بحوث في شرح العروة الوثقى - ج3

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
452 /
5

الجزء الثالث

[تتمة كتاب الطهارة]

فصل للنجاسات اثنتا عشرة

الأول و الثاني- البول و الغائط

من الحيوان للذي لا يؤكل لحمه (1)

____________

(1) يشرع الماتن- قده- في ذكر النجاسات مدعيا انها اثنتا عشرة و سوف يتضح خلال البحث أنها أقل من ذلك: ثم يبدأ باستعراض كل قسم منها، فيذكر البول و الغائط من كل حيوان لا يؤكل لحمه.

[في نجاسة البول]

اما البول فنجاسته في الجملة من الواضحات، بل من الضروريات، الا أن الكلام في إطلاق هذا الحكم لجملة من الموارد، إذ قد يقال أن عمدة الدليل على نجاسة البول هو الإجماع القطعي، لأن الأخبار التي استدل بها على نجاسة البول بوجه عام مفادها الأمر بالغسل، و هو أعم من النجاسة، إذ قد يكون ملاكه التخلص من فضلات غير المأكول فلا يبقى إلا الإجماع و هو دليل لبي لا يصلح لإثبات النجاسة في موارد الخلاف و الكلام.

و يرد عليه: أولا- ان دليل نجاسة البول من الاخبار لا ينحصر بما ورد فيها بلسان الأمر بالغسل، بل من جملة أدلتها الأخبار الواردة في انفعال الماء القليل بملاقاة البول (1) و هي تدل على نجاسة البول. و كذلك ما ورد في تشديد البول، كصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه (ع).

قال: «ذكر المنى و شدده و جعله أشد من البول» (2).

و ثانيا- ان أوامر الغسل تقتضي بإطلاقها وجوب الغسل حتى مع‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق

(2) مسائل الطبعة باب 16 من أبواب النجاسات

6

..........

____________

زوال الأثر، و هذا لا يبقى له وجه إلا النجاسة، فتثبت النجاسة بإطلاق الأمر بالغسل.

و ثالثا- ان بعض تلك الأوامر نص في وجوب الغسل مع زوال العين، خصوصا ما كان منها مشتملا على الأمر بالتعدد في الغسل، لوضوح عدم بقاء الأثر بعد الغسلة الاولى.

و رابعا- ان المتيقن من مطلقات الأمر بالغسل هو بول الإنسان، و مانعية ما لا يؤكل لحمه لا يشمل موضوعها الإنسان. و التفكيك في مفاد الأمر بالغسل غير عرفي. نعم إذا كان النظر في الاستشكال الى الأمر بالغسل فيما لا يؤكل لحمه فقد يدعى ان موضوعه مطابق لموضوع المانعية، و لكن الأمر لا ينحصر بذلك.

و خامسا- ان الأمر بالغسل يدل عرفا على النجاسة في المقام و في سائر المقامات المماثلة. و هذه الدلالة اما باعتبار ظهور الغسل المأمور به بمادته في انه تنظيف و تخلص من القذر لدخل ذلك في مدلول المادة لغة أو دخله فيها عرفا باعتباره الاستعمال المطهر عرفا، أو بملاحظة مناسبات الحكم و الموضوع حيث ان مركوزية كبرى وجود نجاسات في الشريعة و كبرى ان الماء مطهر و مزيل لها شرعا و عدم ارتكازية نكتة اخرى للغسل كبرويا، يوجب انسباق ذهن الإنسان العرفي المتشرعي من خطاب اغسل الى كون الغسل بملاك النجاسة.

و هذا الملاك بكلا تقريبية هو الوجه العام في استفادة النجاسة من الأمر بالغسل في مختلف الموارد.

و عليه، فالأخبار الدالة على الأمر بالغسل تصلح لإثبات النجاسة، و دليل النجاسة لا ينحصر بالإجماع. و على هذا الأساس لا بد من ملاحظة العناوين الواقعة موضوعا للنجاسة في الروايات لنرى ما إذا كان بالإمكان‌

7

..........

____________

تحصيل مطلق يرجع إليه في إثبات نجاسة كل بول ليكون مرجعا في موارد الخلاف و الشك.

و حاصل ما دل على نجاسة البول من الاخبار طوائف.

الأولى: ما دل على نجاسة البول بلا تخصيص أو اضافة،

كرواية ابن ابى يعفور. قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن البول يصيب الثوب.

قال: اغسله مرتين» (1) و خبر ابى بصير. قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل ان تغسلها فلا بأس الا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة» (2).

الثانية: ما دل على نجاسة بول الدواب،

كخبر محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (ع). «سئل عن الماء تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب. قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شي‌ء» (3). بدعوى ان ظاهر الجواب إمضاء التنجس في فرض قلة الماء و عدم ردع السائل عما في ذهنه من كون ما ذكره موجبا للانفعال. و عنوان الدواب ينطبق على كل حيوان يدب على وجه الأرض إذا لم يسلم بالانصراف إلى الدابة العرفية.

و لو نوقش بعدم إمكان التمسك بإطلاق الإمضاء المقتنص لعدم كون الامام (ع) في مقام البيان من تلك الجهة، أمكن الاستدلال- لو لا الخدشة في السند- برواية أخرى لأبي بصير عن ابى عبد اللّه (ع) «أنه سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب. فقال: إن تغير الماء فلا تتوضأ منه» (4). مع ضم العلم من الخارج بأن التغير بغير النجس لا ينجس.

الثالثة: ما دل على نجاسة بول كل دابة لم تعد للأكل

و ان حلل أكلها‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 1 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب الماء المطلق

(3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق

(4) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الماء المطلق

8

..........

____________

شرعا، كخبر زرارة عن أحدهما (ع) «في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه. فقلت: أ ليس لحومها حلالا. فقال: بلى و لكن ليس مما جعله اللّه للأكل» (1). بناء على استفادة النجاسة من لفظ الكراهة في الرواية.

الرابعة: ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه.

كخبر عبد اللّه ابن سنان عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2).

أما الطائفة الأولى، فباعتبار فرض الإصابة فيها للثوب و نحوه و كون البول الذي يكون في نطاق ذلك عادة هو بول الإنسان، لا يبعد انصراف البول فيها الى بول الإنسان.

و اما الطائفة الثانية، فلو تمت فيها رواية سندا و دلالة أمكن الإشكال في إطلاقها لاحتمال انصراف كلمة الدواب الى دابة الخاصة.

و يبقى بعد ذلك عنوانان. أحدهما عنوان بول ما لا يؤكل، و الآخر عنوان بول ما لا يكون معدا للأكل. فإن كان ما لا يؤكل ظاهرا فيما يحرم اكله اختلف العنوانان و أمكن حينئذ دعوى: رفع اليد عن هذا الظهور و تنزيل عنوان ما لا يؤكل على عنوان ما لا يكون معدا للأكل، بدعوى:

حكومة خبر زرارة لما فيه من النظر إجمالا إلى القضية المركوزة في الذهن التي يناط فيها حكم النجاسة بالمأكولية. و سيأتي في بحث أبوال الخيل و البغال و الدواب تتمة تحقيق لذلك.

و على أي حال، يتحصل إطلاق يدل على النجاسة في حدود بول ما يحرم أكل لحمه على كل حال، لأنه أضيق العنوانين.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات

9

[البحث عن إطلاق في دليل الخرء]

____________

و أما الخرء، فلم نعثر على ما يصلح جعله مطلقا يرجع إليه في مورد الشك. و ما قد يدعى كونه مطلقا صالحا للرجوع إليه في إثبات الموجبة الكلية أحد أمور.

الأول: صحيح ابن بزيع.

قال: «كتبت الى رجل أسأله ان يسأل أبا الحسن الرضا (ع) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها. فوقع (ع) بخطه في كتابي: ينزح دلاء منها» (1). بدعوى: ان لفظ العذرة و ان كانت منصرفة إلى خرء الإنسان خاصة الا أنها مستعملة هنا في الأعم بقرينة التشبيه بالبعرة.

و فيه: بعد الإغماض عن أن التشبيه لعله بلحاظ تحديد الكمية لا بيان جنس العذرة. و الإغماض عن أنها واردة في بئر تكون في المنزل للوضوء، مما يكون بعيدا عادة عن خرء غير الإنسان و الدواب المأكولة: أن البعرة خرء الحيوان المأكول. و لا إشكال في عدم نجاسته فدلالتها على النجاسة ساقطة في موردها فلا يمكن استفادة النجاسة منها في غيره.

أضف الى ذلك، ان الأمر بالنزح و ان كان صالحا للإرشاد إلى النجاسة و انفعال البئر- على ما تقدم في أبحاث ماء البئر- إلا أنا أثبتنا بملاحظة مجموع روايات الباب اعتصام البئر فتحمل أوامر النزح على درجة من الحزازة و التنزه. و هو غير كاشف عن نجاسة الملاقي معه.

نعم، الإنصاف أن هذا لا يمنع عن ظهور شخص هذه الرواية في ان السائل كان المرتكز في ذهنه نجاسة العذرة و انفعال البئر بها. خصوصا بقرينة قوله (ما الذي يطهرها) و ظاهر سكوت الامام (ع) هو إمضاء‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 14 من أبواب الماء المطلق

10

..........

____________

كلا هذين الارتكازين و قد سقط ظهور السكوت في الإمضاء عن الحجية- بلحاظ انفعال ماء البئر و هذا لا يمنع عن التمسك بظهوره في الإمضاء لإثبات نجاسة العذرة.

الا أن هذا التقريب للاستدلال بالرواية لا يجدي في إثبات نجاسة الخرء من كل حيوان بنحو الموجبة الكلية، إذ لا يوجد دال على ان الارتكاز كان منعقدا بنحو الموجبة الكلية في ذهن السائل.

الثاني: نفس دليل نجاسة البول.

بدعوى الملازمة بين نجاسة البول من حيوان و نجاسة خرئه. فتكون الروايات الدالة على نجاسة البول من الحيوان مطلقا- لو كان فيها إطلاق- أو في الموارد الخاصة دالة على نجاسة خرءه أيضا.

و فيه: أنه لو أريد الملازمة المتشرعية باعتبار أنهم يرون أن نكتة قذارة البول و الخرء مشتركة. فهي و ان كانت غير بعيدة في الجملة، الا أنها لا جزم ببلوغها مرتبة تشكل ظهورا لدليل نجاسة البول في نجاسة الخرء أيضا، كيف و قد ثبت التفصيل بين الروث و البول في كثير من الموارد، فحكم بكراهة بول الخيل و الحمير و البغال و ورد الأمر بالغسل منها في روايات كثيرة مع عدم ورود شي‌ء من ذلك في روثها. و ثبت أيضا ان بول الإنسان أشد قذارة من خرئه، و ان الغسل من بوله لا بد فيه من التعدد بخلافه في خرئه بل يكتفى في التطهير منه بالحجر عند الاستنجاء. فمع ثبوت مثل هذه الأحكام كيف يمكن الجزم بوجود ارتكاز متشرعي على عدم الفرق لكي يشكل لدليل نجاسة البول مدلولا التزاميا عرفيا؟

و لو أريد دعوى الملازمة العرفية الأعم من المتشرعية ففسادها أوضح.

إذ العرف لا يملك ارتكازا على أصل استقذار بول كل حيوان أو خرءه‌

11

..........

____________

فضلا عن ارتكاز الملازمة بينهما بينهما في القذارة.

الثالث: رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن كتابه،

حيث جاء فيه، أن الصادق (ع) قال: «خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه و لكن كره أكله لأنه استجار بك و آوى الى منزلك و كل طير يستجير بك فأجره» (1).

و تقريب الاستدلال بها: أن قوله (هو مما يؤكل لحمه) ظاهر في كونه تعليلا للحكم بنفي البأس عن خرء الخطاف الذي هو نوع من الطيور، و ليس جملة مستقلة تبرع بها الامام (ع) لبيان حلية أكل لحم الخطاف، إذ لو كان الأمر كذلك لناسب عرفا الإتيان بما يدل على كون الجملة مستأنفة و منفصلة عن سابقتها مع انه لم يؤت بشي‌ء من ذلك، بل جعلت الجملة تتمة و فضلة لما قبلها و لم يفصل بينهما بالعطف فيكون هذا سببا في ظهورها في الارتباط بالحكم السابق و انه تعليل له. و عليه، يدل التعليل بمفهومه على ان ما لا يحل أكله في خرءه بأس. و هذا يحقق المطلق المطلوب.

و يرد عليه: ان التعليل لا يدل على العلية الانحصارية المستلزمة لانتفاء الحكم المعلل عند انتفاء العلة، فلو قيل أكرم زيدا لأنه عالم لم يدل على عدم وجوب إكرامه لكونه جارا و لو لم يكن عالما فلا ينعقد للرواية المذكورة مفهوم دال على الانتفاء عند الانتفاء.

و من ذلك يظهر الحال أيضا في مثل رواية عمار عن ابى عبد اللّه (ع):

قال: «كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه» (2). فان لسانها ليس لسان الحصر لينتزع منها المفهوم و يجعل دالا على نجاسة مطلق ما يخرج من‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

12

..........

____________

الحيوان غير مأكول اللحم.

الرابع: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع)

قال: «سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة.

قال: لا الا ان يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء» (1). بدعوى ان كلمة العذرة مطلقة شاملة التمام إفراد المدفوع.

و يرد عليه: مضافا الى منع شمول كلمة العذرة لأنها لو لم تكن مختصة بعذرة الإنسان فلا أقل من إجمالها و كون عذرة الإنسان بنفسها معنى عرفيا لها بحيث يكون ارادتها من اللفظ من باب ارادة معنى اللفظ منه لا من باب التقييد. أن الرواية ناظرة سؤالا و جوابا الى تحقيق حال انفعال الماء و عدمه و ليست في مقام البيان من ناحية نجاسة العذرة ليتمسك بإطلاق جواب الامام (ع) من هذه الجهة.

و منه يظهر الحال في مثل رواية موسى بن القاسم عن علي بن محمد (ع) في حديث قال: «سألته عن الفارة و الدجاجة و الحمام و أشباهها تطأ العذرة ثم تطأ الثوب أ يغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شي‌ء فاغسله و الا فلا» (2). فإنه، مضافا الى المناقشة في إطلاق كلمة العذرة في نفسها، يلاحظ ظهور الرواية في النظر إلى حيثية قابلية الحيوان لنقل النجاسة الى الثوب و هذا يعنى ان أصل النجاسة للعذرة مفروغ عنه فلا يمكن التمسك بإطلاق الجواب لإثبات نجاسة مطلق العذرة.

الخامس: رواية عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه (ع)

قال: «سألت» أبا عبد اللّه (ع) عن الرجل يصلى و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنور أو‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب الماء المطلق

(2) وسائل الشيعة باب 37 من أبواب النجاسات

13

إنسانا أو غيره (1)

____________

كلب أ يعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد» (1). بدعوى:

ان الترديد بين الإنسان و السنور و الكلب قرينة عرفا على ان هذه العناوين مجرد أمثلة و ان المقصود جنس العذرة بمعناها العام الشامل لمدفوع الإنسان و غيره و بعد حمل العناوين المذكورة على المثالية يثبت الإطلاق.

و يرد عليه: ان الحمل على المثالية لا يقتضي أكثر من ملاحظة جامع عرفي بين العناوين الثلاثة و هذا لا يعين تقديره بنحو من السعة بحيث يشمل الطير مثلا أو السمك ليكون مطلقا فوقيا يرجع إليه في موارد الشك.

هذا مضافا الى النكتة التي أشرنا إليها سابقا، و هي كون النظر متجها الى حكم أخر مترتب على النجاسة و هو بطلان الصلاة مع الجهل، فحيثية السؤال أن ما يبطل الصلاة مع العلم هل يبطلها مع الجهل أولا. و كلما كان هناك حكمان طوليان من قبيل نجاسة العذرة و انفعال الماء بالنجس منها، أو نجاسة العذرة و مانعية نجاستها في حق المصلى الجاهل بوجودها و كان النظر الى استطلاع حال الحكم الثاني و حدوده كان للرواية بقرينة هذا النظر ظهور في الفراغ عن أصل الحكم الأول و افتراضه، فلا يتمسك بإطلاقها من ناحيته.

و هكذا يتبين: أنه لا يوجد ما يصلح ان يكون مرجعا للحكم بالنجاسة إلا في البول من الحيوان غير المأكول خاصة. و اما في غير ذلك من البول و الخرء فلا بد فيه من ملاحظة الأدلة الخاصة في كل مورد فان ثبت بها النجاسة فهو و الا كان المرجع قاعدة الطهارة أو غيرها من الأصول المؤمنة.

[حكم بول الصبي]

(1) لا إشكال في ان بول الإنسان هو القدر المتيقن من أدلة نجاسة البول. الا أنه ربما يقع الإشكال في بول الصبي قبل، ان يطعم حيث‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب النجاسات

14

..........

____________

نسب إلى الإسكافي القول بطهارته و لا ريب في أن مقتضى إطلاقات أدلة نجاسة البول شمولها لبول الصبي أيضا بحيث لا بد في القول بالطهارة من التماس مقيد لها. و ما يتوهم كونه مقيدا رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (ع) قال: «لبن الجارية و بولها يغسل منه الثوب قبل ان تطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثوب و لا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين» (1).

حيث يستفاد من نفى الغسل عن الثوب الملاقي مع بوله الإرشاد إلى الطهارة و قد يورد على ذلك ان الغسل ان كان لا يشمل الصب فنفيه لا يدل على الطهارة لإمكان افتراض نجاسة تطهر بالصب و ان قيل بشموله للصب فهو انما يدل على الطهارة بإطلاق النفي لتمام راتب الغسل بما فيها الصب فيقيد هذا الإطلاق بما دل على وجوب الصب في بول الصبي غير المتغذي و لكن دلالة الرواية على الطهارة ليست بلحاظ مجرد نفي الغسل بل بلحاظ تعليل هذا النفي في الصبي و تعليل ثبوت الغسل في الجارية بما يناسب ان يكون النظر إلى أصل الطهارة و النجاسة.

هذا غير أن الصحيح عدم إمكان التعويل على الرواية، باعتبار سقوطها سندا و متنا و مضمونا.

اما السند فلانة قد ورد فيه النوفلي و هو ممن لا طريق لإثبات توثيقه عدا مجيئه في رجال كامل الزيارات و نحن لا نقول بوثاقة جميع رجال كامل الزيارات.

و اما المتن، فلان مفاد الرواية الحكم بنجاسة لبن الجارية أيضا و هذا مما لم يفت به فقيه و لا يحتمل في نفسه فقهيا، مما يكشف عن وجود و هن‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 3 من أبواب النجاسات الحديث 4

15

بريا أو بحريا صغيرا أو كبيرا (1) بشرط ان يكون له دم سائل حين الذبح (2)، نعم في للطيور المحرمة الأقوى عدم للنجاسة لكن الأحوط فيها أيضا الاجتناب (3).

____________

في الرواية من جهة من الجهات و معه لا يمكن التعويل عليها و لو كانت نقية السند.

و اما المضمون ففي نفسه غريب و بعيد و ذلك باعتبار أن بول الغلام لو كان طاهرا في نفسه لا يحتاج الى التطهير منه و لا التجنب عنه لاشتهر هذا الحكم و ذاع بين المتشرعة و كثرت الروايات الدالة عليه باعتبار شدة الحاجة و الابتلاء في حياة الناس به مع أن الأمر على العكس تماما مضافا الى غرابة نفس التعليل الوارد فيها من ان لبن الجارية تخرج من مثانة الأم و لبن الغلام من بين عضديها و منكبيها، مع وضوح خلافه.

فالصحيح ما أفتى به الماتن- قده- من عدم الفرق في نجاسة البول بين الصبي و غيره و ان كان بوله أخف مئونة في مقام التطهير منه على ما سوف يأتي البحث عنه مستوعبا في فصول المطهرات.

(1) بمقتضى إطلاق ما تمت دلالته على نجاسة بول غير المأكول و اما الخرء فقد قلنا أنه لا يوجد مطلق يمكن التمسك به في تمام الموارد بل لا بد من الرجوع الى القدر المتيقن من الضرورة الفقهية و الارتكازات المتشرعية و ما يمكن التعدي إليه من الموارد المنصوصة بنكتة عدم الفرق عرفا و اثر ذلك يظهر في موارد الخلاف على ما سيأتي.

(2) سوف يأتي وجه هذه الشرطية.

[طهارة فضلات الطائر المحرم أكله]

(3) اختلفت كلمات الفقهاء في نجاسة بول و خرء غير المأكول من الطير بين قائل بنجاستهما معا و قائل بطهارتهما معا و متردد في نجاسة بوله‌

16

..........

____________

مع الجزم بطهارة خرءه. و السبب في ذلك يرجع الى كيفية الاستفادة من الروايات المتعارضة بهذا الشأن، فهناك موثقة أبي بصير عن ابى عبد اللّه (ع) قال: «كل شي‌ء يطير فلا بأس ببوله و خرئه» (1).

الواضحة في الدلالة على عدم النجاسة في مطلق الطير فتقع طرفا للمعارضة مع ما دل على نجاسة بول غير المأكول. و مورد التعارض هو البول من الطير غير المأكول بناء على إنكار الملازمة بين نجاسة البول و نجاسة الخرء.

و هو مع الخرء بناء على الملازمة.

و يمكن ان تذكر عدة وجوه في علاج هذا التعارض.

[في بيان علاج التعارض بين الروايات الواردة في المقام]

الأول- أن يقال بتقديم دليل النجاسة

باعتبار موافقته مع السنة الدالة على نجاسة البول مطلقا تطبيقا لكبرى الترجيح بموافقة الكتاب و السنة:

و فيه: أولا- ما حققناه فيما سبق من عدم وجود مطلق دال على نجاسة البول، و كل ما ورد من الروايات الدالة على نجاسة البول من دون تقييد كانت منصرفة إلى بول الآدمي خاصة. فلا تكون موافقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول في مورد تعارضه مع دليل طهارة بول الطير كي ترجح بها، بل لا تكون موافقة معه حتى في غير مورد التعارض أيضا لمكان دعوى انصراف دليل نجاسة بول غير المأكول الى غير الإنسان من الحيوان غير المأكول فيختص كل من دليل نجاسة البول من دون تقييد و دليل نجاسة بول غير المأكول بموضوع غير موضوع الآخر.

و ثانيا- أن ترجيح أحد المتعارضين على الآخر انما يكون بموافقة السنة القطعية، بناء على إلغاء خصوصية الكتابية في الترجيح بموافقة الكتاب و استظهار أن مناط الترجيح هو موافقة دليل قطعي السند. و في المقام لم يبلغ ما دل على نجاسة البول بقول مطلق مبلغ القطع و التواتر.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 10 من أبواب النجاسات

17

..........

____________

و ثالثا- أن الترجيح بموافقة الكتاب و السنة من الترجيح السندي الذي مورده ما إذا كان التعارض بين الدليلين بحسب سنديهما كما في موارد التباين، فلا يجري في مورد تكاذب الدليلين بحسب الدلالة فقط كما فيما نحن فيه، على ما حقق في محله.

و رابعا- ان الرجوع الى المرجحات المذكورة في اخبار العلاج انما يكون بعد فقد الجمع الدلالي بين المتعارضين، فاذا تم شي‌ء من وجوه الجمع الدلالي الآتية لم تصل النوبة الى هذا العلاج.

ثم ان السيد الأستاذ- (دام ظله)- بعد أن ذكر هذا الوجه أورد عليه بأن المقام ليس من موارد الترجيح بموافقة الكتاب و السنة، لأن ذلك انما يكون فيما إذا كان عموم الكتاب أو السنة لفظيا لا بالإطلاق و مقدمات الحكمة لأن مقدمات الحكمة ليست من الكتاب و السنة كي تكون موافقتها موافقة الكتاب و روايات نجاسة البول في المقام لو سلم دلالتها فهي بالإطلاق و مقدمات الحكمة لا بالعموم (1).

و هذا بيان يطبقه الأستاذ- (دام ظله)- في تمام موارد المعارضة مع إطلاق الكتاب الثابت بمقدمات الحكمة.

الا أن هذه المناقشة غير صحيحة. إذ مضافا الى عدم تمامية التفصيل المذكور بين العموم و الإطلاق في نفسه على ما أوضحناه مفصلا في بعض الأبحاث السابقة من هذا الشرح. ان تطبيقه في المقام على موافقة السنة قياسا على الكتاب في غير محله. إذ الإطلاق و مقدمات الحكمة في الكتاب لو سلم انه ليس قرآنا فلا ريب في ان الإطلاق في السنة سنة أيضا إذ السنة نعم القول و الفعل و السكوت كما هو واضح (2)

____________

(1) التنقيح ج 1 ص 406

(2) راجع هامش الجزء الأول ص 73

18

الثاني- ان يقال بتعارض الموثقة مع دليل نجاسة بول غير المأكول

____________

و تساقطهما و الرجوع بعد ذلك الى مطلقات نجاسة البول بوصفها عموما فوقيا.

و قد اعترض عليه السيد الأستاذ- (دام ظله)-: بأن تلك المطلقات على القول بانقلاب النسبة تكون هي أيضا طرفا للمعارضة بالعموم من وجه مع موثقة أبي بصير للعلم بتخصيص المطلقات بما دل على طهارة بول ما يؤكل لحمه من البقر و الغنم فيكون حالها بعد هذا التخصيص حال ما دل على نجاسة بول غير المأكول (1).

و هذا الاعتراض غريب في بابه. ذلك أن القائلين بانقلاب النسبة لا يقولون به فيما إذا كان هناك عام و مخصصان إذ لا موجب لملاحظة العام أولا مع أحد الخاصين ثم ملاحظته مع الآخر كي تنقلب النسبة بينهما. و مقامنا من هذا القبيل إذ كل من دليل طهارة بول المأكول و موثقة أبي بصير مخصص في عرض واحد لمطلقات النجاسة.

و الصحيح في إبطال هذا العلاج أن يقال:

أولا- بعدم تمامية مطلق دال على نجاسة البول في نفسه على ما تقدم تحقيقه.

ثانيا- بعدم الانتهاء الى هذا الموقف فيما إذا صح شي‌ء من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين.

الثالث- إيقاع المعارضة بين موثقة أبي بصير و رواية عبد اللّه بن سنان

اغسل ثوبك من بول كل ما لا يؤكل لحمه (2) باعتبار أنهما معا بالعموم و بعد التساقط نرجع إلى رواية عبد اللّه بن سنان الأخرى «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (3) باعتبارها بالإطلاق المحكوم في نفسه لموثقة‌

____________

(1) التنقيح ج 1 ص 406

(2) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 8 من أبواب النجاسات

19

..........

____________

أبي بصير لو لا ابتلائها بالمعارض فيكون مرجعا بعد التساقط بنفس نكتة الرجوع الى العام الفوقاني.

و هذا الوجه في العلاج أيضا غير تام، و ذلك.

أولا- لعدم تمامية سند رواية عبد اللّه بن سنان الدالة على النجاسة بالعموم لأنها منقولة في الكافي عن علي بن محمد عن عبد اللّه بن سنان، و نحن نعلم بأن علي بن محمد الذي ينقل عنه صاحب الكافي إن كان هو شيخه فقد وقع بينه و بين عبد اللّه بن سنان سقط في السند للعلم بعدم معاصرته له:

و ان كان شخصا آخر ممن يمكن افتراضه معاصرا مع ابن سنان فيعلم ان نقل صاحب الكافي عنه لا يكون الا مع الواسطة فيكون في السند إرسال على كل حال.

و ثانيا- انه موقوف على ان لا يتم وجه من وجوه الجمع الدلالي بين المتعارضين.

الرابع- تقديم رواية أبي بصير على رواية عبد اللّه بن سنان

باعتبار ان دلالتها بالعموم و دلالة الأخيرة بالإطلاق و العموم مقدم على الإطلاق على ما حقق في محله- و لو فرض تساويهما في الظهور أيضا كانت النتيجة التساقط و الرجوع الى قاعدة الطهارة.

و هكذا يكون هذا الوجه للعلاج، خلافا للوجوه السابقة مثبتا لطهارة البول و الخرء من الطير غير المأكول.

الخامس- دعوى حكومة موثقة أبي بصير على أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه،

باعتبار ظهورها في الاستثناء و التقييد، لأنها تفترض ثبوت النجاسة للبول بنحو القضية المهملة فتتعرض لنفي إطلاقها لبول الطير و القرينة على هذا الافتراض هي ان كل نفي للحكم عن حصة إذا لم يكن من المحتمل عادة اختصاص الحكم المنفي بها يكون له ظهور في انه نفي استثنائي و انه‌

20

..........

____________

استثناء من الحكم الثابت على المطلق. و لهذا قلنا بأن لسان لا ضرر- مثلا- لسان الاستثناء لأن ما هو المحتمل في نفسه شمول الحكم لحال الضرر لا تشريع الأحكام الضررية خاصة فيكون للسان لا ضرر نظر الى أدلة الأحكام و بذلك يحكم عليها و هكذا في المقام فان المحتمل في نفسه شمول الحكم بنجاسة البول لبول الطائر لا اختصاصها به، فيكون النفي ظاهرا عرفا في اللسان الاستثنائي المساوق للنظر الى دليل نجاسة البول و هو يقتضي الحكومة.

السادس: تقديم دليل طهارة بول الطير و خرئه على دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه

باعتبار أن العكس يؤدي الى إلغاء عنوان الطير المأخوذ موضوعا في دليل الطهارة حيث يتقيد الحكم بما إذا كان الطير حلال اللحم و الطهارة ثابتة على عنوان ما لا يؤكل لحمه في نفسه سواء كان طيرا أم لا.

و توضيح هذا الوجه و تمحيصه ان: هنالك ظهورين لكل عنوان يؤخذ في موضوع حكم.

أحدهما: الظهور في دخالته في الحكم و عدم كونه أجنبيا عنه بالمرة الثاني: ظهوره في كونه دخيلا بنحو تمام الموضوع للحكم و أنه كلما صدق ذلك العنوان صدق الحكم أيضا.

و الظهور الأول ظهور عرفي ناشى‌ء من أخذ عنوان و إيراده في موضوع الكلام و الثاني إطلاق معتمد على مقدمات الحكمة و على هذا الأساس كلما وقع التعارض بين الظهور الأول في دليل مع الظهور الثاني في دليل آخر قدم الأول على الأخير لأن رفع اليد عن إطلاق موضوعية عنوان للحكم أخف مئونة من إلغاء العنوان المأخوذ في موضوع الكلام عن الموضوعية رأسا و مقامنا من هذا القبيل، فان دليل طهارة بول الطير لو قيد بالمأكول كان ذلك إلغاء لعنوان الطير عن الموضوعية رأسا و جعل موضوع الحكم عنوانا‌

21

..........

____________

آخر قد يكون طيرا و قد لا يكون. و هذا بخلاف ما لو قيد دليل نجاسة بول غير المأكول بما إذا لم يكن طيرا، إذ غاية ما يلزم هو رفع اليد عن إطلاق موضوعيته للنجاسة.

و هذا البيان موقوف على أن يكون كل ما يحل أكل لحمه من الحيوان طاهر البول و أما لو قيل باختصاص الطهارة بما إذا كان الحيوان المحلل غير الطير مما يتعارف أكله لا من قبيل الخيل و البغال- كما اختار صاحب الحدائق- قده- فلا يلزم من تخصيص طهارة بول الطير بما إذا كان محلل الأكل إلغاء عنوان الطير عن الموضوعية إذ ليس كل محلل الأكل طاهر البول بل لا بد أما أن يكون مما يتعارف أكله أو طائرا فيحفظ بذلك دخل عنوان الطير في موضوع الحكم.

و على أي حال يرد على هذا الوجه أنه موقوف على أن يكون عنوان ما يؤكل لحمه ملحوظا على نحو الموضوعية لا المعرفية إلى واقع العناوين التي تثبت فيها الحلية. و مقتضى الطبع الاولى في أخذ عنوان و ان كان هو الموضوعية لا المعرفية الا أن المقام خاصة يستظهر فيه العرف بمناسبات الحكم و الموضوع المركوزة لديه أن الطهارة و النجاسة لا تكون بملاك الحرمة التكليفية و حليتها و انما تكون بملاك الطيب و الاستقذار الذي يثبت لواقع تلك العناوين التفصيلية في عرض الحلية و الحرمة. و بناء على هذا الفهم لا يلزم من تخصيص الحكم بطهارة بول الطير بما إذا كان حلالا إلغاء عنوان الطير عن الموضوعية بل لعل طهارة بول الطير الحلال انما كان بلحاظ كونه طيرا كما هو مقتضى دليل طهارة بول الطير و طهارة بول ما يؤكل لحمه ليس الا معرفا الى ما يثبته دليل طهارة بول الطير:

ثم ان هنا رواية أخرى ربما يستدل بها على التفصيل في الطير بين ما يؤكل و ما لا يؤكل، و هي رواية عمار التي نقلها العلامة في المختلف عن‌

22

..........

____________

كتابه عن الصادق (ع) قال: «خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه و لكن كره أكله لأنه استجار بك و آوى الى منزلك و كل طير يستجير بك فأجره» (1).

و تقريب الاستدلال بها مبني على ان يكون جملة (هو مما يؤكل لحمه) تعليلا للحكم بطهارة خرء الخطاف لا جملة مستقلة تبرع بها الامام (ع) و قد تقدم ان هذا هو ظاهر السياق حيث لم يأت بما يدل على كون الجملة مستأنفة و منفصلة عن سابقتها و إنما ذكرت في سياق واحد ظاهر في الارتباط و التعليل للحكم بالطهارة. و حينئذ يقال: بأنه لو كان الطير طاهر الخرء من حيث هو طير لم يكن وجه للتعليل المذكور بعد افتراض كون السؤال عن الخطاف الذي هو نوع من الطير لأن العدول عن الأمر الذاتي في مقام التعليل الى الأمر العرضي ليس عرفيا فالتعليل المذكور دليل على أن الميزان في طهارة خرء الطيور و نجاسته أيضا هو حلية الأكل و حرمته، فتقيد بها موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير و خرئه فيحكم بنجاسة خرء الطير غير المأكول بل بنجاسة بوله أيضا. أما لتمامية الملازمة بين نجاسة الخرء و نجاسة البول و ان لم تتمّ الملازمة بين نجاسة البول و نجاسة الخرء. و أما لعدم احتمال الفرق بين الخرء و البول بأن يكون الميزان في نجاسة الأول هو حلية اللحم و حرمته دون نجاسة الثاني مع كون روايات التفصيل واردة في البول. و أما بدعوى أن الطيور تدفع البول و الخرء معا من مخرج واحد و كثيرا ما تكون أبوالها مختلطة مع خرءها فلا يفهم العرف ارادة خصوص الخرء المجرد عن البول في الحكم المذكور بل يفهم أن المراد بخرء الطير الفضلات التي تخرج منه سواء كانت خرءا خالصا أو بولا أو مختلطا و قد يجاب عن ذلك بأن العدول في مقام التعليل عن الأمر الذاتي الى الأمر العرضي انما لا يصح عرفا إذا‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

23

خصوصا الخفاش و خصوصا بوله (1)

____________

كان دخلهما على حد سواء و أما إذا كان دخل الأمر العرضي من باب نفي المقتضي و دخل الأمر الذاتي من باب وجود المانع فلا بأس بالعدول و المقام من هذا القبيل فإن حرمة اللحم هي المقتضي للحكم بالنجاسة و لو بحسب مقام الإثبات و ألسنة الروايات.

و الصحيح في الجواب على الاستدلال المذكور هو التشكيك في سند الرواية و متنها أما الأول فلعدم معلومية طريق العلامة الى كتاب عمار و أما الثاني فلأنها منقولة بطريق الشيخ عن كتاب عمار مع حذف كلمة الخرء مما يجعلها بيانا لحكم الخطاف في نفسه و أنه لا بأس به من حيث الحلية و جواز الأكل فتكون بهذا المتن أجنبية عن محل الكلام و مع هذا التهافت لا يمكن الاعتماد على نقل العلامة بعد استبعاد تعدد المنقول مع التشابه المطلق في فقرأتها من غير ناحية كلمة الخرء و كونها منقولة عن كتاب واحد و هو كتاب عمار.

و هكذا يتلخص أن الصحيح هو طهارة بول الطير و خرئه مطلقا.

[حكم فضلات الخفاش]

(1) البحث عن خرء الخفاش و بوله يقع تارة بلحاظ دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه باعتبار كونه من الحيوان محرم الأكل، و اخرى بلحاظ دليل طهارة بول الطير باعتبار كونه طائرا، و ثالثة بلحاظ الروايات الخاصة، فالكلام في مقامات.

أما المقام الأول

فقد يقال فيه ان دليل اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل شامل لبول الخفافيش أيضا فلا بد من الحكم بنجاسته لو لا الدليل المخصص و اما خرءه فشمول الدليل له مبني على الملازمة المتقدمة.

الا ان هذا الإطلاق يمكن منعه بأحد وجهين.

24

..........

____________

الأول- ما أفاده السيد الأستاذ- (دام ظله). من ان الخفاش مما لا نفس سائلة له- على ما شهد بذلك جماعة- فيحكم بطهارة بوله و خرءه من باب انه لا نفس له. و لو فرض الشك في كونه كذلك كفى ذلك أيضا في عدم إمكان التمسك بعموم النجاسة لكون الشبهة مصداقية بالنسبة إليه فتجري أصالة الطهارة أو استصحاب عدم كونه ذا النفس. بناء على جريانه في الاعدام الأزلية (1).

و هذا الوجه موقوف على تمامية كبرى طهارة بول و خرء ما لا نفس له. و هي غير تامة على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

الثاني- ان موضوع الإطلاق هو ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فلا يشمل الحيوان غير اللحمي عرفا. و الخفاش لا يكون حيوانا لحميا عند العرف فاسراء الحكم اليه يحتاج إلى إلغاء خصوصية اللحمية و جعل تمام الموضوع حرمة الأكل و هو بلا موجب بعد احتمال الفرق عقلا و عرفا بينهما.

و هذا الوجه صحيح و به يثبت في هذا المقام عدم تمامية مقتضى النجاسة في نفسه لبول الخفاش و خرئه.

و اما المقام الثاني

فلو افترض تمامية الإطلاق في المقام الأول لدليل نجاسة البول لبول الخفاش يقع البحث عن النسبة بينه و بين موثقة أبي بصير الدالة على طهارة بول الطير. حيث قد يقال بأنه في خصوص الخفاش لا بد من تقديم الموثقة و الحكم بطهارة بوله و لو فرض عدم تقدمها على دليل النجاسة في غير الخفاش من الطيور المحرمة. و ذلك بدعوى انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش إذ سائر الطيور لا بول لها بصورة منفصلة عن الخرء، فتكون الموثقة كالنص في طهارة بول الخفاش.

و فيه انه لو سلم انحصار البول في دائرة الطيور بالخفاش، و سلم ان‌

____________

(1) التنقيح الجزء الأول ص 409

25

..........

____________

المائع الخارج مع الخرء ليس بولا عرفا إلا بالعناية. فلا بد من حمل قوله (ع) كل شي‌ء من الطير فلا بأس ببوله، على ارادة هذا المائع نفسه الذي يكون بولا عناية إذ لا يمكن ان يكون مثل هذا الخطاب المشتمل على اداة العموم و الواضح في إعطاء قاعدة عامة في باب الطير. ناظرا الى خصوص بول الخفاش كما هو واضح.

و أما المقام الثالث

فقد استدل على نجاسة بول الخفاش برواية داود الرقي «قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجده. فقال: اغسل ثوبك.» (1)

حيث يستفاد من الأمر بغسل الملاقي في أمثال المقام الإرشاد إلى نجاسة الملاقي و فيه: أن الرواية ضعيفة سندا لا باعتبار داود الرقي فإنه و ان لم يوثق و لكنه ممن روى عنه الأزدي بسند صحيح و لكن باعتبار غيره كيحيى بن عمر الواقع في السند و الإرسال الواقع في طريق السرائر الى داود مضافا الى أنها معارضة مع ما لا يقل عنها شأنا- و ان كان غير نقي السند أيضا- و هي رواية غياث «لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف» (2) فتكون قرينة على إرادة مرتبة من التنزه و الاستحباب في الأمر بغسل الثوب بناء على ما هو الصحيح من ثبوت مراتب التنزه و الاستحباب عرفا في مثل النجاسة رغم كونها حكما وضعيا. هذا.

مضافا الى إمكان منع دلالتها على النجاسة حيث لم يسأل فيها عن نجاسة بول الخشاف أو طهارته و انما افترض أصابته للثوب و تصديه لتشخيص موضعه و التنزه عنه و لكنه لم يجده فكأن النظر إلى كيفية الموافقة القطعية و ان الجهل لا يرفع الحكم سواء كان ذلك الحكم لزوميا أو تنزهيا. و معه لا يمكن أن يستظهر من الأمر بالغسل الإرشاد إلى لزومية المحذور.

و هكذا يتضح عدم دليل تام على نجاسة بول الخفاش فضلا عن خرئه‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 10 من النجاسات

26

[حكم فضلات ما يحرم أكله بالعرض]

و لا فرق في غير المأكول بين ان يكون أصليا كالسباع و نحوها أو عارضيا كالجلال و موطوء، الإنسان و للغنم للذي شرب لبن خنزيرة (1)

____________

(1) و ذلك تمسكا بإطلاق الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه بعد استظهار ان المراد ما لا يؤكل بحسب نظر الشارع أي ما يحرم أكل لحمه.

و قد يمنع عن هذا الإطلاق بدعوى أن عنوان ما لا يؤكل معرف الى العناوين التفصيلية من الحيوانات التي لا يؤكل لحومها كالسباع و نحوها و التمسك بالإطلاق المذكور مبني على أن يكون عنوان ما لا يؤكل بنحو الموضوعية و هذا خلاف الظاهر كما تقدم فيما سبق أيضا و لهذا لا يتوهم إطلاقه لما إذا حرم أكل الحيوان لجهة طارئة كالغصبية مثلا.

و فيه: ان المستظهر من روايات نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه أن موضوع الحكم هو الحيوان حرام اللحم الذي تكون حرمته ثابتة للحمه بما هو لحم لا بما هو غصب أو ضرر أو نحو ذلك، و هذا شامل للحيوان الذي حرم لحمه و لو كانت الحرمة لطرو حالة في اللحم كالجلال. و لا يمنع عنه كون عنوان ما لا يؤكل مشيرا الى العناوين التفصيلية الواقعية من الحيوان فان العناوين الواقعية التفصيلية قد تكون دائمية و قد تكون عارضة كالجلال و الموطوء.

و قد يتوهم أن الإطلاق على تقدير تسليمه معارض بالعموم من وجه مع مثل ما دل على طهارة بول الشاة الشامل بإطلاقه للجلال منها، و بعد التعارض و التساقط و عدم وجود مطلق فوقي للنجاسة يرجع الى أصالة الطهارة.

و يندفع بأن ما دل على طهارة بول الشاة يتكفل حكما ترخيصيا و هو‌

27

و اما للبول و للغائط من حلال اللحم فطاهر حتى الحمار و للبغل و الخيل (1)

____________

نفي النجاسة و غاية ما يقتضيه عدم كون العنوان المأخوذ موضوعا فيه مقتضيا للنجاسة و هو لا ينافي ثبوت المقتضى لها بعنوان آخر. نعم لو كان يدل على اقتضاء العنوان المأخوذ في موضوعه للنفي لحصلت المعارضة و لكن ارتكازية نشوء الأحكام الترخيصية من عدم المقتضى لا مقتضى العدم تكون قرينة عرفية على تعيين مفاد الدليل في بيان عدم المقتضى من ناحية عنوان بول الشاة لا المقتضى للعدم. و هذه هي النكتة العامة في عدم المعارضة بين أدلة الأحكام الترخيصية و أدلة الأحكام الإلزامية في أمثال المقام.

و على هذا، فالإطلاق تام. و يمكن أن نضيف إليه أيضا ما دل على نجاسة عرق الجلال بضم الملازمة العرفية المتشرعية بين العرق و البول في النجاسة، و لو باعتبار ارتكازية أهونية العرق من البول فما يدل على نجاسة العرق يدل على نجاسة البول بالفحوى العرفية.

ثم ان هذا كله في بول الجلال و أما خرءه فالإطلاق غير تام بالنسبة إليه كما تقدم، فإن أمكن اجراء الفحوى العرفية التي أشرنا إليها أمكن إثبات نجاسة خرء الجلال بلحاظ دليل نجاسة عرقه على القول بتمامية ذلك الدليل.

[حكم فضلات الحمار و البغل و الخيل]

(1) لا إشكال في طهارة بول و خرء الحيوان المحلّل شرعا و المأكول خارجا كالشاة. و انما البحث و الاشكال في بول الحمار و البغل و الخيل من ناحيتين إحداهما من ناحية كونه بول ما لا يعتاد اكله و الأخرى من ناحية كونه بول هذه الأشياء بعناوينها التفصيلية.

أما الناحية الاولى:

فيقع البحث عنها تارة بلحاظ مقتضى النجاسة‌

28

..........

____________

و اخرى بلحاظ المانع فهنا مقامان.

أما مقام المقتضي للنجاسة

فهو يرتبط بكيفية فهم الروايات الدالة على نجاسة بول ما لا يؤكل.

و تفصيل الكلام في ذلك. ان جملة ما لا يؤكل لحمه تارة تحمل على كون عدم الأكل بلحاظ الذوق العرفي و لو كان من ناحية استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا و اخرى تحمل على ما لا يجوز أكل لحمه شرعا و ثالثة تحمل على الجامع بينهما اي مطلق وجود نكتة لعدم الأكل سواء كانت عرفية أو شرعية فعلى الأول و الثالث يتم الإطلاق لدليل النجاسة لبول الحمار و البغل و الخيل لأنها مما لا تؤكل بحسب الذوق العرفي. و على الثاني لا يتم الإطلاق و الاحتمال الأول من هذه الاحتمالات غير وارد في نفسه إذ لا يحتمل ان يكون عنوان (ما لا يؤكل) الوارد في لسان الشارع غير ناظر الى ذوقه هو و لا يبعد دعوى ان مناسبات الحكم و الموضوع العرفية تقتضي أن نكتة الحكم بالنجاسة هي الحزازة في لحم الحيوان التي تكون الحرمة كاشفة عنها لا مجرد عدم المأكولية عرفا و لو من جهة استعماله في غرض آخر كالركوب مثلا. و لا أقل من احتمال ذلك المساوق للإجمال و عدم انعقاد الإطلاق.

لا يقال: مثل رواية عبد الرحمن عن ابي عبد اللّه (ع) «قال:

يغسل بول الحمير و الفرس و البغل فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله» (1) قرينة على ان المراد من عنوان ما يؤكل لحمه في ألسنة الروايات ما يكون حلالا شرعا و مأكولا عرفا حيث جعل مقابلا للحمير و البغال:

فإنه يقال: غاية ما تدل عليه الرواية إرادة المعنى الأخص من الحلية الشرعية في شخص الاستعمال الواقع في هذه الرواية و لا يمكن ان يستظهر منها اصطلاح عام للشارع يقصده من عنوان ما لا يؤكل دائما، فالصحيح‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات

29

..........

____________

عدم تمامية المقتضي لنجاسة غير المأكول الحلال من الحيوان.

و أما المقام الثاني

فلو سلمنا تمامية المقتضي للنجاسة فهنالك ما يمنع عنه و هو رواية عبد اللّه بن بكير التي جاء فيها. «فأخرج (ع) كتابا زعم أنه إملاء رسول اللّه (ص) أن الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل اللّه أكله، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‌ء منه جائز إذا علمت أنه ذكي و قد ذكاه الذابح، و ان كان غير ذلك مما قد نهيت عن اكله و حرم عليك أكله فالصلاة في كل شي‌ء منه فاسد ذكاه الذبح أو لم يذكه» (1).

فإنها و ان كانت ناظرة إلى حكم المانعية لا النجاسة الا أن تجويزها الصلاة في كل شي‌ء مما أحل اللّه اكله حتى بوله و روثه يدل على عدم نجاستهما أيضا و هي واضحة في الدلالة على ان ما أخذ في موضوع الحكم انما هو حلية الأكل و ان لا يكون مما قد نهينا عن أكله أو حرم علينا اكله، و لو فرض كونه غير متعارف الأكل. و حينئذ يقع التعارض بين إطلاقها و إطلاق ما دل على نجاسة بول ما لا يؤكل و بعد التساقط يرجع الى أصالة الطهارة.

فالصحيح هو طهارة بول و خرء غير المأكول من الحيوان المحلل شرعا.

و أما الناحية الثانية و هي في حكم بول الحمير و البغال و الخيل بلحاظ عناوينها.

فقد وقع الخلاف بين الأصحاب في نجاسة أبوالها بعد التسالم تقريبا على طهارة أرواثها استنادا الى عدة نصوص ادعى دلالتها على نجاسة أبوالها.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 2 من لباس المصلى

30

..........

____________

و الإنصاف أن هنا لك في الروايات الواردة بهذا الشأن ما لا ينبغي الاستشكال في تماميتها سندا و دلالة على التفصيل بين أبوال الخيل و البغال و الحمير و أرواثها. من قبيل رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن أبوال الخيل و البغال، فقال: اغسل ما أصابك منه» (1) و رواية أخرى عنه أيضا «عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: لا بأس بروث الحمير و أغسل أبوالها» (2) و رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يمسه بعض أبوال البهائم أ يغسله أم لا. قال:

يغسل بول الحمار و الفرس و البغل فأما الشاة و كل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله» (3).

نعم مثل رواية أبي مريم ما تقول في أبوال الدواب و أرواثها قال:

أما أبوالها فاغسل ما أصاب ثوبك و أما أرواثها فهي أكثر من ذلك» (4) و نحوها رواية عبد الأعلى (5).

لا يمكن أن يستفاد منها النجاسة و ذلك باعتبار ما جاء في ذيلها من قوله (ع) «و أما أرواثها فهي أكثر من ذلك» فإنه سواء حمل على التفصيل بين البول و الروث بأن يراد من الأكثرية الكثرة في الكم الموجب لعسر التجنب عنه، أو حمل- و لو بعيدا- على أن الروث أولى بالغسل باعتباره أكثر قذارة و أشد، كان شاهدا على عدم المحذور اللزومي في الغسل من البول أما على الأول فلوضوح أن مجرد الأكثرية لا تكون موجبة بحسب المناسبات العرفية لرفع اليد عن الحكم بالنجاسة إلا في الأحكام التنزيهية مما يجعل الأمر بالغسل عن البول ظاهرا في التنزه و أما على الثاني» فبعد البناء المتشرعي و التسالم فتوى و نصا على طهارة الروث من الحيوانات المذكورة لا يبقى للأمر بالغسل من البول الذي هو أقل محذورا من الروث‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

(5) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات.

31

..........

____________

دلالة على غير التنزه و الاستحباب.

و مثلهما أيضا رواية محمد بن مسلم التي جاء فيها «فان لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله و ان شككت فانضحه» (1) حيث قد يقال إن المستفاد من أمره بالنضح في فرض الشك أن المحذور المراد التخلص عنه ليس محذور النجاسة اللزومية فإنها لا ترتفع بالنضح بل تزداد و تتسع و باعتبار وحدة السياق يفهم أن الأمر بالغسل في فرض العلم أيضا ليس لزوميا و لا أقل من صلاحيته للإجمال و عدم ظهوره في اللزوم.

و على أي حال. ففي الروايات الأولى الواضحة في الدلالة على نجاسة البول كفاية.

غير أن المشهور ذهبوا الى القول بالطهارة حيث لم ينقل القول بالنجاسة عن غير ابن جنيد (ره) و الشيخ (ره) في بعض كتبه من المتقدمين و صاحب الحدائق و المحقق الأردبيلي- رهما- من المتأخرين.

و ما يمكن أن يذكر لتخريج فتوى المشهور أحد طريقين.

الأول- ما أفاده السيد الأستاذ- (دام ظله)

بعد أن ناقش في سند بعض الروايات التي استدل بها لإثبات الطهارة من دعوى قيام السيرة القطعية على معاملة أبوال هذه الحيوانات و أرواثها معاملة الطاهر فلا بد من حمل ما يأمر بالغسل منها على التنزه.

و التحقيق: أن السيرة المدعاة في المقام بالإمكان تقريبها بأحد أنحاء‌

النحو الأول- أن يراد بها السيرة العملية لدى المتشرعة بما هم متشرعة

و يستند في ثبوت هذه السيرة في عصر الأئمة (عليهم السلام) الى قيامها في في العصور المتأخرة التي تعلم حالها مباشرة فيستكشف من قيامها في هذه العصور أنها كانت قائمة منذ عصر الأئمة، و عمل المتشرعة في ذلك العصر‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من النجاسات

32

..........

____________

يكشف إنا عن الدليل على الطهارة.

و هذا الطريق في إثبات السيرة عهدته على مدعيه. لأن تكون السيرة في زمان متأخر بمجرده و بدون ضم نكتة خاصة لا يكشف عن ذلك إذ قد يكون متأثرا بعوامل حادثة كانتشار الفتوى بالطهارة تدريجا و نحو ذلك لا الى انعقادها منذ عصر الأئمة (عليهم السلام). و مما يؤيد ذلك ذهاب بعض العلماء المتقدمين إلى النجاسة- كما أشرنا إليه- فإنه لا يناسب استقرار السيرة القاطعة منذ ذلك الزمان على الطهارة.

النحو الثاني

ان يقال ان مقتضى الطبع العقلائي أو مقتضى شدة ابتلاء الناس بابوال الدواب و صعوبة التحرز عنها هو مساورتها، و كل ما توفرت الدوافع النوعية على الاقدام عليه لو كان ممنوعا شرعا لحصل الردع عنه و حيث لم يحصل ردع عن ذلك في المقام فيستكشف إمضاء ما يقتضيه طبع القضية من مساورة تلك الأبوال.

و هذا استدلال بالسيرة العقلائية، و لهذا يحتاج الى ضم دعوى عدم الردع بينما التقريب السابق استدلال بسيرة المتشرعة التي هي بنفسها دليل إنى على الطهارة.

و الجواب عليه، ان أوامر الغسل الواردة في الروايات صالحة للردع لو سلم اقتضاء طبع القضية للإقدام على مساورة تلك الأبوال.

النحو الثالث- ان يدعى ثبوت سيرة المتشرعة في عصر الأئمة (ع) على الطهارة

و لكن لا يستدل على هذه السيرة بقيامها في العصور المتأخرة كما هو الحال في النحو الأول بل ببيان آخر، و حاصله: ان هذه المسألة حيث انها كانت محل ابتلاء المتشرعة آنذاك كثيرا فلا بد و أن يكون الحكم فيها واضحا عندهم، كما هي العادة في المسائل التي يعم فيها الابتلاء و يكثر التعرض لها. و عليه نتساءل: ما هو الحكم الذي كان واضحا عندهم‌

33

..........

____________

و ثابتا في ارتكازهم؟ فان كان هو الطهارة ثبت المطلوب، و ان كان هو النجاسة فكيف نفسر ذهاب مشهور فقهاء الإمامية إلى الحكم بالطهارة رغم تظافر الروايات الآمرة بالغسل و المطابقة لارتكاز النجاسة المفترض. و بقدر ما يضعف احتمال ذهاب المشهور الى خلاف ارتكاز متشرعي عام متطابق مع روايات عديدة يقوى الظن بان الارتكاز كان منعقدا على الطهارة.

و لكن في قبال ضعف احتمال ذهاب المشهور الى خلاف ارتكاز متشرعي عام مطابق لعدد من الروايات يوجد استبعاد آخر و هو استبعاد قيام ارتكاز متشرعي عام على الطهارة مع ان الارتكازات تعتمد في نشوئها عادة على بيان الأئمة (ع). و ما وصلنا من بياناتهم مما يدل بظاهره على النجاسة لعله أضعاف ما وصل مما يدل على الطهارة.

و لكن هذا على اي حال ان أزال وثوقنا بانعقاد الارتكاز المتشرعي المعاصر للنصوص على الطهارة بنحو يمتنع الاستدلال بالسيرة مباشرة فلا يزيل احتمال ذلك بنحو معتد به. و هذا الاحتمال ينفع حينئذ لا في تتميم الاستدلال بالسيرة، بل في إيجاد الإجمال في البيانات الآمرة بالغسل المروية، لأن الارتكاز المذكور على تقدير ثبوته يصلح ان يكون بمثابة القرينة اللبية المتصلة للحمل على التنزه و الاستحباب فيكون احتماله من احتمال القرينة المتصلة. و احتمال القرينة المتصلة كاحتمال قرينية المتصل يوجب الإجمال عندنا حيث لا يكون المحتمل من سنخ القرائن اللفظية و نحوها مما تدخل في نطاق تعهد الراوي بنقلها و يعتبر عدم نقله لها شهادة بعدمها. و ذلك كما في القرائن اللبية الارتكازية التي لا يوجد من الراوي تعهد بالتعرض لها ليكون سكوته شهادة بعدمها.

اللهم الا أن يقال: ان بعض الروايات الدالة على النجاسة قوية الظهور في ذلك على نحو لا يصلح الارتكاز المفترض ان يكون قرينة على تأويل ظهورها أو إسقاط صراحتها. من قبيل ما يأتي مما دل على ان أبوالها كبول‌

34

..........

____________

الإنسان، فإن حمل مثل هذا اللسان على التنزه بعيد جدا.

الثاني: تصحيح بعض ما يدل على الطهارة من الروايات.

من قبيل رواية أبي الأغر النحاس قال: «قلت لأبي عبد اللّه (ع) اني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه. فقال: ليس عليك شي‌ء» (1).

و هي واضحة الدلالة في نفي المحذور عن أبوالها و أرواثها، و الاشكال في سندها بابي الأغر النحاس يمكن دفعه بالتوثيق العام لمن يروى عنه أحد الثلاثة، فإنه قد روى عنه ابن ابى عمير و صفوان و الطريق صحيح. فتتم الرواية سندا و دلالة و بها يحمل الأمر بالغسل في الروايات الأخرى على التنزه و الاستحباب.

و منها رواية عبد اللّه بن ابى يعفور قال: «كنا في جنازة و قدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا و ثيابنا فدخلنا على ابى عبد اللّه (ع) فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس» (2).

و هي كسابقتها في الدلالة. كما ان الاشكال في سندها بالحكم بن مسكين يندفع برواية ابن ابى عمير و البزنطي عنه فتصح و تكون قرينة على حمل الأمر بالغسل على الاستحباب.

نعم هنا اشكال. و هو: أن هاتين الروايتين إذا صحتا لا تصلحان قرينة في مقابل رواية سماعة قال: «سألته عن أبوال السنور و الكلب و الحمار و الفرس قال: كأبوال الإنسان» (3).

لقوة ظهورها في النجاسة على نحو يكون حمل تشبيه بول الحمار ببول الإنسان على مجرد التنزه غير عرفي. و حينئذ تحصل المعارضة بين رواية سماعة و ما دل على الطهارة و بعد التساقط يمكن الرجوع الى الأوامر بالغسل في سائر الروايات. لأن تلك الأوامر لا تقع طرفا في هذه المعارضة لصلاحية ما دل على الطهارة للقرينية بالنسبة إليها، فتكون بمثابة العام الفوقي فتثبت النجاسة.

و قد يمكن التخلص عن ذلك بدعوى عدم تسليم التساقط و لزوم ترجيح روايات الطهارة لأنها مخالفة للعامة، و مع وجود المرجح العلاجي لا تصل النوبة إلى التساقط.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

(3) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب النجاسات

35

[حكم بول ما لا نفس سائلة له]

و كذا من حرام اللحم للذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم و نحوه (1).

____________

(1) مما استثنى عن كبرى نجاسة بول ما لا يؤكل، ما لا نفس سائلة له.

و البحث فيه يقع تارة بلحاظ مقتضى النجاسة و إطلاقه له في نفسه، و اخرى بلحاظ ما نخرج به عن ذلك.

أما البحث عن المقتضى.

فالظاهر تمامية الإطلاق في روايات اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل فإنه شامل لكل حيوان لحمي محرم الأكل شرعا.

و لا وجه لدعوى الانصراف عما ليس له نفس سائلة منه. نعم الحيوان غير اللحمي قد أشرنا فيما سبق إلى انه لا يبعد انصراف العنوان المذكور عنه فالمقتضي لنجاسة بول مثل السمك المحرم تام. و اما الخرء منه فنجاسته مبنية على دعوى الملازمة المتقدمة، أو عدم القول بالفصل.

و اما البحث عن المانع الذي نرفع اليد به عن إطلاق دليل النجاسة

فيتمثل في إحدى روايتين.

الأولى: رواية حفص بن غياث

عن جعفر بن محمد عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: «لا يفسد الماء الا ما كانت له نفس سائلة» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات

36

..........

____________

و تقريب الاستدلال بها، هو دعوى إطلاقها لما إذا لاقى الماء مع بول أو خرء ما ليس له نفس سائلة. و فيه بقطع النظر عن الإشكال في سند الرواية الذي سوف يأتي حله في بعض الأبحاث المقبلة أنها لا تدل على المدعى فان تمام النظر فيها إلى حيثية فساد الماء بالحيوان أو بميتته من حيث كونه حيوانا ذا نفس أو ليس ذا نفس، فلا تكون الرواية في مقام بيان فساد الماء بنجاسة حيثيات الحيوان ذي النفس و عدم فساده بشي‌ء من حيثيات الحيوان غير ذي النفس كي يتمسك بالإطلاق فيها.

ثم، لو فرضنا إطلاقها تقع طرفا للمعارضة مع عموم نجاسة بول الحيوان غير المأكول بنحو العموم من وجه، فهل تقدم الرواية أو ذاك العموم؟

الصحيح، ان تقديمها على ذلك العموم موقوف على تمامية أحد وجهين:

الوجه الأول- دعوى حكومتها عليه بملاك النظر المستفاد من ظهور سياقها في الاستثناء بعد الفراغ عن ثبوت النجاسة في الجملة بنحو القضية المهملة.

الوجه الثاني- دعوى ان هذه الرواية أخص مطلقا من مجموع أدلة نجاسة الميتة و أدلة نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه، لان تقديم هذا المجموع عليها يوجب إلغاءها. و حينئذ، فتارة نقول بأن أخصية دليل من مجموع دليلين توجب صلاحيته للقرينية عليهما و تقدمه عليهما معا بلحاظ أن الأخص من مجموع الدليلين لو فرض اتصالهما و اتصاله بهما لكان صالحا للقرينية على تقييد كل منهما، و كل ما كان كذلك في فرض الاتصال فهو موجب لهدم الحجية و التقدم بالقرينية في فرض الانفصال. و اخرى، نقول: بان الدليل الأخص من مجموع دليلين يستحق التقدم بملاك الأخصية على المجموع بما هو مجموع لا على الجميع، و بعد التقديم على المجموع يحصل التعارض بين إطلاق الدليلين المكونين للمجموع الأعم.

فعلى الأول تقدم الرواية على كل من دليلي نجاسة الميتة و نجاسة البول‌

37

..........

____________

ابتداء. و على الثاني تقدم الرواية على مجموع الدليلين لا جميعهما، و تقع المعارضة بعد ذلك بين إطلاق دليل نجاسة الميتة و إطلاق دليل نجاسة البول فيتساقطان و تكون النتيجة هي الطهارة أيضا.

الا أن جعل المعارضة بين الرواية و مجموع دليلي نجاسة الميتة و نجاسة البول يتوقف أولا، على افتراض وجود إطلاق في كل من الدليلين. مع إمكان نفي الإطلاق في أدلة نجاسة الميتة لمثل ميتة السمك و نحوها مما لا نفس له سائلة، كما سيأتي. و ثانيا: بعد فرض تسليم الإطلاق في كل منهما، على ان تكون نسبة الرواية الى كل من الإطلاقين على حد واحد، مع أن الرواية صريحة في نفي نجاسة الميتة، فإطلاق دليل نجاسة الميتة ساقط على كل حال و ليس الأمر دائرا بين سقوطه و سقوط إطلاق دليل نجاسة البول.

الرواية الثانية- موثقة عمار الساباطي

عن أبي عبد اللّه (ع) قال «سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس» (1) و تقريب دلالتها: أنها نفت البأس عن موت ما ليس له نفس و تفسخه في شبه الزيت و السمن من المائعات فتدل على طهارته و طهارة ما في جوفه من البول أو سائر الفضلات (2).

و يرد عليه: ان المنفي عنه البأس في قوله (كل ما ليس له دم فلا بأس) اما ان يكون هو الميت من الحيوان بمعنى ان كل ما ليس له دم فلا بأس بميتته. و اما ان يكون هو موت الحيوان في الزيت و السمن بمعنى انه لا بأس بموت الحيوان الذي ليس له دم في الزيت و نحوه. فعلى الأول تكون الرواية بمدلولها المطابقي دالة على نفي النجاسة عن الميتة الواقعة في‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 35 من أبواب النجاسات

(2) التنقيح ص 418 ج 1

38

..........

____________

الزيت التي ليس لها دم، و لا تكون ناظرة إلى نفي النجاسة عن بولها و خرئها.

و لا معنى للتمسك بإطلاقها لصورة تفسخ الميتة و اشتمالها على البول و الخرء لأن الإطلاق انما يقتضي تعميم ما هو المنظور و المقصود بالإفادة في الرواية و هو طهارة الميتة لا طهارة شي‌ء آخر. نعم لو ثبتت الملازمة العادية أو الغالبية بين اشتمال الزيت على الميتة و تفسخها و ظهور مدفوعها بولا و خرءا أمكن جعل الرواية دليلا بالالتزام على طهارة المدفوع لئلا يلزم كون الحكم بالطهارة و نفى البأس جهتيا محضا. و لكن هذه الملازمة غير ثابتة خصوصا ان مورد الرواية هو الذباب، و الجراد و نحوهما.

و أما على الثاني، فمن الواضح ان موت ما ليس له دم في الزيت بما هو ليس مما يحتمل كونه محذورا و انما يحتمل كونه منشأ للمحذور فنفى البأس يعنى نفى نشوء محذور منه. فان ادعى انصراف هذا المحذور المنفي إلى محذور الميتة فالأمر كما تقدم. و ان أنكرنا هذا الانصراف و تمسكنا بالإطلاق أمكن تتميم الاستدلال في المقام.

و هكذا يتضح عدم وجود ما يمكن ان يخرج به عن إطلاق دليل نجاسة بول ما لا يؤكل لحمه من الحيوان غير ذي النفس السائلة، و ان كانت الشهرة منعقدة على الطهارة فيكون الحكم بالنجاسة هو الأحوط.

39

(مسألة- 1) [حكم الملاقاة في الداخل]

ملاقاة للغائط في للباطن لا توجب للنجاسة كالنوى الخارج من الإنسان أو الدود الخارج منه إذا لم يكن معه شي‌ء من للغائط، و ان كان ملاقيا له في الباطن. نعم لو ادخل من الخارج شيئا فلاقى للغائط في للباطن كشيشة الاحتقان ان علم ملاقاتها له الأحوط الاجتناب عنه، و اما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان و لم يعلم خلطه في للغائط و لا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته (1).

____________

(1) بعد الفراغ عن تنجس الملاقي مع النجس في الخارج يقع البحث عن النجاسة الداخلية و الملاقاة في الداخل. و تحقيق هذه المسألة يقع في جهات:

الاولى: فيما إذا كان النجس الملاقي- بالفتح- داخليا بالمعنى الأخص أي على نحو لا يمكن إدراكه و الوصول إليه عادة، كالبول في المثانة و نحو ذلك. و الظاهر في مثل ذلك عدم انفعال الملاقي- بالكسر- سواء كان داخليا أو خارجيا، و ذلك لعدم ثبوت نجاسة تلك الأعيان في حالة كونها داخلية لكي يترتب على ذلك انفعال الملاقي لها. لأن أدلة نجاسة النجاسات كالبول و الغائط و الدم و غيره لم تدل عليها بعناوينها المطلقة المنطبقة على مصداقها في الداخل أيضا و انما هي روايات خاصة واردة كلها في موارد النجاسات في الخارج و ليس لها إطلاق للمصداق الداخلي المذكور، و لا يقتضي الارتكاز العرفي التعدي و إلغاء الخصوصية لاحتمال الفرق عرفا بين الداخلي و الخارجي على حد الفرق بين ماء الريق و البصاق، و عليه فلا مقتضى لنجاسة الملاقي في مثل ذلك بل مقتضى القاعدة الطهارة سواء كان الملاقي داخليا أو خارجيا.

و قد يستدل على طهارة الملاقي الداخلي بالخصوص بتقريبات اخرى

كما في كلمات السيد الأستاذ- (دام ظله).

منها- الاستناد الى ما دل على طهارة المذي أو البلل الخارج من فرج المرأة (1)

فإنه يلاقي مجرى البول و الدم و المنى فلو كانت ملاقاة شي‌ء من ذلك موجبة لنجاسة مواضعها الداخلية لكان البلل الملاقي لتلك المواضع محكوما عليه بالنجاسة لا محالة.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 55 من أبواب النجاسات

40

و منها- الاستناد الى ما دل على عدم وجوب غسل ما عدا الظاهر في الاستنجاء و في دم الرعاف،

____________

ففي رواية إبراهيم بن ابى محمود «انما عليه ان يغسل ما ظهر منه» (1) مع ان البواطن ملاقية للدم و الغائط و هذا يدل على عدم انفعالها.

و منها- أن النجاسة تستفاد من الأمر بغسلها

و لم يرد أمر بغسل البواطن فيستكشف من ذلك عدم انفعالها بالملاقاة (2).

أما التقريب الأول، فهو لا يثبت عدم انفعال الملاقي الداخلي و انما يثبت- على أفضل تقدير- إنه على فرض انفعاله ليس مما تبقى نجاسته بعد انفصاله عن عين النجاسة و زوالها عنه. و هذا متيقن على اي حال سواء قيل بالنجاسة أو لا، للفراغ عن ان البواطن إذا لاقت مع النجاسة لا تحتاج الى غسل لكي تطهر فأي محذور في فرض نجاسة المجرى بالملاقاة للبول و ارتفاع النجاسة عنه بزوال عين النجاسة عنه، بل في فرض نجاسة الرطوبة الخارجة نفسها عند ملاقاتها للبول و زوال النجاسة عنها بانفصالها عن البول.

و الحاصل ان تنجس الباطن بالملاقاة شي‌ء و عدم بقاء النجاسة بعد انفصال عين النجاسة شي‌ء آخر، و ما يثبت بالتقريب المذكور الثاني و ما يراد نفيه الأول.

فإن قيل: ان مقتضى إطلاق دليل طهارة البلل الخارج من فرج المرأة طهارته و لو كان المجرى متلوثا بالبول فعلا و هذا يعنى عدم انفعاله بملاقاة البول و هو المراد.

قلنا: ان الإطلاق المذكور لو سلم لا ينفى انفعال البلل عند ملاقاته للبول، غاية الأمر أنه يطهر بانفصاله عن عين النجاسة باعتباره شيئا باطنيا‌

____________

(1) وسائل الشيعة باب 24 من أبواب الماء المطلق

(2) التنقيح الجزء الأول ص 420

41

..........

____________

ما لم يخرج فيكون زوال العين عنه من المطهرات، و هذا غير عدم الانفعال رأسا. هذا على أن دليل طهارة البلل المذكور ناظر مطابقة الى نفي النجاسة الذاتية و لا ينفى فرض النجاسة العرضية أحيانا. نعم لو التزم بنجاسته العرضية غالبا للزم حمل دليل الطهارة على أمر جهتي و حيثي غير مفيد في مقام العمل و هو خلاف ظاهر الدليل، فبدلالة الاقتضاء العرفية تنفى النجاسة العرضية أيضا بمقدار يخرج به مفاد الدليل عن كونه مجرد أمر جهتي غير عملي، و يكفي في ذلك الالتزام بعدم النجاسة العرضية في موارد عدم العلم بالملاقاة مع البول في الداخل و ان علم بالملاقاة مع المجرى لان المجرى لو تنجس يطهر بزوال العين.

و اما التقريب الثاني، فيرد عليه: أن نفي الأمر بغسل البواطن كما قد يكون بنكتة طهارة تلك الأشياء الداخلية و عدم تنجس البواطن كذلك قد يكون بنكتة أن نجاسة البواطن غير مضرة بالوظائف العملية الشرعية لأن المطلوب في الصلاة طهارة الظاهر فقط.

و اما التقريب الثالث ففيه ان نجاسة الباطن على تقدير ثبوتها لا إشكال في عدم احتياجها في مقام التطهير الى الغسل لكفاية زوال العين في طهارتها فلا يمكن ان يستكشف من عدم ورود أمر بغسل البواطن انها لا تتنجس أصلا.

فالعمدة في إثبات عدم النجاسة الرجوع الى الأصل بعد قصور أدلة النجاسات عن الشمول للبول و الدم الداخليين و أمثالهما.

الجهة الثانية: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم

من قبيل الدم المتكون في فضاء الفم أو في داخل الأنف و كان الملاقي داخليا أيضا كالأسنان الملاقية لذلك الدم. و في مثل ذلك إذا منعنا من إطلاق أدلة نجاسة الدم و نحوه لمثل هذا المصداق الداخلي أيضا فلا إشكال في عدم الانفعال، و إذا سلمنا بالإطلاق المذكور فلا موجب أيضا للحكم بانفعال الملاقي لأن الحكم‌

42

..........

____________

بانفعاله انما يثبت بإطلاقات الأمر بالغسل و حيث ان من المفروغ عنه في البواطن عدم توقف طهارتها على الغسل و كفاية زوال العين في ارتفاع النجاسة عنها على تقدير انفعالها فلا تشملها الإطلاقات المزبورة، و مع عدم الشمول لا يبقى دليل على انفعال البواطن بالملاقاة، فيرجع الى القاعدة المقتضية للطهارة:

الجهة الثالثة: فيما إذا كان النجس خارجيا و كان الملاقي باطنيا و لو بالمعنى الأعم،

و في مثل ذلك لا إشكال في نجاسة الملاقي- بالفتح- لغرض كونه خارجيا، و لكن لا دليل على انفعال الباطن بملاقاته لنفس التقريب السابق حيث ان دليل الانفعال هو إطلاقات الأمر بالغسل و هي غير شاملة للبواطن حتى لو قيل بانفعالها بالملاقاة فلا يبقى دليل على تنجس الباطن بالملاقاة.

الجهة الرابعة: فيما إذا كان النجس داخليا بالمعنى الأعم

كما فرض في الجهة الثانية و كان الملاقي خارجيا، كما إذا أدخل الإنسان إصبعه إلى فمه فلاقى مع الدم في الداخل و لم يعلق به شي‌ء منه عند إخراجه و ثبوت التنجيس هنا موقوف على أمرين:

أحدهما، شمول دليل نجاسة الدم للدم الداخلي بالمعنى الأعم. و الآخر، عدم الفرق في الملاقاة المنجسة بين الملاقاة الواقعة في الخارج و الملاقاة الواقعة في الداخل. و الأمر الثاني تام على ما يأتي، و انما الكلام في الأمر الأول، إذ قد يقال: ان دليل نجاسة الدم كما يكون قاصراً عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأخص كذلك يقصر عن الشمول للدم الداخلي بالمعنى الأعم. و قد يقال: بأن إطلاقات روايات الأمر بغسل ما اصابه الدم كافية لإثبات نجاسة الدم المفروض في المقام و انفعال الأمر الخارجي بملاقاته، إذ يصح ان يقال حين يدخل الشخص إصبعه في فمه فيلاقى الدم ان إصبعه اصابه الدم فتشمله إطلاقات الأمر بالغسل. و لكن الإنصاف، أن الحصول على إطلاقات تشمل محل الكلام في غاية الإشكال لأن الروايات التي فرض فيها‌

43

..........

____________

ان الثوب و نحوه اصابه الدم مسوقة على الأكثر لبيان حكم طولي بعد الفراغ عن النجاسة، من قبيل الحكم بوجوب الإعادة على من صلى في ذلك الثوب و عدم وجوبها. و يأتي في بحث نجاسة الدم الاستشكال في أصل وجود إطلاق يدل على نجاسة كل دم فضلا عن أن يشمل الدم الداخلي. و لعل أحسن ما يدعى هناك من إطلاق قوله في موثقة عمار: «الا ان ترى في منقاره دما فلا تتوضأ و لا تشرب» (1) و من الواضح ان هذا الإطلاق لو تم شموله لكل دم خارجي فلا يشمل محل الكلام.

الجهة الخامسة: فيما إذا كان الملاقي و الملاقي معا خارجيين

غير ان ظرف ملاقاتهما كان في الباطن، كما لو أدخل الإنسان إصبعه النجس الى فمه فلاقى مع إصبعه الآخر داخل فضاء الفم.

و الحكم بعدم التنجيس هنا موقوف على ان تتم دعوى احتمال الفرق عرفا بين الملاقاة بين شيئين في الخارج و الملاقاة بينهما في الداخل، بعد افتراض عدم الإطلاق اللفظي في أوامر الغسل. و كلا المطلبين محل تأمل بل منع. إذ لا وجه للمنع عن إطلاق الأمر بالغسل في رواية عمار لكل ما اصابه ذلك الماء من الأمور الخارجية سواء كانت الإصابة في الخارج أو الداخل. كما ان دعوى إلغاء العرف خصوصية الخارج و كون الملاقاة في هذا المكان أو ذاك لا غبار عليها.

لا يقال: هذا الارتكاز مناقض بارتكاز عدم الفرق بين ملاقاة الخارجيين في الباطن كملاقاة الإصبع مع دم محمول الى جوف الفم من الخارج و بين ملاقاة الخارجي مع الدم الداخلي في جوف الفم التي حكم فيها بعدم الانفعال كالدم الخارج من الأسنان فان كليهما بحسب النظر العرفي من سنخ واحد، و لعله اليه استند من أفتى بالطهارة في هذه الجهة.

فإنه يقال- أولا: انه يوجد احتمال الفرق بينهما، لما تقدم من اختلاف النظر العرفي في باب الاستقذارات بين المادة الخارجة عن موطنها و غير الخارجة.

و ثانيا: لو سلم ارتكاز عدم الفرق فهو يقتضي الحكم بالنجاسة في الصورتين لا الطهارة، لوضوح ان الحكم بالطهارة في المسألة الثانية لم يكن من جهة قيام الدليل عليه و انما كان من جهة عدم الدليل المثبت للنجاسة فلو فرضت الملازمة عرفا بينهما كانت أوامر الغسل دالة على النجاسة في المسألتين معا كما هو واضح.

____________

(1) وسائل الشيعة باب 4 من الأسئار

44

(مسألة- 2) لا مانع من بيع البول و الغائط من مأكول اللحم (1)

و اما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز (2) نعم يجوز الانتفاع بها في للتسميد و نحوه (3).

____________

(1) تمسكا بإطلاقات أدلة حلية البيع بعد فرض وجود المالية بلحاظ بعض المنافع المحللة، أو فرض إنكار دخل المالية في مفهوم البيع، أو تمسكا بإطلاقات صحة العقود و التجارات لو سلم تقوّم عنوان البيع بالمالية و عدمها في المقام، و لا مقيد لكل تلك الإطلاقات إلا النبوي المرسل «إذا حرم اللّه أكل شي‌ء حرم ثمنه (1) و هو ساقط عن الحجية. و تفصيل الكلام في ذلك موكول الى محله.

(2) اما للإجماع، أو لعدم المالية، أو لقيام دليل على عدم جواز بيع النجس بعنوانه، أو للملازمة بين تحريم الشي‌ء و تحريم ثمنه المستفادة من النبوي المرسل، أو للروايات الخاصة المانعة في العذرة المبتلاة بالمعارض.

و كل هذه الوجوه لا يمكن التعويل عليها كما حققناه في محله، فالظاهر جواز بيعهما.

(3) لعدم تمامية ما استدل به المانعون على عدم جواز الانتفاع بالنجس و لو تم الدليل على ذلك لاقتضى سلب المالية عنه و بطلان بيعه و الصحيح عدم وجود دليل يقتضي المنع من سائر الانتفاعات بالنجس على نحو يحتاج جواز الانتفاع الى مخصص بل الأصل جواز الانتفاع الا حيث يقوم دليل على حرمته و لم يقم دليل على ذلك في المقام. و تفاصيل هذه المسائل موكولة إلى محلها.

____________

(1) المستدرك باب 6 من أبواب ما يكتسب به

45

(مسألة- 3) [حكم الشك في الحيوان]

إذا لم يعلم كون حيوان معين انه مأكول اللحم أولا لا يحكم بنجاسة بوله و روثه (1).

____________

(1) تارة يكون الشك في نجاسة البول و الخرء من جهة الشك في كون الحيوان شاة فيكون مأكول اللحم أو ذئبا فلا يكون مأكولا، و هذه شبهة موضوعية. و اخرى يكون من جهة الشك في ان الحيوان المتولد من أبوين حلال و حرام هل يلحق بالحرام أو الحلال و هذه شبهة حكمية من حيث حلية اللحم و حرمته و ان كانت بلحاظ النجاسة قد يتراءى أنها شبهة موضوعية دائما لدليل نجاسة بول غير المأكول، غير انه سوف يتضح انه ليس بصحيح على إطلاقه.

و تفصيل الكلام في هذا الفرع: أنا تارة نفترض أخذ عنوان غير المأكول في دليل النجاسة بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية من الحيوان المحرم، و أخرى نفترضه بنحو الموضوعية فالبحث يقع على تقديرين.

الأول: ما لو كان عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو المعرفية إلى العناوين التفصيلية للحيوان،

(2) فوقع الشك في حلية لحم حيوان و حرمته بنحو الشبهة الموضوعية أو الحكمية. و البحث على هذا التقدير على مستوى الأصل اللفظي‌

46

..........

____________

تارة و الأصل العملي اخرى.

اما الأصل اللفظي ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية من جهة تردد الحيوان بين الشاة و الذئب مثلا، لا يوجد أصل لفظي يمكن ان يثبت به النجاسة أو الطهارة، لأن الشك في موضوع دليل النجاسة فلا يمكن التمسك به.

و اما إذا كانت الشبهة حكمية من جهة تردد الحيوان بين اللحوق بالحرام أو الحلال من أبويه، فالشبهة تكون حكمية أيضا بلحاظ دليل نجاسة غير المأكول لأن موضوعه واقع الحيوان غير المأكول من الذئب و السبع و نحوه، كما إذا قال اغسل من أبوال الكلب و الذئب و السبع.

و حينئذ إن تم مطلق فوقاني على نجاسة كل بول و خرج عنه بول المأكول، كان المقام من موارد الشك في التخصيص الزائد بعد إجمال المخصص المنفصل. فيتمسك فيه بالعام لإثبات النجاسة.

و إذا منعنا عن وجود مطلق فوقانى و كان المطلق الثابت في حدود غير المأكول من الحيوان أصبح المقام من موارد الشك في شمول العام و إجماله بالنسبة للمشكوك، فلا يمكن التمسك به لإثبات النجاسة.

و اما الأصل العملي فلا يفيد لإثبات الطهارة أو نفي النجاسة إجراء استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي الثابت قبل وجود الحيوان- على القول به في الاعدام الأزلية- أو إجراء أصالة الحل، إذ المفروض عدم ترتب الحكم على عنوان الحرام أو الحلال.

بل التحقيق ان يقال: ان الشك ان كان من جهة الاشتباه الخارجي و تردد الحيوان بين ان يكون ذئبا أو شاة، أمكن إجراء استصحاب عدم كونه ذئبا لنفي موضوع النجاسة لو كان دليل نجاسة البول موضوعه ما يحرم اكله بالخصوص، أو استصحاب عدم كونه شاة لإثبات موضوع‌

47

..........

____________

النجاسة لو كان موضوعه مطلق البول خرج منه ما يحل اكله.

و قد يتوهم: عدم جريان هذه الاستصحابات للإعدام الأزلية في المقام على أساس أن المشكوك عنوان ذاتي و ليس عرضيا، بناء على التفصيل في جريان استصحاب العدم الأزلي بين العناوين الذاتية و غيرها.

و يندفع هذا التوهم: بأن موضوع الحكم هو العنوان العرفي للذئب و الشاة مثلا، و لا شك في تقومه بجملة من الخصوصيات العرضية القابلة لاستصحاب العدم الأزلي حتى عند من يقول بالتفصيل المذكور.

و اما إذا كانت الشبهة من جهة الشك في حلية الحيوان المتولد من أبوين مختلفين- و المفروض عدم تخصيل دليل اجتهادي على الحلية إثباتا و نفيا- فبالامكان إثبات الحكم بالطهارة باستصحاب عدم نسخها الثابت في أول عصر التشريع حيث امضى ما كان على العرف و العقلاء أولا ثم استثنى عنه شيئا فشيئا. بناء على ان لا يكون هنالك استقذار عرفي لبول الحيوان المتولد على نحو يمنع عن استفادة إمضاء الحكم بالطهارة.

و اما التمسك بأصالة الطهارة فسوف نبحث عن تماميتها في التقدير الآتي.

التقدير الثاني: أن يكون عنوان غير المأكول مأخوذا بنحو الموضوعية في دليل النجاسة

و البحث هنا أيضا فيما تقتضيه الأدلة الاجتهادية تارة، و الأصل العملي اخرى.

اما الدليل الاجتهادي،

فقد يقال فيه بأن التمسك بمطلقات نجاسة البول الفوقانية- بناء على القول بها- متعذر حتى لو كانت الشبهة في حلية الحيوان و حرمته حكمية، لأن الشبهة بلحاظ ما هو موضوع نجاسة البول و طهارته مصداقية بين العام و مخصصة، لأن الحرمة و الحلية موضوعان للنجاسة و الطهارة.

و لكن الصحيح إمكان التمسك بعموم نجاسة البول- لو تم في نفسه-

48

..........

____________

إذا كانت الشبهة في حرمة الحيوان و حليته حكمية- كما في المتولد من أبوين مختلفين- و ذلك بناء على ما سلكناه و حققناه في الأصول من جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه فيما إذ كانت شبهة حكمية في نفسها (1) و في المقام. الشك في حلية الحيوان و حرمته شبهة حكمية في نفسها و ان كانت مصداقية بلحاظ العام المخصص فيجوز التمسك فيها بالعام.

غير أن هذا البيان موقوف على ان يكون دليل نجاسة البول قد دل على ذلك بالعموم لا بالإطلاق فإنا إنما صححنا التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لمخصصه في العمومات دون المطلقات. مع انك عرفت عدم تمامية ما يدل على نجاسة البول بالإطلاق فضلا عن العموم. و عليه فلا أصل على مستوى الأدلة الاجتهادية يمكن التمسك به لإثبات النجاسة أو الطهارة في المقام.

و أما الأصل العملي.

فإن كانت الشبهة حكمية كالحيوان المتولد من حلال و حرام، فان فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان أو حرمته الا ما خرج بالتخصيص كان هو المرجع و به يتنقح موضوع دليل الطهارة أو النجاسة. و ان لم يكن هناك عموم من ذلك القبيل فالمرجع استصحاب عدم الحرمة الثابت و لو في صدر التشريع، بناء على جريان استصحاب عدم النسخ، و به يتنقح موضوع نفي النجاسة أو الحكم بالطهارة، و لو لم على جريان استصحاب عدم النسخ كان المرجع أصالة الحل و حيث أنها أصل تنزيلي فيترتب عليها آثار الحلية الواقعية التي منها طهارة المدفوع.

نعم لو لم نبن على تنزيليتها، أو بنينا على أصالة الاحتياط في اللحوم تعذر تنقيح موضوع الحكم بالطهارة بالأصل و تعين الرجوع الى أصل حكمي كأصالة الطهارة على تقدير جريانها في أمثال المقام على ما سنشير اليه.

____________

(1) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب هامش ص 45

49

..........

____________

و ان كانت الشبهة موضوعية، فإن فرض وجود عموم يدل على حرمة كل حيوان و خرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم الغنيمة مثلا، و بذلك يثبت موضوع الحرمة و في طول ذلك يثبت موضوع النجاسة، و إن فرض وجود عموم يدل على حلية كل حيوان، خرج منه بالتخصيص ما خرج أمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي لعنوان المخصص كاستصحاب عدم السبعية مثلا و بذلك يثبت موضوع الحلية و في طول ذلك تثبت الطهارة. و ان فرض عدم العموم من الطرفين و انما دل الدليل على حلية بعض الحيوانات و حرمة بعضها فالمرجع حينئذ استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي أو أصالة الحل، و في كيفية إثبات الطهارة و نفي النجاسة بهما اشكال حتى مع فرض أصالة الحل أصلا تنزيليا، لان اجراءهما في شخص هذا الفرد المشكوك يثبت حليته الواقعية تعبدا، فان كان موضوع نفي النجاسة عدم حرمة الحيوان شخصا ثبت هذا الموضوع و اما إذا كان الموضوع عدم حرمته نوعا اي عدم كونه من نوع محرم فلا يثبت هذا الموضوع بإجراء الأصل في شخص هذا الحيوان، بل لا بد من محاولة إجراءه حينئذ في نوع هذا الفرد المردد على إجماله و تردده بين ما هو معلوم الحلية و ما هو معلوم الحرمة فإن منع عن مثل ذلك في أصالة الحل أيضا كما يمنع عن استصحاب المردد تعين الرجوع الى الأصول الحكمية كاستصحاب عدم النجاسة الأزلي و كأصالة الطهارة في مدفوع الحيوان المشكوك، بناء على جريان القاعدة في موارد الشك في النجاسة الذاتية و في حالة كون المشكوك النجاسة من أول الأمر. و قد مر تحقيق ذلك مفصلا في مباحث قاعدة الطهارة في الجزء الثاني من هذا الشرح (1).

____________

(1) راجع الجزء الثاني ص 199

50

و ان كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الأصل (1)

____________

(1) لأن الأصل سواء أريد به أصالة الاحتياط في اللحوم أو استصحاب الحرمة الثابتة قبل الذبح لا يثبت الحرمة الذاتية الواقعية و لو تعبدا لكي يكون منقحا لموضوع الحكم بالنجاسة، اما أصالة الاحتياط فواضح، لان مفادها وجوب الاحتياط و هو لا يثبت الحكم الواقعي و لو تعبدا، و اما الاستصحاب المذكور فلأنه يثبت الحرمة الفعلية بعد ذبح الحيوان و لا يثبت كونها حرمة بعنوانه الذاتي الا من باب الملازمة و الأصل المثبت.

و تحقيق الكلام في حكم أكل لحم الحيوان المشكوك:

أنه لو أحرز قابليته للتذكية و شك في حليته و حرمته الذاتية فالمرجع العملي أصالة الإباحة سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية. و المرجع الاجتهادي عمومات و إطلاقات الحل إذا كانت الشبهة حكمية من قبيل قوله تعالى قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ. إلخ (1). و لا يوجد في مقابل الرجوع الى أصالة الإباحة إلا دعوى تخصيص أدلتها بأصالة الحرمة في اللحوم أو دعوى حكومة استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة قبل تذكيته فإنه كان محرما قبل التذكية على أي حال و يشك في زوال تلك الحرمة بالتذكية فتستصحب حرمته.

اما الدعوى الاولى

فلا دليل عليها لعدم ثبوت أصالة الحرمة في اللحوم بدليل معتبر ليخصص به عموم أصالة الحل.

و اما الدعوى الثانية، فقد يورد عليها بوجوه.

الأول

ان الحرمة المعلومة حال حياة الحيوان كانت بعنوان عدم التذكية و المفروض قابلية الحيوان لها و وقوعها، و معه يقطع بارتفاع تلك الحرمة بارتفاع موضوعها فيمتنع استصحابها (2).

____________

(1) الانعام: 145

(2) التنقيح ج 1 ص 437

51

..........

____________

و التحقيق ان حيثية عدم التذكية المأخوذة في موضوع الحرمة المجعولة على هذا العنوان اما ان تكون حيثية تعليلية عرفا غير مكثرة للموضوع و اما ان تكون حيثية تقييدية و موجبة لتعدد الموضوع، فعلى الثاني يمتنع جريان الاستصحاب لأجل عدم وحدة الموضوع. و على الأول يكون الموضوع واحدا و بوحدته تعتبر الحرمة المشكوكة بقاء للحرمة المعلومة و ان كان كل منهما مجعولا بجعل مغاير لجعل الآخر، لأن مناط الحدوث و البقاء في استصحاب المجعول انما هو الموضوع الذي له حدوث و بقاء و يكتسب المجعول بتبعه الحدوث و البقاء فالمجعول إذا لوحظ في عالم وجود الموضوع فلا يتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع و الجعل يرى عرفا كحيثية تعليلية لوجوده على موضوعه و المفروض وحدة الموضوع في المقام. و إذا لوحظ في عالم الجعل فليس له حدوث و بقاء أصلا في هذا العالم و لا معنى لإجراء استصحابه بلحاظ هذا العالم. و بتعبير آخر: أن المجعول إذا لوحظ وجوده الحقيقي بالذات الثابت بنفس الجعل فلا محالة يتعدد و يتغاير بتعدد الجعل و تغايره و لكنه بهذا اللحاظ لا يتصور له حدوث و بقاء فلا يمكن اجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية بهذا اللحاظ، و إذا لوحظ ما للمجعول من نحو ثبوت تابع لفعلية وجود موضوعه فهذا النحو من الثبوت يتصف بالحدوث و البقاء تبعا لاتصاف الموضوع بذلك و هذا النحو من الثبوت يكون الجعل بالنسبة إليه بمثابة الحيثية التعليلية فلا يتغاير و يتعدد بتعدد الجعل بل بتعدد الموضوع فمع تعدد الجعل تنحفظ الوحدة في الحرمة المجعولة و يجرى استصحابها كما هو الحال فيما إذا كان بياض جسم ثابتا حدوثا بعلة و احتمل بقاؤه بعلة أخرى فيجري استصحابه.

الثاني

ان الاستصحاب المذكور من القسم الثالث من استصحاب الكلي و ذلك لأن الحرمة المحتملة التي يراد تنجيزها بالاستصحاب هي الحرمة‌

52

..........

____________

الذاتية، و من الواضح أنها على تقدير ثبوتها تكون موجودة من أول الأمر مع وجود الحرمة الأخرى التي كانت ثابتة بعنوان عدم التذكية و متى كان المشكوك على تقدير وجوده ثابتا من أول الأمر على نحو يكون معاصرا للمتيقن السابق، فيمتنع اجراء استصحاب شخص الحرمة السابقة المتيقنة و يتعين اجراء استصحاب جامع الحرمة و هو من القسم الثالث من استصحاب الكلي لأنه جامع بين فرد معلوم الارتفاع و فرد مشكوك الوجود من أول الأمر. و الفرق بين هذا الوجه و سابقه أن نكتة امتناع استصحاب شخص الحرمة المتيقنة سابقا في ذلك الوجه هو تعدد الجعل بقطع النظر عن المعاصرة بين المجعولين، و النكتة هنا ان المعاصرة بين المشكوك و المتيقن تمنع عن صدق كون أحدهما بقاءا للآخر.

و يرد عليه: ان هذا مبني على ان يكون دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية شاملا للحيوانات المحرمة ذاتا أيضا، و اما إذا قيل باختصاصه بالحيوان الذي يحل بالتذكية لوروده في ذلك المورد فلا تحتمل المعاصرة بين الحرمتين بل يعلم إجمالا بثبوت احدى حرمتين على الحيوان المشكوك قبل الذبح اما حرمة بملاك العنوان الذاتي و اما حرمة بملاك عنوان عدم التذكية، و هذا المعلوم الإجمالي يحتمل بقاؤه لأنه على تقدير باق و على تقدير مرتفع فيجري استصحابه.

هذا مضافا الى أننا لو التزمنا بشمول دليل الحرمة الثابتة بعنوان عدم التذكية للحيوانات المحرمة ذاتا فهذا لا يقتضي ثبوت الحرمة المتيقنة و الحرمة المشكوكة في وقت واحد قبل الذبح على الحيوان المشكوك لو كان حراما ذاتا في الواقع لكي يمتنع ان يكون المشكوك بقاء للمتيقن بل يلتزم بثبوت حرمة واحدة مؤكدة بناء على التأكد عند اجتماع فردين من حكم واحد و هذا يوجب بطلان النكتة التي كانت تسبب عدم صدق عنوان البقاء على الحرمة‌

53

..........

____________

المشكوكة إذ لا يكون في الحيوان المشكوك قبل الذبح الا حرمة واحدة و هي اما حرمة مؤكدة إذا كان الحيوان محرم الأكل ذاتا و اما حرمة غير مؤكدة إذا لم يكن الحيوان كذلك و تعتبر الحرمة المشكوكة بعد الذبح بقاء لها و ان لم يكن لها ذلك التأكد المحتمل في الحرمة المتيقنة فيجري الاستصحاب.

و دعوى استحالة التأكد بين الحرمتين في أمثال المقام لأن الحرمة الناشئة من الخصوصية الذاتية ليست في رتبة الحرمة الناشئة عن الجهة العرضية و هي عدم التذكية فلا يمكن تأكدهما المساوق لوحدتهما مع تعدد الرتبة. مدفوعة، بأنه لا موجب للطولية بين الحرمتين رتبة لمجرد الطولية بين الموضوعين فان كلا من الحرمتين في طول موضوعها و في طول ما يكون موضوعها متأخرا عنه رتبة و ليست في طول الحرمة الأخرى.

الثالث

ان الاستصحاب المذكور انما يجري لو سلم في مقابل أصالة الحل و لا يجري في الشبهة الحكمية في مقابل عمومات الحل و لا في الشبهة الموضوعية في مقابل الاستصحاب الموضوعي المنقح لموضوع الحلية و ذلك لان كل حيوان حكم عليه بالحلية بمقتضى العمومات الا ما خرج فيجري استصحاب العدم الأزلي للعنوان المخصص و يكون هذا الاستصحاب موضوعيا و حاكما على استصحاب الحرمة.

الرابع

ما ذكره السيد الأستاذ- (دام ظله)- من إنكار الحالة السابقة رأسا لعدم قيام الدليل على حرمة أكل الحيوان الحي، و انما الثابت حرمة أكل الميت الا ما ذكي فالحرمة بملاك عدم التذكية موضوعها ليس مطلق الحيوان بل موضوعها الحيوان الميت غير المذكى فلا علم بالحرمة السابقة لكي تستصحب (1). و هذا اعتراض متين، و معه يسقط الاستصحاب المذكور.

هذا كله فيما إذا كان الشك في حلية الحيوان و حرمته بعد إحراز‌

____________

(1) التنقيح ج 1 ص 437

54

..........

____________

قابليته للتذكية، فقد اتضح ان المرجع في الشبهة الحكمية عمومات الحل، و في الشبهة الموضوعية أصالة الحل و كذلك يجري أيضا الاستصحاب الموضوعي المثبت للحلية و استصحاب عدم الحرمة، بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

و اما إذا كان أصل قابلية الحيوان للتذكية مشكوكة، فتارة تكون الشبهة موضوعية كما إذا شك في ان الحيوان غنم أو خنزير، و اخرى تكون حكمية، ففيما إذا كانت الشبهة موضوعية، ان قلنا بأن التذكية عبارة عن نفس فعل الذابح بلا قيد فهو خلف الفرض لأن معناه إحراز القابلية للتذكية و الشك في الحرمة من غير تلك الناحية فيدخل في الكلام المتقدم. و ان قلنا بأن التذكية عبارة عن فعل الذابح المقيد بخصوصية في الحيوان، أو عن اعتبار شرعي مترتب على ذلك الفعل مع تلك الخصوصية كان استصحاب عدم تلك الخصوصية- و لو بنحو العدم الأزلي- تام الأركان في نفسه و كذلك استصحاب عدم ذلك الاعتبار الشرعي المسبب، و نسبة الاستصحاب الثاني إلى الاستصحاب الأول نسبة الاستصحاب الحكمي إلى الموضوعي. و لكن الكلام في ان هذا الاستصحاب الموضوعي أو الحكمي النافي للتذكية هل تترتب عليه الحرمة أو لا أثر له فيلغو جريانه؟

و تفصيل ذلك: ان موضوع الحكم بالحرمة ان أخذ مركبا من موت الحيوان و عدم تذكيته أمكن إثبات الحرمة في المقام بإجراء الاستصحاب المذكور، إذ يحرز به الجزء الثاني و الجزء الأول محرز وجدانا، و يكون الاستصحاب الحكمي، أي استصحاب عدم المسبب، جاريا حتى عند من لا يقول بإجراء الاستصحاب في الاعدام الأزلية. نعم الاستصحاب الموضوعي و هو استصحاب عدم الخصوصية الدخلية في التذكية يكون من استصحاب العدم الأزلي إذا كانت الخصوصية المشكوكة من الخصوصيات المحتمل حدوثها‌