النفي والتغريب في مصادر التشريع الإسلامي

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
545 /
7

[مقدمات التحقيق]

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

إنّ الشريعة الإسلامية بصفتها خاتمة الشرائع السماوية قد استوعبت حياة الانسان بمجالاتها كافة: اجتماعية و سياسية و اقتصادية و ... فأنارت له سبل الهداية التي تتناسب و طبيعة البشرية، مجيبة عمّا يعترضه من مشاكل و أزمات باسلوب علمي هادئ رصين يهتم بتكامله في الحياة و سيره الى الله تعالى.

و من هنا فقد انبرى علماء الإسلام- و في جميع مقاطعه الزمنية- لتأليف مصنفات في مجالات شتى ليعرضوا للعالم حقيقة تلك الشريعة المباركة بوجهها الناصع المشرق، و ليثبّتوا بأنّها الصوت الالهي السرمدي المنزّه الذي يخرج الانسان من الظلمات الى النور.

و من الموضوعات المهمة: (القضاء) و التشريع الجنائي، و هو العنوان المترامي الاطراف الذي ازدهر البحث فيه ابان عصر انتصار الثورة الاسلامية المباركة، و شدّة الحاجة اليه لإقامة حدود الله في جمهورية شيّدت دستورها على شريعته المقدسة؛ فانبثقت جهود علمية- و بتشجيع من قائد الثورة المباركة الامام الخميني (قدّس سرّه)- مكثّفة صبّت اهتمامها على هذا الموضع الحيوي، و حققت انجازات ملفتة للنظر، منها:

تصدي الحوزات العلمية لتدريسه، و تحقيق كتب السلف الصالح، و بحث ما لم يبحثوه في موضوع القضاء- بسبب ما تعرّضوا له من ضغوط سياسية أبعدتهم عن‌

8

هذا المنصب و أقصتهم عن الابتلاء العملي به- و تبويبه حسب ما تقتضيه حاجات المجتمع الانساني المعاصر.

و من الكتب المهمّة التي الّفت في هذا المضمار قبل سنوات قليلة كتاب «موارد السجن في النصوص و الفتاوى» لسماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ نجم الدين الطبسي حفظه الله و رعاه، استعرض فيه بحوثا فقهية ترتبط بشؤون السجناء و تبيّن موارد السجن في التشريع الاسلامي، و قد اتحفنا بكتاب آخر و في نفس الموضوع يحمل عنوان «النفي و التغريب في مصادر التشريع الإسلامي» استعرض فيه موارد التغريب و مشروعيته، و بيان حقوق المغرّب، و امورا متنوعة اخرى لها و شائج مختلفة مع الموضوع الرئيس، مستفيدا من المصادر الشيعية و السنية.

إنّ هذا الكتاب ليمثّل جانبا وضّاء آخر من جوانب الشريعة الإسلامية، و هو قدم صدق على طريق الحقيقة.

إنّ مجمع الفكر الاسلامي في الوقت الذي يبارك للمؤلف جهوده العلمية المثمرة يعرض بين يديك- ايها القارئ الكريم- هذا النتاج الفكري الثمين بصفته تجسيدا عمليا لأهداف المجمع الكبيرة في نشر المعارف الالهية، و تبيين الشريعة المحمدية باسلوب عصري رصين و ...

و ختاما نسأل الله تبارك و تعالى أن يمنّ على مؤلفنا العزيز بدوام السداد، و أن يتقبّل منّا هذا (السعي) قربة اليه، و يوفقنا لنيل رضاه و هو ولي التوفيق.

15/ شعبان/ 1416 ه‍ المصادف لذكرى ولادة الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه).

مجمع الفكر الاسلامي‌

9

[مقدمة المؤلف]

الإهداء

الى صاحب الراية و الشافع يوم القيامة، الى خاتم النبيين و حجة اللّه على الأولين و الآخرين، الى خلفائه الراشدين (الائمة الاثني عشر)، أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و آخرهم الإمام المنتظر (عليهم سلام الله). اهدي اليهم جهدي المتواضع ...

... فتفضلوا عليّ بالقبول.

المؤلف‌

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران المظفرة و قيام الجمهورية الاسلامية فيها، نشأت في المكتبة الاسلامية حاجة ملحة الى نوع من الابحاث المتخصصة ذات الثمرة العملية التطبيقية في المجالات التشريعية و الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و العسكرية، و ذلك لتسهيل مهمة الحكومة الاسلامية في اداء تكليفها في هذه المجالات بما يخدم حركة الدولة الاسلامية نحو الافضل على كل الاصعدة.

و كنت استشعر هذه الحاجة بوضوح من موقعي كواحد من طلبة العلوم الدينية و أتأمل في ما يمكنني ان اقدمه على صعيد هذه الحاجة، حتى وفقني الله- تبارك و تعالى- الى البحث في مجال احكام السجن، في محاولة لتوسعة و سد نقائص الخطوة التي خطاها قبلي علماء افاضل في هذا المجال الذي هو ثغرة من الثغرات التي لا بد من ردمها في ضوء تلك الحاجة.

و بعد صدور كتابي (موارد السجن في النصوص و الفتاوى) قوبل هذا الكتاب بترحيب كبير و حفاوة فائقة في الاوساط العلمية و العامة لم اكن اتوقعها، و وردتني رسائل كثيرة من داخل جمهورية ايران الاسلامية و خارجها تتضمن‌

12

في ثناياها الكثير من الثناء و التقدير، و شوفهت أيضا بهذا الثناء و التقدير في لقاءات و اجتماعات عامة، كما اثني على الكتاب في محافل كبيرة كصلاة الجمعة في طهران.

الامر الذي شد عزمي على مواصلة بذل الجهد لإتمام الحلقة الثانية من هذا المشروع التي كنت قد وعدت القراء الكرام بإنجازها و هي (النفي و التغريب في مصادر التشريع الاسلامي) الذي يتضمنها هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ العزيز.

فالحمد لله منتهى رضاه على توفيقه إياي الى انجاز هذه المهمة بعد بذل الجهد قرابة سنوات اربع.

و تحسن الاشارة هنا الى ان الاسلوب الذي اتبعته في هذا الكتاب (النفي و التغريب) هو نفس اسلوبي في (موارد السجن) مع فارق هو: كثرة الفروع و المسائل في كل فصل من هذا الكتاب، إضافة الى تعمق اكثر في الجانب الاستدلالي.

و هذا الكتاب يحتوي على قسمين، القسم الاول: و فيه ستة فصول من ابحاث تمهيدية و القسم الثاني على اربعة ابواب:

1- التغريب في الدم: و فيه خمسة فصول.

2- التغريب في الفحشاء: و فيه ثمانية فصول.

3- التغريب فيما يرتبط بالدولة الاسلامية: و فيه خمسة فصول.

4- التغريب فيما يرتبط بأمن المجتمع الاسلامي و سلامته: و فيه اربعة فصول.

و قد اوردنا في كل فصل- كما في فصل (القيادة) مثلا- ما ورد من الروايات عن طريق أئمة اهل البيت (عليهم السّلام)، و بحثنا في السند و الدلالة بقدر ما تفرضه الحاجة، ثم نقلنا ما ورد من طرق غيرهم مع البحث في السند و الدلالة بقدر الحاجة أيضا.

13

ثم نقلنا فتاوى الفريقين، و اوردنا بعدها التفريعات و المسائل المتعلقة بالعنوان مع ادلتها التفصيلية، كمدة النفي، محل النفي، نفقة المنفي، رجوع المنفي، الرخصة و الاجازة.

و إنّ املي لكبير في ان تكون هذه الخدمة المتواضعة نافعة بين يدي سادتي العلماء الذين وقعت عليهم مسئولية القضاء و فصل الخصومات و حل مشكلات الناس.

و ان يكون هذا الكتاب دعوة مفتوحة لكل المتعصبين من اهل المذاهب الاخرى الذين حرموا انفسهم من زلال معين فقه أئمة اهل البيت (عليهم السّلام) الذي لا ينضب، فما زالوا حيارى في تيه جهل العصبية لا يشربون إلّا من غور أو من و حل ضحل ضئيل، ليدخلوا حرم فقه اهل بيت العصمة الطاهرة (عليهم السّلام) فيرتووا من كوثرهم، علّهم يسلكون ما سلك بعضهم من اصحاب الضمائر الحية ممن ترك طريقة اسلافه في العناد و المكابرة، و اتبع طريقة شيخ الطائفة الحقة، الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في الخلاف و المبسوط، و السيد المرتضى (قدّس سرّه) في الانتصار، و المحقق الحلّي في المعتبر، و العلّامة في التذكرة من كتابه في الفقه المقارن.

و اود ان اقول بين يدي القارئ الكريم: إنّ هذه الدراسة و إن اخذت منّي الكثير من الوقت و استدعت المزيد من التحقيق و التتبع، إلّا انني لا ادعي انها جاءت جامعة مانعة، بل هي خطوة اولى على طريق لم تسلك من قبل، و املي ان يغفر لي العلماء و المحققون و المتتبعون ما يكتشفونه من عثراتي التي ارجو ان لا تكون كثيرة.

كما اود ان اذكر بأنّ هذا الكتاب ليس كتاب فتوى، فلا بد من الرجوع الى فقهائنا- اعزهم الله- في كل مسألة و فرع.

و لقد ذكرت موارد غير مفتى بها عندنا رغم ورود النصوص فيها، فضلا عن‌

14

موارد اختصت المذاهب الاخرى في الفتيا بها، مثل نفي المخنث و من وقع عليه التشبيب ... و فروع اخرى لم يقل فيها احد منّا.

و لقد عرضت هذا الانجاز المتواضع على بعض المحققين في الحوزة العلمية و ارباب الفكر و القلم، فأتحفونا بملاحظات قيّمة، و ارى من اللازم ان اتقدم بالشكر و التقدير لهم، كأصحاب السماحة حجج الإسلام و المسلمين: الشيخ كاردان، و الشيخ علي الكوراني، و الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي، و السيد جعفر مرتضى العاملي، و الشيخ محمد علي الانصاري، و الشيخ محمد الخاقاني، و السيد محمد جواد الجلالي، و شقيقيّ الشيخ محمد جواد و الشيخ محمد جعفر الطبسي، و صديقنا العزيز الاستاذ حامد عبد الخالق. فلهم جزيل الشكر و الله من وراء القصد.

نجم الدين الطبسي قم المقدسة- 8/ ع 2/ 1415 ه‍ ق‌

15

القسم الأوّل معنى النفي و التغريب، مشروعيته، انواعه، شمول التعزير للتغريب

.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الفصل الأول النفي و التغريب في اللغة

1- قال الطريحي: «النفي هو الطرد و الدفع؛ يقال: نفيت الحصى من وجه الارض، فانتفى؛ ثم قيل لكلّ كلام تدفعه و لا تثبته: نفيته؛ و منه: نفي إلى بلدة أخرى، أي دفع اليها.» (1).

و قال أيضا: «غرّب الشخص (بالضّم) غرابة: بعد عن وطنه، فهو غريب ...

تغرّب و اغترب: أي: ذهب الى بلاد الغربة.» (2).

2- و عن ابن فارس: «نفي: النون و الفاء، و الحرف المعتل أصيل؛ يدلّ على تعرية (تغربة) شي‌ء من شي‌ء و إبعاده منه ...» (3).

3- و عن ابن الأثير: «النفي: الإبعاد عن البلد، يقال: نفيته، أنفيته نفيا، إذا‌

____________

(1) مجمع البحرين 1: 418 (مادة نفي)- انظر: صحاح اللغة 6: 2513.

(2) مجمع البحرين 1: 131 (مادّة غرب).

(3) معجم مقاييس اللغة 5: 456.

18

أخرجته من البلد و طردته.» (1).

و قال أيضا: «التغريب: النفي عن البلد الذي وقعت فيه الجناية، يقال:

أغربته و غرّبته إذا نحّيته و ابعدته، و الغرب: البعد.» (2).

4- و عن ابن منظور: «الغرب: الذّهاب و التّنحّي عن الناس، و قد غرب عنّا يغرب غربا، و غرّب و اغرب و غرّبه، و أغربه: نحّاه، و في الحديث أمر (صلّى اللّه عليه و آله) بتغريب الزاني: و هو نفيه عن بلده.» (3).

و قال أيضا: «نفى الشي‌ء: تنحّى، نفي الرجل عن الأرض، و نفيته عنها:

طردته فانتفى ... و هو التغريب الذي جاء في الحديث، و نفي المخنّث: أن لا يقرّ في مدن المسلمين.» (4).

5- و قال الطبرسي: «أصل النفي: الإهلاك بالاعدام، و منه النفاية لردي‌ء المتاع، و منه النفي و هو ما تطاير من الماء عن الدلو. و النفي: الطرد، قال أوس بن حجر:

ينفون من طرق الكرام كما * * *ينفى المطارق ما يلي القرد» (5).

6- و قال الفيض: «التغريب: الإرسال إلى الغربة ...» (6).

____________

(1) النهاية 5: 101.

(2) النهاية 4: 349.

(3) لسان العرب 1: 638.

(4) لسان العرب 15: 337- انظر القاموس المحيط 4: 399- لغت نامۀ دهخدا 14: 337.

(5) مجمع البيان 3: 187.

(6) الوافي 22: 828.

19

الفصل الثاني مشروعية النفي

النفي مشروع بالأدلّة الأربعة:

أمّا الكتاب، فيدلّ عليه قوله تعالى: ... أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ... (1). و فسّر بالتغريب على ما يأتي في بحث المحارب إن شاء الله.

و أمّا السنّة: فالروايات الواردة الدالّة على مشروعية النفي إجمالا مستفيضة، بل لعلّها متواترة إجمالا من طريق الفريقين و سيتّضح هذا من خلال مطالعة الكتاب.

و على سبيل المثال لا الحصر؛ روى الفريقان: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) غرّب، و عليّا (عليه السّلام) غرّب (2)، و سائر الخلفاء غرّبوا.

و قد افرد في بعض الجوامع الحديثية باب باسم النفي، كما في الوسائل (3)،

____________

(1) المائدة: 33.

(2) التهذيب 10: 36 ح 127- و عنه الوسائل 18: 540 ب 4 ح 6.

(3) الوسائل 18: 393 ب 24.

20

و الترمذي حيث قال: «باب ما جاء في النفي: و قد صحّ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) النفي، رواه أبو هريرة، و زيد بن خالد، و عبادة بن الصامت، و غيرهم، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) منهم:

ابو بكر، و عمر، و علي (عليه السّلام) و أبيّ بن كعب، و عبد اللّه بن مسعود، و ابو ذر، و غيرهم. و كذلك روي عن غير واحد من فقهاء التابعين، و هو قول سفيان الثوري و مالك بن أنس، و عبد اللّه بن المبارك، و الشافعي و أحمد، و إسحاق ...» (1).

و أمّا الإجماع: فقد ادّعي- الإجماع- أو عدم الخلاف، أو: الاتفاق على النفي- اجمالا، في بعض الموارد- كنفي الزاني غير المحصن، أو المحارب.

و يمكن أن يقال: لا حاجة إلى الإجماع لأنّ حجّيته إنما هو لكشفه عن رأي المعصوم؛ فإذا كان المنكشف عندنا قطعيا فلا حاجة الى الكاشف عنه.

و أمّا العقل: فهو يحكم بالحفاظ على أمن البلاد و أهلها؛ و دفع شرّ الظالمين و المفسدين عنها بكلّ طريق ممكن.

و النفي، و إن كان منافيا لحرّية بعض الناس و تسلّطهم على انفسهم، غير أنّ بقاء هذا البعض حرّا يوجب تهديد أمن المجتمع و سلامته و حريته، فتقدّم هنا المصلحة العامة على مصلحة الفرد؛ أو أنّ العقل- على الأقل- لا يمنع من تغريبه، و إن لم يحكم بتغريبه بالخصوص (2).

____________

(1) الجامع الصحيح 4: 44 ب 11 ح 1438- الحدود- السنن الكبرى 8: 222- عمدة القارئ 23: 13- كنز العمال 5: 411- بلوغ المرام 2: 259.

(2) هذا كلّه على القول بحجيّة مدركات العقل، أمّا على قول بعض الأخباريين بعدم حجيّة العقل بقول مطلق، حتّى الفطري الخالي من شوائب الأوهام، فتكفينا الأدلة السابقة. انظر:

فرائد الاصول للشيخ الانصاري: 10.

21

الفصل الثالث شمول التعزير للنفي

التعزير في اللغة: هو من الألفاظ ذات المعاني المتضادّة، فهو بمعنى التوقير و التأديب كما عن الجوهري، و ابن منظور، و ابن الأثير، و الشيرازي في معيار اللغة.

و أمّا في اصطلاح الفقهاء، فالمشهور عندهم: أنّ التعزير: هو العقوبة غير المقدّرة، و التي يرجع تقديرها إلى الحاكم الشرعي؛ و قيّدها بعضهم بقوله: «في الغالب» لورود تعزيرات خاصة في الشّرع، محدّدة، مقدّرة.

هذا و قد صرّح الفقهاء بشمول دائرته الحبس، كالشيخ الطوسي في موردين من مبسوطه، و العلّامة الحلي في موارد من التحرير، و في القواعد و التذكرة، و المجلسي الأول في الروضة، و الشيخ محمّد حسن النجفي في موردين من موسوعته القيّمة- جواهر الكلام- و السيد محمد جواد العاملي في مفتاح الكرامة، و السيد الگلپايگاني في مجمع المسائل، و بعض المعاصرين من فقهاء الامامية، و أكثر فقهاء المذاهب الاخرى على ذلك.

22

كما صرّح آخرون من فقهاء الامامية، بشموله للنفي أيضا كما عن جواهر الكلام. و يبدو أنّ الإمام الخميني (رضوان الله عليه) و بعض تلامذته يذهبان الى ذلك أيضا.

و قيل بشمول التعزير، للتشهير (1) و الإطافة 2 كما في جواهر الكلام.

و احتمل بعضهم: شموله شمل العينين أيضا. نعم صرّح فقهاؤنا: بعدم شموله للجرح أو أخذ المال (3)- على خلاف رأي العامة- و إن قال بعضهم بجواز الجرح و القتل من باب إحدى مراتب النهي عن المنكر (4).

و عليه فلو أنّ فقيها أضاف النفي و التغريب إلى سائر التعزيرات، لما كان متفرّدا في هذا الحقل، و لا شاذّ القول، و لا بعيدا عن الإثبات و الاستدلال.

أضف إلى أنّ الأصل الأولي لتعيين مفاد الألفاظ و مفاهيمها هو العرف، الّا إذا كان عندنا نصّ معتبر من الشرع يعيّن معنى اللفظ. كما أنّ اعتبار قول اللغوي أيضا بهذا المعنى. و لم يكن معنى التعزير عند العرف، هو خصوص الجلد، بل معناه: التعظيم، و النصر، و الإذلال.

نعم لو اختلف العرف أو اللغة في سعة دائرته و شموليته فترجع المسألة الى كونها من موارد الشبهة المفهومية للتعزير فيؤخذ بالقدر المتيقّن.

أ- التعزير في اللغة:

1- عن الجوهري: «التعزير: التعظيم، و التوقير، و التعزير أيضا: التأديب.

____________

(1) (1) و (2) انظر معناهما في فروع «النفي في القيادة»: 126.

(3) و هو في التعزير المالي، و سيأتي البحث عنه في هذا الفصل.

(4) انظر: الارشاد للعلامة 2: 352- الروضة البهية 2: 416- مسالك الافهام 3: 105 (الطبعة الحديثة).

23

و منه سمّي الضرب دون الحدّ تعزيرا.» (1).

2- و عن ابن منظور: «أصل التعزير: التأديب و لهذا يسمّى الضرب دون الحدّ تعزيرا. إنّما هو أدب.» (2).

3- و عن ابن الأثير: «أصل التعزير: المنع و الردّ ... و لهذا قيل للتأديب الّذي هو دون الحدّ: التعزير ...» (3).

4- و عن الشيرازي: «التعزير: التعظيم و التوقير و التأديب، و منه سمّي الضرب دون الحدّ تعزيرا.» (4).

هذا ما ورد في اللغة، و أمّا عند الفقهاء:

ب- رأي الامامية:

1- قال المحقق الحلي: «كلّ ماله عقوبة مقدّرة يسمّى حدّا؛ و ما ليس كذلك سمّي تعزيرا.» (5).

2- و قال الشهيد الثاني: «التعزير لغة التأديب، و شرعا: عقوبة أو إهانة لا تقدير لها بأصل الشرع غالبا.» (6).

3- و قال الطباطبائي: «و إذا لم تقدّر العقوبة سمّي تعزيرا، و هو لغة التأديب» (7).

____________

(1) صحاح اللغة 2: 744.

(2) لسان العرب 4: 561.

(3) النهاية 3: 228.

(4) معيار اللغة 1: 463 انظر: مفردات الراغب: 345.

(5) شرائع الإسلام 4: 147.

(6) مسالك الافهام 2: 423- انظر السرائر 3: 534 و المهذب البارع 5: 74.

(7) رياض المسائل 2: 459.

24

4- و قال الشيخ محمد تقي الشيرازي: «التعزير تأديب تعبّدا للّه سبحانه به لردع المعزّر، و غيره من المكلّفين، و هو مستحق للإخلال بكلّ واجب و اتيان كلّ قبيح لم يرد الشرع بتوظيف الحدّ عليه.» (1)

5- و قال السبزواري: «المشهور بين الفقهاء: أنّ كلّما فيه عقوبة مقدّرة، تسمّى حدّا، و ما ليس كذلك يسمّى تعزيرا، و لا بدّ و أن يكون ذلك بحسب الغالب، و الّا فقد وردت في الشرع تعزيرات خاصة، في موارد مخصوصة محدودة بكميات معينة.» (2)

هذا و قد صرّح كثير من فقهائنا بشمول دائرة التعزير للحبس و النفي، و التشهير، و الإطافة، و السمل، و حلق الرأس، و غيرها، و فيما يلي كلماتهم:

ج- القائلون بشمول التعزير للحبس و النفي و ...:

1- قال الشيخ الطوسي: «إذا فعل إنسان ما يستحق به التعزير؛ مثل: أن قبّل امرأة حراما أو أتاها فيما دون الفرج، أو أتى غلاما بين فخذيه- عندهم- لأنّ ذلك لواط. أو ضرب انسانا، أو شتمه بغير حقّ، فللإمام تأديبه، فإن رأى أن يوبّخه على ذلك، و يبكّته، أو يحبسه، فعل ...» (3).

2- و قال أيضا: «و من وجب عليه دين حالّ، و عرف له مال يستره، و لم يكن له مال سواه، فإنّ السلطان يجبره على قضاء الدين، فإن فعل و الّا حبسه تعزيرا.» (4).

____________

(1) الحاشية: 124.

(2) مهذّب الاحكام 27: 271.

(3) المبسوط 8: 66- و مثله: الطرابلسي في المهذب 2: 596.

(4) المبسوط 4: 232.

25

3- و قال العلامة الحلّي: «التعزير يكون بالضرب أو الحبس أو التوبيخ أو بما يراه الإمام، و ليس فيه قطع شي‌ء منه، و لا جرحه و لا أخذ ماله. و التعزير فيما يسوغ فيه التعزير واجب، و لا يجب ضمانه لو تلف بالتعزير السائغ.» (1)

4- و قال أيضا: «التعزير يجب في كل جناية. لا حدّ فيها ... و هو يكون:

بالضرب و الحبس و التوبيخ من غير قطع و لا جرح و لا أخذ مال؛ و التعزير واجب فيما يشرّع فيه التعزير، و لا ضمان لمن مات به.» (2).

5- و قال في القواعد: «ثم ينظر- أي القاضي- أوّل جلوسه في المحبوسين، فيطلق كلّ من حبس بظلم أو تعزير.» (3).

6- و قال في التذكرة: «فيمن أسلم على ثمان زوجات- فإن اختار أربعا، و الّا حبسه الحاكم تعزيرا عليه في ترك الواجب.» (4).

7- و قال ابن فهد: «التعزير موكول الى نظر الامام ... و هو يكون بالضرب و بالحبس و بالتوبيخ من غير جرح و لا قطع و لا تخسير.» (5).

و قال أيضا: «و المعتمد اختصاص كل عقوبة بما عينت له شرعا و مع فقده يرجع إلى تأديب الامام له بما يراه من تعزير أو حبس أو غيره» 6.

8- و قال المجلسي الأوّل: «و هذا- أي الحبس- أيضا احد أنواع التعزير.» (7).

9- و قال الشيخ محمد حسن النجفي- في مسألة من أزال شعر رأس المرأة-:

____________

(1) تحرير الاحكام 2: 227.

(2) تحرير الاحكام 2: 239، انظر 2: 182.

(3) قواعد الاحكام 2: 204.

(4) تذكرة الفقهاء 2: 656- انظر القواعد و الفوائد للشهيد الأول 2: 142- الرقم 204.

(5) (5) و (6) المهذب البارع 5: 73 و 89 و 90.

(7) روضة المتقين 9: 163.

26

«و لعلّ ما فيه من الحبس و الضرب على الوجه المزبور، محمول على ضرب من التعزير الّذي هو على حسب ما يراه الحاكم.» (1).

10- و قال أيضا: «نعم قد تحصل مصلحة في بعض المقامات تقتضي جواز حبس الحاكم.» (2).

11- و قال أيضا: «كما أنّ ما عن المقنعة، و النهاية، و السرائر، و الوسيلة، و التحرير، من شهر المحتال ليحذر منه الناس؛ محمول على ما إذا رأى الحاكم ذلك، لمصلحة.» (3).

12- و قال أيضا في نفي واطئ البهيمة: «و النفي المذكور في موثق سماعة محمول على ما إذا رآه الحاكم في التعزير.» (4).

13- و قال السيد جواد العاملي في عقوبة الواجد للدين: «و في نقل آخر:

و حبسه بدل عقوبته، و لا تفاوت، اذ العقوبة بعض أنواعها الحبس.» (5).

14- و قال الفيض: «و التعزير موكول الى رأي الإمام (عليه السّلام) يقيّمه في كل موضع، بما يراه المصلحة فيه.» (6).

15- و قال أيضا في نفي علي (عليه السّلام) رجلين من الكوفة: «لعلّ الغرض من النفي، الإذلال و الصغار.» (7).

____________

(1) جواهر الكلام 41: 249 (الحدود).

(2) جواهر الكلام 42: 249 «الحدود».

(3) جواهر الكلام 41: 598.

(4) جواهر الكلام 41: 639.

(5) مفتاح الكرامة 10: 86.

(6) الوافي 15: 307 و 309.

(7) الوافي 15: 288 ذيل ح 15074

27

16- و قال السيد الگلپايگاني: «يجوز التعزير بالحبس في بعض الموارد.» (1).

17- و يبدو من كلام الإمام الخميني (رحمه اللّه): «أنّ للحاكم الشرعي، أو نائبه عقوبة المتخلّف، بالحبس و التغريب عن بلده و تعطيل محل كسبه، و فصله عن عمله- فيما لو كان موظفا حكوميا- لكن هذا كلّه في مثل الاحتكار و و ... مما فيه جانب اجتماعي.» (2).

18- قال الشيخ المنتظري بعد أن ذكر موارد التغريب و الحبس و حلق الرأس و الإطافة و التشهير: «و لعلّ المتتبّع يقف على موارد كثيرة من هذا القبيل، و هذه كلّها من باب التعزير قطعا؛ اذ لا ثالث للحدّ و التعزير فيكون مفهومه أعمّ من الضرب، و هو المطلوب، فتأمّل.» (3).

«و يحتمل البعض منّا أن يكون سمل العينين، من باب أحد أفراد التعزير، فلا يكون حدّا، فللحاكم أن يعزّر من لم يدافع عن المسلم المقتول، بما يراه صلاحا» (4).

و الحاصل من مجموع هذه الفتاوى و الكلمات أنّ التعزير لم ينحصر بالضرب، بل هو أعمّ منه، و الملاك هو الاذلال و التحقير، و امّا نوعية التعزير فهي منوطة بما يراه الحاكم من المصلحة، و النفي من أظهر مصاديق التذليل و التحقير، فيعزّر به إن رآه الحاكم.

د- آراء المذاهب الاخرى:

1- قال الماوردي: «... ثم هذه الغاية- أي التسعة و ثلاثين سوطا- لا يجب‌

____________

(1) مجمع المسائل 3: 213- المسألة: 99.

(2) انظر الموازين القضائية عند الإمام الخميني 1: 171.

(3) ولاية الفقيه 2: 326.

(4) انظر حدود الشريعة 4: 379- و 3: 484.

28

استعمالها في كلّ معزّر، لأنّ التعزير يختلف باختلاف حال المعزّر، و يكون موقوفا على الاجتهاد فمن أدّى الاجتهاد الى تعزيره بالضرب اجتهد في عدده ... و إن أدّى الاجتهاد الى تعزيره بالحبس، لم يعدل به إلى الضرب، و إن أدّى الاجتهاد الى تعزيره بالقول و الزجر لم يعدل به إلى ضرب و لا حبس ...» (1).

2- و قال في الاحكام السلطانية: «ثمّ يعدل بمن دون ذلك إلى النفي و الابعاد، إذا تعدّت ذنوبه إلى اجتلاب غيره إليها، و استضراره بها، و عامة نفيه مقدّر بما دون الحول و لو بيوم، لئلا يصير مساويا لتغريب الحول في الزنا.

أقول: و ظاهر مذهب مالك: أنّه يجوز أن يزاد فيه على الحول بما يرى من أسباب الزجر.» (2).

3- و قال البهوتي: «و يكون التعزير أيضا بالحبس و الصفع و التوبيخ و العزل عن الولاية و إقامته في المجلس حسبما يراه الحاكم و يصلبه حيّا، و لا يمتنع من أكل و وضوء. و يصلّي بالايماء ... و في «الفنون»: للسلطان سلوك السياسة، و هو الحزم عندنا، و لا تقف السياسة على ما نطق به الشرع ...» (3).

4- و قال علي ناصف: «التعزير بالضرب و الحبس و النفي» (4).

5- و قال الجزيري: «... انّ التعزير باب واسع يمكن للحاكم أن يقضي به على كل الجرائم الّتي لم يضع الشارع لها حدّا أو كفّارة، على أن يضع العقوبة المناسبة لكلّ بيئة، و لكلّ جريمة: من سجن أو ضرب، أو نفي، أو توبيخ، أو غير‌

____________

(1) أدب القاضي 2: 364.

(2) الاحكام السلطانية: 279- انظر: الاحكام السلطانية للفراء: 236- معالم القربة: 191- الفروق 4: 177- حاشية الشيخ سليمان 5: 344- الجمل على شرح المنهج 5: 162.

(3) شرح منتهى الارادات 3: 361.

(4) التاج 3: 32.

29

ذلك ...» (1).

6- و قال الزحيلي: «و التعزير: يكون إمّا بالضرب، أو بالحبس، أو الجلد، أو النفي، أو التوبيخ، أو التغريم المالي، و نحو ذلك ممّا يراه الحاكم رادعا للشخص بحسب اختلاف حالات الناس، حتّى القتل سياسة كما قرّر فقهاء الحنفية و المالكية.» (2).

____________

(1) الفقه على المذاهب الاربعة 5: 400.

(2) الفقه الاسلامي و أدلته 4: 287- انظر: المغني 8: 326- المبسوط للسرخسي 9: 38- بدائع الصنائع 7: 64- تحفة الفقهاء 3: 148- معالم القربة: 285- عيون الازهار: 485- المنهاج للنووي: 532.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الفصل الرابع التعزير المالي

أمّا التعزير المالي، فقد أنكره العلّامة الحلّي في التحرير (1)، و السيد الگلپايگاني في المجمع (2)، و من اهل السنة: ابن قدامة في المغني (3)، و أجازه بعض المعاصرين (4)، و بعض الحنفية (5)، على أن يردّ له إذا تاب.

هذا و لم يرد دليل على الجواز، مع ما فيه من المخالفة لتسلّط الناس على اموالهم (6)

____________

(1) تحرير الاحكام 2: 227 و 239- انظر المهذب البارع 5: 73.

(2) مجمع المسائل 3: 213- المسألة: 99.

(3) المغني 8: 328.

(4) ولاية الفقيه 2: 329- 345.

(5) الفقه على المذاهب الاربعة 5: 401.

(6) غوالي اللآلي 1: 222 و 457- و ج 2: 138- و ج 3: 208- و عنه البحار 2: 271 ح 7.

32

و لعدم حلّ مال الغير الّا باذنه (1) نعم، روي عن علي (عليه السّلام) أنّه أمر بإحراق الطعام المحتكر (2)، و روي أيضا أنه (عليه السّلام) أمر بإحراق قرية يصنع فيها الخمر، و ذلك حينما «نظر (عليه السّلام) إلى قرية، فقال: ما هذه القرية؟ قالوا: قرية تدعى زرارة يلحم فيها و يباع الخمر، فأتاها بالنيران، فقال: اضرموها فيها، فإنّ الخبيث يأكل بعضه بعضا فاحترقت» (3) و لكنهما ضعيفتا المأخذ.

و أمّا ما ورد عن بعض الصحابة، أنّه أحرق بيت رويشد الثقفي، و كان حانوتا للشراب (4)، لعلّه أحرق الخمر المتواجد فيه، لعدم ماليّته، فضلا عن أنّ الحجّة عندنا عمل المعصوم فقط. و ما يقال إنّه كان بمرأى و منظر الإمام المعصوم (عليه السّلام)، فنقول: لم يثبت رضاؤه (عليه السّلام) بكلّ ما يحدث بمرأى و منظر منه (عليه السّلام).

____________

(1) الوسائل 2: 425 ب 3 ح 3.

(2) المحلّى 9: 65- المسألة 1567.

(3) كنز العمّال 5: 504 ح 13744- عن ربيعة بن زكار. لم نعثر على ترجمته.

(4) مصنف عبد الرزاق 9: 230 ح 17039- كنز العمال 5: 499 ح 13737.

33

الفصل الخامس النفي قبل الإسلام

مقتضى بعض الروايات أنّ النفي- بمعناه العرفي و اللغوي- كان متداولا في المجتمعات قبل الإسلام، بالنسبة إلى بعض الجناة. فانهم كانوا ينفون الزاني عن مجالسهم و يطردونه، و يشتمونه، و يؤذونه ... و كان الامر على هذا المنوال حتّى بعد الإسلام إلى مدّة بمصداق الآية الكريمة: وَ الَّذٰانِ يَأْتِيٰانِهٰا مِنْكُمْ فَآذُوهُمٰا ... (1) الى أن نزلت آية الجلد. فنسخت الآية الاولى.

و قد ذهب الى هذا الرأي، عكرمة، و عبادة بن الصامت.

هذا: و لكنّ الإمام الخوئي قال: «لا نسخ في الآية، و ليس المراد من الضمير في الآية يَأْتِيٰانِهٰا الزنا، بل المراد: اللواط، و معه: فموضوع الآية أجنبيّ عن موضوع آية الجلد.» (2).

و نحن نورد الرواية الواردة في النفي:

____________

(1) النساء: 16.

(2) انظر: البيان في تفسير القرآن: 329- 332.

34

روى الحر العاملي: «عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين في حديث الناسخ و المنسوخ قال: فكان من شريعتهم في الجاهلية، أنّ المرأة إذا زنت حبست في بيت و اقيم بأودها (1) حتّى يأتيها الموت، و إذا زنى الرّجل نفوه عن مجالسهم و شتموه و آذوه و عيّروه و لم يكونوا يعرفون غير هذا. قال الله تعالى في اوّل الإسلام: وَ اللّٰاتِي يَأْتِينَ الْفٰاحِشَةَ مِنْ نِسٰائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّٰى يَتَوَفّٰاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لَهُنَّ سَبِيلًا* وَ الَّذٰانِ يَأْتِيٰانِهٰا مِنْكُمْ فَآذُوهُمٰا فَإِنْ تٰابٰا وَ أَصْلَحٰا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمٰا إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ تَوّٰاباً رَحِيماً (2).

فلمّا كثر المسلمون و قوي الإسلام و استوحشوا امور الجاهلية، أنزل الله تعالى: الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ ... (3) فنسخت هذه، آية الحبس و الأذى.» (4).

اقول روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: فَآذُوهُمٰا هو التعيير باللسان و الضرب بالنعال (5).

____________

(1) الأود: العوج، أقام إوده: أي عوجه مجمع البحرين 3: 9 (مادة أود).

(2) النساء 15- 16.

(3) النور: 2.

(4) الوسائل 18: 351 ح 19- نقلا عن المحكم و المتشابه ص 8، بتفاوت، و تفسير القمّي 1:

133- و عنه البحار 76: 59 ح 56.

(5) تفسير التبيان 3: 144.

35

الفصل السادس النفي غير الشرعي

لم نقصد بالنفي و التغريب- في هذا الكتاب- ما ارتكبه بعض الصحابة بحقّ الرعيّة تعنّتا و ظلما، و لأغراض سياسية محضة.

و لم نرد أن نجعله مدركا نستند إليه في الفتاوى الفقهية، بل رأينا فيه أنّه جريمة و ذنب بحقّ المسلمين؛ صدر عن جهل أو ظلم، أو كليهما.

فقد نفى عثمان، أبا ذر الصحابيّ الكبير إلى الشام، ثمّ الى الربذة، و غرّب كعب بن عبده الى بعض الجبال، و غرّب عبادة بن الصامت من الشام، و غرّب كعبا من المدينة الى الري، و غرّب عامر بن عبد قيس الى الشام، و غرّب حمران بن أبان الى البصرة، و غرّب عبد الرحمن الجمحي الى القموس (1)، و غرّب عمرو بن زرارة من الكوفة الى الشام (2)، و غرّب عبد الرحمن بن‌

____________

(1) كذا في لفظ اليعقوبي. و في الاصابة: الغموص. و لعلّ الصحيح: القموص: و هو جبل بخيبر عليه حصن أبي الحقيق اليهودي. (معجم البلدان 4: 398).

(2) الغدير 8: 381- و 9: 392.

36

حنبل (1) الى خيبر بعد أن ضربه (2)، و نفى هشام، جنيدا الى السند (3).

فهذه الاعمال ليست فقها، و لا هي امور شرعيّة يمكن الاستناد إليها، بل هي مجرّد الاستبداد بالرأي و ديكتاتورية محضة صدرت من اولئك الحكّام الّذين تسلّطوا على رقاب المسلمين، و لا بدّ من الوقوف أمام هذه التيارات و لا يحقّ لحاكم أن يرتكب هذه الجريمة بحق أحد من الرعية.

و قد وقف امير المؤمنين علي (عليه السّلام) أمام هذه النعرات الجاهلية، التي كانت تطلب منه تهجير قوم، و طردهم من الكوفة، عاصمة الخلافة الاسلامية آنذاك، لأنّهم كانوا من الموالي، فقد اتّخذ الامام علي (عليه السّلام) موقفا حاسما، و قال: «فأكون من الجاهلين، أو من الظالمين». فالطرد لا عن سبب شرعي، يعدّ جهلا من الحاكم، بأحكام الشرع، و ظلما بحقّ الرعيّة.

و فيما يلي موقف الامام علي (عليه السّلام)، ممّن طلب طرد الموالي من الكوفة، و نماذج من طرد بعض الحكام، للمؤمنين و تهجيرهم لا عن وجه شرعي:

ففي كتاب الغارات: «عن عبّاد بن عبد الله الأسدي قال: كنت جالسا يوم الجمعة، و علي (عليه السّلام) يخطب على منبر من آجر، و ابن صوحان جالس؛ فجاء الأشعث فجعل يتخطّى الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، غلبتنا هذه الحمراء على وجهك! فغضب، فقال ابن صوحان: ليبيّن اليوم من أمر العرب ما كان يخفى، فقال علي (عليه السّلام): من يعذرني من هؤلاء الضياطرة، يقيل (4) أحدهم يتقلّب على‌

____________

(1) و في نسخة ابن حبان، او: ابن حسان.

(2) شرح الاخبار 2: 19 ح 406.

(3) الغدير 9: 392.

(4) أي ينام القيلولة- أي الضحى-.

37

حشاياه، و يهجر (1) قوم لذكر الله، فيأمرني أن أطردهم فأكون من الظالمين؟!

و الّذي فلق الحبّة و برأ النسمة لقد سمعت محمدا يقول: ليضربنّكم- و الله- على الدّين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا ...» (2).

الشرح: الحمراء: العجم و الروم، لأن العرب تسمي الموالي الحمراء.

الضيطار: و هو الضخم الّذي لا منفعة فيه، و لا غناء.

الحشايا: الفراش المحشو.

نماذج من النفي غير الشرعي

1- نفي عثمان أبا ذر (رحمه اللّه):

عن الواقدي: «عن صهبان مولى الأسلميين، قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الّذي فعلت ما فعلت؟ فقال له أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، و نصحت صاحبك فاستغشّني. فقال عثمان: كذبت و لكنّك تريد الفتنة و تحبّها، قد انفلت الشام علينا! فقال له ابو ذر: اتّبع سنّة صاحبك لا يكن لأحد عليك كلام. قال عثمان: مالك و ذلك؟- لا أمّ لك- قال ابو ذر: و الله ما وجدت لي عذرا الّا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فغضب عثمان. و قال:

أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذّاب، إمّا أن أضربه، أو أحبسه، أو أقتله، فإنّه قد فرّق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام ... فقال: اخرج عنّا من بلادنا، فقال أبو ذر: ما ابغض إليّ جوارك فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت. قال:

____________

(1) يهجر: من الهجير، اي الحرّ، اي يتعرض لحرّ الشمس.

(2) الغارات 2: 498- بحار الأنوار 34: 319- شرح ابن ابي الحديد 20: 284- سفينة البحار 8: 605، مادّة «ولي».

38

فأخرج الى الشام- أرض الجهاد- قال: إنّما جلبتك من الشام، لما قد أفسدتها، أ فأردّك إليها؟ قال: فاخرج إلى العراق، قال: لا. قال: فإلى أين أخرج؟ قال:

حيث شئت. قال أبو ذر: فهو إذن التعرّب بعد الهجرة، أخرج إلى نجد. فقال عثمان الشرف الأبعد أقصى فالأقصى امض على وجهك هذا، و لا تعدونّ الرّبذة، فسر إليها، فخرج اليها.» (1)

2 و 3- نفي عبادة و كعب:

قال الحلبي: «من جملة ما انتقم به على عثمان: أنه ... أشخص عبادة بن الصامت من الشام لمّا شكاه معاوية، و ضرب عمار بن ياسر، و كعب بن عبده، ضربه عشرين سوطا و نفاه الى بعض الجبال.» (2)

4- نفي عثمان، للأشتر و جماعة من صلحاء الكوفة:

قال البلاذري: «فكتب سعيد بن العاص بذلك- أي و ثوب الأشتر بابن خنيس، صاحب الشرطة- إلى عثمان، و قال: اني لا أملك من الكوفة مع الأشتر و اصحابه الذين يدعون القرّاء، و هم السفهاء، شيئا. فكتب اليه: أن سيّرهم إلى الشام. و كتب الى الأشتر: إني لأراك تضمر شيئا لو أظهرته لحلّ دمك، و ما أظنّك‌

____________

(1) الغدير 8: 298- انظر: الأنساب 5: 52- طبقات ابن سعد 4: 168- مروج الذهب 1: 438- تأريخ اليعقوبي 2: 148- شرح ابن ابي الحديد 1: 240- فتح البارئ 3:

213- عمدة القارئ 4: 291.

(2) السيرة الحلبية 2: 87- عنه الغدير 9: 6 و يقال إن عثمان أمر بكعب فجرّد و ضرب عشرين سوطا و سيّره الى دباوند، و يقال الى جبل الدّخان. انظر تأريخ الطبري 5: 137- الرياض النضرة 2: 140- شرح ابن ابي الحديد 1: 168- الغدير 9: 48.

39

منتهيا حتّى يصيبك قارعة لا بقيا بعدها، فإذا أتاك كتابي هذا فسر الى الشام، لإفسادك من قبلك، و أنّك لا تألوهم خبالا، فسيّر سعيد الأشتر و من كان وثب مع الأشتر و هم: زيد و صعصعة ابنا صوحان و عائذ بن حملة الطهوي- من بني تميم- و كميل بن زياد النخعي، و جندب بن زهير الأزدي، و الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني، و يزيد بن المكفف النخعي، و ثابت بن قيس بن المنقع النخعي، و أصعر- أصغر- بن الحارث الحارثي فخرج المسيّرون من قرّاء أهل الكوفة، فاجتمعوا بدمشق، نزلوا مع عمرو بن زرارة ... ثمّ انه جرى بين معاوية و بين الأشتر قول حتى تغالظا فحبسه معاوية ... (ثم بعد اخراجهم من الحبس) بلغ معاوية أنّ قوما من أهل دمشق يجالسون الأشتر و أصحابه. فكتب إلى عثمان.

إنّك بعثت إليّ قوما أفسدوا مصرهم و أنغلوه، و لا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي، و يعلّموهم ما لا يحسنونه حتّى تعود سلامتهم غائلة و استقامتهم اعوجاجا، فكتب إلى معاوية، يأمره أن يسيّرهم الى حمص، ففعل. و كان و اليها عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد بن المغيرة، و يقال: إنّ عثمان كتب في ردّهم إلى الكوفة، فضجّ منهم سعيد ثانية، فكتب في تسييرهم إلى حمص، فنزلوا الساحل» (1).

5- نفي عامر بن عبد قيس التميمي:

قال ابن حجر: «روى ابن المبارك في الزهد، من طريق بلال بن سعد، أنّ عامر ابن قيس وشي به الى عثمان، فأمر أن ينفى الى الشام على قتب، فانزله معاوية الخضراء، و بعث اليه بجارية، و أمرها أن تعلمه ما حاله؟ فكان يقوم الليل كلّه و يخرج من السحر فلا يعود الّا بعد العتمة، و لا يتناول من طعام معاوية شيئا.

كان يجي‌ء معه بكسر، فيجعلها في ماء فيأكلها، و يشرب من ذلك الماء، فكتب‌

____________

(1) الأنساب 5: 39- الغدير 9: 31.

40

معاوية الى عثمان بحاله ...» (1)

6- نفي عبد الرحمن الجمحي:

قال اليعقوبي: «سيّر عبد الرحمن صاحب رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) إلى القموص من خيبر، و كان سبب تسييره إيّاه؛ أنّه بلغه كرهه مساوى ابنه و خاله و أنّه هجاه» و قال ابن حجر: «لمّا أعطى عثمان مروان خمس مائة الف من خمس افريقية قال عبد الرحمن [أشعارا]:

و أعطيت مروان خمس الغنيمة * * *آثرته و حميت الحمى

فأمر به، فحبس بخيبر ... فلم يزل علي (عليه السّلام) يكلّم عثمان حتّى خلّى سبيله على أن لا يساكنه بالمدينة، فسيّره الى خيبر، فأنزله قلعة بها تسمّى «القموص» فلم يزل بها حتّى ناهض المسلمون عثمان ...» (2).

7- نفي عمرو بن زرارة:

قال البلاذري: «إنّ اوّل من دعا الى خلع عثمان و البيعة لعلي (عليه السّلام)، عمرو بن زرارة بن قيس النخعي، و كميل بن زياد، فقام عمرو بن زرارة فقال: أيها الناس: إنّ عثمان قد ترك الحقّ و هو يعرفه، و قد أغرى بصلحائكم يولّي شراركم.

____________

(1) الإصابة 3: 85- و عنه الغدير 9: 54- انظر المحاضرات للراغب 2: 212- المعارف لابن قتيبة 84- العقد الفريد 2: 261- الانساب 5: 57- تأريخ الطبري 5: 91- الكامل في التأريخ 3: 60.

(2) الغدير 9: 58- انظر تأريخ اليعقوبي 2: 150- الاستيعاب 2: 410- شرح ابن ابي الحديد 1: 66- الاصابة 2: 395- تأريخ الطبري 6: 25.

41

فبلغ الوليد فكتب إلى عثمان بما كان من ابن زرارة. فكتب اليه عثمان: إنّ ابن زرارة أعرابيّ جلف. فسيّره الى الشام، و شيّعه الأشتر، و الاسود بن يزيد، و علقمة ...» (1).

8- نفي عبد الرحمن:

قال القاضي نعمان: «عبد الرحمن بن حنبل [أو بن حبّان، أو بن حسان] و هو الّذي ضربه عثمان، و سيّره الى خيبر، قتل يوم صفين.» (2).

9- نفي هشام جنيدا إلى السند:

قال ابن عساكر: «قال الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو: أتيت من حوران (3) إلى دمشق لآخذ عطائي؛ فصلّيت الجمعة، ثم خرجت من باب الدرج، فإذا عليه شيخ يقال له: ابو شيبة القاص، يقصّ على الناس. فرغّب، فرغبنا. و خوّف فبكينا. فلمّا انقضى حديثه، قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فلعنوا أبا تراب (عليه السّلام). فالتفت إلى من على يميني، فقلت له: فمن ابو تراب؟ فقال: علي بن ابي طالب، ابن عمّ رسول اللّه، و زوج ابنته، و اوّل الناس إسلاما، و ابو الحسن‌

____________

(1) الانساب للبلاذري 5: 30- اسد الغابة 2: 220 و 4: 104- الاصابة 1: 548- الغدير 9: 146.

(2) شرح الأخبار 2: 19 ح 406. انظر: العقد الفريد 4: 309- و الطبعة القديمة منها 2:

247- و الغدير 8: 381- فيما يتعلّق بعثمان حيث طلب من علي (عليه السّلام) أن «يغادر المدينة الى ينبع» فلعلّه يرتبط بالمقام.

(3) كورة واسعة، من أعمال دمشق ذات قرى كثيرة. و يقال أيضا أنّها ماء بنجد. و الظاهر هو الاول. معجم البلدان 2: 317.

42

و الحسين ... فاستنكر الأمر، و لطم وجه الرّجل فشكى إلى هشام بن عبد الملك، فنفى الجنيد الى السند، فلم يزل بها الى أن مات.» (1).

هذه نماذج- و حقائق تأريخية مرّة- من التغريب غير الشرعي، صدرت لأهداف سياسية، و لأغراض شخصية، فهي لاستمرار الحكم و التسلط على رقاب الناس، و لتخويف من يروم أيّة محاولة و مناوشة ضد الحكام و الّا فما هو الوجه الشرعي لنفي جنيد الذي قام بدور النهي عن المنكر، و ردع من يأمر بلعن الامام علي (عليه السّلام)؟

و ايّ وجه شرعي لنفي زرارة الذي كان يطالب الخليفة بالرجوع الى الحق، و عدم تولية الاشرار؟

و ايّ مبرّر شرعي لنفي الجمحي الّذي اعترض على الخليفة في اعطائه الالوف من الدنانير- من اموال المسلمين- لمروان طريد رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله)، و هكذا نفي ابي ذر ذلك الصحابي الكبير و غيره؟!

____________

(1) تأريخ ابن عساكر 3: 407- انظر الغدير 9: 392.

43

القسم الثاني في موارد النفي و التغريب

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الباب الأوّل التغريب في الدم

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

الفصل الأول نفي قاتل الولد

وردت رواية في التهذيب، في نفي قاتل الولد، و العبد لكنها ضعيفة السند بعمرو بن شمر- و ان اعتمد عليه بعض الاعاظم منّا.

كما أفتى بمضمونها: يحيى بن سعيد الحلّي في الجامع، و الشيخ الوالد في موسوعته الفقهية. هذا، و قد حملها المجلسي في الملاذ، على الحبس، أو التخيير بينه و بين النفي في خصوص قاتل العبد.

كما حملها في الجواهر على أنّ النفي بعض أفراد ما يراه الحاكم من التعزير.

و يظهر ذلك من السيدين: الخوئي، و الخوانساري.

و لكن اكثر الفقهاء صرّحوا بالتعزير من دون إشارة إلى النفي و التغريب، كالشيخ المفيد في المقنعة، و الشيخ الطوسي في المبسوط، و سلّار في المراسم، و المحقق الحلّي في الشرائع، و المختصر النافع، و العلّامة الحلي في التحرير و التبصرة، و الشهيدين في الروضة، و الشيخ البهائي في الجامع العباسي، و السيد الطباطبائي في الرياض و المامقاني في المناهج، و السيد الخوئي في المباني. كما أنّ جمعا من الفقهاء‌

48

لم يتعرّض للتعزير: كالقاضي في المهذّب، و العلامة الحلّي في قواعد الاحكام، و الارشاد، و ولده فخر المحققين في الإيضاح، و الشهيد في المسالك، و السيد الخميني في تحرير الوسيلة.

الروايات:

1- التهذيب: «محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السّلام) في الرّجل يقتل ابنه، أو عبده قال: لا يقتل به، و لكن يضرب ضربا شديدا، و ينفى عن مسقط رأسه.» (1).

قال المجلسي: «الحديث ضعيف» (2).

أقول: و ضعفه بعمرو بن شمر، و إن وثّقه ابن قولويه، و اعتمد عليه الشيخ المفيد، و المحدّث النوري (3).

المصرّحون بالتغريب من فقهائنا:

1- يحيى بن سعيد الحلّي: «و ينفى قاتل ولده و عبده عمدا عن مسقطي رأسهما و يضربان ضربا شديدا.» (4).

2- المجلسي الثاني: «و يدلّ- اي الحديث- على أنّه لا يقتل الرجل بابنه، و هو‌

____________

(1) التهذيب 10: 236 ب 19 ح 11- و عنه الوسائل 19: 69 ب 37 ح 9- و الوافي 16:

632 (ابواب القصاص).

(2) ملاذ الاخيار 16: 500.

(3) انظر: معجم رجال الحديث 13: 106 الرقم 8922.

(4) الجامع للشرائع: 576.

49

إجماعي، و المشهور إلحاق الأجداد في ذلك بالاب، و فيه إشكال.

و على أنّه يعزّر، و قد ذكره الأصحاب. و على أنّه ينفى من البلد، و لم أر في كلامهم الّا ما نقلناه سابقا من الجامع. و يمكن حمله على الحبس، و إن كان بعيدا، او التخيير بينه، و بين الحبس- في العبد- جمعا.» (1).

3- الشيخ محمد حسن النجفي: «فلو قتل والد ولده لم يقتل به بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه- و لكن عليه الكفّارة لعموم الأدلة، بل كفارة الجمع و الدّية لمن يرثه- و التعزير بما يراه الحاكم، و لكن في خبر جابر: «و ينفى عن مسقط رأسه» و لعلّه محمول على أنّ ذلك بعض افراد ما يراه الحاكم.» (2).

4- السيد الخوئي: «أن لا يكون القاتل أبا للمقتول، فإنّه لا يقتل بقتل ابنه، و عليه الدية، و يعزر، و هل يشمل الحكم أب الأب أم لا؟ و جهان لا يبعد الشمول. ثم قال في الهامش: لما تقدم من ثبوت التعزير لكل معصية كبيرة، حسبما يراه الحاكم الشرعي، و يؤيّد ذلك رواية جابر ... و ينفى عن مسقط رأسه ...» (3)

5- الشيخ الوالد: «أن لا يكون القاتل أبا. فلا يقتل الأب بالولد، فلو كان الأب قاتلا لابنه لا يقتل الاب لابنه قصاصا، بلا خلاف في المسألة، بل عليه الإجماع. و الأصل فيه الرواية التي ذكرها العامة و الخاصة ... و يعزّر الأب على فعله المحرّم، و يضرب ضربا كما في الخبر، و ينفى الأب القاتل عن مسقط رأسه» (4).

6- السيد الخوانساري: «أمّا عدم قتل الأب بقتل ولده، فلا خلاف فيه ظاهرا. و تدل عليه النصوص الصحيحة ... و أمّا التعزير فهو المعروف في المعاصي‌

____________

(1) ملاذ الأخيار 16: 500- 498.

(2) جواهر الكلام 41: 159.

(3) مباني تكملة المنهاج 2: 72.

(4) ذخيرة الصالحين 8: 72.

50

الكبيرة. و تؤيده الرواية هذه: «و ينفى عن مسقط رأسه.» (1) كما يلوح ذلك من كلام ابن ادريس، حيث قال: «لو قتل والد ولده في المحاربة ... يتحتم عليه القتل ... و ليس للإمام نفيه هاهنا دون قتله.» (2).

هذا، و لكن الإنصاف، أنّه لا صراحة لهذه النصوص في التغريب، سيما كلام «الخوئي و الخوانساري» رحمهما اللّه حيث إنهما اوردا رواية جابر للتأييد فقط.

المصرّحون بالتعزير أو العقوبة:

1- الشيخ المفيد: «و الأب إذا قتل ولده خطأ ... و اذا قتله عمدا عاقبه السلطان عقوبة موجعة، و ألزمه الدية على الكمال لورثته سوى الأب القاتل.» (3).

2- الشيخ الطوسي: «إذا قتل الرجل ولده لم يقتل به بحال، سواء قتله حذفا بالسيف أو ذبحا. و على ايّ وجه قتله عندنا، و عند اكثرهم ... فإذا ثبت أنّه لا يقاد به، فعليه التعزير و الكفّارة ...» (4).

3- سلّار بن عبد العزيز: «... الّا اللّهم أن يكون القاتل أب المقتول، فإنّ الأب لا يقاد بابنه بل يؤخذ منه ديته و لا يورث منها، و يعاقب.» (5).

4- المحقّق الحلّي: «الشرط الثالث أن لا يكون القاتل أبا، فلو قتل ولده لم يقتل به، و عليه الكفّارة، و الدية و التعزير.» (6).

____________

(1) جامع المدارك 7: 233.

(2) السرائر 3: 506.

(3) المقنعة: 749.

(4) المبسوط 7: 9- انظر النهاية: 739- الخلاف 2: 343. المسألة: 9.

(5) المراسم: 236.

(6) شرائع الإسلام 4: 214- و مثله في المختصر النافع: 296.

51

5- العلامة الحلّي: «لا يقتل الأب بولده. بل يجب على الأب الدّية لورثة الولد، غيره، و يعزّر، و يجب عليه كفّارة الجمع.» (1).

6- الشهيدان: «و يعزّر الوالد بقتل الولد، و يكفّر، و يجب الدّية لغيره من الورثة.» (2).

7- الشيخ البهائي: «أن لا يكون القاتل أبا أو جدّا للمقتول، فإن كان كذلك، فلا يقتص منه بل يعزّر و يجب عليه الكفّارة و الدية.» (3).

8- السيد الطباطبائي: «أن لا يكون القاتل أبا للمقتول، فلو قتل الوالد ولده، لم يقتل به مطلقا بلا خلاف أجده، بل عليه اجماعنا في كلام جماعة، و هو الحجّة مضافا إلى المعتبرة المستفيضة. و عليه الدّية و الكفّارة ... و التعزير لذلك.

و للنص ... مع أن ذلك- أي التعزير- مقتضى كل محرم لم يجد فيه حدّ.» (4).

9- المامقاني: «فلو قتل والد ولده، لم يقتل به، نعم عليه الكفارة، و الدية و التعزير، و في حكمه الجدّ للأب. و يقتل الولد بأبيه و أمّه.» (5).

____________

(1) تحرير الاحكام 2: 248- و مثله في تبصرة المتعلّمين: 204- انظر الارشاد 2: 203.

(2) الروضة البهيّة 10: 64.

(3) جامع عباسي: 432.

(4) رياض المسائل 2: 512.

(5) مناهج المتقين: 512.

و منهم من لم يتعرض للتعزير مثل: علي بن حمزة في الوسيلة: 431- الطرابلسي في المهذب 2: 459. العلامة الحلي في القواعد 2: 291- و الارشاد 2: 203- فخر المحققين

في إيضاح الفوائد 4: 598- الشهيد الثاني في مسالك الافهام 2: 467. و من المذاهب الاخرى: البيهقي عن الشافعي 8: 38- المقدسي في الفروع 5: 643- ابن منجا الحجاوي في الروض المربع 1: 332- المرداوي في الإنصاف 9: 473- الزحيلي في الفقه الإسلامي و ادلته 6: 268.

52

فروع و مسائل

الأول: لو كان مسقط الرأس مجهولا، أو كان في فلاة:

لو قتل الأب ولده، و لم يمكن إحراز مسقط رأس القاتل، بأن كانت ولادته في سفر برّي أو جوّي أو بحري، فمقتضى الجمود على ظاهر الرواية هو انتفاء هذا الحكم. و يثبت التعزير حينئذ للرواية، أو لثبوته في كلّ محرّم لم يرد فيه نص. الّا أن يقال: بأنّ «مسقط الرأس» عنوان مشير الى الموطن الفعلي، إذ من المقطوع عدم دخل مثله في الحكم، فتأمل. اذ إنّ أخذ كلّ قيد و عنوان، ظاهر في مدخليّته في الحكم.

الثاني: حكم اشتراك الأب في القتل:

لو كان الاب شريكا في القتل: فإمّا أن تكون شركته في القتل على نحو الإمساك، أو أنّه اشتراك، كالناظر و الرائي، أو يكون قد اشترك في الضّرب المؤدّي الى القتل.

فقد يقال: إنّ الأصل الأوّلي هو إجراء الحد، و قد خصّ الأب القاتل بعدم الاقتصاص منه في خصوص المورد الثالث، و هو الاشتراك في القتل. و أمّا في الموردين الأوّليين، فيرجع الى العمومات و الإطلاقات، فيحبس لو كان ممسكا، و تسمل عينه لو كان ناظرا- إن طلب ذلك اولياء الدم- فلا يقتصّ منه حينئذ.

و إنّما الكلام في ضربه و نفيه حينئذ، فقد يقال: بعدمه أيضا، لأنّ الحكم ثابت في صورة الاستقلال في القتل، فلا يشمل صورة الاشتراك الّا بتنقيح المناط القطعي، و هو غير ثابت هنا، كما أنّه لا قياس هنا، إذ لا أولويّة و لا مساواة بل هو قياس‌

53

الأدنى بالأقوى. (1)

و قد اورد هذا الفرع الشهيدان في اللمعة و الروضة، و الشيخ البهائي و غيرهم، من دون إشارة الى التغريب.

آراء فقهائنا:

1- الشهيدان: «لو اشترك الأب و الاجنبي في قتل الولد، اقتصّ من الأجنبي، و ردّ الأب نصف الدية عليه.» (2).

2- الشيخ البهائي: «لو اشترك الأب و الأجنبي: يقتل الأجنبي، و يغرم الأب نصف الدّية.» (3).

الثالث: هل يشمل النفي الجدّ القاتل؟

قد يقال بعدم شموله للجد، و ذلك لخروجه عن مورد النّص، فتشمله أدلّة القصاص ... قد يقال بالشمول بناء على تناول الإطلاق (4)، له لغة و عرفا، بل و إن لم يكن كذلك، و لكن في المقام يمكن إرادته من نحو قول الصادق (عليه السّلام): «لا يقتل الأب بابنه» (5) بمعونة كلام الأصحاب، و بأولويّة الجدّ أو مساواته للأب في ذلك،

____________

(1) لأن التغريب لو ثبت في صورة الاستقلال بالقتل، فهو غير ملازم لثبوته في صورة الاشتراك فيه. اذ الأول اقوى، و الثاني أضعف.

(2) الروضة البهيّة 10: 97.

(3) جامع عبّاسي: 432- المغني 7: 676.

(4) المراد بالإطلاق: صحيحة حمران، و معتبرة إسحاق بن عمّار، و صحيحة ظريف، فإنّ الظاهر شمول كلمة الوالد لأب الأب- انظر: مباني تكملة المنهاج 2: 73- الوسائل 19:

56 ب 32 ح 1، 2، 8.

(5) الكافي 7: 298 ح 3- التهذيب 10: 237 ح 16- الفقيه 4: 90 ح 4- الوسائل 19:

54

فلا يقتل- و إن علا- بالأحفاد، سواء قربوا أم بعدوا، بل مقتضى إطلاق النص و الفتوى، عدم الفرق بين المتكافئين في الإسلام و الحرّية و نحوهما. (1)

أضف الى ذلك: الشّهرة العظيمة في المقام كما ادّعاه السيّد الخوئي في المباني.

هذا؛ و قد افتى الكثير من فقهائنا بالشمول و عدم الاقتصاص منه. و إن تردّد البعض، كالمحقّق الحلّي في المختصر النافع.

آراء فقهائنا:

1- الشيخ الطوسي: «و إذا قتله جدّه فلا قود أيضا، و كذلك كلّ جدّ و إن علا ...» (2).

2- العلامة الحلّي: «لا يقتل الأب و إن علا بالولد و إن نزل.» (3).

3- الشهيد الثاني: «و كذا الاجداد لا يقتلون بالاحفاد، سواء قربوا أم بعدوا، و سواء كانوا من قبل الأب أم من قبل الأم، لوجود المقتضي في الجميع، و يحتمل اختصاص الحكم بالأبوين، لأنّه المتيقن في مخالفة عموم الآية، لأن الجدّ ليس أبا حقيقة.» (4).

4- السيد الطباطبائي: «و في قتل الجدّ للأب بولد الولد تردد، ينشأ من أنّه هل هو حقيقة أو مجاز؟ فإن قلنا بالأول، لم يقتل به. و المشهور الاول، ...

____________

57 ح 5- سنن الدارمي 250 ب 6 ح 2357- سنن ابن ماجة 2: 888 ب 22 ح 2661- مصنف ابن ابي شيبة 9: 410.

(1) جواهر الكلام 41: 159.

(2) المبسوط 7: 9. و مثله في الخلاف 2: 343 المسألة: 10- و النهاية: 740.

(3) قواعد الاحكام 2: 291- مثله تحرير الاحكام 2: 249.

(4) مسالك الافهام 2: 447.

55

و يعضدهم تقديم الشارع عقده على ابنة الابن على عقده عليها اذا تقارنا، مع أنّي لم أجد في ذلك مخالفا عدا الماتن هنا بقي في الحكم متردّدا، و تبعه بعض ...» (1).

5- السيد الخوئي: «و هل يشمل الحكم أب الأب أم لا؟ و جهان، لا يبعد الشمول.» (2).

6- السيد الخميني: «و الظّاهر أن لا يقتل أب الأب، و هكذا.» (3).

هذا؛ و تردد في القتل، المحقق الحلي حيث قال: «و في قتل الجدّ بولد الولد تردد.» (4).

اقول: و لم يتعرّض الفقهاء للحدّ- من الضرب و النفي- أو التعزير. و لعلّ ذلك كان لأجل وضوحه من الاشتراك بينهما. و لكن يمكن أن يقال بعدم تغريبه، اقتصارا فيما خالف الأصل، على مورد الوفاق، و للاحتياط، و لأنّه مبني على التخفيف. فتأمل.

آراء المذاهب الاخرى:

الشافعي: «و قد حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم أن لا يقتل الوالد بالولد، و بذلك اقول ... فكذلك الجد ابو الأب و الجد أبعد منه، لأن كلهم والده ...

و كذلك ابو الأم و الذي ابعد منه لأن كلهم والده.» (5).

____________

(1) رياض المسائل 2: 512- انظر البداية للحرّ العاملي 2: 280.

(2) مباني تكملة المنهاج 2: 72.

(3) تحرير الوسيلة 2: 469.

(4) المختصر النافع: 297.

(5) الام 6: 36.

56

الرابع: هل يشمل النفي الأمّ و الجد الامّي؟

يظهر من بعض العامة الشمول، و لا دليل له الّا من باب القياس على الأب، و من باب الاستحسان. و عندنا: أنّه يقاد منها بلا خلاف، و من الجد الأمي على رأي البعض. فلا يصل الدور الى البحث عن تغريبه لو قتل سبطه.

نعم خالف الاسكافي و سيأتي.

آراء فقهائنا:

1- الشيخ الطوسي: «فأمّا الأم و امهاتها و امهات الأب يقدن عندنا بالولد، و عندهم لا يقدن كالآباء.» (1).

2- و قال في الخلاف: «ألام اذا قتلت ولدها قتلت به، و كذلك امها، و كذلك أمهات الأب، و إن علون، فأمّا الأجداد فيجرون مجرى الأب لا يقادون.» (2).

3- و قال في النهاية: «أو قتلت الام ولدها عمدا قتل كلّ واحد منهما بصاحبه» (3).

4- العلامة الحلّي: «و كذا الام يقتل به، و يقتل الولد بها، و كذا الاقارب كالأجداد، و الجدّات من قبلها، و الأخوة، و الاعمام و الاخوال، و غيرهم.» (4).

5- الشيخ محمد حسن النجفي: «و كذا الام تقتل به، بلا خلاف أجده فيه بيننا، الّا من الاسكافي الّذي وافق العامة هنا على ذلك قياسا على الأب و استحسانا ...» (5).

____________

(1) المبسوط 7: 9.

(2) الخلاف 2: 343.

(3) النهاية 740- و مثله سلار بن عبد العزيز في المراسم: 236.

(4) قواعد الاحكام 2: 291. و مثله تحرير الاحكام 2: 249 مع تشويش في العبارة.

(5) جواهر الكلام 41: 160- «ابو علي: لا يقاد والد و لا والدة و لا جد و لا جدة لأب و لا لام بولده، اذا قتله عمدا» المهذب البارع 5: 189.