بحوث في شرح العروة الوثقى - ج2

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
295 /
3

الجزء الثاني

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة فصل في المياه]

ماء المطر

[المدخل]

اعتصامه- شروط الاعتصام- مطهريته- حدود المطهرية- فروع و تطبيقات‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

فصل ماء المطر حال تقاطره من السماء كالجاري فلا ينجس ما لم يتغير و ان كان قليلا سواء جرى من الميزاب أو على وجه الأرض أم لا (1).

____________

(1) تعرض- (قدس سره)- في هذه العبارة إلى جهتين: إحداهما أصل اعتصام ماء المطر، و الأخرى عدم اشتراط هذا الاعتصام بالجريان،

اما الجهة الأولى، [في اعتصام ماء المطر]

فلا اشكال، فتوى- و ارتكازا- في اعتصام ماء المطر. و اما بمقتضى صناعة الدليل: فروايات انفعال الماء القليل و ان كان جملة منها لا إطلاق فيها لماء المطر، و لكن ما كان من قبيل مفهوم:

«إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء» كاف لإثبات انفعال ماء المطر القليل، بإطلاقه، لأن المفهوم بلحاظ إفراد الماء انحلالي، و ان لم يلتزم بانحلاليته بلحاظ إفراد النجس، فلا بد إذن من مقيد.

و ما يمكن الاستدلال به للتقييد عدة روايات،

منها رواية الكاهلي،

عن رجل عن أبي عبد اللّه في حديث «قال: قلت: يسيل علي من ماء المطر ارى فيه التغير، و ارى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات عليّ، و ينتضح عليّ منه، و البيت يتوضأ على سطحه فيكف على ثيابنا. قال:

ما بذا بأس، لا تغسله، كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر» (1). و من‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 5.

6

..........

____________

الواضح ان الجمل التي ساقها الراوي انما هي بعناية إثبات مرور المطر على النجاسة، و ملاقاته لها، فحكم الامام بنفي البأس واضح الدلالة على الاعتصام و دعوى: ان مورد الرواية تغير ماء المطر، و لا إشكال في انفعاله بالتغير و مع عدم العمل بها في موردها لا يمكن التمسك بها لإثبات المطلوب.

يمكن دفعها: بان قول الراوي (أرى فيه التغير. إلخ) ليس ظاهرا في دعوى رؤية التغير بعين النجس، و انما يدل على رؤية التغير و وجود آثار القذر في الماء، فيمكن ان يكون المرئي هو التغير باوساخ السطح، و يكون المقصود من بيان ذلك التأكيد على ان الماء جرى على السطح، و مر على المواضع النجسة منه، بدليل ما صحبه من آثار القذر خصوصا مع بعد إمكان تمييز الراوي للتغير و كونه تغيرا بعين النجس بمجرد رؤية ماء المطر و انما الذي يتاح بالرؤية عادة مشاهدة أصل التغير.

و لكن مع هذا لا يمكن التعويل على الرواية المذكورة من جهة الإرسال.

و منها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (ع):

«في ميزابين سالا أحدهما بول، و الآخر ماء المطر، فاختلطا، فأصاب ثوب رجل، لم يضره ذلك» (1) و دلالتها على الاعتصام واضحة. و قد يستشكل في ذلك بان فرض الاختلاط بين البول و ماء المطر و اصابة المختلط للثوب كون البول محفوظا بالفعل و غير مستهلك، و في مثل هذه الحالة لا إشكال في انفعال الماء، بل لا إشكال في انفعاله إذا تغير بالبول و لو مع استهلاك البول فيه فكيف يمكن الاستدلال بالرواية؟. و الجواب: ان هذا مبني على ان فاعل (أصاب) هو نفس فاعل (اختلطا)، أي المختلط المركب من البول و الماء، إذ قد يكون له ظهور حينئذ في فعلية الاختلاط حين الإصابة، و لكن الظاهر ان فاعل أصاب هو المتحصل بعد الاختلاط،

____________

(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 4.

7

..........

____________

و المتحصل بعد الاختلاط من ميزاب ماء و ميزاب بول قد يكون ماء محضا، لاستهلاك البول فيه. و لو فرض الإجمال في فاعل أصاب، و تردده بين المختلط و بين المتحصل بعد الاختلاط، أمكن رفع الإجمال و تعيين الثاني، بضم الدليل القطعي على عدم الطهارة في فرض فعلية الاختلاط.

و قد يستشكل أيضا مع التسليم بان فاعل (أصاب) هو المتحصل بعد الاختلاط: بان هذا ينطبق على صورة عدم استهلاك البول، أو استهلاكه مع تغير ماء المطر به، فيلزم من ذلك طهارة الماء الذي أخرجه البول عن الإطلاق أو غيره و هو باطل جزما. و الجواب ان مرجع ذلك إلى دعوى وجود الإطلاق في الرواية لهذه الصورة، و الإطلاق قابل للتقييد هذا، على ان فرض كون البول بنسبة تقتضي انحفاظه و عدم اندكاكه في ماء المطر ليس فرضا عرفيا اعتياديا في نفسه، لان ماء المطر لا يجري بعناية شخص، و من أجل ذلك فهو لا يجري إلا إذا كان بدرجة عالية من الكثرة، و البول انما يجري عادة بعناية تبول صبي و نحوه، فهو يجري و لو كان ضئيلا. و عدم عرفية الفرض المذكور بنفسه يكون قرينة على انصراف الذهن العرفي في مقام فهم مورد الرواية إلى الفرض الآخر العرفي و هو فرض استهلاك البول، و لا يبقى حينئذ إلا الشمول لمورد التغير بالإطلاق القابل للتقييد.

و منها: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (ع):

«أنه سأل عن السطح يبال عليه، فتصيبه السماء، فيكف فيصيب الثوب. فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه» (1).

و توضيح الكلام في الاستدلال بالرواية: انا إذا لاحظنا جملة لا بأس به نجد أن الضمير المجرور فيها المنفي عنه البأس مردد في بادئ الأمر بين ماء‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 1.

8

..........

____________

المطر الذي ينزل على السطح، أو السطح، أو الماء الذي يكف منه على الثوب أو الثوب. و قد يستظهر ان المنفي عنه البأس هو نفس ما يكون محطا لنظر السائل، و حيث ان كلام السائل ظاهر في ان السؤال متجه نحو الثوب، و ما و كف عليه من ماء المطر، لا نحو السطح بما هو، بقرينة أنه لم يكتف بفرض السطح و نزول المطر عليه، بل فرض وكوف المطر من السطح و وقوعه على الثوب، فلو كان المقصود استطلاع حال السطح لما كان هناك موجب عرفي لهذا الافتراض الزائد، و عليه فيكون المنفي عنه البأس هو الثوب، أو الماء الذي أصابه من السطح.

و قد يستظهر بصورة معاكسة ان مرجع الضمير المجرور المنفي عنه البأس هو نفس مرجع الضمير في قوله (ما أصابه من الماء أكثر)، لظهور الكلام في وحدة مرجع الضميرين، و مرجع الضمير في قوله (ما أصابه) هو السطح لا الثوب، إذ لم يفرض في الثوب أنه أصابه بول، و انما فرض ذلك في السطح، فيكون الظاهر من الضمير المجرور المنفي عنه البأس هو السطح أيضا.

و هذا الاستظهار هو المتعين، و لا ينافيه ظهور الضمير المجرور في قوله (لا بأس به) في الرجوع إلى ما هو مصب سؤال السائل، لأن صيغة السؤال تناسب التوجه إلى حكم السطح أيضا، و ليست ظاهرة في انحصار نظر السائل في الثوب. و عليه فتكون الجملة الاولى في جواب الامام (لا بأس به) متكفلة للحكم بمطهرية ماء المطر للسطح.

و اما بناء على إرجاع الضمير المجرور إلى الماء النازل من السطح أو الثوب فلا تكون الجملة الأولى متكفلة للمطهرية المذكورة مباشرة، بل تكون دالة بالمطابقة حينئذ على طهارة الماء النازل، أو الثوب، و تحتاج استفادة طهارة السطح من هذه الجملة حينئذ إلى تقريب، من قبيل ان‌

9

..........

____________

يقال: ان الغالب في الماء النازل من السطح ان يكون نزوله بعد انقطاع المطر، و صيرورته ماء غير معتصم، فلو لم يكن السطح قد طهر بنزول المطر عليه لتنجس الماء بعد انقطاع المطر عنه بسبب السطح، فما يدل على طهارة الماء النازل يدل بالالتزام حينئذ على طهارة السطح. و هذا التقريب غير تام- بناء على عدم انفعال الماء القليل بالمتنجس الخالي من عين النجس- لان السطح بعد انقطاع المطر عنه ان كان محتويا على عين النجس بالفعل فلا إشكال في عدم طهارته، و ان لم يكن محتويا على ذلك و لو باعتبار استهلاك ما كان عليه من بول في ماء المطر حال تقاطره من السماء فلا يكون ماء المطر بعد انقطاع التقاطر من السماء ملاقيا مع عين النجس، بل مع المتنجس على تقدير بقاء السطح على نجاسته، فلا يلزم من عدم فرض طهارة السطح نجاسة الماء النازل منه، ما دام الماء القليل لا ينفعل بملاقاة المتنجس.

و على كلا التقديرين: لا إشكال في دلالة نفي البأس على اعتصام ماء المطر لان المفروض في مورد الرواية ملاقاته للسطح الذي يبال عليه، و هو يقتضي أحيانا ملاقاة الماء لنفس البول.

فاذا كان المنفي عنه البأس مباشرة في قوله: «لا بأس به» هو الماء النازل أو الثوب دل على طهارة هذا الماء، و لو كان ملاقيا للنجس، و هو معنى الاعتصام. و إذا كان المنفي عنه البأس مباشرة هو السطح، فلا إشكال أيضا في دلالة قوله «لا بأس به» على نفي المحذور فيما فرضه السائل، بتمام مراحله من السطح و الماء النازل و الثوب إذ لو كان الماء النازل و الثوب نجسين مع ارتفاع النجاسة عن السطح، لم يكن معنى لاقتصار الإمام في مقام الجواب على نفي البأس عن السطح، و عدم التعرض لنجاسة الماء النازل و الثوب، فالقول المذكور يدل أيضا على طهارة الماء النازل ضمنا، و بذلك يثبت الاعتصام‌

10

..........

____________

و قد يستشكل في الاستدلال بالرواية المذكورة: بأن نفي البأس الذي هو محط الاستدلال قد علل بان ما أصاب السطح من ماء أكثر من البول و هذا يعنى ان مناط اعتصام ماء المطر أو مطهريته مجرد أكثريته من البول و لو مع انحفاظ البول أو تغير الماء به، و مع وضوح عدم إمكان الالتزام بذلك و بطلانه يكون الكلام مجملا، و يسرى الإجمال إلى الجملة المعللة، و يتعذر الاستدلال بها. و الجواب ان مقتضى الجمود على لفظ الأكثرية و ان كان ذلك، و لكن هذا الجمود ليس عرفيا، بقرينة انه لم يفرض هناك بول موجود بالفعل على السطح عند نزول المطر، و انما فرض سطح يبال عليه، و هذا أعم. فإن أريد بالجمود المذكور تفسير الأكثرية بأكثرية ماء المطر من البول الموجود فعلا، فهذا خلاف الظاهر، إذ لم يفرض وجود بول بالفعل، و ان أريد بذلك تفسير الأكثرية بأكثرية ماء المطر مما أصاب السطح من البول طيلة المدة، فهذا أيضا ليس عرفيا لان الأكثرية بهذا المعنى ليس للمستعلم طريق عرفي إليها، و انما هناك طريق عرفي إلى معرفة الأكثرية بلحاظ الأثر، لا بحسب الكمية، و الأكثرية بلحاظ الأثر مساوقة للقاهرية و عدم تغير الماء بأوصاف البول. فان كان المنظور في الجملة الاولى (لا بأس به) الحكم بمطهرية المطر للسطح، فتكون الجملة الثانية في مقام بيان ضابط هذه المطهرية، و هي الإصابة مع عدم تغير ماء المطر، و ان كان المنظور في الجملة الأولى الحكم بطهارة الماء النازل من السطح، فتكون الجملة الثانية في مقام بيان ضابط هذه الطهارة، و ان ماء المطر ما دام قاهرا على أوصاف النجس لا ينفعل، و هو معنى الاعتصام.

و منها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع)

«قال: سألته عن البيت يبال على ظهره، و يغتسل من الجنابة، ثم يصيبه المطر، أ يؤخذ من‌

11

..........

____________

مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال إذا جرى فلا بأس به» (1) و قد فرض في الرواية ان السطح متنجس بالبول، و مع هذا حكم بطهارة الماء و جواز الوضوء منه. و إطلاقه يشمل صورة وجود عين البول على السطح عند نزول المطر، و هذا معنى الاعتصام.

و دعوى: ان الرواية ليست مختصة بفرض الملاقاة مع عين البول، و انما تدل على طهارة المطر في هذا الفرض بالإطلاق، فتكون معارضة بالعموم من وجه مع إطلاق الماء في مفهوم اخبار الكر لماء المطر، الدال على انفعال الماء القليل بعين النجس و لو كان ماء مطر، و بعد التساقط يرجع إلى أصالة الطهارة. مدفوعة في هذه الرواية و فيما يناظرها: بان شمول الرواية لملاقاة عين النجس و ان كان بالإطلاق، و لكن لما كان هذا الفرد فردا متعارفا بالنسبة إلى السطح الذي يبال عليه و شائعا، لا يكون إخراجه من الإطلاق عرفيا، بل يكون الإطلاق بنفسه قرينة عرفية على إخراج ماء المطر عن موضوع المفهوم في اخبار الكر. هذا إذا لم نقل بان مفهوم اخبار الكر دال على انفعال القليل بالنجس و المتنجس، و إلا كانت رواية علي ابن جعفر أخص مطلقا من المفهوم، لا معارضة بالعموم من وجه.

و منها: ما ورد عن علي بن جعفر أيضا

«قال: و سأله عن الرجل يمر في ماء المطر و قد صب فيه خمر، فأصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل ان يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه و لا رجله، و يصلي فيه و لا بأس» (2) و هذه الرواية- بعد فرض عدم ظهورها في فرض انقطاع ماء المطر عند صب الخمر في الماء- تكون مع ضم دليل نجاسة الخمر دالة على اعتصام ماء المطر، بمعنى ان اعتصامه مستفاد من مجموع الدليلين (هذه‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب: 6 من الماء المطلق حديث: 2.

(2) ذيل الرواية السابقة.

12

..........

____________

الرواية و دليل نجاسة الخمر)، فان استظهر منه فعلية التقاطر عند صب الخمر فهو، و الا قيد إطلاقه لما إذا صب الخمر بعد انقطاع التقاطر بالروايات الخاصة الدالة على انفعال ماء الإناء و نحوه بملاقاة النجس.

و أما الجهة الثانية و هي في اشتراط الاعتصام بالجريان،

و عدم كفاية صدق ماء المطر بدونه: فالكلام فيها يقع، تارة: في تحصيل إطلاق في أدلة اعتصام ماء المطر يشمل صورة عدم الجريان، ليكون المقتضى للاعتصام إثباتا تاما، بقول مطلق.

و اخرى: في ما يصلح ان يكون مقيدا للإطلاق على فرض وجوده فمع عدم وجود الإطلاق، أو وجوده و وجود المقيد معا، يتعين القول بالاشتراط.

اما الكلام في الأمر الأول: فأكثر روايات الباب المعتبرة واردة في مورد الجريان، و ليس فيها ما يدل على تعليق الحكم بالاعتصام على عنوان ماء المطر في نفسه، ليقال بإطلاقه لعدم توقف صدق هذا العنوان على الجريان ففي صحيحة هشام بن الحكم فرض «ميزابان سالا»، و في صحيحة هشام بن سالم فرض (ان السماء تصيب السطح و ينزل الماء من السطح) و هذا لا يكون عادة إلا مع كون الماء بدرجة معتد بها من الكثرة و الجريان و غاية ما يمكن ان يحتمل فيه الإطلاق قوله في صحيحة هشام بن سالم:

«ما أصابه من الماء أكثر»، بدعوى ان هذا التعليل يقتضي إناطة الحكم بالمطهرية و الاعتصام، بمجرد أكثرية ماء المطر و قاهريته، دون فرق بين فرض جريانه و عدمه، فلو تمت هذه الدعوى يبحث حينئذ في الأمر الثاني و هو المقيد بالجريان. و الجريان اما شأني أي كون الماء بحيث يجري لو وقع على الأرض الصلبة، أو فعلي و هو ما يكون جاريا بالفعل.

و قد يقال حينئذ في نفي اشتراط الجريان أنه ان أريد الجريان الفعلي فلازمه ان ادنى ماء على الأرض الصلبة يكون معتصما لجريانه، و ما هو‌

13

..........

____________

أغزر منه كثيرا مما يقع على ارض معيقة عن الجريان غير معتصم، و هذا على خلاف الارتكاز العرفي. و ان أريد الجريان الشأني فلا دليل على اشتراطه، لان الروايات التي أخذ فيها قيد الجريان ظاهرة في فعلية الجريان كما هو الحال في سائر العناوين. و يندفع هذا الكلام: بان اشتراط الجريان الفعلي إذا كان على خلاف الارتكاز العرفي، فهذا الارتكاز بنفسه يكون قرينة على كون الجريان المأخوذ شرطا في الروايات، بمعنى الجريان الشأني أو بكلمة أخرى: يكون قرينة على أنه شرط على وجه الطريقية و بما هو معبر عن غزارة الماء، لا على وجه الموضوعية، فلا بد إذن من ملاحظة ما يستدل به من الروايات على اعتبار الجريان، فان تمت دلالتها على ذلك حملناها بقرينة الارتكاز المذكور و مناسبات الحكم و الموضوع العرفية على كونه معتبرا بنحو الطريقية.

و أهم هذه الروايات صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، التي ورد فيها قوله «إذا جرى فلا بأس به» فتكون مقيدة للمطلقات على فرض وجودها و قد يستشكل في ذلك: تارة بحمل الجريان فيها على الجريان من السماء، فيكون المقصود من الشرطية المذكورة اشتراط التقاطر من السماء في مقابل الانقطاع. و اخرى بحمل اشتراط الجريان على خصوصية في مورد الرواية، و هي ان ماء المطر يقع على مكان متخذ مبالا، و في مثل هذا المكان إذا لم يجر الماء يتغير عادة، فلهذا جعل الجريان شرطا في بقاء الماء على الطهارة. و كلا الاستشكالين في غير محله: اما الأول فلأن الجريان ينصرف إلى الجريان الافقي دون العمودي، و لو أريد اشتراط التقاطر من السماء لكان المناسب التعبير، (بأنه إذا كان جاريا فلا بأس) لا بأنه (إذا جرى فلا بأس) فإن التعبير الثاني ظاهر في كفاية حدوث الجريان، و هذا إنما يناسب شرطية الجريان على الأرض. و اما الثاني فلأن ظاهر أخذ الجريان على ظهر البيت شرطا أخذه بعنوانه، لا باعتباره ملازما لأمر آخر و هو عدم التغير، فحمله على عدم التغير بلا قرينة غير صحيح. خصوصا ان المقصود من التقييد بالجريان إذا كان التحفظ من ناحية التغير، على أساس أن الجريان يساوق الكثرة المانعة عن التغير فهذا المقصود حاصل بدون حاجة إلى التقيد بالجريان، لأن سؤال الراوي عن أخذ الماء منه للوضوء بنفسه يدل على كثرته، بنحو يمكن اغتراف الماء منه للوضوء، و إذا كان المقصود من التقييد بالجريان التحفظ من التغير على أساس أن الجريان يوجب تحرك الماء عن الموضع النجس، و عدم مكثه عليه بنحو يتغير به، فلازم ذلك التقييد بالجريان من الموضع النجس إلى غيره، لا بصرف الجريان كما وقع في الرواية.

14

[اعتصام ما يجتمع منه ما دام التقاطر]

بل و ان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه و إذا اجتمع في مكان و غسل فيه النجس طهر و ان كان قليلا (1) لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء (2)

____________

(1) بمعنى أنه لا يشترط في التطهير بماء المطر القليل وروده على المتنجس، بل يحصل بورود المتنجس عليه، و سوف يأتي الكلام في تحقيق ذلك ان شاء اللّه تعالى.

(2) تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: أحدهما في اشتراط بقاء التقاطر في الحكم بالاعتصام. و الآخر في أنه هل يشترط في التطهير بماء المطر ورود الماء على المتنجس أو لا.

اما المقام الأول فتفصيله: ان لدينا اربع مراتب من ماء المطر، الاولى: الماء المتلبس بفعلية النزول من السماء، و تنتهي هذه المرتبة باستقرار الماء على الأرض. الثانية: الماء المتصل بالسماء، و الاتصال أعم من النزول إذ يصدق على الماء المستمر ما دام التقاطر عليه فعليا لأنه نحو اتصال،

15

..........

____________

فهذه المرتبة أوسع من الأولى. الثالثة: الماء المتصل بالسماء و لو بنحو من العناية، أي المتهيئ، للاتصال، فيشمل الماء المستقر الذي انقطع عنه التقاطر شخصا مع بقاء التقاطر في مواقع أخرى قريبة، بنحو ينتزع من ذلك الماء عنوان التهيؤ و الصلاحية للاتصال. الرابعة: الماء الناشي من السماء. فيشمل الماء بعد انقطاع المطر عنه بالمرة، و هذه المرتبة أوسع المراتب. فلا بد من ملاحظة دليل اعتصام ماء المطر و مناسبته مع أي مرتبة من هذه المراتب. و توضيح ذلك ان كلمة المطر تارة تستعمل في اسم المعنى المصدري أي في الماء النازل من السماء و اخرى في نفس المعنى المصدري أي عملية النزول و بذلك يكون مصدرا قابلًا للاشتقاق منه فيقال مثلا مطرت السماء فإن أريد بالمطر- في جملة (ماء المطر) المحكوم باعتصامه في دليل الاعتصام- اسم المعنى المصدري، فالإضافة في الجملة المذكورة تكون إضافة بيانية، أي ماء هو المطر. و ان أريد بالمطر نفس المعنى المصدري، فالإضافة نشوية، و لا معنى لكونها بيانية، أي ماء ناشى‌ء من عملية النزول من السماء.

و على الأول: إذا لم نعمل أي عناية في مفهوم المطر، اختص عنوان ماء المطر بالمرتبة الاولى، و إذا أعملنا عناية في توسيع الماء النازل من السماء بنحو يشمل ما استقر منه على الأرض مع اتصاله بما يتقاطر عليه باعتباره امتدادا للماء النازل، انطبق العنوان على المرتبة الثانية، و إذا أضفنا إلى تلك العناية عناية ان ما هو متهيأ للاتصال بحكم المتصل، انطبق العنوان على المرتبة الثالثة، و لا تكفى هذه العنايات لتطبيقه على المرتبة الرابعة.

و على الثاني إذا لم نأخذ في الإضافة شيئا سوى النشوية، أمكن انطباق العنوان على المرتبة الرابعة، لان النشوية محفوظة حتى بعد الانقطاع، و إذا قلنا يتضمن الإضافة مضافا الى النشوية شيئا من المواكبة و المقارنة، فيكون‌

16

..........

____________

المعنى: الماء الناشي من المطر و المواكب له، فلا ينطبق على المرتبة الرابعة بل على احدى المراتب الثلاث الاولى، حسب درجة المواكبة و المقارنة المأخوذة ضمنا في معنى الإضافة.

هذه هي محتملات العنوان في نفسه، فاذا اتضحت نقول: ان الصحيح عدم إرادة المرتبة الرابعة من دليل اعتصام ماء المطر، و ذلك:

اما أولا: فلا مكان أن تكون الإضافة في ماء المطر بيانية، و مع كونها بيانية لا يكون للعنوان إطلاق بنحو ينطبق على المرتبة الرابعة، و ما دام ذلك محتملا فلا أقل من الإجمال الموجب للاقتصار على القدر المتيقن و أما ثانيا. فلأن القرينة العرفية قائمة على صرف العنوان على المرتبة الرابعة، و لو فرض كون الإضافة نشوية، و هي المناسبات الارتكازية للحكم و الموضوع، فان مجرد الانتساب التاريخي إلى السماء، لا يناسب عرفا ان يكون ملاكا للاعتصام، فنفس المناسبات العرفية الارتكازية تكون قرنية على ارادة ما هو أخص من المرتبة الرابعة، و لو يجعل ظهور للإضافة في البيانية. و عين هذا الكلام نقوله في مثل أدلة اعتصام عناوين ماء النهر أو ماء البحر، فإن ارتكازية عدم كون الانتساب التاريخي للبحر أو للنهر عاصما بنفسها تكون قرينة على ظهور الإضافة في البيانية.

و ثالثا: أنه لو قطع النظر عما تقدم، و فرض الإطلاق بنحو ينطبق العنوان على المرتبة الرابعة، فهذا الإطلاق مقيد بروايات الغدر ان، المفصلة بين الكر و القليل، لان ماء الغدير مشمول للمرتبة الرابعة، و قد حكم بانفعاله مع عدم الكرية. لا بروايات انفعال الماء القليل مطلقا، بعد ضم دعوى: ان كل ماء ينشأ من المطر، كما قيل (1) و ذلك لوضوح ان المقصود من نشوء جميع المياه من المطر نشوء المياه الأصلية الأولية، و إلا فمن الواضح ان مياه‌

____________

(1) التنقيح: ص 236.

17

..........

____________

الأنهار لم تنشأ فعلا من المطر، و إنما نشأت من ذوبان الثلوج، التي يرجع أصلها إلى المطر. فالقول: بان الماء النازل من السماء ما دام ماء و لم يخرج عن حقيقة الماء بالانجماد أو غيره محكوم بالاعتصام، لا يوجب إلغاء دليل انفعال الماء القليل رأسا.

كما أن الصحيح أيضا عدم اختصاص العنوان بالمرتبة الأولى، بقرينة ان جملة من روايات الباب ناظرة إلى الماء الجاري على الأرض، فلا بد من الالتزام بدخول المرتبة الثانية تحت الحكم بالاعتصام، و قد يقرب اعتصام الماء المستقر على الأرض مع فرض اتصاله بالمطر، حتى مع عدم فرض الإطلاق في دليل اعتصام المطر، بدعوى: انه ماء متصل بالمعتصم فيعتصم به، بلحاظ ما دلت عليه صحيحة ابن بزيع من اعتصام ماء البئر لاتصاله بالمادة (1) و يرد على هذا التقريب ان اتصال الماء المستقر على الأرض بالخط العمودي من التقاطر و ان كان ثابتا غير أن هذا النحو من الاتصال لا يكفي للاعتصام حتى في مورد المادة الأرضية لأنه ليس اتصالا حقيقيا و لهذا قالوا بأن المادة إذا كانت عالية و يتقاطر منها الماء، فلا يحكم باعتصام المتقاطر لعدم الاتصال الحقيقي فكذلك هنا. و أما اتصال الماء المستقر مع القطرة الأخيرة من ذلك الخط العمودي الملاقية له، فهو و ان كان اتصالا حقيقيا، و لكنه لو كفى لحصول الاعتصام حينه فلا يكفي لحصول الاعتصام في الآنات المتخللة بين سقوط قطرة و سقوط اخرى.

و أما المرتبة الثالثة، فإلحاقها بالمرتبة الرابعة في عدم الاعتصام يتوقف على النظر في مدرك إخراج المرتبة الرابعة من دليل الاعتصام. فان كان المدرك هو إجمال العنوان الموجب للاقتصار على المتيقن، أو قرينية الارتكاز العرفي، فهو بنفسه يقتضي إخراج المرتبة الثالثة أيضا.

____________

(1) مدارك العروة الوثقى ص 222.

18

(مسألة- 1) [شرائط التطهير بالمطر]

الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر و لا يحتاج إلى العصر أو التعدد (1).

____________

و إن كان المدرك- بعد فرض وجود الإطلاق في دليل الاعتصام- تقييد هذا الإطلاق بالإجماع، أو بروايات الغدران، فيمكن القول حينئذ بأن القدر المتيقن من المقيد هو صورة انقطاع التقاطر بالمرة، و أما مع بقاء التهيؤ للتقاطر و استمرار المطر على مقربة من الماء فلا جزم بالإجماع، و لا بصدق عنوان الغدير المتوقف على المغادرة، فيتمسك بإطلاق دليل الاعتصام و أما المقام الثاني، فسوف يأتي الكلام عنه في المسألة الآتية ان شاء اللّه تعالى.

(1) هناك خصوصيات يلتزم- عادة- باعتبارها في التطهير بالقليل أو بمطلق المحقون، فلا بد من النظر في اعتبارها إثباتا و نفيا عند التطهير بماء المطر، و الكلام في ذلك يقع في جهات:

الجهة الاولى: في اعتبار خصوصية العصر،

الذي اعتبره شرطا في التطهير بالقليل، و اعتبره السيد الأستاذ شرطا في التطهير بالكثير أيضا.

و لا موضوع لهذا البحث بناء على إنكار اعتبار العصر حتى في الغسل بالقليل كما هو المختار على ما يأتي ان شاء اللّه تعالى.

و أما إذا سلمنا الاعتبار المذكور فيتجه البحث في المقام، سواء قيل بان العصر بعنوانه يكون شرطا في تطهير الأجسام القابلة للعصر، أو قيل باعتباره بما هو طريق إلى انفصال ماء الغسالة في تلك الأجسام خاصة، أو قيل بإرجاعه إلى شرط عام و هو انفصال ماء الغسالة في مطلق الأشياء ما يقبل العصر منها و ما لا يقبل، فإنه على كل تقدير يقع الكلام في شمول الحكم باعتبار العصر لمورد الغسل بماء المطر، و الكلام في ذلك يقع في ثلاث مراحل:

19

المرحلة الاولى: في وجود إطلاق لدليل شرطية العصر يشمل ماء المطر.

و‌

____________

تفصيل ذلك: ان مدرك هذه الشرطية ان كان هو دعوى تقوم عنوان الغسل بالعصر، فالمدرك له إطلاق لماء المطر، إذ لا فرق في هذه المقومية بين ماء و ماء.

فمثل قوله «لا تصل فيه حتى تغسله» دال على عدم الطهارة إلا بالغسل المتقوم بالعصر مطلقا، فيثبت بهذا الإطلاق اعتبار العصر في ماء المطر أيضا. و ان سلم وجود الإطلاق في دليل مطهرية الغسل و عدم تقومه بالعصر، و ادعي ان اعتبار العصر بسبب المقيد، فان كان هذا المقيد هو الإجماع فلا يشمل المطر، لان المتيقن منه الماء غير المعتصم. و إن كان المقيد ما يلاحظ في بعض الروايات من جعل الغسل مقابلا للنضح و الصب الكاشف عن أخذ عناية زائدة في الغسل شرعا، مع دعوى ان هذه العناية الزائدة هي العصر، فهذا المقيد لا شمول فيه لماء المطر، لان تلك الروايات واردة في مورد الغسل بالقليل، على ما يأتي توضيحه في الجهة السابعة.

المرحلة الثانية انه لو سلم الإطلاق في دليل شرطية العصر

بنحو يشمل ماء المطر فهل في دليل مطهرية المطر إطلاق يقتضي عدم اشتراط العصر، بنحو يتعارض الدليلان أولا؟ و ما قد يقال فيه ذلك: إما مرسلة الكاهلي «كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر»، و اما التعليل في صحيحة هشام بن سالم حيث قال: «ان ما أصابه من الماء أكثر منه»، إذ قيل ان مقتضى التعليل جعل مجرد الإصابة كافيا في حصول التطهير، و الإصابة غير متقومة بما يتقوم به الغسل من انفصال ماء الغسالة، و هذا يعنى عدم اعتبار العصر (1) اما مرسلة الكاهلي فهي ساقطة سندا، و أما التعليل في الصحيحة فتوضيح الحال‌

____________

(1) التنقيح ص 239.

20

..........

____________

فيه: ان قوله: «ما أصابه من الماء أكثر» تعليل لقوله «لا بأس به»، و حينئذ فاما ان يقال: بان مرجع الضمير المجرور في (لا بأس به) هو الماء النازل من السطح الواقع على الثوب كما التزم بذلك في محله من تمسك في المقام بالتعليل. و أما ان يقال: بان مرجع هذا الضمير هو السطح.

فعلى الأول تكون جملة (لا بأس به) بيانا لطهارة الماء النازل من السطح، و يكون التعليل تعليلا لطهارة الماء النازل، لا لمطهرية الماء للسطح فكأن المقصود بالتعليل رفع استبعاد ان ماء المطر لم ينفعل، رغم وقوعه على أرض تكثر عليها النجاسات، و ذلك ببيان ان الماء أكثر منها و لم يتغير بها، فلا ينفعل بها، فلا يكون التعليل تعليلا للمطهرية مباشرة ليستدل به على كفاية مجرد الإصابة.

و على الثاني يكون التعليل تعليلا لمطهرية المطر للسطح فكأنه قال ان السطح طهر لان ما أصابه من الماء أكثر، و حينئذ قد يتوهم استفادة أن الإصابة بمجردها كافية في التطهير بماء المطر، و حيث ان التعليل يقتضي إلغاء خصوصية المورد، فهو يدل على ان الإصابة كافية للتطهير بماء المطر في سائر الموارد. و لكن الصحيح ان هذه الاستفادة مع ذلك في غير محلها أيضا، لأن الحكم بطهارة السطح لم يعلل بإصابة ماء المطر له، بل بان ما أصابه من ماء المطر أكثر من البول بنحو لم يتغير به. ففرق بين القول بان السطح طهر لان ماء اصابه، و القول بان السطح طهر لان ما أصابه من ماء المطر كان كثيرا بنحو لم يتغير بالبول. فان اللسان الأول للتعليل هو الذي يناسب استظهار كفاية الإصابة بمجردها في التطهير، و اما اللسان الثاني فهو ليس تعليلا. لطهارة السطح بالإصابة، بل يوصف قائم بالماء الذي أصاب السطح، و هو كونه أكثر من البول بنحو لا يتغير به. فتمام نظر التعليل إلى بيان ان الماء الذي وقع على السطح لم يتغير بالبول‌

21

..........

____________

و لهذا طهره، و ليس له نظر إلى ان الإصابة هل تكون مطهرة مطلقا، أو مع فرض انفصال ماء الغسالة. نعم يمكن دعوى الإطلاق في الصحيحة بنحو يقتضي عدم اشتراط انفصال ماء الغسالة، بقطع النظر عن التعليل، و ذلك بان يقال: ان مقتضى قوله «لا بأس به» الحكم بطهارة السطح بنزول المطر عليه، سواء انفصل عنه ماء الغسالة أم لا و هذا يدل على عدم اعتبار الانفصال و إلا لما حكم بطهارة السطح إلا في صورة انفصال ماء الغسالة حال نزول المطر. و حينئذ إن كان اعتبار العصر في مورد اعتباره لأجل كونه طريقا إلى انفصال ماء الغسالة، دون احتمال خصوصية في الأجسام التي تقبل العصر، أمكن بالإطلاق الذي ذكرناه نفي الاعتبار. و إن كان اعتبار العصر في الأجسام القابلة للعصر بعنوانه، أو بما هو طريق إلى انفصال ماء الغسالة في خصوص تلك الأجسام، مع احتمال خصوصية فيها، فلا ينفع الإطلاق المذكور لنفي وجوب العصر لان مورد الرواية ليس قابلًا للعصر.

المرحلة الثالثة أنه بعد فرض الإطلاق [ما هو علاج التعارض؟.]

في كل من دليلي اشتراط العصر و مطهرية ماء المطر، ما هو علاج التعارض؟. قد يقال بتقديم إطلاق دليل مطهرية ماء المطر لوجهين: أحدهما: ان دليل المطهرية بالعموم لمكان قوله «كل شي‌ء رآه ماء المطر فقد طهر» و دليل الاشتراط شموله لماء المطر بالإطلاق، فيقدم العموم على الإطلاق. و يرد عليه: ان العموم انما هو بلحاظ الإفراد، و اما كون الطهارة ثابتة لما رآه ماء المطر من حين الرؤية أو بعد انفصال ماء الغسالة فهذا لا يرتبط بالعموم الأفرادي الذي هو مفاد (كل شي‌ء)، و انما يرتبط بالإطلاق الاحوالي الذي يقتضي ثبوت الطهارة في تمام الأحوال من حين الرؤية، نعم يمكن ان يقال: ان جعل الرؤية نفسها موضوعا للحكم بالمطهرية، يعتبر لسانا عرفيا للتعبير عن عدم الاحتياج إلى أي مئونة إضافية، فيكون نفي الشروط الزائدة مدلولا‌

22

..........

____________

عرفيا لمثل هذا اللسان، و مقصودا بالإفادة بنفسه، و لهذا نرى ان لسان «كل شي‌ء رآه ماء المطر فقد طهر» لا يقبل تقييد الطهارة: بما بعد العصر. و هذا بيان لو تم لا يتوقف على ورود أداة العموم في هذا اللسان لان مرجعه إلى التمسك بظهور عنوان الرؤية في نفي سائر العنايات الزائدة إلا أن رواية الكاهلي ساقطة للإرسال.

الوجه الآخر أن النسبة بين صحيحة هشام بن سالم الدالة على المطهرية و دليل اشتراط العصر و ان كانت هي العموم من وجه، إلا أنه لا بد من تقديم إطلاق الصحيحة المقتضي لعدم اشتراط العصر على إطلاق دليل الاشتراط، إذ العكس يستلزم لغوية عنوان ماء المطر و مساواته لسائر المياه (1).

و يرد عليه: أولا ان ماء المطر لم يأخذه الامام بعنوانه موضوعا للحكم، و إنما كان هو مورد السؤال، و محذور لغوية العنوان انما يتطرق عند ظهور كلام الإمام في عناية أخذه موضوعا للحكم، و مثل هذه العناية غير موجودة فيما إذا انتزعت الموضوعية لعنوان بلحاظ كونه مورد السؤال.

و ثانيا- ان إلغاء عنوان ماء المطر لا يحصل بمجرد القول باشتراط العصر، إذ يكفي في انحفاظه عدم وجوب التعدد اللازم في تطهير المتنجس بالبول بالماء القليل.

الجهة الثانية في اعتبار ورود الماء على المتنجس،

و توضيح الكلام في ذلك: ان اشتراط ورود الماء على المتنجس في التطهير بالقليل قد يكون بدعوى: ان مقتضى القاعدة انفعال الماء القليل بالملاقاة المانع عن حصول التطهير به، و المتيقن خروجه من ذلك صورة ورود الماء القليل على المتنجس لئلا تلزم لغوية أدلة التطهير، فلا يحكم بالطهارة و التطهير في صورة ورود المتنجس على الماء القليل.

____________

(1) مدارك العروة الوثقى ج 1 ص 224.

23

..........

____________

و قد يكون بدعوى: انصراف الأمر بالغسل في التطهير بالماء القليل إلى صورة ورود الماء على المتنجس، لان هذا هو المتعارف غالبا حينما يراد ازالة القذارات بالماء القليل، فهذا التعارف يكون منشأ للانصراف و قد يكون بدعوى: ظهور الأمر بصب الماء في اشتراط وروده على المتنجس.

فان كان اشتراط ورود الماء على أساس الدعوى الاولى، فمن الواضح عدم شمول هذه الدعوى لماء المطر لاعتصامه. و ان كان الاشتراط على أساس الدعوى الثانية فهو أيضا لا يشمل ماء المطر لوضوح عدم وجود الغلبة المذكورة في التطهير بماء المطر، و عدم الموجب للانصراف. و ان كان الاشتراط على أساس الدعوى الثالثة، فتفصيل الكلام في ذلك: ان الصب المأمور به في تلك الروايات ينحل إلى خصوصيتين، إحداهما: ورود الماء على المتنجس و الأخرى: كون الورود بنحو الصب. و من الواضح، ارتكازا و عرفا- عدم دخل الخصوصية الثانية في التطهير، فمن يستدل بروايات الأمر بالصب على اشتراط ورود الماء لا بد له ان يدعى أن ظاهر الأمر بالصب في نفسه اعتبار كلتا الخصوصيتين، و الوضوح الارتكازي المذكور قرينة على عدم دخل الخصوصية الثانية، و أما ظهور الأمر في دخل الخصوصية الأولى فيبقى على حالته. و هذا الكلام على تقدير تماميته لا يقتضي إثبات دخل الخصوصية الأولى إلا في موارد الغسل بالقليل المحقون، دون موارد الغسل بماء المطر، و ذلك لأن بيان اشتراط دخل الخصوصية الأولى بلسان الأمر بالصب، مع فرض عدم كون الصب دخيلا بعنوانه في التطهير، يصلح بنفسه قرينة على ان مورد الاشتراط هو الماء الذي يكون وروده على المتنجس عادة بنحو الصب، فبين اشتراط الورود بلسان الأمر بالصب.

و هذا انما هو في الماء القليل المحقون، فان وروده عادة على المتنجس انما‌

24

..........

____________

يكون بالصب، دون ماء المطر الذي- كثيرا ما يرد على المتنجس بنفس تقاطره من السماء. فبهذه القرينة لا يكون للأمر بالصب إطلاق يقتضي اشتراط ورود الماء عند الغسل بماء المطر، بل يكون واردا في مورد الغسل بالقليل المحقون اللهم إلا ان يقال: ان غلبة كون الورود بنحو الصب في نوع الماء القليل، تكفى للتعبير عن اشتراط الورود بلسان الأمر بالصب في الماء القليل مطلقا حتى المطر منه. و لكنه لا يخلو من اشكال.

الجهة الثالثة في اعتبار التعدد في الثوب المتنجس بالبول،

المستفاد من الأمر بغسله مرتين في رواية محمد بن مسلم و رواية ابن أبي يعفور [1].

و الظاهر ان مدرك ذلك له إطلاق يشمل تمام المياه، و غاية ما خرج عنه الماء الجاري بلحاظ صحيحة محمد بن مسلم [1] فيبقى ماء المطر تحت إطلاقه و لا يعارضه إطلاق في دليل مطهرية المطر، لان مرسلة الكاهلي و ان كانت صالحة للدلالة على عدم اعتبار التعدد، و لكنها ساقطة سندا. و صحيحة هشام بن سالم: إن جعل قوله فيها «لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر» ناظرا إلى الحكم بنفي البأس عن الماء، و تعليل ذلك بالأكثرية المساوقة لعدم التغير، فلا يكون فيه دلالة على كفاية الإصابة مطلقا في حصول التطهير بماء المطر، لان التعليل يكون تعليلا لعدم انفعال الماء لا للمطهرية‌

____________

[1] ففي رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن البول يصيب الثوب قال: اغسله مرتين.

و في رواية ابن ابي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البول يصيب الثوب قال اغسله مرتين.

وسائل الشيعة باب 1 من أبواب النجاسات حديث 1، 2.

[2] قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الثوب يصيب البول، قال: اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة.

25

..........

____________

و ان جعل قوله «لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر» ناظرا إلى الحكم بنفي البأس عن السطح و مطهرية ماء المطر له، و تعليل ذلك بان ما أصابه من الماء أكثر فقد يتخيل ان مقتضى التعليل حينئذ إلغاء خصوصية المورد و جعل الإصابة مناطا للتطهير، و مقتضى ذلك عدم الاحتياج إلى التعدد مطلقا. و لكن تقدم الفرق بين تعليل المطهرية بنفس الإصابة و تعليلها بان ما أصاب السطح من ماء المطر أكثر من البول، فان اللسان الأول دال على كون الإصابة بنفسها ملاكا للتطهير، و اما اللسان الثاني فتمام نظره إلى بيان ان ما أصاب السطح من الماء لم ينفعل بالبول لكونه أكثر منه، و ليس له نظر إلى بيان ما يحصل به التطهير. و دعوى: ان إطلاق الحكم بطهارة السطح في الصحيحة مع كونه متنجسا بالبول يدل على عدم اعتبار التعدد في المتنجس بالبول إذا غسل بماء المطر، و إلا لقيد بصورة التعدد في إصابة ماء المطر للسطح (1) مدفوعة بأنه لو سلم هذا الإطلاق فلا يمكن التعدي من السطح إلى الثوب الذي دل الدليل على اعتبار التعدد فيه خاصة، حتى في الكثير المحقون.

الجهة الرابعة في اعتبار التعدد في المتنجس بالبول في غير الثوب من البدن و اللباس،

إذ ورد الأمر بصب الماء عليه مرتين. و الظاهر عدم اعتبار ذلك في الغسل بماء المطر، لاختصاص دليل الاعتبار بالماء الذي يصب على المتنجس، و هذا إنما يكون عادة في المياه القليلة المختزنة. و اما ماء المطر المستمر عليه التقاطر من السماء، فلا يكون الغسل فيه عادة بصب الماء منه على المتنجس، بل بغسل المتنجس فيه، فلا يكون الأمر بالتعدد شاملا له، و هذا بخلاف التعدد في الثوب، فإنه بلسان الأمر بغسله مرتين لا بلسان الأمر بصب الماء عليه مرتين.

الجهة الخامسة في اعتبار التعدد في الآنية المتنجسة.

و الظاهر عدم‌

____________

(1) مدارك العروة الوثقى ج 1 ص 224.

26

..........

____________

شمول دليل الاعتبار لماء المطر، لأنه أما الإجماع، و أما رواية عمار، الآمرة بصب الماء في الآنية و إدارته ثلاثا [1]، على تقدير تتميم سندها و الأول القدر المتيقن منه مورد الغسل بغير المعتصم. و الثاني لا يشمل الغسل بماء المطر، بقرينة الصب و التحريك الموجب للانصراف الى الماء القليل:

و مع عدم شمول دليل الاعتبار يبنى على عدمه، تمسكا بإطلاقات مطهرية الغسل، و لو لم نقل بإطلاق خاص في نفس دليل مطهرية ماء المطر.

الجهة السادسة في اعتبار التعفير في آنية الولوغ.

و الظاهر اعتباره لإطلاق قوله «اغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء» (1) و لا معارض لهذا الإطلاق، لما تقدم من عدم وجود إطلاق في دليل مطهرية ماء المطر يقتضي حصول الطهارة بمجرد الإصابة.

الجهة السابعة في اعتبار شي‌ء من الفرك و الدلك في مقام الغسل.

و مدرك هذا الاعتبار ما قد يستفاد من رواية الحلبي: «قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن بول الصبي؟، قال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا» (2) فإن المقابلة بين صب الماء و الغسل المؤكد بعناية، و هذه العناية تتعين في شي‌ء يرى عرفا كونه تأكيدا للغسل، و ليس هذا الا الفرك و الدلك. و قد يستدل بمثل هذا البيان على اعتبار العصر بتطبيق تلك العناية على العصر، كما أشرنا في الجهة أولى.

و على هذا الأساس يقع الكلام في أن هذه العناية المتمثلة في شي‌ء من الفرك هل تجب عند الغسل بماء المطر أيضا أو لا؟ و الظاهر عدم الوجوب و ذلك لان ظاهر قوله «تصب عليه الماء» كونه ناظرا الى مورد الغسل بالماء القليل المحقون، لأنه هو الذي يكون الغسل به بنحو الصب عادة.

و الأمر بالغسل المؤكد عقيب ذلك انما ورد في نفس المورد، فيكون مختصا بمورد الغسل بالقليل، و لا أقل من اقترانه بما يوجب الإجمال، فلا يكون لاشتراط العناية الملحوظة في الغسل المؤكد إطلاق للغسل بماء المطر. و منه يظهر أن العناية الملحوظة فيه إذا كانت هي العصر فلا إطلاق لها للغسل بماء المطر أيضا، بل يتمسك بإطلاقات الأمر بالغسل، التي لم تتضمن تلك العناية الإضافية.

و قد تلخص بما ذكرناه أن كل خصوصية ثبت اعتبارها على أساس عدم اعتصام الماء المغسول به، أو استظهر من دليل اعتبارها الورود في الماء القليل المحقون، فلا نلتزم باعتبارها في ماء المطر، تمسكا بمطلقات الأمر بالغسل. و كل خصوصية كان في دليل اعتبارها إطلاق نلتزم باعتبارها ما لم يقم إجماع تعبدي على عدم الاعتبار، و لا يمكن نفي اعتبارها بأدلة مطهرية المطر بالخصوص، لما عرفت من قصورها عن إثبات الإطلاق.

____________

[1] عن ابي عبد اللّه (ع) «قال: سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل؟ و كم مرة يغسل؟. قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، و قد طهر».

وسائل الشيعة، باب 53 من النجاسات، حديث 1.

____________

(1) الواردة في رواية أبي العباس.

وسائل الشيعة، باب 70 من النجاسات، حديث 1.

(2) وسائل الشيعة، باب 2 من النجاسات، حديث 2.

27

[مطهرية المطر للماء المتنجس]

و إذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، و الا فلا يطهر، إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها (1).

____________

(1) بناء على عدم كفاية الغسلة المزيلة في التطهير و سوف يأتي في بحث المطهرات ان الظاهر كفايتها في الغسل بالمعتصم، دون القليل الذي ينفعل بالملاقاة، و عليه تكفي الغسلة المزيلة في الغسل بماء المطر تمسكا بإطلاقات الأمر بالغسل. و إنما لا نلتزم بذلك في الماء غير المعتصم، لأنه ينفعل بالملاقاة، و لا دليل على طهارة المتخلف منه في المحل المغسول.

و هذا المحذور لا يأتي في الغسلة غير المزيلة في الماء القليل، لان المختار عدم انفعاله بملاقاة المتنجس الخالي من عين النجس. و بما ذكرناه ظهر انه لا حاجة لإثبات كفاية الغسلة المزيلة في ماء المطر إلى التمسك بإطلاق دليل مطهرية المطر بالخصوص، ليستشكل فيه ببعض ما تقدم.

28

(مسألة- 2) [حكم الإناء المتروس بماء نجس إذا تقاطر عليه]

الإناء المتروس بماء نجس كالحب و الشربة و نحوهما، إذا تقاطر عليه طهر ماؤه و اناؤه (1) بالمقدار الذي فيه ماء، و كذا ظهره و أطرافه ان وصل إليه المطر حال التقاطر، و لا يعتبر فيه الامتزاج، بل و لا وصوله إلى تمام سطحه الظاهر، و ان كان الأحوط ذلك.

____________

(1) يمكن الاستدلال على مطهرية ماء المطر للماء المتنجس بوجوه:

منها: ما قد يقال من استفادة- مطهرية ماء المطر للماء المتنجس من صحيحة هشام بن الحكم المتقدمة، في ميزابين من بول و ماء مطر، لان الاختلاط بين ميزابي المطر و البول يؤدي عادة- في مراحل سابقة على استهلاك البول في المطر- إلى تغير بعض القطرات من الماء المجاورة للبول، ثم يزول عنها التغير بغلبة الماء، و حيث حكم في الصحيحة بطهارة الماء، دل ذلك على مطهرية ماء المطر للماء المتنجس (1).

و يرد على هذا التقريب: ان حصول التغير في بعض القطرات المجاورة للبول و ان كان هو مقتضى العادة، غير ان الحكم بالطهارة في الرواية مطلق يشمل صورة بقاء التغير، و صورة زواله بالتفاعل بين الماء المتغير‌

____________

(1) مدارك العروة الوثقى ج 1 ص 227.

29

..........

____________

و غيره، و صورة ضآلة الماء المتغير بنحو زال تغيره و استهلك في ماء المطر كما هو الغالب لغزارة ماء المطر الذي يجري من الميزاب عادة و لا بد من الالتزام بخروج الصورة الاولى من إطلاق الصحيحة، لوضوح نجاسة الماء المتغير، و تبقى تحتها الصورتان الثانية و الثالثة. و حينئذ يستفاد من إطلاق الحكم بالطهارة في الصحيحة للصورة الثانية، كون ماء المطر مطهرا للماء المتنجس، و إما إطلاقه للصورة الثالثة فهو أجنبي عن مطهرية المطر، لان المفروض فيها استهلاك المتنجس. و على هذا الأساس تقع المعارضة بين إطلاق الحكم بالطهارة في الصحيحة للصورة الثانية، و إطلاق دليل نجاسة الماء المتغير المقتضى لبقاء النجاسة حتى بعد زوال التغير، على تقدير تماميته و المعارضة بينها بالعموم من وجه، و بعد التساقط يرجع إلى استصحاب النجاسة.

و منها: التمسك بإطلاق عنوان الرؤية في مرسلة الكاهلي، بدعوى حصولها بإصابة ماء المطر للسطح الفوقي للماء، و لازم هذا الالتزام بمطهرية المطر للمضاف المتنجس أيضا، و ذلك بدعوى: ان المائع بتمامه يلحظ موضوعا واحدا لعنوان الرؤية، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك و سائر ما يمكن ان يكون مدركا لمطهرية الماء المعتصم للماء المتنجس في الجزء الأول و بينا هناك إمكان الاستدلال على ذلك بالتعليل في صحيحة ابن بزيع، و بقاعدة أن الماء الواحد لا يتبعض حكمه (1)، كما تقدم هناك أيضا البحث عن اعتبار الامتزاج و عدمه فراجع. و قد يتمسك في المقام بإطلاق صحيحة هشام بن الحكم على حصول الطهارة بمجرد الاتصال (2).

و يرد عليه: أنه بعد فرض تغير الماء المجاور للبول لا يمكن عادة فرض زوال التغير عنه إلا بامتزاجه بماء المطر، فكما أن البول يستهلك في ماء المطر كذلك الماء المتغير به يختلط به بنحو يستهلك فيه أو يمتزج معه على أقل تقدير، و إما لو فرض مجرد الاتصال، فكيف يتم حينئذ استهلاك البول، و زوال التغير عن الماء المتغير؟! و بتعبير آخر: أن البول و الماء المتغير به كلاهما يتم تفاعلهما مع غير المتغير من ماء المطر على نحو واحد، فكيف يتصور عادة استهلاك الأول في ماء المطر دون حصول الامتزاج بالنسبة إلى الثاني؟!.

____________

(1) لاحظ ص 289 و كذلك ص 177 من الجزء الأول.

(2) مدارك العروة الوثقى، الجزء الأول ص 227.

30

(مسألة- 3) [تطهير الأرض المتنجسة بالمطر]

الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها، بشرط ان يكون من السماء، و لو بإعانة الريح. و اما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر، كما إذا ترشح بعد الوقوع على مكان فوصل مكانا آخر لا يطهر. نعم لو جرى على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقف بالجريان إليه طهر (1)

____________

(1) توضيح الكلام في هذه المسألة: ان ماء المطر النازل من السماء تارة يفرض انه يصيب المتنجس ابتداء في خط نزوله من السماء، سواء كان الخط عموديا أو لم يكن عموديا باعتبار تدخل الريح في الانحراف به. و اخرى يفرض انه يصيب موضعا آخر ثم يصيب الموضع المتنجس. و على الثاني تارة- يفرض ان التقاطر على الموضع المتنجس بتوسط الموضع الآخر مستمر و اخرى- يفرض ان الماء الذي أصاب الموضع المتنجس بتوسط الموضع الآخر قد انقطع اتصاله و لم يعد الموضع المتنجس يستمد ماء المطر و لو بتوسط الموضع الآخر. و على الثاني فتارة- يفرض ان إصابة ماء المطر للموضع الآخر كان بنحو المرور و الماسة. و اخرى- يكون بنحو الوقوف عليه ثم الانتقال منه إلى الموضع النجس. و على الثاني فتارة- يفرض- بحسب الارتكاز العرفي و مناسبات الاستطراق من مكان الى مكان- ان المكانين طوليان، بحيث يرى ان الموضع الأول ممر بطبعه للموضع الثاني، كما إذا أصاب ورق الشجر ثم الأرض. و اخرى- تفرض عرضية الموضعين بحسب النظر العرفي، كما إذا أصاب موضعا من الأرض ثم ارتفع و وقع على موضع آخر منها.

و الظاهر هو الحكم بالاعتصام و المطهرية في كل هذه الصور عدا الصورة الأخيرة.

اما الصورة الأولى، فالأمر فيها واضح. و أما الصورة الثانية، التي يفرض فيها استمرار التقاطر من أحد الموضعين إلى الموضع الآخر، فكذلك، لان كون الموضع المتنجس يستمد باستمرار من الموضع الآخر يوسع في النظر العرفي من دائرة التقاطر، و لا يجعل الموضع القبلي قاطعاً له. و اما الصورة الثالثة، التي يفرض فيها مجرد المماسة للموضع القبلي، فمن الواضح أن هذه المماسة لا تقطع خط التقاطر و الاتصال. و كذلك الأمر في الصورة الرابعة التي يرى العرف فيها طولية بين المكانين، و كون أحدهما ممرا بطبعه إلى الآخر. و هذا بخلاف الصورة الأخيرة التي لا توجد فيها أي عناية عرفية تقتضي بقاء خط الاتصال محفوظا مع الموضع المتنجس.

31

(مسألة- 4) الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر

و كذا إذا كان تحت السقف و كان هناك ثقبه ينزل منها على الحوض، بل و كذا لو أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، و كذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه (1).

____________

(1) هذه المسألة تشتمل على تطبيقات لمطهرية ماء المطر للماء المتنجس و قد تقدم الكلام فيها.

(مسألة- 5) إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا (2)

(2) لا بد من التفصيل في ذلك، بين ما إذا كان التقاطر بنحو يحفظ معه خط الاتصال، و ما إذا كانت المسارب ضيقة بنحو لا ينفذ منها الماء عرفا و انما تتسرب فيها الرطوبات و بعد تجمعها تنزل ماء. ففي الأول يحكم بالاعتصام، دونه في الثاني. الذي نظر الماتن إليه.

32

بل و كذا إذا وقع على ورق الشجر ثم وقع على الأرض (1).

نعم لو لاقى في الهواء شيئا كورق الشجر أو نحوه حال نزوله لا يضر إذا لم يقع عليه ثم منه على الأرض، فمجرد المرور على الشي‌ء لا يضره (2).

____________

(1) تقدم ان الظاهر هو بقاء امتيازات المطر في هذا الفرض من أجل الطولية بين المكانين و كون أحدهما ممرا إلى الآخر عرفا.

(2) كما تقدم في شرح المسألة الثالثة.

(مسألة- 6) [إذا تقاطر على عين النجس فترشح منها على آخر]

إذا تقاطر على عين النجس فترشح منها على شي‌ء آخر لم ينجس، إذا لم يكن معه عين النجاسة و لم يكن متغيرا (3)

(3) و ذلك لان ماء المطر معتصم ما دام خط الاتصال مع السماء محفوظا، فلا ينفعل بملاقاة النجاسة، فإذا حفظ خط الاتصال إلى حين انفصال الماء عن النجس و ترشحه إلى غيره فلا موجب لانفعاله، إلا إذا كان متغيرا أو صحب معه شيئا من النجس فينجس به، لأنه بعد انقطاع خط الاتصال ماء قليل ينفعل بالملاقاة.

نعم إذا فرضنا ان الترشح من النجس كان بعد انقطاع خط الاتصال كما لو فرض نفوذ ماء المطر في النجس، و خروجه من الجانب الآخر، حكم بنجاسته لأن الملاقاة مع النجس تكون حاصلة بعد انقطاع خط الاتصال.

و بما ذكرناه ظهر أنه لا تهافت بين ما ذكره الماتن في هذه المسألة، و ما ذكره في المسألة السابقة، كما ادعى في بعض تعليقات العروة بتوهم انه أي فرق بين ورق الشجر و النجس، فكما يكون سقوط المطر على ورق الشجر و انتقاله منه موجبا لفقدانه لامتيازه، كذلك سقوطه على النجس و ترشحه منه. و يندفع هذا التوهم: بان المقصود في المسألة السابقة بيان عدم بقاء ماء المطر على مطهريته الخاصة به بعد سقوطه على ورق الشجر و انتقاله منه، و المقصود في المقام بيان بقائه على طهارته و ان فقد مطهريته الخاصة به.

33

(مسألة- 7) [إذا تقاطر من السقف النجس]

إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر و نفذ و تقاطر من السقف لا تكون تلك القطرات نجسة (1)، و ان كان عين النجاسة موجودة على السطح و وقع عليها، لكن بشرط ان يكون ذلك حال تقاطره من السماء. و أما إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجسا (2). و كذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس.

____________

(1) لأنها لم تلاق النجس إلا حال اعتصامها و انحفاظ اتصالها بخط التقاطر.

(2) و هذا بخلاف صورة عدم المرور على النجس فإنه لا ينجس.

و تخيل: ان الماء و ان لم يمر على النجس و لكن الرطوبات الواقعة على السطح باعتبار اتصال بعضها ببعض تسرى النجاسة إليها جميعا، فينجس الماء بملاقاة أي جزء من السطح إذا حصلت بعد انقطاع التقاطر. مدفوع:

بان الرطوبات المتصلة على السطح أما أن تكون عرضا بالنظر العرفي، و أما ان تكون ماء. فعلى الأول من الواضح أنها ليست موضوعا مستقلا للنجاسة لعرضيتها، فلا معنى لسريان النجاسة من بعضها إلى بعض، و انما النجس هو الجسم الجامد المرطوب، فتبقى النجاسة في الجزء النجس من السطح، و لا موجب لسريانها إلى الاجزاء الأخرى من السطح، لعدم الملاقاة و على الثاني فللتخيل المذكور مجال، بدعوى: ان الماء الممتد على السطح تنطبق عليه قاعدة سراية النجاسة في المائعات فينجس كله، و ينجس به تمام السطح. و لكن التحقيق اندفاع هذا التخيل: بأن قاعدة السراية في المائعات مختصة بما إذا كان المائع بدرجة من التماسك و التفاعل في اجزائه، بحيث يعوض كل جزء منه عن النقص الحاصل بفقد جزء آخر و يحتل موضعه، لأن المنشأ في قاعدة السراية هو تحكيم الارتكاز العرفي في فهم دليل الانفعال، و هو لا يقتضي السراية إلا في مثل ذلك، و هذا النحو من التفاعل غير موجود بين الرطوبات الممتدة على السطح رغم اتصالها و افتراض مائيتها، فلا تسرى النجاسة إلى تمام الماء الموجود على السطح. و سوف يأتي تحقيق الحال في ذلك مفصلا في فصل كيفية تنجس المتنجسات إن شاء اللّه تعالى.

34

(مسألة- 8)

إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء (1)، سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا.

(مسألة- 9)

التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طينا (2).

(مسألة- 10)

الحصير النجس يطهر بالمطر، و كذا الفراش المفروش على الأرض، و إذا كانت الأرض التي تحتها

____________

(1) لاعتصامه، و أما إذا انفصل الماء في السقف عن خط التقاطر من السماء فينفعل بالملاقاة للنجس.

(2) تمسكا بمطلقات المطهرية العامة، أو بمطلقات مطهرية المطر بالخصوص لو قيل بها.

35

أيضا نجسة تطهر إذا وصل إليها، نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الأرض يشكل طهارتها بنزول المطر عليه إذا تقاطر منه عليها، نظير ما مر من الاشكال فيما وقع على ورق الشجر و تقاطر منه على الأرض.

(مسألة- 11)

الإناء للنجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير، لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة إلى التعدد (1).

____________

و لكن قد يستشكل في طهارة الأعماق: بلحاظ ان موضوع التطهير هو الغسل بالماء المطلق، و تغلغل الماء في أعماق الطين يخرجه عن كونه ماء حقيقة و يكون مجرد رطوبات، فلا يصدق عليه الغسل بالماء. و قد يجاب بان غسل كل شي‌ء بحسبه، و لهذا لو قال الإنسان العرفي لآخر: اغسلي هذا التراب بالماء، فإنه يعد ممتثلا إذا صب الماء عليه حتى نفذت الرطوبات المائية إلى أعماقه و صار طينا. و قد يقال: ان هذا الفهم انما يصح لو فرض ورود دليل خاص في غسل التراب بالماء، فإنه بدلالة الاقتضاء و لوضوح ان غسله بالماء لا يكون إلا على هذا النحو ينعقد له ظهور فيما ذكر، و لا يتم ذلك بالنسبة إلى المطلقات. اللهم إلا ان يقال: ان الارتكاز العرفي في كيفية الغسل و ازالة القذر هو المحكم على دليل التطهير بالماء، و حيث ان الارتكاز يساعد على هذا النحو من الغسل بالماء فيشمله إطلاق الدليل.

(1) مر الكلام في الاحتياج إلى التعفير و التعدد في الغسل بماء المطر و ليس في آنية الولوغ دليل خاص يقتضي اعتبار التعدد، و انما وجه اعتباره‌

36

..........

____________

فيها- على القول بالاعتبار- إطلاق دليل التعدد في مطلق الآنية، و قد عرفت سابقا قصوره عن الشمول لغسل الآنية بماء المطر. و هذا بخلاف دليل التعفير، فإن إطلاقه حتى لمورد الغسل بماء المطر ثابت و لا معارض له كما تقدم.

37

ماء الحمام

اعتصامه على ضوء القاعدة- مطهرية المادة له على ضوء القاعدة الاعتصام و المطهرية على ضوء النصوص‌

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

(فصل) ماء الحمام بمنزلة الجاري، بشرط اتصاله بالخزانة (1) فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة، إذا كان ما في الخزانة وحده أو مع ما في الحياض بقدر الكر من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة أو عدمه. و إذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة، بشرط كونها كرا و ان كانت أعلى، و كان الاتصال بمثل (المزملة). و يجرى هذا الحكم في غير الحمام أيضا، فإذا كان في المنبع الأعلى مقدار الكر أو أزيد، و كان تحته حوض صغير نجس و اتصل بالمنبع بمثل (المزملة) يطهر، و كذا لو غسل فيه شي‌ء نجس فإنه يطهر مع الاتصال المذكور.

الكلام في ماء الحمام يقع في مقامين:

____________

(1) أحدهما. في حكمه على مقتضى القاعدة. و الآخر: في حكمه بلحاظ الروايات الخاصة.

و الكلام في المقام الأول [أي في حكمه على مقتضى القاعدة]

يشتمل على جهتين: الاولى: في حكم ماء الحمام من حيث دفع النجاسة و الاعتصام. و الثانية: في حكمه من حيث الرفع و ازالة النجاسة.

أما الكلام في الجهة الاولى [و هي حكم ماء الحمام من حيث دفع النجاسة و الاعتصام]

فالقاعدة التي نقصد و نتحدث في ضوئها انما هي مضمون: «إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‌ء» منطوقا و مفهوما اعتصاما و انفعالا، فلا بد من ملاحظة دخول ماء الحمام تحت المنطوق أو المفهوم. و من المعلوم أن الحكم بالاعتصام في المنطوق- عند بلوغ الماء كرا- يتقوم بشرطين، أحدهما: ان يكون الماء البالغ كرا واحدا في نظر‌

40

..........

____________

العرف، لان المقصود من الدليل تعليق الاعتصام على بلوغ الفرد الشخصي من الماء الكرية، لا بلوغ مجموع المياه. و الشرط الآخر: ان لا يوجد ارتكاز عرفي يأبى عن اعتصام الماء الواحد، و إلا كان الارتكاز بنفسه قرينة لبية على تقييد الإطلاق و ان كان الماء واحدا.

اما الشرط الأول و هو وحدة الماء عرفا: فهل يتقوم بوحدة السطح أو يحصل مع تعدده؟، و على الثاني فهل يتقوم بتساوي السطوح على فرض تعددها، أو يحصل مع اختلافها؟، و على الثاني فهل تنحفظ الوحدة مع اختلاف السطوح بشرط أن يكون الماء واقفا، أو حتى مع الجريان؟، و على الثاني فهل يفرق بين اختلاف السطوح بنحو التسنيم و بنحو التسريح أو يبنى على الوحدة مطلقا؟.

و الصحيح هو انحفاظ الوحدة مع الاتصال مطلقا في جميع تلك الصور حتى مع اختلاف السطوح بنحو التسنيم و جريان الماء، لان الاتصال يعتبر ميزانا عرفا للوحدة في الماء. و ذهاب كثير من الفقهاء إلى عدم الوحدة في فرض اختلاف السطوح مع الجريان، لا يصلح شاهدا لذلك، بدعوى:

أن نظرهم يكشف عن انثلام الوحدة عرفا بهذا الاختلاف. و ذلك لأن الظاهر ان الاعتقاد بانثلام الوحدة في الفرض المذكور نشأ من ملاحظة عنوان الماء الواحد بما هو موضوع لأحكام معينة، من قبيل الحكم بالاعتصام و في ظل ملاحظة من هذا القبيل ليس بعيدا ان يرى عدم انطباق العنوان على الماء الجاري بلحاظ عالية و سافله معا، غير أن عدم الانطباق هذا لا يتعين أن يكون بسبب عدم صدق الوحدة عرفا على المجموع من السافل و العالي، بل لعله بلحاظ مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية، لأننا حينما نلحظ العنوان- بما هو موضوع في دليل لحكم مخصوص كالاعتصام مثلا- فسوف يتحكم في فهمنا له مناسبات الحكم و الموضوع المركوزة في الذهن‌

41

..........

____________

فقد لا ينطبق بما هو موضوع لذلك الحكم على فرد، و لكنه إذا لوحظ في نفسه كان منطبقا عليه.

و كلامنا الآن في تحقيق الشرط الأول و هو وحدة الماء بقطع النظر عما يقتضيه مناسبات الحكم و الموضوع، و من الواضح- بهذا اللحاظ- عدم تعدد الماء. فالماء المنحدر على سفح جبل لا يعتبر مياها متعددة، و لهذا لو لوحظ أي جزء من الماء المختلف السطوح مع الجزء المجاور له تماما نرى وحدتهما عرفا، و كذلك الجزء الثاني مع الثالث و لا نصل الى جزء حدي، بحيث يعتبر ماء مستقلا مغايرا للجزء المجاور له.

و على هذا الأساس فالشرط الأول متوفر في ماء الحمام المركب من السافل و العالي، رغم جريانهما و اختلافهما في السطوح.

و أما الشرط الثاني: فقد يتفق كون الماء واحدا و مع هذا لا يحكم بشمول منطوق دليل الاعتصام له، لخروجه عنه بقرينة ارتكازية و هي مناسبات الحكم و الموضوع، فلا بد من ملاحظة ذلك في ماء الحمام.

و في الواقع إن إبراز الشرط الثاني إلى جانب الشرط الأول يحل جملة من التشويشات التي نشأت من قصر النظر على الشرط الأول، نذكر منها التشويشين التاليين:

التشويش الأول: ان النجس إذا لاقى الماء السافل فلا ينجس العالي الجاري عندهم بهذه الملاقاة. و هذه الفتوى موردها الماء القليل الذي له سافل و عال، و هناك فتوى أخرى و هي: ان السافل يتقوى بالعالي و هذه موردها الماء الكثير الذي له سافل و عال، فيعتصم سافله باتصاله بالعالي و حاصل التشويش في مقام الجمع بين هاتين الفتويين: ان الماء الذي له سافل و عال، ان كان ماءا واحدا، فكما يتقوى السافل بالعالي لكون المجموع ماءا واحدا و قد بلغ الكرية، كذلك ينفعل العالي بملاقاة السافل لكونهما‌

42

..........

____________

ماء واحدا، و قد لاقى النجاسة و ان كان الماء المذكور مائين، فكما لا ينفعل العالي بملاقاة السافل، كذلك لا يقويه لكونه ماء آخر.

التشويش الثاني: حول التفصيل بين الماء الكثير الذي له عال و سافل فان سافله يتقوى بالعالي دون العكس، إذ يقال: انه إذا كان واحدا فالاعتصام يثبت له بتمام اجزائه، و ان كان ماءين فلا يتقوى سافله بعاليه.

و رفع كلا التشويشين- بعد افتراض وحدة الماء الذي له عال و سافل سواء كان قليلا أو كثيرا- ان عدم انفعال العالي بملاقاة السافل و عدم تقويه بالسافل انما هو لمناسبات ارتكازية، بلحاظ وقوع عنوان الماء موضوعا للحكم بالانفعال في دليله، أو موضوعا للحكم بالاعتصام في دليله.

أما دليل الانفعال فقد تقدم في الجزء الأول توضيح المناسبات الارتكازية التي اقتضت عدم انفعال العالي بملاقاة النجاسة للسافل. و أما دليل الاعتصام فان العرف يرى بارتكازه ان الكثرة إنما تكون عاصمة و مانعة عن تأثير النجاسة، إذا كانت أبعاض الماء الأخرى بنحو تمد البعض الملاقي للنجاسة، و أما مع فرض عدم كونه صالحا للاستمداد من الأبعاض الأخرى كالعالي بالنسبة إلى السافل، فلا يرى في الارتكاز العرفي للسافل تأثير في منعته و عصمته، و هذه قرينة لبية تقيد إطلاق دليل الاعتصام تقييدا متصلا.

و منه يظهر الفرق بين العالي و السافل، فان السافل يتقوى بالعالي، لأن كلا الشرطين- من وحدة الماء البالغ كرا، و عدم منافاة الارتكاز- محقق. اما الأول فلما تقدم من ان اختلاف السطوح لا يضر بالوحدة و لو مع الجريان، و أما الثاني فلان السافل صالح للاستمداد من العالي، فلا تنطبق عليه النكتة الارتكازية، التي أوجبت عدم تقوي العالي بالسافل و خروجه عن دليل الاعتصام، فيحكم باعتصامه عملا بإطلاق دليل الاعتصام.

و على هذا الأساس، اتضح ان مقتضى القاعدة المستفادة من دليل‌

43

..........

____________

الاعتصام هو اعتصام ماء الحمام، إذا بلغ المجموع منه و من مادته الكرية.

و أما الجهة الثانية [و هي حكمه من حيث الرفع و إزالة النجاسة]

فالتحقيق فيها: ان الماء العالي و السافل إذا بني على وحدته، و قيل. بان المتمم كرا بطاهر يطهر، كفى بلوغ مجموعة الكرية في ارتفاع النجاسة عن ماء الحمام في الحياض، و إذا بني على وحدته و لم يبن على الطهارة بالتتميم، و لكن بني على قاعدة ان الماء الواحد لا يتبعض حكمه من حيث الطهارة و النجاسة، لزم بلوغ ما سوى المتنجس الكرية، و بتطبيق تلك القاعدة تثبت طهارة الجميع، على بحث سبق في موضعه.

و إذا لم نلتزم بوحدة الماء المختلف السطوح لم تنفع القاعدة المذكورة. و حينئذ إذا تم الاستدلال بصحيح ابن بزيع على مطهرية مطلق الماء المعتصم للماء المتنجس بالاتصال، كانت النتيجة لزوم اتصال المال المتنجس بماء غير مختلف السطوح بالغ حد الكرية. و قد تقدم تحقيق الاستدلال بالصحيح على ذلك.

و أما المقام الثاني [في حكمه بلحاظ الروايات الخاصة]

فقد وردت روايات عديدة تدل على اعتصام ماء الحمام، كرواية داود بن سرحان، و رواية إسماعيل بن جابر [1] و رواية بكر بن حبيب [2] و غيرها من الروايات، و أهمها الرواية الأولى، على أساس تميزها بصحة سندها، و قد جاء فيها قوله: «قلت لأبي عبد اللّه ما تقول في ماء الحمام؟ فقال: هو بمنزلة الماء الجاري [3]» و البحث في هذا المقام يقع في جهتين:

الجهة الأولى: في حدود الدفع و الاعتصام المستفاد من روايات الباب

فقد يقال بدلالتها على اعتصام، أوسع من الاعتصام الذي ثبت بالقاعدة‌

____________

[1] عن ابي الحسن الأول (ع) قال: ابتدائي فقال: ماء الحمام لا ينجسه شي‌ء.

[2] عن ابي جعفر (ع) قال ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة.

[3] هذه الروايات في وسائل الشيعة باب 7 من أبواب الماء المطلق.

44

..........

____________

في المقام الأول، و قد يقال بدلالتها على اعتصام أضيق منه.

أما القول الأول، فيستند إلى دعوى: إطلاق عنوان ماء الحمام، المأخوذ موضوعا للحكم بالاعتصام، فان مقتضى إطلاقه الشمول لصورة ما إذا كان مجموع ما في المادة و المجرى و الحوض الصغير أقل من الكر أيضا. و تندفع هذه الدعوى: بأن إطلاق الحكم بالاعتصام له مقيد متصل في نفس دليل اعتصام ماء الحمام، و ذلك لان هذا الإطلاق اما ان يلتزم به في خصوص ماء الحمام، و أما أن يلتزم به في كل ماءين متصلين على نحو اتصال الحوض الصغير بالمادة و إن لم يصدق على مكانهما اسم الحمام. و الأول باطل بقرينة لبية ارتكازية، و هي ارتكاز ان اسم الحمام بما هو لا دخل له في الحكم بالاعتصام، فان العرف يأبى عن كون المكان مما يستحم فيه دخيلا في اعتصام الماء، و هذا الارتكاز بحكم القرائن المتصلة التي تتدخل في تكوين ظهور الدليل. و الثاني باطل، بقرينة ان لازمه الحكم بعدم انفعال الماء القليل مطلقا، مع ان روايات ماء الحمام نفسها ظاهرة في الفراغ عن كبرى انفعال الماء في الجملة، فلا تناسب مع الحكم باعتصام الماء مطلقا. و بذلك يتعين سقوط الإطلاق المدعى، و اختصاص الاعتصام بصورة بلوغ المجموع الكرية، لئلا يلزم أحد المحذورين من مخالفة الارتكاز، أو مخالفة ظهور الروايات نفسها في الفراغ عن كبرى انفعال الماء في الجملة. و بذلك يتحصل من الروايات اعتصام الماء السافل المتصل بالعالي إذا كان المجموع كرا، سواء كان ماء حمام أولا، و هذا مطابق للقاعدة.

و بما ذكرناه في تحقيق الجواب على دعوى الإطلاق، ظهر ان مناقشة هذا الإطلاق لا تبتني على كون القضية في اخبار ماء الحمام خارجية أو حقيقية بتقريب: انها إذا كانت خارجية فلا إطلاق فيها، لنظرها الى خصوص‌

45

..........

____________

الأفراد الموجودة خارجا، و إذا كانت حقيقية تم إطلاقها (1) و ذلك الابتناء المذكور في غير محله، لأن القضية حتى إذا فرضناها حقيقية لا إطلاق فيها بقرينة متصلة و هي استلزام الإطلاق لأحد المحذورين المتقدمين، و مرجعه إلى حمل عنوان ماء الحمام على المعرفية و إخراجه عن الموضوعية و من الواضح ان معرفية العنوان أو موضوعيته شي‌ء، و كون القضية خارجية أو حقيقية شي‌ء آخر.

هذا كله مضافا إلى إمكان منع الإطلاق في نفسه بقطع النظر عن القرينة المتصلة التي ذكرناها، و ذلك لان مهم روايات الباب هو قوله في رواية داود بن سرحان المتقدمة «ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري» لضعف سند أكثر روايات الباب، و هذا القول كما قد يكون مفاده التنزيل بلحاظ الاعتصام، كذلك قد يكون مفاده التشبيه في وحدة الماء، لكي يقضي على منشأ التشكيك في اعتصام ماء الحمام، الناشي من التشكيك في وحدة ماء الحوض و ماء المادة، و ذلك بتنظير ماء الحمام بالماء الجاري، الذي لا إشكال في وحدته مع اختلاف السطوح فيه غالبا، فلا يكون الدليل بصدد إنشاء اعتصام جديد ليتمسك بإطلاقه، بل بصدد تأكيد الوحدة، لكي تنطبق على الماء القاعدة العامة في باب الماء، فلا إطلاق فيه.

و أما القول الثاني، فقد يستدل عليه برواية بكر بن حبيب: «ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة»، بدعوى: أن المادة لا تصدق على ما كان أقل من كر، فتدل الشرطية بمفهومها على عدم الاعتصام مع عدم كرية ما في المخزن، و ان بلغ المجموع الكرية.

و هذه الرواية ساقطة سندا ببكر، و لا تنفع في توثيقه دعوى: ان صفوان يروى عنه و هو لا يروي إلا عن ثقة، لأن صفوان لم يرو عنه‌

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى الجزء الأول ص 157 الطبعة الثانية.

46

..........

____________

مباشرة بل بالواسطة، فلا تشمله كلية ان صفوان لا يروى إلا عن ثقة. و أما دلالتها: فإن أريد بعدم صدق المادة على ما كان أقل من كر، دعوى:

انصراف المادة إلى المادة المتعارفة في الحمام، فهي أكثر من الكر بمراتب و لا يكفي فيها الكر الحدى. و ان أريد بذلك دعوى: ان عنوان المادة في نفسه لا ينطبق على ما هو أقل من كر، لان المركوز في المادة أن تكون لها سعة و إمداد مستمر، فمن الواضح ان المادة بمعناها المركوز في نفسه لا تنطبق على مادة الحمام و لو كانت كرا إلا بالعناية. فالتطبيق عنائي على كل حال. و الظاهر ان المتفاهم عليه عرفا من الشرطية في رواية بكر، اشتراط أن يكون لماء الحوض الصغير مادة في مقابل انقطاعه، المساوق لكونه ماءا قليلا، لا في مقابل اتصاله بماء أقل من المادة المتعارفة. فالأمر عادة دائر بين اتصال ما في الحوض بالمادة و انقطاعه عنها، و الاشتراط بلحاظ إخراج حالة الانفصال، لا حالة كون المجموع كرا حديا مع الاتصال لأنها ليست من الحالات المتعارفة.

الجهة الثانية في حدود الرفع المستفاد من روايات الباب:

و الظاهر انه لا يستفاد منها شي‌ء أوسع مما تقتضيه القاعدة، سواء كان النظر إلى مثل لسان: «ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة»، بدعوى: أن نفي البأس يشمل بإطلاقه الرفع أيضا، أو إلى مثل لسان: «ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري»، بدعوى: ان هذا التنزيل تنزيل للمادة الجعلية لماء الحمام منزلة المادة الطبيعية للماء الجاري، و حيث ان المادة الطبيعية ثبت كونها دافعة و رافعة فكذلك مادة الحمام.

و من الواضح ان اللسان الأول لا إطلاق فيه لصورة نقصان ما في المخزن عن الكرية بقدر ما في الحوض الصغير من ماء، لان عنوان المادة للحمام منصرف- كما عرفت- عن مثل ذلك، كما أن المادة المفترض سوق‌

47

..........

____________

التنزيل بلحاظها في اللسان الثاني منصرفة أيضا عن هذا الفرض. مضافا إلى ما تقدم من ان قوله «ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري» قد لا يكون متكفلا لتنزيل تعبدي، و انما هو تشبيه و تنظير لماء الحمام بعاليه و سافله، بالماء الجاري بعاليه و سافله، دون نظر إلى إقامة المادة الجعلية منزلة المادة الطبيعة ليتمسك بإطلاق هذا النظر لسائر الآثار، فغاية ما يستفاد من ذلك كون ماء الحمام واحدا.

و قد يستدل برواية حنان على الرفع في المقام و قد تقدم الكلام عنها في بحث الماء المتغير و عن عدم إمكان الاستدلال بها لإجمالها.

ثم انه لو يتم إثبات الرفع على القاعدة، و أريد إثباته بأخبار ماء الحمام، فقد يستشكل في الاستدلال بإطلاق أخبار ماء الحمام للرفع بعد فرض تسليم الإطلاق: بأنه معارض بالعموم من وجه مع إطلاق دليل انفعال الماء القليل، فماء الحوض الصغير إذا تنجس في حالة انفصاله عن المادة شمله دليل انفعال الماء القليل، و مقتضى إطلاقه الاحوالى بقاء الانفعال حتى بعد الاتصال بالمادة، كما ان مقتضى إطلاق نفي البأس في خبر بكر مثلا- على تقدير ثبوته و عدم انصرافه إلى الدفع- هو ارتفاع النجاسة بالمادة، فيكون التعارض بالعموم من وجه، و بعد التساقط يرجع الى استصحاب النجاسة.

و الجواب على ذلك: أما بدعوى كون اخبار ماء الحمام أخص مطلقا من دليل انفعال الماء القليل، بناء على تعدد الماء باختلاف السطوح، فإنه بناء على ذلك يكون ماء الحوض الصغير ماء قليلا، و مقتضى دليل انفعال الماء القليل انفعاله بالنجاسة و عدم ارتفاعها عنه. و بهذا يصبح دليل ماء الحمام أخص مطلقا منه، لأنه بتمام مدلوله- دفعا و رفعا- يخصص دليل الانفعال، و هذا خلافا لما إذا قلنا بان ماء الحمام المختلف السطوح واحد‌

48

..........

____________

عرفا، فان الدفع حينئذ لا يكون تخصيصا لدليل انفعال الماء القليل، بل يشكل مادة افتراق دليل ماء الحمام عنه.

و أما بدعوى: ان دليل انفعال الماء القليل ليس له إطلاق أحوالي يشمل ما بعد الاتصال بالمادة، لان ارتكاز وجود مطهرات في الجملة يقتضي كون مفاد دليل الانفعال دائما مقيدا لبا و ارتكازا بعدم المطهر، فلا يمكن نفي المطهرية بإطلاقه.

و أما بدعوى: ان دليل ماء الحمام حاكم على دليل انفعال الماء القليل بالنظر، فيتقدم عليه، و ان كانت النسبة العموم من وجه، لان دليل ماء الحمام ظاهر عرفا في المفروغية عن كبرى انفعال الماء بالملاقاة في الجملة، و هذا يعطيه نحوا من النظر الموجب للتقدم بالحكومة.

49

ماء البئر

الروايات الدالة على الاعتصام- الروايات الدالة على انفعاله- وجوه الجمع بين الطائفتين- فروع في تطهير ماء البئر و سائر المياه.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

(فصل) [اعتصام ماء البئر]

ماء البئر النابع بمنزلة الجاري لا ينجس الا بالتغير، سواء كان بقدر الكر أو أقل (1).

____________

(1) وقع ماء البئر موضوعا لطائفتين من الروايات.

[استعراض الروايات الدالة على الاعتصام]

إحداهما: دلت على الاعتصام، من قبيل: رواية ابن بزيع [1].

و رواية علي بن جعفر [2] و روايتي معاوية بن عمار [3] و رواية أبي بصير [4] و هي جميعا واضحة الدلالة على الاعتصام. ففي الأولى قوله: «ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء إلا أن يتغير فينزح. إلخ» و من الواضح أن كونه مما لا يفسده شي‌ء هو عين الاعتصام. و دعوى: ان المفروض في الرواية سعة ماء البئر‌

____________

[1] عن الرضا (ع): «قال: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء، إلا أن يغير ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأن له مادة».

[2] عن أخيه موسى بن جعفر «قال: سألته عن البئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زبيل من سرقين، أ يصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس».

[3] عن ابي عبد اللّه (ع): «في الفأرة تقع في البئر، فيتوضأ الرجل منها و يصلى، و هو لا يعلم أ يعيد الصلاة و يغسل ثوبه؟ فقال: لا يعيد الصلاة و لا يغسل ثوبه».

و في رواية أخرى له أيضا عن ابي عبد اللّه (ع) «قال: سمعته يقول: لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة مما وقع في البئر، الا ان ينتن، فإن أنتن غسل الثوب، و أعاد الصلاة، و نزحت البئر.

[4] قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): «بئر يستقى منها و يتوضأ به و غسل منه الثياب و عجن به، ثم علم أنه كان فيها ميت. قال: لا بأس، و لا يغسل منه الثوب، و لا تعاد منه الصلاة».

وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق.

52

..........

____________

المساوقة لكثرته. فلا تدل على اعتصام ماء البئر مطلقا مدفوعة بأن السعة إما بمعنى السعة في الحكم، فتكون مؤكدة للاعتصام، و أما بمعنى السعة في الماء، و حينئذ لا يراد بها الكثرة الفعلية، إذ لا معنى لتوصيف ماء البئر بالكثرة مع أن الآبار مختلفة من هذه الناحية، فبقرينة اختلاف وضع الآبار خارجا تكون السعة في الماء ظاهرة في السعة العنائية، باعتبار المادة التي هي مفروضة في نفس عنوان ماء البئر. و في رواية علي بن جعفر «سألته عن بئر ماء وقع فيها زنبيل من عذرة رطبة أو يابسة، أو زنبيل من سرقين أ يصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس». و إبداء احتمالات غير عرفية من قبيل: حمل زنبيل من عذرة على فضلات مأكول اللحم رغم مقابلته بالسرقين في الرواية، أو حمل لا يفسده شي‌ء على نفي الإفساد الذي لا يفيد معه النزح لا يضر بقوة ظهور الروايات المذكورة في الاعتصام. و ما كان فيه إطلاق من هذه الروايات لفرض التغير، يقيد بما دل على نجاسة ماء البئر بالتغير فدليل الاعتصام في نفسه تام.

و الطائفة الأخرى [استعراض الروايات الدالة على الانفعال]

دلت على انفعاله بالملاقاة [1] و هذه الطائفة و ان كانت كثيرة عددا، و لكن يمكن المناقشة في جملة من رواياتها:

فان كل ما دل على البأس- بنحو كان له إطلاق لصورة التغير و عدمه يمكن ان يقال: انه يقيد بفرض التغير، بقرينة روايات الاعتصام، فلا يكون معارضا من قبيل قوله: «و كل شي‌ء وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب و الخنافس و أشباه ذلك فلا بأس» (1) حيث دل بمفهومه على البأس في فرض وقوع ماله دم، فإذا بني فيه على عدم ظهوره في استناد البأس إلى مجرد الملاقاة، و إنما يقتضي ثبوت البأس بالملاقاة للإطلاق فيه‌

____________

[1] الواردة في وسائل الشيعة أبواب 15، 16، 17، 18، 19، 20، 21، 22 من أبواب الماء المطلق.

____________

(1) و هي رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (ع) وسائل الشيعة باب: 17 من أبواب الماء المطلق.