القواعد الفقهية من مباحث الأصول - ج3

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
91 /
461

[الجزء الثالث]

استصحاب عدم التذكية:

أمّا الكلام في الصغرى التي بحثوها في المقام و هي استصحاب عدم التذكية فنقول: قد ذكروا للشكّ في حلّيّة لحم الحيوان بعد زهاق روحه أربعة فروض:

الأوّل: ان يكون الشكّ فيه من ناحية الشكّ في أنّ ذلك الحيوان محلّل الأكل أو محرّمه، لا من ناحية الشكّ في التذكية، بل نفترض القطع بحصول التذكية، و لكن التذكية في بعض الحيوانات تفيد الطهارة فقط دون حلّيّة الأكل، و هذا قد يكون بنحو الشبهة الحكميّة، بأنّ يشكّ في حيوان معيّن أنّه هل هو محلّل الأكل أو محرّمه، و أخرى بنحو الشبهة الموضوعيّة، بأن يشكّ في حيوان أنّه هل هو الحيوان الكذائيّ المحلّل الأكل، أو الآخر المحرّم الأكل.

الثاني: أن يكون الشكّ فيه من ناحية الشكّ في قبول هذا الحيوان للتذكية و عدمه في نفسه، و هذا أيضا قد يكون بنحو الشبهة الحكميّة، بان يشكّ في أنّ هذا الحيوان المعيّن يقبل التذكية أو لا؟، و أخرى بنحو الشبهة الموضوعيّة بأن يشكّ في أنّ هذا الحيوان هل هو الشاة مثلا القابل للتذكية، أو الحيوان الآخر غير القابل لها؟

الثالث: ان نعلم أنّه في نفسه قابل للتذكية، لكنّنا نحتمل‌

462

عدم قبوله لها لطروّ مانع كالجلل، و ذلك إمّا بنحو الشبهة الحكميّة كالشكّ في مانعيّة الجلل، أو بنحو الشبهة الموضوعيّة، كالشكّ في حصول الجلل المعلوم مانعيّته.

الرابع: أن يكون الشكّ فيه ناشئا من الشكّ في إجراء عملية التذكية عليه و عدمه، و ذلك إمّا بنحو الشبهة الحكميّة كما لو شكّ في اشتراط التسمية، أو بنحو الشبهة الموضوعيّة، كما لو شكّ في تحقّق التسمية مع العلم باشتراطها.

أمّا الفرض الأوّل: و هو فرض الشكّ في أنّ هذا الحيوان المذكّى هل هو محلّل الأكل أو محرّمه، فإن كانت الشبهة حكميّة رجعنا إلى العموم الفوقاني إن وجد عامّ فوقانيّ يدلّ على حلّيّة كلّ حيوان عدا ما استثني، أو على حرمة كلّ حيوان عدا ما استثني، و إلاّ رجعنا إلى أصالة الحلّ، و لا يجري استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة بناء على حرمة أكل الحيوان الحيّ، و ذلك لما ستعرف (إن شاء اللّه)، و لا مورد لاستصحاب عدم التذكية لفرض القطع بالتذكية.

و إن كانت الشبهة موضوعيّة لم يمكن ابتداء الرجوع إلى العموم الفوقاني إن وجد، لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. نعم يمكن استصحاب العدم الأزلي لتنقيح موضوع العامّ، فإن فرضت دلالة العامّ على الحرمة و خرجت منه عناوين خاصّة جرى استصحاب عدم تلك العناوين، و كان حاكما على أصالة الحلّ، و إن فرضت دلالة العام على الحلّ و خرجت منه‌

463

عناوين خاصّة جرى استصحاب عدم تلك العناوين، و كان ذلك أيضا على المباني المشهورة حاكما على أصالة الحلّ. و أمّا إن لم يوجد عامّ فوقانيّ، أو وجد و لكن لم نقل باستصحاب العدم الأزليّ، أو قلنا به لكن خصّصناه بالخصوصيّات العرضيّة المقارنة لأصل الموضوع، كالقرشيّة بخلاف الخصوصيّة الذاتيّة، كالشاتيّة و الأرنبيّة، و فرضنا أنّ الخصوصيّة المأخوذة في باب قبول الحيوان للتذكية خصوصيّة ذاتية وصلت النوبة إلى أصالة الحلّ، و لا مورد لاستصحاب عدم التذكية لفرض القطع بالتذكية.

هذا. و إن جرى استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة قدّم على أصالة الحلّ لما مضى من أنّ الاستصحاب و الأصل إذا كانا في رتبة واحدة قدّم الأوّل على الثاني.

و التحقيق: عدم جريان استصحاب الحرمة. بيان ذلك: أنّ حرمة الأكل في حال الحياة تتصوّر على نحوين:

الأوّل: أن يقال بحرمة أكل الحيوان الحيّ بعنوان أنّه حيّ و لو احتراما له مثلا، و هذا لا يبعد استظهاره من بعض الروايات، و هذه الحرمة لا يمكن استصحابها بعد الموت لتبدّل الموضوع، لأنّ الحياة تكون عرفا مقوّمة للموضوع لا جهة تعليليّة.

الثاني: أن يقال بحرمة أكله من باب كونه غير مذكّى، كما قيل بذلك بتخيّل الإطلاق في المستثنى منه في آية: إِلّٰا مٰا

464

ذَكَّيْتُمْ (1)، و على هذا يجري استصحاب الحرمة، لأنّ هذا الحيوان كان أكله في حال الحياة حراما جزما و كانت حرمته مردّدة بين الحرمة من باب كونه غير مأكول اللحم، و الحرمة من باب كونه غير مذكّى، فإن فرض الأوّل فالحرمة باقية، و إن فرض الثاني فهي غير باقية، فيجري استصحاب الحرمة على أساس استصحاب الكلّي من القسم الثاني المردّد فرده بين ما يبقى و ما لا يبقى. و أمّا اجتماع كلتا الحرمتين فلا يحتمل فقهيّا [1].

____________

[1] كأنّ هذا دفع دخل في المقام، إذ لقائل أن يقول: إنّ استصحاب الكلّي هنا يكون من القسم الثالث، لأنّ الفرد الحادث يقينا مقطوع الارتفاع، و هو الحرمة بملاك عدم التذكية، و الفرد الآخر و هو الحرمة الذاتيّة مشكوك الحدوث، فكأنّما أراد أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) أن يجيب على ذلك بأنّ اجتماع الحرمتين غير محتمل فقهيّا، إذن فهناك حرمة واحدة مردّدة بين ما يقطع بارتفاعه على تقدير حدوثه، و ما يكون باقيا على تقدير الحدوث، و هذا هو مورد استصحاب القسم الثاني من الكلّي.

و يبدو ممّا ورد في تقرير السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) أنّ أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) عدل في الدورة المتأخّرة عن هذا الرّأي- أي عن القول بأنّ اجتماع الحرمتين غير محتمل فقهيّا- و عليه بنى على الإشكال على الاستصحاب في المقام، بأنّ الحرمة بملاك عدم التذكية قد زالت يقينا، و الحرمة الأخرى مشكوكة الحدوث.

أقول: إن تطبيق استصحاب الكلّي من القسم الثاني على المقام لا يتوقّف على عدم احتمال اجتماع الحرمتين، بل يكفي فيه أنّ الحرمة المعلومة إنّما هي إحدى الحرمتين لا خصوص ما يقطع بزواله على تقدير حدوثه، و الأمر كذلك في المقام، لأنّ دليل حرمة غير المذكّى من قبيل الآية الشريفة إنّما ينظر إلى ما هو

____________

(1) سورة 5 المائدة، الآية 3.

465

إلاّ أنّ التحقيق: أنّ هذه الحرمة من أصلها غير ثابتة، فإنّ المستثنى منه في الآية هو الميتة، لا ما يعمّ الحيّ، و كذلك في الروايات إنّما جعلت التذكية شرطا للحلّيّة بالنسبة للحيوان الميّت لا مطلق الحيوان.

و أمّا الفرض الثاني: و هو فرض الشكّ في قبول التذكية و عدمه، فإن كانت الشبهة فيه حكميّة بأن شككنا أنّ هذا الحيوان المعيّن هل يكون حاله شرعا حال الحشرات، أو حال الشاة مثلا، فجريان استصحاب عدم التذكية فيه و عدمه يبتني على بحثين فقهيّين:

الأوّل: أنّه ما هي التذكية؟ و في ذلك احتمالان رئيسان:

أحدهما كون التذكية أمرا بسيطا، و الآخر كونها عبارة عن تلك العمليّة الخارجيّة المركبة، و هذا البحث سنخ البحث في الطهارات الثلاث عن أنّ الطهارة هل هي أمر بسيط، أو نفس الأعمال الخارجيّة المركبة، و لهذين الاحتمالين شقوق:

فإنّه إن فرضت أمرا بسيطا فتارة يفرض أنّ النسبة بينه و بين الأعمال الخارجيّة نسبة العنوان إلى المعنون المنطبق عليه، نظير القيام المنطبق عليه عنوان التعظيم، و أخرى يفرض‌

____________

- محلّل الأكل في ذاته و لا إطلاق له لمحرّم الأكل، فنحن لا نعلم هنا إلاّ بإحدى الحرمتين، فهذا الحيوان إمّا محرّم الأكل في ذاته، و لا دليل عندئذ على حرمة أكله بلحاظ عدم التذكية، أو محلّل الأكل في ذاته و عندئذ يحرم أكله في حال حياته لعدم التذكية.

466

أنّ النسبة بينهما نسبة المسبّب إلى السبب. و على الثاني تارة يفرض هذا المسبّب أمرا تكوينيّا، نظير مسبّبيّة الموت عن الذبح، و أخرى يفرض أمرا تشريعيّا، نظير مسبّبيّة الملكيّة عن الإيجاب و القبول.

و إن فرضت التذكية عبارة عن نفس الأعمال الخارجيّة فتارة يفترض أنّ تلك الأعمال تذكية و لو أجريت على الحشرات أو الإنسان مثلا، و أخرى يفرض أنّ التذكية هي تلك الأعمال المضافة إلى مثل الشاة.

و هذا التشقيق يأتي أيضا على فرض كون التذكية أمرا بسيطا بناء على كونها أمرا تكوينيّا. و أمّا بناء على كونها أمرا تشريعيّا، فلا نحتمل تشريعها بأزيد ممّا يترتّب عليه الأثر الشرعيّ.

الثاني: أنّ ما هو موضوع الحكم بالحرمة هل هو عدم التذكية بما هو مضاف إلى الحيوان، أو عدم التذكية بما هو مضاف إلى زاهق الروح؟ فعلى الأوّل لا بدّ أن يفرض لموضوع الحرمة جزء آخر و هو زهاق الروح، لأنّ الحيوان ما دام حيّا لا يكون حراما من ناحية عدم التذكية، فالموضوع مركّب من جزءين: زهاق الروح و عدم التذكية، و كلاهما مضافان إلى نفس الحيوان، و على الثاني لا حاجة إلى جزء جديد، و يكفي الجزء الواحد و هو عدم تذكية زاهق الروح.

و ستأتي الإشارة إلى ما هو الصحيح في كلّ من البحثين.

و الآن نبيّن كيفيّة تأثير هذين البحثين في استصحاب عدم‌

467

التذكية، فنقول:

إن اختير في البحث الأوّل أنّ التذكية أمر بسيط رجعنا إلى البحث الثاني، فإن كان المختار فيه هو أنّ الموضوع عبارة عن عدم التذكية بما هو مضاف إلى الحيوان فلا إشكال في جريان استصحاب عدم التذكية من دون أن يبتني ذلك على القول باستصحاب العدم الأزليّ، فإنّ موضوع عدم التذكية هو الحيوان، و كان عدم التذكية ثابتا في هذا الموضوع في حال حياته، و إن كان المختار فيه أنّ الموضوع عبارة عن عدم التذكية بما هو مضاف إلى زاهق الروح فهذا الموضوع- و هو زاهق الروح- من أوّل وجوده إمّا كان مذكّى أو غير مذكّى. و إنّما لم يكن مذكّى في حال الحياة من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فجريان الاستصحاب هنا يبتني على القول باستصحاب العدم الأزليّ كما هو الصحيح.

و إن اختير في البحث الأوّل أنّ التذكية عبارة عن نفس العمليّة المركبة، فإن فقلنا: إنّ نفس تلك العمليّة بإطلاقها تذكية، سواء أجريت على مثل الشاة، أو على مثل الحشرات مثلا، فمعنى ذلك انّ هذا الحيوان نعلم بتحقّق التذكية عليه، فيرجع شكّنا في أنّ هذا الحيوان هل هو عند الشارع كالحشرات، أو كالشاة إلى الشكّ في أنّه محلّل الأكل أو محرّم الأكل مع القطع بالتذكية، و هذا رجوع إلى الفرض الأوّل الّذي مضى الكلام فيه.

و إن قلنا: إنّ التذكية إنّما هي تلك الأعمال المضافة إلى حيوان مخصوص بأن يفرض أخذ خصوصيّة في الحيوان قيدا‌

468

للتذكية أو جزءا لها، فعندئذ لا يجري استصحاب عدم تلك الأعمال المضافة إلى تلك الخصوصيّة في فرض أخذ الخصوصيّة قيدا، و لا استصحاب عدم الخصوصيّة في فرض أخذها جزءا، فلو ذبحنا الخيل مثلا، و شككنا في أنّ الخصوصيّة المأخوذة في التذكية هل هي خصوصيّة الغنميّة مثلا، فالخيل غير قابل للتذكية، أو خصوصيّة الأهليّة مثلا في قبال الوحشيّة، فالخيل قابل لها، فعندئذ نقول: إنّ واقع الخصوصيّة مردّدة بين ما يقطع بثبوته و ما يقطع بانتفائه، فلا مجال للاستصحاب بلحاظ واقع الخصوصيّة، و عنوان الخصوصيّة المنتزعة من حكم الشارع ليس هو الجزء أو القيد حتى يستصحب عدمه، أو عدم المقيّد به، و ليس هذا بدعا هنا، بل هذا هو الحال في كلّ شبهة حكميّة، فإنّه لا يجري فيها الاستصحاب الموضوعيّ لنفس هذه النكتة، فلو علم إجمالا بوجوب إكرام مطلق العالم أو خصوص الفقيه، و كان شخص عالما بغير علم الفقه و لم يكن فقيها، لم يصحّ إجراء استصحاب عدم كونه موضوعا لوجوب الإكرام، لأنّ عنوان الموضوعيّة لا أثر له، و واقع الموضوع مردّد بين ما هو ثابت قطعا و ما هو منتف قطعا. نعم توهّم البعض أنّه في خصوص الشبهة الحكميّة المفهوميّة يجري الاستصحاب الموضوعيّ، فإذا تردّد أمر العدالة بين ترك مطلق المعصية، و ترك خصوص الكبيرة، أمكن استصحاب عدالة من ارتكب الصغيرة، لكن التحقيق في محلّه هو عدم جريان الاستصحاب في ذلك أيضا لنفس هذه النكتة،

469

و عليه فلا يجري الاستصحاب فيما نحن فيه حتى لو كانت الشبهة حكميّة مفهوميّة، كما لو فرض أنّ الخصوصيّة المأخوذة هي الغنميّة، و تردّد مفهومها بين فرض كون كلا أبويه غنما و كفاية غنميّة أحد الأبوين، فشككنا في قبول هذا الحيوان المتولّد من غنم و غيره للتذكية من هذه الناحية.

و إن كانت الشبهة موضوعيّة كما لو علمنا أنّ الخصوصيّة المأخوذة هي الأهليّة، و شككنا في أنّ هذا الحيوان المذبوح هل كان غنما، أو كان من الوحوش مثلا باعتبار ظلمة الهواء أو تقطّع هذا الحيوان و نحو ذلك ممّا يوجب الشبهة الموضوعيّة، فإن فرضت التذكية أمرا بسيطا جرى استصحاب عدم التذكية بنحو استصحاب العدم النعتيّ، أو المحموليّ حسب التفصيل الماضي في الشبهة الحكميّة، و إن فرضت التذكية نفس الأعمال من دون أخذ خصوصيّة للحيوان فيها، فمعنى ذلك عدم الشكّ في التذكية، فيرجع الشكّ في الحلّيّة إلى الفرض الأوّل، و إن فرضت التذكية نفس الأعمال مع فرض أخذ الخصوصيّة فإن أخذت الخصوصيّة جزءا جرى استصحاب عدم تلك الخصوصيّة بنحو العدم الأزليّ، و هنا اختلف الحال عن الشبهة الحكميّة، فإنّ الشكّ هناك كان في موضوعيّة الموجود فلم يكن موردا للاستصحاب، و هنا في وجود الموضوع، فيستصحب عدمه. نعم إن فرضت الخصوصيّة ذاتية، كالغنميّة دون الأهليّة مثلا، أشكل الاستصحاب من ناحية الإشكال في استصحاب عدم الخصوصيّة الذاتيّة بنحو العدم الأزليّ، فيبتني على القول‌

470

بصحّة استصحاب العدم المحموليّ حتى في الذاتيات.

و أمّا إذا أخذت الخصوصيّة قيدا، فبالإمكان أن يقال: إنّنا من هذه الناحية لا نحتاج إلى استصحاب العدم الأزليّ، لأنّ شأن المقيّد هو أنّه ينحلّ إلى ذات المقيّد و التقيّد مع خروج القيد، فلا نحتاج إلى استصحاب عدم القيد الّذي هو عدم أزليّ، بل نتمسّك باستصحاب عدم المقيّد بما هو مقيّد، فإنّ ذات المقيّد و إن وقع بحسب الخارج لكنّ التقيّد و النسبة التقييديّة أمر مشكوك الوجود، لأنّ وقوعه فرع تماميّة الطرفين معا، فمع الشكّ في ذلك يشكّ في حصول التقيّد، فيستصحب عدم المقيّد بما هو مقيّد. و عندئذ إن فرض أنّ موضوع الحلّيّة هو التذكية بما هي مضافة إلى ذات الحيوان جرى الاستصحاب من دون إشكال، و إن فرض انّ موضوع الحلّيّة هو التذكية بما هي مضافة إلى الحيوان الزاهق الروح، فالاستصحاب يكون استصحابا للعدم الأزليّ، و حيث إنّنا نقول باستصحاب العدم الأزليّ فلا إشكال عندنا هنا في الاستصحاب.

و التحقيق: أنّ ما ذكرناه من أنّ مجرى الاستصحاب في باب المقيّدات هو المقيّد بما هو مقيّد، لا القيد و إن كان صحيحا كبرويّا فيما هو مقيّد حقيقة و واقعا بأن لا يرجع أمره إلى التركيب بوجه يأتي بيانه في باب الاستصحاب (إن شاء اللّه)، لكنّ الفقهاء في الفقه لا يلتزمون في باب المقيّدات باستصحاب المقيّد أو عدمه بما هو مقيّد، بل يستصحبون القيد وجودا و عدما، فمن كان طاهرا ثمّ صلّى مع الشكّ في بقاء الطهارة مثلا،

471

أجروا فيه استصحاب الطهارة لا استصحاب عدم تحقّق الصلاة المقيّدة بالطهارة، مع أنّ الطهارة ليست جزءا للصلاة، بل هي شرط و قيد لها، في حين أنّه يتراءى للذهن أنّ إثبات التقيّد أو عدمه باستصحاب القيد، أو عدمه تعويل على الأصل المثبت، فإن صحّ هذا فلا محالة نكشف عن ارتكاز و فهم عرفي للدليل، بحيث يخرج المقيّد عن كونه مقيّدا بالمعنى المباين للتركيب و يرجع التقييد بوجه من الوجوه يأتي بيانه في باب الاستصحاب (إن شاء اللّٰه) إلى التركيب، فيتعامل مع القيد معاملة الجزء في أنّ مجرى الاستصحاب وجودا و عدما هو نفس القيد، و إذن فنحتاج في المقام من ناحية الخصوصيّة إلى استصحاب عدم الخصوصيّة بنحو العدم الأزليّ، و لو فرضت قيدا لا جزءا، فلا بدّ أن يرى أنّ تلك الخصوصيّة هل هي ذاتية حتى يبطل الاستصحاب بناء على عدم جريان استصحاب العدم الأزليّ في الذاتيات، أو عرضيّة حتى يجري استصحاب العدم الأزلي بلا إشكال.

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (رحمه اللّه) أفاد في المقام: أنّه سواء فرضت الشبهة موضوعيّة أو حكميّة أن قلنا بأنّ التذكية أمر بسيط متحصّل جرى استصحاب عدم التذكية، و إن قلنا بأنّها مركّب من فري الأوداج مع القابلية للتذكية لم يجر الاستصحاب سواء فرضت القابليّة جزءا أو قيدا [1]، لأنّ هذه القابليّة ليست لها‌

____________

[1] التصريح بعدم الفرق في المقام بين فرض القابليّة جزءا أو قيدا ورد في

472

حالة سابقة، إذ هي أمر ذاتي في الحيوان و ثابت بثبوته من أوّل الأمر، و لم يمرّ على الحيوان وقت لم تكن فيه هذه القابليّة حتى يستصحب عدمها، ثمّ أورد على نفسه بأنّكم تقولون باستصحاب العدم الأزليّ، فلما ذا لا تستصحبون العدم الأزليّ للقابليّة؟! فأجاب على ذلك: بأنّ هذه القابليّة حيث إنّها ذاتيّة في الحيوان و من لوازم الماهيّة- على حدّ تعبيره (قدّس سرّه)- لا يمكن استصحاب عدمها، لأنّ استصحاب العدم الأزليّ لا يجري في الذاتيّات.

أقول: أمّا الجانب الإيجابيّ من كلامه (قدّس سرّه) و هو ما أفاده من جريان استصحاب عدم التذكية إذا كانت أمرا بسيطا، فهو صحيح في ذاته، و لكن ينبغي الالتفات إلى أنّه إن أضيفت التذكية في موضوع الحكم الشرعيّ إلى الحيوان جرى الاستصحاب بلا إشكال، و إن أضيفت إلى زاهق الروح ابتنى الاستصحاب على القول باستصحاب العدم الأزليّ.

و أمّا الجانب السلبيّ من كلامه، و هو إنكار جريان الاستصحاب إذا كانت التذكية مركّبة من فري الأوداج و القابليّة سواء أخذت القابليّة جزءا أو قيدا، ففيه كلام موضوعا و محمولا.

أمّا من ناحية الموضوع، فلأنّه لا معنى لأخذ قابليّة التذكية في التذكية جزءا أو قيدا، فإنّ القابليّة للشي‌ء يستحيل أن‌

____________

- نهاية الأفكار و لم يرد في المقالات، و لكن قد يمكن استفادته من المقالات أيضا بالإطلاق.

473

تكون مأخوذة في نفس ذلك الشي‌ء، فينبغي أن يكون مراده من القابليّة الخصوصيّة التي بها يرى المولى أنّ فري الأوداج يؤثّر في طهارة الحيوان و حلّه، كالغنميّة و الأهليّة.

و أمّا من ناحية المحمول، فلأنّه إن كانت الشبهة حكميّة لم يجر الاستصحاب و لو قلنا باستصحاب العدم الأزليّ، لما مضى من أنّ الخصوصيّة مردّدة بين مقطوعة الثبوت و مقطوعة الانتفاء، فعدم جريان الاستصحاب في ذلك ليس مربوطا بمباني استصحاب العدم الأزليّ. نعم إن كانت الشبهة موضوعيّة فجريان الاستصحاب و عدمه مبتن على مباني استصحاب العدم الأزليّ، فإذا فرضت الخصوصيّة عرضيّة [1] كالأهليّة لا ينبغي الإشكال في جريان استصحاب الأزليّ، و إذا فرضت ذاتيّة كالغنميّة جاء الإشكال على ما يرتئيه من عدم جريان استصحاب العدم الأزليّ في الذاتيّات.

و أمّا عدم التفرقة بين فرض الخصوصيّة جزءا أو قيدا، فيصحّ بعد الالتفات إلى ما أشرنا إليه أخيرا من رجوع التقييد عادة بوجه من الوجوه إلى التركيب في الارتكاز العرفي.

____________

[1] و المحقّق العراقي (رحمه اللّه) هو أشار في المقام إلى التفصيل بين ما إذا فرضت القابليّة ذاتية أو عرضيّة، و ذلك في المقالات ج 2، ص 73، و هذا قابل للحمل على الالتفات إلى كون الخصوصيّة المأخوذة هل هي مثل الغنميّة، أو مثل الأهليّة، و لكنّ عبارة نهاية الأفكار (القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 257) صريحة في فرض القابليّة ذاتيّة.

474

ثمّ إنّه ظهر من تمام ما ذكرناه الإشكال فيما أفاده بعض المحقّقين كالمحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) من تفريع استصحاب عدم التذكية على سنخ التقابل بين موضوع الحلّيّة، و هو التذكية، و موضوع الحرمة، فإن كان التقابل بينهما تقابل التضادّ بأن كان موضوع الحرمة الموت حتف الأنف، فاستصحاب عدم التذكية معارض باستصحاب عدم الموت حتف الأنف، و إن كان التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب جرى استصحاب عدم التذكية بلا إشكال [1]، و إن كان التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فكان موضوع الحرمة هو عدم التذكية في المحلّ القابل لم يجر الاستصحاب لعدم الحالة السابقة، إذ في حال الحياة لا تكون القابليّة، و من أول الممات يكون الحيوان مذكّى أو غير مذكّى.

أقول: أمّا فرض كون التقابل بين موضوع الحرمة و موضوع الحلّيّة تقابل التضاد فهو في نفسه غير معقول، و على فرض معقوليّته لا يقع التعارض بين الاستصحابين.

أمّا عدم معقوليّته في نفسه، فلأنّه يكفي في الحلّيّة عدم تحقّق ملاكات الحرمة و انتفاء موضوع الحرمة [2]، فإذا كان‌

____________

[1] بل يرى في ذلك تفصيلا، و هو التفصيل بين ما إذا كان موضوع الحرمة أن لا يكون ما زهق روحه مذكّى فلا يجري استصحاب عدم التذكية، أو كان موضوعها مركّبا من زهاق الروح و عدم التذكية، فيجري الاستصحاب. راجع نهاية الدراية ج 2، ص 207.

[2] إن أريد بالحلّيّة جعل الحلّ فقد يقال: إنّه بالإمكان أن يكون في أحد

475

موضوع الحرمة الموت حتف الأنف فلا محالة يكون موضوع الحلّيّة نقيض ذلك، فلا يجري إلاّ استصحاب عدم الموت حتف الأنف.

و أمّا أنّه على فرض تعلّقه لا يقع التعارض بين الاستصحابين، فلأنّه إذا فرض موضوع الحرمة و موضوع الحلّيّة متضادّين فكانت الحلّيّة و الحرمة مضادّتين بتبع تضادّ موضوعهما، فلا أثر لاستصحاب عدم موضوع الحلّيّة، إذ لا يثبت موضوع الحرمة بنفي موضوع الحلّيّة إلاّ بالملازمة، و نفى الحلّيّة لا يثبت الحرمة، إذ المفروض كونهما متضادّين، فإثبات إحداهما بنفي الأخرى تعويل على الأصل المثبت، و إذا لم تثبت بذلك الحرمة فلا أثر لهذا الاستصحاب، فإنّ التنجيز إنّما يترتّب على الحرمة لا على عدم الحلّيّة، و لذا لو فرض في مورد‌

____________

- الضدّين ملاك الحرمة فيحرّم، و في الضدّ الآخر ملاك الحلّيّة الاقتضائيّة فيحلّل مع افتراض عدم وجود ضدّ ثالث، و صحيح أنّه كان بالإمكان أن يجعل موضوع الحلّ نقيض الضدّ الحرام و لو من باب الحلّيّة اللااقتضائيّة- أي الحلّيّة الناشئة من عدم اقتضاء الحرمة- لكن بما أنّ الضدّين لا ثالث لهما ليس مجبورا على جعل هذا الحلّ، و بإمكانه الاكتفاء بجعل حلّيّة الضدّ الآخر الّذي كان فيه اقتضاء الحلّيّة، و هذا لا ينافى في ظهور أدلّة الأحكام في تبعيّتها لملاكات متعلّقاتها، فإنّ حلّيّة الضدّ قد افترضنا أنّها كانت بتبع ملاك في المتعلّق يقتضي الحلّ، و لا ينافي أيضا إطلاق (ما من واقعة إلاّ و لها حكم)، فإنّ هذا لا يدلّ على أنّ العنوانين المتلازمين اللذين لا يمكن أن ينفكّ أحدهما عن الآخر، كعنوان الضدّ مع عنوان نقيض الضدّ الآخر الّذي لا ثالث لهما لا بدّ أن يكون كلاهما متعلّقين لحكم مجعول، بل يمكن الاكتفاء بجعل الحكم لأحدهما.

476

عدم الحرمة و الحلّيّة معا لعدم أصل التشريع لا يكون هناك تنجيز، و إذا كان كذلك فاستصحاب عدم موضوع الحرمة يرفع التنجيز، و لا يعارض باستصحاب عدم موضوع الحلّيّة.

و أمّا فرض كون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فبقطع النّظر عمّا عرفت من أنّه لا بدّ أن يكون التقابل بينهما تقابل التناقض، إذ يكفي في الحلّيّة انتفاء ملاكات الحرمة و عدم موضوعها، نقول: لعلّه (قدّس سرّه) خلط في ذلك بين القابليّة الإمكانيّة و القابليّة الاحتماليّة، فإنّ القابليّة المختصّة بحال الموت إنّما هي القابليّة الاحتماليّة، و القابليّة المأخوذة في اصطلاح تقابل العدم و الملكة هي القابليّة الإمكانيّة بمعنى إمكان القبول بحسب نظام الطبيعة، و الحياة لا تمنع عن هذه القابليّة، فإنّه أن فرضت التذكية حكما شرعيّا فالحيوان الحيّ أيضا قابل لذلك الحكم الشرعيّ، و إن فرضت أمرا بسيطا تكوينيّا فالحيوان الحيّ أيضا قابل لذلك بالذبح المخصوص، و إن فرضت عبارة عن عمليّة القتل بنحو مخصوص فهذه القابليّة مختصّة بالحيوان الحيّ و لا يقبل الحيوان الميّت ذلك.

و إمّا فرض كون التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب فهو فرض معقول. و جريان استصحاب عدم التذكية فيه و عدمه يكون بحسب التفصيل الّذي مضى منّا.

و أمّا الفرض الثالث، و هو فرض الشكّ في ناحية المانع كالجلل، فالشبهة فيه تارة تكون حكميّة و أخرى موضوعيّة.

477

فإن فرضت حكميّة كما إذا شكّ في مانعيّة الجلل، فإن كانت التذكية عبارة عن نفس الأعمال المركبة لم يجر استصحاب عدم التذكية، لأنّ الشكّ ليس في وجود الموضوع، بل في موضوعيّة الموجود و أنّ عدم الجلل دخيل في التذكية أو لا؟ فتصل النوبة إلى أصالة الحلّ و البراءة إن لم يوجد إطلاق فوقاني أحوالي يتمسّك به في رفع احتمال دخل عدم الجلل في التذكية. و إن كانت التذكية أمرا بسيطا جرى استصحاب عدمها نعتيا أو محموليّا حسب التفصيل الماضي، و في قبال هذا الاستصحاب يوجد استصحاب تعليقيّ، و ذلك لأنّ هذا الحيوان قبل الجلل لو ذبح بنحو مخصوص لصار مذكّى، فتستصحب هذه القضيّة التعليقيّة. فبناء على أنّ الاستصحاب التعليقيّ حاكم على الاستصحاب التنجيزيّ يقدم هذا الاستصحاب على ما عرفته من استصحاب عدم التذكية، و بناء على كونه في عرض الاستصحاب التنجيزيّ و معارضا له يتعارضان، و بناء على إنكار الاستصحاب التعليقيّ رأسا يجري استصحاب عدم التذكية بلا أيّ معارض.

هذا. و استصحاب القابليّة للتذكية قبل الجلل يرجع إلى ما ذكرناه من الاستصحاب التعليقيّ، إذ القابليّة أمر انتزاعيّ لا أثر لها، و إنّما العبرة بمنشإ انتزاعها و هو تلك القضيّة التعليقيّة- أي أنّه لو ذبح لذكّي-.

و إن فرضت موضوعيّة كما إذا شكّ في الجلل مع العلم بمانعيّته، فإن فرضت التذكية عبارة عن نفس الأعمال مع دخل‌

478

عدم الجلل جزاء أو قيدا، فالأعمال ثابتة بالوجدان، و عدم الجلل يثبت بالاستصحاب، و إن فرضت التذكية أمرا بسيطا فإن كان ذلك الأمر البسيط حكما شرعيّا موضوعه مركّب من تلك الأعمال و عدم الجلل، فأيضا يستصحب عدم الجلل، و به يكتمل موضوع هذا الحكم، و يثبت بذلك الحكم و هو التذكية، و إن كان أمرا تكوينيّا نظير الموت الناشئ من الضرب مع عدم الدرع فلا يجري استصحاب عدم الجلل، كما لا يجري في مثال الموت استصحاب عدم الدرع، إذ عدم الجلل ليس موضوعا لحكم شرعيّ، و إنّما هو ملازم لأمر تكوينيّ و هو التذكية، و إثبات الحكم المترتّب على التذكية باستصحاب عدم الجلل تعويل على الأصل المثبت، و المرجع هنا استصحاب عدم التذكية.

و أمّا الفرض الرابع، و هو فرض الشكّ في إجراء تمام عمليّة التذكية على الحيوان، فإن كانت الشبهة حكميّة كما إذا شكّ في اشتراط التسمية، فعندئذ إن فرضت التذكية عبارة عن نفس الأعمال فلا مجال لاستصحاب عدم التذكية، لأنّ الشكّ في موضوعيّة الموجود، فنرجع إلى أصالة الحلّ و البراءة إن لم يوجد عموم فوقانيّ، و إن فرضت التذكية أمرا بسيطا جرى استصحاب عدمه عدمه نعتيّا أو محموليّا حسب التفصيل الماضي، و إن كانت الشبهة موضوعيّة جرى استصحاب عدم التذكية.

هذا تمام الكلام في الفروض الأربعة.

479

و ليعلم أنّه مهما جرى استصحاب عدم التذكية فإنّما يترتّب عليه حرمة الأكل و عدم صحّة الصلاة في جلده، و لا يترتّب عليه نفي الطّهارة- بناء على ما هو المختار عندنا- في الفقه من أنّ ضدّ التذكية و هو الموت حتف الأنف موضوع للنجاسة، لا أنّ التذكية موضوع للطهارة، و استصحاب عدم أحد الضدّين لا يثبت وجود الضدّ الآخر- فالمرجع في الشكّ في الطهارة إلى استصحاب عدم الموت حتف الأنف و أصالة الطهارة، فنفكّك في ذلك بين الحلّيّة و الطهارة، فنقول بحرمة أكله و طهارته. نعم بناء على أنّ الطهارة و النجاسة رتّبت على التذكية و عدمها تثبت النجاسة أيضا.

بقي علينا ما وعدنا من الإشارة إلى ما هو الصحيح في البحثين الفقهيّين اللذين ترتّب عليهما الحكم في ما نحن فيه في جملة من الشقوق، فنقول:

أمّا أنّ التذكية هل أخذت موضوعا للحلّيّة بما هي مضافة إلى ذات الحيوان، أو بما هي مضافة إلى زاهق الروح، فالصحيح هو الثاني [1]، فإنّه الّذي يظهر من أدلّة الباب، و الأصل في ذلك الآية الشريفة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ، وَ الدَّمُ، وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ،

____________

[1] لا يخفى أنّه سيأتي في بحث الأصل المثبت مفصّلا رجوع التقييد عادة إلى التركيب، ببيان يثبت ببعض جوانبه كون مثل قيد التذكية و زهاق الروح عرضيّين لا طوليّين، و أنّ الطوليّة الموجودة في لسان الدليل في أمثال ذلك ليست عدا مجرّد قالب صياغيّ لا أكثر من ذلك.

480

وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّٰهِ بِهِ، وَ الْمُنْخَنِقَةُ، وَ الْمَوْقُوذَةُ، وَ الْمُتَرَدِّيَةُ، وَ النَّطِيحَةُ، وَ مٰا أَكَلَ السَّبُعُ إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (1). فقد ذكرت الآية عدّة أقسام من الحيوان الميّت، و تفهم من ذلك عرفا الإشارة إلى جامعها، ثمّ استثنت المذكّى، فالمذكّى صار مستثنى من الميّت و زاهق الروح لا من ذات الحيوان، و ذلك ظاهر عرفا في أخذ التذكية مضافة إلى زاهق الروح. و هكذا الحال في أخبار الباب، كما ورد (2) في فريسة الكلب، و الصقر، و الفهد من أنّه إذا أدركت حياته فهو حلال.

و أمّا أنّ التذكية هل هي أمر بسيط أو عبارة عن نفس الذبح؟ فقد ذهب المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) إلى أنّها عبارة عن نفس العمليّة، و لعلّ هذا القول هو مختار المشهور، و يستشهد لهذا القول بتفسير اللغويّين للتذكية بالذبح و بنسبة التذكية إلى الذابح في لسان الروايات [1] الظاهرة في أنّها فعل مباشريّ له، و في قبال ذلك قال بعض: بأنّ التذكية أمر بسيط مسبّب عن العمليّة، و أمّا الاستشهاد ان للقول الأوّل فقد ردّ أوّلهما بعدم حجّيّة قول اللغويّ، و الثاني بأنّ المسبّب التوليديّ أيضا ينسب عرفا إلى الشخص حقيقة و بلا أيّ مئونة و عناية.

____________

[1] كما هو الحال في لسان القرآن الكريم في قوله (تعالى): إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ

____________

(1) سورة 5 المائدة، الآية 3.

(2) راجع الوسائل ج 16، ب 19 من الذبائح، ص 272- 273.

481

و التحقيق: أنّ التذكية لا هي نفس العمليّة، و لا هي أمر بسيط مسبّب عن العمليّة، بل هي أمر بين الأمرين. و توضيح ذلك:

أنّ التذكية نسبت في جملة من الأخبار إلى الذابح (1)، و هذه الطائفة تناسب كون التذكية عبارة عن نفس الأعمال، كما تناسب كونها أمرا بسيطا، لكن في عديد من الأخبار أطلقت الذكاة و لا يحتمل في موردها إرادة الذبح، و يعرف منها أنّ التذكية ليست مرادفة لمفهوم الذبح، و نشير بهذا الصدد إلى طوائف ثلاث من تلك الأخبار:

1- ما ورد في كتاب الطهارة في مقام بيان عدم الانفعال بملاقاة اليابس (2)، من أنّ اليابس ذكيّ (3)، فإنّ هذا- كما ترى- لا يحتمل فيه إرادة الذبح، و إنّما المقصود من الذكاة في ذلك الطيب، و ملائمة الطبع، و عدم التنفّر و نحو ذلك من العناوين.

____________

(1) من قبيل الحديث الرابع من ب 1 من الذبائح من المجلّد 16 من الوسائل ص 253.

(2) ليس هذا هو المعنى المتعيّن في الحديث.

(3) راجع الوسائل ج 1، ب 31 من أحكام الخلوة ح 5، ص 248. و هو في الوسائل (الطبعة الحديثة) زكيّ بالزاء لا بالدال، و كذلك في الاستبصار (الطبعة الحديثة ج 1، ح 167) و لكن في التهذيب (الطبعة الحديثة ج 1، ص 141) بالدال، و جاء في لسان العرب (ج 2، حسب الطبعة المنقسمة إلى ثلاثة مجلّدات ص 36) عن الباقر (عليه السلام) (زكاة الأرض يبسها)، فهنا أيضا مذكور بالزاء، و لكن في ج 1، ص 1073، ورد بالدال، و ممّا يؤيّد كون الحديث ورد بالزاء لا بالدال أنّي لم أر موردا لاستعمال الذكاة بمعنى الطهارة في غير باب الحيوان و توابعه كالبيض.

482

2- ما ورد في باب الجلود من أنّ الجلد الذكيّ يجوز الصلاة فيه (1)، فإنّ جعل الذكاة بمعنى الذبح صفة للجلد لا معنى له إلاّ بالتأويل، و بلحاظ أنّه جلد الحيوان الذكيّ، و هو خلاف الظاهر، فالمراد بالذكاة فيه هو الطيب و الطهارة.

3- ما ورد في ما لا تحلّه الحياة (2) من الميتة، كالصوف و البيض من أنّه ذكيّ، فإنّ الذكاة بمعنى الذبح هنا لا معنى له حتى بملاحظة التأويل الّذي عرفته في الطائفة السابقة، إذ نفس الحيوان أيضا ليس مذكّى حتى تطلق الذكاة على مثل الصوف و البيض بهذا اللحاظ.

و لعلّ المتفاهم عرفا من الذكاة أيضا هو الطيب و الطهارة لا نفس الذبح. نعم، الذبح مصداق للتذكية و تحصيل للذكاة لا أنّه عين التذكية مفهوما، و الظاهر أنّ تفسير اللغويين للتذكية بالذبح من باب تفسير المفهوم بالمصداق، لا من باب تفسير المفهوم بالمفهوم [1] و الحاصل المستفاد ممّا عرفتها من الأخبار هو أنّ‌

____________

[1] هذا الكلام بعيد من ظاهر كلمات اللغويّين جدّاً، فالظاهر منها خلافه.

____________

(1) راجع الوسائل ج 3، ب 2 من لباس المصليّ ح 2، ص 251، و ح 8، ص 252، و ب 3، ح 3، ص 252.

(2) راجع الوسائل ج 16، ب 33 من الأطعمة المحرّمة، ص 365، ح 3 و 4، و 5، و ج 2، ب 68، من النجاسات ح 2 و 3 ص 1089. و قد أضيفت في كتاب السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) على هذه الطوائف طائف رابعة، و هي ما ورد في الجنين من أنّ ذكاته ذكاة أمّه، راجع الوسائل ج 16، ب 18 من الذبائح ص 270- 271.

483

الذكاة عبارة عن أمر بسيط و هو الطيب و الطهارة و نحو ذلك من العناوين.

هذا. و في بعض الأخبار أطلقت الذكاة على نفس العمليّة، فقيل: التسمية ذكاة (1)، أو إخراج السمك من الماء ذكاة (2)، و نحو ذلك، و من هنا نعرف أنّ ذلك العنوان البسيط عنوان منطبق على نفس العمليّة، و عنوان الطيب و الطهارة و إن كان في الحقيقة عنوانا اعتباريّا يعرض على نفس الحيوان و تتّصف به نفس الحيوان لا الذبح و باقي خصوصيّات العمليّة، لكنّنا نعرف من إطلاق الذكاة في لسان الأخبار على نفس العمليّة أنّ الذبح جعل بالاعتبار فردا للطيب و الطهارة.

____________

و يشهد لعدم كون الذكاة بمعنى الطيب و الطهارة أنّه لم يستعمل في غير الحيوان و توابعه. و ورد في لسان العرب: أنّ أصل الذكاة في اللغة كلّها إتمام الشي‌ء، فمن ذلك الذكاء في السن و الفهم، و هو تمام السنّ، قال، و قال الخليل: الذكاء في السن أن يأتي على قروحه- أي على خروج نابه- سنة و ذلك تمام استتمام القوّة.

و الظاهر من اللغة أنّ الذكاة نفس العمليّة و هو حجّة فخصوصيّة الحيوان إمّا شرط شرعي للتذكية، و إمّا شرط للطهارة و الحلّ، و الثاني أظهر. و أمّا استعمال الذكيّ في مثل السنّ و البيض من الميتة فباعتبار أنّ أثر تذكية الحيوان طهارته، و هذه الأشياء هي طاهرة و ليس استعمالا حقيقيّا.

____________

(1) الوسائل ج 16، ب 1 من الصيد ح 4، ص 208، و ورد أيضا في الصيد الّذي يصيده الكلب: (قتله ذكاة)، راجع الوسائل ج 16، ب 2 من الصيد ح 1، ص 209.

(2) الوسائل ج 16، ب 31 من الذبائح ح 8، ص 297، و ب 34 من الذبائح ح 2، ص 302.

484

نعم، يمكن توجيه الأخبار بنحو آخر أيضا، و هو أن يكون المقصود من كون التسمية مثلا، ذكاة كونها سببا للذكاة، لكنّ العناية الأولى، و هي إيجاد الفرد الاعتباريّ للطهارة و الذكاة أقرب عرفا من العناية الثانية، و يكون الكلام ظاهرا في الأوّل.

فتحصّل: أنّ الذكاة عنوان بسيط منطبق على الأعمال و منتزع منها لا نفس الأعمال مفهوما و لا أمر مسبّب عنها، و هذا هو مختارنا أيضا في باب الطهارات الثلاث.

بقي في المقام شي‌ء، و هو أنّ في أخبار الباب ما يوافق مضمونا استصحاب عدم التذكية و فيها ما يخالفه و لو بدوا.

أمّا ما يوافقه مضمونا، فكما ورد في ما أرسل إليه الكلب المعلّم ثمّ رأى المرسل ذلك الحيوان مفترسا و لا يدري هل افترسه ذلك الكلب المعلّم، أو افترسه حيوان آخر؟ من أنّه لا تحلّ تلك الفريسة و لا يؤكل منها حتى يعلم أنّه هو الّذي افترسها (1)، و كما ورد في من رمى طائرا فقتل الطائر و شكّ في أنّه هل قتل بهذه الرمية، أو بشي‌ء آخر؟ من أنّه لا يحلّ ذلك الطائر (2). و الصحيح أنّ هذه الأخبار و إن كانت موافقة مضمونا للاستصحاب لكنّها مع ذلك ليست شاهدة للقول باستصحاب عدم التذكية، إذ لا قرينة فيها على أنّ حكمها بالحرمة يكون بملاك الاستصحاب، فلعلّها حكمت بالحرمة على مستوى‌

____________

(1) راجع الوسائل ج 16، ب 5 من الصيد، ص 215.

(2) راجع الوسائل ج 16، ب 18 و 19 من الصيد، ص 230- 232.

485

الحكم بالحلّيّة في أصالة الحلّ و البراءة و بقطع النّظر عن الحالة السابقة [1].

و أمّا ما يخالفه مضمونا و لو بدوا، فكما ورد من سؤال الراوي عن أنّه رمى طائرا ليصطاده، ثمّ شكّ في التسمية، فأجاب (عليه السلام): بأنّه يأكله (1)، فحكمه (عليه السلام) بالحلّ هنا ينافي استصحاب عدم التذكية، فيمكن الاستئناس بذلك لإنكار استصحاب عدم التذكية.

و التحقيق: أنّ هذا أيضا ليس شاهدا على خلاف استصحاب عدم التذكية، و ذلك لإبداء احتمالين آخرين في المقام:

الأوّل: أن يكون حكمه (عليه السلام) بالحلّ بملاك قاعدة الفراغ، و قد ثبت في محله تقدّم قاعدة الفراغ على الاستصحاب.

و الثاني: ما يبطل الاحتمال الأوّل أيضا، و هو أنّ تكون الحلّيّة المذكورة في هذا الحديث حلّيّة واقعيّة، و توضيح ذلك:

أنّ المنصرف من هذا الحديث أنّ التسمية على فرض كونها متروكة إنّما تركت نسيانا لا عمدا، كما هو مورد قاعدة الفراغ أيضا، فإنّ موردها فرض دوران الأمر بين الفعل و الترك عن نسيان لا بين الفعل و الترك العمديّ، و قد وردت روايات (2) تدلّ على‌

____________

[1] فلا يمكن مثلا التعدّي إلى موارد الشكّ في القابليّة.

____________

(1) راجع الوسائل ج 16، ب 25 من الصيد، ص 237.

(2) راجع الوسائل ج 16، ب 15 من الذبح، ص 267، و ب 12 من الصيد، ص 225- 226.

486

أنّ التسمية شرط ذكري و تسقط بالنسيان، و على هذا فحلّيّة هذا الطائر تكون واقعيّة، إذ الأمر دائر بين أنّه سمّى أو لم يسمّ نسيانا، فإن سمّى فقد حصلت التذكية قطعا، و إن نسي فقد حصلت التذكية أيضا، لأنّ التسمية ليست شرطا في حال النسيان.

و قد تحصّل: أنّه ليس في أخبار الباب ما يؤيّد استصحاب عدم التذكية و لا ما يفنّده.

487

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

488

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

489

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

490

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

491

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

492

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

493

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

494

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

495

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

496

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

497

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

498

مفاد أخبار (من بلغ):

و في نهاية هذا التنبيه و تعقيبا على ما عرفته من المقامين نبحث هنا عن مفاد أخبار من بلغ، حيث إنّها تنظر إلى العمل برجاء موافقة الواقع في فرض الشكّ في الحكم، فيناسب البحث عنها في هذا التنبيه، فنقول:

قد وردت روايات عديدة بمضمون: (إنّ من بلغه شي‌ء من الخير و الثواب فعمله كان له ذلك الثواب و إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله).

1- تصوير مفادها ثبوتا:

و نذكر بدوا في تصوير مفاد هذه الروايات احتمالات أربعة:

1- كون المقصود منها الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط و الانبعاث من المطلوبيّة الاحتماليّة، حيث إنّ مفروض الأخبار هو العمل برجاء المطابقة. أمّا فيما صرّح منها برجاء الثواب فواضح، و أمّا فيما لم يصرّح منها بذلك فيستفاد ذلك من (الفاء) في قوله: (فعمله).

2- كون المقصود جعل استحباب نفسيّ موضوعه البلوغ.

499

3- كون المقصود منها جعل الحجّيّة للخبر الضعيف في المستحبات، و هذا هو المناسب لتعبير التسامح في أدلّة السنن.

4- كون المقصود مجرّد الوعد لمصلحة في نفس الوعد بإعطاء ذلك الثواب، و بعد حصول الوعد نقطع بالوفاء لا محالة.

و الفرق بين هذه الاحتمالات الأربعة واضح، فعلى الأخير تشتمل الأخبار على مجرّد الوعد لمصلحة في نفس الوعد، في حين أنّه على باقي الاحتمالات تكون تلك الأخبار بداعي الحثّ و الترغيب الناشئ من ملاك في نفس العمل. و يفترق الاحتمال الأوّل عن الثاني و الثالث بأنّه على الأوّل يكون الترغيب صادرا من الشارع بما هو عاقل لا بما هو مولى، و على الثاني و الثالث يكون صادرا عنه بما هو مولى. و أمّا الفرق بين الثاني و الثالث فهو أنّ الترغيب في الثاني يكون بملاك نفسيّ بعنوان البلوغ في نفس هذا العمل و إن كان الخبر مخالفا للواقع، و في الثالث يكون طريقيّا و بملاك العمل بالواقع. و بكلمة أخرى:

أنّ الحكم في الثاني حكم واقعيّ لعنوان ثانويّ، و في الثالث حكم ظاهريّ لعنوان أوّلي.

و لكن يوجد في رسالة منسوبة إلى الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) مؤلفة في بحث قاعدة التسامح في أدلّة السنن الإشكال في تصوير الفرق بين الوجه الثاني و الثالث، و ذلك باعتبار أنّ الحكم الظاهريّ لمّا كان عبارة عن جعل الحكم المماثل فمرجع الوجه الثالث إلى قضيّة شرطيّة شرطها بلوغ الثواب و جزاؤها حكم‌

500

مماثل لما أدّاه الخبر، و الحكم المماثل لما أدّاه الخبر عبارة عن الاستحباب الّذي هو الوجه الثاني، فأيّ فرق بينهما؟! نعم، إذا كان الحكم الظاهري عبارة عن شي‌ء آخر غير الحكم المماثل، كالتنجيز و التعذير و تتميم الكشف و نحو ذلك فهو يفترق عن جعل الاستحباب.

و سواء كان هذا الكلام صادرا من الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، أو لا فهذا كلام يناسب الذوق الأصوليّ العامّ في تصوير الحكم الظاهريّ من كونه عبارة عن أحد هذه الأمور من جعل الحكم المماثل، أو التنجيز و التعذير، أو تتميم الكشف، و نحو ذلك.

و أمّا على المختار من أنّ هذه كلّها ألسنة مختلفة و ألوان من الكلام تكشف عن شي‌ء واحد و هو اهتمام المولى ببعض الأغراض دون بعض عند تزاحمها، فالفرق بين الوجه الثاني و الثالث في غاية الوضوح، إذ في الوجه الثاني يكون الاستحباب نفسيّا ناشئا من ملاك في ذات العمل بما ينطبق عليه من العنوان الثانويّ، و في الوجه الثالث يكون الاستحباب طريقيّا و بداعي الاهتمام بالملاك الموجود في المستحبات الواقعيّة من دون أن يفرض في نفس هذا العمل بعنوان البلوغ أي ملاك و مطلوبيّة هذا بناء على ما هو المختار في الفرق بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ، فنفس ذاك الفرق المختار طبّقناه في المقام لتوضيح الفرق بين الوجه الثاني و الوجه الثالث. و أمّا على القول بأنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن جعل الحكم المماثل فأيضا نقول: إنّ أيّ شي‌ء يفترضه صاحب هذا القول فارقا بين هذا الحكم‌

501

المماثل الظاهريّ و الحكم الواقعيّ يمكن افتراضه في المقام.

و قد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الوجه الثاني و الثالث يختلف أحدهما عن الآخر ذاتا.

نعم. أنكر السيّد الأستاذ وجود ثمرة فقهيّة بينهما، إذ على أيّة حال يفتي الفقيه بالاستحباب إما لعنوان البلوغ وجدانا، أو لهذا الخبر الضعيف الّذي ثبتت حجّيّته تعبّدا، فلا فرق بينهما فيما يهمّ الفقيه، ثمّ ذكر السيّد الأستاذ: أنّ بعض المحقّقين حاول إبراز الفرق بينهما بأنّه إن ورد خبر ضعيف يدلّ على استحباب شي‌ء كالمشي بعد الطعام مثلا، و ورد خبر صحيح يدلّ على حرمته، فعلى الثالث يكون الخبر الضعيف حجّة و معارضا للخبر الصحيح، و على الثاني ليس الأمر كذلك، بل يكون الفعل بعنوانه الأوّليّ حراما و بعنوان بلوغ استحبابه مستحبّا، فيدخل ذلك في باب تزاحم الملاكين و المقتضيين للحكم لا في باب التعارض. و أجاب السيّد الأستاذ عن ذلك بأنّ أخبار من بلغ لا تشمل فرض بلوغ الثواب في مورد بلغ العقاب فيه أيضا، فمثل هذا الفرض خارج عن أخبار من بلغ رأسا.

ثمرات الفرق بين الحجّيّة و الاستحباب النفسيّ:

أقول: تظهر بين الوجهين ثمرات عديدة:

الأولى: أنّه في بعض الفروض يتحقّق التعارض بناء على‌

502

الوجه الثالث بخلاف الوجه الثاني، و نذكر تحت هذا العنوان موردين:

1- أن يدلّ خبر ضعيف على استحباب شي‌ء و خبر صحيح على عدم استحبابه بعنوانه الأوّليّ، فعلى الثالث أصبح الخبر الضعيف حجّة و معارضا للخبر الصحيح و تساقطا، فلم يثبت الاستحباب، و على الثاني لم يصبح الخبر الضعيف حجّة، و إنّما ثبت استحباب العمل بالعنوان الثانويّ و هو البلوغ، فيحكم بأنّ هذا العمل بعنوانه الأوّليّ ليس مستحبّا، و بعنوانه الثانويّ مستحبّ، و مثل هذا ما لو دلّ خبر ضعيف على وجوب شي‌ء و خبر صحيح على عدم وجوبه بالعنوان الأوّليّ، فعلى الثالث يتعارضان بناء على شمول أخبار من بلغ لما يدلّ على الوجوب، فإنّه إن فرض أنّه بهذا يثبت الوجوب فهذا معارض للخبر الصحيح الدالّ على عدم الوجوب، و إن فرض أنّه بهذا يثبت جامع الطلب، فجامع الطلب القابل للانطباق على الوجوب لا يمكن إثباته لدلالة الخبر الصحيح على عدم الوجوب، و الجامع غير القابل للانطباق على الوجوب و هو المساوق للاستحباب لم يدلّ عليه هذا الخبر الضعيف، و على الثاني لا يتعارضان، بل يحكم بعدم وجوب ذلك العمل بالعنوان الأوّليّ و استحبابه بالعنوان الثانويّ.

2- أن يدلّ خبر ضعيف على استحباب شي‌ء و خبر ضعيف آخر على استحباب شي‌ء آخر، و علمنا إجمالا بكذب أحدهما فعلى الثاني يلتزم باستحباب كلا الأمرين بالعنوان‌

503

الثانويّ، و على الثالث يتعارضان، فإنّه و إن لم يكن بينهما تعارض ذاتي- كما لو دلّ أحدهما على استحباب شي‌ء و الآخر على استحباب تركه- لكن يوجد بينهما تعارض اتّفاقيّ و يتساقطان بواسطة العلم الإجماليّ بكذب أحدهما. هذا بناء على مبنى المحقّق النائيني (رحمه اللّه) من أنّ العلم الإجماليّ بالكذب يوجب التعارض الاتّفاقيّ بملاك استحالة جعل الكشف و الطريقيّة لأمرين نعلم بأنّ أحدهما مظلم و كاذب.

و أمّا على مبنى المحقّق العراقيّ (قدّس سرّه)- و هو المختار- من أنّ ملاك التعارض و التساقط في ذلك إنّما هو منافاة الدلالة الالتزاميّة لكلّ منهما الثابتة ببركة العلم الإجماليّ للدلالة المطابقيّة للآخر، فتتساقط كلّ من الدلالتين الالتزاميّتين مع الدلالة المطابقيّة للأخرى بالتعارض الذاتيّ، فيمكن أن يقال هنا: إنّ أخبار من بلغ لم تشمل الدلالة الالتزاميّة و إنّما أثبتت الحجّيّة لبلوغ الثواب في أيّ واحد منهما لا لنفي الآخر فلا تعارض بينهما.

الثانية: أنّ في بعض الفروض يثبت التعارض على كلا الوجهين، لكن يختلف مركز التعارض باختلافهما، و بالتالي تختلف كيفيّة إعمال قوانين باب التعارض، مثاله: أنّنا فرضنا ورود خبر صحيح يدلّ على أنّ ما يوجب الإضرار بالنفس لا يكون مستحبّا و لو بعنوان ثانويّ، و ورود خبر ضعيف يدلّ على استحباب اللطم في عزاء الحسين (عليه السلام)، و نفترض أنّ اللطم أمر مضرّ، فعلى الثالث يقع التعارض بين هذين الخبرين، و يقدّم‌

504

الثاني على الأوّل بالأخصّيّة، و أخبار من بلغ ليست طرفا للمعارضة مع الخبر الصحيح النافي للاستحباب، و إنّما هي دليل على حجّيّة ما يعارضه من الخبر المثبت للاستحباب، و لا منافاة بين عدم استحباب شي‌ء واقعا و حجّيّة ما دلّ على استحبابه، و على الثاني يصبح ما دلّ على عدم استحباب المضرّ بأيّ عنوان من العناوين معارضا لنفس أخبار من بلغ الدالّة على استحباب اللطم بعنوان البلوغ، و تعارضهما يكون بالعموم من وجه و يتساقطان.

الثالثة: أنّ بعض أقسام الخبر الضعيف تشمله أخبار من بلغ على الوجه الثاني، و يثبت بذلك الاستحباب، و أمّا على الوجه الثالث، فإمّا أن يثبت بذلك الوجوب أو لا تشمله أخبار من بلغ رأسا، و ذلك فيما لو دلّ خبر ضعيف على وجوب شي‌ء فإنّه على الثاني يثبت الاستحباب له بعنوان البلوغ، و أمّا على الثالث فشأن أخبار من بلغ أن يجعل هذا الخبر حجّة، فإن قلنا بأنّه يمكن لأخبار من بلغ أن يثبت الوجوب فهذا الخبر يصبح حجّة و يثبت به الوجوب، و إن قلنا بأنّها تقصر عن إثبات أزيد من الثواب و الاستحباب و جامع المطلوبيّة فهذا الخبر لا تشمله أخبار من بلغ لا بلحاظ دلالته المطابقيّة من الوجوب، إذ هو خلف، و لا بلحاظ دلالته الالتزاميّة من الثواب و جامع الطلب، و ذلك على مبنى السيّد الأستاذ- الّذي هو المنكر للثمرة في المقام- من أنّه يستحيل انفكاك الدلالة الالتزاميّة عن المطابقيّة في الحجّيّة بأن لا تكون المطابقيّة حجّة، و مع ذلك تكون‌

505

الالتزاميّة حجّة. نعم، على ما هو الصحيح من إمكان التفكيك يمكن الالتزام هنا بثبوت الثواب و جامع المطلوبيّة.

الرابعة: أنّ في بعض الموارد يتعدّد الاستحباب على الثاني بخلافه على الثالث، كما لو دلّ خبر ضعيف على استحباب المشي بعد الطعام مثلا، و دلّ خبر ضعيف آخر على استحباب المشي في الثوب الأبيض بعد الطعام، بحيث كان هذا الخبر ناظرا إلى تقييد دائرة متعلّق نفس الاستحباب الأوّل لا إلى استحباب مستقلّ عن الاستحباب الأوّل، فبناء على الوجه الثاني يثبت استحبابان على عنوانين بعنوان البلوغ: أحدهما المشي بعد الطعام، و الثاني المشي في الثوب الأبيض بعد الطعام. و كذا إذا فرض الخبران صحيحين، أو فرض أحدهما صحيحا و الآخر ضعيفا.

و أمّا بناء على الوجه الثالث ففي بعض الصور لا يثبت في المقام استحبابان و توضيحه: أنّه إمّا نفرض الخبر المقيّد صحيحا و الخبر المطلق ضعيفا، أو بالعكس، أو نفرضهما ضعيفين.

أمّا على الأوّل فالخبر المقيّد الّذي هو حجّة في نفسه يقيّد لا محالة الخبر المطلق الّذي صار حجّة ببركة أخبار من بلغ فلا يثبت إلاّ استحباب واحد و هو استحباب المشي في الثوب الأبيض لا مطلق المشي.

و أمّا على الثاني فإن فرض أنّ أخبار من بلغ تجعل الخبر حجّة بجميع خصوصيّاته فصار الخبر المقيّد كأنّه خبر صحيح‌

506

فأيضا يقيد ذلك المطلق، و لا يثبت إلاّ استحباب واحد، و إن فرض أنّها إنّما تعطي الحجّيّة بمقدار ثبوت الاستحباب لا أزيد من ذلك فعندئذ نقول: إن إطلاق المطلق ينفي لا محالة استحباب المقيّد بما هو مقيّد، إذ المفروض أنّهما ينظران إلى استحباب واحد، فإن فرض أنّ ظهور المقيّد أقوى من ظهور المطلق [1] في نفي المقيّد قدّم عليه، و ثبت أيضا استحباب واحد [2]، و إن فرض تساويهما تساقطا، و ثبت أيضا استحباب واحد.

و أمّا على الثالث فإن فرض أنّ أخبار من بلغ تجعل الخبر حجّة بجميع خصوصيّاته، فالمقيّد يقيّد المطلق لا محالة و يثبت استحباب واحد، و إلاّ ثبت استحبابان ظاهريّان و إن علم بكذب أحدهما.

الخامسة: أنّه في بعض الموارد يجري الاستصحاب على الوجه الثالث بخلافه على الوجه الثاني، مثاله: ما لو دلّ خبر ضعيف على استحباب الجلوس في المجلس، و كان مقدار دلالته هو ما قبل الزوال من باب القصور في الدلالة من دون أن يدلّ على نفي الاستحباب في ما بعد الزوال، فبناء على الوجه‌

____________

[1] لعلّ المقصود أنّ تقديم المقيّد على المطلق إن كان بنكتة القرينيّة فقد سقطت بسقوط دلالته الالتزاميّة على نفي المطلق، حيث إنّ المفروض عدم حجّيّة هذه الدلالة الالتزاميّة، و إن كان بنكتة الأقوائيّة فهي موجودة في المقام.

[2] إنّما قدّم المدلول المطابقي للمقيّد على المدلول الالتزاميّ للمطلق و هو نفي المقيّد لا على المدلول المطابقي للمطلق لعدم تعارض بينهما، فيثبت ظاهرا الاستحبابان رغم العلم الإجماليّ بكذب أحدهما.

507

الثاني يكون الاستحباب ثابتا بعنوان البلوغ، و هذا الاستحباب منتف قطعا بعد الزوال بانتفاء البلوغ فلا مجال للاستحباب، و بناء على الوجه الثالث يكون الاستحباب ثابتا للجلوس في المسجد بعنوانه الأوّلي، و هذا الاستحباب محتمل الثبوت بعد الظهر و إن لم يعلم ثبوته لأجل القصور في عالم الدلالة، فهنا يأتي دور استصحاب الاستحباب بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام الاستحبابيّة.

السادسة: ما سيأتي (إن شاء اللّه تعالى) في تنبيهات أخبار من بلغ من أنّه بناء على الحجّيّة يحكم الفقيه بالاستحباب حتى لمقلّديه و إن لم يتحقّق البلوغ بالنسبة للمقلّدين. و بناء على الاستحباب النفسيّ بعنوان البلوغ لا بدّ من تحقّق البلوغ للمقلّدين أيضا حتى يتحقّق الاستحباب بالنسبة لهم.

و لعلّه بالتأمّل توجد ثمرات أخرى أيضا غير هذه الثمرات.

2- تحقيق مفادها إثباتا:

و لنشرع بعد هذا في بيان ما هو الصحيح من هذه الاحتمالات الأربعة في أخبار من بلغ، فنقول:

أمّا احتمال الإرشاد فلا نتكلّم عنه مستقلا، بل نتكلّم عمّا عداه، فإن وجدت قرينة على ما عداه أخذ به، و إلاّ فنفس‌

508

الإجمال يكفي في صالح نتيجة فرض الإرشاد، إذ لا يثبت عندئذ لنا شي‌ء عدا الحكم العقليّ كما هو الحال في فرض الإرشاد.

و أمّا احتمال جعل الحجّيّة فقد أفاد المحقّق العراقيّ (1) (قدّس سرّه)، و السيّد الأستاذ (2) و غيرهما (3) في تفنيده أنّ جعل الحجّيّة و الكشف عن الواقع ينافيه قول: (و أن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله).

أقول: إنّ هذا الكلام بصورته البدائيّة يورد عليه بسهولة بأنّ حديث من بلغ ليس بلسان فرض الكشف عن الواقع حتى ينافي ذلك قوله: (و إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله) فيحتاج هذا الكلام إلى شي‌ء من التنقيح و التشريح، و ذلك بأن يقال: إنّ حديث من بلغ إنّما دلّ بدلالته المطابقيّة على ملازمة بين البلوغ و الثواب، و الوجه في دلالته على الحجّيّة هو أن يقال: إنّ الثواب مترتّب على الأمر، فيدلّ الحديث بالالتزام على ملازمة أخرى في رتبة أسبق من هذه الملازمة و هي الملازمة بين البلوغ و الأمر، و عندئذ نقول: إنّ الملازمة بين البلوغ و الأمر إمّا تكويني، أو عنائي.

أمّا دعوى الملازمة التكوينيّة في المقام فكذب محض،

____________

(1) راجع نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 278.

(2) راجع مصباح الأصول ج 2، ص 319.

(3) راجع أجود التقريرات ج 2، ص 208.

509

فلا بدّ أنّ يكون المقصود هو الملازمة العنائيّة، و دعوى مطابقة البلوغ للواقع مبالغة، و ذلك كناية عن الحجّيّة، و من الواضح ان دعوى المطابقة و الملازمة بنحو المبالغة و العناية ينافيها فرض عدم المطابقة بقوله: (و إن كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يقله).

و التحقيق مع ذلك: أنّ هذا الكلام لا يرجع إلى محصّل، فإنّ جعل الاستحباب الطريقيّ في المقام يتصوّر بنحوين:

الأوّل: أن يكون ذلك بجعل الحجّيّة و الكاشفيّة على حدّ حجّيّة خبر الثقة، و ذلك بالتقريب الّذي عرفت.

و الثاني: أن يكون ذلك من قبيل جعل وجوب الاحتياط، و ذلك بتقريب أنّ المولى لأجل اهتمامه بأغراضه في الأخبار الدالّة على الاستحباب المطابقة للواقع أراد أن يحثّ على العمل بكلّ خبر دلّ على استحباب شي‌ء تحفّظا على أغراضه الثابتة في الأخبار المطابقة للواقع، نظير التحفّظ على الواقع المعلوم بالإجمال أو المحتمل بالإجمال بالاحتياط في جميع الأطراف، فحثّ على العمل بكلّ خبر دالّ على استحباب شي‌ء بجعل ثواب عليه كي يكون الربح لدى العبد قطعيّا، فتشتدّ رغبته في العمل بذلك. و ما مضى من الإشكال إنّما يبطل الوجه الأوّل من هذين الوجهين دون الثاني، فإلى الآن لم يظهر مفنّد لهذا الاحتمال، فلنر بعد هذا أنّه هل توجد قرينة على احتمال آخر في قبال هذا الاحتمال فيبطل بذلك هذا الاحتمال أو لا؟

510

و أمّا الاستحباب النفسيّ فيوجد هنا تقريب يثبت الجامع بينه و بين الاستحباب الطريقيّ، و هو ما ذكره المحقّق النائينيّ (1) (رحمه اللّه)، و احتمله المحقّق العراقيّ (قدّس سرّه) و كلام المحقّق العراقي هنا مجمل من حيث أنّه هل كان مقصوده إثبات الاستحباب النفسيّ بذلك، أو الجامع بين الاستحباب النفسيّ و الحجّيّة [1]. و أمّا كلام المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) فصريح في أنّ هذا التقريب لو خلّي و نفسه لا يثبت إلاّ الجامع بينهما، و ذلك التقريب هو حمل قوله في هذه الأخبار: (فعمله) على إرادة الأمر. و توضيح ذلك: أنّه و إن لم يوجد في أخبار البلوغ الأمر بصيغته أو مادّته، لكنّ الجملة الخبريّة في كلام الشارع ظاهرة في كونها بداعي الأمر كقوله: (سجد سجدتي السهو)، فقوله في هذه الأخبار: (فعمله) و إن كان جملة خبريّة، لكنّه يحمل على إرادة الأمر، و بعد استفادة الأمر من ذلك نقول: إنّ الأمر في لسان المولى ظاهر في المولويّة، و حمله على الإرشاد خلاف الظاهر ما لم تقم قرينة عليه، فيثبت بذلك الأمر المولويّ بالعمل بالخبر البالغ، و هو أعمّ من كونه نفسيّا أو طريقيّا، فثبت بهذا الجامع بين الحجّيّة و الاستحباب النفسيّ.

أقول: إنّ هذا من غرائبهم (رحمهم اللّه)، فإنّ قوله: (فعمله) قد وقع شرطا فسقط عن إفادة أمر يصحّ السكوت عليه، و ليس‌

____________

[1] كلامه في نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 277 واضح في إرادة الاستحباب النفسيّ.

____________

(1) راجع فوائد الأصول ج 3، ص 150.