الأنموذج في منهج الحكومة الإسلامية

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
98 /
3

(مقدمة)

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أفضل بريته محمد و عترته الطاهرين.

و بعد لما كثر السؤال و الاستفسار من المؤمنين دامت توفيقاتهم في الفترات السابقة عن رأينا في مسألة (ولاية الفقيه الجامع للشرائط) و حدودها، فكان الجواب عنها بما تقتضيه طبيعة تلك الظروف من الإجمال و الاختصار. إلا إننا في الظرف الحالي لمسنا الحاجة و الضرورة للكتابة عنها و بيان بعض حدودها استجابة لكثرة الأسئلة و الطلبات التي ترد علينا من الأوساط الدينية‌

4

و الثقافية و غيرها، حيث ترغب للتعرف على رأينا و نظرنا في المسألة. فكان هذا الموجز الذي بين أيديكم.

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

1 تمايز الحكومة الإسلامية الشرعية عن الحكومة غير الشرعية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

1 تمايز الحكومة الإسلامية عن الحكومة غير الإسلامية الحكومة الإسلامية الشرعية هي الحكومة القائمة على أساس مبدأ الحاكمية لله وحده لا شريك له، و السلطة الحاكمة فيها تتمثل في ولي أمر المسلمين و هو منصوب من قبل الله تعالى في زمن الحضور و الغيبة معاً. أما في زمن الحضور فإنه منصوب بالتنصيص بالاسم و الشخص و الصفات. و أما في زمن الغيبة فإنه منصوب بالتنصيص بالصفات فقط كصفة الفقاهة التي هي متمثلة بالفقيه الجامع للشرائط منها الأعلمية. ثمّ أن ثبوت الولاية و الزعامة الدينية للنبي الأكرم (ص) و الأئمة الأطهار (ع) واضح و لا كلام و لا إشكال فيه لأن القدر المتيقن من قوله تعالى في الآية‌

10

المباركة: وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ هو الأئمة الأطهار (ع) هذا مضافاً إلى الروايات الدالة على ذلك. و إنما الكلام و الإشكال في ثبوت الولاية و الزعامة الدينية للفقيه الجامع للشرائط و لا يمكن إثبات هذه الولاية بالنص لأن الروايات التي استدل بها على ثبوت الولاية للفقيه باجمعها ضعيفة من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليها و من هنا فالمشهور بين الفقهاء عدم ثبوت الولاية للفقيه هذا. و لكن الصحيح ثبوت هذه الولاية له و هو لا يحتاج إلى دليل خارجي لأن امتداد الشريعة المقدسة و خلودها يتطلب امتداد الولاية و الزعامة الدينية المتمثلة في زمن الحضور برسالة الرسول الأكرم (ص) و بعده بإمامة الأئمة الأطهار (ع)، و في زمن الغيبة بفقاهة الفقيه الجامع للشرائط منها الاعلمية إذ لا يمكن افتراض امتداد الشريعة و خلودها بدون افتراض امتداد الولاية و الزعامة الدينية، ضرورة أن الشريعة في كل عصر بحاجة إلى التطبيق و التنفيذ و إجراء الحدود و الحفاظ‌

11

على الحقوق و الاهتمام بمبدإ العدالة و التوازن بين طبقات الأمة، فإذن بطبيعة الحال ما هو ثابت للنبي الأكرم (ص) و الأئمة الأطهار (ع) في زمن الحضور في الدين الإسلامي فهو ثابت للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة فإذا فرضنا أن الفقيه كان مبسوط اليد و لم تكن هناك عوائق و موانع عن تشكيل الدولة الإسلامية على أساس مبدأ حاكمية الدين فيجب عليه أن يقوم بتشكيل الدولة كذلك و من الواضح أن تشكيل الدولة الإسلامية بتمام أركانها و مكوناتها لا يمكن بدون ثبوت الولاية و الصلاحية الواسعة للفقيه في سن القانون و التشريع حسب متطلبات الظروف و حاجة الوقت و مصالح الناس العامة في حدود منطقة الفراغ لأن ترك الإسلام هذه المنطقة بدون تشريع لزومي بعنوان أولي يدل على أنه تعالى جعل صلاحية التشريع في هذه المنطقة لولي الأمر بعنوان ثانوي حسب متطلبات الوقت و حاجة البلد في كل عصر كما سوف نشير إليه.

12

إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة و هي أن ثبوت الولاية و الزعامة الدينية للفقيه الجامع للشرائط لا تحتاج إلى أي دليل خاص خارجي لأنه مقتضى القاعدة حيث أن امتداد الشريعة و خلودها يقتضي امتداد الولاية و الزعامة الدينية عليها. و مما ذكرناه فقد ظهر الفرق بين السلطة الحاكمة في الحكومة الشرعية حيث هي متعينة من قبل الله تعالى في زمن الحضور و الغيبة معاً و بين السلطة الحاكمة في الحكومات غير الشرعية حيث هي متعينة بالانتخابات الحرة أو بالقوة و الانقلاب. ثمّ إن للسلطة الحاكمة في الحكومة الشرعية صلاحية واسعة في تنفيذ الدستور الإلهي من جهة، و التشريع و سن القانون في أجهزة الدولة كافة: الاقتصادية و التعليمية و الاجتماعية و الحقوقية و الإدارية و جهاز الأمن و المخابرات و الشرطة و الجيش و غيرها حسب الظروف و متطلبات حاجة الوقت و مصالح البلد العامة في حدود منطقة الفراغ من جهة أخرى، و الهدف من‌

13

وراء كل ذلك هو تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية و التوازن بين طبقات الأمة و الاستقرار و الأمن هذا من جانب. و من جانب آخر إن الفرق بين الحكومة الشرعية و الحكومة غير الشرعية إنما هو على أساس مذهب الشيعة الإمامية لأن الحكومة على ضوء هذا المذهب إنما تكون شرعية إذا كانت قائمة على أساس مبدأ حاكمية الدين بأن يكون تعيين السلطة الحاكمة من قبل الله عز و جل سواء أ كان في زمن الحضور أم في زمن الغيبة، إذ كما أن ولاية الرسول الأكرم (ص) و الأئمة الأطهار (ع) تكون من قبل الله تعالى كذلك ولاية الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة. فالنتيجة إن الولاية و الخلافة على أساس مذهب الشيعة الإمامية مجعولة من قبل الله عز و جل سواء أ كانت في زمن الحضور أم في زمن الغيبة و أما على أساس مذهب أهل السنة فالمجعول من قبل الله تعالى إنما هو ولاية الرسول الأكرم (ص) فحسب و أما خلافة‌

14

الخلفاء و ولايتهم فإنما هي ثابتة عندهم بالإجماع و آراء الناس لا بنص من الله تعالى. و على هذا فكل حاكم في البلاد الإسلامية إذا ثبتت حكومته على الناس بالانتخابات الحرة النزيهة يعني بآراء الناس فهو ولي أمر المسلمين و حكمه نافذ و حكومته حكومة إسلامية شرعية عند أهل السنة هذا هو الفرق بين مذهب الشيعة الاثنى عشرية و مذهب أهل السنة. ثمّ إن الحكومة الإسلامية القائمة على أساس مبدأ الدين قد شكلت في عصر النبي الأكرم (ص) بيده المباركة و بكافة أجهزتها و قد ظهرت في الساحة و نجحت في هذا التطبيق، أي تطبيق الحكومة الإسلامية على الساحة نجاحاً باهراً رغم قصر عمرها. و أما نظام المحاسبة في الإسلام فليس نظاماً محدوداً و مدروساً فيه ضمن نص تشريعي من الكتاب أو السنة لأنه بيد السلطة الحاكمة في الحكومة الإسلامية الشرعية باعتبار أنها مأمورة بتطبيق هذا النظام في كل مجال من‌

15

المجالات الاقتصادية أو التعليمية أو غيرهما حتى تكون ناجحة. أما في زمن الحضور فمن الواضح أن النبي الأكرم (ص) إذا وضع خطة اقتصادية أو تعليمية أو غيرهما فلا محالة يكون قد وضعها بعد دراستها بشكل موسع و دقيق و جمع المعلومات حولها و الظروف المحيطة بها بحيث أنه (ص) كان يعلم بنجاح هذه الخطة. و أما في زمن الغيبة فعلى السلطة الحاكمة إذا أرادت وضع خطة اقتصادية أو تعليمية أو غيرهما أو إنشاء مشروع فلا بد أولًا من دراسة هذه الخطة أو المشروع بواسطة جماعة من العلماء و المفكرين و أهل الصلاح و الخبرة بالموضوع بشكل دقيق و موضوعي من جميع جوانبها الإيجابية و السلبية و دراسة مفرداتها و جمع المعلومات حولها و الحوادث المرتبطة بها و بعد هذه الدراسة إذا اطمأنّت بنجاح الخطة أو المشروع تقوم بإنشائها و سوف نشير إلى تفصيل ذلك.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

2 ماهية الإسلام مؤلفة من عناصر ثلاثة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

2 ماهية الإسلام لا يخفى أن الإسلام مؤلف من عنصرين ثابتين غير متحركين و عنصر ثالث متحرك غير ثابت:

العنصر الأول/ الإيمان بوحدانية الله تعالى و برسالة الرسول (ص)

و هو المعيار و الميزان في الإسلام فمن آمن بهما فهو مسلم محقون الدم و العرض و المال بلا فرق بين أن يكون بحسب المذهب شيعيا أو سنيا و لهذا الإيمان دور بارز و هام و كبير في تربية الناس و تهذيب سلوكهم و تحقيق مبدأ العدالة و التوازن بينهم و سوف نشير إليه.

العنصر الثاني/ التشريعات الإسلامية

و هي متمثلة في العبادات و المعاملات. أما العبادات بالمعنى الجامع بين الواجبات و المحرمات فهي مجموعة أفعال خاصة و تروك مخصوصة تشكّل‌

20

علاقة معنوية روحية بين العبد و ربه و لا تتغير بتغيّر الحياة العامة و لا تتطور بتطورها عصراً بعد عصر فإن الصلاة التي كان يصليها الناس في عصر النبي الأكرم (ص) هي نفس الصلاة التي يصليها الناس في هذا العصر لأنها كما فرضت على من يحرث الأرض بمحراثه اليدوي البسيط و يقود الأشياء بقوة اليد كذلك فرضت على من يحرث الأرض بقوة الكهرباء و يقود الأشياء بقوة الذرة فلا امتياز للصلاة في عصر الذرة و الفضاء عن الصلاة في عصر النبي الأكرم (ص) و في الصوم و الحج في هذا العصر عن الصوم و الحج في ذلك العصر و هكذا. و كذلك الحال في المحرمات الإلهية فإنها بنفس الصيغ الموجودة في عصر النبي الأكرم (ص) موجودة في العصر الحالي. و هذا بخلاف علاقة الإنسان بالطبيعة حيث هي علاقة مادية تتأثر بتأثر الحياة العامة و تتطور بتطورها عصراً بعد عصر هذا من جانب.

21

و من جانب آخر إن للعبادات بتمام أصنافها و أنواعها دوراً تربوياً هاماً اجتماعياً و فردياً حيث أنها تهذب سلوك الإنسان في الخارج و تمنع عن التصرفات المنحرفة المعيقة عن الوصول إلى القيم و المثل الدينية و الإنسانية، و لها دور أيضاً في تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية و التوازن بين طبقات الأمة، و في نفس الوقت هي رمز للوحدة بين المسلمين لأن الصوم في شهر رمضان و الصلاة في أوقاتها الخاصة و الحج في وقته المعين المحدد و التوجه إلى القبلة و غيرها جميعاً من رموز الوحدة، فإذن للعبادات بعد اجتماعي مضافاً إلى بعدها الديني. و من جانب ثالث إن للعبادات دوراً تربوياً روحياً و تأثيراً كبيراً في تقوية علاقة الإنسان بخالقه المطلق، و لها دور أساسي في ترسيخ هذه العلاقة في النفس لأن العبادات في الخارج تنعكس على الإيمان بالله تعالى في النفس و تؤثر في نموه و ترسيخه فيها كما إن الإيمان بالله عز و جل في الداخل ينعكس تماما على العبادات في‌

22

الخارج و يؤثر في البعد الاجتماعي و الديني فيها، لأنهما عنصران مرتبطان بترابط متبادل متفاعل طول التاريخ. و أما المعاملات فهي تتمثل بالأنشطة الاقتصادية الإسلامية و تختلف عن العبادات في نقطة و هي إن العبادات بأسرها مجعولة من قبل الشارع فحسب بينما المعاملات ثابتة بين العقلاء قبل الشرع و الشريعة غاية الأمر أن الشارع ينظر إلى هذه المعاملات برمتها فما كان منها موافقاً لمبادئ الشريعة فهو ممضى من قبل الشارع و ما لم يكن موافقاً لها و خطراً عليها فهو ملغى شرعاً كالمعاملات المحذورة في الشريعة المقدسة من الربا و بيع الخمر و الخنزير و الكلب و الاحتكار و الغش و غيرها لأن الشارع قد ألغى هذه المعاملات المحذورة عن الاقتصاد الإسلامي نهائياً. و السبب فيه هو أن الدين الإسلامي إنما جاء لإصلاح المجتمع الإنساني ككل و وضع نظام معتدل متوازن بهدف تحقيق مبدأ العدالة و التوازن بين طبقات الأمة و الحفاظ على حقوقها كافة بدون إفراط و تفريط فيه‌

23

و حيث أن النظام الاقتصادي الإسلامي قائم على أساس المصالح الواقعية فلهذا قد يوافق النظام العقلائي و قد لا يوافق و من هنا قد يعتبر الشارع شرطاً زائداً في صحة المعاملة بينما لا يكون هذا الشرط معتبراً عند العقلاء هذا من ناحية. و من ناحية أخرى إن دراسة الأنشطة الاقتصادية في الإسلام بصورة معمقة و موسعة في الحوزات العلمية الكبرى التي تطورت و تعمقت و توسعت عصراً بعد عصر تؤكد أصالة المسلمين في التشريع و التفكير و استقلالهم في النظام الاقتصادي. و من هنا قلنا في كتابنا) البنوك): أنه يمكن تصحيح الأنشطة الاقتصادية و المبادلات التجارية بكافة أنواعها و أصنافها في الأسواق المالية العالمية) البورصات) من وجهة نظر إسلامية ما عدا المعاملات المحذورة في الشريعة المقدسة.

24

إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة و هي إن الاقتصاد الإسلامي قابل للتطبيق في كل عصر و يعالج فيه مشاكل الإنسان في الحياة العامة بكل أصنافها. ثمّ إن علاقة الإنسان بالخالق المطلق كما تؤثر في الجانب الإيجابي فكذلك تعالج الجانب السلبي من مشكلة الإنسان الكبرى و هي الإلحاد، لأنها ترفع الضياع و اللاانتماء و الإلحاد و تضع الإنسان موضع المسئولية أمام الخالق المبدع في اتجاهاته و تحركاته كافة لأنها تتحكم على الإنسان و تحدد مواقفه في جميع مرافق حياته الفردية و العائلية و الاجتماعية و الاقتصادية و التعليمية و الإدارية و هكذا و تجعل الجميع موافقة لمرضاته تعالى و تقدس و من هنا يكون دور العبادات دور الارتباط بالخالق المطلق و ترسيخ هذا الارتباط و من الطبيعي أن الارتباط بالمطلق القادر يرفع الضياع و اللاانتماء و الإلحاد من جهة و مشكلة الغلو و الارتباط بالمحدود الذي لا حول له و لا قوة من جهة أخرى، لأن المشرك يحول ما ينتمي إليه في العبادات من الصنم‌

25

المحدود المصنوع بيد الإنسان إلى المعبود المطلق مع أنه لا حول له و لا شعور لأنه قد صنع بيد الإنسان. و من الطبيعي إن منشأ هذا هو الجهل و الغرور و العناد و عدم التأمل و التفكر و الضلال و ضياع الطريق من جهة و حس الحاجة إلى الارتباط بالمطلق في مسيرته و حركاته و مواقفه من جهة أخرى، و المشرك من أجل ذلك يقوم بقلب الحقيقة و جعل ما ليس بحقيقة حقيقة مطلقة من خلال الأوهام و الأفكار الخاطئة المضلة التي تجعله أعمى بتمام المعنى، و تصويره إلهاً يعبد و هل من المعقول أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الانحطاط بحيث يفقد عقله و شعوره و يتبع الأوهام و الخيال و يجعل ما هو مصنوع بيده معبوداً مطلقاً. و الإيمان بالله وحده لا شريك له الذي قدمته شريعة السماء هدية إلى الإنسان على سطح الأرض يعالج هاتين المشكلتين فإنه ارتباط بالخالق المطلق و انتماء إليه فيخرج الإنسان بذلك عن مشكلة الإلحاد و اللاانتماء كما أنه يخرج الإنسان بذلك عن مشكلة الغلو و الارتباط‌

26

بالمحدود فإذن يكون الإيمان بالخالق المطلق سيفاً ذا حدين: فبأحدهما يقطع دابر الإلحاد و اللاانتماء و الضياع و بالآخر يقطع دابر الوثنية و الشرك و الغلو حيث أن الإيمان به يضع الإنسان في أعلى مرتبة المسئولية أمام الله تبارك و تعالى في مسيرته و حركاته و سلوكه في كافة جوانب حياته العامة الاجتماعية و الفردية و العائلية و الاقتصادية و هكذا و يتكفل دعوته إلى الطريق المستقيم و المعتدل الذي عينه و حدده في الكتاب و السنة و يمنعه عن التصرفات اللامسئولة و المنحرفة و السلوكيات غير المستقيمة. و عليه فدور الإيمان بالله تعالى دور الارتباط بالمطلق و دور الاستقرار و الطمأنينة في النفوس، و دور الرفض للإلحاد و اللاانتماء و الضياع، و للشرك و الوثنية و الغلو، و دور الهداية و الاستقامة، و دور اعتماد الإنسان المؤمن في كل مرحلة من مراحل مسيرته الطويلة الشاقة. إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة و هي إن للإيمان بالله القادر المطلق بعداً فردياً حيث أنه يشكّل‌

27

علاقة بين العبد و خالقه، و بعداً اجتماعياً لأن ملامح الإيمان ملامح اجتماعية حيث أن الإيمان يهذب النفس و يزودها بالملكات الفاضلة و الأخلاق السامية و يهذب سلوك الإنسان في الخارج و يجعله معتدلًا مستقيماً، و لهذا يكون له دور كبير في تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية و التوازن بين طبقات الأمة.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

3 العنصر الثالث: حدود منطقة الفراغ و صلاحيات الفقيه للتشريع فيها بعنوان ثانوي

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

3 العنصر الثالث حدود صلاحيات الفقيه للتشريع إن من مميزات الدين الإسلامي كشريعة عامة للبشر و لجميع الأزمنة و الأمكنة، و منهج خالد يواكب العلم و التطور نحو الأفضل، هو أن ترك في هذه الشريعة منطقة فراغ، و هي الرقعة الخالية من النصوص التشريعية في الكتاب و السنة، و هي منطقة المباحات الأصلية و هي عنصر ثالث في الإسلام و هو العنصر المتحرك غير الثابت في الشريعة المقدسة‌

و ذلك لعدة عوامل

: العامل الأول: إن الشريعة الإسلامية شريعة خالدة أبدية متكاملة

تحل مشاكل الإنسان في كل عصر و قرن طول التاريخ و إلى الأبد مهما تطور.

32

العامل الثاني: إن الحكومة الإسلامية التي شكلت في عصر النبي الأكرم و بيده المباركة (ص) حكومة بسيطة بكافة أجهزتها و أركانها

و من الواضح أن تلك الحكومة لا تغني في الوقت الحاضر لأن الحكومة في هذا الوقت قد تطورت و توسعت بكل مكوناتها و أجهزتها و أنظمتها من النظام الاقتصادي و التعليمي و الاجتماعي و الإداري و الأمني و المخابراتي و الجيش و الشرطة و هكذا.

العامل الثالث: أنه لا يمكن وضع نظام ثابت كنظام العبادات طول التاريخ و في كل عصر و إلى الأبد،

ضرورة إن نظام الحكومة يتغيّر بتغيّر الزمان و تتطور بتطور الحياة العامة بكافة جوانبها و لا يمكن تطبيق نظام الحكومة في عصر النبي الأكرم (ص) على الحكومة في العصر الحالي المتطورة بكافة كياناتها و تشكيلاتها و أجهزتها.

33

العامل الرابع: إن الله تعالى جعل ولاية الأمر للأئمة الأطهار (ع) بعد النبي الأكرم (ص)

و في زمن الغيبة للفقيه الجامع للشرائط منها الأعلمية و من الطبيعي أن ولي الأمر مسئول و مكلف من قبل الله تعالى بتشكيل الحكومة على أساس مبدأ حاكمية الدين إذا كانت الظروف ملائمة و العوائق و الموانع غير موجودة. العامل الخامس: أنه لا يسمح لولي الأمر أن يتصرف في الأحكام الشرعية الإلزامية المجعولة في الشريعة المقدسة كالمنع عن فعل الواجب و الأمر بفعل الحرام مثلا و هكذا. و هذه العوامل جميعاً تتطلب من الشارع ترك منطقة فراغ في الشريعة المقدسة و إعطاء صلاحية واسعة لولي الأمر فيها للتشريع بعنوان ثانوي في حدود هذه المنطقة و وضع دستور و نظام فيها للحكومة الإسلامية بكافة مكوناتها و شرائحها و أركانها حسب‌

34

متطلبات الظروف و حاجة الوقت في كل عصر لمل‌ءِ الفراغ. و من هنا يظهر أن منطقة الفراغ ليست نقصاً في التشريع الإسلامي و لا إهمال فيه بل هي تعبر عن ضرورة استيعاب الشريعة لكل العصور المختلفة في طول التاريخ و قدرتها على الاستيعاب. و الخلاصة أنه لا يمكن تشريع نظام ثابت للحكومة في هذه المنطقة فلهذا أوكل الشارع أمر التشريع و جعل النظام و القانون في حدود المنطقة إلى ولي الأمر بعنوان ثانوي حسب متطلبات الظروف و الحاجة في كل وقت لمل‌ءِ الفراغ فيه.

و أما نظام المحاسبة في الإسلام فهو وظيفة السلطة الحاكمة في الحكومة الإسلامية.

أما في عصر الحضور

فحيث أن السلطة الحاكمة المتمثلة في النبي الأكرم (ص) و بعده بالأئمة الأطهار (ع) فلا يحتمل أن يقوم النبي الأكرم (ص) بوضع‌

35

خطة اقتصادية أو تعليمية أو إدارية أو أمنية أو غير ذلك عفوياً بدون دراسة هذه الخطة بكافة جوانبها الايجابية و السلبية و الظروف المحيطة بها و مفرداتها و جمع المعلومات حولها و إلا فقد خالف وظيفته الإلهية و هذا غير محتمل في حق النبي الأكرم (ص) هذا إضافة إلى أنه معصوم و لا يحتمل الخطأ في حقه.

و أما في زمن الغيبة فهي متمثلة في الفقيه الجامع للشرائط:

كالأعلمية و العدالة و الأمانة و الإخلاص و الصرامة في تنفيذ الأحكام الإلهية و تحقيق مبدأ العدالة و التوازن بين طبقات الأمة بدون مجاملة أي جهة مهما كانت و استعمال صلاحيته للتشريع بصفة ثانوية في حدود منطقة الفراغ حسب حاجة الوقت و ظروف البلد. و على هذا فإذا فرضنا أن الفقيه المذكور قادر على تشكيل الحكومة الإسلامية كما إذا كانت الظروف مناسبة و العوائق غير موجودة لا من الداخل و لا من‌

36

الخارج وجب عليه شرعاً القيام أولًا بإنشاء مجلس الشورى المؤلف من العلماء البارزين و المفكرين و الخبراء و الأمناء المخلصين من كافة أنحاء البلد ثمّ المشاورة معهم بموضوعيه حول تشكيل الحكومة من الأفراد ذوي الخبرة و الكفاءة و اللياقة و الإيمان و الإخلاص، لأنها الميزان و المعيار في الحكومة الإسلامية الشرعية. و أما المعايير الأخرى فلا قيمة لها من منظور الإسلام كالطائفية و الحزبية و غيرهما من الخصوصيات، بينما تؤخذ هذه المعايير بعين الاعتبار في الحكومات غير الشرعية، و بذلك تختلف الحكومة الشرعية عن غيرها. و عليه فإذا قامت السلطة الحاكمة بوضع خطة اقتصادية، و تعليمية، و إدارية، و أمنية أو بإنشاء مشروع فلا بد أولًا من دراسة هذه الخطة أو المشروع بواسطة المفكرين و العلماء و المثقفين و أهل الإيمان و الإخلاص‌

37

و الخبرة بالموضوع دراسة مفصلة بكافة مفرداتها و جوانبها و ظروفها و مستقبلها و مدى نجاحها و بعد تكميل الدراسة و الاطمئنان بنجاحها تقوم بوضع الخطة أو إنشاء المشروع. و لا يجوز لها وضع خطة أو مشروع عفوياً لأنه قد يؤدي إلى إتلاف الأموال من بيت مال المسلمين، و هذه جريمة لا تغتفر، و لا يمكن لولي الأمر أن يقدم على مثل هذا العمل لأن عدالته و أمانته و وثاقته تمنع عن ذلك، فإذن فرض وضع الخطة أو المشروع عفوياً خلف فرض أنه عادل و أمين و ثقة من جهة و مأمور شرعاً بالدراسة حولها من جهة أخرى. و من هنا يظهر أن نظام المحاسبة يسري في تمام مكونات الحكومة و شرائحها لأن وضع مكوناتها لا بد أن يكون بعد دراسته بجميع جهاته و جوانبه و ظروفه هذا من ناحية.

38

و من ناحية أخرى أن نظام المحاسبة في الإسلام لا يمكن أن يكون نظاماً ثابتاً بل هو متغير بتغير الحكومات و متطور بتطورها سعة و دقة، و عصراً بعد عصر طول التاريخ، و لهذا يكون أمره بيد السلطة الحاكمة في كل عصر. ثمّ أن وضع نظام أجهزة الحكومة ككل من النظام الإداري و التعليمي و الأمني و غيرهما يكون في حدود منطقة الفراغ لأن صلاحية السلطة الحاكمة للتشريع و وضع الدستور إنما هو في حدود هذه المنطقة لا مطلقاً، و هذه المنطقة منطقة واسعة تكفي للتشريع حسب ما تتطلب حاجة الوقت لمل‌ءِ الفراغ فيه.

و بكلمة أخرى إن السلطة الحاكمة في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة لا بد أن تكون واجدة للصفات التالية:

39

الأولى: أن تكون عالمة و فقيهة بالأحكام الفقهية الإسلامية بكافة مسائلها

و أن تكون أعلم من غيرها في هذه الأحكام.

الثانية: أن تكون عادلة أمينة.

الثالثة: أن تكون صارمة و قوية في تنفيذ الأحكام الإلهية

لتحقيق العدالة و التوازن بين طبقات المجتمع و حفظ الحقوق بدون ملاحظة أي جهة خارجية مهما كانت. فإذا كان الفقيه واجداً لهذه الصفات فالولاية ثابتة له من قبل الله تعالى و أنه مأمور بتشكيل الدولة الإسلامية على أساس مبدأ حاكمية الدين إذا لم تكن هناك عوائق و موانع من تشكيلها هذا من ناحية. و من ناحية أخرى إن للسلطة الحاكمة حق التدخل في جميع شئون الدولة و مكوناتها و شرائحها بغرض‌

40

الحفاظ على التوازن و مبدأ العدالة بين جميع طبقات الأمة التي أهتم الإسلام بها بل لها حق التدخل في القطاعات الخاصة أيضاً فيما إذا أرادت تلك القطاعات السيطرة على ثروات البلد بحيث توجب تزعزع العدالة و التوازن بين طبقات الأمة و حينئذ فعلى السلطة الحاكمة أن تمنعها إلا في حدود لا تضر بمبدإ العدالة و التوازن. مثلًا إذا فرضنا إن لدى شخص إمكانية السيطرة على مساحات كبيرة من الأرض باستخدام الآلات الحديثة لإحيائها و حيث أن هذه العملية قد تضر بالعدالة الاجتماعية و تزعزعها فللسلطة الحاكمة أن تمنعه عن ممارستها بعنوان ثانوي إلا في حدود تتناسب مع أهداف الإسلام النبيلة. و قد تقدم إن تشكيل الدولة لا بد أن يكون بواسطة مجلس الشورى المؤلف من العلماء و المفكرين و الخبراء و الأمناء و المخلصين فإنهم كانوا يقومون بانتخاب‌

41

أعضاء الدولة من الأفراد الكفوئين و المفكرين من ذوي اللياقة و الخبرة و الإيمان و الإخلاص بعد دراسة سوابقهم بشكل موضوعي دقيق و جمع المعلومات حولهم و دراسة أوضاعهم و استقامتهم و قوة إرادتهم و عدم تأثير الجهات الخارجية فيهم كالطائفية و الحزبية و نحوهما. و من هنا تكون مثل هذه الحكومة الإسلامية بالشروط التي ذكرناها حكومة نزيهة بتمام شرائحها و مكوناتها و بعيدة عن الاختلاس و الفساد الإداري و المالي و الأخلاقي و التساهل و التسامح في العمل و أداء الوظيفة. و لهذا و ذاك تدفع مثل هذه الحكومة الإسلامية البلد إلى التطور و الازدهار و التقدم و الأمن و الاستقرار بينما إذا لم تكن الحكومة نزيهة بكل مكوناتها و شرائحها تدفع البلد إلى التخلف و عدم الاستقرار.

42

إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة و هي إن الحكومة الإسلامية لو طبقت بجميع شرائطها لكانت حكومة نزيهة بتمام مكوناتها و شرائحها و أعضائها و بعيدة عن تأثير أي جهة خارجية فيها بينما الحكومات غير الشرعية لا يؤتمن معها على عدم تدخل الجهات الخارجية و تأثيرها عليها. و هنا يتضح أن اتهام الحكومة الإسلامية بأنها دكتاتورية ناشئ من الجهل و التعصب و العناد و عدم المعرفة بالنظام الإسلامي و تخيل إن السلطة الحاكمة مطلق العنان تفعل ما تشاء و تترك ما تشاء، و قد مر إن السلطة الحاكمة مأمورة من قبل الله تعالى بالتحاور و التشاور مع أهل الحل و العقد من العلماء و المفكرين و الخبراء و الأمناء و الصلحاء في كل صغيرة و كبيرة. و بعد دراسة موسعة و شاملة حول السيرة الذاتية لكل عضو من أعضاء الحكومة بشكل دقيق و موضوعي على طبق معايير خاصة كالنزاهة و الكفاءة‌

43

و اللياقة ينتخب إذا كانت المعايير منطبقة عليه هذا إضافة إلى أن المعتبر في السلطة الحاكمة العدالة و الأمانة و الوثاقة و هي تمنع عن إطلاق عنانها و أن تفعل ما تشاء.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

4 دور الحوزات العلمية في تبلور أصالة المسلمين في التفكير و التشريع المعتدل ضد الأفكار المتطرفة و المنحرفة

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

4 دور الحوزات العلمية في تبلور أصالة المسلمين في التفكير و التشريع المعتدل ضد الأفكار المتطرفة و المنحرفة تقدم أن التشريعات الإسلامية ركيزة أساسية في ماهية الإسلام و هي تشمل العبادات و المعاملات، و قد تصدت الحوزات العلمية إلى دراسة هذه التشريعات بكافة صنوفها في الحوزات العلمية الكبيرة كالنجف الأشرف و قم و غيرهما، و تقوم هذه الدراسات على أساس مبدأ الكتاب و السنة و لا يمكن أن تتجاوز عن هذا المبدأ مهما تطورت و أصبحت أكثر عمقاً وسعة و دقة و إلا فهي مرفوضة، و لهذا لا توجد في هذه الدراسات أفكار متطرفة و منحرفة باعتبار أن مبدأ الكتاب و السنة ضد التطرف و الإرهاب بكافة أشكاله و ألوانه.

48

و إن شئت قلت إن هذه الحركة الفكرية الاجتهادية التي هي ذات طابع إسلامي على طول التاريخ تفتح الآفاق الذهنية و تحمل مشعل الكتاب و السنة في كل عصر و لو لا هذه الحركة الفكرية الاجتهادية في الإسلام التي تطورت و تعمقت عصراً بعد عصر بتطور الحياة العامة و اتساعها و في مختلف مجالاتها الاجتماعية و الفردية و المادية و المعنوية لم تتبلور أصالة المسلمين في التفكير و التشريع المتميز المستمد من الكتاب و السنة على طول الخط في عصر الغيبة و لو لا استمرار هذه الحركة الفكرية و الاجتهادية لظلت المشاكل الحياتية المتجددة في كل عصر بدون حل حاسم. و من هنا يكون تطور علم الفقه و اتساعه في تمام المجالات الحياتية على طول الخط مؤكداً أصالة المسلمين الفكرية و شخصيتهم التشريعية المستقلة المتميزة، و لهذا لا توجد في هذه الدراسات أفكار‌

49

متطرفة منحرفة على أساس أن مبدأ الكتاب و السنة ضد التطرف و الإرهاب بكل أشكاله، لأن منشأ الإرهاب و التطرف الجهل و الخداع و الغرور و التعصب الأعمى و العناد، لأن المتطرف جاهل مغرور مخدوع يفقد عقله و شعوره و تفكيره حيث أن من كان عنده أدنى تفكير لا يقبل عقله و لا دينه و لا إنسانيته قتل الأبرياء و الأطفال و النساء و الشيوخ بالطريقة البشعة اللاإنسانية، و كذا الاغتصاب و الاختطاف و غير ذلك من التصرفات المنبوذة عقلًا و شرعاً. و من هنا على علماء المسلمين كافة و قادتهم السياسيين أن يوحدوا كلمتهم و صفوفهم حول علاج هذه المشكلة و حلها بكل الوسائل الممكنة و المتاحة لأنها غدة سرطانية في جسم الأمة و لا بد من إزالتها عنه.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

5 ملامح الاقتصاد الإسلامي و امتيازه عن الاقتصاد الرأسمالي و الاشتراكي

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}