القواعد الفقهية من بحوث في علم الأصول - ج5

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
515 /
107

الجزء الخامس

[أصالة عدم التذكية]

تنبيهات البراءة

و بعد أن فرغنا عن مقتضى الأصل العملي في الشبهات، و انه البراءة لا الاحتياط، يقع البحث في عدة جهات ترجع إلى جريان البراءة، قد ذكرها الأصحاب ضمن تنبيهات هذه المسألة. فنقول:

1- حكومة أصالة عدم التذكية على البراءة:

ذكر الشيخ الأعظم (قده) ان جريان أصالة البراءة مشروط بعدم وجود أصل موضوعي في مورده ينقح موضوع الإلزام و الا قدم عليه بالحكومة، و ذلك من قبيل استصحاب عدم التذكية عند الشك في تذكية لحم فانه مقدم على أصالة الحل، ثم شرع في البحث عن الصغرى أي جريان استصحاب عدم التذكية أو عدم جريانه في نفسه.

و مدرسة المحقق النائيني (قده) علقت على هذا الشرط بان الحكومة لا تختص بالاستصحاب الموضوعي بل حتى الحكمي كاستصحاب الحرمة الثابتة حال كون الزبيب عنبا مثلا يحكم على البراءة لأن دليل الاستصحاب يجعله علما و طريقا فيتقدم على البراءة، و من هنا جعلوا الشرط عدم جريان استصحاب في مورد البراءة.

و سوف يأتي الحديث في خاتمة الأصول العملية عن النسبة بين الأصول نفسها،

108

و بينها و بين الأمارات، و نبين هناك ملاكات متعددة للتقديم و حكومة دليل على دليل. و لكن نشير هنا إلى ثلاثة أمور:

أولا- ان الحكومة بملاك جعل الطريقية و العلمية و بالتالي قيام الأمارة أو الأصل مقام القطع الموضوعي غير تامة لما تقدم في بحث القطع من عدم صحة ذلك كبرى، و ما أشرنا آنفا إلى ان هذا لو تم في الأمارات فلا يتم في مثل الاستصحاب الّذي أخذ في موضوعه الشك.

و ثانيا- ان الأصل السببي و الموضوعي يتقدم على الأصل المسببي بالحكومة لا بنكتة جعل الطريقية بل نكتة أخرى سوف يأتي تحليلها و شرحها. و لهذا تثبت الحكومة و التقدم حتى إذا كان الأصل السببي من الأصول غير المحرزة كأصالة الطهارة في الماء المشكوك المغسول به الثوب النجس فانها تتقدم على استصحاب نجاسة الثوب بعد الغسل رغم انه بحسب تصورات مدرسة المحقق النائيني (قده) لم تجعل لها الطريقية و العلمية و انما جعل ذلك للاستصحاب و لهذا لا تستطيع المدرسة ان تفسر وجه هذا التقدم بالطريقية، كيف و هي تقتضي العكس كما لا يخفى.

و ثالثا- كما ان الأصل الموضوعي الإلزامي يتقدم على البراءة بالحكومة كذلك يتقدم الاستصحاب الإلزامي على البراءة لنكات في دليل الاستصحاب تقتضي تقدمه على دليل البراءة. و هذا يعني ان جريان البراءة متوقف على عدم جريان أصل موضوعي محرز للتكليف و لا أصل حكمي كذلك كالاستصحاب الحكمي.

هذا كله في كبرى هذا الشرط.

و اما البحث عن أصالة عدم التذكية عند الشك فيها، فالشك في حلية لحم حيوان قد زهقت روحه يتصور بأحد أربعة أقسام.

الأول- الشك في حلية أكل ذلك الحيوان في نفسه و بقطع النّظر عن التذكية، إذ ليس كلما يقبل التذكية من الحيوانات يحل أكل لحمه، فقد يشك في حيوان كذلك بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية [1].

الثاني- الشك في حليته من ناحية الشك في قبوله للتذكية، فانها شرط في حلية‌

____________

[1]- هذا القسم أيضا يمكن تقسيمه إلى ما يكون الشك في أصل الحلية أو في طرو ما يمنع عنها كالجلل لا من ناحية التذكية.

109

أكل لحم الحيوان على كل حال فإذا شك في قبوله لها و عدمه بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية شك في الحلية لا محالة.

الثالث- الشك في طرو ما يمنع عن قبوله للتذكية، كما إذا احتمل كون الجلل مانعا عن قبول التذكية بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية.

الرابع- ان يكون الشك في تحقق التذكية للشك في شروطها، اما بنحو الشبهة الحكمية كما لو شك في شرطية أمر زائد، أو بنحو الشبهة الموضوعية كما لو شك في تحققه خارجا بعد الفراغ عن شرطيتها.

اما القسم الأول- فان كانت الشبهة حكمية فالمرجع عمومات الحلية من قبيل (قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ.) (1). إن تمت و الا فأصالة الحل أو استصحابه الثابت قبل التشريع، و لا مجال لاستصحاب عدم التذكية لعدم الشك من ناحيتها، و ان كانت الشبهة موضوعية فلا يمكن التمسك بالعمومات الا إذا أمكن إحراز موضوعها بالاستصحاب و لو بنحو العدم الأزلي و الا فيرجع إلى أصالة الحل أو استصحاب عدم الحرمة بنحو العدم الأزلي و لا مجال لاستصحاب عدم التذكية.

و ربما يتصور إمكان الرجوع في الشبهتين إلى استصحاب حرمة أكل الحيوان الثابتة حال حياته بناء على حرمة أكل الحيوان حيا و هو مقدم على أصالة الحل.

و فيه: ان حرمة أكل الحيوان الحي إن كان بملاك حياته و حرمته فمثل هذه الحرمة يقطع بزوالها و لا شك في بقائها. و ان كان من جهة دعوى كونه غير مذكى في حال الحياة و لو تمسكا بإطلاق المستثنى منه في آية (الا ما ذكيتم) (2) للحيوان الحي أيضا.

فيرد عليه:

أولا- ان التذكية شرط للحلية بالنسبة للحيوان الميت لا مطلق الحيوان فان هذا هو المستفاد من الروايات و هو المستثنى منه في الآية أيضا.

و ثانيا- هذه الحرمة أيضا يقطع بارتفاعها و انما يشك في حرمة أخرى ثابتة في‌

____________

(1)- سورة الأنعام: 145.

(2)- سورة المائدة: 3.

110

الحيوان بعنوانه. اللهم الا ان يدعى بان الثابت في حال الحياة حرمة واحدة لا حرمتين لعدم احتمال ذلك فقهيا فاما الحرمة بملاك عدم التذكية أو الحرمة النفسيّة فيكون من استصحاب الكلي القسم الثاني و لكنه لا موجب له.

و اما القسم الثاني- فجريان أصالة عدم التذكية متوقف على تنقيح بحثين فقهيين:

أحدهما- في معنى التذكية و هل انها عبارة عن عنوان بسيط أو عنوان مركب و هو نفس الأعمال و الشروط المقررة شرعا لذبح الحيوان، و هذا نظير البحث في الطهارة من الحدث و انها عبارة عن أمر بسيط أو مركب و هو الغسلات و المسحات مثلا.

كما انه بناء على كونه بسيطا قد يفترض انه عنوان بسيط ينطبق على نفس الأفعال الخارجية أي نسبته إليها نسبة العنوان إلى المعنون كالتعظيم بالنسبة إلى القيام. و أخرى يفرض ان نسبته إليه نسبة المسبب إلى السبب، و على كل من التقديرين قد يكون هذا العنوان البسيط أمرا تكوينيا أو اعتبارا شرعيا.

كما انه لو فرض ان التذكية عبارة عن نفس الأفعال و الشروط المقررة شرعا، فتارة يعتبر ذلك تذكية بلا أخذ قابلية و خصوصية في الحيوان المذبوح فتكون التذكية حاصلة بإجراء العملية على أي حيوان، و أخرى تؤخذ خصوصية الحيوان فيها أيضا أي الأعمال المضافة إلى ذبح حيوان معين [1].

الثاني- ان موضوع الحرمة تارة يفترض الحيوان غير المذكى أعني عدم التذكية المضاف إلى الحيوان، و أخرى يفرض عدم التذكية المضاف إلى الحيوان زاهق الروح بما هو زاهق الروح، فعلى الأول يكون موضوع الحرمة مركبا من جزءين عرضيين هما زهاق روح الحيوان و كونه غير مذكى بنحو العدم النعتيّ أو المحمولي، و على الثاني يكون موضوع الحرمة مركبا من جزءين طوليين أي الحيوان الزاهق روحه بغير تذكية.

فان اختير في البحث الأول ان التذكية عنوان بسيط فهو مسبوق بالعدم لا محالة و حينئذ لو فرض أخذه بما هو مضاف إلى ذات الحيوان في موضوع الحرمة جرى‌

____________

[1]- و هذا التشقيق جار أيضا بناء على كون التذكية امرا بسيطا، الا انه لا أثر له في المقام لأن ذلك العنوان البسيط هو موضوع الحكم على كل حال و هو مسبوق بالعدم، نعم لو فرض ان التذكية البسيطة مسبب شرعي عن الأفعال و التي أخذ معها خصوصية الحيوان و قابليته كان الأصل في تلك الخصوصية بلحاظ إثبات التذكية كالأصل فيها بلحاظ إثبات الحكم التكليفي إذ تكون التذكية حكما شرعيا مترتبا على الأفعال الخارجية المركبة بحسب الفرض.

111

استصحاب عدم التذكية سواء كان مأخوذا بنحو العدم النعتيّ أو المحمولي، و سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، لأن هذا العنوان البسيط مسبوق على كل حال بالعدم في حال حياة الحيوان فيستصحب، و لو فرض أخذه بما هو مضاف إلى زاهق الروح في موضوع الحرمة فان أضيف عدم التذكية إلى زاهق الروح بنحو التوصيف و النعتية لم يجر استصحاب عدم التذكية إذ لا حالة سابقة لعدم تذكية زاهق الروح بنحو العدم النعتيّ، فان هذا الحيوان من حين إزهاق روحه لا يدري هل اتصف بعدم التذكية أم لا بل يجري حينئذ استصحاب عدم اتصاف هذا الحيوان الزاهق روحه بعدم التذكية فينفي موضوع الحرمة إذا كان بهذا النحو، و اما إن أضيف عدم التذكية إلى زاهق الروح بنحو العدم المحمولي أي ان لا يكون الحيوان الزاهق روحه مذكى فهذا يمكن إثباته باستصحاب عدم التذكية بناء على ما هو الصحيح من جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية لأن هذا الحيوان قبل زهاق روحه لم يكن مذكى من باب السالبة بانتفاء الموضوع فتستصحب القضية السابقة- العدم المحمولي- من دون فرق في كل ذلك بين الشبهة الحكمية أو الموضوعية.

و ان اختير في البحث الفقهي الأول ان التذكية مركب من نفس الأفعال الخارجية فان فرض عدم أخذ خصوصية و قابلية معينة للحيوان المذبوح في التذكية كان معناه إحراز التذكية فيه و انما الشك في حليته من ناحية أخرى فيدخل في القسم السابق، و ان فرض أخذ خصوصية مع تلك الأفعال في التذكية بنحو الجزئية أو القيدية فإذا كانت الشبهة حكمية فلا يجري استصحاب عدم التذكية- كما لو شك في ان المأخوذ خصوصية الغنيمة مثلا أو الأهلية الصادقة على الخيل مثلا فنشك في تذكية الخيل المذبوح من هذه الناحية- لأن واقع تلك الخصوصية المشكوكة بين ما يقطع بعدمه و ما يقطع بثبوته فلا معنى لاستصحاب عدمها و عنوان الخصوصية المنتزع من حكم الشارع ليس هو الجزء أو القيد في الحكم لكي نجري استصحاب عدمه، و لهذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات الحكمية حتى إذا كانت الشبهة الحكمية مفهومية- كما لو شك في مفهوم الأهلية في المثال.

و إذا كانت الشبهة موضوعية- كما إذا تردد الحيوان المذبوح خارجا بين كونه غنما أو وحشا لظلمة الهواء أو لغير ذلك من موجبات الشبهة الموضوعية- فان أخذت تلك‌

112

الخصوصية المشكوكة كالأهلية مثلا في التذكية جرى استصحاب عدمها الأزلي إذا لم تكن من الحيثيات الذاتيّة للحيوان فتثبت الحرمة أيضا، و ان أخذت قيدا في التذكية فالذي يجري حينئذ استصحاب عدم المقيد فان ذات المقيد و ان كان محرزا و لكن تقيده بتلك الخصوصية غير محرز فيجري استصحاب عدم التذكية بمعنى عدم المقيد بما هو مقيد و هذا الاستصحاب لا يبتني على القول بالاستصحاب في الاعدام الأزلية الا إذا أخذت التذكية التي هي ذلك الأمر المقيد بما هو مضاف إلى زاهق الروح و صفة له لا بما هو مضاف إلى الحيوان في موضوع الحلية.

هذا كله مع قطع النّظر عن دعوى فقهية ذهب إليها بعض الفقهاء من وجود عموم فوقاني يدل على قبول كل حيوان للتذكية الا ما خرج بالدليل و الا كان المرجع في الشبهة الحكمية ذلك العام و في الشبهة الموضوعية استصحاب عدم العنوان الخارج بنحو العدم الأزلي إذا لم يكن من الذاتيات أو قلنا بجريان الأصل فيها أيضا و بذلك ينقح موضوع العام.

و قد ظهر بما ذكرناه وجه النّظر في ما أفاده الأعلام في المقام. فقد ذكر المحقق العراقي (قده) (1) ان التذكية إذا كانت امرا بسيطا جرى استصحاب عدم التذكية و ان كانت مركبا من فري الأوداج مع القابلية للتذكية لم يجر الاستصحاب سواء كانت القابلية جزءا أو قيدا إذ ليس لها حالة سابقة لتستصحب سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، و دعوى جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية دفعها بان هذه القابلية ذاتية للحيوان و لا يجري الاستصحاب في الذاتيات.

و فيه: أولا- ان جريان الاستصحاب إذا كانت التذكية امرا بسيطا أيضا مبني على القول باستصحاب العدم الأزلي إذا كان مضافا إلى زاهق الروح بما هو زاهق الروح.

و ثانيا- ما ذكره في الشق الثاني بعد إرجاعه إلى المعنى الصحيح و هو أخذ خصوصية الحيوان في موضوع الحكم الشرعي بالطهارة أو الحل لا أخذ قابلية التذكية في التذكية غير تام فيما إذا كانت الشبهة حكمية حتى إذا قلنا بالاستصحاب في الاعدام الأزلية‌

____________

(1)- راجع نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 256.

113

و لم تكن الخصوصية ذاتية لدوران الأمر بين ما هو مقطوع الوجود أو مقطوع العدم كما تقدم شرحه و فيما إذا كانت الشبهة موضوعية انما يتوقف على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية إذا كان الموضوع مركبا كما هو المستظهر إثباتا من الأدلة غالبا و اما إذا كان مقيدا و مضافا إلى ذات الحيوان كان عدم المقيد ثابتا في الحيوان حال حياته فيكون استصحاب عدمه له حالة سابقة.

و ثالثا- لا موجب لافتراض ان الخصوصية القابلة للتذكية ذاتية في الحيوان فقد تكون مثل أهلية الحيوان مثلا أو غير ذلك و ذكر المحقق الأصفهاني (قده) في المقام (1) ان التقابل بين الموضوع الحلية و موضوع الحرمة ان كان تقابل التضاد بان كان موضوع الحرمة الموت حتف أنفه و موضوع الحلية التذكية فاستصحاب عدم التذكية معارض باستصحاب عدم الموت حتف الأنف، و ان كان التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب جرى استصحاب عدم التذكية بلا إشكال، و ان كان التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة أي عدم التذكية في المحل القابل لها فلا يجري استصحاب عدم التذكية لعدم الحالة السابقة إذ في حال الحياة لا تكون القابلية للتذكية ثابتة و بعد إزهاق الروح يشك في حصول التذكية من أول الأمر.

و فيه: أولا- ان فرض التقابل بين موضوع الحرمة و الحلية بنحو التضاد أو العدم و الملك في نفسه غير معقول، لأنه يكفي في الحلية عدم تحقق ملاكات الحرمة و انتفاء موضوعها فإذا كان موضوع الحرمة أو الحلية وجوديا كالموت حتف الأنف فلا محالة يكون موضوع الآخر نقيضه فلا يجري استصحاب عدم الموت حتف الأنف أو استصحاب عدم التذكية و ثانيا- لو سلمنا معقولية ذلك ثبوتا بان جعلت الحلية على المذكى و الحرمة على الموت حتف الأنف فاستصحاب عدم التذكية لا يجري ليعارض استصحاب عدم الموت حتف الأنف، إذ لا يثبت الموت حتف الأنف الا على القول بالأصل المثبت و مع عدم إثباته لموضوع الحرمة لا يبقى أثر له إذ التنجيز مرتب على إحراز الحرمة لا رفع‌

____________

(1)- نهاية الدراية، المجلد الثاني، ص 206 الطبعة القديمة.

114

موضوع الحلية و لهذا لو فرض عدم تشريع الحرمة و الحلية معا لم يكن تنجيز و تبعة على المكلف أيضا.

و ثالثا- القابلية التي افترض عدمها في حال الحياة غير قابلية الحيوان للتذكية بناء على ان التذكية بنحو الملكة إذ المراد منها لا بد و ان يكون القابلية الإمكانية للتذكية و هي خصوصية ثابتة في الحيوان المذكى حتى في حال حياته سواء فرضت التذكية امرا شرعيا اعتباريا أو تكوينيا.

و اما القسم الثالث- و هو الشك في الحلية من ناحية طرو ما يحتمل مانعيته عن التذكية كالجلل. ففي الشبهة الحكمية كما إذا شك في مانعية الجلل عن التذكية، ان فرضت التذكية عبارة عن نفس الأفعال و الشروط لم يجر استصحاب عدم التذكية لعدم الشك في وجود الموضوع بل في موضوعية الموجود [1] فتصل النوبة إلى أصالة الحل أو البراءة، بل يجري استصحاب الحلية التعليقي بناء على القول به في أمثال المقام، لأن هذا الحيوان لو كان يذبح قبل الجلل كان حلال اللحم يقينا فيستصحب، و ان فرضت التذكية عنوانا بسيطا جرى استصحاب عدمها بنحو العدم الأزلي أو النعتيّ حسب التفصيل المتقدم في القسم السابق. هذا كله إذا لم يكن عام فوقاني يثبت التذكية بإطلاقه الأحوالي و الا كان هو المرجع.

نعم هنا قد يتوهم جريان استصحاب تعليقي حاصله: ان هذا الحيوان لو كان يذبح قبل الجلل كان مذكى يقينا فالآن كذلك، الا ان هذا مبتن على ان تكون التذكية حكما شرعيا لا امرا تكوينيا و ان يقال بجريان الاستصحاب التعليقي في أمثال المقام و حكومته على الاستصحاب التنجيزي.

و في الشبهة الموضوعية كما إذا علم مانعية الجلل عن التذكية و شك في تحققها بنحو الشبهة الموضوعية، ان فرضت التذكية عبارة عن نفس الأفعال و الشروط جرى استصحاب عدم الجلل، و ان فرض انها امر بسيط مجعول شرعا على تلك الأفعال مع عدم الجلل جرى استصحاب عدم الجلل فلإحرازه أيضا و ان فرض امرا تكوينيا مسببا عن ذلك جرى استصحاب عدم التذكية و لم يجر استصحاب عدم الجلل لأنه لا يثبت‌

____________

[1]- و بهذا ظهر وجه الضعف فيما جاء في مصباح الأصول، ص 313 من التمسك بأصالة عدم المانع

115

التذكية الا بالتعويل على الأصل المثبت كما لا يخفى.

و اما القسم الرابع- و هو الشك في تحقق تمام شروط التذكية خارجا، فإذا كان ذلك بنحو الشبهة الحكمية بان شك في شرطية شي‌ء أو مانعيته عن التذكية فالكلام فيه نظير الكلام في الشبهة الحكمية من القسم السابق الا من حيث الاستصحاب التعليقي فانه لا يجري الا فيما إذا طرأ ما يحتمل مانعيته [1]. و إذا كان بنحو الشبهة الموضوعية جرى استصحاب عدم التذكية بنحو العدم النعتيّ أو الأزلي على التفصيل المتقدم، أو استصحاب عدم الشرط أو الجزء المشكوك في تحققه إذا كانت التذكية امرا مركبا و كان لذلك الجزء أو الشرط حالة سابقة عدمية.

و هكذا يتضح ابتناء الحكم في الأقسام الثلاثة على البحثين الفقهيين المشار إليهما. و لا بأس بالإشارة إلى ان الصحيح في البحث الفقهي الثاني ان التذكية أخذت في موضوع الحلية و صحة الصلاة بما هي مضافة إلى زاهق الروح لا إلى الحيوان، لأن ظاهر الآية الشريفة (حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير اللّٰه به و المنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع الا ما ذكيتم) (1) ان المقسم في المستثنى و المستثنى منه هو الحيوان زاهق الروح بقرينة ذكر أنواع منه و لعله المستفاد من اخبار الباب أيضا، و تفصيل ذلك موكول إلى الفقه.

و اما فيما يتعلق بالبحث الفقهي الأول فقد ذهب المحقق النائيني (قده) إلى ان التذكية امر مركب أي عبارة عن نفس عملية الذبح الشرعي بشروطها مستدلا على ذلك بتفسير اللغويين للتذكية بالذبح، و بنسبته إلى الذابح في اللغة و في ألسنة الروايات. و ذهب آخرون إلى انه امر بسيط منكرين في ذلك صحة كلام اللغوي أو حجيته في مقام رد كلام المحقق النائيني (قده) و ان نسبة التذكية إلى الذابح صحيح‌

____________

[1]- و الغريب ما جاء في مصباح الأصول ص 313 من عدم جواز الرجوع إلى الإطلاق الفوقاني لنفي الشرطية أو المانعية المشكوكة بدعوى ان التذكية ليست امرا عرفيا كالبيع ليحمل الدليل الشرعي عليه، فان التمسك بالإطلاق لنفي القيد ليس متوقفا على عرفية المدلول و تنزيله منزلة ما هو ثابت عندهم بل يتوقف على عرفية الدلالة و هي ثابتة فان السكوت عن ذكر القيد في مقام البيان يدل على انتفاء القيد ثبوتا كما هو منتف إثباتا و هذا واضح كيف و الا انسد باب التمسك بالإطلاق في أكثر الفقه حيث ان التشريعات فيها تأسيسية من الشارع و لم تكن ثابتة لدى العرف.

____________

(1)- سورة المائدة: 3.

116

على كل حال فان المسبب التوليدي أيضا ينسب إلى فاعله حقيقة.

و التحقيق: ان عنوان التذكية بحسب تتبع استعمالاتها في ألسنة الروايات يظهر انه عنوان بسيط ترادف الطيب و ملائمة الطبع و النقاء، فقد أطلق في بعض الروايات على الطاهر فقيل كل يابس ذكي و في باب الجلود قيل الجلد الذكي يجوز الصلاة فيه، و هذا يناسب مع كونه بسيطا لا مركبا، و حمله على انه جلد للحيوان الذكي خلاف الظاهر، و كذلك ورد ان كل ما لا تحل فيه الحياة من الميتة كالصوف و الظفر فهو ذكي و ان الجنين ذكاته ذكاة أمه (1). نعم الظاهر ان هذا العنوان البسيط قد اعتبره الشارع منطبقا على نفس عملية الذبح الشرعي أيضا كالوضوء المنطبق على نفس الأفعال حيث ورد ان التسمية ذكاة، و ان إخراج السمك من الماء ذكاته، و حمل ذلك على انه سبب للذكاة خلاف الظاهر، فظهر ان التذكية عنوان اعتباري بسيط منتزع عن نفس الأعمال و منطبق عليها نظير الوضوء و الطهور لا انها نفسها و لا انها مسبب توليدي عنها.

ثم انه قد يستدل على جريان استصحاب عدم التذكية لا ثبات حرمة الأكل و الصلاة ببعض الروايات من قبيل ما ورد من النهي عن أكل الصيد الّذي وجده الصائد مفترسا مع الشك في انه هل افترسه كلب الصيد أو حيوان مفترس آخر و كذلك لو رمى طائرا فقتل و شك انه قتل بالرمية أو بغيرها (2) و كذلك الروايات الدالة على ان الصلاة في وبر و شعر ما يؤكل لحمه جائز إذا علمت انه ذكي (3) الدال بمفهومه على انه لا يجوز ذلك إذا لم يعلم تذكيته، بل نفس أدلة أمارية أرض الإسلام و سوق المسلمين في إثبات الجواز يدل على ان المرجع لو لا الحجة سنخ أصل منجز.

الا ان الصحيح ان هذه الأدلة لا تثبت استصحاب عدم التذكية و انما تثبت أصالة عدم التذكية في مورد الشك من ناحية الأكل و الصلاة فلعلها حكم بالاحتياط بمستوى الحكم بالحلية في سائر الموارد.

و قد يستدل بروايات أخرى في إبطال استصحاب عدم التذكية في خصوص‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 16، ص 269.

(2)- نفس المصدر، ص 230.

(3)- نفس المصدر، ج 2، ص 250.

117

الشبهات الموضوعية.

منها- الاستدلال بما ورد من تجويز أكل الطائر الّذي شك الصائد في انه هل سمي حين رماه أم لا؟ (1).

و فيه: أولا- من المحتمل ان يكون ذلك من جهة قاعدة الفراغ و هي حاكمة على الاستصحاب.

و ثانيا- قوة احتمال ظهور الرواية في ان التسمية شرط ذكري فتكون التذكية حاصلة واقعا كما ورد ذلك في روايات أخرى (2).

و منها- ما حاوله صاحب مدارك الأحكام (قده) (3) من الاستناد إلى روايات دلت على ان ما علمت انه ميتة فلا تصل فيه أو لا بأس ما لم تعلم انه ميتة (4) حيث رتب فيها الجواز على فرض عدم العلم بالميتة الّذي يعني إلغاء استصحاب عدم التذكية في مورد الشك.

و قد أجيب عليه بمحاولات ذكرناها مفصلا في بحوثنا في شرح العروة الوثقى فراجع (5).

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 16، ص (237، 267).

(2) وسائل الشيعة، ج 16، ص (237، 267).

(3) وسائل الشيعة، ج 16، ص (237، 267).

(4)- ص 157 الطبعة الحجرية.

(5)- الجزء الثالث، ص 133.

118

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

119

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

120

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

121

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

122

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

123

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

130

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

131

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

132

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

133

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

134

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

135

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

138

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

139

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

140

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

141

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

144

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

145

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

146

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

147

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

152

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

153

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

154

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

155

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

156

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}