القواعد الفقهية من مباحث الأصول - ج4

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
227 /
408

[الجزء الرابع]

[قاعدة الميسور]

وجوب الباقي بقاعدة الميسور

الجهة الرابعة: أنّه قد يثبت في المقام وجوب الباقي بعد العجز عن الزائد بدليل اجتهادي و هو ما يسمّى بقاعدة الميسور.

409

قاعدة الميسور

و الدليل عليها من الأخبار روايات ثلاث:

أحدهما: الرواية العاميّة: عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم» (1).

و ثانيها: الرواية العلويّة: «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه» (2).

و ثالثها: الرواية العلويّة الأخرى: «الميسور لا يسقط بالمعسور» (3).

و هذه الروايات لا يمكن الاعتماد على شي‌ء منها من حيث السند، فإنّ الروايتين الأخيرتين مرسلتان مذكورتان في غوالي اللئالي لم ير لهما عين و لا أثر في كتب الأخبار المتقدّمة، فلا يحتمل فضلا عن أن يطمأن باعتماد السابقين الذين هم أشدّ بصيرة منّا بخصوصيّات الخبر من حيث الصدق و الكذب على هذين الخبرين، فلا ينجبر سندهما بذلك بناء على قبول كبرى الانجبار بعمل السابقين، و أمّا الرواية الأولى فهي عاميّة مرويّة عن أبي هريرة ليس لها عين و لا أثر في كتب أخبار الخاصّة، و لهذا ليس هنا مزيد حاجة إلى التكلّم تفصيلا في دلالة هذه الأخبار و الإشكالات التي أوردت عليها، إلاّ أنّنا نتكلّم عن خصوص حديث «الميسور لا يسقط بالمعسور»، لأنّ البحث فيه أكثر فنيّة، و بالتكلّم فيه يظهر حال جملة من الإشكالات التي تتطرّق إلى الحديثين الآخرين ثمّ نتكلّم- أيضا- عن حديث «إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم» [1].

____________

[1] كأنّ البحث عن هذا الحديث كان نتيجة أنّ أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) أحسّ بأنّ بعض

____________

(1) سنن البيهقي: ج 4، باب وجوب الحجّ مرّة واحدة، ح 1، ص 326، و صحيح مسلم:

ج 4، باب فرض الحج مرّة في العمر، ح 1، ص 102.

(2) غوالي اللئالي: ج 4، ح 207، ص 58.

(3) نفس المصدر: ح 205.

410

أمّا حديث الميسور لا يسقط بالمعسور فقد اعترض على دلالته بعدّة إشكالات كل واحد منها يبتني على بعض التفاسير في هذا الحديث، فلنذكر أوّلا التفاسير التي قد تحتمل في هذا الحديث و هي ثلاثة:

التفسير الأوّل: أن يفرض قوله: «لا يسقط بالمعسور» نهيا بلسان النفي من قبيل قوله تعالى: لا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (1). على بعض تفاسير الآية و من قبيل الأمر بلسان الإخبار كما يقال: (يسجد سجدتي السهو) بمعنى: اسجد سجدتي السهو.

التفسير الثاني: أن يفرض هذا الكلام نفيا تشريعيّا بأن يقصد بنفس ذلك جعل الحكم و التكليف من قبيل قوله: «لا ربا بين الوالد و ولده» (2). المقصود به تشريع حليّة الرّبا لا الإخبار بعدم وجوده تكوينا.

التفسير الثالث: أن يحتمل على النفي الحقيقي الإخباري كقولنا: الإنسان لا يمشي على يديه و قوله تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (3).

و أمّا الإشكالات فهي أمور:

منها: ما ذكره المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) من تعارض ظهور هيئة (لا يسقط) في وجوب الإتيان بالباقي مع ظهور (الميسور) في الإطلاق و شموله للمستحبّات، فإنّ الميسور من المستحبّ لا يجب الإتيان به عند تعذّر بعض أجزائه (4).

و هذا الإشكال مبتن على التفسير الأوّل من التفاسير الثلاثة، و هو حمل النفي على النهي، إذ لو قلنا: إنّه جعل لبقاء الحكم الثابت قبل العجز عن بعض الأجزاء، أو إخبار عن ذلك كما هو الحال في التفسير الثاني و الثالث لم يكن موضوع لهذا الإشكال كما هو واضح.

____________

- الحضّار يحبّ أن يبحث عن هذا الحديث أيضا، و إلاّ فهو كان مصمّما على الاقتصار على بحث الميسور.

____________

(1) سورة 2، البقرة، الآية 197.

(2) راجع الوسائل: ج 18 بحسب طبعة آل البيت، ب 7 من الرّبا، ح 1، ص 135، و ح 3، ص 136.

(3) سورة 22، الحجّ، الآية 78.

(4) راجع الكفاية: ج 2، ص 252 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق المشكيني.

411

و الصحيح: أنّ التفسير الأوّل خلاف الظاهر، إذ:

أوّلا: أنّ حرف السلب في قوله: «لا يسقط» بحسب ظهوره الأوّلي يكون نفيا حينما لا قرينة على إرادة النهي.

ثانيا: لا يصحّ حمل الرواية على النهي، لا لمجرّد عدم القرينة على ذلك كما ذكرناه في الوجه الأوّل، بل لخصوصيّة في سياق الحديث، و هي أنّ حرف السلب لم يدخل على ما هو فعل المكلّف حتّى يقبل حمله على النهي، و إنّما دخل على ما هو من أفعال المولى، و هو سقوط الميسور، و التعبير (بالسقوط) يكون باعتبار وجوده و استقراره في العهدة كما يقال: كان عليه دين فأسقطه.

إن قيل: يمكن أن يراد السقوط من حيث العمل الخارجي بمعنى ترتيب آثار السقوط فيتصوّر النهي، و ذلك كما في: «لا تنقض اليقين بالشكّ» حيث يحمل على ترتيب آثار النقض، و إلاّ فأصل اليقين منقوض و مقطوع جزما.

قلت: أوّلا: إنّ هذا إنّما يصار إليه حيث لا يمكن حمل اللفظ على معناه الحقيقي، فيحمل على إرادة آثار ذلك المعنى كما في حديث: (لا تنقض)، و هذا بخلاف مثل ما نحن فيه الّذي يمكن حمله على معناه الحقيقي.

و ثانيا: أنّ النقض من الأفعال التي يمكن إضافتها إلى المكلّف في نفسها بغضّ النّظر عن خروجه عن قدرة المكلّف، و السقوط ليس هكذا، و إنّما الّذي يقابل النقض في هذه الجهة هو الإسقاط، و أمّا السقوط فهو مقابل الانتقاض، و لذا أسند في الحديث إلى الميسور لا إلى المكلّف.

نعم، لو قرئ الحديث هكذا: (الميسور لا يسقط) بصيغة المجهول، صحّ من هذه الناحية قياسه بالنقض في حديث: (لا تنقض).

ثمّ لو سلّم حمل الحديث على النهي قلنا: إنّ هذا الحديث إنّما يدلّ على المنع عن إسقاط الميسور من المستحبّ من جهة تعذّر بعض الأجزاء، و أمّا إسقاطه من جهة كونه من المستحبّات لا من الواجبات، فلا يدلّ على المنع عنه، فلا معارضة بين الهيئة و الإطلاق.

ثمّ لو سلّم التعارض بين ظهور النهي في اللزوم و الإطلاق، قلنا: إنّ الأوّل يقدّم على الثاني على ما قرّر في محلّه، فلو ورد مثلا: (لا تكرم الفاسق) و ورد الدليل على جواز إكرام زيد الفاسق، يجعل الثاني مخصّصا للأوّل لا قرينة على حمل النهي على الكراهة، بأن يقال بجواز إكرام كل فاسق لكن مع الكراهة.

412

نعم، لو قلنا: إنّ تقييد كلمة (الميسور) بخصوص الواجبات يوجب تخصيص الأكثر و هو غير جائز، لم يكن وجه لهذا الإشكال، و لكنّ هذا مجرّد فرض و تقدير، فإنّ إخراج أفراد كثيرة بعنوان واحد تدخل تحته جميعا غير ضائر فيما لو كان الباقي أفرادا عرفيّة، خصوصا مع فرض كون الأفراد الباقية مع قلّتها أكثر جلاء و بروزا في نظر العرف لما هي عليها من الوجوب و اللزوم المؤدّي إلى الاهتمام له على نحو أشدّ و أقوى.

و منها: ما أورده السيّد الأستاذ على ما في الدراسات (1) و بعد ما تبنّى التفسير الثاني [1] في الرواية و هو حملها على النفي و إرادة التشريع.

و حاصله: أنّ هذا الحديث إن حمل على باب الكلّي و الفرد فدلّ على وجوب إكرام باقي العلماء إذا وجب إكرام كلّ عالم و تعذّر إكرام بعضهم، كان الحديث إرشاديّا، فإنّ عدم سقوط بعض الأفراد بتعذّر بعض آخر أمر ثابت تكوينا يدركه العقل، إذ المفروض كونها واجبات استقلاليّة.

و إن حمل على باب الكل و الجزء فدلّ على ما هو المقصود في المقام من أنّه لو تعذّر بعض أجزاء المركّب الارتباطي وجب الإتيان بالباقي كان هذا حكما مولويّا، لأنّ وجوب الباقي وجوب جديد مستقلّ لا بدّ له من حكم مولوي جديد، و لا جامع بين الحكم الإرشادي و الحكم المولوي، فلا يمكن حمل الحديث على كلا الأمرين، فيتردّد بينهما و يصبح مجملا، و لا يمكن رفع إجماله بإجراء قانون أصالة المولويّة عند دوران الأمر بين المولويّة و الإرشاديّة، فإنّ هذا الأصل إنّما يجري فيما لو أحرز الموضوع ثمّ دار الأمر بين كونه مولويّا أو إرشاديّا، كما لو قال: (لا تأكل الرّمان) و دار الأمر بين كونه مولويّا أو إرشادا إلى وجود المفسدة فيه، فيحمل على المولويّة، و أمّا لو دار الأمر مثلا بين أن يكون مقصود المولى الأمر بالصلاة فيكون مولويّا، أو الإخبار بشي‌ء فيكون إرشاديّا، فلا أصل يقتضي المولويّة، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

أقول: إنّ التفصيل الّذي ذكره في أصالة المولويّة صحيح و لم يذكر نكتته،

____________

[1] لم يتبنّ السيّد الخوئي (رحمه اللّه) في الدراسات تفسيرا معيّنا للحديث، و تبنّى في المصباح: ج 2، ص 484 تفسيره بالإخبار عن عدم سقوط الواجب و المستحبّ، أو عدم سقوط وجوبه، أو استحبابه.

____________

(1) ج 3، ص 303- 304، راجع- أيضا- المصباح: ج 2، ص 482.

413

و نحن نذكرها هنا فنقول: إنّ نكتة الفرق بين الموردين هي: أنّ الكلام في الصورة الثانية يكون محفوفا بما يصلح للقرينيّة على خلاف الأصل، لأنّه مردّد بين معنيين يكون أحدهما قرينة على عدم المولويّة، و قد تقرّر في موضوعه أنّ الأصل لا يجري في مثل ذلك.

ثمّ إنّ السيّد الأستاذ بنى هذا التقريب على التفسير الثاني للرواية [1] مع أنّه جار حتّى على الوجه الأوّل في تفسيرها، و هو حمل الرواية على النهي. نعم، لا يجري على الوجه الثالث، و هو حملها على الإخبار الصرف، فإنّه يكون- عندئذ- إرشادا و إخبارا على كل تقدير مع قطع النّظر عمّا سنبيّنه- إن شاء اللّه- من أنّ الإخباريّة لا تنافي المولويّة.

و على أيّة حال فهذا الإشكال- أيضا- غير وارد، فإنّه يرد عليه:

أوّلا: أنّ الكلام يكون مولويّا حتّى إذا حمل على باب الكلّي و الفرد، غاية الأمر أنّه بناء على حمله على الكلّي و الفرد يكون الحكم المولوي بإتيان الميسور بعد سقوط المعسور مبيّنا بنفس الخطاب الأوّل أيضا، و يكون الخطاب تكرارا و تأكيدا، و ليس معنى هذا أنّه أصبح إرشاديّا لا مولويّا، و إنّما الفرق بين الخطاب الإرشادي و الخطاب المولوي هو أنّ الخطاب المولوي يبيّن حكما يصدر عن المولى بما هو مولى، سواء كان ذلك بيانا مكررا و تأكيدا، أو بيانا ابتدائيا و تأسيسا، و الخطاب الإرشادي يبيّن حكما لا يصدر عن المولى بما هو مولى و ليس من شئون مولويّته، كما لو بيّن مضارّ الجبن مثلا، أو أمر بإطاعته تعالى و نهى عن معصيته، فإنّ وجوب الإطاعة و حرمة المعصية له تعالى إنّما هو من مدركات العقل العملي، و ليس أمرا يصدر عن المولى بما هو مولى.

و الخلاصة: أنّ الفرق بين باب الكلّي و الفرد و باب الكلّ و الجزء في المقام إنّما‌

____________

[1] السيّد الخوئي (رحمه اللّه) ذكر هذا الإشكال في حديث (ما لا يدرك) و عطف عليه في الدراسات حديث (الميسور)، و على أيّ حال فهو لم يخصّص الإشكال بالتفسير الثاني، بل عمّمه للتفسير الأوّل و الثاني على اختلاف بين التفسير الأوّل و الثاني في كلامه عنهما في كلام أستاذنا الشهيد. فالسيّد الخوئي (رحمه اللّه) يجعل التفسير الأوّل كون (لا) ناهية حقيقة لا نافية قصد بها النهي من سنخ قصد الإنشاء بالإخبار في مثل (اسجد سجدتي السهو) كما ذكر أستاذنا الشهيد، و يكون التفسير الثاني عنده عين التفسير الأوّل عند أستاذنا الشهيد.

414

هو بكون الخطاب تأكيدا أو تأسيسا لا بالمولويّة و الإرشاد، و من الواضح أنّ التأكيد و التأسيس ليسا من مداليل الألفاظ حتّى يلزم من الجمع بينهما استعمال اللفظ في معنيين مثلا، و إنّما هما أمران ينتزعان من سبق بيان آخر لهذا الحكم على هذا البيان و عدمه، فلا يلزم من الجمع بين باب المركّب و باب الكلّي أيّ محذور في المقام.

و ثانيا: أنّنا لو سلّمنا أنّ الحكم في باب الكلّي و الفرد يكون إرشاديّا، و في باب المركّب يكون مولويّا، قلنا: إنّ المولويّة و الإرشاديّة ليستا من المداليل المستعمل فيها اللفظ، فصيغة الأمر في قوله: (أقم الصلاة)، و في قوله: (أطع اللّه) مثلا قد استعملت في معنى واحد و هو النسبة البعثيّة و التحريكيّة، و إنّما المولويّة و الإرشاديّة من مقام المدلول التصديقي لا التصوّري، فلا يلزم من الجمع بين باب الكلّي و باب المركّب محذور، و لا يكون استعمالا للفظ في معنيين، غاية الأمر أنّه أريد من هذه الجملة مدلولان تصديقيّان، و لا محذور في ذلك إذا كان بين المدلولين التصديقيّين سنخيّة بحيث يناسب أن يكون كلاهما معا مرادا من هذه الجملة.

و منها: إشكال يبتني على حمل الحديث في المقام على النفي الحقيقي الإخباري، و هو أنّ هذا النفي في باب الكلّي مع أفراده يكون حقيقيا، و في باب الكلّ مع أجزائه يكون مسامحيّا، لأنّ وجوب الكلّ يسقط بتعذّر أحد الأجزاء، و لو وجب الباقي فهو وجوب جديد، و المسامحة تحتاج إلى قرينة و هي مفقودة في المقام، فيحمل الحديث على باب الكلّي و الأفراد.

أقول: إنّ هذا الكلام إنّما يكون بناء على التصوير المشهور- في وجوب الباقي عند تعذّر أحد الأجزاء- من أنّ الوجوب الأوّل تعلّق بالكلّ، و سقط بالتعذّر، و أنّ هذا وجوب جديد. و أمّا بناء على التصوير الّذي مضى منّا من فرض تعلّق الوجوب بالجامع بين الفرد الكامل عند التمكّن و الفرد الناقص عند العجز، فلا يأتي هذا البيان.

بل التحقيق: أنّ هذا الكلام لا يتمّ حتّى بناء على التصوّر المشهور من تعلّق الوجوب بالكلّ و سقوطه بتعذّر الجزء، و ذلك لأنّه لو قدّر في المقام كلمة (الحكم) و كان المعنى: (أنّ حكم الميسور لا يسقط بالمعسور)، تمّ هذا الكلام، و قلنا- كما في الدراسات- (1): إنّ عدم السقوط هنا عنائي، لأنّ وجوب الكلّ قد سقط حتما، و لكنّ التقدير خلاف الأصل. و ظاهر الحديث إسناد السقوط إلى نفس الميسور باعتبار ما له‌

____________

(1) ج 3، ص 304- 305، و راجع- أيضا- المصباح: ج 2، ص 484- 485.

415

من نوع ثبوت في العهدة و هو ثبوت استعلائي، فنقول: إنّ هذا الميسور لا يسقط من مكانه بسقوط المعسور، و بحسب النّظر الدقّي و إن كان الثبوت في العهدة تابعا لثبوت الحكم، فيسقط الواجب بسقوط الوجوب، لكن في نظر العرف يرى الحكم حيثيّة تعليليّة لثبوت الشي‌ء في العهدة لا حيثيّة تقييديّة، من قبيل الشي‌ء الّذي يكون ثابتا في الرفّ لأجل اتّكائه على خشبة مثلا، فإذا استبدلت الخشبة بخشبة أخرى قيل إنّ هذا الشي‌ء لم يسقط من الرفّ، لأنّه أسندته خشبة أخرى، و كذلك في المقام إذا استبدل الوجوب بوجوب آخر متعلّق بالميسور، قيل: إنّ الميسور لم يسقط عن العهدة.

هذا. و المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) ذكر: أنّ عدم السقوط منسوب إلى نفس الميسور لا إلى حكمه كما ذكرنا، إلاّ أنّه (رحمه اللّه) ذكر أنّ نسبة عدم السقوط عليه تكون باعتبار موضوعيّته للحكم فمفاد الحديث: أنّ الميسور لا يسقط عن كونه موضوعا للحكم بسقوط المعسور (1).

أقول: إنّ هذا ممّا لا يساعد عليه البحث العرفي، فإنّ السقوط يحتاج إلى فرض نحو ارتفاع للساقط بحيث يهوي و يسقط، و مجرّد كون الميسور موضوعا للحكم لا يوجب نحو ارتفاع له ما لم تكن موضوعيّته لهذا الحكم مساوقة لوجوده في العهدة على المكلّف، و لذا لو ارتفعت إباحة شرب الماء مثلا لا يقال: إنّه سقط شرب الماء، و لو ارتفع وجوب الصلاة قيل: إنّه سقطت الصلاة [1].

و أمّا حديث «إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم» فلو كنّا نحن و هذه الجملة، لكانت دلالتها على المقصود واضحة، فإنّ ظاهرها أنّه كلّما وجب شي‌ء ثمّ‌

____________

[1] و كأنّ المتحصّل من هذا البحث: أنّ حديث الميسور عيبه هو ضعف السند، و لو كان تامّا سندا لصحّ الاستدلال به على قاعدة الميسور. و لكن لا يبعد القول بأنّ هذا الحديث حتّى لو فرضت تماميّته سندا فهو غير تامّ دلالة، و ذلك لأنّ قاعدة الميسور قاعدة مركوزة عقلائيّا لا في مورد البحث من فرض عدم سقوط الميسور من الأجزاء بالمعسور منها، بل في مورد فرض سقوط الميسور من الأفراد بالمعسور منها، و هذا الارتكاز العقلائي يصرف النصّ إلى مفاده المرتكز، و لا تبقى للحديث دلالة على ما هو خارج من دائرة ذاك الارتكاز، و بهذا تبطل- أيضا- دلالة (ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه).

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2، ص 299.

416

تعذّر بعضه فلا بدّ من الإتيان بالبعض الآخر، و هذا هو تمام المقصود في المقام.

إلاّ أنّه استشكل في دلالة الحديث من ناحية أنّ هذه الصيغة طبّقت على مورد الكلّي و الفرد، إذ وردت في قصة: و هي أنّ صحابيّا سأله (صلى اللّه عليه و آله) أنّه هل يجب الحجّ في كلّ عام؟ فلم يجب (صلى اللّه عليه و آله) إلى المرّة الثالثة، فانضجر (صلى اللّه عليه و آله) و ضاق بهذا الإلحاح، و قال: «لو قلت: نعم، لوجب الحجّ في كلّ عام، و لو وجب، لما استطعتم و لو تركتم لكفرتم» ثمّ قال بعد ذلك: «إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم».

و كلمة (من) و إن كانت ظاهرة في التبعيض إلاّ أنّه لا بدّ من حملها على البيانيّة أو على معنى الباء مثلا، حتّى ينسجم مع المورد، فكأنّه يقول (فأتوه، أو فأتوا به ما استطعتم)، و حملها على معنيين غير صريح.

و أجاب المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) عن ذلك بأنّنا لا نسلّم كون (من) موضوعة للتبعيض بالمعنى الّذي لا يناسب الفرد بالنسبة للكلّي، بل معنى كونها دالّة على التبعيض أنّها دالّة على الاقتطاع و الاستخراج و الإفراز بنحو من الأنحاء، و هو كما يناسب اقتطاع الجزء من المركّب كذلك يناسب اقتطاع الفرد من الكلّي بحسب النّظر العرفي باعتبار أنّ الكلّي له نحو إحاطة و شمول على الأفراد، فيكون إخراج الفرد منه نحو اقتطاع له منه [1]. و هذا الّذي أفاده (قدّس سرّه) في غاية الوجاهة.

____________

[1] الشيخ الأصفهانيّ (رحمه اللّه) ليس بصدد تصحيح دلالة الرواية على المقصود بهذا البيان، بل بصدد بيان أنّ كلمة (من) التبعيضيّة لا توجب اختصاص مفاد الرواية بالمقصود من وجوب الإتيان بالمقدار الممكن من المركّب لدى تعذّر بعض الأجزاء، و ذلك لأنّ كلمة (من) هنا لا تحمل على التبعيض بعنوانه بالمعنى الّذي ينسجم مع الكلّ و البعض، و لا ينسجم من الكلّي و الفرد، إذ لو حملت على هذا المعنى لما أمكن تطبيق النصّ على مورده و هو الكلّي و الفرد، بل هي لمجرّد اقتطاع مدخولها عن متعلّقه، و هذا و إن كان يوافق التبعيض في المركّب و لكنّه في نفس الوقت يناسب الكلّي و الفرد أيضا، لأنّ الفرد منشعب من الكلّي و يصحّ اقتطاع الفرد المستطاع من الكلي، فلا تتعيّن إرادة المركّب من الحديث، و المتيقّن بحسب مورد الحديث هو الكلّي دون المركّب. راجع نهاية الدراية: ج 2، ص 299.

و كأنّه (رحمه اللّه) يقصد إبطال دلالة الحديث على المدّعى على أساس مسلك كون وجود القدر المتيقّن في مقام التخاطب يضرّ بالإطلاق، و بما أنّ القدر المتيقّن بلحاظ مورد الحديث هو الكلّي و الفرد، فلا يمكن إثبات المقصود بإطلاق الحديث.

417

إلاّ أنّه لا بدّ بعد هذا من التكلّم في فقه الرواية، باعتبار أنّ الرواية لا تخلو من إشكالات قد تؤدّي إلى الالتزام بإجمالها، أو بوقوع سقط فيها، أو تفسير للرواية يوجب سقوطها عن الاستدلال بها، و الإشكالات التي قد تخطر بالبال هي أمور:

الأوّل: أنّه يبدو من الحديث أنّ السؤال كان بنفسه قوّة محرّكة للتشريع، فكان من المحتمل أن يتحرّك التشريع الإسلامي بمنبّهيّة السؤال فيوجب الحجّ في كلّ عام.

و هذا عجيب، فإنّ الأحكام تتبع المصالح و المفاسد الواقعيّة، فلو كان ملاك الحكم تامّا فلا بدّ من تشريعه سواء سأل السائل و ألحّ على السؤال أو لا، و إلاّ فلا معنى لتشريعه سواء سأل أو لم يسأل.

الثاني: أنّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «لو قلت: نعم، لوجب الحجّ في كلّ عام، و لو وجب لما استطعتم و لكفرتم ...»، فلو أنّهم لم يستطيعوا فكيف يجب؟! و كيف يكلّفون بما لا يستطاع؟! ثمّ كيف يعقل أن يفرضهم كفارا لأنّهم لم يأتوا بما لا يستطيعون؟! الثالث: أنّ هذه القاعدة- المستفادة من قوله (صلى اللّه عليه و آله): إذا أمرتكم بشي‌ء فأتوا منه ما استطعتم- لو خصّصناها بمورد الكلّ و الجزء لم يناسب مورد الحديث، و لو طبّقت على باب الكلّي و الفرد، فتصوير تطبيقها عليه يكون بأحد أنحاء ثلاثة:

1- أن تحمل على الأمر بالكلّي بنحو صرف الوجوب، فيصير المعنى: إذا أمرتكم بشي‌ء بنحو صرف الوجود، فأتوا من أفراده بمقدار استطاعتكم، و هذا كما ترى تناقض واضح، فإنّ الأمر المتعلّق بصرف الوجود لا يقتضي أزيد من الإتيان بصرف الوجود.

2- أن تحمل على الأمر المتعلّق بالكلّي بنحو مطلق الوجود، فيقول: إذا أمرتكم بكلّي بنحو مطلق الوجود من قبيل: أكرم العالم مثلا، فأتوا من أفراده ما استطعتم.

و هذا أوّلا: لا يناسب المورد، لأنّ الحجّ لم يؤمر به بنحو مطلق الوجود.

و ثانيا: أنّ هذا هو المحذور الّذي كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بصدد تخليص عكاشة و المسلمين منه، فإنّ عكاشة و بقية المسلمين لم يكونوا يحتملون أكثر من هذا المقدار، و هو وجوب الحجّ قدر المستطاع، و ظاهر سياق الحديث أنّه في مقام صيانتهم عن هذا المحذور.

3- أن يكون المقصود ضرب قاعدة في مقام الاستفادة من الأدلّة: و هي أنّه‌

418

متى أمرتكم بكلّيّ فاحملوا هذا الأمر على مطلق الوجود لا صرف الوجود.

و هذا أيضا غريب، فإنّه أوّلا: لا ينطبق على مورد الكلام، لأنّ الأمر بالحجّ لا يراد منه مطلق الوجود.

و ثانيا: أنّ مثل هذه القاعدة غريبة عن لسان الشارع في مجموع خطاباته، لأنّ أغلب الأوامر الشرعيّة مبنيّة على صرف الوجود لا على مطلق الوجود، فتأسيس قاعدة تقتضي حمل كلّ أمر وارد في لسان الشرع على مطلق الوجود غريب.

هذه هي الإشكالات الثلاثة في المقام.

و الجواب عن الإشكال الثالث يكون بالحمل على معنى معقول في المقام:

و هو أنّ هذه القاعدة مضروبة للحدّ الأقصى للتكاليف الشرعيّة لا للحدّ الأدنى، أي:

أنّ كلّ أمر يصدر منّي لا يلزم امتثاله بأكثر من المقدار المستطاع، و أمّا أنّه ما هو حدّه الأدنى؟ فهذا يتبع دليله، فقد يكون بنحو صرف الوجود و قد يكون بنحو مطلق الوجود مثلا، و المقصود من المقدار المستطاع الّذي جعل حدّا أقصى للتكاليف الشرعيّة ليس هو الاستطاعة العقليّة، بل الاستطاعة التي تقابل الحرج و المشقّة، فإنّ بعض مراتب الحرج و المشقّة يوجب بالمسامحة العرفيّة صدق عنوان غير المستطاع، فالمقصود هو أنّ الحدّ الأقصى هو المقدار المستطاع بحسب النّظر العرفي الخالي من تلك المرتبة العالية من الصعوبة و المشقّة التي قد تزيل عنوان الاستطاعة عرفا.

و القرينة على حمل الاستطاعة على هذا المعنى قوله: «لو قلت نعم لوجب الحجّ في كلّ عام، و لو وجب لما استطعتم، و لو تركتم لكفرتم ...» فإنّ الاستطاعة هنا تكون بالمعنى الّذي قلناه، لوضوح استحالة التكليف بغير المقدور، و عدم الكفر بترك غير المقدور، و بما أنّ الوضوح يكون كالقرينة المتّصلة بالكلام، فالاستطاعة في هذه الفقرة تكون ظاهرة في إرادة المشقّة الشديدة، فيكون هذا قرينة على أنّ الاستطاعة في القاعدة- أيضا- تكون بهذا المعنى، فيكون هذا الكلام جوابا لعكاشة بحسب الحقيقة، و لا يرد عليه الإشكال الثالث.

و بهذا البيان يظهر اندفاع الإشكال الثاني و هو أنّه كيف يعقل إيجاب ما لا يستطاع و تكفير من ترك ما لا يستطيع؟ فإنّك عرفت حمل الاستطاعة على ما يقابل المشقّة الشديدة.

و أمّا الإشكال الأوّل: و هو أنّه كيف يمكن أن يكون السؤال منبّها للتشريع؟

419

فنقول: من المعقول افتراض جملة من الأحكام واجدة للملاك اللزومي في الواقع، مع فرض وجود محذور عن إبداء ذاك الحكم و مصلحة في إخفائه فيقع التزاحم بين ملاك الحكم و مصلحة الإخفاء، و قد تغلّبت مصلحة الإخفاء على ملاك الحكم، و الإخفاء له مراتب، فقد تكون المصلحة في بعض مراتبه بالخصوص، و لا توجد في بعضها الآخر مصلحة، فمثلا يكون شخص عطشان لكنّه يخفى عطشه عن أصدقائه لكي لا يكلّفهم بإتيان الماء، و لكن هذه مصلحة في بعض مراتب الإخفاء: و هي أن لا يتصدّى ابتداء للبيان، أمّا لو سئل عن عطشه أو ألحّ عليه لبيّنه، هذا مثال للتقريب إلى الذهن، و المقصود أنّه يمكن افتراض أنّ وجوب الحجّ في كلّ عام مثلا فيه ملاك لزومي، لكن توجد مصلحة في بعض مراتب الإخفاء، فقد يكون السؤال أو الإلحاح ببعض درجاته يوجب البيان، لعدم مصلحة في الإخفاء بتلك المرتبة بأن يسكت، أو يجيب بما يفهم منه العدم عند الإصرار في السؤال بتلك المرتبة، فالسؤال يحقّق موضوع هذه المرتبة من الإخفاء التي ليس فيها مصلحة، و لعلّ هذا هو المشار إليه في الآية الكريمة في سورة المائدة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهٰا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّٰهُ عَنْهٰا وَ اللّٰهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (1) و هذه الآية الكريمة لا تخلو عن إجمال، إلاّ أنّ أظهر ما فيها هو حملها على ما ذكرناه من كون السؤال موجبا لإظهار الحكم.

و يوجد في الآية الكريمة احتمال أن يكون المراد من تلك الأشياء المعاجز كما حمله على ذلك جملة من المفسّرين، فكأنّهم كانوا يقترحون معاجز و يشتهونها، و من السنن الإلهيّة أنّه إذا أبديت المعجزة الاشتهائيّة و المقترحة و لم يؤمنوا، ترتّب على ذلك العقاب على المقترحين و المشتهين، و لذا تقول الآية: لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.

هكذا يفسّر بعض المفسّرين، لكنّ هذا خلاف الظاهر، فإنّ الخطاب في لسان الآية متوجّه إلى المؤمنين، و تعدية السؤال ب‍ (عن) و التعبير ب‍ (الإبداء) و ربط المطلب بحال تنزّل القرآن كلّ هذه تبعّد هذا الاحتمال، و تقرّب كون تلك الأشياء أشياء يستخبرون عنها، لا أنّه يطلبون إيجادها، و تلك الأشياء هي أحد أمرين: إمّا هي الأحكام فهذا هو المقصود، و إمّا هي أمور واقعيّة تكوينيّة كانوا يستخبرون عنها‌

____________

(1) سورة 5، المائدة، الآية 101.

420

كما يوجد في بعض الروايات: أنّ أحدهم سأل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) من أبي؟ و كان أبوه بحسب الظاهر شخصا و عيّن النبي (صلى اللّه عليه و آله) شخصا آخر غيره (1). و هكذا توجد بعض الحقائق التكوينيّة التي لو تبد لهم تسؤهم، إلاّ أنّ حمل الآية على هذا أيضا خلاف الظاهر، و ذلك بقرينة ربط المطلب بتنزيل القرآن، و ليس من عادة القرآن أن يبيّن مثل هذه المطالب، فلا بدّ أن تكون الأشياء سنخ أشياء تبيّن في القرآن.

و على أيّ حال فلا إشكال في أنّ أقرب المحتملات بالنسبة إلى الآية: هو حملها على السؤال عن الأحكام، و هذه الأقربيّة تكون مؤيّدة و معزّزة للتغلّب على المشكلة الأولى في الحديث.

و بذلك نكون قد تغلّبنا على الإشكالات الواردة على الرواية. و لكن سقط الحديث عن الاحتجاج به في المقام، إذ غاية ما يستفاد منه بعد هذا هو بيان قاعدة عامّة للحدّ الأقصى للامتثال، و أنّ الامتثال لا يترقّب إلاّ بمقدار لا يلزم منه الحرج، فتكون الرواية خارجة عن محل الكلام.

____________

(1) راجع تفسير علي بن إبراهيم: ج 1، ص 888 في ذيل الآية 101 من سورة المائدة.

421

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

422

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

423

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

424

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

425

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

426

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

427

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

428

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

429

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

430

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

431

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

436

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

437

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

440

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

441

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

442

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

443

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

444

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

445

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

450

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

451

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

452

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

453

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

454

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

455

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

456

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

457

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}