تنقيح مباني الأحكام - كتاب الديات

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
385 /
3

كتاب الديات

____________

(1) و النظر في أُمور أربعة:

النظر الأوّل

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[النظر الأوّل في أقسام القتل و مقادير الديات]

الأوّل في أقسام القتل و مقادير الديات (1)

[أما أقسام القتل]

القتل عمد، و قد سلف مثاله، و شبيه العمد: مثل أن يُضرب للتأديب فيموت، و خطأ محض: مثل أن يرمي طائراً فيصيب إنساناً.

و ضابط العمد: أن يكون عامداً في فعله و قصده، و شبيه العمد: أن يكون عامداً في فعله، مخطئاً في قصده، و الخطأ المحض: أن يكون مخطئاً فيهما.

النَّظرُ الأوّل

أقسام القتل

____________

(1) ذكر (قدس سره) في الأمر الأوّل أقسام القتل أي الجناية على النفس و مقادير ديات النفس و التزم كما عليه الأصحاب بأنّ أقسام القتل ثلاثة: العمد و شبه العمد و الخطأ المحض، و الضابط في قتل العمد أن يكون الجاني قاصداً لكلّ من الفعل و ترتّب إزهاق الروح عليه، بخلاف شبه العمد فإنّه يكون الجاني فيه قاصداً للفعل من غير قصده قتل المضروب، و أمّا الخطأ المحض فلا يكون قاصداً للفعل الواقع خارجاً كما إذا رمى طيراً فلم يصبه بل أصاب شخصاً فقتل به و يعبّر عن هذا القسم الأخير في بعض الروايات بالخطإ الذي لا شكّ فيه.

أقول: قد ذكرنا في كتاب القصاص أنّه لا ينحصر القتل عمداً المترتب عليه القصاص على ما إذا قصد الجاني بفعله القتل، بل لو كان فعله ما يقتل الشخص عادة يحسب فعله مع ترتب الموت عليه، القتل عمداً كما يدلّ على ذلك صحيحة أبي العباس و زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل‌

8

..........

____________

مثله، و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ الذي لا شكّ فيه أن يتعمّد شيئاً آخر فيصيبه» (1) و معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «جميع الحديد هو عمد» (2) و صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يرفع عنه حتّى قتل أ يدفع إلى أولياء المقتول؟ قال: «نعم و لكن لا يترك يعبث به و لكن يجاز عليه» (3) و في صحيحة الفضل بن عبد الملك برواية الصدوق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد» (4).

و على الجملة، إذا أراد الجاني بفعله القتل و ترتب عليه الموت يحسب ذلك القتل عمدياً حيث يعمّه ما دلّ على أنّ من قتل نفساً متعمّداً، و كذلك فيما إذا كان فعله بما يقتل مثله و ترتّب عليه موته و إن لم يكن قاصداً قتله كما يدلّ على ذلك التفرقة بين القتل عمداً و بين القتل شبيه العمد في صحيحة زرارة و أبي العبّاس المتقدّمة بأنّ: «العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله يقتله بما لا يقتل مثله» فإنّ انحصار شبه العمد بما إذا لم يقصد القتل و إن كان فعله بما لا يقتل مثله مقتضاه أن مع قصد القتل يكون القتل عمدياً و إن لم يكن فعله بما يقتل عادة، و كذا مع عدم قصده القتل و لكن حصوله بما يقتل مثله حيث قيّد الإمام عليه شبه الخطأ بمجموع كلا الأمرين عدم قصد القتل و عدم كون فعله بما يقتل مثله.

أضف إلى ذلك ما ورد في معتبرة السكوني و صحيحة أبي العبّاس البقباق المتقدّمتين من أنّه «إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد» و «جميع الحديد‌

____________

(1) وسائل الشيعة، 29: 40، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 13.

(2) وسائل الشيعة، 29: 40، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 14.

(3) وسائل الشيعة، 29: 39، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 12.

(4) من لا يحضره الفقيه 4: 105، الحديث 5195.

9

..........

____________

عمد». و لا يخفى كما تقدّم في كتاب القصاص أنّه يعتبر في ترتّب القصاص على العمد كون القتل عدواناً و إذا كان بحقّ كما في مورد القصاص، و لو كان القصاص من الجروح فسرت إلى النفس فلا يترتّب عليه القصاص، و كذا إذا كان القتل عمداً من الجاني الذي لا يتعلّق عليه القصاص، كما إذا كان القاتل مجنوناً أو صغيراً أو كان أباً للمقتول أو كان مسلماً و المقتول كافراً أو كان حرّاً و المقتول رقّاً إلى غير ذلك ممّا تقدّم.

و تقدّم أيضاً أنّه من القتل بشبه العمد ما إذا قصد قتل شخص باعتقاد أنّه كافر حربي ثمّ ظهر بعد القتل أنّه مسلم، و كذا إذا قصد قتل زيد و اعتقد أنّ الجالس هو زيد فقتله ثمّ ظهر أنّه كان عمراً فإنّه لا يتعلّق في شي‌ء من الفرضين القصاص على الجاني، بل يكون عليه الدية، و لكن ربّما يشكل في إخراج الفرض الثاني عن القتل عمداً فيما كان كلّ من زيد و عمرو محقون الدم.

أقول: لا يتأمّل في ترتّب القصاص فيما كان من قصده قتل الجالس سواء كان زيداً أو عمراً و إن كان اعتقاده هو أنّه زيد، بخلاف ما إذا كان قاصداً قتل زيد فقط بحيث لو كان يحتمل أنّه عمرو ما قتله ففي الفرض لا مورد للقصاص؛ لأنّه لم يقصد قتل عمرو عدواناً عليه و قصده قتل زيد عدواناً لا يوجب كون قتل عمرو عدواناً و لا يبعد أن يعمّ الفرض ما في صحيحة الحلبي، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة فهذا كلّه عمد، و الخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره» (1) فإنّه يصدق في الفرض أنّه قصد زيداً و أصاب غيره، و نظير ذلك ما إذا قدّم الطعام المسموم إلى عمرو باعتقاد أنّه زيد لظلمة و نحوها فأكل عمرو فمات و كان قاصداً قتل زيد فقط فإنّه يثبت عليه الدية لا القصاص.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 36، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.

10

و كذا الجناية على الأطراف تنقسم هذه الأقسام. (1)

____________

(1) قد تقدّم في كتاب القصاص أنّ الجناية في الأطراف أيضاً تنقسم بالأقسام الثلاثة و أنّ القسمة لاختلاف حكم الجناية فيها و يدلّ على جريان القصاص في الأطراف مع أنّه المتسالم عليه صحيحة إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كان من جراحات الجسد أنّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها (1)، و صحيحته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجرح في الأصابع إذا أوضح العظم عشر دية الإصبع إذا لم يرد المجروح أن يقتصّ (2)، و كذا ما ورد في الجناية في الأعضاء كالعين و اليد و غيرهما ممّا يأتي، و قبل الروايات يدلّ على ثبوت القصاص في الأطراف قوله سبحانه:

«و الجروح قصاص» (3).

نعم، يأتي بعض الجروح و نحوها ممّا قام الدليل على عدم ثبوت القصاص فيها و يؤيد الحكم بما رواه الشيخ باسناده عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زيادة بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: ما تقول في العمد و الخطأ في القتل و الجراحات؟ قال: فقال: «ليس الخطأ مثل العمد، العمد فيه القتل و الجراحات فيها القصاص، و الخطأ في القتل و الجراحات فيها الديات» (4) و رواها في الفقيه (5) بسنده إلى هشام بن سالم و التعبير بالتأييد لضعف السند بالحكم بن عتيبة.

ثمّ إنّ المعيار في الجناية خطأً التي تعدّ شبه العمد و عبّر ذلك بالخطاء الذي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 176، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 29: 176، الباب 13 من أبواب قصاص الطرف، الحديث 2.

(3) سورة المائدة: الآية 45.

(4) تهذيب الأحكام 10: 174، الحديث 21.

(5) من لا يحضره الفقيه 4: 109، الحديث 5209.

11

..........

____________

فيه شكّ ما إذا كان الفاعل قاصداً الفعل بما لا يقتل مثله و لم يكن من قصده القتل كما دلّ عليه صحيحة أبي العبّاس و زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

و قد ذكر خلاف في أنّه إذا قصد القتل بما لا يقتل مثله و اتّفق القتل فهل هذا ملحق بالقتل عمداً المترتّب عليه القصاص أو أنّه من القتل خطأً و الثابت فيه الدية على القاتل؟

و قد يقال بالثاني و يستدلّ على ذلك بأنّ القصد بما لا يقتل لا يكون إلّا كالقصد المجرد إلى القتل و كما أنّ القصد المجرد لا يوجب قصاصاً لو اتّفق الموت، و كذا قصده مع فعل ما لا يقتل عادة و بأنّ العمد فسّر في صدر صحيحة أبي العباس و زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله» (2) و مقتضى التقييد بما يقتل مثله أن لا يكون الفعل بما لا يقتل مثله عمداً.

و فيه أنّ القصد المجرّد مع عدم الفعل لا يوجب الاستناد ليترتّب عليه القصاص أو الدية لا على القاصد و لا على عاقلته، و ما ورد في صدر الصحيحة فلا دلالة فيه على أنّه إذا قصد القتل بالفعل الذي لا يقتل عادة مع ترتّب الموت عليه لا يكون قتلًا عمدياً، بل مدلولها أنّ قصد شخص و فعل ما يقتل مثله بذلك الشخص قتل عمدي إذا قتل سواء قصد بفعله هذا قتله أم لا.

و دعوى ظهور الصدر في قصد القتل لا يمكن المساعدة عليها؛ فإنّ قصد القتل بما يقتل مثله فرد غالبي من القتل، و لكن لا يخرج الصدر عن ظهورها الإطلاقي، و غاية الأمر أنّ الصدر لا يشمل صورة من القتل عمداً و هي ما لو قصد القتل بالفعل‌

____________

(1) تقدّمت في الصفحة 7.

(2) وسائل الشيعة 29: 40، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 13.

12

..........

____________

الذي لا يقتل عادة إذا ترتّب عليه الموت، و هذه الصورة تفهم من اعتبار الأمرين في شبه العمد أحدهما عدم إرادة القتل، و الثاني ترتّب الموت على الفعل بما لا يكون قاتلًا عادة.

و الحاصل أنّ القصد إلى القتل بالفعل الذي لا يقتل عادة مع ترتّبه عليه قتل عمد يعمّه قوله سبحانه: «و من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً» (1).

و أمّا الخطاء المحض الذي عبّر عنه بالخطاء الذي لا شكّ فيه فهو ما إذا فعل و لم يقصد وقوعه أو إصابته على أحد و لكن وقع و أصاب إنساناً فقتله أو جرحه، كمن رمى طيراً فأخطأ فأصاب إنساناً و قد ورد ذلك الحدّ في ذيل الصحيحة المتقدّمة (2) و غيرها من الروايات و مقتضى ذلك أنّه إذا لم يرد الفعل أصلًا بل لم يكن صدور فعل عن الشخص اختياراً بل الفعل وقع من غير اختيار و ترتّب عليه قتل شخص أو جرحه فلا يكون في البين ما يوجب القصاص أو الدية عليه أو على عاقلته، كمن أسقطه الريح من علو فوقع على إنسان فقتله بإصابته.

و ما عن جملة من الأصحاب من إدخال مثل ذلك في القتل خطاء لا أعرف لها وجهاً إلّا دعوى عدم ذهاب دم أحد هدراً و لكنّه لا يعمّ الموارد التي يحسب في العادة من قضاء اللّٰه المحض و تقديره، كما يدلّ على ذلك جملة من الروايات كصحيحة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله؟

قال: «ليس عليه شي‌ء» (3) و صحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليه السلام) في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، قال: لا شي‌ء عليه، و قال: من قتله القصاص فلا دية له (4).

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 33.

(2) وسائل الشيعة 29: 40، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 13.

(3) وسائل الشيعة 29: 56، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

(4) وسائل الشيعة 29: 56، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

13

[و أما مقادير الديات]

ودية العمد: مائة بعير من مسان الإِبل، أو مائتا بقرة، أو مائتا حُلّة كلّ حلّة ثوبان من برود اليمن، أو ألف دينار، أو ألف شاة. أو عشرة آلاف درهم (1)،

دية العمد

____________

(1) كون دية النفس في القتل عمداً أحد أُمور ستّة متسالم عليه بين الأصحاب و هي: مائة إبل أو مائتا بقرة أو مائتا حلّة و كلّ حلّة ثوبان أو ألف دينار أو ألف شاة أو عشرة آلاف درهم.

و يشهد لذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرّها رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) ثمّ إنّه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، و فرض على أهل الشاة ثنيّة، و على أهل الذهب ألف دينار، و على أهل الورق عشرة آلاف درهم، و على أهل اليمن الحلل مائتي حلّة، قال عبد الرّحمن بن الحجاج: فسألت أبا عبد اللّه عما روى ابن أبي ليلى، فقال: كان علي (عليه السلام) يقول: الدية ألف دينار و قيمة الدينار عشرة دراهم، و عشرة آلاف لأهل الأمصار، و على أهل البوادي مائة من الإبل، و لأهل السواد مائتا بقرة أو ألف شاة (1).

و في صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الدية عشرة آلاف درهم أو ألف دينار، قال جميل: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): الدية مائة من الإبل (2). و هذه لا تنافي ثبوت غير ذلك من الأنواع التي وردت في الصحيحة المتقدّمة و غيرها من البقرة أو الشاة، و صحيحة جميل بن درّاج في الدية قال: ألف دينار أو عشرة آلاف درهم و يؤخذ من أصحاب الحلل الحلل، و من أصحاب الإبل الإبل، و من أصحاب الغنم الغنم، و من أصحاب البقر البقر (3). و هذه الرواية و إن كانت رواية لقول جميل بن درّاج‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 193، الباب الأوّل من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 195، الباب الأوّل من أبواب ديات النفس، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 29: 195، الباب الأوّل من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

14

..........

____________

و لم يسند متنها إلى المعصوم (عليه السلام) إلّا أنّه لا يحتمل أن يلتزم جميل بن درّاج بما لم يسمعه منه (عليه السلام) و عدم ذكر الإمام (عليه السلام)، الحلل في ذيل صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج لا يدلّ على نفي كونها من أفراد الدية، و لكن إذا كان المراد من الحلّة مطلق ثوبين كما هو ظاهر الروايات فلا يناسب سائر أنواع الدية بل لا يناسب ما ورد من أنّ دية العبد قيمته ما لم يزد على الدية.

ثمّ إنّ الدية لا تكون تنويعه بحسب أصناف الناس بأن يختص كلّ نوع من الدية بصنف من الأشخاص بحيث لا يكون تخيير بين الأُمور الستّة عن ثبوت دية العمد بالمصالحة و التراضي عليها أو عدم إمكان القصاص؛ و ذلك فإنّ الظاهر من الروايات المتقدّمة و غيرها أنّ التنويع الوارد في الروايات كالتنويع الوارد في مواقيت الإحرام أو زكاة الفطرة بلحاظ تسهيل الأمر بالإضافة إلى أصناف الناس لا تعيّن كلّ نوع بصنف من الناس و على ذلك فالموارد التي ورد الأمر فيها بردّ الدية أو نصفها يؤخذ بالإطلاق فيها و يكون الأمر على التخيير بين الأُمور الستّة.

ثمّ إنّه ورد في بعض الروايات مقدار الدرهم باثني عشرة ألفاً من الدراهم كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه إلّا أن يرضى أولياء المقتول أن يقلبوا الدية فإن رضوا بالدية و أحب ذلك القاتل فالدّية اثنا عشر ألفاً أو ألف دينار أو مائة من الإبل و إن كان في أرض فيها الدنانير فألف دينار، و إن كان في أرض فيها الإبل فمائة من الإبل، و إن كان في أرض فيها الدراهم فدراهم بحساب ذلك اثنا عشر ألفاً (1). فإنّ ذكر الاثني عشر ألفاً مع كون الدية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 196- 197، الباب الأوّل من أبواب ديات النفس، الحديث 9.

15

..........

____________

عشرة آلاف يمكن أن يكون لاختلاف الدراهم بالإضافة إلى ألف دينار الذي هو مثقال شرعي من الذهب مطلقاً أو خصوص المسكوك منه أو أنها لرعاية التقيّة حيث إنّ اثني عشر ألفاً منسوب إلى العامّة.

قال الشيخ (قدس سره)- بعد ما قال: فقد ذكر الحسين بن سعيد و أحمد بن محمد بن عيسى معاً أنّه روى أصحابنا أنّ ذلك يعني اثني عشر ألف درهم من وزن ستّة-: و إذا كان ذلك كذلك فهو يرجع إلى عشرة آلاف (1). و يمكن أن يكون هذه الأخبار وردت للتقيّة؛ لأنّ ذلك مذهب العامّة.

و أيضاً قد ورد في بعض الروايات أنّ الدية بألفين من الغنم كما في صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن دية العمد؟ فقال: «مائة من فحولة الإبل المسان فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم» (2) فإنّ ظاهرها عدم جواز الغنم مع وجود الإبل و مع عدمه يعطى بدل إبل عشرون من فحولة الغنم، و ليس من أصحابنا من يلتزم بذلك مع أنّها معارضة بالروايات التي لا يبعد دعوى تواترها الإجمالي بأنّ مقدار الغنم ألف في الدية.

نعم، لا يبعد تعيّن الأخذ بما في صدرها من كون مائة إبل من المسان و الفحولة و يقيّد الإطلاق الوارد في بعض الروايات.

و دعوى أنّ عشرين شاة فيما إذا أُعطيت قيمة عن الإبل أيضاً لا يساعده الاعتبار فإنّ قيمة إبل لا يساوي عشرين شاة من فحولة الغنم مطلقاً.

____________

(1) التهذيب 10: 162، ذيل الحديث 24.

(2) وسائل الشيعة 29: 200، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

16

..........

____________

ثمّ إنّ الماتن (قدس سره) قد قيّد الحلّة بل فسّرها بثوبين من برود اليمن، و قد تقدّم أنّ كون الحلّة من الدية لا بأس بالالتزام به لقول جميل بن دراج المتقدّم حيث يبعد أن يذكره من أنواع الدية من غير سماع عن الإمام (عليه السلام) و بما أنّ إطلاقها لا يمكن الأخذ به لعدم الاكتفاء بثلاثة حلل و ما فوق فلا بدّ من أن يؤخذ بالقدر المتيقّن في كونها دية، و القدر المتيقّن كونها مائتين و كونها من برود اليمن، و الاكتفاء بالأقل أي بمائة غير ثابت فإنّ في المروي في التهذيب مائتين حلّة و يحتمل كونها كذلك و كذا اعتبار كونها ثوبين حيث لم يحرز صدق الحلّة على ثوب واحد كما يظهر ذلك من جماعة من أهل اللغة، بل لا يبعد اعتبار كونها من برود اليمن حيث إنّ ذلك هو المتيقّن في الدّية لاعتبار ذلك فيها عن جماعة كالماتن و كالعلّامة و الشهيدين (1).

لا يقال: مقتضى البراءة هو عدم اعتبار كونهما من برود اليمن و الاكتفاء بمطلق ثوبين.

فإنّه يقال: لا مجال لأصالة البراءة في مثل المقام ممّا يكون جريانها خلاف الامتنان، بل يجري في المقام أصالة عدم اعتبار الدية لمطلق الثوبين و لا تعارض بأصالة عدم اعتبارها لثوبين من برود اليمن، و الوجه في عدم التعارض أنّ الثوبين من برود اليمن يجزي في الدية قطعاً فلا مجال لأصالة عدم اعتبارها دية حيث لم تثبت كون الدية هي مطلق الثوبين.

اللهمّ إلّا أن يقال بعدم الإهمال في صحيحة جميل إلّا من حيث العدد، و أمّا كونها من برود اليمن فالإطلاق يدفعه.

____________

(1) المحقق في المختصر النافع: 294، و العلامة في قواعد الأحكام 3: 666، و المختلف 9: 429، و الشهيدين في اللمعة و شرحها 10: 176.

17

و تُستأدى في سنة واحدة من مال الجاني مع التراضي بالدّية. (1)

أداء الدية مع التراضي

____________

(1) المراد أنّ دية العمد لا تكون حالًا مع التراضي بها بل يكون على الجاني التأخير في الأداء إلى سنة.

نعم، تأخيرها إلى ما بعد السنة لا بدّ من أن تكون بالتراضي من أوّل الأمر أو برضا أولياء الدم في التأخير بعد سنة.

و يشهد لما ذكر صحيحة أبي ولّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقول:

تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين و تستأدى دية العمد في سنة» (1) و مبدأ السنة فيما إذا كان ثبوتها بأصل الجناية كما في قتل الوالد ولده أو قتل العاقل المجنون أو الصغير، زمان تحقّق القتل، و فيما إذا كانت بالتراضي من حين التراضي بها و فيما إذا كانت لفوت مورد القصاص من حين فوته حيث إنّ ظاهر الصحيحة الأداء إلى تمام سنة و لو مع ثبوتها و لو بغير التراضي و هذا مع الإطلاق التراضي بالدية، و أمّا إذا وقع التراضي إلى أدائها حالًّا أو مؤجلًا بأزيد من السنة فلا بأس به لنفوذ الصلح، كما أنّه إذا وقع التراضي بأزيد من الدية أو بأقل من مقدارها فإنّ الصلح جائز بين المسلمين.

دية القتل عمداً على الجاني لا على عاقلته

ثمّ إنّ الدية في القتل عمداً على الجاني لا على العاقلة و لا على بيت المال ففي الصحيح عن عبد اللّه بن سنان و ابن بكير جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً هل له توبة؟ فقال: «إن قتله لإيمانه فلا توبة له، و إن كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فإنّ توبته أن يقاد منه، و إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية‌

____________

(1) وسائل الشيعة، 29: 205، الباب 4 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

18

..........

____________

و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستّين مسكيناً توبة إلى اللّٰه عزّ و جلّ» (1) و ظاهرها أنّه هو المكلّف بإعطاء الدية.

و في موثّقة سماعة قال: سألته عمّن قتل مؤمناً متعمّداً هل له من توبة؟ قال: لا حتّى يؤدّي ديته إلى أهله و يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يستغفر اللّٰه و يتوب إليه و يتضرّع فإنّي أرجو أن يتاب عليه إذا فعل ذلك، قلت: فإن لم يكن له مال؟ قال:

يسأل المسلمين حتّى يؤدّي ديته إلى أهله (2).

و في معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «العاقلة لا تضمن عمداً و لا إقراراً و لا صلحاً» (3).

و ما ورد من أنّه إذا أقر القاتل عمداً فلم يقدر عليه يؤخذ الدية من ماله، و إن لم يكن له مال يؤخذ من الأقرب فالأقرب، و ظاهر الأقرب فالأقرب العاقلة لا يوجب التعدّي عن مورده.

بقي في المقام أمران:

أحدهما: أنّهم اعتبروا في الإبل كون الدية منه من المسان و المسن و يطلق عليه الثني ما أكمل سنته الخامسة و دخل في السادسة و التحديد في ناحية الأقل و لا تحديد بالإضافة إلى الزيادة، و الوارد في جملة من الروايات مائة إبل و عنوان الإبل يصدق على غير الداخل في السادسة أيضاً إلّا أنّه يرفع اليد عن الإطلاق بما ورد في صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دية العمد؟ فقال: «مائة من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 30، الباب 9 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 34، الباب 10 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.

(3) وسائل الشيعة 29: 394، الباب 3 من أبواب العاقلة، الحديث 2.

19

و هي مغلّظة في السنّ و الاستيفاء (1). و له أن يبذل من إبل البلد أو من غيرها، و أن يعطي من إبله أو إبل أدون أو أعلى إذا لم تكن مِراضاً و كانت بالصفة المشترطة.

و هل تُقبل القيمة السوقية مع وجود الإبل؟ فيه تردد، و الأشبه لا. و هذه الستة أُصول في نفسها، و ليس بعضها مشروطاً بعدم بعض، و الجاني مخيّر في بذل أيّها شاء.

____________

فحولة الإبل المسان فإن لم يكن إبل فمكان كلّ جمل عشرون من فحولة الغنم» (1) حيث إنّ ظاهرها اعتبار كونه من المسان و كونه فحلًا أي ذكراً فيتعيّن اعتبار الأمرين و ما في الصحيحة و غيرها من أنّ مع عدم الإبل يعطي مكان كلّ من الإبل الفحل- حيث إنّه ظاهر الجمل المقابل للناقة التي يطلق على الأُنثى- عشرون من فحولة الغنم لا يضرّ باعتبار الصدر فلا وجه لما قيل بأنّها تحمل على التقيّة فإنّ الحمل على التقية بالإضافة إلى ما في ذيلها من الحكم لا ينافي بالإضافة الى ما ورد في صدرها من اعتبار الأمرين فلا موجب لحملها على التقية مع وجود الجمع العرفي بينها و بين المطلقات.

نعم، ما ورد في ذيلها من التحديد بعشرين غنم فحل مع عدم الإبل معارض بما تقدّم في الروايات من أنّ اللازم ألف شاة على التخيير.

ثانيهما: أنّ ما ورد في رواية الحكم بن عتيبة من كفاية ما حال عليه الحول فمع ضعف سندها بالحكم و معارضتها بصحيحة معاوية بن وهب و غيرها و عدم العامل بها من الأصحاب لا يمكن الاعتماد عليها.

(1) قد تقدّم أنّ الدية في القتل عمداً إذا ثبتت بالمصالحة فمقدارها و كيفية أدائها تابع للتراضي بين القاتل و أولياء المقتول و إذا ثبتت أصالة كما في قتل الوالد ولده أو قهراً كما في هرب القاتل و عدم الظفر به أو ما مات فمقداره ستّة أصناف، كما‌

____________

(1) رسائل الشيعة 29: 200، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

20

..........

____________

أنّ الدية في القتل شبه الخطأ أو الخطأ المحض أيضاً ستّة أصناف، و لكنّ الاختلاف في بعض الشروط فإنّ دية العمد تستأدى في سنة واحدة و يعتبر كون المائة من الإبل المسان.

و ذكرنا أيضاً اعتبار كونها فحولة و لا يجب على القاتل إذا أراد إعطاء الدية من الإبل أن يعطي من إبله، بل له أداؤها من غير إبله بالاشتراء أو الاستيهاب و إن كان أدون من إبله أو أعلى.

و لكن يعتبر أن لا تكون مراضاً، و يقال في وجه اعتبار عدم كونها مراضاً الانصراف إلى غير المراض.

و لكنّ إطلاق الاشتراط لا يخلو عن تأمّل فإنّه لو كان المرض ممّا هو عادي في الإبل و يعدّ من العارض الذي يترقّب البرء فالانصراف غير ثابت.

نعم، إذا كان ممّا يصعب تخلّص الحيوان و حصول البرء فدعوى الانصراف غير بعيدة و مرجع تشخيص أنّ المرض من أيّ القسمين نظر أهل الخبرة من أهل الإبل.

و على الجملة، مقتضى الإطلاق في كون الدية في القتل عمداً مائة إبل عدم الفرق بين إعطائها من إبله أو غيرها و كون المعطى أدون أم لا.

ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّه هل للقاتل إلزام أولياء المقتول بأخذ القيمة للإبل أو غيرها من الأصناف أو ليس له إلّا التخيير بين الأصناف؟

و يظهر من جملة من كلمات الأصحاب أنّه إذا لم يتمكّن القاتل من دفع عين الصنف فله أن يدفع القيمة، كما هو ظاهر الماتن أيضاً حيث جعل مورد الكلام في حقّ القاتل في دفع القيمة في صورة وجود الإبل و اختار عدم حقّ له في إلزامهم فيه بقبول القيمة، و حيث إنّ الأصناف الباقية في الحكم المذكور متساوية يجري الإلزام بدفع القيمة في غير الإبل أيضاً، و لكن ظاهر ما ورد في الدية تخيير القاتل أو وليّه مع‌

21

..........

____________

موته أو فراره في الأصناف الستّة و يكون لأولياء المقتول الإلزام بدفع أحد الأصناف الستّة و دفع القيمة يحتاج إلى التراضي.

نعم، لو لم يوجد شي‌ء من الأصناف يجري التخيير للعلم بعدم سقوط الدية رأساً في القيمة لكلّ منها، و ما ورد في بعض الروايات التي أشرنا سابقاً من جعل بعض الأصناف بدلًا فقد ذكرنا أنّه لا عامل بها من الأصحاب، و ينافيه ما ورد في أصناف الدية من ظهورها في تخيير القاتل، و أنّ التنويع الوارد بحسب أصناف الدية من أصحاب الإبل و البقر و الغنم و غيره ليس تنويعاً بحسب التكليف، بل للإرشاد و إلى تسهيل أمر الدية و التوسعة في أدائها، نظير ما ورد من التنويع في المواقيت و زكاة الفطرة و غيرها فيحمل تلك الرويات على التقيّة أو تأوّل.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما ورد في الأخبار من جعل الدينار و الدرهم صنفين من الأصناف الستّة ليس من قبيل دفع القيمة لسائر الأصناف، بل كلّ منهما صنف في عرض سائر الأصناف، و ظاهر الدينار و الدرهم هو الذهب و الفضة المسكوكة منهما بسكّة رائجة و حيث إنّ ذلك منقضية في مثل زماننا، يحتاج دفع الوزن أي بالمثقال الشرعي من الذهب و كذا الوزن من الفضة المساوي 6/ 12 حمّصة منها بالتراضي و إلّا بتعيين غيرها من الأصناف.

و إن أراد القاتل التبعيض بحسب الأصناف بأن يعطي خمسين من الإبل و خمسمائة شاة مثلًا فهذا أيضاً يحتاج إلى التراضي؛ لأنّ ظاهر ما ورد في تعيين الدية، التخيير بين الأصناف لا التخيير في التبعيض بينها، و التخيير بينها لا يلازم التخيير بين أبعاضها، و التخيير بينها للقاتل أو وليّه لا لأولياء المقتول فليس لهم إلزام القاتل بصنف من الأصناف بعينه مع التمكّن من عين الأصناف و مع عدم تمكّنه بقيمة صنف خاصّ منها.

22

ودية شبيه العمد: ثلاث و ثلاثون بنت لبون، و ثلاث و ثلاثون حقّة و أربع و ثلاثون ثنيّة طروقة الفحل. و في رواية: ثلاثون بنت لبون، و ثلاثون حقّة، و أربعون خلفة و هي الحامل. و يضمن هذه الدية الجاني دون العاقلة. (1)

دية شبيه العمد

____________

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنّه اختار في دية شبه العمد أنّها أيضاً مائة إبل و لكن بالنحو التالي: ثلاث و ثلاثون بنت لبون، و ثلاث و ثلاثون حقّة، و أربع و ثلاثون ثنية طروقة الفحل، و المراد ببنت لبون الأُنثى من الناقة التي أكملت سنتين و تسمّى بنت لبون؛ لأنّ أُمّها وضعت غيرها و صارت ذات لبن، و حقّة بالكسر في الحاء ما أكمل سنتها الثالثة بحيث تقبل الحمل عليها، وثنية ما أكملت سنتها الخامسة بحيث طرقها الحمل فصارت حاملًا أو بلغت إلى ما تقبل طروق الفحل، و لكنّ الصحيح هو الثاني فإنّ الحامل هي الخلفة كما يأتي و في البين رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

دية الخطأ إذا لم يرد الرجل القتل مائة من الإبل أو عشرة آلاف من الورق أو ألف من الشاة و قال: دية المغلّظة التي تشبه العمد و ليست بعمد أفضل من دية الخطأ بأسنان الإبل: ثلاثة و ثلاثون حقّة، و ثلاثة و ثلاثون جذعة، و أربع و ثلاثون ثنية كلّها طروقة الفحل (1).

و لا يخفى أنّه لم يرد في هذه الرواية بنت لبون بل ورد حقة و جذعة وثنية و جذعة غير بنت لبون فإنّ جذعة ما يكون أكثر عمراً من حقة بسنة.

و ورد في صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة و غيرهما عن أحدهما (عليه السلام) في الدّية قال: هي مائة من الإبل، إلى أن قال: قال ابن عمير: فقلت لجميل: هل للإبل أسنان معروفة؟ قال: نعم ثلاث و ثلاثون حقّة و ثلاث و ثلاثون جذعة و أربع و ثلاثون ثنية إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 200، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

23

..........

____________

بازل عامها كلّها خلفة إلى بازل عامها، قال: و روى ذلك بعض أصحابنا عنهما (1).

و لا يبعد أن يكون بنت لبون في عبارة الماتن من غلط النسخة و كانت الأصل جذعة التي وردت في الروايتين و حيث إنّ ابن أبي عمير روى أسنان الإبل عن بعض أصحابنا عنهما (عليه السلام) و الرواية بنحو الإرسال فلا تصلح لرفع اليد عن التعيين الوارد في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطأ و شبه العمد أن يقتل بالسوط أو بالعصا أو بالحجر أنّ دية ذلك تغلّظ و هي مائة من الإبل منها أربعون خلفة من بين ثنية إلى بازل عامها، و ثلاثون حقّة و ثلاثون بنت لبون، و الخطأ يكون فيه ثلاثون حقّة و ثلاثون ابنة لبون و عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون ذكر (2). و لا يضرّ اشتمال ذيلها بما لا يعمل به للمعارضة أو الحمل على التقيّة.

و أمّا ما ورد في رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): دية الخطأ إذا لم يرد الرجل القتل مائة من الإبل أو عشرة آلاف من الورق أو ألف من الشاة، و قال: دية المغلظة التي تشبه العمد و ليست بعمد أفضل من دية الخطأ بأسنان الإبل: ثلاثة و ثلاثون حقة، و ثلاث و ثلاثون جذعة و أربع و ثلاثون ثنية كلّها طروقه الفحل (3).

فلضعفها سنداً و معارضتها بالصحيحة لا يمكن الاعتماد عليها، كما ذكرنا أنّ الأمر في مرسلة جميل أيضاً كذلك و إن قبلنا الصحيحة التي ذكر فيها الحلل حيث يروي الحلل عن بعض أصحابه بل أخبر به و قلنا إنّه يبعد أن لا يسمعها عن الإمام (عليه السلام).

و الحاصل المتعيّن هو الالتزام بأن الدية في شبه الخطأ بالإضافة إلى أسنان الإبل أربعون خلفة أي الحامل من بين ثنية إلى بازل عامها و ثلاثون حقة و ثلاثون جذعة.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 201، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 7.

(2) وسائل الشيعة 29: 199، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 29: 200، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

24

..........

____________

و أمّا ما ذكر الماتن من كون الدية في شبه الخطأ على القاتل فهو متسالم عليه بين الأصحاب و لم ينسب (1) الخلاف إلّا إلى الحلبي (2) حيث ذهب إلى أنّها على العاقلة.

و لكن لا يساعده شي‌ء من الأدلة، بل مقتضى الخطابات الشرعيّة كون الدية في الخطأ على الجاني، سواء كان قتلًا أو جناية على الطرف، كما يشهد بذلك موثّقة أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح؟ قال: إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ هذا فيه الدية في ماله فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام، و لا يبطل حقّ امرئ مسلم (3).

نعم، في صحيحة محمّد الحلبي المروية في باب (10) من العاقلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هذان متعدّيان جميعاً فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً؛ لأنّه قتله حين قتله و هو أعمى، و الأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله يؤخذ بها في ثلاث سنين (4). و ظاهرها إلحاق جناية الأعمى بالقتل خطأً و يمكن التفرقة بين كون جنايته قتلًا أو جناية على الطرف فيعمل بالاولى في الثانية و بهذه الصحيحة في الأُولى.

و صحيحة أبي بصير ليث المرادي الواردة في قتل العاقل المجنون قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلًا مجنوناً؟ فقال: إن كان المجنون أراده فدفعه عن‌

____________

(1) نسبه في كشف اللثام 2: 495 (الحجرية)، و رياض المسائل 2: 530 (الحجرية).

(2) الكافي في الفقه: 396.

(3) وسائل الشيعة 29: 89، الباب 35 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

(4) وسائل الشيعة 29: 399، الباب 10 من أبواب العاقلة، الحديث الأوّل.

25

..........

____________

نفسه فقتله فلا شي‌ء عليه من قود و لا دية و يعطي ورثته ديته من بيت مال المسلمين، قال: و إن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لا يقاد منه و أرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون و يستغفر اللّٰه و يتوب إليه (1). فإنّه مع عدم ثبوت القصاص يجري على الجناية حكم شبه العمد.

و صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل رجلًا خطأً في أشهر الحرم؟ فقال: عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قلت: إنّ هذا يدخل فيه العيد و أيّام التشريق، قال: يصومه فإنّه حقّ لزمه (2).

و هذه الصحيحة و إن تعمّ الدية في الخطأ المحض إلّا أنّه يرفع اليد عن إطلاقها بالروايات الدالّة على تحمّل العاقلة فيه الدية كالتي وردت في قتل الصبي و المجنون كصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل جناية المعتوه على عاقلته خطأً كان أو عمداً (3). و صحيحة الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عمد الصبي و خطاه واحد (4). و موثقة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه: أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة (5).

و الحاصل مقتضى استناد القتل إلى شخص تحمّله الدية، و يستفاد ذلك أيضاً من روايات اخرى كصحيحة عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل دفع رجلًا على رجل فقتله، فقال: الدية على الذي دفع على الرجل فقتله‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 71، الباب 28 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 204، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

(3) وسائل الشيعة 29: 400، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث الأوّل.

(4) وسائل الشيعة 29: 400، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2.

(5) وسائل الشيعة 29: 400، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3.

26

و قال المفيد (رحمه الله): تستأدى في سنتين (1)، فهي إذن مخفّفة عن العمد، في السن و في الاستيفاء. و لو اختلف في الحوامل، رجع إلى أهل المعرفة. و لو تبيّن الغلط، لزم الاستدراك. و لو ازلقت بعد الإِحضار قبل التسليم، لزم الإِبدال. و بعد الإقباض لا يلزم.

____________

لأولياء المقتول، قال: و يرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه قال: و إن أصاب المدفوع شي‌ء فهو على الدافع أيضاً (1). و صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره و تعقر دابّته رجلًا آخر قال: هو ضامن لما كان من شي‌ء (2). إلى غير ذلك ما لا يرفع اليد عنه إلّا بقيام الدليل على أنّ الدية على العاقلة.

(1) هذا هو المنسوب إلى المشهور حيث يقال إنّ ذلك مقتضى كون الدية في شبه العمد مخففة بالإضافة إلى دية العمد و مغلّظة بالإضافة إلى دية الخطأ المحض، و لكن لزوم كونها كذلك لم يقم عليه دليل، و مقتضى ما ورد في صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقول: تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين و تستأدى دية العمد في سنة (3).- أنّها في هذا القسم أيضاً تستأدى في ثلاث سنين حيث إنّ الخطأ في مقابل العمد يعمّ ما فيه شكّ و ما ليس فيه شكّ على ما ورد في الروايات.

و المحكي (4) عن ابن حمزة أنّ هذه الدية مع كون الجاني موسراً تستأدى في سنة كدية العمد و إلّا في سنتين.

و التقسيم الوارد في صحيحة أبي ولّاد يقطع هذه التفصيل و لا وجه آخر له.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 57، الباب 21 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 58، الباب 21 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 29: 205، الباب 4 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(4) حكاه السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل 2: 530 (الحجرية).

27

ودية الخطأ المحض (1): عشرون بنت مخاض، و عشرون ابن لبون، و ثلاثون بنت لبون، و ثلاثون حقة. و في رواية: خمس و عشرون بنت مخاض، و خمس و عشرون بنت لبون، و خمس و عشرون حقة، و خمس و عشرون جَذعة.

____________

ثمّ لا يخفى أنّه بناءً على اعتبار كون الأربعين من الإبل حوامل يعتبر أن يكون حين الدفع كذلك و يعلم كونها كذلك بالرجوع إلى أهل المعرفة للإبل و إن ظهر و لو بعد قبض أولياء المقتول أنّها أو بعضها لم تكن حوامل يتدارك لبقاء الحقّ و عدم أدائه و إذا ازلقت بعد الاحضار و قبل القبض بأن أسقطت حملها فلا يكون إعطاؤها من الدية إلّا بالمراضاة و إن لم يرضَ أولياء المقتول لزم الاستبدال لأنّهم لم يقبضوا الحقّ، بخلاف ما أسقطته بعد القبض فإنّ المعتبر في الدية كونها حوامل عند القبض لا الولادة بعد القبض كما لا يخفى.

دية الخطأ المحض

(1) المنسوب إلى المشهور أنّ الدية في الخطأ المحض عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون و ثلاثون بنت لبون و ثلاثون حقة كما يشهد لذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدّمة حيث ورد فيها بعد بيان دية شبه العمد و الخطأ يكون فيه ثلاثون حقّة و ثلاثون ابنة لبون و عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون ذكر (1). و قد بيّنا اشتمال ذيلها لما لم يعمل به لا يوجب خللًا في الحكم في سائر فقراتها.

و لكن في رواية العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و الخطأ مائة من الإبل أو ألف من الغنم أو عشرة آلاف درهم أو ألف دينار و إن كانت من الإبل فخمس و عشرون بنت مخاض و خمس و عشرون بنت لبون و خمس و عشرون حقّة و خمس و عشرون جذعة» (2) و ظاهرها تحديد دية الخطأ المحض في أسنان الإبل بما ذكر،

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 199، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 198، الباب الأوّل من أبواب ديات النفس، الحديث 13.

28

..........

____________

بقرينة التعرّض لدية شبه العمد بعد ذلك حيث ورد بعد ذلك: و الدية المغلظة في الخطاء الذي يشبه العمد الذي يضرب بالحجر و العصا الضربة و الاثنتين فلا يريد قتله فهي أثلاث: ثلاث و ثلاثون حقة ... الحديث.

و لكن الرواية لضعفها سنداً لوقوع محمّد بن سنان الراوي عن العلاء بن الفضيل، لا يمكن الاعتماد عليها بأن يقال الدية في الخطاء المحض على التخيير بالعمل بما ورد فيها أو ما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان بالالتزام بأنّ الدية على التخيير واقعاً، و لا مجال لدعوى الشهرة؛ لأنّه لم يظهر العمل بها من جمع فضلًا عن المشهور.

نعم، حكي (1) ذلك عن ابن حمزة.

و مثل رواية العلاء بن الفضيل مرسلة العياشي في تفسيره عن عبد الرحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2).

قال الشيخ (قدس سره) في المبسوط و ابن إدريس في السرائر: إنّ دية الخطاء من الإبل عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون و عشرون بنت لبون و عشرون حقة و عشرون جذعة (3)، و لكن لم يوجد فيما وصل إلينا من الأخبار ما يدلّ على ذلك، و أيضاً ورد في ذيل صحيحة جميل، عن محمّد بن مسلم و زرارة و غيرهما و زاد علي بن حديد في حديثه أنّ ذلك في الخطاء قال: قيل لجميل: فإن قبل أصحاب العمد الدية كم لهم؟ قال: مائة من الإبل إلّا أن يصطلحوا على مال أو ما شاءوا غير ذلك (4). و قد ذكرنا أنّ ما رواه ابن أبي عمير عن جميل في أسنان الإبل غير معتبر؛ لأنّه رواه عن بعض‌

____________

(1) حكاه السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل 2: 530 (الحجرية).

(2) تفسير العياشي 1: 265، الحديث 227.

(3) المبسوط 7: 115، السرائر 3: 322.

(4) وسائل الشيعة 29: 201، الباب 2 من أبواب ديات النفس، الحديث 7.

29

و تُستأدى في ثلاث سنين، سواء كانت الدية تامّة أو ناقصة أو دية طرف. (1)

____________

أصحابنا فيكون بنحو الإرسال و رواية علي بن حديد غير معتبر في تفسيره أنّ ذلك في الخطاء فلا يرفع اليد عمّا تقدّم في صحيحة عبد اللّه بن سنان.

(1) قد تقدّم أنّه لا فرق بين دية شبه العمد و الخطاء المحض في أنّها تؤدى في ثلاث سنين، بمعنى أنّ الدية تعطى أثلاثاً كلّ ثلث منها في سنة بلا فرق بين دية الخطاء شبه العمد أو الخطاء المحض فإنّها ظاهر ما ورد في صحيحة أبي ولّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقول: «تستأدى دية الخطاء في ثلاث سنين، و تستأدى دية العمد في سنة» (1) و ظاهر الاستيداء في ثلاث سنين من غير تقييد هو التقسيط أثلاثاً بحيث يؤدّى ثلثه في السنة الاولى و ثلثه الآخر في الثانية و الثلث الأخير في الثالثة.

و يدلّ على ذلك أيضاً صحيحة محمّد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): هذان متعدّيان جميعاً فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً؛ لأنّه قتله حين قتله و هو أعمى، و الأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً فإن لم يكن للأعمى عاقلة لزمته دية ما جنى في ماله يؤخذ بها في ثلاث سنين و يرجع الأعمى على ورثة ضاربه بدية عينيه (2). فإنّ ظاهرها أنّ دية الخطأ على عاقلة الجاني تؤدّى في ثلاث سنين، و إذا لم يكن للجاني عاقلة فهي في ماله، و هذه الصحيحة و إن لا تعمّ دية غير النفس إلّا أنّ صحيحة ولّاد عامّة تعمّ دية النفس ودية الطرف سواء كانت تامّة أو ناقصة كدية المرأة، و سواء كانت مقدّرة أو غير مقدّرة فإنّ الدية شاملة للأرش أيضاً على ما تقدّم سابقاً.

و دعوى اختصاصها بدية النفس كما هو المحكي عن بعض كتبه لا وجه لها كما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 205، الباب 4 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 399، الباب 10 من أبواب العاقلة، الحديث الأوّل.

30

فهي مخفّفة في السن و الصفة و الاستيفاء. و هي على العاقلة، لا يضمن الجاني منها شيئاً. (1)

____________

أنّ دعوى الاختصاص بالدية المقدّرة سواء كانت دية النفس أو دية الطرف كذلك، كما يجد ذلك موارد إطلاقاتها في الأخبار.

و يستفاد من صحيحة محمّد الحلبي و غيرها أنّه إذا لم يكن في مورد الجناية خطأً عاقلة للجاني تؤخذ الدية من مال الجاني.

و يلحق بذلك ما إذا لم تكن عاقلته متمكّناً من أدائها على ما يأتي في باب العاقلة.

ثمّ إنّه لو بنى على أنّ دية الطرف و الجروح المقدّرة منه و غير المقدّرة داخلة في مدلول صحيحة أبي ولّاد و يكون مقتضاها تقسيط المقدّرة و الأرش مطلقاً بثلاثة أنجم سواء كان مساوياً لدية النفس أو زائداً عليها أو ناقصاً منها.

و القول بأنّها لو كانت بمقدار ثلث دية النفس تؤدى في السنة الأُولى، و إن كانت زائدة عليها و بمقدار الثلثين أو دونهما يؤدّى مقدار الثلث في السنة الأُولى و الزائدة في السنة الثانية، و لو كانت زائدة على الثلثين يؤدّى الزائد عنهما في السنة الثالثة.

لا يمكن المساعدة عليه بل مقتضى ظاهر صحيحة أبي ولّاد بإطلاقها هو التقسيط على ثلاثة أنجم في جميع الصور.

(1) قد تقدّم أنّ دية الخطأ المحض مخفّفة من حيث السنّ حيث يكفي فيها عشرون بنت مخاض أي الفصيل الانثى التي أكملت سنتها الأُولى بحيث تقبل أُمّها الحمل و إن لم تكن حاملًا و ليس فيها اعتبار الخلفة أي الحاملة و هذا من التخفيف في السّن و الوصف، و أمّا كونها مخفّفة من حيث الاستيفاء فقد تقدّم أنّه لا فرق بين دية الخطاء المحض ودية شبه العمد في أنّهما تستأديان في ثلاث سنين كما تقدّم أنّ كون دية الخطاء المحض على العاقلة أمر متسالم عليه بين الأصحاب بل عند المخالفين‌

31

و لو قتل في الشهر الحرم، أُلزم ديةً و ثلثاً، من أيّ الأجناس كان، تغليظاً. (1)

-

____________

أيضاً إلّا المحكي (1) عن الأصم.

نعم، المحكي (2) عن المفيد و سلّار ضمان الجاني الدية بحيث ترجع العاقلة إليه و لا نعرف لذلك وجهاً إلّا بعض الإطلاق ممّا لا بدّ من رفع اليد عنه.

نعم، لو لم يكن للجاني عاقلة أو كانوا فقراء فالدية على الجاني في ماله كما ورد في جناية الأعمى و يأتي الكلام فيه في بحث العاقلة.

القتل في الأشهر الحرم

(1) قد تقدّم تقدير الدية في الأجناس الستّة و التقدير المذكور غير مراد إذا كان الجاني قتل في أشهر الحرم و هي رجب وذي القعدة الحرام وذي الحجّة و المحرم فإنّ الدية من أيّ الأجناس كانت، فيها تغليظ إذا وقع القتل في هذه الأشهر.

و لا فرق في ذلك بين ما كان القتل عمداً أو خطأً شبه العمد أو الخطأ المحض و لعلّ كلّ ذلك ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب.

و يدلّ عليه معتبرة كليب الأسدي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقتل في الشهر الحرام ما ديته؟ قال: «دية و ثلث» (3) و المناقشة في السند بأنّه لم يثبت توثيق لكليب لا مجال لها، فإنّه من المعاريف الذي لم يذكر فيه قدح سوى القول بأنّه واقفي مع أنّه روى الكليني (قدس سره) عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (4) ما يدلّ على حسن حاله، و مقتضى المعتبرة عدم الفرق في‌

____________

(1) حكاه ابن إدريس في السرائر 3: 334، و النووي في المجموع 19: 143.

(2) حكاه السيد الخوئي في مباني تكملة المنهاج 2: 197.

(3) وسائل الشيعة 29: 203، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(4) الكافي 1: 390-/ 391، الحديث 3.

32

و هل يلزم مثل ذلك في حرم مكّة؟ (1) قال الشيخان: نعم، و لا يعرف التغليظ في الأطراف.

____________

التغليظ بين كون القتل عمداً أو خطأً.

و في الصحيح المروي في الفقيه باسناده عن أبان، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «عليه دية و ثلث» حيث روى في الفقيه قبل هذا الحديث عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل رجلًا خطأً في أشهر الحرم؟ قال: عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قلت: إنّ هذا يدخل فيه العيد و أيّام التشريق؟ فقال: يصومه فإنّه حقّ لزمه، ثمّ قال و في رواية أبان عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عليه دية و ثلث (1).

(1) المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً أنّه يلحق القتل في حرم مكّة بالقتل في أشهر الحرم في التغليظ، و لكن يظهر من الماتن و جماعة أُخرى التوقّف في الإلحاق.

و يستدلّ على الإلحاق بصحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل قتل في الحرم؟ قال: عليه دية و ثلث و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قال: قلت: هذا يدخل فيه العيد و أيّام التشريق؟ فقال: يصومه فإنّه حقّ لزمه (2).

و بما رواه الكليني (قدس سره) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن تغلب، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل قتل رجلًا في الحرم؟ قال:

عليه دية و ثلث و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم و يعتق رقبة و يطعم ستين مسكيناً، قال: قلت: يدخل في هذا شي‌ء؟ قال: و ما يدخل؟ قلت: العيدان و أيام التشريق، قال: يصوم فإنّه حقّ لزمه (3).

____________

(1) الفقيه 4: 110، الحديث 5212-/ 5213.

(2) وسائل الشيعة 29: 204، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 3.

(3) الكافي 4: 140، الحديث 9.

33

..........

____________

و لكنّ في الاستدلال بهما على الإلحاق تأمّلًا فإنّ صحيحة زرارة يحتمل أن يكون الوارد في السؤال الحرم و هو جمع الحرام أي قتل في أشهر الحرم لا الحرم أي حرم مكّة، و يؤيّد كونه جمعاً ما ورد في ذيلها هذا: «يدخل فيه العيد و أيّام التشريق» و كذلك الحال فيما رواه الكليني مع أنّ في السند أيضاً على رواية الكليني (قدس سره) و كذا في دلالته إشكالًا فإنّ ابن أبي عمير يروي عن أبان بن تغلب و ابن أبي عمير لم يلاقِه، فإنّ أبان بن تغلب توفي في زمان الصادق (عليه السلام) و ابن أبي عمير لم يدرك الصادق (عليه السلام) أصلًا، إلّا أن يلتزم بالسهو في النسخة بأن يكون الأصل بن أبي عمير عن أبان بن عثمان أو أبان و فسّر سهواً بأبان بن تغلب، و يؤيده أنّ الراوي عن زرارة في سائر الروايات هو أبان بن عثمان.

و أمّا المتن ففيه أيضاً أنّه لا يدخل في صوم شهري العيدين اللهم إلّا أن يقال المراد لزوم محذور صوم يوم العيدين المعلوم المعروف عند المتشرعة حيث إنّ المحذور في صوم كلّ منهما ثابت عندهم فيلزم في الفرض صوم يوم الأضحى و صومه من صوم يوم العيدين.

و على الجملة، إلحاق حرم مكّة بأشهر الحرم في الحكم مشكل، و كون حرمة الحرم و مكّة أقوى من حرمة أشهر الحرم لا يكون دليلًا على الإلحاق حيث لا يعلم أنّ مجرد حرمة أشهر الحرم تمام ملاك الحكم كما ذكرنا ذلك في نظائر المقام؛ و لذا يجري التغليظ في أشهر الحرم حتّى فيما إذا كان القتل بنحو الخطاء المحض، و إذا كان جريان التغليظ في القتل في الحرم مشكلًا يكون التعدّي إلى سائر المحترمات كالقتل في حرم النبي (صلى الله عليه و آله) و سائر الأئمة أشكل.

ثمّ إنّ التغليظ في الدية في القتل في أشهر الحرم لا يختصّ بما إذا كان القاتل أو المقتول مسلماً، بل يجري حتّى فيما كان المقتول كافراً كما هو مقتضى الروايات‌

34

..........

____________

و دعوى أنّ تعقيب التغليظ بالتكفير يكون قرينة على الاختصاص بناءً على عدم ثبوت التكفير فيما إذا كان القاتل أو المقتول كافراً كما ترى.

نعم، الموضوع للتغليظ في الدية في الروايات القتل و لا موجب للالتزام بالتغليظ في الجناية على الأطرف فالالتزام به في الجروح لا وجه له، بل مقتضى ما ورد في دية الأطراف و الجروح عدم الفرق بين وقوع الجناية في أشهر الحرم أو غيرها، و من هنا لم يحرز الالتزام به فيها من أحد من أصحابنا.

بقي في المقام ما ورد في الروايات المتقدّمة من أمر الكفّارة فإنّ الكفّارة في قتل العمد هي كفّارة الجمع، بلا فرق بين القتل في أشهر الحرم أو غيرها، و لكن إذا وقع القتل في أشهرها فالواجب على الجاني الصيام في نفس أشهر الحرم كما ورد في صحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام): «إذا قتل الرجل في شهر حرام صام شهرين متتابعين من أشهر الحرام» (1) حيث إنّ ظاهرها تعيّن كون الصيام في أشهر الحرم و في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان و ابن بكير جميعاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً إلى أن قال: فقال: «إن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستّين مسكيناً توبة إلى اللّٰه عزّ و جلّ» (2) و نحوها غيرها.

و أمّا إذا كان القتل خطأً فالمشهور أنّ الكفّارة مرتّبة كما يقتضيه إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): كفّارة الدّم إذا قتل الرجل مؤمناً متعمّداً- إلى أن قال-: و إذا قتل خطأً أدّى ديته إلى أوليائه ثمّ أعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستّين مسكيناً مدّاً مدّاً، و كذلك إذا وهبت له‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 203-/ 204، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 29: 30، الباب 9 من أبواب قصاص في النفس، الحديث الأوّل.

35

..........

____________

دية المقتول فالكفارة عليه فيما بينه و بين ربّه لازمة (1). و صحيحة أبي المغراء، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يقتل العبد خطأً، قال: عليه عتق رقبة، و صيام شهرين متتابعين، و صدقة على ستّين مسكيناً، قال: فإن لم يقدر على الرقبة كان عليه الصيام فإن لم يستطع الصيام فعليه الصدقة (2). فإنّ مقتضى الإطلاق في الروايات عدم الفرق في الكفّارة بين القتل في أشهر الحرم و غيره؛ و لذا لم يلتزم أحد من الأصحاب بالتغليظ.

نعم، ذكر بعض الأصحاب أنّ المتعيّن في القتل خطأً صوم شهرين من أشهر الحرم إذا وقع القتل في أشهرها و أنّه لا ترتيب في الخصال في هذه الصورة، و في كفّارة قتل العمد و إن يجب الجمع بين الخصال إلّا أنّه لا بدّ مع وقوع القتل في أشهر الحرم من الصوم في أشهر الحرم؛ و ذلك لما ورد في صحيحة زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إذا قتل الرجل في شهر حرام صام شهرين متتابعين من أشهر الحرم» (3) و ظاهرها تعيّن الصوم في أشهر الحرم إذا كان القتل فيه عمداً أو خطأً.

و إطلاق هذه الصحيحة و إن ينفي وجوب عتق الرقبة و الإطعام إلّا أنّه يرفع عن هذا الإطلاق بما دلّ على وجوب كفّارة الجمع في القتل عمداً.

و أمّا بالإضافة إلى القتل خطأً فيؤخذ بها و بالأُخرى من أنّ الكفّارة خصوص صيام شهرين من أشهر الحرم إذا وقع القتل خطأً فيها و هي صحيحة زرارة قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل قتل رجلًا خطأً في أشهر الحرم؟ فقال: عليه الدية وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم، قلت: إنّ هذا يدخل فيه العيد و أيّام التشريق، قال:

____________

(1) وسائل الشيعة 22: 374، الباب 10 من أبواب الكفّارات، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 34، الباب 10 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.

(3) وسائل الشيعة 29: 203-/ 204، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

36

..........

____________

يصومه فإنّه حقّ لزمه (1). فيكون الترتّب في الخصال مختصّاً بالقتل خطأً إذا وقع القتل في غيرها، و لكن يمكن أن يقال بحمل الصحيحة على أنّ صوم شهرين في كفّارة القتل لا بدّ من أن يقع في أشهر الحرم إذا وقع القتل فيها، و أمّا أنّ هذه الكفّارة بنحو المتعيّن أو بنحو الترتّب فيؤخذ في الخطاء بما دلّ على الترتّب.

نعم، بما أنّ عتق العبد غير ميسور في مثل زماننا يتعيّن الصوم فإن وقع القتل في أشهر الحرم فالواجب صيام شهرين من أشهر الحرم؛ و لذا لا أظن أن يلتزم القائل بسقوط الكفّارة عن القاتل خطأً إذا لم يتمكّن من صيام شهرين بأن لا يجب عليه حتّى إطعام ستّين مسكيناً.

و ما ذكر (قدس سره) من أنّه يرفع عن إطلاقها في القتل عمداً بما دلّ على وجوب الجمع في القتل عمداً ففيه أنّ النسبة بينهما العموم من وجه لاختصاص الصحيحة بالقتل في أشهر الحجّ، كان عمداً أو خطأً، و اختصاص ما دلّ على كفّارة الجمع بالقتل عمداً و عمومها بالإضافة إلى القتل في أشهر الحجّ أو غيرها هذا مع قطع النظر عمّا ذكرنا من الجمع.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق في وجوب الكفّارة على الجاني في القتل خطأً بين شبه العمد و الخطاء المحض و إن كان أداء الدية على الجاني يوجب ظهورها في خصوص القتل بنحو شبه العمد إلّا أنّ هذا لا ينافي ظهور ما لا يشتمل عليه في القتل مطلقاً كالصحيحة الأُولى مع أنّه يمكن الالتزام بأنّ في القتل خطاء محض الدية على الجاني، و أداءها على العاقلة تكليف محض يتعيّن الرجوع بها على الجاني إذا لم يمكن استيفاؤها من العاقلة لفقدها أو فقرها، و يأتي الكلام في ذلك في بحث العاقلة.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 204، الباب 3 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

37

[فرع]

فرع: لو رمى في الحلّ إلى الحرم فقتل فيه، لزم التغليظ. و هل يغلظ مع العكس؟ فيه تردّد و لا يُقتص من الملتجئ إلى الحرم فيه و يُضيّق عليه في المطعم و المشرب حتّى يخرج. و لو جنى في الحرم، اقتص منه لانتهاكه الحرمة. و هل يلزم مثل ذلك في مشاهد الأئمة (عليهم السلام)؟ قال: به في النهاية. (1)

____________

ثمّ إنّ ما ورد في الروايات من لزوم الصوم يوم العيد إنّما هو فيما إذا وقع القتل في أثناء ذي القعدة، و أمّا إذا وقع في رجب أو في الليلة الأُولى من ذي القعدة فيمكن له صوم ذي القعدة بتمامه و يوماً من ذي الحجة ثمّ يصوم البقيّة في الشهور الآتية؛ لأنّ صوم شهرين متتابعين يتحقّق بصيام شهر و يوم آخر على ما ورد من الرواية الدالّة عليه الحاكمة على ما دلّ على وجوب شهرين متتابعين في كلّ مورد كموثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أ يفرق بين الأيّام؟ فقال: «إذا صام أكثر من شهر فوصله ثمّ عرض له أمر فأفطر فلا بأس فإن كان أقلّ من شهر أو شهراً فعليه أن يعيد الصيام» (1).

و لكن لا يبعد أن يقال لا بأس بإتمام الشهرين من الأشهر الحرم و لو بالصوم يوم العيد أخذاً بإطلاق الروايات في القتل في أشهر الحرم.

فرع: لو رمى في الحلّ إلى الحرم فقتل فيه

(1) قد تقدّم أنّ التغليظ في الدية يختص بالقتل في أشهر الحرم، و أمّا القتل في الحرم فلا دليل على التغليظ فيه حتّى يجري البحث في الفرض من جهة تغليظ الدية.

نعم، لو تمّ الدليل على التغليظ في صورة القتل في الحرم فلا يبعد التفصيل بين ما إذا رمى من الحلّ فأصاب المقتول في الحرم فقتله؛ لأنّ ظرف القتل هو الحرم بخلاف العكس فإنّ ظرف القتل و هو زهوق روح المقتول خارجه و إصابة الجرح‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 372، الباب 3 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 5.

38

..........

____________

الموجب له في خارجه فلا يلحق عليه التغليظ.

و أمّا ما ذكره (قدس سره) من أنّه لا يقتصّ من الملتجئ إلى الحرم في الحرم بل يضيّق عليه في المطعم و المشرب حتّى يخرج من الحرم و يقتصّ منه في خارجه فلا خلاف فيه بين الأصحاب، و الظاهر عدم الفرق بين كون جنايته هو القتل أو غيره كما هو مقتضى الروايات الواردة، بل مقتضاها عدم الفرق بين الجناية الموجبة للقصاص و بين موجب الحدّ، كما لا خلاف في أنّه إذا كانت جنايته في الحرم يجوز الاقتصاص و إجراء الحدّ عليه فيه؛ لأنّه لم يرَ للحرم حرمة.

و يشهد لذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قتل رجلًا في الحلّ ثمّ دخل الحرم؟ فقال: لا يقتل و لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يؤذى حتّى يخرج من الحرم فيقام عليه الحدّ، قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال: يقام عليه الحدّ في الحرم صاغراً؛ لأنّه لم يرَ للحرم حرمة و قد قال اللّٰه عزّ و جلّ «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» فقال: هذا هو في الحرم، و قال «فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ» (1).

و صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» قال: إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثمّ فرّ إلى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم و لكن يمنع من السوق و لا يبايع و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلّم فإنّه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ و إذا جنى في الحرم جناية أُقيم عليه الحدّ في الحرم؛ لأنّه لم يرعَ للحرم حرمة (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 13: 225، الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث الأوّل. و الآيتان 94 و 93 في سورة البقرة.

(2) وسائل الشيعة 13: 226، الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث 2.

39

ودية المرأة على النصف من جميع الأجناس. (1)

____________

و صحيحة حفص بن البختري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجني الجناية في غير الحرم ثمّ يلجأ إلى الحرم أ يقام عليه الحد؟ قال: لا، و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلّم و لا يبايع فإنّه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيقام عليه الحدّ و إذا جنى في الحرم جناية اقيم عليه الحدّ في الحرم؛ لأنّه لم يرَ للحرم حرمة (1). إلى غير ذلك.

ثمّ تعرّض (قدس سره) بأنّه هل يجري ذلك فيمن التجأ إلى حرم النبي (صلى الله عليه و آله) أو حرم أحد المعصومين (عليه السلام) اقتصر حكاية الجريان عن الشيخ في النهاية (2). و يستدلّ على الجريان بأنّ حرم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و مشاهد الأئمة أشرف و أولى حرمة من الحرم في مقابل الحلّ، بل ذكر في التحرير أنّ المراد من المشهد البلد لا خصوص الروضة المنورة و الصحن الشريف (3) و الحاصل أنّه إذا ثبت الحكم في الحرم في مقابل الحلّ ثبت فيما ذكر؛ لأنّه أكثر و أولى حرمة.

أقول: كون مشاهدهم (عليهم السلام) فضلًا عن حرم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أولى حرمة من الحرم المقابل للحلّ و إن كان ممّا لا ريب فيه إلّا أنّ كون تمام ملاك الحكم الوارد في تلك الروايات مجرّد حرمة الحرم و لا دخل فيه غيره من غير ورود خطاب شرعي في غير الحرم، غير ظاهر، و اللّٰه العالم.

و لا يخفى أنّ المناسب لذكر هذا الحكم، شرائط القصاص أو باب أحكام الحرم لا الديات و لم يظهر وجه لمناسبة ذكر الماتن إيّاه في المقام.

دية المرأة

(1) بلا خلاف من أصحابنا بل من المخالفين أيضاً إلّا ما عن ابن علية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13: 227، الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث 5.

(2) النهاية: 702.

(3) استظهره في الجواهر 43: 32. و لم نعثر عليه في التحرير.

40

..........

____________

و الأصم (1) حيث إنّهما قالا: ديتها كدية الرجل.

و يدلّ على التنصيف في دية النفس بلا فرق بين الكبيرة و الصغيرة و العاقلة و المجنون و سليمة الأعضاء و غيرها و المؤمنة و غيرها من الفرق المسلمين غير واحد من الروايات كصحيحة عبد اللّه بن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث ورد فيها: دية المرأة نصف دية الرجل (2). و صحيحة عبد اللّٰه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في رجل قتل امرأته متعمداً فقال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه و يؤدّوا إلى أهله نصف الدية و إن شاءوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم» (3).

و في صحيحة الحلبي و أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل قتل امرأة خطأً و هي على رأس الولد تمخض، قال: «عليه الدية خمسة آلاف درهم، و عليه للذي في بطنها غرة وصيف أو وصيفة أو أربعون ديناراً» (4).

و صحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يقتل المرأة، قال:

«إن شاء أولياؤها قتلوه و غرموا خمسة آلاف درهم لأولياء المقتول، و إن شاءوا أخذوا خمسة آلاف درهم من القاتل» (5) و إلى غير ذلك و مقتضى الإطلاق في مثل صحيحة عبد اللّه بن مسكان عدم الفرق بين أجناس الدية، و ما ورد من خمسة آلاف درهم مثل ما ورد في بعض الروايات دية الرجل عشرة آلاف درهم ناظر إلى صورة تأديتها من الدرهم و إلّا فلا خصوصية للدرهم إلّا ما ورد في بعض الروايات من سهولة أدائها منه لوفور الدرهم بالإضافة إلى أهل الأمصار.

____________

(1) حكاه عنهما الشيخ في الخلاف 5: 254، المسألة 63. و النووي في المجموع 19: 54.

(2) وسائل الشيعة 29: 205، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 29: 205، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

(4) وسائل الشيعة 29: 206، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث 3.

(5) وسائل الشيعة 29: 206، الباب 5 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

41

ودية ولد الزنا إذا أظهر الإِسلام دية المسلم (1)، و قيل: دية الذمي، و في مستند ذلك ضعف.

____________

كما أنّ مقتضى الإطلاق فيها عدم الفرق بين كون الدية دية النفس أو دية الجراحات و الأطراف فإنّها في ذلك كلّه في المرأة نصف دية الرجل.

نعم، تساوي فيهما دية المرأة دية الرجل إلى الثلث و إذا بلغت رجعت ديتها إلى النصف كما يدلّ عليه الروايات.

منها صحيحة أبان بن تغلب المستفاد منها عدم الفرق بين دية الرجل و المرأة في أجناس الدية أيضاً قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل، قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون، قلت:

قطع ثلاثاً؟ قال: ثلاثون، قلت: قطع أربعاً؟ قال: عشرون، قلت: سبحان اللّٰه يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون و يقطع أربعاً يكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله و نقول: الذي جاء به شيطان، فقال: مهلًا يا أبان هذا حكم رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس و السنّة إذا قيست محق الدين (1). و موثّقة سماعة قال: سألته عن جراحة النساء، فقال: «الرجال و النساء في الدية سواء حتّى تبلغ الثلث، فإذا جازت الثلث فإنّها مثل نصف دية الرجل» (2) إلى غير ذلك.

دية ولد الزنا

(1) ظاهر كلام الماتن أنّ ولد الزنا إذا أظهر الإسلام فديته دية المسلم و مع عدم الإظهار لم تثبت له دية.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 352، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 352، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 2.

42

..........

____________

نعم، قيل و القائل السيد المرتضى (1) و الصدوق (2) ((قدس سره)ما) إنّ دية ولد الزنا دية الذمّي أي ثمانمائة درهم إذا كان ذكراً و إن كان أُنثى فأربعمائة درهم بلا فرق بين إظهاره الإسلام و عدمه.

و ما ذكره (قدس سره) من ثبوت دية المسلم إذا أظهر الإسلام هو ممّا لم يوجد فيه مخالف ممّن تأخر عن المصنف كما في الجواهر (3)، بل هو المنسوب إلى المشهور قديماً و حديثاً.

نعم، المحكي عن حواشي الشهيد أنّه إذا لم يظهر الإسلام فديته دية الذمّي (4).

و المتحصّل أنّ في دية ولد الزنا ثلاثة أقوال:

الأوّل: ثبوت دية المسلم إذا أظهر الإسلام و إلّا فلا دية له.

الثاني: أنّه إذا أظهر الإسلام أو لم يظهر فديته دية الذمّي.

الثالث: التفصيل بين إظهاره الإسلام تكون ديته دية المسلم و إلّا يكون ديته دية الذمّي.

و لا يخفى أنّ ما ورد في دية النفس ودية الأطراف يعمّ المولود للمسلم و لو كان زانياً و الخارج عنه الكافر سواء كان ذمياً أو غيره، و يعلم بخروج الكافر ما ورد في دية الذمّي بأنّه ثمانمائة درهم كما يأتي، و إذا كان الذمّي خارجاً يخرج غيره يعني الكافر الحربي قطعاً و لم يثبت فيه حتّى دية الذمّي.

و على الجملة، فالمولود من المسلم الزاني بل من الزانيين المسلم و المسلمة‌

____________

(1) رسائل المرتضى 1: 254.

(2) من لا يحضره الفقيه 4: 153، الحديث 5340.

(3) جواهر الكلام 43: 33.

(4) انظر جواهر الكلام 43: 34.

43

..........

____________

داخل فيما دلّ على كون دية النفس من الأجناس، بل الولد المفروض محكوم بالإسلام كما يظهر ذلك ممّا ورد في جواز أكل ذبيحة ولد الزّنا.

و في صحيحة صفوان بن يحيى، قال: سأل المرزبان أبا الحسن (عليه السلام) عن ذبيحة ولد الزنا قد عرفناه بذلك؟ قال: «لا بأس به» (1) الحديث و لو كان محكوماً بالكفر حتّى فيما أظهر الإسلام لم يجز أكل ذبيحته لاشتراط إسلام الذابح.

و ممّا ذكرنا من الأقوال في المسألة و غيره يعلم أنّه لا اعتبار بكلام محكي (2) عن المرتضى (قدس سره) حيث قال بعد ذكر مختاره و الحجة على ذلك بعد الإجماع المتردّد أنّا قد بيّنا أنّ مذهب الطائفة أنّ ولد الزنا لا يكون قطّ طاهراً و لا مؤمناً بإيثاره و اختياره و إن أظهر الإيمان و هم على ذلك قاطعون و به عاملون فإذا كانت هذه صورته عندهم فيجب أن تكون ديته دية الكفّار من أهل الذمّة للحوقه في الباطن بهم (3).

ثمّ تعرّض (قدس سره) للإشكال بأنّه إذا لم يخرج ولد الزنا إلى الإسلام فكيف يكون مكلّفاً و أجاب عنه بما يعدّ فراراً عن الجواب (4).

أقول: العمدة في الحكم بكفر ولد الزنا ما ورد من النهي عن الاغتسال من ماء بالوعة الحمام معلّلًا بأنّه يسيل فيه ما يغتسل به ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت (5)، و في بعضها أنّ ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء (6).

و لكنّ لا يخفى أنّ النهي عن الاغتسال كما ذكرنا في بحث الطهارة ليس للإرشاد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 24: 47، الباب 25 من أبواب الذبائح، الحديث الأوّل.

(2) حكاه في كشف اللثام 2: 496 (الحجرية).

(3) الانتصار: 544، المسألة 305.

(4) المصدر السابق.

(5) وسائل الشيعة 1: 218، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث الأوّل.

(6) وسائل الشيعة 1: 219، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحديث 4.

44

..........

____________

إلى تنجس الماء، بل للردع عمّا كان الناس بزعم أنّ الاغتسال ببالوعة الحمام استشفاء و الإمام (عليه السلام) كان بصدد الردع و أنّه كيف يكون في الاغتسال به أو فيه شفاء مع أنّ فيه غسالة ولد الزنا و الجنب و الناصبي و إلّا لم يكن لذكر الجنب وجه، و المراد من عدم طهارة ولد الزنا، الطهارة من شؤمة الزنا، لا الطهارة الخبثية كما يظهر ذلك من ملاحظة تلك الأخبار.

و الحاصل أنّ ولد الزنا لا يدخل في عنوان الكافر الذمّي لا فيما أظهر الإسلام و لا فيما لم يظهره، بل إذا كان ولد الزنا بزنا المسلم أو المسلمة فهو مسلم أظهر الإسلام أو لم يظهره كسائر أطفال المسلمين.

نعم، ورد في بعض الروايات أنّ ديته دية الذمّي كخبر إبراهيم بن عبد الحميد، عن جعفر (عليه السلام) قال: قال: «دية ولد الزنا دية الذمي ثمانمائة درهم» (1) و في مرسلة عبد الرحمن بن عبد الحميد، عن بعض مواليه، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): دية ولد الزنا دية اليهودي ثمانمائة درهم» (2) و مثلها مرسلة جعفر بن بشير (3)؛ و لضعفهما سنداً الأوّل بعبد الرحمن بن حمّاد و غيره بالإرسال و غيره مع عمل المشهور بها غير قابل الاعتماد عليها.

ثمّ إنّه قد ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن دية ولد الزنا، قال «يعطي الذي أنفق عليه ما أنفق» (4) و هذه بظاهرها لم يعهد من الأصحاب العمل به و احتمل حملها على صورة عدم إظهاره الإسلام.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 223، الباب 15 من أبواب ديات النفس، الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة 29: 222، الباب 15 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 29: 222، الباب 15 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

(4) وسائل الشيعة 29: 223، الباب 15 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

45

ودية الذمّي: ثمان مائة درهم، يهوديّاً كان أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً. ودية نسائهم على النصف. و في بعض الروايات: دية اليهودي و النصراني و المجوسي دية المسلم. و في بعضها دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم و الشيخ (رحمه الله) نزّلهما على من يعتاد قتلهم، فيغلّظ الإِمام الدية بما يراه من ذلك حسماً للجرأة. (1)

____________

و لكن لا يبعد حملها على الزنا من طرفي الرجل و المرأة و حيث إنّ الدية للنفس كما هو ظاهرها انقطاع الإرث من الطرفين و عدم ضمان الجريرة و الولاء تصل إلى الإمام (عليه السلام) فله أن يعفو الجاني عن الدية في غير مقدار ما أنفق عليه المنفق عليه و أمره بإعطاء ذلك المقدار للمنفق عليه، و اللّٰه العالم.

دية الذمّي

(1) المعروف بين أصحابنا أنّ دية الذمّي سواء كان يهوديّاً أو نصرانيّاً أو مجوسيّاً ثمانمائة درهم كما يشهد لذلك عدّة من الروايات كصحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إبراهيم يزعم أنّ دية اليهودي و النصراني و المجوسي سواء؟ فقال: «نعم، قال الحق» (1) و صحيحة يونس عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية اليهودي و النصراني و المجوسي ثمانمائة درهم» (2) و موثقة ليث المرادي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن دية النصراني و اليهودي و المجوسي، فقال: «ديتهم جميعاً سواء، ثمانمائة درهم» (3) و معتبرة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «دية الذمي ثمانمائة درهم» (4).

و موثّقة سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: بعث رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 217، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 217، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 29: 218، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 5.

(4) وسائل الشيعة 29: 108، الباب 47 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 5.

46

..........

____________

خالد بن الوليد إلى البحرين فأصاب بها دماء قوم من اليهود و النصارى و المجوس، فكتب إلى النبي (صلى الله عليه و آله) إنّي أصبت دماء قوم من اليهود و النصارى فوديتهم ثمانمائة درهم ثمانمائة و أصبت دماء قوم من المجوس و لم تكن عهدت إليّ فيهم عهداً، فكتب إليه رسول اللّٰه: إنّ ديتهم مثل دية اليهود و النصارى، و قال: إنّهم أهل الكتاب (1). و ظاهر ذيل الحديث أنّ المجوس أهل الكتاب كاليهودي و النصارى لا أنّه ملحق لهم في جملة من الأحكام فقط. و نحوها موثّقة زرارة (2).

هذا في الرجل الذمّي الحرّ.

و أمّا نساؤهم فديتهن على النصف أربعمائة درهم كما هو ظاهر كلمات الأصحاب أيضاً و يقتضيه ما دلّ على أنّ دية المرأة على نصف دية الرجل، كما أنّ دية أعضائه على حساب دية نفسه أخذاً بالإطلاق فيما ورد في دية الأعضاء.

و يدلّ عليه أيضاً مثل صحيحة بريد العجلي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسلم فقأ عين نصراني، قال: «دية عين النصراني أربعمائة درهم» (3).

و في مقابل ما تقدّم من الروايات الواردة في دية الذمّي و تحديدها بثمانمائة، طائفتان من الأخبار:

إحداهما ما ورد في أنّ ديته كدية المسلم.

منها موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسلم قتل ذمّياً، فقال: هذا شي‌ء شديد لا يحتمله الناس فليعطِ أهله دية المسلم حتّى ينكل عن قتل أهل السواد و عن قتل الذمّي، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذمّي فأراد أن يقتله و يأخذ أرضه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 218، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 7.

(2) وسائل الشيعة 29: 220، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 11.

(3) وسائل الشيعة 29: 218، الباب 13 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

47

..........

____________

و يؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذمّيين و من قتل ذمّياً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية و أدّاها و لم يجحدها (1).

و صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دية اليهودي و النصراني و المجوسي دية المسلم (2).

ثانيتهما: ما ورد في أنّ ديتهم أربعة آلاف درهم أو أنّ: «دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة درهم» (3) و في مرسلة الفقيه قال: روي أنّ دية اليهودي و النصراني و المجوسي أربعة آلاف درهم أربعة آلاف درهم؛ لأنّهم أهل الكتاب (4). و في رواية أبي بصير التي ضعف سندها بعلي بن أبي حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية اليهودي و النصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم» (5) و التفصيل بين المجوسي و بين النصراني و اليهودي موافق لفتاوى بعض العامّة، و بما أنّ الروايتين ضعيفتان سنداً لا تصلحان للمعارضة بما تقدّم.

و أمّا الطائفة الأُولى التي تدلّ على أنّ دية الذمّي دية المسلم فتحمل على التقيّة؛ لأنّ كون دية الذمّي دية المسلم من مذهب العامة، و إن حملها الشيخ على مسلم يعتاد قتل الذمّي و حملها الصدوق (قدس سره) على دية ذمّي قام بالوفاء بشرائط الذمّة (6).

و في كلا الحملين ما لا يخفى فإنّ الحمل الأوّل بلا شاهد، و الثاني بلا وجه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 221، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 221، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة 29: 222، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

(4) من لا يحضره الفقيه 4: 122، الحديث 5253.

(5) وسائل الشيعة 29: 222، الباب 14 من أبواب ديات النفس، الحديث 4.

(6) من لا يحضره الفقيه 4: 122، ذيل الحديث 5254.

48

و لا دية لغير أهل الذمّة من الكفّار، ذوي عهد كانوا أو أهل حرب بلغتهم الدعوة أو لم تبلغ (1).

ودية العبد قيمته (2)، و لو تجاوزت دية الحر رُدَّت إليها. و تؤخذ من مال الجاني الحر، إن كانت الجناية عمداً أو شبيهاً.

____________

حيث إنّ الذمّي مع خروجه عن شرائط الذمّة يلحق بالحربي و لا دية في قتل الحربي.

لا دية لغير الذمّي من الكفّار

(1) و أمّا غير أهل الذمّة من الكفّار فلا دية له، سواء كانوا ذوي العهد أو أهل الحرب بلغته الدعوة إلى الإسلام أو لم تبلغ و ذلك فإنّ ما ورد في تحديد دية النفس و الأطراف لا يعمّ غير المسلم، كما يظهر ذلك من مقدار الحد، و ليس في البين دليل آخر يدلّ على ثبوت دية في غير أهل الكتاب، و ما ورد في أهل الكتاب قد قيّد بالذمّي في بعض الروايات، و مقتضاه عدم ثبوتها مع عدم الذمّة و يساعده الاعتبار لعدم الحرمة لغير المسلم.

نعم، لا يبعد الالتزام بأنّ للإمام مع كون قتل الذمّي في معرض الفساد أن يأخذ دية المسلم من قاتله دفعاً للفساد و منعاً عن الاعتياد كما يظهر ذلك من موثّقة سماعة المتقدّمة (1).

دية العبد

(2) بلا خلاف معروف و يشهد له جملة من الروايات كصحيحة أبي بصير، عن أحدهما (عليه السلام) حيث ورد فيها: «لا يقتل حرّ بعبدٍ و لكن يضرب ضرباً شديداً و يغرم ثمنه دية العبد» (2) و صحيحة عبد اللّه مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية العبد قيمته‌

____________

(1) تقدمت في الصفحة 46.

(2) وسائل الشيعة 29: 207، الباب 6 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

49

و من عاقلته إن كانت خطأ (1). ودية أعضائه و جراحاته، مقيسة على دية الحرّ، فما فيه ديته ففي العبد قيمته كاللسان و الذكر، لكن لو جنى عليه جانٍ بما فيه قيمته، لم يكن لمولاه المطالبة إلّا مع دفعه. و كلّ ما فيه مقدر في الحرّ من ديته فهو في العبد كذلك من قيمته.

و لو جنى عليه جانٍ بما لا يستوعب قيمته كان لمولاه المطالبة بدية الجناية مع إمساك العبد (2)،

____________

فإن كان نفيساً فأفضل قيمته عشرة آلاف درهم و لا يجاوز به دية الحر» (1) و نحوها غيرها.

(1) على المشهور و ذلك أخذاً بإطلاق ما دلّ على أنّ العاقلة تتحمل الدية في الخطأ و ما دلّ على أنّ الدية في شبه الخطاء و العمد على الجاني إطلاقه يعمّ ما إذا كان المقتول حرّاً أو عبداً، و على ذلك أيضاً الدية في الجناية عليه في أعضائه، فإن كانت الجناية عليه في أعضائه بما فيه قيمته لم يكن لمولاه المطالبة بقيمته إلّا مع دفع العبد إلى الجاني كما في الجناية عليه بقطع لسانه و ذكره.

و يدلّ على ذلك موثّقة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه قال: قال علي (عليه السلام): «إذا قطع أنف العبد أو ذكره أو شي‌ء يحيط بقيمته أدّى إلى مولاه قيمة العبد و أخذ العبد» (2) و نحوها رواية أبي مريم الأنصاري (3).

و منه يظهر ما إذا قطع يدي العبد فإنّه إذا كان القطع خطأ أو عمداً لا يكون لمولاه المطالبة بقيمته إلّا بعد دفع العبد، ودية أعضاء العبد على حساب قيمته كحساب دية أعضاء الحرّ بالإضافة إلى دية النفس.

(2) و الوجه في ذلك ظاهر فإنّ العبد ملك لمولاه و الجناية عليه بما لا يستوعب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 207، الباب 6 من أبواب ديات النفس، الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة 29: 338، الباب 34 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.

(3) التهذيب 10: 194، الحديث 60.

50

و ليس له دفع العبد و المطالبة بقيمته (1). و ما لا تقدير فيه من الحرّ ففيه الأرش، و يصير العبد أصلًا للحرّ فيه.

____________

قيمته نقص في ملكه فله المطالبة ببدلها دية كانت أو أرشاً؛ و لذا لا يجوز للمولى إجبار الجاني أن يأخذ العبد في الفرض و يعطي قيمته حيث إنّ الجناية لم توجب في الفرض نقصاً يستوعب قيمته فإلزام مولاه الجاني بأخذ العبد و إعطاء القيمة يحتاج إلى دليل.

و يدلّ على لزوم إعطاء العبد جانيه بأخذ مولاه تمام قيمته في صورة استيعاب الجناية موثّقة غياث المتقدّمة (1) عن جعفر، عن أبيه قال: قال علي (عليه السلام) و أمّا فيما لا تستوعب الجناية قيمته فلمولاه ديتها أو أرشها، كما يدلّ عليه معتبرة السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: «جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار في الثمن» (2).

(1) ذكروا في ديات الأعضاء و الشجاج و المنافع أنّ كلّ جناية فيها دية مقدّرة إذا وقعت على الحرّ فتحسب الدية في تلك الجناية على العبد بنسبة دية الحرّ، بخلاف ما إذا لم تكن في الجناية على الحرّ دية مقدّرة فتؤخذ في تلك الجناية على العبد بالأرش أي بالتفاوت ما بين قيمته بلا وقوع تلك الجناية عليه و قيمته بعد وقوعها فتكون نسبة التفاوت أرشاً فيعيّن أرش الجناية على ذلك الحساب، فإذا كان الأرش في العبد ثلث قيمته يكون في الحرّ ثلث دية النفس؛ و لذا يقال: ما فيه تقدير من الجنايات على الحرّ فالحرّ فيها أصل، و ما ليس فيه تقدير فالعبد فيها أصل. هذا على مسلك المشهور في تعيين الأرش المسمّى بالحكومة، و لكن لم يقم على كون الأرش و الحكومة في الحرّ كذلك دليل يعتمد عليه غير دعوى الإجماع، و الظاهر‌

____________

(1) في الصفحة السابقة.

(2) وسائل الشيعة 29: 388، الباب 8 من أبواب ديات الشجاج و الجراح، الحديث 2.

51

و لو جنى العبد على الحرّ خطأً، لم يضمنه المولى (1)، و دفعه إن شاء أو فداه بأرش الجناية، و الخيار في ذلك إليه، و لا يتخيّر المجني عليه. و كذا لو كانت جنايته لا تستوعب ديته، تخيّر مولاه في دفع أرش الجناية أو تسليم العبد ليسترقّ منه بقدر تلك الجناية.

____________

كونه مدركيّاً حيث علّل في جملة من الكلمات بعدم طريق آخر إذا أُريد عدم ذهاب حقّ المسلم هدراً.

جناية العبد على الحرّ خطأً

(1) يعني ليس للحرّ إلزام مولاه بدفع الدية عن جناية العبد عليه، بلا فرق بين أن يكون دية الجناية على الحرّ، أكثر من قيمة العبد أم لا، بل الخيار في ذلك إلى مولاه بأن يعرض جناية عبده على الحرّ بإعطاء أقلّ الأمرين من أرش الجناية أو قيمة العبد أو إعطاء نفس العبد.

و كذا فيما إذا لم تكن دية جنايته مستوعبة لقيمة العبد بأن كان أقلّ من قيمته فيتخيّر أيضاً بين إعطاء أرش جنايته أو دفع العبد ليسترقّ المجني عليه منه بقدر الأرش فيباع و يأخذ المجني عليه مقدار الأرش و يؤدّي باقي القيمة إلى مولاه، بلا فرق بين أقسام العبد من القنّ و المدبّر و المكاتب المشروط.

و يجري ما ذكر في الأمة أيضاً بل في أُمّ الولد، و قد تقدّم ذلك في جناية العبد على الحرّ في مباحث القصاص، و قد ذكرنا أنّ ذلك مقتضى ما ورد من أنّ جناية العبد على رقبته لا على مولاه، غاية الأمر أنّ للمولى في مورد جناية عبده على الحرّ خطأً أن يفدي جنايته.

و أمّا ما ورد في أنّ جناية أُمّ الولد على مولاها و هي رواية مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أُم الولد جنايتها في حقوق الناس على سيّدها، و ما كان من‌

52

و يستوي في ذلك كلّه، القن و المدبَّر، ذكراً كان أو انثى. و في أُمّ الولد تردّد، على ما مضى و الأقرب أنّها كالقن فإذا دفعها المالك في جنايتها استرقّها المجني عليه أو ورثته. و في رواية: جنايتها على مولاها. (1)

____________

حقوق اللّٰه عزّ و جلّ في الحدود فإنّ ذلك في بدنها» (1) الحديث.

(1) لا يمكن الاعتماد عليها لضعف سندها بنعيم بن إبراهيم.

و يدلّ على تخيير مولاه بين الفداء عن جناية عبده خطاء و الإمساك به أو تسليمه لاسترقاق المجني عليه أو أوليائه صحيحة جميل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): مدبّر قتل رجلًا خطاء من يضمن عنه؟ قال: «يصالح عنه مولاه، فإن أبى دفع إلى أولياء المقتول» (2) الحديث، و نحوها صحيحة محمّد بن حمران (3).

و في صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مدبّر قتل رجلًا عمداً؟

فقال: يقتل به، قلت: فإن قتله خطأً، فقال: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون رقّاً لهم (4).

و على الجملة، بما أنّ جناية العبد على رقبته و الدية في ثمنه فللمولى أن يدفعه إلى المجني عليه أو أوليائه، و بما أنّ الدية في جناية العبد، تكون في قيمته فلمولاه أن يدفعها إلى المجني عليه أو أوليائه، من غير فرق بين أن يستوعب جناية قيمته أو كانت أكثر، و أمّا إذا كانت أقلّ و لم يدفعها مولاه يسترقّ المجني عليه بمقدار الدية فيباع و يعطي الزائد إلى مولاه.

____________

(1) وسائل الشيعة 29: 103، الباب 43 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.

(2) وسائل الشيعة 29: 211، الباب 9 من أبواب ديات النفس، الحديث الأوّل.

(3) وسائل الشيعة 29: 211، الباب 9 من أبواب ديات النفس، الحديث 3.

(4) وسائل الشيعة 29: 102، الباب 42 من أبواب القصاص في النفس، الحديث الأوّل.