه: ان هذا إنما يتم لو لم يكن قسم من المياه مشتركا بين تمام البلاد و العباد، لكن ماء المطر مشترك بين تمامها، فيكفي إرادته من الآية لتصحيح الامتنان على الجميع.

الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ أيضا، من أن الآية في مقام الامتنان كما تقدم، و ثبوت ماء طهور لا ندري أنه أي الأقسام ليس فيه امتنان، إذ لا فائدة فيه، فيظهر بذلك ان جميع أقسام الماء طهور حتى يمكن الاستفادة من الماء الطهور (2).

و فيه: أن هذا إنما يتم لو لم يكن هناك قدر متيقن و لو من الخارج،

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 14.

(2) نفس المصدر و الصفحة.

24

..........

____________

كالماء الكثير في مقابل القليل، أو ماء العيون. فان هذه المياه المتيقنة التي لا شك في أرادتها تكفي لتصحيح الامتنان من دون حاجة الى افتراض الإطلاق الذي يصلح أن يكون مرجعا في موارد الشك. و الحاصل ان الامتنان بطهورية الماء بنحو القضية المهملة إنما لا يتأتى فيما إذا لم يكن للقضية المهملة قدر متيقن، و إلا فالامتنان في محله، فلا قرينة على الإطلاق.

لا يقال: إن وجود القدر المتيقن من الخارج- بل و حتى في مقام التخاطب- لا يضر بالإطلاق و التمسك بمقدمات الحكمة، كما حقق في محله.

لأنه يقال: إن هذا انما هو في الإطلاق اللفظي الثابت بالقرينة العامة المسماة ب‍ «مقدمات الحكمة». و أما الإطلاق الذي يراد إثباته بدلالة الاقتضاء تصحيحا للسان الامتناني للاية الكريمة، فهو يتوقف على عدم إمكان تصحيح اللسان الامتنانى بدون افتراض الإطلاق، مع أنه ممكن مع فرض وجود القدر المتيقن، إذ يصح الامتنان بالحكم بطهورية الماء بنحو القضية المهملة القابلة للتعين و التطبيق بلحاظ القدر المتيقن.

و لنا جواب ثالث على الإشكال الذي نشأ من كون كلمة «ماء» نكرة في سياق الإثبات، و حاصله: إن الاشكال المذكور مبني على أن يكون التنوين في كلمة «ماء» للتنكير، لكي تكون الكلمة نكرة في سياق الإثبات، و دالة على قيد الوحدة المانع عن الشمول لتمام الأفراد. و لكن قد يقال في مقابل ذلك: إن التنوين هو تنوين التمكين لا التنكير، و تنوين التمكين يؤتى به لإشباع حاجة الكلمة المعربة، لأن الكلمة المعربة في لسان العرب تستند الى اللام في أولها أو الى التنوين في آخرها، و لا تستقر مجردة عن ذلك، فحال هذا التنوين التمكيني حال اللام لا يقيد الكلمة بقيد الوحدة و إنما أريد من الكلمة نفس الماهية، فيتم الإطلاق الشمولي لكلمة «ماء» في الآية، كما لو كانت الكلمة معرفة باللام ببركة مقدمات الحكمة.

25

..........

____________

و مما يشهد لكون التنوين في كلمة «ماء» للتمكين لا للتنكير، قوله تعالى بعد تلك الجملة لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً، فان المراد من هذه العبارة الامتنانية جنس البلدة لا بلدة واحدة، و إلا لم تكن امتنانا على جميع الناس. و بمقتضى قرينة وحدة السياق يظهر كون المراد من التنوين في «ماء» هو التمكين أيضا لا التنكير.

و هذا هو الجواب الصحيح عن الإشكال، و لكن هنا نكتة توجب ارتفاع موضوع أصل الاشكال و أجوبته، بما فيها هذا الجواب الذي حققناه.

و بيان هذه النكتة هو: أن المستشكل و المجيب كأنهما اتفقا على أن كلمة «ماء» في الآية الكريمة لو كانت مع اللام بدلا عن التنوين لتم الإطلاق الشمولي لجميع المياه، و إنما المانع عن ذلك هو التنوين، فيتكلم في مانعيته و عدمه.

و لكن التحقيق أن الاشكال الثابت في المقام أعمق من هذا، بحيث يوجب عدم تمامية الإطلاق و لو كانت كلمة «ماء» في الآية غير مبتلاة بالتنوين، و هو أن الحكم بالطهورية لم يسند في الآية الكريمة إلى الماء بنسبة تامة، حتى يقال بأن مقتضى الإطلاق انه حكم على طبيعة الماء بلا قيد، و إنما أسند إليه بنحو التوصيف و النسبة الناقصة التحصيصية، فلا يمكن إثبات عموم الحكم لتمام أفراد الموصوف بالإطلاق، ففرق كبير بين أن نقول: «الماء طهور» و بين أن نحكم على الماء الطهور بأنه نازل من السماء مثلا. ففي الجملة الأولى كانت الطهورية منسوبة إلى الماء بالنسبة التامة، و يمكن حينئذ التمسك بإطلاق كلمة «الماء» لإثبات طهورية تمام أقسامه، و أما في الجملة الثانية فقد أخذت الطهورية قيدا للماء على نهج النسبة الناقصة لا حكما للماء على نهج النسبة التامة، فلا معنى للتمسك بالإطلاق لإثبات طهورية تمام أقسام المياه.

فالجملة الأولى من قبيل قولنا «الغيبة محرمة»، و الجملة الثانية من قبيل‌

26

..........

____________

قولنا «إن اللّه يعاقب على الغيبة المحرمة»، فكما أن التمسك بالإطلاق لإثبات حرمة تمام أقسام الغيبة إنما يصح في الجملة الأولى دون الثانية كذلك في المقام، فالإشكال على التمسك بالإطلاق إذن ليس من ناحية التنكير، حتى يجاب عليه بأن التنوين للتمكين، بل من ناحية أن الطهورية نسبت الى الماء بنسبة ناقصة تحصيصية لا بنسبة تامة حكمية، فلا يمكن التمسك بالإطلاق هذا هو تمام الكلام في الجهة الأولى- أي في ناحية الموضوع.

و أما الكلام في الجهة الثانية، و هي ناحية الحكم، فهناك أربع احتمالات لكلمة «طهور» في الآية الشريفة:

الأول: كونها مفيدة لمعنى المطهرية باعتبار وضع كلمة «طهور» لنفس النسبة التأثيرية التطهيرية التي تدل عليها كلمة «مطهر»، إما بأن تكون هذه النسبة هي أحد معاني هيئة فعول الموضوعة لها بالوضع النوعي، و إما بأن تكون كلمة «طهور» بالخصوص موضوعة بالوضع الشخصي للنسبة التي تدل عليها كلمة «مطهر».

الثاني: كونها مفيدة معنى الآلية، و فرقه عن الأول كالفرق بين الفاتح و المفتاح، أو مطلق اسم الفاعل و اسم الآلة، حيث أنه طعم في الثاني معنى التهيؤ و الآلية.

الثالث: كونها مفيدة معنى المبالغة.

الرابع: كونها مفيدة معنى طاهر.

و حيث ان السيد الأستاذ- (دام ظله)- رأى أن المعنيين الأخيرين لا يتناسبان مع الاستدلال بالآية الكريمة على مطهرية الماء، تصدى لإبطال الاحتمال الثالث و الرابع لتتميم الاستدلال بها (1).

أما الاحتمال الثالث، فقد أفاد في إبطاله: أن المبالغة فيما نحن فيه‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 10.

27

..........

____________

غير معقولة، لأن الطهارة أمر اعتباري، فلا تقبل المبالغة و الشدة.

و أما الاحتمال الرابع، فأبطله: بأن كلمة «طهور» لو كانت بمعنى «طاهر» لصح إطلاقها على كل طاهر، فيقال «ثوب طهور» و «فراش طهور»، مع أنه لا يصح ذلك.

أما ما أفيد في إبطال الاحتمال الثالث، فيرد عليه:

أولا: أنه ليس من اللازم تطعيم الاعتبار في مادة طهور و مبدأ اشتقاقه حتى يقال بعدم إمكان طرو المبالغة على الاعتبار مثلا، بل يمكن طرو الاعتبار على المبالغة، و طرو المبالغة على الطهارة الحقيقية القابلة للشدة و الضعف، فكلمة «طهور» بمادتها تدل على الطهارة الحقيقية القابلة للشدة و بهيئتها تدل على المبالغة في تلك الطهارة، و يطرأ الاعتبار على الطهارة المبالغ فيها، و يكون الدال على الاعتبار نفس هيئة الجملة الدالة على نسبة الطهور الى الماء. فهذا أمر معقول، لأن مرجعه الى اعتبار الطهارة الشديدة، لا إلى شدة اعتبار الطهارة.

و ثانيا: أنه يمكن المبالغة حتى مع تطعيم الاعتبار في مادة طهور، و ذلك بأن تكون المبالغة بلحاظ شدة التصاق وصف الطهارة الاعتبارية بالماء بنحو لا يزول عنه بسهولة، كما في سائر الأشياء التي يزول عنها وصف الطهارة بملاقاة النجس أو المتنجس، فالمبالغة منتزعة بلحاظ شدة التصاق الوصف الاعتباري بالموصوف و بطء زواله عنه.

لا يقال: إنه لو صح ذلك لصح إطلاق «طهور» على باطن الإنسان و ظاهر الحيوان، بلحاظ انه لا يتنجس بالملاقاة و شدة التصاق وصف الطهارة الاعتبارية به.

لأنه يقال: إنما تنتزع المبالغة بهذا اللحاظ إذا كان الالتصاق على أساس شدة النكتة التي أوجبت أصل اعتبار الطهارة لذلك الشي‌ء، كما في‌

28

..........

____________

الماء لا على أساس شي‌ء آخر، كالتوسعة على الخلق. و من هذا القبيل عنوان المعتصم و الواسع، فإنه يطلق على الماء انه «واسع» أو «معتصم» و لا يطلق على باطن الإنسان.

و أما ما أفيد في إبطال المعنى الرابع، فتحقيق الحال فيه أنه لو كان المقصود في الاحتمال الرابع، من كون «طهور» بمعنى «طاهر»، أن طهور بمعنى طاهر بدون نكتة زائدة، فيرد عليه ما أفيد من استلزامه صحة إطلاق طهور على كل شي‌ء طاهر.

و لكن يمكن أن يبين الاحتمال الرابع بتقريب آخر لا يتجه عليه هذا الإيراد. و حاصله: أن طهور بمعنى طاهر مع ملاحظة نكتة زائدة تتميز بها كلمة «طهور» على «طاهر»، و هي أن التصاق الطهارة بالماء يكون من قبيل التصاق الشي‌ء بمنبعه و معدنه، فكأن الماء فرض معدنا للطهارة و مفيضا لها و لو بالنسبة إلى نفسه، حيث أنه كلما ألقيت فيه القذارة و النجاسة تغلب عليها بما ينبع منه من الطهارة و يبقى نفسه طاهرا، فهذا معنى محتمل في كلمة «طهور» و هو سنخ معنى لا يناسب إطلاقه على أشياء طاهرة من قبيل الفراش و الثوب، لعدم صدق تلك النكتة الزائدة عليها بحسب النظر العرفي.

بل قد يدعى أن باقي المعاني لكلمة «طهور» أو لصيغة فعول عموما- أعني النسبة التأثيرية و الآلية و المبالغة- راجعة الى هذا المعنى، بأن يقال:

إن صيغة فعول ليست بمعنى النسبة التأثيرية تارة، و بمعنى الآلية أخرى، و بمعنى المبالغة ثالثة، و بمعنى المعدنية و فيضان تلك المادة من ذلك الشي‌ء رابعة. بل هي دائما بهذا المعنى الرابع، أعنى اتصاف الشي‌ء بوصف مع كونه بنحو يعد معدنا لذلك و منبعا له، غاية الأمر أن معدنيته لذلك الوصف ينتزع عنها و يفهم منها بنظر العرف أمور مختلفة باختلاف المناسبات: فقد يستفاد منها الآلية، و قد يستفاد منها المبالغة و الشدة، و قد يستفاد منها‌

29

..........

____________

الإفاضة بالنسبة إلى غيره. فكون الشي‌ء معدنا و منبعا لمبدإ الاشتقاق يفيد واحدة من هذه الخصوصيات حسب اختلاف المناسبات.

و من هنا قد يقال: إن «طهور» تدل على معدنية الماء للطهارة و منبعيته لها، و هذه المعدنية و المنبعية تناسب في باب الطهارة المطهرية، فتدل كلمة «طهور» بهذا اللحاظ على مطهرية الماء، و في طول ذلك تستفاد الآلية باعتبار أن الماء عادة يستعمله شخص في التطهير لا أنه بنفسه يطهر.

لكن هذا لا يصيّر كلمة «طهور» قريبة من الجوامد، كما لو فرضناها اسم آلة، و لذا ترى انه لا فرق بحسب الذوق في صحة التوصيف و حسنه بين أن نصف الماء بطهور أو بمطهر، مع أن التوصيف باسم الآلة لا يخلو من حزازة، و أدعي المنع عنه.

و على أي حال فهذا مجرد احتمال، و لا يصحح الاستدلال بالآية الكريمة على المطهرية، لأن في مقابل احتمال دلالتها على المطهرية يوجد احتمال دلالتها على المبالغة و شدة الطهارة، إما بمعنى كون المبالغة بنفسها مدلولا لهيئة فعول، كما هو مقتضى الاحتمال الثالث الذي تبين أنه معقول في المقام، و إما بمعنى كون مفاد فعول هو معدنية الذات و منبعيتها للصفة، فطهور بمعنى طاهر و لكن مع نكتة المعدنية و المنبعية، كما هو مقتضى الاحتمال الرابع. و تكون المبالغة و الشدة من الخصوصيات المستفادة من نفس نكتة المعدنية و المنبعية، دون ان يفترض فيها إفاضة المبدأ على الغير كما هو الحال في «فكور».

و ما دام من المحتمل أن تكون «طهور» للمبالغة، فلا يتم الاستدلال بالآية الكريمة على المطهرية، لأنها على تقدير إرادة المبالغة منها لا يستفاد منها المطهرية.

و دعوى أنه على تقدير إرادة المبالغة قد يكون الكلام دالا على المطهرية‌

30

..........

____________

أيضا، لأن المبالغة كما قد تفيد الشدة من حيث التلبس بالشي‌ء «كطوال» بمعنى شديد الطول، و تفيد أحيانا الكثرة من حيث كمية التلبس بالمبدإ «كضراب» بمعنى كثير الضرب، كذلك قد تفيد كثرة إيجاد المبدأ في غيره، «كطهور» بمعنى كثير المطهرية. مدفوعة: بأن كلمة «طهور» إن كانت مبالغة في معنى اسم الفاعل و هو طاهر فلا تفيد إلا معنى كثرة الطهارة و شدتها، و تكون المطهرية أجنبية عن مفاد الكلمة، إلا أن تكون افادة الشدة في الطهارة بعناية كون الماء مطهرا، بحيث يكون المدلول الاستعمالي- و هو الشدة في الطهارة- كناية عن المطهرية، بدعوى أن التناسب العرفي بين شدة اتصاف الذات بالمبدإ و صلاحيتها لإيجاده في الغير يجعل بالإمكان الكناية بالمعنى الأول عن المعنى الثاني. غير أن هذه عناية بحاجة إلى قرينة، و لا قرينة عليها بعد أن تعقلنا الشدة في نفس الطهارة و المبالغة فيها، فلا موجب إلى جعل ذلك استطراقا و كناية لإفادة المطهرية.

و ان كانت كلمة «طهور» مبالغة في المعنى المتعدي- و هو التطهير- فهذا خلاف القاعدة، فإن مقتضى القاعدة كون فعول مبالغة في معنى فاعل، و غير ذلك يحتاج إلى دليل.

بقيت هنا نقطتان:

الأولى- أنه لو سلمنا دلالة «طهور» في الآية الكريمة على المطهرية فنحن كما نحتاج إلى الإطلاق من حيث أقسام الماء و أحواله، نحتاج أيضا إلى الإطلاق من حيث المتعلق حتى يثبت بذلك مطهرية الماء لكل متنجس بالرجوع إلى ذلك الإطلاق، و ما يتوهم كونه دالا على الإطلاق من هذه الناحية حذف المتعلق، بدعوى أن حذف المتعلق يدل على العموم.

و هذا لو فرض تسليم كبراه، فهو إنما يتم صغرويا في المقام، إذا أثبتنا كون المقصود من «طهور» المطهرية ابتداء أو الطهارة مع المعدنية، بناء‌

31

..........

____________

على أن العرف ينتزع من ذلك المطهرية، بحيث تكون مدلولا عرفيا للّفظ و اما إذا فرض كون «طهور» بمعنى اسم الآلة فلا يكون له متعلق محذوف، بناء على ان اسم الآلة يعامل معه في الاستعمالات العربية معاملة الجوامد، فلا يؤخذ له متعلق حتى يقال بأن حذفه دليل العموم. و كذلك الأمر أيضا بناء على أن يكون المدلول الاستعمالي لكلمة «طهور» المبالغة في نفس الطهارة، و ان تكون استفادة المطهرية بلحاظ جعل المدلول الاستعمالي استطراقا إلى إفادة المطهرية على سبيل الكناية، فإن المدلول الاستعمالي حينئذ لا يكون له متعلق محذوف، ليكون حذفه منشأ لانعقاد ظهور في الإطلاق من هذه الناحية.

الثانية- إننا إذا استفدنا من كلمة «طهور» في الآية الشريفة المطهرية ببعض الوجوه السابقة، يقع الكلام في أنه هل المراد من المطهرية المعنى المقصود- و هو الرافعية للنجاسة بالمعنى الشرعي- أو ما يشمل هذا المعنى، أو أن المراد المطهرية التكوينية بمعنى الرافعية للاوساخ الظاهرة؟

و قد أبدى السيد الأستاذ- (دام ظله)- احتمال أن يكون المراد بالمطهرية المطهرية التكوينية، لعدم الجزم بثبوت الحقيقة الشرعية في زمان نزول الآية، بل و عدم الجزم بأن أحكام النجاسات التعبدية كانت قد شرعت وقتئذ (1).

و التحقيق أن بالإمكان إبداء قرينة على أن المراد بالمطهرية المطهرية التكوينية لا التشريعية، و هي أن الآية الكريمة وردت في سياق المحاجة مع الكفار و بيان أن اللّه تعالى كيف يسبغ عليهم النعم و يقابلونها بالكفران و العصيان و المناسب لهذا المقام إنما هو ذكر النعم المعترف بكونها نعما من قبل الكفار، كما هو الحال في الماء و مطهريته للاوساخ الظاهرية. و أما مطهريته‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 15.

32

..........

____________

من النجاسة الشرعية فليست نعمة في نظر من لا يتعبد بتلك النجاسة.

و قد يتوهم تتميم الاستدلال بالآية على المطهرية التشريعية- بالرغم من حملها على المطهرية من القذر التكويني- إما بدعوى إطلاق المطهرية لكلتا المطهريتين، و إما بدعوى حكومة أدلة التعبد بقذارة النجاسات الشرعية على الآية الشريفة. بتقريب: أن الآية تدل على أن الماء مطهر من القذر الحقيقي التكويني، و دليل جعل النجاسة مفاده التعبد بكون النجس الشرعي فردا من القذر الحقيقي، لأن مرجع النجاسة الشرعية إلى اعتبار القذارة الحقيقة للشي‌ء، و بذلك يوجد دليل جعل النجاسة بالحكومة و التعبد فردا من القذر الحقيقي الذي تكفلت الآية بإثبات مطهرية الماء له.

و كلتا الدعويين غير تامة:

أما الأولى فلأن كلمة «طهور» في قولنا «الماء طهور» تقع محمولا، و المحمول يدل على صرف الوجود، و لا معنى للتمسك بإطلاقه لإثبات اتصاف الموضوع بتمام أفراده، و انما يجري الإطلاق في طرف الموضوع.

فاذا قلنا مثلا «الشيخ المفيد عالم» لا معنى للتمسك بإطلاق المحمول لإثبات أن المفيد عالم بتمام العلوم، بخلاف ما إذا وقع العالم موضوعا فقلنا «العالم يفيد البشرية» فإن بالإمكان التمسك بالإطلاق في جانبه، بوصفه موضوعا لإثبات أن تمام إفراد العالم مفيدون.

و أما الدعوى الثانية فيردها: ان الحكومة إنما تتم لو كان المحكوم مبينا لحكم شرعي لا إخبارا عن أمر تكويني، لأن الحكومة توسعة مولوية و تعبدية لموضوع الدليل المحكوم مثلا، و هذا إنما يعقل فيما إذا كان مفاد الدليل المحكوم مجعولا تشريعيا تحت سلطان المولى بما هو مولى. و أما إذا كان مفاده امرا تكوينيا فلا معنى لإعمال المولوية و العناية التعبدية في توسعة موضوعه، و المفروض في المقام أن الآية الكريمة في مقام الاخبار عن أمر‌

33

..........

____________

تكويني امتناني، فلا تتم الحكومة.

(الآية الثانية):

و الآية الثانية التي استدل بها على مطهرية الماء المطلق فهي قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (1).

و يقع الكلام حول هذه الآية الكريمة من جهتين: من ناحية الموضوع تارة، و من ناحية الحكم أخرى.

«اما الجهة الأولى»- و هي من ناحية الموضوع، فقد يدعى الاختصاص و يمنع عن الإطلاق من ناحيتين:

إحداهما- ان الآية الكريمة وردت في طائفة خاصة، و هم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفار في وقعة بدر، و مع اختصاص المورد لا يمكن التعدي عنه.

و الناحية الأخرى بلحاظ كلمة «ماء» لاختصاصها بماء المطر، بقرينة قوله «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ»، فلا إطلاق يشمل سائر أقسام المياه الأخرى، أو باعتبارها نكرة في سياق الإثبات فلا ينعقد لها الإطلاق.

أما الناحية الأولى من دعوى الاختصاص، فقد أجاب عليها السيد الأستاذ- (دام ظله)- بأن هناك روايات دلتنا على أن ورود آية من آيات الكتاب في مورد أو تفسيرها بمورد خاص لا يوجب اختصاص الآية بذلك، لأن القرآن يشمل جميع الأطوار و الأعصار، و لا يختص بقوم دون قوم، فببركة هذه الروايات التي تسمى أخبار الجري ندفع دعوى الاختصاص المزبورة (2).

و التحقيق عدم إمكان المساعدة على هذا الجواب، لأن المدعى في‌

____________

(1) الأنفال 8: 11.

(2) التنقيح الجزء الأول ص 15.

34

..........

____________

دعوى الاختصاص المزبورة أن الآية تكفلت بيان حكم قوم و هم المجاهدون مع الكفار، فلا يمكن إسراء الحكم إلى قوم آخرين. و من المعلوم أن أخبار الجري ليس معناها أن الآية إذا وردت في مقام بيان حكم قوم- كالفقراء مثلا أو كالمجاهدين للكفار- فلا بد من تعميم الحكم المستفاد منها للأغنياء أيضا أو للقاعدين، بدعوى أنها لا تختص بقوم دون قوم. بل إن أخبار الجري لا يستفاد منها تشريع أحكام غير مشرعة في القرآن الكريم، فاذا ورد حكم في القرآن الكريم على قوم لا تقتضي أخبار الجري إعطاء الآية إطلاقا ليس ثابتا فيها بحد ذاتها و تعميم الحكم لأقوام آخرين، ما لم يحصل بقطع النظر عن أخبار الجري جزم بعدم الفرق بين قوم و قوم بلحاظ ذلك الحكم، و إنما معنى أخبار الجري انه إذا ورد حكم عام أو مطلق فلا ينبغي فرض تخصيصه و تقييده بخصوص الظروف و الملابسات التي اشتمل عليها المصداق الذي كان سبب النزول لذلك الحكم العام، فاذا ورد حكم على طبيعي المجاهدين يلتزم بإطلاقه و شموله لتمام المجاهدين عملا بإطلاق الآية، و لا نخصصه بخصوص المجاهدين في غزوة بدر مثلا، لمجرد أن الآية نزلت بمناسبة غزوة بدر. كما أنه إذا ورد تفسير الآية المطلقة بحصة خاصة من حصص الموضوع المأخوذ فيها التزمنا بأنه من باب التطبيق لا من باب الحصر.

و الحاصل: إن أخبار الجري ليست في مقام إعطاء إطلاقات للآيات القرآنية غير ثابتة لتلك الآيات في حد أنفسها، و انما هي في مقام الحفاظ على الإطلاقات الثابتة للآيات القرآنية في حد أنفسها، و توضيح أن تلك الإطلاقات لا ينبغي رفع اليد عنها لمجرد كون مورد النزول خاصا أو لمجي‌ء روايات تفسيرية تتكفل بعض المصاديق.

فبهذا يظهر أن أخبار الجري لا تنفع في دفع دعوى الاختصاص المزبورة في المقام، لأن المدعى أن الآية خطاب للمجاهدين، فلعل المطهرية حكم‌

35

..........

____________

خاص بالمجاهدين، و ليس في الكلام القرآني إطلاق ليتمسك به.

و التحقيق في الجواب على هذه الشبهة: أن احتمال اختصاص الحكم بالمخاطبين- و هم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفار في وقعة بدر- إن كان بلحاظ أشخاصهم فهو خلاف قاعدة الاشتراك، و إن كان بلحاظ وصفهم و كونهم مجاهدين فلا يشترك في الحكم إلا من كان مشتركا في الوصف، فهو و إن لم يكن خلاف قاعدة الاشتراك و لكنه غير صحيح، لأن خصوصية الجهاد ملغية بحسب الارتكاز العرفي لمناسبات الحكم و الموضوع، فان مناسبات التطهير بالماء المركوزة في الذهن العرفي تأبى عن أن يكون لخصوصيات نفس الإنسان المطهّر دخل في التطهير، و إنما ترى المطهرية بحسب الارتكاز العرفي من شئون الماء و مما يرتبط بخصوصياته، فدخل خصوصية من خصوصيات الماء في المطهرية- من قبيل كونه كثيرا أو ذا مادة- ليس على خلاف الارتكاز، و لكن دخل خصوصية من خصوصيات الإنسان المطهر في الحكم بالمطهرية فهو على خلاف الارتكاز العرفي لمناسبات الحكم و الموضوع، فبقرينة هذا الارتكاز ينعقد للآية الشريفة ظهور في الإطلاق، و تندفع بذلك دعوى الاختصاص من الناحية الأولى.

و أما الناحية الثانية من دعوى الاختصاص: فهي أن الآية مختصة ببعض أقسام الماء، إما بلحاظ كلمة «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ» التي تكون قرينة على الاختصاص بماء المطر، و إما بلحاظ أن كلمة «ماء» نكرة في سياق الإثبات، فلا إطلاق لها.

و قد أجاب السيد الأستاذ- (دام ظله)- على اللحاظ الأول من هذه الدعوى: بأن المياه كلها نازلة من السماء. و أجاب على اللحاظ الثاني منها:

بأن اللسان الامتناني قرينة عدم الاختصاص بقسم من الماء دون آخر، على‌

36

..........

____________

النحو الذي تقدم نقله عنه في الآية الأولى (1).

أما ما أفيد من الجواب على اللحاظ الأول، فهو- بعد تسليم أن كل المياه نازلة من السماء- إنما يتم لو فرض أن الآية الكريمة فيها إطلاق يدل على مطهرية كل ماء نازل من السماء، من قبيل أن يقال «إن الماء النازل من السماء مطهر»، فحينئذ إذا أمكننا أن نثبت أن كل المياه نازلة من السماء أثبتنا بذلك إطلاق الدليل لسائر أقسام المياه، و لكن الكلام في أصل وجود إطلاق في الآية الكريمة يدل على أن الماء النازل من السماء بتمام أقسامه مطهر، فإن الآية لم ترد بلسان الإخبار عن مطهرية الماء النازل من السماء لكي ينعقد لها إطلاق في كل ماء نازل، بل بلسان الإخبار عن أن اللّه تعالى ينزل من السماء الماء المطهر. و كونه ينزل من السماء الماء المطهر لا يعني أن كل ماء ينزل من السماء مطهر، فهناك فرق مثلا بين أن يقال «اكتب لكم ما فيه شفاء» أو يقال «ما اكتبه لكم فيه شفاء»، فإن الأول لا يدل بالإطلاق على أن كل ما يكتبه القائل فيه شفاء، بخلاف الثاني فإنه يدل على ذلك بالإطلاق. و تركيب الآية الكريمة من قبيل الأول لا من قبيل الثاني، فغاية ما تدل عليه أن اللّه سبحانه ينزل من السماء الماء المطهر، لا أن كل ماء ينزله من السماء فهو ماء مطهر.

هذا كله مضافا الى أن السياق القرآني للآية الكريمة واضح في أنه بصدد استعراض الأحداث الجزئية التفصيلية التي وقعت للمسلمين في غزوة بدر و ما تفضل به اللّه تعالى على المسلمين، قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجٰابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلٰائِكَةِ مُرْدِفِينَ. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ.

و هذا السياق الاستعراضي للاحداث و اللسان الامتناني بنفسه قرينة على أن المراد بقوله وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ التفضل بالمطر، و ليس المراد منه التنزيل‌

____________

(1) راجع ص 21، 22، 23.

37

..........

____________

الثابت لتمام أقسام المياه المساوق لإيجاد الماء و لوضوح أن تمام المنة الربانية إنما حصل بنزول المطر على المسلمين بعد ابتلائهم بالاحتلام في نومهم، فالمطر و نزوله عليهم بعنوانه هو مصب التفضل و الامتنان، و ليس مصب التفضل و الامتنان وجود الماء في العالم النازل من السماء بمقتضى أصله و طبعه، فكلمة «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ»- بقرينة السياق الاستعراضي لإحداث غزوة بدر و اللسان الامتناني على المسلمين وقتئذ- تكون مساوقة ل‍ «و يمطركم»، فيختص بالمطر المتعارف الذي هو قسم من أقسام المياه.

و إن شئت قلت: إن الوارد في الآية الكريمة ليس مجرد تنزيل الماء المطهر من السماء حتى يقال إن كل ماء منزل من السماء، بل «يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ» أي التنزيل على الناس، و هذا يختص بماء المطر المتعارف، و لا يشمل ماء البحر و لو فرض كونه نازلا من السماء.

و أما ما أفيد من الجواب على اللحاظ الثاني، فإضافة إلى ما تقدم بشأنه في بحث الآية السابقة يمكن التنظر فيه باعتبار أنه مبني على دعوى كون الامتنان بالمطهرية امتنانا على جميع العباد، و حيث أنهم مختلفون في أقسام المياه الموجودة عندهم فلكي يكون الامتنان عاما لا بد أن يشمل تمام الأقسام.

و من الواضح أن عمومية الامتنان في الآية الثانية أول الكلام، بعد ما عرفت من ظهور سياقها في كونها استعراضا للاحداث التي وقعت للمسلمين في غزوة بدر و امتنانا عليهم بما حباهم اللّه من نعم.

و يبدو أن الأستاذ- (دام ظله)- قد التزم في موضع متأخر من بحثه بالإشكال، و اعترف باختصاص الآية الثانية بماء المطر، فقد ذكر أن الآية الثانية تزيد على الآية الأولى بمناقشة أخرى، و هي اختصاصها بماء المطر، لأنها نزلت في وقعة بدر حيث لم يكن عند المسلمين ماء، فأنزل اللّه الماء عليهم من السماء ليتطهروا به، فتختص الآية بماء المطر. و لكن مع هذا‌

38

..........

____________

يمكن استفادة مطهرية طبيعي الماء على إطلاقه من الآية الكريمة: إما بتقريب أن الغالب في استعمال ماء المطر استعماله في التطهير بعد وقوعه على الأرض و اجتماعه في الغدران، و من الظاهر أن حكم ماء المطر بعد نزوله حكم سائر مياه الأرض و لا يختلف حكمه عن حكمها. و إما بتقريب أن الضمير في قوله تعالى لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ إنما يرجع إلى الماء لا إلى الماء بقيد نزوله من السماء، فيدل على مطهرية جميع أفراد المياه.

هذا خلاصة ما أفاده السيد الأستاذ، بعد أن التزم باختصاص الآية الثانية بماء المطر (1).

و التحقيق أن ما أفيد من اختصاص الآية الكريمة بماء المطر صحيح بل هو المتعين، حتى بقطع النظر عن نزول الآية في وقعة بدر، لما عرفت سابقا من أن قوله تعالى وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ قرينة على الاختصاص بماء المطر و عدم الشمول لسائر أقسام المياه، و ان قيل بأنها نازلة من السماء، لأن مجرد النزول من السماء بالمعنى المدعى لتمام أقسام مياه الأرض لا يصحح التعبير ب‍ «يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ» فكون الماء منزلا على الناس مساوق لماء المطر بالمعنى المتعارف المقابل لسائر المياه، سواء كانت الآية واردة في غزوة بدر أو لا.

و أما ما أفيد من إمكان الاستدلال بالآية على عموم المطهرية حتى على تقدير اختصاصها بماء المطر، فلا يخلو عن نظر بكلا تقريبية:

أما التقريب الأول- و هو دعوى أن ماء المطر بعد تجمعه في الغدران حكمه حكم سائر المياه، فاذا ثبتت مطهريته ثبتت مطهريتها- ففيه: ان المقصود العلمي من الاستدلال بالآية تحصيل مطلق دال على المطهرية، بحيث يرجع إليه في غير ما هو المتيقن مطهريته من أقسام المياه من قبيل ماء البحر‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 18.

39

..........

____________

الذي وقع الخلاف في مطهريته في الجملة. و من المعلوم عدم الجزم بالمساواة في الحكم بين ماء المطر و لو بعد تجمعه على الأرض و بين ماء البحر، فكيف يمكن الاستدلال بإطلاق الآية.

و أما التقريب الثاني- و هو دعوى أن الضمير راجع إلى ذات الماء لا إلى الماء بما هو نازل- فيرد عليه: أن مرجع الضمير و إن كان كلمة «ماء» بذاتها، و لكن الماء الذي رجع الضمير اليه بعد فرض كونه مفعولا ل‍ «ينزل» يستحيل أن يكون له إطلاق لغير الحصة المنزلة، فلو قال شخص لآخر «أرسل إليك العالم فأكرمه» يكون مرجع الضمير هو العالم، و لكن يستحيل أن يكون لمرجع الضمير إطلاق يشمل الأفراد غير المرسلة من قبل القائل.

نعم يمكن بيان هذا التقريب بنكتة أخرى، و هي: ان التنزيل- و إن كان قد أخذ في الآية الكريمة- و لكن التنزيل باعتباره من مبادئ إيجاد الماء يختلف عن باقي خصوصيات الماء التي تكون من شئونه و أوصافه لا من مبادئ إيجاده، فهو كما يمكن أن يكون مأخوذا على نحو الموضوعية بحيث يكون بعنوانه دخيلا في موضوع الحكم بالمطهرية، كذلك يمكن أن يكون مأخوذا على نحو الطريقية و بما هو طريق محض إلى إيجاد الماء، بحيث يكون تمام الموضوع للحكم بالمطهرية هو ذات الماء، و لا يكون للإنزال دور إلا بوصفه طريقة في إيجاد الماء الذي هو تمام الموضوع. و بعد التردد بين الموضوعية و الطريقية يمكن تعيين الطريقية بمناسبات الحكم و الموضوع المركوزة في الذهن العرفي، فإن المرتكز بمناسبات الحكم و الموضوع العرفية أن موضوع المطهرية العرفية طبيعي الماء، و أن الإنزال من السماء ليس له دخل في المطهرية العرفية إلا بوصفه طريقا لإيجاد ذات المطهر الذي هو الماء. و هذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة لبية و منشأ لظهور الآية في كونه مأخوذا على‌

40

..........

____________

نحو الطريقية الصرفة إلى وجود ذات الماء، و بذلك ينعقد للآية الكريمة ظهور في مطهرية طبيعي الماء.

هذا هو تمام الكلام في الجهة الأولى التي تبحث عن تحديد الموضوع في الآية الكريمة.

و أما الجهة الثانية من ناحية الحكم: فهذه الآية أحسن حظا من الآية السابقة، لأن الكلمة فيها صريحة في المطهرية، و لا تتطرق إليها الإشكالات التي كانت في كلمة «طهور» و تحقيق مفاد هيئة فعول.

و لكن السيد الأستاذ- (دام ظله)- أثار بشأن هذه الآية ما نقلناه عنه في بحث الآية السابقة، من إبداء احتمال ان تكون المطهرية في كلتا الآيتين مطهرية تكوينية، فلا يستفاد منها رافعية الماء للنجاسة، إذ لم يثبت انعقاد الحقيقة الشرعية في عصر صدور الآيتين، بل لم يثبت أن أحكام النجاسة الخبيثة كانت مشرعة (1).

و قد انتهى السيد الأستاذ إلى القول بأن الآيتين تدلان على طهارة الماء في نفسه و على مطهريته من الجنابة، و لا تدلان على المطهرية من النجاسة (2).

أما دلالتهما على طهارة الماء في نفسه فلأنهما في مقام الامتنان بتكوين الماء و بمطهريته التكوينية للاقذار، و لا معنى للامتنان في إزالة القذر بالنجس، فيستكشف من ذلك طهارته.

و أما دلالتهما على مطهرية الماء من الحدث فلأن الحدث كان مشرعا و معتبرا منذ ابتداء الشريعة المقدسة، باعتبار اشتمال الشريعة منذ البدء على الصلاة، و لا صلاة إلا بطهور.

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 15.

(2) نفس المصدر ص 18.

41

..........

____________

و أما عدم دلالتهما على مطهرية الماء من النجاسة، فلما تقدم من عدم إحراز كونها مشرعة في ذلك الوقت، فضلا عن صيرورة الطهارة حقيقة في المعنى الشرعي.

و ما أفيد في دلالة الآيتين على الطهارة و عدم دلالتهما على المطهرية من النجاسة متين، فان احتمال إرادة المطهرية التكوينية لا دافع له في كلتا الآيتين، و ان كان هو في الآية الأولى أقوى منه في الثانية، لأن الأولى في سياق استعراض النعم للجاحدين، فتناسب المطهرية التكوينية كما أشرنا سابقا، و أما الثانية فهي في سياق استعراض النعم للمؤمنين، و هم يناسب شأنهم أن ينبهوا الى نعمة المطهرية التشريعية.

و أما دلالة الآيتين على المطهرية من الحدث الى جانب المطهرية التكوينية، فهي محل إشكال. لأن كلمة «طهورا» في الآية الأولى و كلمة «يطهركم» في الآية الثانية انما تدل على صرف المطهرية، و لا يمكن إجراء الإطلاق فيهما لإثبات فردين من المطهر، لأن الإطلاق إنما يمكن إجراؤه في جانب موضوع الحكم لإثبات شموله لتمام افراده، لا في جانب المحمول.

فاذا قلنا «الماء طهور» أو «الماء يطهر» فلا يمكن ان نثبت بإطلاق المحمول كونه واجدا لنحوين من المطهرية، لأن مفاد المحمول- بحسب التفاهم العرفي دائما- هو صرف الوجود، فكما أنا إذا قلنا «العلم نافع» لا يمكن ان نثبت بإطلاق كلمة «نافع» ترتب تمام المنافع على العلم، و انما نثبت بإطلاق الموضوع ترتب صرف المنفعة على تمام أفراد العلم، كذلك في المقام.

نعم لا بأس بدلالة الآية الثانية على المطهرية من الجنابة بلحاظ ما علمناه من ورودها بشأن المجاهدين في غزوة بدر، إذ احتلموا فمن اللّه عليهم بالمطر فاغتسلوا به. و من هنا قد يتوهم دلالة الآية الثانية التزاما على المطهرية‌

42

..........

____________

من الخبث أيضا، لأن الجنب لا تنفك جنابته في حال الاحتلام عن نجاسة في بدنه أو ثوبه، فتكون الآية دالة بالدلالة الالتزامية العرفية على المطهرية من الخبث أيضا.

و لكن هذا التوهم لا مجال له بعد فرض عدم إمكان إحراز تشريع نجاسة المني في ذلك الوقت، و مع فرض عدم تشريعها في ذلك الوقت فلا ملازمة عرفا بين التطهير من حدث الجنابة و التطهير من الخبث.

و مطهرية الماء من الحدث يمكن استفادتها أيضا من قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ. وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1) فان مقتضى الإطلاق في الغسل كفاية مطلق الماء، سواء قيل باختصاص صدق عنوان الغسل بالماء أو شموله لمطلق المائع. كما أن مقتضى الإطلاق المقامي لقوله «فَاطَّهَّرُوا» هو كون المأمور به التطهير بالماء، لمركوزية مطهرية الماء عرفا، و يشهد له قوله بعد ذلك «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً».

الدليل من الروايات:

و الاستدلال بالروايات يقع في جهتين:

«الجهة الأولى»- في الاستدلال بالروايات على طهارة الماء بتمام أقسامه،

و قد استدل على ذلك بعدد من الطوائف:

منها، ما ذكره السيد الأستاذ- (دام ظله)- من الروايات الدالة على أن الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر، فإنها تدل على الطهارة الواقعية لطبيعي الماء: أما بناء على تكفلها لإثبات الطهارة الواقعية ابتداء فواضح، و أما بناء على تكفلها لقاعدة الطهارة و تمحضها في ذلك، فإنها تدل حينئذ على الطهارة‌

____________

(1) المائدة 5: 6.

43

..........

____________

الواقعية بالالتزام، إذ لو كان الماء نجسا واقعا فلا يعقل جعل قاعدة الطهارة ظاهرا (1).

و التحقيق أنه بناء على تمحض هذه الروايات في قاعدة الطهارة: إما أن يبني على شمولها للشبهة الحكمية للطهارة و الشبهة الموضوعية معا، كما هو المعروف في قاعدة الطهارة، و إما أن يبنى على الاختصاص بالشبهة الموضوعية فان بنى على الاختصاص بالشبهة الموضوعية أمكن الاستدلال بروايات هذه القاعدة على الطهارة الواقعية الذاتية لطبيعي الماء مطلقا.

و أما إذا بني على عدم الاختصاص- كما هو المعروف- و كون محصل الروايات: أن كل ما لا يعلم بكونه قذرا من الماء فهو طاهر، سواء شك فيه بنحو الشبهة الموضوعية أو بنحو الشبهة الحكمية. فلا يمكن الاستدلال بروايات القاعدة حينئذ على الطهارة الذاتية واقعا لمطلق الماء، و لا تكون دالة على ذلك بالالتزام، لأن جعل قاعدة الطهارة على الماء المشكوك بهذا المعنى يلائم مع فرض انقسام طبيعي الماء واقعا الى قسمين أحدهما نجس و الآخر طاهر، إذ يكفي ذلك في تعقل جعل قاعدة الطهارة، و لا يتوقف جعلها على أن تكون تمام أقسام المياه محكومة بالطهارة الذاتية واقعا. فلا تحقق هذه الطائفة الدليل المطلق المطلوب، و انما تثبت طهارة الماء بنحو القضية المهملة التي تتكفل الضرورة إثباتها.

و منها ما ذكره السيد الأستاذ و غيره من الروايات الدالة على مطهرية الماء، فإنها تدل على طهارة الماء في نفسه، إذ لا يمكن تطهير المتنجس بالنجس (2).

و التحقيق في حال هذه الطائفة أن الدليل المتكفل مثلا للأمر بالغسل‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 19.

(2) نفس المصدر ص 20.

44

..........

____________

بالماء مدلوله المطابقي هو مطهرية الماء، و هذا المدلول المطابقي مقيد بدليل لبى كالإجماع أو بالأدلة اللفظية بغير الماء النجس، لأن الماء النجس لا يصح الغسل به إجماعا و نصا، فالدليل على عدم مطهرية الماء النجس يكون مقيدا لإطلاق قوله «اغسله بالماء». و معه فاذا شك بعد ذلك في ماء أنه نجس أو طاهر لا يجوز التمسك بإطلاق قوله «اغسله بالماء» لإثبات مطهريته، لأنه تمسك بالعام أو بالمطلق في الشبهة المصداقية، حيث أن معنى الشك في طهارة ماء و نجاسته هو احتمال كونه فردا للموضوع الخارج بالتخصيص، و هو عنوان الماء النجس. و لا فرق في ذلك بين أن يكون الشك في نجاسة الماء بنحو الشبهة الموضوعية أو بنحو الشبهة الحكمية، فإن الشك على أي حال يعتبر بلحاظ العنوان الخارج العنوان بالتخصيص- و هو طبيعي الماء النجس- شبهة مصداقية، و هذا يعني أن أي قسم من الماء شك في طهارته الذاتية لا يمكن التمسك بإطلاق دليل المطهرية لإثبات مطهريته و بالتالي طهارته، لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و هذا الكلام تام بناء على مباني المحقق النائيني «ره» و السيد الأستاذ- (دام ظله)- القائلين بعدم جواز التمسك بالعام المخصص في الشبهة المصداقية للعنوان الخارج بالتخصيص مطلقا. و لكن يمكن دفعه بناء على المختار في تلك المسألة، فإن المختار في مسألة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للعنوان الخارج بالتخصيص هو التفصيل، و حاصله: إن الفرد المشكوك في كونه فردا للعنوان الخارج بالتخصيص: تارة يفرض أن نسبة المولى إلى الشك فيه بما هو مولى كنسبة المكلف بحيث لا يكون لمولوية المولى دخل في نفى الشك، كما إذا قيل «أكرم كل عالم» و قيل «لا تكرم فساق العلماء» و شك في عالم أنه فاسق أولا، فهنا ليس من شأن المولى بما هو مولى أن يكون عالما بواقع حال هذا الفرد، بل نسبته بما هو مولى- لا بما هو‌

45

..........

____________

علام الغيوب- إلى حال هذا الفرد كنسبة المكلف. و أخرى يكون حال المولى بما هو مولى بالنسبة إلى الفرد المشكوك مختلفا عن حال المكلف، بمعنى أن نفس مولوية المولى تقتضي أن يكون أعرف بحال ذلك الفرد، كما لو كانت الشبهة المصداقية لدليل التخصيص شبهة حكمية في نفسها، فان المولى بحكم كونه مولى أعرف بحكم الشبهة الحكمية، كما إذا قيل «كل بيع صحيح» و قيل في دليل مخصص «ان البيع إذا وقع في وقت وجوب صلاة الجمعة على البائع فلا يصح»، و شك في أن البائع المسافر هل تجب عليه صلاة الجمعة أو لا؟. فهذه شبهة حكمية في نفسها و لكنها شبهة مصداقية بالنسبة إلى دليل التخصيص. و قد اخترنا في الأصول ان عدم جواز التمسك بالعام المخصص في الشبهة المصداقية الدليل التخصيص يختص بالنحو الأول، لأن نكتة عدم الجواز لا تنطبق إلا عليه. و أما في النحو الثاني من الشبهة المصداقية فيجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و تحقيق الكلام في المبنى موكول إلى علم الأصول. و الشبهة المصداقية التي نبهنا عليها في المقام من قبيل النحو الثاني، فيتمسك فيه بالعام أو المطلق [1].

____________

[1] و الوجه الذي أفاده سماحته- دامت ظلاله الوارفة- في علم الأصول: أنه مهما كان الشك في الشبهة المصداقية للمخصص ذا اعتبارين:

فبلحاظ المخصص شبهة مصداقية بينه و بين العام، و بلحاظ نفسه شبهة حكمية- كما في مثال مطهرية الماء الذي يشك في حكم الشارع عليه بالنجاسة- ففي مثل ذلك يجوز التمسك بعموم مطهرية كل ماء لإثبات مطهرية ذلك الصنف من الماء المشكوك في نجاسته و طهارته، لأن الخطاب العام بحسب ظهوره شامل له، فيكون حجة بمقتضى أصالة العموم.

و لا يرد عليه ما أوردناه على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية التي لا تكون شبهة حكمية في نفسها، بل تكون متمحضة في المصداقية كما-

46

____________

- في مثل «أكرم كل عالم» الذي خصص بالمنفصل بغير الفساق، و شك في عالم هل هو فاسق أم لا، فإنه لا يجوز فيه التمسك بعموم «أكرم كل عالم» لإثبات وجوب إكرام الفرد المشكوك في عدالته و فسقه.

فان المانع الذي تصورناه هناك هو أن خطاب «أكرم كل عالم» لو أراد الدلالة على وجوب إكرام الفرد المشكوك في عدالته و فسقه، فهل يدل على وجوب إكرامه و لو كان فاسقا، بأن يدل على وجوب إكرامه لأنه عالم سواء كان فاسقا في الواقع أم عادلا، أو يدل على وجوب إكرامه لأنه عادل، بأن يدل مطابقة على وجوب إكرامه و التزاما على أنه عادل؟. فهناك نحوان من وجوب الإكرام يتصور ثبوتهما للفرد المشكوك، و كلاهما لا يمكن إثباته بالعام.

أما النحو الأول: فلأنه يقطع بعدمه بعد ورود المخصص الدال على أن موضوع الحكم ليس هو العالم فقط، بل العالم العادل، فلو كان الحكم ثابتا على الفرد المشكوك فلا بد و أن يكون بعنوان أنه عالم عادل.

و أما النحو الثاني: بأن يتمسك بظهور العام و شموله للفرد المشكوك لإثبات وجوب الإكرام بالمدلول المطابقي و استكشاف أنه وجوب بملاك كونه عادلا، فيكون إخبارا عن تحقق موضوع الحكم بالمدلول الالتزامي.

فهذا أيضا غير صحيح، لأن الشارع عند بيانه للأحكام على نحو القضايا الحقيقية ليس في مقام الإخبار عن تحقق أفراد الموضوع خارجا و أن زيدا عالم عادل أم فاسق، فإنه ليس إلا في مقام تشريع أصل الحكم و جعله على موضوعه بنحو القضية الحقيقية، فهو في هذا المقام لا يعلم بعدالة زيد أو فسقه حتى يخبر عن تحققها. نعم ربما يعلم بذلك من باب أنه عالم بالغيب و لكن هذا ليس البناء على إعماله في مقام بيان الأحكام الشرعية، فالشارع

47

____________

بما هو متكلم بالكلام العام لا يمتاز عنا في تشخيص الموضوعات حتى يكون في كلامه ظهور في أنه يثبت وجوب الإكرام له لأنه عادل، فنسبة المولى إلى هذه الجهة كنسبتنا إليها تماما، فكما نشك في وجوب إكرامه لكونه عادلا كذلك المولى شاك في ذلك، فلا يمكن التمسك بخطابه لإثبات هذا النحو من الوجوب. فكلا النحوين من الحكم لا يمكن إثباته للفرد المشكوك و ليس في المقام نحو ثالث من الوجوب حتى يثبت بالعام.

هذا ملخص الوجه المختار في مقام المنع عن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه المنفصل، و هو كما ترى مخصوص بما إذا كانت الشبهة ذات اعتبار واحد، بحيث تكون نسبة المولى إليها كنسبتنا إليها. و أما إذا كانت الشبهة المصداقة شبهة حكمية في نفس الوقت- كما في مثال الماء الذي يشك في طهارته و نجاسته بنحو الشبهة الحكمية لا الموضوعية- فلا يتم فيها هذا البيان، بل يكون ظهور العام الدال على مطهرية كل ماء شاملا للفرد المشكوك و دالا بالالتزام على طهارته، لأن بيان الشبهة الحكمية من وظيفة المولى نفسه، فهو بما هو مولى أعرف بحدودها و شئونها، و ليست نسبتها اليه كنسبتها إلينا. و المفروض أن خطاب المولى ظاهر بنفسه في شمول هذا الفرد المشكوك و إثبات حكم العام له، لأن العموم يثبت الحكم على كل فرد فرد بحيث يكون الشك في خروج فرد شكا في تخصيص زائد، فلا بأس ان يتمسك بأصالة العموم و عدم التخصيص الزائد، و يكون دالا بالتزام على تحقق الموضوع- و هو الطهارة- فيه، و أن ثبوت الحكم انما هو لكونه واجدا للموضوع، بعد أن كان أمر هذا الموضوع بيد المولى نفسه جعلا و رفعا و سعة و ضيقا.

و أما الوجوه الأخرى التي ذكروها للمنع عن حجية العام في الشبهة المصداقية، فغير تامة في نفسها فضلا عن تماميتها في أمثال المقام، حيث-

48

____________

- تكون الشبهة المصداقية حكمية أيضا، كما هو موضح في البحث الأصولي.

هذا كله في العام، و أما الخطاب المطلق الذي وقع الشك فيه بنحو الشبهة المصداقية بينه و بين مقيده فلا يتم في حقه هذا البيان، باعتبار أن المطلق ليس فيه دلالة على ثبوت الحكم لكل فرد فرد من أفراد الموضوع كي يتمسك بهذا الظهور بالنسبة إلى الفرد المشكوك، و إنما الحكم قد انصب في المطلق على الطبيعة ابتداء، و انطباقها على الأفراد ليس إلا بحكم العقل لا بدلالة اللفظ، و المفروض إحراز التقييد في المطلق و ان الحكم بالمطهرية مثلا مرتب على الماء الطاهر لا طبيعي الماء، فعند الشك في فرد من المياه هل هو طاهر أم نجس لا يمكننا إثبات الحكم فيه لا بدلالة اللفظ في المطلق لأنه لم يكن شاملا للأفراد، و لا بدلالة العقل و تطبيق الطبيعة على أفرادها لأننا أحرزنا أن الطبيعة المأخوذة في موضوع الحكم مقيدة بالطاهر، و هو مشكوك الانطباق حسب الفرض.

و من هنا نحتاج إلى تقريب آخر يوصلنا إلى نفس النتيجة في المطلقات عند الشك بنحو الشبهة المصداقية بينها و بين مقيداتها. و حاصل ذلك التقريب هو: أننا- و ان أحرزنا التقييد و ان الماء النجس ليس بمطهر في المثال- غير أن هذا لا يتعين في أن يكون تقييدا لإطلاق مطهرية كل ماء طالما نحتمل طهارة جميع المياه كما هو المفروض. و الوجه في ذلك: هو أننا نحتمل أن يكون المولى قد أحرز تحقق القيد و الملاك في تمام أفراد الطبيعة، بمعنى أنه أحرز مساواة الطبيعة المطلقة خارجا مع الطبيعة المقيدة.

و هذا من شئونه، و هو أعرف به باعتبار أن القيد حكم شرعي في نفسه و الشبهة حكمية بهذا الاعتبار، و ليست نسبتها اليه كنسبتها إلينا على ما تقدم. و بهذا الاعتبار قد جعل الحكم بالمطهرية على طبيعي الماء، فيكون-

49

____________

- الظهور الإطلاقي في المطلق كاشفا عن ثبوت الملاك في تمام موارد انطباق الطبيعة، و ان المطهرية ثابتة فيها لثبوت الطهارة فيها جميعا. و هكذا نثبت بنفس الظهور الإطلاقي تحقق القيد في الفرد المشكوك كما كنا نثبته في باب العموم.

نعم هذا البيان لا يتم فيما إذا أحرزنا تحقق مصداق للمقيد خارجا، كما لو أحرزنا نجاسة ماء البحر مثلا، فإنه حينئذ لا يمكننا إثبات الحكم في ماء آخر نشك في طهارته و نجاسته، لأننا علمنا في مثل ذلك أن الطبيعة المطلقة ليست مساوية مع الطبيعة المقيدة التي هي موضوع الحكم واقعا. و معه لا معنى للتمسك بالظهور الإطلاقي لإثبات تحقق القيد، و الملاك في تمام موارد انطباق الطبيعة ليثبت به ذلك في الفرد المشكوك.

و هذا بخلاف الحال في العام المخصص، فإنه حتى لو علمنا فيه بتحقق مصداق للمخصص خارجا و ان الطبيعة المطلقة لا تساوي المقيدة، مع ذلك يصح التمسك بالعموم في الفرد المشكوك، لأنه مشمول بنفسه لدلالة العام على ثبوت الحكم لكل فرد فرد، فيكون الشك فيه لا محالة شكا في تخصيص زائد بلحاظ هذا الظهور منفيا بأصالة العموم، لا باحتمال مساواة الطبيعة المطلقة مع المقيدة حتى لا يتم ذلك في مورد القطع بعدم المساواة.

الا أن هذا الفارق بين المطلق و العام غير مؤثر في المقام، فان خطابات الأمر بالغسل و مطهرية الماء عن القذر- و إن كانت دلالتها بالإطلاق لا بالعموم و قد علمنا من الخارج بعدم مطهرية الماء النجس و اشتراط الطهارة فيها- غير أنا لا نعلم بثبوت ماء نجس خارجا، بل كل ما ينطبق عليه طبيعة الماء نحتمل وجدانه لملاك الحكم و قيده، و هو الطهارة الذاتية. و عليه فلا مانع من التمسك بالظهور الإطلاقي في هذه الخطابات-

50

..........

____________

و منها ما دل على اعتصام طبيعي الماء و أنه لا ينفعل إلا بالتغير، من قبيل قوله في صحيح حريز: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب» (1)، فإنه- و ان كان مسوقا لبيان الاعتصام و عدم الانفعال بمجرد الملاقاة- غير أنه يدل ضرورة على ثبوت الطهارة الذاتية للماء في نفسه، إذ لا معنى للاعتصام بدون طهارة ذاتية.

و هذه الطائفة- و إن كانت تامة دلالة كما بينا و تامة موضوعا، لأن الموضوع فيها طبيعي الماء فيتحصل منها إطلاق يثبت طهارة تمام أقسام‌

____________

- لإثبات طهارة كل ماء.

إن قيل: اشتراط الطهارة في المطهر أمر ارتكازي عرفا و متشرعيا، فيكون خروج الماء النجس عن دليل المطهرية بمثابة المخصص المتصل لا المنفصل. و عليه فمن أول الأمر ظهور الخطاب لم يشمل غير الماء الطاهر، و المفروض الشك في انطباقه على الماء المشكوك، فيكون التمسك به من التمسك بالعام أو المطلق في الشبهة المصداقية لنفسه لا بينه و بين المخصص أو المقيد، و هذا مما لا يصح بلا إشكال.

قلنا: ارتكازية عدم مطهرية الماء النجس لا تكون مقيدة لإطلاق أدلة مطهرية المياه، بعد افتراض أننا احتملنا طهارة جميع أقسام المياه في نفسها، و أن حكم الشارع بالمطهرية على مطلق المياه كان بملاك إحراز تحقق قيد الطهارة فيها، فان هذا الظهور الإطلاقي يكون رافعا لموضوع المقيد و دالا على أن القيد- و هو الطهارة- محفوظ في تمام موارد انطباق الطبيعة المطلقة، و ليس منافيا مع نفس التقييد و اشتراط الطهارة في المطهر حتى يرتفع بعد ثبوت التقييد.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق، حديث- 1- ص 102 ج 1 من الطبعة الجديدة.

51

..........

____________

المياه- و لكن مع هذا يشكل الاستدلال بها، لأن المدلول المطابقي لها هو الاعتصام و المدلول الالتزامي هو الطهارة الذاتية، و نحن قد علمنا بلحاظ أدلة عدم اعتصام الماء القليل أن هذه الطائفة مخصصة، و أن الماء القليل خارج عن نطاق المدلول المطابقي و هو الاعتصام تخصيصا، و بعد سقوط المدلول المطابقي لهذه الطائفة بالنسبة إلى غير المعتصم من المياه، فلا يمكن التمسك بمدلوله الالتزامي لإثبات الطهارة الذاتية لذلك القسم الذي خرج عن مدلوله المطابقي تخصيصا، لأن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجية كما حققناه في الأصول. فإذا لم تكن هذه الطائفة حجة في إثبات الاعتصام للماء القليل لا تكون حجة في إثبات الطهارة الذاتية له، إلا إذا ضم إلى ذلك ارتكازية عدم دخل القلة و الكثرة في أصل النجاسة الذاتية.

و منها ما دل على الانفعال بالملاقاة أو بالتغير، فإنه يتضمن لا محالة إفادة الطهارة الذاتية للماء، لأن ما يكون نجسا بالذات لا معنى للحكم بانفعاله بالملاقاة أو بالتغير. و دليل الانفعال بأنحائه يستوعب تمام أقسام المياه، لأن أدلة إناطة الانفعال بالتغير تشمل بمجموعها مجموع المياه المعتصمة، و أدلة الانفعال بمجرد الملاقاة تشمل الماء القليل غير المعتصم. بل ان دليل الانفعال بالملاقاة يدل بمفرده على طهارة جميع أقسام المياه: أما القليل فلأنه مورد الدليل، و أما غيره فلأنه أولى بالطهارة الذاتية من القليل. و بهذا تتحصل طهارة تمام أقسام المياه بلحاظ ما ذكرناه من الروايات و غير ما ذكرناه من سائر الأخبار التي تدل على طهارة الماء بأنحاء من الدلالة.

«الجهة الثانية»- في دلالة الروايات على مطهرية الماء من الحدث و الخبث:

أما المطهرية من الحدث فهي مفاد الأخبار البيانية في باب الوضوء و الغسل، و أما المطهرية من الخبث فيدل عليها ما دل على مطهرية الماء بعنوانها‌

52

..........

____________

من قبيل ما ورد من أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسع اللّه تعالى عليكم و جعل لكم الماء طهورا (1). فان المراد من الطهورية هنا المطهرية بقرينة صدر الرواية. و ما دل على الأمر بالغسل إما مطلقا و إما مقيدا بالماء، فإن الأمر بالغسل إرشاد إلى نجاسة المغسول منه و مطهرية الغسل كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و كثير من النجاسات انما استفيد نجاستها من الأدلة المتكفلة للأمر بالغسل. و قد أشرنا سابقا الى أن الأدلة التي استفيدت منها نجاسة الشي‌ء بعنوانها تدل أيضا على مطهرية الماء بلحاظ إطلاقها المقامي.

و نستفيد من أدلة مطهرية الماء أن كل ماء مطهر، و انه مطهر لكل جسم قابل للغسل، و انه مطهر و مزيل للنجاسة العرضية مهما كان القذر المسبب لها.

أما أن كل ماء مطهر فللتمسك بالإطلاق اللفظي لكلمة «الماء» فيما دل على طهورية الماء بمعنى مطهريته، و الإطلاق اللفظي للأمر بالغسل فيما دل على الأمر بالغسل من النجاسات، و الإطلاق المقامي لنفس أدلة النجاسات.

و أما أن كل جسم قابل للغسل يطهر بالماء، فلقوله في موثقة عمار:

«و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» (2)، فان مقتضاه قابلية كل جسم للتطهير بالغسل، مضافا الى استفادة ذلك من الروايات الواردة في موارد خاصة بعد إلغاء الخصوصية بالارتكاز العرفي.

و أما أن الماء رافع للنجاسة العرضية الناشئة من أي نوع من القذر،

____________

(1) وسائل الشيعة باب: 1 من أبواب الماء المطلق حديث- 4- ص 100 جزء 1 من الطبعة الجديدة.

(2) وسائل الشيعة باب: 4 من أبواب الماء المطلق حديث- 1- ص 106 من الجزء الأول الطبعة الجديدة.

53

(مسألة- 1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر

لكنه غير مطهر لا من الحديث و لا من الخبث و لو في حال الاضطرار (1).

____________

فهذا ما يقتضيه الإطلاق الناشي من حذف المتعلق فيما دل على طهورية الماء بمعنى مطهريته، و الإطلاق اللفظي للأمر بالغسل الوارد في مورد افتراض القذر الشامل بإطلاقه لتمام أنواع النجاسة، و الإطلاق المقامي لنفس أدلة تنجس الأشياء، فإن مركوزية كون الماء مطهرا للشي‌ء عند تقذره توجب ظهور الدليل الدال على تنجس الشي‌ء عند سكوته عن كيفية تطهيره في أنه يطهر بنفس الطريقة المركوزة- أي بالغسل بالماء.

و أما كيفية الغسل المطهر و شرائطه فبحث ذلك موكول الى فصل المطهرات.

الكلام في الماء المضاف يقع في مسائل:

المسألة الأولى: في طهارة الماء المضاف في نفسه.

(1) فنقول: إنه في مقام إثبات الطهارة له لا بد من ملاحظة أصله، حيث أن المضاف يحصل: إما بالاعتصار و نحوه، و إما بالمزج و التركيب.

و لا يخلو حال الأصل: إما أن يكون موردا للدليل اللفظي الدال على الطهارة أو النجاسة، أو يكون موردا للدليل اللبي الدال على حكمه، أو يكون موردا للأصل العملي متمثلا في استصحاب الطهارة أو النجاسة، أو يكون موردا للأصل العملي متمثلا في قاعدة الطهارة.

فإن فرض أن الأصل كان موردا للدليل اللفظي الدال على الطهارة أو النجاسة، فنفس هذا الدليل يثبت به بقاء الحكم بعد الاعتصار و بعد‌

54

..........

____________

الامتزاج، بلا حاجة الى الرجوع الى الأصول العملية. و ذلك لأن الدليل اللفظي إما أن يكون له إطلاق لفظي من أول الأمر بحيث يشمل الرمان مثلا في حالتي اعتصاره و ما قبل اعتصاره- كما لو فرض ان الدليل قال «ما يكون أصله من هذه الشجرة فهو طاهر»- فهذا عنوان مطلق يشمل الرمان قبل العصر و الرمان بعد العصر، و إما أن نفرض أن الدليل اللفظي قد حكم بالطهارة أو النجاسة على عنوان يزول بعد العصر، كما لو قال «الرمانة طاهرة». و من المعلوم ان ماء الرمان لا يصدق عليه أنه رمانة:

فعلى الأول لا إشكال في التمسك بإطلاق الدليل اللفظي لإثبات الحكم، و أما على الثاني فالدليل و ان لم يكن له إطلاق- لو خلي وحده- و لكن ينعقد له الإطلاق بضم القرائن الارتكازية المتصلة، لأن خصوصية كون الرمان غير معتصر مثلا ملغاة بحسب الارتكاز العرفي و مناسبات الحكم و الموضوع لا بمعنى أننا ندعي القطع بالملاكات الشرعية و ان الحكم الشرعي ليس منوطا بتلك الخصوصية واقعا، و إنما ندعي أن ارتكازية عدم دخل هذه الخصوصية في النظر العرفي بحسب ما يفهمه العرف من مناسبات الحكم و الموضوع تكون منشأ لظهور الدليل في إلغائها و كونها مجرد مورد، مع تعلق الحكم بالجامع المحفوظ حتى بعد الاعتصار، و بذلك نتمسك بالإطلاق.

و أما إذا افترضنا أن الأصل كان محكوما بالطهارة أو النجاسة بدليل لبى، فان فرض شموله لما بعد الاعتصار- كما إذا كان الدليل اللبي إجماعا و كان لمعقده إطلاق- أخذ به و الا فلا يمكن التمسك بإطلاق الدليل، لأن الدليل هنا لبى و ارتكاز إلغاء الخصوصية في الذهن العرفي إنما ينفع في باب لأدلة اللفظية، لأنه يكون من القرائن المكتنفة بالكلام الموجبة لانعقاد ظهورات فيه، و هذه الظهورات هي الحجة بمقتضى دليل حجية الظهور.

و هذا على خلاف الأدلة اللبية من قبيل الإجماع مثلا، فإنه بعد فرض عدم‌