الغاية القصوى في التعليق على العروة - الاجتهاد والتقليد

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
164 /
5

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين و اللّعن الدائم على أعدائهم من الآن الى يوم الدّين؛ و بعد فهذا شرح استدلالي على مسائل الاجتهاد و التقليد من كتاب العروة الوثقى كتبته قبل سنين و رأيت أن طبعه و نشره مفيد لروّاد العلم و الفضل فقمت بهذه المهمّة راجيا من المولى أن يكون مقبولا لديه و يكون وسيلة لنجاتي يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ و اهدي هذه البضاعة المزجاة الى السبط الأكبر أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

الأحقر تقي الطباطبائي القمي‌

يوم الأحد السادس و العشرين من شهر محرم الحرام‌

من سنة 1424 بعد الهجرة على مهاجرها و آله آلاف التحية و السلام‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[يجب على كلّ مكلّف أن يكون مجتهدا أو مقلّدا أو محتاطا]

قوله (قدّس سرّه) (مسألة 1): يجب على كلّ مكلّف (1)

____________

(1) وقع الكلام بين الأعلام في أنّ هذا الوجوب عقليّ أو فطريّ أو شرعي أفاد السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مستمسكه بانّ هذا الوجوب فطريّ بمناط دفع الضرر المحتمل و عقليّ بمناط وجوب شكر المنعم؛ و الذي يختلج بالبال انّ ما أفاده (قدّس سرّه) من وجوب الشكر لا يرجع الى محصّل إذ لو سلّم وجوب الشّكر فنسأل انّه هل يدرك العقل استحقاق العقاب على ترك الشكر أو يدرك عدم الاستحقاق أو لا يدرك؛ امّا على الثاني فيأمن المكلّف من العقاب غاية الأمر العقل يدرك حسن الشّكر أو يدرك قبح ترك الشكر فلا يلزم المكلّف بشي‌ء و امّا على الأوّل و الثالث فيحتمل العقاب فيكون لزوم الشكر بمناط دفع الضرر المحتمل فيدخل في التقريب الاوّل.

فالحقّ انّ هذا الوجوب فطري اذ المناط موجود في غير ذوي العقول من الحيوانات فانّ كلّ حيوان عاقلا كان أو غير عاقل بمقتضى فطرته الاوّلية و جبلّته يحذر عن الضرر المحتمل؛ و حيث انّ في ترك المحتملات احتمالا للضرر فيجب دفعه.

و لا يخفى انّ هذا المعنى لا يتحقّق الّا مع العلم الإجمالي بوجود التكليف المنجّز أو احتمال وجود تكليف الزامي من قبل المولى فيما لا يكون مؤمن من قبله؛ و ليعلم انّ العقل في مفروض الكلام يدرك استحقاق العبد للعقاب غاية الأمر يحتمل العفو.

8

..........

____________

و بعبارة اخرى: الاستحقاق محقق في مثل الفرض اذ الاستحقاق على التجري و ترك الأمور المذكورة تجر على المولى فلو فرض انّ ترك الأمور المذكورة في الموردين المذكورين لم يؤد الى ترك واجب أو فعل حرام يكون الاستحقاق متحقّقا إذ قد فرض تحقّق التجري الذي يوجب استحقاق العبد للعقاب.

ثمّ انّ حصول المؤمن باحد من الأمور الثلاثة يظهر بأدنى تأمّل إذ القطعيّات و الضروريّات قليلة في الدّين فالمكلّف امّا يعمل بمقتضى ما قطع بكونه حجّة بحسب الادلّة فهو اجتهاد و امّا يقلّد غيره و يجعله مؤمّنا لنفسه فهو تقليد و امّا يحتاط فالأمن يحصل باحد هذه الأمور؛ و في المقام اشكال بالنّسبة الى التقليد فانّه لا يمكن أن يكون بالتقليد و الّا يلزم التسلسل فكيف يقلّد الجاهل غيره فانّه إن كان بالتقليد يلزم المحذور المذكور و إن كان بالاجتهاد فالمفروض انّه جاهل؛ و الجواب عن هذه الشبهة انّ الجاهل بارتكازه و فطرته الاوّلية يرجع الى العالم و يسئل عن وظيفته و بعد الرّجوع يعلم انّ التقليد امر جائز و هذا ليس تقليدا بل علم بالوظيفة؛ لكن لا يخفى انّ الجاهل لا يشخص بارتكازه جواز التقليد كما في كلام الاستاذ إذ المكلّف لا يدري انّ الوظيفة ما هي؛ نعم حيث يعلم بانّ العالم يشخص الوظيفة يرجع اليه و لذا يسئل بانّ وظيفتي ما هي؟ ففرق بين ان يشخص جواز التقليد و يرجع الى الغير و بين أن يرجع ليعلم بالعلم الوجداني ما يكون مقررا في الشّرع الأقدس فلا تغفل.

ثمّ انّ التخيير بين الأمور المذكورة عقليّ لا شرعيّ و لتوضيح الحال نتعرّض للتفصيل فنقول: انّ هذا الوجوب ليس غيريّا فانّ المقدّمة ليست واجبة بالوجوب الشرعي كما حقّق في بحث مقدّمة الواجب و على فرض كونها واجبة بالوجوب‌

9

..........

____________

الشّرعي فالاحتياط ليس مقدّمة للواجب.

و بعبارة واضحة: الاحتياط لا يكون مقدّمة وجوديّة للواجب بل الاحتياط عبارة عن الاتيان بنفس الواجب كما هو ظاهر كما انّ الاجتهاد و التقليد ليسا مقدّمتين له؛ امّا في صورة المخالفة مع الواقع فظاهر و امّا في صورة الموافقة فمن الظاهر انّ العلم بالحكم ليس مقدّمة لوجود الموضوع؛ نعم ربّما يتّفق انّ الإتيان بالواجب يتوقّف على العلم بالحكم و بالخصوصيّات الدخيلة و هذا كثير في المركّبات الشرعيّة في الأمور العباديّة كالحجّ و نحوه.

و امّا عدم كون وجوبها طريقيّا فلأنّ المراد بالوجوب الطريقيّ ما يكون موجبا لتنجّز الواقع أو التعذير عنه و ليس الاحتياط منجزا للواقع بل المنجز له العلم الإجمالي بالحكم الشرعي أو الشبهة قبل الفحص أو وجود الامارات على الأحكام الواقعية في مظانها فإنّ الأحكام منجزة قبل وجوب الاحتياط فلا معنى للوجوب الطريقي للاحتياط لحصول التنجّز كما لا معنى له بمعنى العذر ليتحقّق الواقع بالاحتياط كما هو ظاهر هذا بالنسبة الى الاحتياط و امّا بالنسبة الى الاجتهاد و التقليد فأيضا لا مجال للوجوب الطريقي اذ لا معنى للتنجّز في الأمر بهما لأنّ الحكم الشرعي يتنجّز بالعلم الإجمالي أو الشبهة قبل الفحص أو بالامارات الموجودة في مظانّها فلا معنى لكون الأمر بالاجتهاد طريقيّا بلحاظ التنجيز كما انّ الأمر كذلك بالنسبة الى التقليد امّا في صورة العلم الإجمالي فواضح و امّا في غيره فايضا الواقع منجّز بفتوى من يجب تقليده فالواقع منجّز مع قطع النظر عن الامر بالاجتهاد و التقليد.

نعم الامر بالاجتهاد و التقليد يمكن أن يكون معذرا فانّ عمل المجتهد على‌

10

..........

____________

طبق اجتهاده معذّر له لو كان اجتهاده مخالفا للواقع كما انّه معذّر لمقلّده فانقدح انّ الأمر الطريقي بالاجتهاد و عدليه للتنجيز لا معنى له.

و أورد الاستاد دام ظلّه على هذا البيان بانّ ما افيد تامّ بالنسبة الى موارد العلم الإجمالي و امّا بالنسبة الى الشبهة البدويّة من الابتداء أو بعد الظفر بالمقدار المعلوم فلا مانع من الالزام بالواجب الطريقي إذ لا مانع من شمول ادلّة البراءة للشبهة غير المقرونة بالعلم الإجمالي فالأمر بالاحتياط يتنجّز الواقع كما انّ الامر بتحصيل الحجّة بالاجتهاد أو التقليد أيضا ينجز الواقع؛ و يرد عليه انّ مجرّد الاحتمال يوجب التنجيز ثمّ انّه ظهر ممّا ذكرنا انّ مجرّد الحجّة الواقعيّة لا توجب التنجّز لو لا لزوم الاحتياط أو تحصيل الحجّة باحد النحوين.

ثمّ انّه افاد الاستاد بانّ كون التقليد واجبا طريقيا يبتني على ان يكون عبارة عن التعلّم و امّا بناء على الحقّ من انّ التقليد عبارة عن العمل استنادا الى فتوى المجتهد فالتقليد نفس العمل فلا معنى لكونه منجزا للواقع فالمنجّز هو الامر بالتعليم أمّا بالتقليد أو بالاجتهاد.

و يرد عليه انّ الاحتياط عبارة عن نفس العمل و مع ذلك سلم الاستاد بانّ امره طريقي فانّ الامر الطريقي معناه انّه ينجز الواقع و يمتثل بالاحتياط أو باتيان العمل عن اجتهاد أو عن تقليد.

و امّا عدم كون الوجوب نفسيا فلعدم الدليل عليه؛ نعم ربّما يتوهّم انّ ادلّة وجوب تعلّم الاحكام يقتضي ذلك فانّ جملة من الآيات و الروايات تدلّ على وجوب التعلّم و المفروض انّ الاجتهاد و التقليد نحو من التعلّم.

و فيه انّ وجوب التعلّم ليس وجوبا نفسيا بل وجوبا طريقيّا مضافا الى انّه‌

11

في عباداته و معاملاته (1) أن يكون مجتهدا أو مقلّدا أو محتاطا (2).

____________

لا مجال لهذا التقريب في الاحتياط بل لا يجري في التقليد على مسلكنا لأنّ التقليد عبارة عن العمل مستندا الى الغير فليس التقليد تعلّما كما هو ظاهر.

إن قلت: انّه يمكن الوجوب النفسي الناشي عن الملاك الواقعي.

قلت: أصل الوجوب محلّ الاشكال فانّه لم يتحقّق الوجوب كي يعلّل.

(1) بل في كلّ فعل يصدر منه لوحدة الملاك و الظاهر انّه يتعرّض له.

(2) لأنّه امّا يكون للمكلّف علم اجمالي او لا؛ امّا على الأوّل فتنجّز الحكم الواقعي عليه ظاهر و لا بدّ من تحصيل مؤمّن و امّا لو لم يكن له علم اجمالي فمجرّد الاحتمال يوجب احتمال الضرر و بحكم العقل يجب دفعه حتّى لو قلنا بجريان البراءة في الشبهة البدويّة إذ المفروض انّ المقلّد جاهل و ليس له علم بانّ البراءة مجعولة بل لو فرض بانّه يعلم بعدم الدليل في مظانّه لا يمكن الأخذ بالبراءة فانّ البراءة بعد الفحص جريانها يحتاج الى اعمال النّظر و ليس امرا واضحا ضروريّا.

مضافا الى انّ المستفاد من الادلّة عدم جريان البراءة قبل الفحص و عدم جريان الاستصحاب؛ و ملخّص الكلام انّ الجاهل امّا يحتاط بان يقطع بخروجه عن العهدة؛ نعم ربما يشكل الامر في الاحتياط امّا لعدم الامكان أو لاحتمال عدم المشروعيّة فيحتاج الى الاجتهاد أو التقليد و لذا قيل بانّه في طول الامرين الآخرين و إن كان بحسب العمل في عروضهما و امّا يستند الى الحجّة المعلومة عنده بالعلم الوجداني أو التعبّدي فهو الاجتهاد و امّا يستند الى قول الغير فهو التقليد و لا اشكال في انّه لا يمكن ان يكون التقليد تقليديّا للزوم الدّور أو التسلسل؛ بل لا بدّ من أن تكون بالاجتهاد إذ رجوع الجاهل الى العالم امرا ارتكازي طبيعي لا يشك فيه أحد؛ و للمناقشة في هذا الأمر مجال إذ مع احتمال انّ الشارع لا يرضى بهذا لأمر كيف يمكنه‌

12

..........

____________

الجزم بجواز التقليد؛ نعم رجوع الجاهل الى العالم لا شبهة فيه لكن ليس هذا تقليدا بل هذا طريق لحصول العلم بالمطلوب في كثير من الموارد كما لو سئل الجاهل عن الطريق الفلاني أو عن دار زيد الى غير ذلك فهل يجوز أن يقال انّ السائل في مثل‌

هذه الموارد قلّد المسئول كلّا ثمّ كلّا فعليه ليس التقليد في طول الاجتهاد كما في كلام الاستاذ بل في عرضه.

ثمّ انّ الاستاد ارسل عنان الكلام في تعريف الاجتهاد؛ فقال: الاجتهاد في اللّغة من الجهد بالضمّ أو الفتح فانّه على الاوّل بمعنى الطاقة و على الثاني بمعنى المشقّة و يأتي بمعنى الطاقة أيضا فعليه يكون الاجتهاد لغة بمعنى بذل الطاقة و في الاصطلاح عرّف باستفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعي و الاصل في هذا التعريف من العامّة و هذا التعريف فاسد فانّ الاجتهاد لا يستلزم الظنّ بالحكم اوّلا و الظنّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* ثانيا.

و لذا عرّفه الآخرون بانّه ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعيّة؛ و افاد الاستاد في المقام بانّ هذا التعريف و إن كان سالما عن ذكر الاشكال لكن يتوجّه اليه اشكال آخر و هو انّ الاجتهاد بهذا المعنى ليس واجبا تخييريا و ليس عدلا للآخرين و ذلك لأنّ مجرّد حصول الملكة لا أثر له بل المحتاج اليه العلم بالحكم و من الظاهر انّه يمكن أن يكون شخص مجتهدا و مع ذلك يكون جاهلا بالحكم الشرعي إذ ملكة الاجتهاد ليست كبقيّة الملكات التي تحصل بالعمل كالسخاوة و ما أفاده غير تام إذ الواجب التخييري بين الثلاثة الذي يوجب الأمن من العقاب عبارة عن العمل الخارجي و لو لا العمل لا اثر للاجتهاد كما هو ظاهر.

و بعبارة اخرى: لا بدّ من العمل خارجا امّا بنحو الاحتياط أو بنحو التقليد أو‌

13

..........

____________

بنحو الاجتهاد فتحصّل انّ تعريف الاجتهاد بالتعريف الثاني لا يتوجّه اليه هذا الاشكال.

و لا يخفى انّ الاجتهاد بتعريف المتأخّرين يكون وجه مصالحة بين الاخباري و الاصولي فانّ الاخباري ينكر الاجتهاد بمعنى تحصيل الظنّ و الاصولي يصدقه في مقالته و الاصولي يقول بانّه يلزم الاستناد الى حجّة و الاخباري يصدّقه كما انّ الاصولي يقول بانّ وظيفة الجاهل الرجوع الى العالم و الأخباري يصدّقه فالنزاع لفظي.

ثمّ انّه لا شبهة في توقّف الاجتهاد على فقه اللّغة و هذا ظاهر كما انّه لا شبهة في لزوم تعلّم القواعد العربيّة من النحو و الصرف و امّا المنطق فلا حاجة اليه فانّ الاستنتاج أمر طبيعي؛ لكن الاشكال بانّه لو لم يتعلّم المنطق أحد يقع في المغالطة و السفسطة؛ و الذي يكون مقوّما للاستنباط أمران الأوّل علم الاصول الثاني علم الرجال؛ امّا الاوّل فظاهر و امّا الثاني فلأنّ الحجّة عبارة عن الخبر الموثوق به أو خبر الثقة امّا الاوّل فلا يمكن الوصول اليه و امّا الثاني فيحتاج احرازه الى علم الرجال.

إن قلت: ما الوجه في عدم الرّجوع الى قول الرجالي و العمل على طبقه مثلا لو شككنا في وثاقة عمر بن يزيد نراجع كتاب الكشّي أو الشيخ فاذا كان موثّقا نعمل بقوله فما الحاجة الى علم الرّجال؟

قلت: ما الفرق بين هذا الأمر و بين الرجوع في صحّة الترتب الى قول الشيخ في الأصول؛ و التحقيق في كلا الموردين انّ الرجوع الى الشيخ امّا لكونه من اهل الخبرة و الجاهل يرجع الى العالم و امّا من باب الشهادة امّا على الأوّل فيخرج المجتهد عن كونه مجتهدا و امّا على الثاني فنحتاج الى الفحص عن المعارض حيث انّه شبهة‌

14

..........

____________

حكميّة و أيضا يلزم أن نرى انّ شهادته حسيّة أو حدسيّة فنحتاج الى اعمال النظر و هذا معنى الاحتياج الى علم الرّجال.

و حيث انجرّ الكلام الى هنا يقع البحث في جهات:

الاولى: في انّه لو حصل ملكة الاستنباط لأحد هل يجوز له التقليد؟ فعن المناهل انّه يجوز و عن الشيخ الانصاري (قدّس سرّه) الاجماع على عدم جوازه و التحقيق أن يقال: انّ الاجماع لا يترتّب عليه الاثر لكونه مدركيّا و لا أقلّ من احتماله و الظاهر انّه لا فرق في السيرة العقلائية الجارية في رجوع الجاهل الى العالم و لذا يرى انّ الطبيب ربما يراجع الطبيب الآخر و هكذا من ذوي الحرف و الملكات.

و افاد الاستاد بانّه كيف يسوغ دعوى انّ العقلاء يلزمون صاحب الملكة بالرجوع الى من يحتمل في حقّه الخطاء بل يكون قاطعا بانّه لو راجع الادلّة يخطأ في كثير من استدلالاته.

و يرد عليه: انّه ليس الكلام في الالزام بل المدّعى جواز الرجوع و امّا العلم بخطائه فهو مطلب آخر فانّ الرجوع الى من يعلم خطائه لا يجوز حتّى للجاهل و السيرة انّما تجري مع احتمال الصواب.

إن قلت: الأمر في النتيجة واحد إذ من يكون ذا ملكة يعلم بخطاء الآخر دائما.

قلت: ليس الأمر كذلك فانّ وجد ان الملكة و عدمه لا يؤثر ان في العلم بالخطاء و عدمه؛ و امّا الادلّة اللفظيّة الدالّة على جواز التقليد على فرض تماميتها لعلّها لا فرق فيها بين صاحب الملكة و من لا ملكة له فانّ قوله تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ)* (1) على فرض دلالته على جواز التقليد يدلّ على جواز الرجوع‌

____________

(1) النحل: 43.

15

..........

____________

الى أهل الذكر مع عدم العلم و المفروض انّه غير عالم.

الثانية: انّه هل يجوز للغير أن يرجع اليه؟ امّا مع عدم الاستنباط مطلقا فلا يجوز بلا كلام و امّا لو استنبط شيئا طفيفا فالظاهر انّه لا مانع منه للسيرة نعم الادلّة اللفظيّة على تقدير تماميتها ربّما لا تشمل لعدم صدق الفقيه على من يكون عالما بالنسبة الى مسئلة مثلا و لكن يكفي السيرة و الادلّة اللفظيّة لا تردع لعدم مفهوم لها فانتظر.

الثالثة: انّه هل يجوز التصدي للأمور الراجعة الى الحاكم كالقضاء و التصرّف في امور من لا وليّ له؛ الحقّ انّه مشكل فانّ جواز تصرّفات احد و نفوذها على خلاف الاصل الاوّلي فيحتاج الى الدليل و الظاهر انّه ليس دليل يشمل المورد بالنسبة الى التصدّي للأمور الحسبيّة و امّا بالنّسبة الى القضاء فتفصيل الكلام فيه موكول الى محلّه و لعلّه نتعرّض للتفصيل بعد هذا.

الرابعة: انّه هل يمكن التجزّي في الاجتهاد أم لا؟ ربما يقال بانّه غير ممكن فانّ الملكة النفسانية أمر بسيط غير قابل للتجزية لكنّه ليس صحيحا فانّ المدّعى ليس جواز التجزية في الملكة بل المدعى انّ المتعلّق متعدّد فربّما يحصل الملكة بالنسبة الى مورد و لا يحصل بالنسبة الى مورد آخر.

الخامسة: انّه هل يجوز له الرجوع الى الغير؟ الظاهر انّه لا يجوز و الوجه فيه ظاهر فانّه عالم و يرى الغير جاهلا و هذا بخلاف من يكون له الملكة و لم يستنبط بعد.

السادسة: انّه هل يجوز رجوع الغير اليه؟ فقد ظهر الكلام فيه.

السابعة: انّه هل يجوز له التصدّي للقضاء و الامور الحسبيّة أم لا؟ فقد ظهر الحال أيضا؛ و ملخّص الكلام انّ التصدّي خلاف الاصل و الادلّة اللفظية لعلّها‌

16

..........

____________

لا تشمل بعناوينها للعارف بمقدار طفيف و القدر المتيقّن غيره كما انّه يلزم أن يكون اعلم كما حققنا في بعض المباحث و لكن استشكلنا فيه أخيرا.

الثامنة: انّه هل يكون الامور الثلاثة في عرض واحد و انّ المتمكّن من الاجتهاد و التقليد هل يجوز له العمل بالاحتياط أم لا؟ و المصنّف (قدّس سرّه) قد تعرّض لهذه الجهة في المسائل الآتية؛ فانتظر.

التاسعة: انّه هل يجوز العمل باحد الأوليين مع امكان الاحتياط؟ الحقّ جوازه لعدم الفرق بين العلم باتيان الواقع و بين العلم باتيان ما هو موافق للحجّة؛ فلا اشكال في ترك الاحتياط بل قد يحرم فيما يكون مخلا بالنظام أو يكون موجبا للضرر المنهيّ عنه شرعا.

العاشرة: انّه هل يكون الاجتهاد في عرض التقليد أو يكون مقدّما عليه في الرتبة.

الظاهر انّه في عرضه و لا بدّ من تحصيل الحجّة امّا الاجتهاد أو التقليد؛ و امّا احتمال وجوب الاحتياط بالنحو العيني فلا دليل عليه؛ هذا في الجاهل و امّا من له ملكة الاستنباط فهل يكون له الرجوع الى الغير فقد تقدّم الكلام فيه و قلنا بانّه لا فرق في السيرة العقلائية من هذه الجهة و امّا الدليل اللفظي فأيضا يشمله حيث انّه جاهل؛ و ما في كلام الاستاد من انّه لا يناسب ان يقال لصاحب الملكة اسئل اهل الذّكر بل المناسب له ان يقال له اطلب العلم؛ كلام لا يرجع الى محصّل صحيح فانّ الخطاب خطاب لعموم الجهّال و المفروض انّه جاهل كما انّه مع فرض اطلاق الدليل اللفظي و تحقّق السيرة لا يبقى مجال للشك في حجيّة قول الغير في حقّه كي يقال بانّ‌

17

..........

____________

الشك في الحجيّة يساوق الجزم بعدمها.

الحادية عشرة: انّه ظهر ممّا قلناه انّ الاجتهاد واجب عقلي تخييري و قد أفاد الاستاد بانّه واجب طريقي بنحو المعذريّة في مورد العلم الإجمالي و في غير مورد العلم الإجمالي واجب طريقي حيث انّه لا منجّز غيره؛ و ما أفاده غير تامّ إذ يكفي في التنجيز مجرّد الشبهة و احتمال التكليف؛ نعم تعلّم الأحكام مقدّمة لامتثالها واجب بالوجوب الطريقي أو الارشادي و التعلّم كما يتحقّق بالاجتهاد كذلك يحصل بالتقليد فالتعلّم بايّ نحو كان واجب شرعا فيما يكون تركه مستلزما لترك الامتثال.

و ملخّص الكلام: انّه يجوز للمكلّف ان يجتهد كما يجوز له أن يقلّد هذا بالنسبة الى فعل نفسه و امّا بالنسبة الى الغير فأفاد الاستاد دام ظله بانّه يجب كفائيا لحفظ الأحكام عن الاندراس و الانطماس فانّه لولاه لاندرس الدّين و يضمحلّ لعدم جواز تقليد الميّت ابتداء؛ و يدلّ على وجوبه أيضا قوله تعالى في آية النّفر (فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (1) و قد ورد في تفسير الآية؛ بعض الأخبار.

منها: ما رواه الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السّلام) في حديث قال: انّما امروا بالحجّ لعلّة الوفادة الى اللّه عزّ و جلّ و طلب الزيادة و الخروج من كلّ ما اقترف العبد- الى أن قال-: مع ما فيه من التفقه و نقل أخبار الأئمة (عليهم السّلام) الى كلّ صقع و ناحية كما قال اللّه عزّ و جلّ: (فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ و لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ

____________

(1) التوبة، 122.

18

..........

____________

لَهُمْ (1).

و منها ما رواه عبد المؤمن الأنصاري قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ قوما يروون انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: اختلاف امتي رحمة، فقال: صدقوا؛ فقلت: إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب؟ قال: ليس حيث تذهب و ذهبوا: انّما اراد قول اللّه عزّ و جلّ: (فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) فامرهم أن ينفروا الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيتعلّموا ثمّ يرجعوا الى قومهم فيعلّموهم انّما اراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين اللّه، انّما الدّين واحد؛ انّما الدين واحد (2).

و يرد عليه: انّ ما أفاده يتوقّف على لزوم تقليد الحيّ و هذا اوّل الكلام و امّا الآية فيرد على الاستدلال بها اوّلا انّه دام ظلّه استدلّ بها لحجية قول الراوي و كيف يمكن أن يستفاد منها كلا الأمرين؛ لكنّ الحقّ انّه يمكن استفادة كلا الأمرين و نتعرّض لهذه الجهة في بعض المسائل الآتية فانتظر و ثانيا انّ التفقّه في الدّين يحصل بتعلّم الأحكام و يحصل الانذار بتعليم تلك الأحكام الجاهلين اللهم أن يقال انّ من يعلّم الأحكام أما هو بنفسه مجتهد و أما ينقل آراء مجتهد و على كلا التقديرين يتم ما أفاده من لزوم الاجتهاد كفائيا فالعمدة هو الاشكال الأوّل.

بقي شي‌ء: و لو انّه لو احتمل عدم جواز الاحتياط فلا بدّ من الاجتهاد في جوازه أو التقليد.

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 65.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.

19

[الأقوى جواز العمل بالاحتياط]

(مسألة 2): الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهدا كان أو لا (1).

____________

(1) الكلام في جواز الاحتياط يقع تارة في المعاملات و اخرى في العبادات؛ امّا المعاملات فلا شبهة في جواز الاحتياط فيها إن كانت بالمعنى الأعمّ كتطهير الثوب اعمّ من أن يكون الاحتياط مستلزما لتكرار العمل أم لا و امّا المعاملة بالمعنى الاخص كالعقد و الايقاع فربّما يقال بان يشترط الجزم بالانشاء فلا يتحقّق مع الاحتياط.

و يرد عليه مع انّه لا دليل عليه، انّ الانشاء عبارة عن ابراز ما في النفس و هو حاصل و انما الشك في ترتّب الأثر عليه و هذا أمر آخر.

و أفاد الاستاد في المقام بانّه لو تردّد في الانشاء بان قال مثلا بعتك داري إن كان هذا اليوم يوم الجمعة يكون باطلا و لو كان اليوم يوم الجمعة إذ ليس جازما بانشائه.

و ما أفاده غير صحيح فانّه لا شبهة في إنشائه إذ الانشاء عبارة عن ابراز ما في النفس و لا شبهة في انّه ابرز غاية الأمر أنه يشك في المعلّق عليه فيشك في الفعليّة.

و بعبارة اخرى: الانشاء واقع بلا شبهة لكن وقع بنحو الوجوب المشروط فيشك في الفعليّة فما أفاده غير تام؛ نعم انّما نلتزم بالفساد من جهة التعبّد و هو التعليق الموجب لفساد البيع.

و امّا العبادات: فتارة يقع الكلام فيها فيما لا يستلزم الاحتياط فيها التكرار و اخرى فيما يستلزم امّا فيما لا يستلزم فلا مانع من الاحتياط فيها في الجملة كما لو احتمل انّ الدعاء عند رؤية الهلال واجب فانّه لا دليل على انّه لا يجوز الاحتياط فانّ العمل بالاحتياط يقتضي العلم بالاتيان بما هو متعلّق التكليف؛ و امّا الاجماع المدّعى في المقام عن المرتضى و أخيه فعهدة اثباته عليهما.

20

..........

____________

إن قلت: يكفي في اثبات المدّعى وجوب التعلّم.

قلت: انّ وجوب التعلّم ليس نفسيا بل وجوبه طريقي أو ارشادي و المفروض انّ العمل يؤتى به في الخارج فلا اشكال في تحقّق الامتثال.

و امّا احتمال اعتبار قصد الوجه و التميز فمدفوع اوّلا: بالقطع بعدم الاعتبار لعدم الاشارة اليهما في لسان الائمة (عليه السّلام) و ثانيا انّه يدفعه اصالة البراءة الشرعيّة و العقليّة لكن ذكرنا أخيرا انّه لا مجال للبراءة العقليّة.

إن قلت: انّ العقل يحكم بحسن الاتيان مع القصدين و بعدم الحسن مع عدمهما.

قلت: انّه لا فرق في نظر العقل من هذه الجهة و هذا ادّعاء محض.

ثمّ انّه أفاد الاستاد في المقام بانه على فرض تماميّة المدّعى انّما يتمّ في الواجب النفسي و امّا الواجب الضمني فلا مجال لهذا المعنى فيه فانّ الحسن على فرض تسلّمه انّما هو في اتيان مجموع العمل لا في كلّ جزء؛ و فيه انّ المفروض الارتباطية فالواجب هو الأكثر و لا يمكن قصد الأكثر جزما بل لا بدّ من الاتيان به احتياطا فالبيان غير تام.

و للميرزا (قدّس سرّه) كلام في المقام و هو التفصيل بين ما يكون الأمر معلوما لكن لا يعلم انّه وجوبي أو ندبي فانّه في مثله لا بأس بالاحتياط حيث انّه لا يعتبر قصد الوجه و التميز و امّا لو كان أصل الأمر مشكوكا فيه بحيث لو كان لكان تعبّديا فانّه في مثله لا بدّ من الاجتهاد أو التقليد إذ الامتثال القطعي و الانبعاث عن نفس الأمر مقدّم في نظر العقل على الامتثال الاحتمالي و حيث انّ الحاكم في باب الامتثال هو العقل لا بدّ من العمل على طبقه و لو شك لا بدّ من الاحتياط فانّه لا مجال للأخذ بالبراءة بل قاعدة الاشتغال محكّمة لأنّه شك في الامتثال.

21

لكن يجب ان يكون عارفا بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد (1).

[قد يكون الاحتياط في الفعل و قد يكون في الترك]

(مسألة 3): قد يكون الاحتياط في الفعل كما اذا احتمل كون الفعل واجبا و كان قاطعا بعدم حرمته (2) و قد يكون في الترك؛ كما اذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعا بعدم وجوبه (3)

____________

و يرد عليه أولا: انّه لا فرق في نظر العقل في تحقّق الامتثال بين الانبعاث عن أمر المولى و بين الانبعاث عن احتمال الأمر و على فرض الشك تصل النوبة الى البراءة لما قرّر في محلّه من جريان البراءة من الزائد؛ و ملخّص الكلام انّه انّما يدرك العقل لزوم ما أمر به المولى و الزائد على هذا المقدار ليس للعقل بالنسبة اليه ادراك و امّا الشك في حكم العقل فلا معنى له فانّه كيف يمكن أن يشك أحد في ادراكاته؛ نعم يتصوّر الشك بالنسبة الى السيرة العقلائية و انّها تجري أو لا تجري؛ لكن لا مجال للسيرة في مثل المسألة فانّ الكلام في المقام في الحكم العقلي لا في السيرة العقلائيّة؛ هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

و أمّا المقام الثاني: فيقع البحث حوله عند البحث عن المسألة الرابعة حيث انّ المصنّف تعرّض لحكم تكرار العبادة فانتظر.

(1) هذا الوجوب عقلي فانّه لو لا معرفة الاحتياط لا يمكن الاتيان به؛ و بعبارة اخرى مع عدم المعرفة يلزم الخلف فانّه لا يحرز الاتيان بما يكون واجبا في الواقع.

(2) كما لو احتمل وجوب الدعاء عند رؤية الهلال.

(3) كما لو احتمل حرمة شرب التتن.

22

و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار؛ كما إذا لم يعلم انّ وظيفته القصر أو التمام (1)

[الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار]

(مسألة 4): الأقوى جواز الاحتياط؛ و لو كان مستلزما للتكرار؛ و امكن الاجتهاد أو التقليد (2).

[في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلّدا]

(مسألة 5): في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلّدا؛ لأنّ المسألة خلافيّة (3).

____________

(1) و كما لو علم بانّ وظيفته الظهر أو الجمعة و يمكن أن يفرض في عمل واحد كما لو جمع في صلاة واحدة بين الجهر و الاخفات؛ ثمّ انّ قوله انّ الجمع بين أمرين يغني عن قوله «مع التكرار» و لا يخفى انّه كما يحصل الاحتياط بالجمع بين فعلين يحصل بالجمع بين تركين كما انّه لو علم بحرمة أحد أمرين و أيضا يحصل بالاتيان بفعل و ترك آخر كما لو علم بانّه امّا يجب الفعل الفلاني أو يحرم الأمر الكذائي.

(2) لعدم لزوم قصد الوجه و التميز و عدم لزوم الانبعاث عن الامر الجزمي و ليس التكرار لعبا بالاطاعة فانّه يمكن أن يكون في التكرار غرض عقلا؛ مضافا الى انّ اللعب لا يكون في الامتثال بل في طريقه كما هو ظاهر.

(3) إذ ليس جواز الاحتياط من القطعيّات فمع احتمال عدم جوازه لا بدّ من تحصيل المؤمّن من الاجتهاد أو التقليد؛ و ممّا ذكر يعلم انّ الاحتياط ليس في عرض الاجتهاد و التقليد و امّا كون التقليد في طول الاجتهاد كما في كلام الاستاذ فقد مرّ ما فيه و قلنا بانّ مطلق الرجوع الى الغير ليس تقليدا بل التقليد نوع من الرجوع؛ و افاد السيد الحكيم (قدّس سرّه) في المقام بانّ كون المسألة خلافيّة أو وفاقيّة لا يصلح علّة للاكتفاء و عدمه بل اللازم تحصيل المؤمّن من الاجتهاد أو التقليد؛ و ما أفاده غير‌

23

[في الضروريات لا حاجة الى التقليد]

(مسألة 6): في الضروريات لا حاجة الى التقليد؛ كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما؛ و كذا في اليقينيّات إذا حصل له اليقين (1) و في غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهدا إذا لم يمكن الاحتياط؛ و إن أمكن تخيّر بينه و بين التقليد (2)

[عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل]

(مسألة 7): عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل (3).

[التقليد هو الالتزام بالعمل]

(مسألة 8): التقليد هو الالتزام بالعمل (4).

____________

تام إذ لو لم تكن المسألة خلافيّة و كانت مسلّمة لا مجال للتقليد كما يجي‌ء في كلام المصنّف و امّا اصل جواز التقليد فامر مسلّم و قطعي و مجرّد ما نسب الى علماء الحلب لا يضرّ بالمدّعى فانّ خلافة أمير المؤمنين (عليه السّلام) أمر قطعي بين الشيعة و مع ذلك تكون هذه المسألة مورد للخلاف؛ و صفوة القول انّه لا اشكال في أصل جواز التقليد و عليه يجوز للعامي أن يقلّد غيره في جواز الاحتياط.

(1) فان التقليد حجّة ظاهريّة و مع العلم بالحكم الواقعي لا مجال لحكم الظاهري و إن شئت قلت الاحتياج الى احد الأمور الثلاثة لتحصيل المؤمّن عن احتمال العقاب و مع العلم بالواقع كأن علم بوجوب شي‌ء أو باباحته أو حرمة لا يبقى مجال لهذه الأمور كما هو ظاهر.

(2) و ما أفاده ظاهر واضح و لا يحتاج الى البحث.

(3) المراد من العبارة انّه لا يمكن الاكتفاء به بل لا بدّ امّا من أن يقطع بالكفاية أو يقلّد أو يجتهد أو يحتاط؛ فلا حظ.

(4) قد وقع الخلاف في معنى التقليد في كلماتهم و الّذي يظهر من اللّغة انّ التقليد عنوان للعمل قال في المنجد: قلّده السيف جعل حمالته في عنقه قلّده القلادة جعلها في عنقه، العمل فوضعه اليه و عن مجمع البحرين في حديث الخلافة قلّدها‌

24

..........

____________

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليا (عليه السّلام) أي جعلها قلادة له الى غير ذلك من الكلمات و يؤيّد المدّعى الاخبار الواردة في أبواب آداب القاضي؛ لاحظ ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج قال: كان أبو عبد اللّه (عليه السّلام) قاعدا في حلقة ربيعة الرأي؛ فجاء اعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه؛ فلمّا سكت قال له الاعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يردّ عليه شيئا؛ فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك؛ فقال له الاعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة: فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

هو في عنقه قال: أو لم يقل: و كلّ مفت ضامن (1).

و لاحظ ما رواه أبو عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام): من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه (2).

و لاحظ ما رواه اسحاق الصيرفي قال: قلت لأبي ابراهيم (عليه السّلام): انّ رجلا احرم فقلّم اظفاره فكانت له اصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصه فافتاه رجل بعد ما احرم فقصه فادماه فقال على الذي افتى شاة (3).

فانّ السائل ما سئل ربيعة عن مسألة و أجاب عنها قال: أ هو في عنقك؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) هو في عنقه قال: أو لم يقل: و كلّ مفت ضامن.

و في تلك الرواية قال (عليه السّلام): من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به و ما ورد في التعليم بانّ كفارته على من أفتى به فيعلم انّ الملاك هو العمل.

____________

(1) الوسائل: الباب 7 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.

(2) الوسائل: الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام، الحديث 1.

25

..........

____________

و في المقام شبهة لصاحب الكفاية و هي انّه يلزم أن يكون العمل عن تقليد فيكون التقليد هو الالتزام و الّا يلزم أن يكون اوّل عمل صادر من العامي بلا تقليد فانّ العمل لا بدّ أن يكون مسبوقا بالتقليد فكما انّ عمل المجتهد مسبوق بالاجتهاد كذلك يلزم أن يكون عمل العامي مسبوقا بالتقليد.

و يرد عليه: انّه يلزم أن يكون العمل عن تقليد و لا يشترط فيه التقديم الزماني و إن شئت قلت يكفي فيه السبق الرتبي كما انّ الامر كذلك في الاجتهاد غاية الأمر لا يتحقّق هذا التقارن في العمل الصادر عن الاجتهاد خارجا.

إن قلت: على ما ذكرتم يلزم الدور لأنّ مشروعيّة العمل تتوقّف على التقليد فلو كان التقليد متوقّفا على العمل يلزم الدور إذ ما دام لا يتحقّق التقليد لا تتحقّق المشروعيّة و ما دام لا يتحقّق العمل لا يتحقّق التقليد على الفرض.

قلت: مشروعيّة العمل تتوقّف على فتوى الغير و التقليد يتوقّف على العمل الخارجي فلا دور؛ فانقدح انّه ليس معناه أخذ فتوى الغير للعمل به و أيضا ليس معناه الالتزام بالعمل بفتوى الغير و إن لم يعمل به بعد و لا أخذ فتواه و لا الأخذ بقول الغير من غير حجّة و لا قبول قول الغير.

ثمّ انّ هذا كلّه فيما يكون المجتهد واحدا أو متعدّدا و يكونون متّحدين في الفتوى و امّا اذا تعدّد مع الاختلاف فليس الأمر كذلك لأنّ حجية الجميع أمر غير معقول و الترجيح بلا مرجّح غير ممكن؛ فلا بدّ من الالتزام مقدّمة للعمل؛ و يرد عليه انّه مع الاختلاف و عدم كون احدهم اعلم لا يجوز التقليد بل يجب الاحتياط لسقوط الفتاوى؛ مضافا الى انّه لو صحّ القول بالحجيّة التخيريّة فايّ محذور في العمل بايّ من الأقوال و أيّ فرق بين الواحد و المتعدّد.

26

..........

____________

ثمّ انّه لا يترتّب اثر على هذا البحث فانّه لم يرد هذا اللفظ في دليل الّا في رواية مرسلة ذكرها في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري (عليه السّلام) في قوله تعالى (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ) قال: هذه لقوم من اليهود- الى أن قال-: و قال رجل للصادق (عليه السّلام) إذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب الّا بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوام اليهود الّا كعوامنا يقلّدون علمائهم- الى أن قال: فقال (عليه السّلام): بين عوامنا و عوام اليهود فرق من جهة و تسوية من جهة؛ امّا من حيث الاستواء فانّ اللّه ذمّ عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذمّ عوامهم؛ و امّا من حيث افترقوا فانّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصّراح و اكل الحرام و الرّشا و تغيير الأحكام و اضطرّوا بقلوبهم الى انّ من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز ان يصدّق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه فلذلك ذمّهم؛ و كذلك عوامنا اذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التّكالب على الدنيا و حرامها؛ فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الّذين ذمّهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم، فامّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه؛ حافظا لدينه مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه؛ و ذلك لا يكون الّا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم؛ فانّ من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة؛ و انّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه باسره لجهلهم و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم‌

27

..........

____________

و آخرون يتعمّدون الكذب علينا الحديث (1).

و هي لا اعتبار بها؛ و لا يخفى انا رجعنا عن القول بعدم اعتبار سند تفسير الامام العسكري (عليه السّلام) و التزمنا باعتباره و الوجه في بنائنا على اعتبار الكتاب شهادة جملة من الاعلام على كون الكتاب لمولانا العسكري (عليه السّلام) و هم ابن شهر آشوب في المناقب و الشهيد الثاني في المنية و المجلسي الثاني في البحار و صاحب المختصر نقلنا هذه الشهادات عن خاتمة تفسير الامام (عليه السّلام).

و ربّما يتوهّم: انّه يظهر النتيجة بالنسبة الى مسألة البقاء على تقليد الميّت‌

و مسألة العدول عن الحيّ الى غيره فانّه لو كان المراد من التقليد العمل فلا يجوز البقاء الّا بعد العمل و يجوز على تقدير خلافه كما انّه يجوز العدول لو لم يعمل على تقدير كون معناه هو العمل و لا يجوز على تقدير خلافه.

و الحقّ انّ هذا التوهّم باطل فانّه لا بدّ من البحث في مدرك الفرعين و لذا يمكن أن يكون مقتضى الدليل جواز البقاء في المسألة الاولى أو وجوبه و لو لم يعمل المكلّف برأي المجتهد كما انّه يمكن أن يكون مقتضى الدليل عدم جواز العدول و لو لم يعمل و يمكن أن يكون مقتضاه الجواز بل الوجوب و إن عمل فلا يؤثر فيه تحقيق معنى التقليد و سيجي‌ء تحقيق هذين الفرعين؛ فانتظر.

ثمّ انّه قد سبق انّ جواز التقليد لا يمكن أن يكون بالتقليد بل لا بدّ أن يكون بالاجتهاد كي لا يلزم محذور التسلسل؛ و قد افاد سيدنا الاستاد دام ظله في المقام بانّ مدرك العامي في التقليد أمران.

أحدهما: السيرة الجارية على رجوع كلّ جاهل الى العالم في كلّ حرفة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.

28

..........

____________

و صناعة و هذه السيرة العقلائية لم يردع عنها الشارع و هذه السيرة و إن لم يمكن أن يستند اليها العامي لكن يتوجّه اليها بادنى تأمّل و اشارة.

و يرد عليه: ما بيّناه سابقا و قلنا بانّه لا يقاس المقام بما جرت عليه السيرة بين العقلاء في أمورهم إذ من الممكن انّ الشارع لا يرضى بالتقليد و كيف يمكن للعامي أن يعلم هذا المعنى الّا أن يرجع الى ما ذكرناه و هو انّ العامي بطبعه يرجع الى من يعتقد انّه عالم بالوظيفة و بالسؤال عن العالم يعرف انّ التقليد جائز في الشريعة المقدّسة.

و بعبارة اخرى: فرق بين الاجتهاد و بين العلم من طريق السؤال و الدليل على ذلك انّ العامي يسئل عن وظيفته و إذا كان مجتهدا في جواز التقليد فكيف يسئل عن وظيفته؟ و ملخّص الكلام انّ جواز التقليد و إن لم يكن بالتقليد لكن ليس بالاجتهاد بل بتحصيل العلم الوجداني بالوظيفة من طريق السؤال عن الوظيفة المقرّرة الشرعية.

ثانيهما: دليل الانسداد و تقريبه انّه بعد ما علم انّه عليه تكاليف لا بدّ من الخروج عن عهدتها و طريق الخروج امّا الاجتهاد و امّا الاحتياط و امّا التقليد؛ امّا الاجتهاد فامر ضروري البطلان بين المسلمين و لا يمكن في حقّ احد من اوّل تكليفه؛ و امّا الاحتياط فأيضا لا يجب قطعا؛ فله طريق آخر من قبل الشارع و ليس له أن يعمل بظنّه دون و همه حيث انّه لا ظن له و على فرضه لا يترتّب عليه الأثر فليس له طريق الّا التقليد؛ هذا بالنسبة الى العامي بالنسبة الى عمل نفسه و وظيفته و امّا المجتهد فلا يمكن الفتوى بجواز التقليد بهذا التقريب إذ من يرى انسداد باب‌

29

..........

____________

العلم و العلمي يرى المجتهد الآخر مخطئا في فتواه فكيف يفتي بجواز تقليده مع اعتقاده بخطإ الآخر.

و يرد عليه: انّه كيف يمكن للعامي تشكيل هذه المقدّمات و كيف يجوز أن يكون الشخص عاميا و مع ذلك يستنبط جواز التقليد بهذه المقدّمات؟

ثمّ انّ المناسب لما تقدّم من البحث حول التقليد و قلنا انّه يجوز التقليد شرعا ان يقع البحث في ادلّة جوازه و هي أمور:

الأوّل: السيرة الجارية بين العقلاء و هي رجوع الجاهل الى العالم و لا اشكال في تحقّق هذه السيرة؛ هذا من ناحية و من ناحية اخرى انّ هذه السيرة ممضاة عند الشارع الأقدس و ان شئت فقل لا يكون للشارع في الأمور العقلائية مسلك خاص و طريق مخصوص بل الأمور العقلائية ممضاة عند الّا فيما قام الدليل على بعض التصرّفات في بعض الموارد و بعبارة اخرى: رجوع الجاهل الى العالم و اعتباره مثل العمل بالظواهر و بقول الثقة و امثال هذه الأمور.

إن قلت: يستفاد من قوله تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)* (1) (وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (2) عدم اعتبار التقليد.

قلت: يرد عليه اوّلا انّه يلزم عدم اعتبار الظهورات و عدم اعتبار قول الثقة بل العادل و هو كما ترى و ثانيا انّ هذه الأمور علم عند العقلاء فلا تكون داخلة في دائرة المنهي عنه.

الثاني: قوله تعالى: (فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي

____________

(1) يونس: 36.

(2) الاسراء: 36.

30

..........

____________

الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (1) بتقريب انّ ما يقع بعد كلمة لعلّ إذا كان فعلا اختياريّا يجب حيث انّه غاية للإنذار الواجب؛ و الحاصل انّ الغاية للأمر الواجب واجب بطريق اولى.

ثمّ انّ الانذار كما يتحقّق بالدلالة المطابقيّة يتحقّق بالدلالة الالزامية فيكون الاخبار حجّة؛ بالدلالة الالتزامية الحاصلة بالافتاء و من ناحية اخرى انّ الحذر هو الامر الخارجي لا مجرّد الخوف النفساني بل ربما يقال بانّ الفقيه لا يصدق على الراوي فيكون دليلا على حجيّة الافتاء فقط و احتمال لزوم العلم بالمطابقة مع الواقع مدفوع بالاطلاق إذ لم يقيد وجوب الحذر بصورة العلم؛ و ربّما يقال بانّه لم يكن التفقّه في صدر الاوّل متداولا فلا يكون ناظرا الى الفتوى.

و يرد عليه: انّ اختلاف مراتب التفقّه لا يوجب اختصاص الحكم ببعض افراده بل المستفاد من جملة من الروايات انّ الافتاء كان متداولا و محبوبا في ذلك الزمان.

و يرد عليه: انّه لا دلالة في الآية على وجوب الحذر بل يدلّ على محبوبيّة الحذر؛ ان قلت: كيف يمكن الالتزام بحسن الحذر مع عدم الوجوب؟ قلت: لا غرو فانّ الاحتياط في الشبهة الحكميّة بعد الفحص حسن مع انّه غير واجب و أيضا نقول المستفاد من هذا الكلام ايجاب الانذار بلحاظ امكان ترتّب الحذر و لا يلزم الجهل بالنسبة اليه تعالى؛ مضافا الى انّه يمكن أن يكون مقيّدا بالعلم و يكون التحذّر حكمة.

____________

(1) التوبة: 122.

31

..........

____________

إن قلت: مقتضى الاطلاق وجوب التحذّر و لو مع عدم العلم.

قلت: ليس الخطاب مسوقا لهذا الحكم بل سيق لأمر آخر و هو وجوب الانذار فلا مجال لأصالة الاطلاق؛ اضف الى جميع ذلك انّه لو سلّم الدلالة فانّما يدلّ في مورد يكون ما بعد لفظ لعلّ و ما قبله شخص واحد كقول الطبيب اشرب الدواء الفلاني لعلّك تصحّ؛ و امّا مثل المقام الذي يكون فعلا لشخصين فلا دلالة فيها؛ فلاحظ.

الثالث: قوله تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ)* (1) و هذه الآية مذكورة في سورة النحل و في سورة الانبياء (2) و تقريب الاستدلال بها انّ مجرّد السؤال ليس محبوبا نفسيّا للمولى فانّه لغو و أيضا ليس المقصود حصول العلم فانّه بعيد إذ لو قيل لأحد راجع الطبيب ليس معناه انّه راجعه حتّى تصير طبيبا بل معناه انّ قوله حجّة لك فيعلم منه حجيّة قول الغير فيثبت المطلوب.

و يرد عليه: أوّلا انّ استعمال هذه الجملة في مقام تحصيل العلم امر متداول و لا بعد فيه و امّا مثل المثال فانّما هو من جهة القرينة الموجودة فلا كليّة فيه ففي مورد الآية امروا ليعلموا.

و ثانيا: انّ هذا البيان يستلزم الدور إذ ثبوت رسالة يتوقّف على السؤال و اعتبار الجواب يتوقّف على تحقّق الرسالة إذ لو لم تكن الرسالة ثابتة عندهم كيف يكون القرآن حجّة عليهم؟ فلا بدّ من أن يكون المراد انّ المقصود من السؤال حصول العلم.

____________

(1) النحل: 43.

(2) الأنبياء: 7.

32

..........

____________

و بعبارة واضحة: انّ اعتبار هذه الآية يتوقّف على حجيّة القرآن و اعتبار القرآن يتوقّف على تحقّق الرسالة؛ فالنتيجة انّ الرسالة تتوقّف على السؤال و ارسال السؤال و اطلاقه يتوقّف على الرسالة.

و ثالثا: انّ النبوّة لا تتحقّق الّا باليقين و لا مجرى للتعبّد؛ إن قلت: المورد لا يكون مخصّصا قلت: الخطاب يتوجّه الى المنكرين فلا عموم لا من ناحية المكلّف و لا من ناحية المورد.

و رابعا: انّ هذا الحكم وارد في مورد خاص و العموم لا وجه له الّا من ناحية عدم القول بالفصل و هذا دليل آخر؛ مضافا الى انّه لا أثر له فانّ ما يكون حجّة هو الاجماع لا عدم الفصل أضف الى ذلك انّ الاجماع مدركي و لا أقلّ من احتماله.

و خامسا: انّ أهل الذكر قد فسّر في جملة من الأخبار بالأئمة فلا يشمل غيرهم؛ منها: ما روى عن علي بن ابراهيم: قال قال آل محمّد (عليهم السّلام) هم أهل الذكر، ثمّ قال حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا عبد اللّه بن محمد، عن أبي داود عن سليمان بن سفيان، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ* من المعنون بذلك؟ فقال: نحن و اللّه فقلت فانتم المسؤولون؟ قال: نعم قلت: نحن السائلون؟ قال: نعم قلت: فعلينا ان نسألكم؟ قال: نعم قلت: و عليكم أن تجيبونا؟ قال: ذاك إلينا ان شئنا فعلنا و إن شئنا تركنا ثمّ قال هٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ (1).

و منها: ما روى عن الأصبغ بن نباتة؛ عن علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) في‌

____________

(1) تفسير البرهان: ج 3 ص 52، الحديث 1.

33

..........

____________

قوله عزّ و جلّ: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*، قال: نحن أهل الذكر (1).

و منها: ما روى عن محمد بن مسلم؛ عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قلت: له انّ من عندنا يزعمون انّ قول اللّه عزّ و جلّ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*؛ انهم اليهود و النصارى؟ قال: اذن يدعوكم الى دينهم قال فاومى بيده الى صدره و قال: نحن أهل الذكر و نحن المسئولون و للذّكر معنيان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقد سمّى ذكرا لقوله تعالى: ذِكْراً رَسُولًا و القرآن لقوله تعالى: إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ و هم (صلوات اللّه عليهم) أهل القرآن و أهل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (2).

و بعبارة اخرى: انّ الآية في حدّ نفسها لا تشمل غير علماء اليهود و النصارى و مع ضمّ الأخبار يكون المراد منها أهل البيت فانّهم أدرى بما في البيت.

الرابع: الأخبار الدالة على حرمة القياس و الرأي.

منها: ما روى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): في رسالة طويلة له الى أصحابه أمرهم بالنظر فيها و تعاهدها و العمل بها من جملتها: ايّتها العصابة المرحومة المفلحة انّ اللّه اتمّ لكم ما آتاكم من الخير؛ و اعلموا انّه ليس من علم اللّه و لا من امره أن يأخذ أحد من خلق اللّه في دينه بهوى و لا رأي و لا مقاييس؛ قد انزل اللّه القرآن و جعل فيه تبيان كلّ شي‌ء؛ و جعل للقرآن و تعلّم القرآن اهلا لا يسع أهل علم القرآن الّذين آتاهم اللّه علمه أن يأخذوا في دينهم بهوى و لا رأي و لا مقاييس؛ و هم أهل الذكر الّذين أمر اللّه الأمّة بسؤالهم- الى أن قال:

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 2.

(2) نفس المصدر، الحديث 3.

34

..........

____________

و قد عهد إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض اللّه عزّ و جلّ رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد عهده الّذي عهده إلينا و امرنا به؛ مخالفا للّه و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) فما أحد أجرأ على اللّه و لا أبين ضلالة ممّن أخذ بذلك و زعم انّ ذلك يسعه؛ و اللّه انّ للّه على خلقه ان يطيعوه و يتّبعوا أمره في حياة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد موته؛ هل يستطيع اولئك اعداء اللّه ان يزعموا انّ أحدا ممّن اسلم مع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ بقوله و رأيه و مقاييسه؟ فان قال: نعم فقد كذب على اللّه و ضلّ ضلالا بعيدا؛ و ان قال: لا؛ لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه و هواه و مقاييسه؛ فقد اقرّ بالحجّة على نفسه و هو ممّن يزعم انّ اللّه يطاع و يتّبع امره بعد قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)- الى أن قال-: و كما انّه لم يكن لأحد من الناس مع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أن يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقاييسه خلافا لأمر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك لم يكن لأحد بعد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أن يأخذ بهواه و لا رأيه و لا مقاييسه؛ ثمّ قال: و اتّبعوا آثار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سنّته فخذوا بها؛ و لا تتّبعوا أهواءكم و رأيكم فتضلّوا؛ فانّ اضلّ الناس عند اللّه من اتَّبَعَ هَوٰاهُ و رأيه بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ؛ و قال:

ايّتها العصابة عليكم بآثار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سنّته و آثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من بعده و سنّتهم؛ فانّه من اخذ بذلك فقد اهتدى؛ و من ترك ذلك و رغب عنه ضلّ لأنّهم هم الّذين امر اللّه بطاعتهم و ولايتهم، الحديث (1).

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

35

..........

____________

و منها: ما رواه سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام) في حديث قال: ما لكم و للقياس انّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس؛ ثمّ قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها- و اومى بيده الى فيه- ثمّ قال: لعن اللّه ابا حنيفة كان يقول: قال علي (عليه السّلام)؛ و قلت: [أنا] و قالت الصحابة؛ و قلت: [انا] ثمّ قال: أكنت تجلس اليه؟ قلت: لا و لكن هذا كلامه فقلت:

اصلحك اللّه أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال: نعم و ما يحتاجون اليه الى يوم القيامة فقلت: فضاع من ذلك شي‌ء؟ فقال: لا هو عند أهله (1).

و منها: ما رواه عيسى بن عبد اللّه القرشي قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال له: يا أبا حنيفة بلغني انّك تقيس؟ قال: نعم؛ قال: لا تقس فانّ اوّل من قاس ابليس، الحديث (2).

و منها: ما رواه أبان بن تغلب؛ عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: انّ السنّة لا تقاس؛ ألا ترى انّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها؛ يا أبان انّ السنة إذا قيست محق الدين (3).

و منها: ما رواه مسعدة بن صدقة؛ عن جعفر بن محمد، عن أبيه انّ عليا (عليه السّلام) قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس؛ و من دان اللّه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

(2) نفس المصدر، الحديث 4.

(3) نفس المصدر، الحديث 10.

36

..........

____________

بالرّأي لم يزل دهره في ارتماس (1)، الى غيرها من الروايات.

و هذه الروايات لا شبهة في تواترها فانّها تدلّ مع عدم اعتبار القياس و الرّأي فان كان الاجتهاد و استنباط الحكم كالقياس في البطلان لكان المناسب للشرع الاطهر أن ينهى عنه أيضا و الحال انّه ليس الأمر كذلك بل الامر على العكس؛ الّا أن يقال انّ عدم بطلان الاجتهاد لا يستلزم حجيّة قول المجتهد لغيره.

الخامس: الأخبار الدالّة على جواز التقليد و لا شبهة في تواترها و لو اجمالا؛ و هذه الأخبار على طوائف:

منها: ما يدلّ على المراجعة الى الرواة و الأخذ منهم فانّ اطلاقها يقتضي عدم الفرق بين الرواية و الدراية؛ لاحظ ما رواه أحمد بن اسحاق، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: سألته و قلت: من اعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من اقبل؟ فقال: العمري ثقتي فما ادّى إليك عنّي فعنّي يؤدّى؛ و ما قال لك عنّي فعنّي يقول؛ فاسمع له و اطع فانّه الثقة المأمون؛ قال: و سألت أبا محمد (عليه السّلام) عن مثل ذلك فقال:

العمري و ابنه ثقتان فما ادّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان؛ و ما قالا لك فعنّي يقولان؛ فاسمع لهما و اطعهما فانّهما الثقتان المأمونان الحديث (2).

و منها: الأخبار الدالّة على جواز الافتاء بل وجوبه بالنسبة الى بعض الأصحاب و الافتاء و إن لم يكن صريحا في الفتوى الاصطلاحي لكن لا يختصّ بالرواية كقوله (عليه السّلام) لأبان بن تغلب اجلس في مسجد المدينة و افت الناس فانّي احبّ أن يرى مثلك في شيعتي مثلك؛ فجلس، و قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) لما‌

____________

(1) نفس المصدر، الحديث 11.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

37

..........

____________

أتاه نعيه: أما و اللّه لقد اوجع قلبي موت أبان (1).

و منها: ما يدلّ على عدم جواز القضاء و الافتاء بغير علم لاحظ ما رواه أبو عبيدة قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام): من أفتى الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لٰا هُدىً من اللّه لعنته ملائكة الرّحمة و ملائكة العذاب؛ و لحقه وزر من عمل بفتياه (2).

و منها: ما رواه مفضّل بن مزيد [يزيد] قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): انهاك عن خصلتين فيهما هلك الرّجال: انهاك أن تدين اللّه بالباطل؛ و تفتي الناس بما لا تعلم (3).

اضف الى ما ذكر ما تقدّم منّا انّ التفسير العسكري صحّحنا سنده فقوله (عليه السّلام) في تلك الرواية (و امّا من كان من الفقهاء الخ) (4) قد دلّ بوضوح على جواز التقليد.

السادس: انّه لا يثبت في انّ العوام مكلّفون بالتكاليف الشرعيّة و لا يلزم عليهم الاحتياط قطعا فلا سبيل لهم الّا التقليد و هذا دليل واضح بل احسن الوجوه المذكورة في المقام.

بقي شي‌ء: و هو انّ جملة من الآيات: تنهى عن التقليد و تذم المقلدين منها قوله تعالى: (وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ قٰالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مٰا أَلْفَيْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا

____________

(1) الوسائل: المجلد الثلاثون، ص 291.

(2) الوسائل: الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(3) نفس المصدر، الحديث 2.

(4) لاحظ ص 26.

38

بقول مجتهد معيّن (1) بل لو لم يأخذ فتواه فاذا أخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها كفى في تحقق التقليد.

[الأقوى جواز البقاء على تقليد الميّت]

(مسألة 9): الأقوى جواز البقاء على تقليد الميّت و لا يجوز تقليد الميّت ابتداء (2).

____________

أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ) (1) و منها قوله تعالى: (وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا إِلىٰ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قٰالُوا حَسْبُنٰا مٰا وَجَدْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ) (2) لكن هذه الآيات لا ترتبط بالمقام بل ترتبط باصول الدّين مضافا الى انّه من رجوع الجاهل الى مثله و أيضا لا يضرّنا ما في الكتاب من النهي عن العمل بغير العلم إذ لا شبهة في انّه يلزم ان ينتهي الى القطع بالحجيّة.

(1) قد أفاد الاستاد ان المجتهد امّا واحد و امّا متعدّد و على الثاني فامّا متّفقون و امّا مختلفون؛ امّا على فرض الوحدة فلا معنى للتخيير و على فرض الثاني فلا وجه للتعيين فانّه بلا مرجّح إذ على الفرض يكون الحجّة الجامع و على فرض الثالث لا بدّ من الاحتياط للتعارض و عدم شمول الدّليل لشي‌ء من الاقوال إذ شموله للكلّ تعبّد بالمتنافيين و هو محال و شموله للمعيّن بلا مرجّح فلا مناص عن الاحتياط؛ هذا كلامه.

و يرد عليه: انّه يمكن أن يفرض التعدّد و لا يعلم باختلافهم.

(2) الّذي يظهر من كلامهم انّ الأقوال في اعتبار الحياة في مرجع التقليد‌

____________

(1) البقرة: 170.

(2) المائدة: 104.

39

..........

____________

مختلفة؛ منها: ما نسب الى الاخباري من الجواز مطلقا ابتداء و استدامة و من نسب اليه هذا القول من الاصوليّين و منها: التفصيل بين البقاء فيجوز و الابتداء فلا يجوز و هذا القول مذهب جملة من الاصوليين أيضا و لعلّه يظهر ممّا نتكلّم فيه إن شاء اللّه قول آخر و هو القول بوجوب البقاء في بعض الصّور و الحرمة في صورة اخرى؛ الّا أن يقال بانّ المراد من الجواز في العنوان الجواز بالمعنى الاعمّ و لا مشاحة في الاصطلاح؛ هذا بالنسبة الى الامامية و امّا العامّة فقد جوّزوا تقليد الميّت ابتداء و لذا استقرّ مذهبهم على تقليد اشخاص مخصوصين و يظهر ممّا نقل في هذا المقام انّه قرّر في عصر السيد المرتضى انّه ينحصر المذهب في عدد مخصوص كي يحفظ أحكام الدّين و لا يدخل فيه أباطيل كدين عيسى (عليه السّلام).

و يمكن أن يقال: بانّ خلاف صاحب القوانين (قدّس سرّه) ليس خرقا للإجماع فانّه مبنيّ على ما اسّسه من انسداد باب العلمي و بعد ما سلّم هذا المعنى و الاحتياط متعذّرا و متعسّر تصل النوبة الى الظنّ فيجوز العمل بالظنّ الحاصل للمجتهد بلا فرق فيه بين أن يكون ذلك حيّا أو ميّتا و ما بنى عليه ناش من انّه يرى انّ حجيّة الظواهر مختصّة بمن قصد افهامه و أيضا لا يرى حجيّة الخبر الواحد.

و يرد عليه: أوّلا: انّ باب العلمي ليس منسدّا إذ لم يختصّ حجيّة الظهور بمن قصد افهامه و على فرض الاختصاص يكفي في التعميم قاعدة الاشتراك في التكليف؛ و امّا الخبر فقد حقّقنا في الأصول بانّ خبر الثقة حجّة لا خبر موثوق به فانّه قلّما يوجد في الأخبار خبر موثوق به كما هو ظاهر لكن يكفي في الانفتاح خبر الثقة؛ و ثانيا: انّ البناء فاسد و لو سلّم صحّة المبنى لأنّ الظنّ الحاصل للمجتهد حجّة له لا لغيره فانّه كيف يحصل للعامي ظنّ بالواقع و الحال انّ غيره مخالف له في الرأي.

40

..........

____________

لكن هذا الاشكال غير وارد عليه إذ الميزان الأقربيّة الى الواقع و من الظاهر انّ رأي المجتهد أقرب الى الواقع؛ نعم لو كان المناط الاقربيّة لا يبعد أن يكون القول المشهور بين الأصحاب أقرب و أيضا لا يبعد أن يكون قول الأعلم أقرب.

و امّا الأخباري فأيضا يمكن أن يقال: بانّ خلافه ليس خرقا للإجماع إذ هو لا يرى حجيّة قول المجتهد بل يرى اعتبار قوله من باب حجيّة الخبر و من الظاهر انّه لا فرق في الراوي بين الحيّ و الميّت.

و يرد عليه: من حيث المبنى ما تقدّم من حجيّة قول المجتهد مضافا الى أنّ قول المجتهد لا يمكن أن يكون حجّة من باب الخبر إذ الخبر لا بدّ أن يكون حسيّا و قول المجتهد لا يعتبر فيه ذلك كما هو ظاهر و امّا ما بنى عليه فيرد عليه: انّه لا يمكن العمل بالخبر الّا بعد الفحص عن المعارض و المخصّص و المقيّد و ليس هذه الأمور من شأن العامي لكن يرد عليه: انّ الرجوع الى الحيّ أيضا يترتّب عليه هذا المحذور.

و ملخّص الكلام: انّ خلاف صاحب القوانين (قدّس سرّه) و الأخباري ليس خرقا؛ للإجماع اذ خلافهما على مسلكهما الفاسد.

إن قلت: انّهما قائلان بالجواز مع رجوعهما عن هذا المسلك.

قلت: هذا أوّل الكلام و لا يمكن اثباته؛ اضف الى ذلك انّ النتيجة عدم الاجماع على الحرمة و هذا هو المطلوب؛ و الذي يهوّن الخطب انّ غاية ما في الباب تحقّق الاجماع و لا يترتّب عليه اثر فانّه محتمل المدرك إن لم يكن من المقطوع به فالعمدة النظر في الادلّة و استفادة ذلك الحكم منها.

فنقول امّا القائلون بالجواز: فما يمكن أن يكون دليلا لهم أو استدلّوا به امور؛

41

..........

____________

منها انّ ما استدلّ به من الكتاب على جواز التقليد مطلق من حيث كون المرجع حيّا أو ميّتا فانّ آية النفر و كذلك آية السؤال تشملان الميّت كما تشملان الحيّ بلا فرق.

و أورد عليه: سيّدنا الاستاد دام ظلّه بانّه على تقدير الاطلاق و تماميّته لا يمكن التمسّك بهما لفتوى الميّت إذ لا ريب في انّ فتوى الميّت تخالف لفتوى الاحياء بل الأموات و مع اختلاف الفتاوى لا يمكن أن يشملها الادلّة بل بالتّعارض تسقط.

و يرد عليه: أوّلا: انّ هذا الايراد اخصّ من المدّعى فانّه لو فرض عدم العلم بالخلاف و لو نادرا فالاستدلال غير تامّ.

و ثانيا: انّ هذا الايراد لا يرتبط بالمقام فانّه من جهة وجود المانع لا من حيث القصور في المقتضي و لذا لو علم الاختلاف بين الاحياء فالامر أيضا كذلك.

و أورد عليه ثانيا: بانّ القضايا ظاهرة في الفعلية فلا بدّ من فعليّة العنوان فلو لم يكن الانذار فعليّا لا يجب الحذر فلا يجوز تقليده و أيضا لا بدّ من صدق عنوان أهل الذّكر و من الظاهر انّ الميّت لا يكون ذاكرا؛ و لا نريد ان ندّعي انّ الحذر لا بدّ أن يكون مقارنا للإنذار فلا يكون حجّة لو لم يقارن بل ندّعي انّ فعليّة العناوين مأخوذة في موضوع الحجيّة.

و يرد عليه: انّه لو انذر ثمّ سكت أو نام أو اغمي عليه فعلم انذاره لمن يكن حاضرا في مجلس الانذار أ ليس الحذر واجبا أيضا بالنسبة اليه و الحال انّه لا يصدق عليه انّه منذر بالفعل؛ هذا اوّلا و ثانيا: انّ الّذي يستفاد من هذا الكلام و امثاله بحسب المتفاهم العرفي انّ هذا القول و هذا الكلام حجّة للمولى على العبد بلا فرق بين ان يتحقّق أو لم يتحقّق و بلا فرق بين الفعلية و الانقضاء و بلا فرق بين الحياة و الموت؛ لكنّ الاشكال كلّ الاشكال في أصل الاستدلال بالآيتين و قد تقدّم ما‌

42

..........

____________

قلناه و اوردناه على الاستدلال بهما.

و منها: انّ الروايات الدالّة على حجيّة قول المجتهد مطلقة من حيث الحياة و الموت.

و يرد عليه: انّ ظهورها في الحياة مما لا ينكر و ان شئت قلت: انّه لا دليل على الاطلاق المدّعى في المقام فإنها امّا تدلّ على حجيّة قول اشخاص مخصوصين كأبان بن تغلب و زكريا بن آدم و يونس بن عبد الرحمن و امّا تدلّ على حجيّة قول الناظر في الحلال و الحرام أو الراوي أو الفقيه أو غيرها فانّها لا تشمل الميّت بلا اشكال فلا بدّ من تنقيح المناط فهذا الاستدلال أيضا ساقط من هذه الجهة؛ اللهمّ الّا أن يقال لا يستفاد من هذه الأخبار اشتراط الحياة فانّ المستفاد من هذه الأخبار بحسب الفهم العرفي اعتبار قول الراوي أو المفتي.

و منها: السيرة بدعوى انّ العقلاء لا يفرّقون بين الحيّ و الميّت و الشارع لم يردع عن هذه السيرة فيجوز تقليد الميّت ابتداء كما يجوز تقليد الحيّ.

و أورد عليه: الاستاد بانّ السيرة مع الاختلاف غير قائمة.

و يرد عليه: أوّلا: انّ هذا اخصّ من المدّعى فانّه لو لم يكن علم بالمخالفة لا مانع من التمسّك بالسيرة؛ مضافا الى انّ هذا الاشكال موجود بالنسبة الى الحيّ أيضا؛ و ما ذكر في مقام المنع و الرّدع أمور:

الأول: انّ الآيات و الروايات ظاهرة في اشتراط الحياة و هي تنفي الاعتبار عن رأي الميّت. و فيه انّه قد مرّ عدم دلالة الكتاب و امّا الروايات فما كان دالا و يكون معتبرا من حيث السند فلا مفهوم له و امّا ماله مفهوم كخبر الاحتجاج (1) فلا اعتبار‌

____________

(1) لاحظ ص 26.

43

..........

____________

بسنده لكن رجعنا عن هذه المقالة و قلنا سند التفسير تام فلا بد من طريق آخر و وسيلة اخرى للجواب عن هذا الاشكال فنقول الحديث لا مفهوم له فانّه متعرض لحكم الموجودين و يقسمهم الى قسمين ينهى عن تقليد قسم منهم و يجوز تقليد قسم آخر و من الظاهر انّ اللقب لا مفهوم له و عبارة واضحة اثبات شي‌ء لا ينفي ما عداه و ببيان اجلى ان القضية لا تكون شرطية كي يكون لها مفهوم بل القضية جملة منفصلة فلا مجال لاستفادة المفهوم منها.

يؤيد ما ذكرنا ما افاده سيدنا الاستاد في هذا المقام فانه (قدّس سرّه) قال في جملة كلام له انّ الرواية انما وردت لبيان ما هو الفارق بين عوامنا و عوام اليهود في تقليدهم علمائهم نظرا الى ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصراح و اكل الحرام و الرشاء، و تغيير الأحكام و التفتوا الى انّ من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز ان يصدق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه و مع هذا قلدوا علمائهم و اتبعوا آرائهم فلذلك ذمهم اللّه سبحانه بقوله عزّ من قائل: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ) حيث فسّر في نفس الرواية بقوم من اليهود ثم بيّن (عليه السّلام) ان عوامنا أيضا كذلك اذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب على الدنيا و حرامها فمن قلد منه هؤلاء فهو مثل اليهود الّذين ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم فاما من كان من الفقهاء ...

و حاصل كلامه (عليه السّلام) لو صحت الرواية ان التقليد انما يجوز ممن هو مورد الوثوق و مأمون عن الخيانة و الكذب و الاعتماد على قوله و اتّباع آرائه غير مذموم عند العقلاء و ذلك كما اذا لم يعملوا منه الكذب الصراح و أكل الحرام و هذا كما ترى‌

44

..........

____________

لا دلالة له على اعتبار العدالة في المقلد لأنّ الوثاقة كافية على صحة الاعتماد على قوله فان بالوثوق يكون الرجوع اليه صحيحا عند العقلاء (1).

و لنا أن نقول ان الميزان المستفاد من ذيل الحديث و هو قوله (عليه السّلام) «فان من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا الخ» انّ مثل هذا الشخص لا يكون قابلا لان يقلّد و هذا ظاهر واضح فلا يدل الحديث على اشتراط العدالة و لا على غيرها من الشرائط.

الثاني: الاجماع؛ و فيه أولا: انّه لا اجماع إذ الاخباريّون و صاحب القوانين من الاصوليين يجوزون تقليد الميت ابتداء.

و ثانيا: انّه ليس اجماعا تعبّديا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام).

الثالث: انّه لا شبهة في انّه عند العلم بالخلاف يجب تقليد الأعلم فلا بدّ من وجوب تقليد شخص واحد اعلم من غيره على الاطلاق و من الضروري من مذهب الشيعة بطلانه فانّه يستلزم ان نعتقد بإمام ثالث عشر.

و فيه: أوّلا: انه لا يلزم العلم بالخلاف حتّى في مورد الابتلاء.

و ثانيا: انّ الأعلم يختلف بحسب اختلاف الاعصار فلا ينحصر في شخص واحد و ليس بطلان هذا الأمر من ضروري المذهب و الّا لم يقع محطا للبحث؛ مضافا الى انّه لا يستلزم القول بالامامة كما هو ظاهر بل الحقّ انّه احسن فانّه لو كان كذلك لا يتحقّق الخلاف و الهرج و المرج الّذين نراهما في عصرنا.

____________

(1) التنقيح: ج 1 ص 184 مؤسسة احياء الآثار للسيد الخوئي (قدّس سرّه).

45

..........

____________

و منها الاستصحاب: بتقريب انّ قول المجتهد في زمان حياته كان حجّة و الاستصحاب يقتضي بقائها بعد موته و لو لا هذا الاستصحاب لكان مقتضى الشك في الحجيّة عدم العمل بقوله لعدم الدّليل.

و يرد عليه: أوّلا: انّ الاستصحاب لا يجري في الحكم الكلّي الالهي.

و ثانيا: انّ الّذي كان قول المجتهد حجّة في حقّه من كان معاصرا له و مدركا ايّاه فلا يقين بالحجيّة حتّى تستصحب؛ و إن شئت قلت انّ الدليل المتكفّل لحجيّة قوله امّا مطلق يشمل الموجود و المعدوم و امّا لا اطلاق فيه؛ امّا على الأوّل فلا تصل النوبة الى الاستصحاب و امّا على الثاني فاركان الاستصحاب غير تامّة؛

و ثالثا: انّ المعلوم من الحجّة قول من كان حيّا؛ و بعبارة اخرى: المقدار المعلوم للموضوع ان يصدق عنوان الفقيه و العالم فلا يقين ببقاء الموضوع الذي يكون معتبرا في جريان الاستصحاب؛

و رابعا: انّ الدليل المثبت للحجيّة امّا هو الكتاب و امّا الروايات و امّا السيرة؛ امّا الأوّل فلا دلالة فيه فلا تصل النوبة الى الاستصحاب كما هو ظاهر و امّا الثاني فقد تقدّم انّ الظاهر من الدليل هو عنوان الحيّ؛ و بعبارة اخرى: مقتضى ما يفهم من تلك الروايات انعدام الموضوع بالموت لكن ذكرنا هناك ان المستفاد من الدليل اعتبار القول و الرأي فلا يضر الموت بالاعتبار و على كلا التقديرين لا مجال للاستصحاب.

و أمّا الثالث: فلا فرق فيها بين الحيّ و الميّت فلا تصل النّوبة الى الاستصحاب إن قلت: انّ السيرة مردوعة.

قلت: على فرض تماميّة هذا المدّعى فلا تصل النوبة الى الاستصحاب أيضا‌

46

..........

____________

كما هو ظاهر.

و خامسا: انّ الاستصحاب امّا يجري في الحكم الفعلي و امّا يجري في الحكم التعليقي؛ امّا الأوّل: فلا فعلية للمعلوم السّابق فأركان الاستصحاب غير تامّة و بعبارة واضحة انّ الحكم الفعلي غير محرز لدى المكلف اذ المفروض انه غير مدرك لزمان حياة المجتهد فلا فعلية بالنسبة اليه.

و أمّا الثاني: فانّه و إن كان معلوما و لا اشكال فيه من هذه الجهة لكنّ الاشكال في سعة الجعل و ضيقه حدوثا لا بقاء و بعبارة اخرى: هذا الأصل أسوأ حالا من الاستصحاب الجاري في الحكم الكلي اذ لا شبهة فيه من هذه الناحية فانّ حرمة الوطي بالنسبة الى الحائض ما دام ترى الدّم محرزة و انّما الشك في بقاء الحرمة بعد انقطاع الدّم قبل الاغتسال؛ فأركان الاستصحاب تامّة و امّا في مثل المقام فدائرة الجعل من الأوّل غير معلومة و إن شئت قلت: انّ الشك في اصل الجعل فان المجعول في استصحاب الحكم الكلي معلوم و أمّا في التعليقي فغير معلوم من الأوّل.

و سادسا: انّ الرّأي غير باق بعد الموت فليس بقاء للموضوع نعم الرأي باق ببقاء النفس الناطقة لكن لا أثر لهذا البقاء بل الموضوع في باب الاستصحاب عرفي؛ و يمكن أن يجاب عن هذا الاشكال بانّ الرأي و إن كان موضوعا للحجيّة لكن فرق بين الموضوعات فانّها قد تكون موضوعة بوجودها الحدوثي و البقائي فلو لم يبقى لا يترتّب عليه الحكم لشرب الخمر فانّ حرمته مادا الخمر باقيا و امّا لو انقلب خلا فيجوز شربه؛ و تارة يكون الموضوع بحدوثه كافيا في ترتب الحكم و لو بعد زواله كحرمة الاقتداء فانّ وقوع الحد على المحدود كاف في ترتب حرمة الاقتداء به ما دام‌

47

..........

____________

حيّا و حجيّة الرّأي عند العقلاء من قبيل الثاني فلو فرض زوال الرّأي يكفي في الاستصحاب؛ و ما عن صاحب الكفاية في هذا المقام من انّ زوال الرأي يوجب زوال الحجيّة كما نرى في الهرم و التبدّل و الجنون؛ يمكن أن يجاب عنه بانّ الوجه فيه غير ما ذكر امّا في التبدّل فلكشف خطائه و هو كذلك حتى في الخبر فانّ الراوي لو قال اشتبهت في أخباري لا يعمل بخبره بلا شبهة و امّا في غيره فلأنّ مثل هذا الشخص لا يليق بمقام التقليد و الزعامة كالفسق و امّا في الهرم فلأنّ الناس مع كونه حيّا لا رأي له فلا مجال للعمل بقوله فتأمّل و أمّا في الموت فليس الأمر كذلك بل النفس بالموت تترقى إذا انقطعت عن عالم الناسوت و صارت من المجرّدات.

و للمحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) على ما في التقرير كلام في المقام و هو التفصيل بين أن يكون الحجّة للمقلّد قطع المجتهد بالحكم الظاهري و بين أن يكون الحجّة ظنّه بالحكم الواقعي فعلى الأوّل لا يجري الاستصحاب لزواله قطعا بانكشاف الواقع نفيا و اثباتا و زوال القطع بالحكم الظاهري قطعا فلا يجري الاستصحاب و امّا على الثاني فلا مانع من جريان الاستصحاب إذ بقائه محتمل و انكشاف الواقع غير ضائر لأنّه خرج عن حدّ الضعف الى الشدّة و احتمال انقلاب ظنّه الى القطع بالخلاف لا يمنع من الاستصحاب بل يؤكّده كما هو ظاهر.

و يرد عليه: أوّلا: أنّه يكفي في الاستصحاب حدوث الرّأي كما مرّ آنفا.

و ثانيا: انّ هذا التفصيل انّما يصار اليه لو قلنا بحجيّة الظن الشخصي و امّا لو قلنا بكون ظنّه نوعا حجّة فحال الامارة حال الأصل في سقوطه عن الحجيّة امّا بالعلم بالخلاف و امّا بالعلم بالوفاق؛ نعم لو قلنا بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي يجري الاستصحاب لاحتمال بقاء الحجّة بانقلاب الامارة بالقطع‌

48

..........

____________

بالواقع و انّى لنا بذلك؛ اذا عرفت ما تقدم نقول: انّ المستفاد ممّا تقدم انّ المقتضي لاعتبار قول الميّت موجود و الذي ذكر في مقام الرّدع امور و تعرضنا لكل واحد منها واجبنا عنه فراجع ما تقدم (1).

هذا تمام الكلام في تقليد الميّت ابتداء؛ و امّا البقاء على تقليده فهو تارة مع شك المقلد في مخالفة قوله لغيره أو موافقته و اخرى مع علمه بالمخالفة و ثالثة مع علمه بالموافقة فيقع الكلام في مقامات ثلاثة:

المقام الأوّل: انّه لو كان شاكا في المخالفة فهل يجوز البقاء أم لا؛

ما يمكن أن يكون وجها له هي الوجوه التي قد مرّت للجواز مع عدم العلم بالمخالفة.

الأوّل: الاستصحاب و تقريبه ظاهر و يرد عليه: انّه و إن لم يرد عليه أكثر الاشكالات المتقدّمة لكن يكفي في عدم جريانه عدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلّي.

الثاني: المطلقات من الكتاب و السنّة بدعوى انّه و إن سلم ظهور الادلّة في اشتراط الحياة لكن مقتضى اطلاق دليل الحجيّة كفاية الحياة ابتداء؛ و ما افيد في هذا الوجه: و إن لم يفد بالنسبة الى الكتاب لما ذكرنا من عدم دلالته على المدّعى لكن تامّ بالنسبة الى السنّة فانّ قوله (عليه السّلام): في جواب قول السائل فممّن آخذ معالم ديني؟ من زكريا بن آدم المأمون على الدّين و الدنيا فلأنّه لو أخذ معالم دينه منه يكفيه حتّى بعد وفات زكريا بلا كلام لكن لا بدّ من ملاحظة انّ ما فيه الاطلاق المقتضي لحجيّة قول الفقيه هل يكون تامّا سندا أم لا؛ و لقائل أن يقول: انّه يكفي‌

____________

(1) راجع ص 42.

49

..........

____________

للمدّعى ما في رواية أبان حيث قال له (عليه السّلام): اجلس في مسجد المدينة و افت الناس؛ الحديث (1).

فانّ مفاده حجيّة قول أبان و فتواه لغيره و لو بعد وفاته الّا انّه يلزم احراز كونه فقيها قابلا لان يقلّد إذ قلنا انّ الافتاء ليس ظاهرا في الفتوى المصطلحة عندنا لكن بعد المراجعة الأخيرة ظهر انّ الافتاء عبارة عن اظهار الرأي.

الثالث: السيرة و تقريبها واضح و لا يرد عليها المحذور المتقدّم فانّها غير مردوعة إذ لا نقطع ببطلان البقاء على تقليد الميّت.

ثمّ انّه هل يشترط في جواز البقاء العمل بقوله أو لا يلزم؟ ربما يتوهّم بانّه يختلف الحال باختلاف معنى التقليد فانّه لو قلنا بانّه العمل كما قلنا يلزم العمل و الّا فلا؛ و هذا التوهّم فاسد إذ لم يرد الحكم على هذا العنوان بل لا بدّ أن يلاحظ مقدار الدّليل الذي استند اليه و حيث انّ الادلّة التي عمدتها السيرة لا فرق في دلالتها بين تحقّق العمل و عدم تحقّقه؛ فلا يشترط العمل و إن كان التقليد اشرب في معناه العمل لكن هل يشترط أن يكون ذاكرا لفتواه أو يكفي التعلّم للعمل و إن نسي بعد ذلك.

أفاد سيّدنا الاستاد دام ظلّه بانّه يشترط في جواز البقاء الذكر امّا لو نسى فلا اثر للذكر السابق و يكون من التقليد الابتدائي الّذي قد مرّ بطلانه فلا يجوز مع النسيان و إن عمل به مدّة.

و يرد عليه: انّ التقليد كما اعترف به لم يرد مورد دليل و انّما الزم بعدم الجواز لترتب محذور أن يكون المرجع واحد أو حيث انّ هذا المحذور لا يترتّب على تقليد الميّت بقاء و لو نسى فتواه فلا مانع من العمل بالمقتضي. و ملخّص الكلام ان السيرة‌

____________

(1) لاحظ ص 36.

50

..........

____________

مقتضية للجواز و المقدار المردوع عنه هو الاطلاق للزوم المحذور المذكور في كلامه على ما رامه و أوردنا عليه و هذا المحذور غير مترتب في مفروض الكلام خصوصا بالنسبة الى من عمل بالفتوى مدّة من الزمان؛ فلاحظ.

و أمّا المقام الثاني: أي ما علم المقلّد بمخالفة رأي الميّت مع الحيّ فأمّا يكون رأي احدهما موافقا للاحتياط بخلاف الآخر فلا اشكال في جواز العمل بقول من يكون قوله موافقا للاحتياط لكنّه في الحقيقة انّ هذا عمل بالاحتياط و لا يجوز له قصد الوجوب؛ و امّا لو فرض قول كليهما مخالفا للاحتياط أو كليهما موافقا من جهة و مخالفا من جهة فامّا لا يعلم باعلميّة احدهما أعمّ من أن يعلم بالتساوي أم لا فامّا يكون الاحتياط ممكنا و امّا لا يكون ممكنا أمّا على الأوّل فيلزم الاحتياط و امّا على الثاني فالمرجع هو التّخيير لا لحجيّة احدهما بل لعدم امكان الاحتياط و تنزّل العقل من الامتثال القطعي؛ الى الاحتمالي و يترتّب عليه آثاره من انّه لو كان مقصّرا يستحقّ العقاب و لزوم القضاء في خارج الوقت؛ و السرّ فيه انّ دليل الحجيّة لا يمكن شموله لكلا القولين فبالتّعارض يسقط الدّليل فلا بدّ من العمل على طبق حكم العقل؛ و لا يخفى انّ هذا تخيير في مقام الامتثال لا في المسألة الاصوليّة.

و أمّا المقام الثالث و هو لو علم بموافقة رأي الميّت للحيّ فربما يقال: بانّه يلزم الاستناد الى الحجّة و مع عدم الاستناد لا تتمّ الحجيّة كما عن الميرزا (قدّس سرّه) فتظهر الثمرة بين القول بجواز البقاء و عدمه إذ لو استند المقلّد الى رأي الميّت يكون معذورا لتماميّة الحجّة و إن لم نقل بالجواز لا يكون معذورا؛ فنقول امّا البقاء في صورة الموافقة فجائز لشمول الادلّة بلا تعارض فانّه كما يشمل دليل حجيّة الخبر الواحد كلا الخبرين المتوافقين في المدلول بلا وقوع مناف فيه كذلك يشمل الدليل كلا الفتويين‌

51

[إذا عدل عن الميّت الى الحيّ لا يجوز له العود الى الميّت]

(مسألة 10): إذا عدل عن الميّت الى الحيّ لا يجوز له العود الى الميّت (1).

____________

المتوافقين بلا محذور؛ امّا الاستناد فالظاهر انّه بلا دليل اذ الحجيّة عبارة عن التنجيز و التعذير امّا الأول فيكفي في تحقّقه وجود المنجز واقعا كما انّه معترف به فانّ الدليل لو كان في معرض الوصول ينجّز الواقع على المكلّف و لو مع عدم العلم فكيف بالاستناد و امّا التعذير فهو أيضا كذلك إذ لو فرضنا انّ الحيّ و الميّت كان رأيهما خلافا للاحتياط كما لو افتيا بجواز شرب التتن و المكلّف يعلم بتماميّة الحجّة و شرب التتن بلا استناد لا يكون معاقبا بلا اشكال؛ و امّا لو افتيا على وفق الاحتياط كما لو افتيا بوجوب السورة و المكلّف أتى بالسورة من باب الاحتياط لم يكن عليه شي‌ء.

نعم يمكن أن يقال: يترتّب الأثر و ظهوره في مورد و هو الاستناد إذ على تقدير الجواز يجوز و على تقدير عدم جواز البقاء لا يجوز؛ بيان ذلك انّ الدليل في مورد عدم المخالفة يشمل كلا الرّأيين كما ذكرنا و المفروض حجيّة الجميع فيجوز الاستناد الى كلّ من القولين فلو قلنا بجواز البقاء يجوز الاستناد و إن قلنا بعدم الجواز فلا يجوز الاستناد.

(1) الّذي يمكن أن يستدل به لما أفاده أمران:

الأوّل: انّ التقليد عبارة عن الالتزام فلو عدل الى الحيّ يكون عدوله الى الميّت تقليدا ابتدائيا و هو غير جائز و هذا انّما يتم على مذهب المصنّف الذي يرى التقليد عبارة عن الالتزام و على ما هو التحقيق من انّ التقليد عبارة عن العمل لا يكون مجرّد الرجوع الى الحيّ و الالتزام بقوله عدولا فلا يصدق العدول فلا يكون الرجوع الى الميّت تقليدا ابتدائيا؛ الّا أن يقال بانّه يكفي في صدق العدول مجرّد‌

52

..........

____________

الالتزام بقول الحيّ فيكون الرّجوع الى الميّت ابتدائيا لكنّ الحقّ أنّ هذا كلّه بلا طائل فانّه لم يرد لفظ التقليد و كذلك لفظ العدول بما لهما من المعنى تحت آية أو رواية كي يترتب على صدقهما و عدمه اثر؛ لكنّ الحقّ انّه ورد عنوان التقليد في الحديث المروي في التفسير العسكري (عليه السّلام).

ثانيهما: انّ المقام مقام الاشتغال فانّه لو عدل عن الميّت الى الحيّ يكون قول الحيّ حجّة قطعا و امّا قول الميّت فمشكوك الحجيّة و الشك في الحجيّة يساوق القطع بعدمها فلا بدّ من تقليد الحيّ بحكم العقل.

و يرد عليه: انّه لو فرض انّ الميّت أعلم لا يكون الأمر كما ذكر فانّه لو لم يكن الامر بالعكس فلا أقلّ من التساوي كما انّه لو فرض التساوي بين الحيّ و الميّت في الفضيلة يتردّد الامر بينهما إذ الأدلّة بالتعارض تتساقط؛ فالحقّ أن يقال: ان العدول الى الحيّ أمّا يكون بوجه جائز و امّا لا يكون امّا على الأوّل فلا يجوز العدول الى الميّت و امّا الثاني فيحرم البقاء بل يجب العدول الى الميّت فانّه لو فرض انّ الحي أعلم من الميّت يجب العدول اليه و امّا إن كان الميّت أعلم وجب البقاء و ذلك للسيرة غير المردوعة و أفاد الاستاد بانّه يجب العدول أيضا فيما يكون المقلّد ناسيا لفتوى الميّت و قد مرّ انّه غير صحيح هذا فيما يكون احدهما أعلم و أمّا لو كانا متساويين في الفضيلة فلا بدّ من العمل على طبق احوط القولين كما مرّ.

53

[لا يجوز العدول عن الحيّ الى الحيّ الّا إذا كان الثاني أعلم]

(مسألة 11): لا يجوز العدول عن الحيّ الى الحيّ الّا إذا كان الثاني أعلم (1).

____________

(1) الّذي يكون مقتضى النظر الدقيق في المقام: أن يقال انّه تارة يفرض الكلام مع عدم العلم بالمخالفة و أخرى يفرض مع العلم بالمخالفة:

أمّا على الأوّل: فلا مانع من البقاء كما انّه لا مانع من العدول إذ الدّليل اللّفظي يشمل كليهما و السيرة لا فرق في جريانها بالنسبة الى كلّ منهما؛ و ما ذكره في المستمسك من انّ مقتضى الأصل العقلي التعيين لا مجال له فانّه لا تصل النوبة اليه مع وجود الاطلاق و السيرة؛ مضافا الى انّه لا وجه لهذا الاحتمال نعم لو كان المعدول عنه اعلم لكان لهذا الاحتمال مجال كما انّه الامر كذلك فيما يكون المعدول اليه أعلم و فيما ذكرنا لا فرق بين صورة التساوي في الفضل و بين صورة رجحان أحدهما على الآخر؛ و ملخّص الكلام انّه لا فرق بحسب الدليل من الاطلاق و السيرة بين هذين الفردين.

و أمّا على الثاني: فلا يشمل قولهما الاطلاق بل يسقط بالمعارضة فلا بدّ من العمل على طبق أحوط القولين الّا فيما يكون أحدهما أعلم فانّ مقتضى السيرة تعيّن الرجوع اليه؛ و أمّا مع فرض التساوي فلا دليل على تعيّن أحدهما كما انّه لا دليل على التخيير؛ و ربما يقال: بانّ جواز التخيير ثابت بالإجماع كما عن الشيخ دعواه و بالسيرة بتقريب انّ السيرة جارية على تقليد المفتين و رجوع العامي الى الفقيه و لو مع العلم بالمخالفة بين الأقوال.

و فيما ذكر نقاش فنقول امّا الاطلاقات فهي ساقطة بالمعارضة و أما الاجماع فليس اجماعا تعبديا كاشفا و أما السيرة فلا يمكن اثباتها. اذ سيرة العقلاء ليست‌

54

..........

____________

على الرجوع الى العالم مع العلم بالخلاف و بعبارة اخرى ان جواز التقليد و ان سلّم ان السيرة جارية على رجوع الجاهل الى العالم و لا نقاش في أصل المدّعى لكن بهذا النحو غير ثابتة فلا دليل على التخيير لا في الأخبار العلاجية و لا في المقام اما في الأخبار العلاجية فلضعف السّند أو الدلالة و أما في المقام فلعدم الدليل و به عبارة اخرى الحجية التخييرية يقع الكلام فيها تارة ثبوتا و اخرى اثباتا أما ثبوتا فتارة نقول بانّ المعتبر الجامع بين القولين و هذا يرجع اما الى امر غير معقول و اما يرجع الى ما لا فائدة فيه إذ لو كان احد القولين مفاده الوجوب و مفاد الآخر التحريم كما لو قال احدهما بوجوب صلاة الجمعة و الاخر بحرمتها كيف يكون الحجة الجامع إذ المكلّف لا يخلو من احد الامرين اما الفعل و اما الترك فلا تتصور الحجية في مثله و لو كان مفاد أحد القولين الاباحة و الاخر الوجوب أو التحريم فالجامع قيام الحجة بين الوجوب و الحرمة أو الاباحة و مقتضى قيام مثلها الاحتياط إذ الشبهة حكمية و لو كان احد القولين وجوب أمر و الآخر وجوب امر آخر فمعنى حجية الجامع قيام الدليل على احد الامرين الالزاميين و مقتضاه الاحتياط بالجمع بين الامرين فانقدح بما ذكر انه لا معنى للحجية التخييرية بهذا المعنى أي الجامع و ان قلنا بان معناها عبارة عن حجية كل من القولين عند الالتزام بترك الآخر فيترتب عليه انه لو التزم بترك كليهما يكون كلاهما حجة و مرجعه الى التعبد بالمتناقضين مضافا الى ان توجيه التكليف الى من يكون تاركا أو فاعلا غير معقول و إن كان معناها كون الحجة ما اخذه المكلف و جعله مدركا له بان يترتب الحجية على ما اختاره المكلف فهو أمر قابل ثبوتا لكن العمدة انه لا دليل عليه في مقام الاثبات فظهر ان الحجية‌