تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج1

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
544 /
172

الجزء الأول

173

..........

____________

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد (صلى الله عليه و آله) و على آله الطيبين الطاهرين و اللعنة على أعاديهم أجمعين إلى يوم الدين.

عرّف الماتن الماء المضاف بالتمثيل له بما يعتصر من الأجسام كماء الرمان أو ما يمتزج بها بنحو يسلبه صدق لفظ الماء عليه- بما له من المعنى المرتكز عند العرف- بلا قيد.

و ينبغي أن يقال في المقام: إن المائع على أقسام:

1- ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه لا مطلقاً و لا مقيداً كالدبس و الزيت و النفط.

2- ما يصح إطلاق لفظ الماء عليه بلا عناية مع القيد و بدونه كماء البحر و ماء البئر و هذا هو المعبّر عنه بالماء المطلق.

3- ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه حقيقة بدون قيد مما يكشف عن عدم عموم المعنى المرتكز عند العرف للفظ الماء له، و إلّا فإن عدم صدق المعنى المطلق على فرده غير معقول، و هذا هو المعبّر عنه بالماء المضاف سواء كان من قبيل المعتصر من الأجسام كماء الرمان، أو الممتزج بها امتزاجاً موجباً لاندراجه تحت حقيقة أُخرى عرفاً كالماء الترابي، بخلاف الماء المملوح فإن امتزاجه بالملح لم‌

174

..........

____________

يخرجه عن حقيقة الماء؛ و لذلك صح إطلاق لفظ الماء عليه بدون القيد من دون عناية، أو لم يكن معتصراً و لا ممتزجاً كالرطوبات الصادرة من العين و الأنف و الفم فإنها من مصاديق الماء المضاف أيضاً.

و النتيجة أن هذا القسم من المائع لا يترتب عليه ما يختص بالماء من الحكم كمطهريته من الحدث أو الخبث، و نظير المقام إطلاق لفظ الذهب على البلاتين فإنه يطلق عليه الذهب مقيداً فيقال له: ذهب أبيض لكنه كإطلاق لفظ الذهب الأسود على النفط من حيث العناية و التجوز بلحاظ أن المعنى المرتكز عند العرف للفظ الذهب لا يشمله؛ و لذا لا يترتب عليه ما يترتب على الذهب من الأحكام كحرمة لبسه على الرجال و فساد صلاة الرجل فيه.

175

فصل في المياه

الماء إما مطلق أو مضاف كالمعتصر من الأجسام أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء (1).

____________

(1) تعرض (قدس سره) في هذا الفصل للماء المطلق و المضاف و بيان أقسام الماء المطلق، و ذكر ما يشترك فيه الأقسام من الحكم و ما يتعلق عليه و على المضاف في مسائل. و عرّف المضاف بالتمثيل بما يعتصر من الأجسام كماء الرمان و البرتقال، و بالماء الممتزج بغيره بحيث يكون الامتزاج موجباً لأن لا يصدق عليه الماء أي المعنى المرتكز للفظ الماء بلا قيد كما في الوحل، و قلنا: إن ما ذكر تمثيل؛ لأنه قد يكون المضاف مما يطلق عليه الماء مقيداً غير معتصر من الأجسام، و لا ماء ممتزجاً بغيره كالرطوبات الخارجة من العين و الأنف و الفم.

و بتقرير آخر المائع إما لا يطلق عليه الماء أصلًا لا مطلقاً و لا مقيداً كالدبس و الزيت و النفط أو لا يصح إطلاقه عليه بلا قيد و يصح إطلاقه مع القيد كإطلاق ماء الرمان على عصيره، و هذا الإطلاق يكون بنحو من العناية و المجاز و يكشف عن عدم عموم المعنى المرتكز عند الأذهان للفظ الماء بحيث يعمه، و إلّا فلا يعقل عدم صدق المعنى المطلق على فرده، نعم في الممتزج بغيره مما لا يخرجه الامتزاج إلى حقيقة أُخرى كالماء المملوح فالإطلاق مع القيد ليس من المجاز كما لا يخفى، و على ذلك فلا يترتب على هذا القسم من المائع ما يختص بالماء من الحكم ككونه مطهراً من الحدث أو الخبث، و مما ذكر يعلم أن الملاك في كون مائع ماءً يترتب عليه حكمه صدق الماء عليه بلا قيد بأن يصح أن يقال هذا ماء بلا عناية، و قد ظهر أنه لا يقدح في ترتب حكم الماء على ماء البحر و البئر و غيرهما مما يطلق عليه الماء مقيداً أيضاً كما يصح إطلاقه عليه مطلقاً أي بلا قيد.

176

و المطلق أقسام: الجاري، و النابع غير الجاري، و البئر، و المطر، و الكر، و القليل (1).

و كل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهّر من الحدث و الخبث (2).

____________

و يشبه المقام ما في إطلاق الذهب على ما هو المعروف ب‍ (البلاتين) فإنه يطلق عليه الذهب مقيداً فيقال: إنه ذهب أبيض و لكن المعنى المرتكز للفظ الذهب بلا قيد لا يعمّه؛ و لذا لا يجرى عليه ما يترتب على الذهب كحرمة لبسه على الرجال، و بطلان صلاة الرجل فيه فإنهم يرون إطلاق الذهب الأبيض عليه كإطلاق الذهب الأسود على النفط كما لا يخفى.

الماء المطلق‌

(1) ذكر (قدس سره) للمطلق أقساماً ستة أي الجاري، و النابع غير الجاري، و البئر، و المطر، و الكر، و القليل، و تقسيمه بالأقسام باعتبار أن لكل منها حكماً خاصاً به أو قيل: إنه كذلك، و لكن يرد عليه (قدس سره) أنه لا موجب لجعل النابع غير الجاري قسيماً للجاري؛ لما يأتي منه أنه بمنزلة الجاري فيترتب عليه ما يترتب على الجاري، و إن اعتذر بأن الإلحاق لا يوجب اندراجه في الجاري فيقال: ينبغي عليه أن يذكر قسماً سابعاً و هو الجاري من مادة فوق سطح الأرض كالنهر أو الشط الجاري من ذوبان الثلوج و سقوط الأمطار فإن هذا عنده ملحق بالراكد الكر أو القليل و إن لم يندرج فيهما بالعنوان، بل ينبغي عدّ قسم ثامن و هو ماء الحمام؛ لأن له حكماً خاصاً و هو اعتصام أحد الماءين بالآخر على ما قيل و يأتي الكلام فيه.

و كيف كان فالمذكور في كلمات المشهور الجاري و الراكد المعبر عنه بالمحقون و البئر و أهملوا ذكر ماء المطر و لعله لخروجه عن مياه الأرض المتعارف وقوع النجاسة فيها و جريان المطهر عليها.

(2) لا ينبغي الريب في أن كل الأقسام تشترك في كونها طاهرة مطهرة للحدث‌

177

..........

____________

و الخبث و كون ذلك عندنا من المسلمات، بل لا يبعد كونه من الضروريات فلا يحتاج إلى بسط الاستدلال عليه و إن نسب الخلاف في مطهرية ماء البحر إلى مخالفينا (1) و لكن لا يعبأ به، فإن قوله سبحانه «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» (2)* بإطلاقه يدل على أنه لا تصل النوبة إلى التيمم بدلًا عن الوضوء أو الغسل إلّا عند عدم وجدان الماء بأي أنواعه و منها ماء البحر، و لا يحتمل أن يكون الماء مطهراً من الحدث غير مطهر من الخبث، و إن كان العكس محتملًا على ما يأتي في الماء المستعمل في رفع الخبث هذا مع الغمض عن الإطلاق في الروايات و خصوص ما ورد في ماء البحر من كونه طهوراً أي مطهراً كما سيأتي.

و قد يستدل على كون الماء بجميع أنواعه طاهراً مطهراً بقوله سبحانه: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (3) لأن الطهور يتضمن المطهرية و يورد على الاستدلال بوجوه:

منها- ما تعرّض له في الحدائق من أن أقصى مدلولها كون ماء السماء كذلك (4).

و من عدم العموم في الآية حتى بالإضافة إلى المياه المنزلة من السماء فإن الوارد في الآية نكرة في سياق الإثبات و هي لا تفيد العموم كما صرّحوا بذلك في علم الاصول.

و من أن الطهور مبالغة في فعول و المبالغة في تلك الصيغة بمعنى زيادة المعنى‌

____________

(1) غنائم الأيام (للميرزا القمي) 1: 498. و التنقيح في شرح العروة الوثقى (للسيد الخوئي) 1: 14، كتاب الطهارة.

(2) سورة النساء: الآية 43.

(3) سورة الفرقان: الآية 48.

(4) الحدائق الناضرة 1: 172.

178

..........

____________

المصدري و شدته، و إذا كان المعنى المصدري لازماً فلا يكون الطهور إلّا بمعنى الطاهر الشديد في طهارته فلا يتضمن كونه مطهراً لغيره.

ثمّ أجاب (قدس سره) (1) عن الإيراد الأول بأن جميع مياه الأرض نازلة من السماء كما يشهد لذلك جملة من الآيات و بعض الروايات، و من الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ» (2) و قد روى علي بن إبراهيم القمي في تفسير هذه الآية عن الباقر (عليه السلام) قال: «هي الأنهار و العيون و الآبار» (3) و ذكر (قدس سره) في آخر كلامه أن في قوله سبحانه في ذيل الآية «وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ» تهديد بأنه إن أذهب ذلك الماء النازل لم يبق لنا ماء آخر (4).

و ربما يضاف إلى هذا الجواب كما عن بعض الأعاظم أنه لو بنى على أن المياه مخلوقة على الأرض ثمّ يصعد إلى السماء بإشراق الأرض و صيرورتها بخاراً ثمّ يتساقط يكون المراد بقوله سبحانه «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً»* أي أنزلنا أمر الماء نظير قوله سبحانه: «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» (5) حيث لا يتوهم و لا ينبغي أن يتوهم نزول نفس الحديد من السماء، و يدل أيضاً على نزول جميع المياه من السماء قوله تعالى «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» (6).

____________

(1) أي البحراني في الحدائق الناضرة 1: 173.

(2) سورة المؤمنون: الآية 18.

(3) تفسير القمي 2: 91. منشورات مكتبة الهدى.

(4) الحدائق الناضرة 1: 174.

(5) سورة الحديد: الآية 25.

(6) انظر التنقيح في شرح العروة الوثقى (للسيد الخوئي) 1: 18. كتاب الطهارة. و الآية 21 من سورة الحجر.

179

..........

____________

أقول: دعوى أن جميع مياه الأرض قد نزل من السماء يكذبها الوجدان فإن أكثر مياه الأرض تحصل من ذوبان الثلوج النازلة في أطراف هذه الكرة الأرضية، و ظاهر الآية المباركة أن ما هو ماء عند الإنزال قد وصف بأنه طهور فلا يعمّ ما إذا كان عند النزول غير ماء ثمّ صار ماءً بعد مكثه على الأرض بزمان طويل أو قصير إلّا أن يتمسك بعدم احتمال الفرق بين كون الماء عند نزوله ماءً أو كان ثلوجاً، و أما ما ذكر من كون المراد من إنزال الماء من السماء إنزال أمره نظير قوله تعالى «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» (1).

و قد استدل على طهارة الماء و مطهريته بعدة نصوص من الكتاب و سنة المعصومين (عليهم السلام):

فمن الكتاب قوله تعالى: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (2) بدعوى دلالته على أن كل ماء طاهر مطهر لتضمن عنوان الطهور ذلك. و أورد على الاستدلال بها بوجوه:

الأول: ما في الحدائق من أن غاية مفادها طهورية ماء المطر لا جميع المياه (3) حتى ما كان مخلوقاً في الأرض.

و اجيب عنه بأن جميع المياه راجعة إلى السماء؛ إما بمعنى خلقها في السماء ثمّ إنزالها للأرض كما تدل عليه جملة من الآيات نحو «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ» (4) فإن كلمة (ماء) و إن كانت نكرة في‌

____________

(1) سورة الحديد: الآية 25.

(2) سورة الفرقان: الآية 48.

(3) الحدائق الناضرة 1: 172.

(4) سورة المؤمنون: الآية 18.

180

..........

____________

سياق الإثبات فلا عموم فيها لكل ماء إلّا أن الذيل ظاهر في التهديد و أن الماء النازل لو منعه اللّٰه عز و جل لم يبق للعباد ماء آخر فهو دال التزاماً على رجوع جميع المياه للسماء، و نحو قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» (1) الشامل بعمومه للماء، و تدل على ذلك بعض الروايات أيضاً: منها ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره حول هذه الآية عن الباقر (عليه السلام) قال: «هي الأنهار و العيون و الآبار»، و أما بمعنى نزول أمرها من السماء كما ذكر بعض الأعاظم فإنها و إن كانت مخلوقة في الأرض إلّا أنها تصير بخاراً بإشراق الشمس على الأرض ثمّ تتساقط أمطاراً على الأرض مرة اخرى فإنزالها من السماء في الآية بمعنى نزول أمرها نظير قوله تعالى:

«وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» (2) مع أنه لا يتوهم نزول نفس الحديد من السماء.

و يلاحظ عليه أولًا: أن الوجدان شاهد على عدم عموم الآية لجميع المياه فإن أغلب مياه الأرض نتيجة ذوبان الثلوج النازلة في أطراف الأرض مع أن ظاهر الآية كون الموصوف بالطهور هو ما أنزل من السماء ماءً فلا شمول فيه لما نزل غير ماء ثمّ صار ماء بعد مكثه في الأرض.

فإن قلت: قد ذكرنا أن المراد بإنزال الماء من السماء إنزال أمره الشامل لنزول الثلج نظير قوله: «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ».

قلت: إن ظاهر الآية- بقرينة ذكر السماء- و قوله تعالى في ذيلها «لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّٰا خَلَقْنٰا أَنْعٰاماً وَ أَنٰاسِيَّ كَثِيراً» (3) هو نزول ماء المطر، و أما قوله تعالى:

____________

(1) سورة الحجر: الآية 21.

(2) سورة الحديد: الآية 25.

(3) سورة الفرقان: الآية 49.

181

..........

____________

«وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» فلا وجه لحمله على إنزال أمره من السماء مع عدم ذكر السماء في الآية، بل الإنزال فيها بمعنى الجعل و الوضع و التقدير نظير قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» (1) و قولهم- أنزله على حكم الأمير أي جعله تحت آمريته، و نحو قوله تعالى: «قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ» (2) و بذلك يتضح معنى التنزيل في قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» كما أن المراد بقوله «عِنْدَنٰا» كون الأشياء تحت سلطانه و مشيئة لا نزولها من السماء.

و أما التهديد المستفاد من قوله تعالى «وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ» فليس فيه دلالة على نزول جميع المياه من السماء إذ يكفي في صحته شدة الحاجة لماء المطر في حياة الزرع و نقاء الجو خصوصاً مع خلو كثير من البقاع من المياه ما سوى ماء المطر.

و ثانياً: أن ظاهر بعض النصوص تكون بعض أفراد الماء من غير نزوله من السماء نحو صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قال اللّٰه عزّ و جلّ: «وَ نَزَّلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً مُبٰارَكاً» قال: ليس من ماء في الأرض إلّا و قد خالطه ماء السماء» (3).

الإيراد الثاني: أن لفظ (ماء) الوارد في الآية نكرة في سياق الإثبات و لا دلالة فيه على العموم.

____________

(1) سورة الفتح: الآية 4.

(2) سورة الأعراف: الآية 26.

(3) وسائل الشيعة 25: 265، الباب 22 من أبواب الأشربة المباحة، الحديث الأول.

182

..........

____________

و اجيب عنه بوجوه:

1- ما في الحدائق (1) من أن ورود الآية الشريفة في مقام الامتنان قرينة على العموم إذ لا امتنان في الحكم بمطهرية فرد من الأفراد الخارجية للماء المنزل لا على نحو التعيين فالآية نظير قوله تعالى «فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ» (2) في كون المقصود بالنكرة العموم بقرينة كونه في سياق الامتنان.

و فيه أنه يكفي في صحة الامتنان حكم الشارع بطهورية ماء المطر و لو في خصوص الكثير منه؛ لكثرة ابتلائهم به من دون حاجة لفرض العموم.

2- أن لفظ الماء في الآية بمعنى الجنس لا النكرة فيتم التمسك بإطلاقه لإفادة عموم الحكم لكل ماء. و فيه أن الإطلاق فرع كون الآية في مقام بيان مطهرية الماء، و ليست كذلك فإن ظاهر التوصيف فيها «مٰاءً طَهُوراً» كونها في مقام بيان الامتنان بإنزال الماء الطهور لا الحكم بطهورية الماء.

3- ما هو الصحيح من أنه بعد الفراغ عن دلالة الآية على طهورية ماء المطر- و لو بمقتضى ورودها في مقام الامتنان- فلا ريب في دلالتها على طهوريته- لا بقيد المطرية و زمان النزول- لأن المتعارف من استعماله إنما هو بعد حيازته أو جريانه في الغدران و الأنهار، و إذا عمّت دلالة الآية لذلك فالفرق بين ماء الغدير و النهر و بين الماء المخلوق في الأرض غير محتمل.

الإيراد الثالث: أن الاستدلال بالآية مبني على كون (طهور) بمعنى المطهر و هو‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 173.

(2) سورة الرحمن: الآية 68.

183

..........

____________

غير صحيح فإن (فعول) صيغة مبالغة نحو (أكول) أي كثير الأكل فكذلك (طهور) بمعنى الزيادة و الشدة في المعنى المصدري و هو الطهارة، و حيث إن المعنى المصدري لازم فلا دلالة في هذه الصيغة على المطهرية.

و قد يجاب عن ذلك بوجهين:

1- ما في الحدائق (1) من أن لفظ الطهور لو كان بمعنى الطاهر فقط لصح توصيف الأشياء الطاهرة به مع أنه لا يقال: خشب طهور و لا ثوب طهور مما يكشف عن كونه بمعنى ما يتطهر به كالسحور و الفطور و الوقود، لكن قد يقال بأن النكتة في عدم صحة إطلاق لفظ الطهور على غير الماء هي عدم تصور الشدة في طهارتها بخلاف الماء فإن شدة طهارته أمر واضح لعدم تنجسه بمجرد الملاقاة في فرض الكثرة و نحو ذلك.

2- و قد يجاب عن ذلك بما ذكر بعض الأعاظم من أن القابل للشدة و الضعف هو الطهارة الخارجية لا الطهارة الاعتبارية التي تتحقق باعتبارها (2).

و فيه أن المتصف بالشدة و الضعف كما ينطبق على الكيفيات التكوينية فإنه ينطبق على الاعتباريات غاية الأمر أن شدتها اعتبارية كأصلها، نظير ما ذكرناه من أن البينة أقوى الحجج في الموضوعات، و نظير ما للتعظيم و التحقير من المراتب الاعتبارية في الكمال و الضعف فلا مانع من اعتبار الأشدية لطهارة الماء دون غيره من الأجسام؛ لذلك صح توصيفه بالطهور دون غيره.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 174- 175.

(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (للسيد الخوئي) 1: 15، كتاب الطهارة.

184

..........

____________

3- و ما هو الجواب الصحيح من أن لفظ الطهور لو كان بمعنى شديد الطهارة لصح اتصاف بدن الحيوان و بواطن الإنسان به لعدم تنجسها، و لما صح اتصاف التراب به فإنه كسائر الأجسام مما يتنجس بمجرد الملاقاة و ذلك كاشف عن كون وصف الماء و التراب بالطهور بمعنى ما يتطهر به، و قد ورد في بعض النصوص كون ماء البحر طهوراً (1)، و كون التراب أحد الطهورين (2)، و إن كان وصف التراب بالطهور لا يفيد أنه طاهر مطهر كما يستفاد من وصف الماء به؛ و ذلك لأن معنى الطهور هو ما يتطهر به، و لكن حيث إن المطهر مما لا يمكن أن يكون في نفسه محكوماً بالنجاسة بمقتضى الارتكاز كان وصف الطهور دالّا على الطهارة بالالتزام، ففيه أنه قد قيد الإنزال بالسماء في قوله سبحانه «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» و لم يرد هذا القيد في آية الحديد و ليس معنى الإنزال هو الإرسال من السماء كما في قوله سبحانه: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» (3) و يقال: أنزله إلى حكم الأمير فلا موجب لتقدير الأمر في آية الحديد.

و مما ذكر يظهر الحال في قوله سبحانه «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلّٰا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» (4) فإن المراد من عندنا كون الأشياء في اختياره و تحت سلطانه جلت قدرته، و إنزالها أو إنزال بعضها نظير إنزال السكينة في قلوب المؤمنين فلا دلالة لها‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 136، الباب 2 من أبواب الماء المطلق.

(2) انظر وسائل الشيعة 3: 381، الباب 21 من أبواب التيمم، الحديث الأول و الباب 23، الحديث 5، و فيها: «التيمم أحد الطهورين». وسائل الشيعة 1: 133، الباب الأول من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

(3) سورة الفتح: الآية 4.

(4) سورة الحجر: الآية 21.

185

..........

____________

على كون جميع المياه نازلة من السماء.

بل في بعض الروايات ما يشير إلى خلافه كصحيحة محمد بن مسلم قال:

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): و أنزلنا من السماء ماءً مباركاً، قال:

ليس من ماء في الأرض إلّا و قد خالطه ماء السماء» (1).

و أجاب في الحدائق (2) عن الإيراد الثاني بأن الآية في مقام الامتنان و بيان الإنعام للناس فلا يناسب حمل الماء بمعنى النكرة بأن يكون واحداً خارجياً من المياه المنزلة من غير تعيينه مطهراً بل نظير قوله سبحانه «فِيهِمٰا فٰاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمّٰانٌ» في كون المراد العموم، و الحاصل النكرة في سياق الامتنان يفيد العموم.

أقول: يمكن أن يقال: لفظ (ماء) في الآية بمعنى الجنس لا النكرة إلّا أنّه لا يمكن أن يستفاد منها مطهرية جميع المياه فإن الآية لم ترد في مقام مطهرية الماء ليؤخذ بإطلاقها، بل لو كانت في بيان مطهرية الماء أيضاً فلا يستفاد منها إلّا مطهرية الماء المنسوب إلى السماء عرفاً و إن كان جميع المياه منسوبة إلى السماء حقيقة، و على الجملة فلا يستفاد منها غير مطهرية ماء المطر، و لكن يدفع ذلك بكون الآية في مقام بيان الإنعام للناس لا يمنع عن بيان مطهرية الماء أيضاً و لكنه خلاف ظاهر التوصيف. نعم، ذكر (أنزلنا) لا يمنع عن التمسك بالآية في غير الماء المنسوب إلى السماء و ذلك فإن المتعارف من استعمال ماء السماء استعماله بعد حيازته في الأواني أو اجتماعه في الغدران أو بعد جريانه في نهر و لو بعد حين، و إذا عمت الآية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 25: 265، الباب 22 من أبواب الأشربة المباحة، الحديث الأول.

(2) الحدائق الناضرة 1: 173.

186

..........

____________

لجميع ذلك فلا يحتمل الفرق بينها و بين سائر مياه الأرض كما لا يخفى.

و أجاب (قدس سره) (1) عن الثالث بما حكى من أهل اللغة من أن الطهور ليس بمعنى الطاهر فقط و إلّا لصحّ توصيف سائر الأشياء الطاهرة به، فلا يقال خشب طهور أو ثوب طهور أو غير ذلك فالمصحح لإطلاق الطهور كون الماء مطهراً، فالطهور يعني ما يتطهر به كالسحور و الوقود و الفطور و الرسول إلى غير ذلك.

أقول: قد يقال إن عدم إطلاق الطهور لسائر الأشياء لعدم الشدة في طهارتها بخلاف الماء فإن شدة طهارته لعدم تنجّسه في موارد تنجس سائر الأشياء، و يجاب عن ذلك بأن الطهارة الخارجية و إن كانت قابلة للشدة و الضعف، و يقال هذا الثوب أطهر من ذلك أي أنظف إلّا أن الطهارة الاعتبارية لا تتصف لا بالشدة و لا بالضعف؛ لأن الطهارة كسائر الاعتباريات لو اعتبرت فاعتبارها حصولها، و إلّا فلا طهارة فالاعتباريات خارجة عن مقسم الشدة و الضعف، و على ذلك فلو كان الماء متصفاً بكونه طهوراً لطهارته التي من قسم الوضع لاتّصف به سائر الأجسام المعتبرة لها طهارتها.

أقول: الاعتباريات لا تأبى عن الاتصاف بالشدة و الضعف غاية الأمر شدتها أيضاً كأصلها تكون اعتبارية نظير ما ذكرنا في كون البينة أقوى الحجج في الموضوعات و أمر التعظيم أو التحقير في أن لكل منهما مراتب اعتبارية في الكمال و الضعف ظاهر.

و الصحيح في الجواب أن يقال: لو كان اتصاف الماء بالطهور لطهارته و كون تلك‌

____________

(1) البحراني في الحدائق الناضرة 1: 174.

187

..........

____________

الطهارة شديدة بالمعنى المتقدم لما اتصف به التراب فإن التراب كسائر الأجسام الطاهرة في تنجسه بالملاقاة، و لاتّصف به بدن الحيوان و بواطن الإنسان فإن بواطن الإنسان لا ينجس و بدن الحيوان مثله على الأظهر على ما يأتي.

و على الجملة فالمصحح لإطلاق الطهور على الماء و التراب كون كل منهما ما يتطهر به، و كونهما مطهرين على ما يظهر فيما ورد في أمر البول في بني إسرائيل (1)، و ما ورد في كون ماء البحر طهور (2) و كون التراب أحد الطهورين (3) إلى غير ذلك، و تفسيره بالطاهر المطهر باعتبار أن المطهر لا يمكن أن يكون في نفسه محكوماً في النجاسة للارتكاز لا أنه معنى آخر في مقابل ما يتطهر به، و ستأتي الإشارة إلى أن الارتكاز يختص بالماء، و حيث إن هذا الارتكاز خاص بالماء دون التراب- كما سياتي بيانه- كان المقصود بطهورية التراب كونه مما يتطهر به، و إلّا فليس الطاهر معنى آخر مدلول لعنوان الطهور مقابل ما يتطهر به.

فإن قيل: قد ورد في بعض النصوص وصف التيمم بالطهور و لا معنى لتفسيره بما يتطهر به.

قلنا: إن لفظ طهور كما يستعمل فيما يتطهر به فإنه يستعمل مصدراً أو اسم مصدر، و في صحيح محمد بن مسلم قال: سالت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد و صلّى ثمّ وجد الماء قال: «لا يعيد إن ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 133- 134، الباب الأول من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 1: 136، الباب 2، الحديث 1 و 2 و 4.

(3) انظر وسائل الشيعة 1: 133، الباب الأول، الحديث الأول. و 3: 381، الباب 21 من أبواب التيمم، الحديث الأول، و الباب 23، الحديث 5.

188

..........

____________

أحد الطهورين» (1).

غاية الأمر أن الموصوف به العين كما في الآية «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» (2) فهو بمعنى ما يتطهر به، و إن كان الموصوف به الفعل فهو بالمعنى المصدري أي الطهارة.

الآية الثانية: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» (3) و دلالتها على مطهرية ماء المطر واضحة، و لكن يورد على الاستدلال بها إيرادات بعضها خاص بها و بعضها مشترك بين الآيتين.

فالإيراد الخاص بها ما قد يقال من أن سبب نزول الآية و موردها المسلمون المقاتلون يوم بدر فتعدية مفادها لغيرهم مما لا شاهد عليه.

و فيه أن اختصاص الحكم بأشخاص المسلمين في بدر أو بما هم مقاتلون غير محتمل عرفاً، كما أن دعوى كون قوله: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ» قرينة على اختصاص المطهرية بالماء بما هو مطر نازل من السماء مدفوعة بأن ذكر الإنزال إنّما هو لبيان منشأ الوجود لا لقيديته لموضوع المطهرية عرفاً.

و أما الإيراد المشترك فمحصله أن مطهرية الماء شرعاً للأحداث و المتنجسات كالحكم بالنجاسة و الحدث أمر اعتباري و لا دليل على اعتبارها حين نزول هذه الآيات فغاية مفادها المطهرية التكوينية من الأقذار و الأوساخ، كما أن الآية الثانية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 370، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 15.

(2) سورة الفرقان: الآية 48.

(3) سورة الأنفال: الآية 11.

189

..........

____________

و إن نزلت بعد اعتبار الوضوء و الغسل طهوراً، و دلّت على مطهرية الغسل بالماء من حدث الجنابة بمقتضى نزولها يوم بدر عند ما ابتلى بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) بحدث الجنابة إلّا أنه لا دلالة فيها على المطهرية من الخبث شرعاً.

فإن قلت: و لا يعم التراب.

لا يقال: قد ورد في الروايات أن التيمم طهور، و من الظاهر أنه لا يمكن حمل ذلك على ما يتطهر به.

فإنه يقال: لفظ (طهور) يستعمل أيضاً مصدراً أو بمعنى اسم المصدر، و في صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اجنب فتيمم بالصعيد و صلى ثمّ وجد الماء، قال: «لا يعيد لأن رب الماء رب الصعيد» (1) و قد فعل أحد الطهورين، و الحاصل أن الطهور ليس بمعنى الطاهر و لو بنحو الشدة و المبالغة حتى في مثل قوله سبحانه «وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً» (2) فلاحظ ما ورد في تفسيره بل يستعمل بمعنى ما يتطهر به أو معناه المصدري أو الاسم المصدري.

و مما تقدم يظهر الحال في الاستدلال على مطهرية الماء بقوله سبحانه «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» (3) و قد يمنع دلالة الآية الاولى على مطهرية المتنجسات و كونه طهوراً بالإضافة إلى الحدث بأن طهورية الماء في المتنجسات و الأحداث كنفس التنجس و الحدث اعتبارية، و قد اعتبرت القذارات الشرعية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 370، الباب 14 من أبواب التيمم، الحديث 15.

(2) سورة الإنسان: الآية 21.

(3) سورة الأنفال: الآية 11.

190

..........

____________

و تنجس الأجسام الطاهرة بها في الشريعة المقدسة بنحو التدريج، و لا دليل على اعتبارها عند نزول الآية الاولى بل الثانية أيضاً و إن اعتبر الحدث و كون الغسل و الوضوء طهوراً عند نزول الآية الثانية حيث نزلت في قضية غزوة بدر و قد أصابت الجنابة فيها بعض الأصحاب و كانوا يتيممون للصلاة فأنزل اللّٰه الماء من السماء ليطهرهم به، و الحاصل من المحتمل جداً انحصار مدلول الآيتين بكون الماء طهوراً خارجياً بالإضافة إلى القذارات الخارجية، و أنه يزيل تلك القذارات العرفية عن بدن الإنسان و ما يستعمله من الألبسة و الأواني و غيرهما، و في ذلك إنعام على الناس و تفضل عليهم، و إن إنزال الماء من السماء في مورد الآية الثانية؛ لكونه رافعاً للحدث و موجباً لثبوت أقدام المسلمين على الرمل.

و قد يجاب عن ذلك بأن الآيتين في مقام بيان مطهرية الماء بالإضافة إلى الأخباث، و الأحداث و أن مطهريته كذلك داخلة في مدلولهما بقرينة ما ورد من أن اللّٰه سبحانه خلق الماء طهوراً لا ينجسه شي‌ء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه (1) على ما رواه المحقق في المعتبر (2) و ابن ادريس في أول السرائر مرسلًا، و قال في السرائر: إن نقله متفق عليه (3)، حيث إن ذكر عدم تنجسه إلّا في الصورة المزبورة ظاهر في كون المراد بالطهور إما خصوص المطهرية الحكمية أو أن المراد ما يعمها.

قلت: إنه لا شاهد على ورود الرواية في تفسير الآيتين لتكون قرينة على المراد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 135، الباب الأول من أبواب الماء المطلق، الحديث 9.

(2) المعتبر 1: 40.

(3) السرائر 1: 64.

191

..........

____________

بالطهور فيهما أضف إلى ذلك ضعف سندها بالإرسال، و ما ذكر في السرائر (1) من الاتفاق على نقله لعله راجع إلى نقل المضمون و أن أي ماء بالتغير محكوم بالنجاسة كما لا يخفى.

أقول: يمكن الجواب بأن الآية الثانية تدل على مطهرية الماء من الخبث أيضاً حيث إن الجنابة لا تنفك عن الخبث، و ظاهر ما ورد في كيفية الاغتسال من الجنابة من غسل البدن مما أصابه من المني، و غسل الفرج قبل الاغتسال أن الاغتسال المشروع في الشريعة من ابتداء التشريع كذلك لا أنه تشريع آخر غير التشريع الأول، و مما ذكر يظهر الوجه في دلالة قوله سبحانه «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» (2) على كون الماء طهوراً بالإضافة إلى الحدث و الخبث، هذا كله بالإضافة إلى الآيات، و أما الروايات فدلالتها على كون مطلق الماء طاهراً مطهراً من الحدث و الخبث ظاهرة.

ففي صحيحة محمد بن حمران و جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إن اللّٰه جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً» (3) و ذكر التراب قرينة واضحة على أن المراد الطهور الحكمي، بل التعرض لكون الماء طهوراً خارجياً شبيه بقولنا: السماء فوقنا، و محمد بن حمران هو النهدي الثقة على ما بينا في محله و لم يعلم للصدوق (قدس سره) إلى الكتاب المشترك بينه و بين جميل إلّا طريق واحد و هو صحيح، و في صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم‌

____________

(1) السرائر 1: 64.

(2) سورة المائدة: الآية 6.

(3) وسائل الشيعة 1: 133، الباب الأول من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

192

[الماء المضاف مع عدم ملاقاته النجاسة طاهر]

(مسألة 1) الماء المضاف مع عدم ملاقاته النجاسة طاهر (1) لكنه غير مطهر

____________

قطرة قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسع اللّه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهوراً ...» (1) إلى غير ذلك و لا يخفى أن مقتضاها كون الماء طهوراً بالإضافة إلى الحدث و الخبث من غير فرق بين أقسام الماء و منها ماء السماء و غيره، بل يعم الماء المصنوع بالتركيب أو غيره فإن الوارد في الصحيحتين عنوان الجعل لا الخلق كما لا يخفى.

و في معتبرة السكوني: «الماء يطهر و لا يطهر» (2) و المراد ب‍ (لا يطهر) إما عدم التنجس بنحو الكناية أو عدم التطهير بغير الماء و على كل تقدير تعم هذه المعتبرة أيَّ ماء و كونه مطهراً من الحدث و الخبث على ما مر.

و ما دل على كونه مطهراً بالمطابقة دالّ بالالتزام على طهارته بمقتضى الارتكاز على عدم قابلية المائع النجس للمطهرية.

أحكام الماء المضاف‌

(1) قد ذكر (قدس سره) أربعة أحكام للماء المضاف:

الأول- الماء المضاف مع عدم ملاقاته للنجاسة طاهر.

الثاني- أنه لا يرفع الحدث و لا الخبث حتى حال الاضطرار و فقد الماء المطلق.

الثالث- تنجّسه بملاقاته النجاسة سواء كان قليلًا أو كثيراً.

الرابع- أنه لو كان جارياً من العالي إلى السافل فلا يتنجس العالي بملاقاة سافله النجاسة، نظير ما لو اهريق الجلاب بيد الكافر فإنه لا يتنجس ما في الإبريق باتصاله بيد الكافر.

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 133- 134، الباب الأول الماء المطلق، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: الحديث 6.

193

من الحدث و لا من الخبث و لو في حال الاضطرار (1).

____________

أما الأول فلا محل للكلام فيه فإن المضاف يحصل بعصر الأجسام أو بامتزاج الماء بغيره أو يكون من قبيل الرطوبات الخارجة من بدن الإنسان، و لا يحتمل أن يكون عصر الأجسام الطاهرة منجساً لها أو أن امتزاج الماء الطاهر بطاهر آخر كذلك أو أن الرطوبات الخارجة عن بدن الإنسان، كالريق نجسة مع ورود الأخبار بعدم البأس بالمذي أو الريق و عرق الجنب الذي يصيب بدن الإنسان أو ثوبه.

(1) و أما الثاني فيقع الكلام فيه في عدم ارتفاع الحدث به، و في عدم ارتفاع الخبث به فنقدم الكلام في رفع الحدث به، و المشهور قديماً و حديثاً عدم ارتفاع الحدث بشي‌ء من المضاف، بل لم يثبت الخلاف في ذلك إلّا إلى الصدوق (قدس سره) فإن ظاهره في الفقيه و الأمالي جواز الوضوء بماء الورد (1)، و نسب ذلك إلى المحدث الكاشاني و لكنه (قدس سره) ادعى أن الإضافة في ماء الورد كالإضافة في ماء السماء إضافة لفظية لا تدخله في المضاف (2) و عن ابن أبي عقيل جواز الوضوء بماء الورد حال الضرورة (3) أي فقد الماء و أنه يقدّم على التيمم.

و يشهد لما عليه المشهور قوله سبحانه «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» (4)* فإن إيجاب التيمم مع عدم التمكن من الماء الظاهر في الماء المطلق على ما تقدم مقتضاه عدم مشروعية الوضوء و الغسل بالماء المضاف، و من الروايات ما في رواية‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 76، باب المياه و طهرها، ذيل الحديث 3. و الهداية: 65، تحقيق مؤسسة الامام الهادي (عليه السلام). و الأمالي: 744. طبعة مؤسسة البعثة.

(2) نسبه إليه البحراني في الحدائق الناضرة 1: 367.

(3) نقله عنه العلامة في المختلف 1: 222. في حكم المضاف و الأسآر.

(4) سورة المائدة: الآية 6.

194

..........

____________

أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منها للصلاة؟ قال:

لا إنما هو الماء و الصعيد» (1) فإن اللبن إن لم يكن من الماء المضاف، و ليس الوضوء به من الوضوء بالماء المضاف إلّا أن الحصر في الرواية بالماء و الصعيد مقتضاه عدم مشروعية الوضوء بالماء المضاف.

نعم، في سند الرواية ياسين الضرير و لم يثبت له توثيق إلّا أن للشيخ (قدس سره) لجميع روايات حريز طريق صحيح على ما في فهرسته (2)، و كذا الصحيح عن عبد اللّه بن المغيرة عن بعض الصادقين قال: «إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن إنما هو الماء أو التيمم» (3) و لا يبعد أن يكون المراد ببعض الصادقين الكاظم (عليه السلام) فإن تعبير أصحابه (عليه السلام) عنه بتعابير مختلفة وارد في الروايات، و يؤيد ذلك ما في ذيله من نقله عن حريز بقوله: «فإني سمعت حريزاً يذكر في حديث أن النبي (صلى الله عليه و آله) قد توضأ بنبيذ و لم يقدر على الماء» (4) و يشهد أيضاً لعدم جواز الوضوء و الغسل بالماء المضاف الأمر بالتيمم في الروايات في فرض عدم الماء و الأمر بطلب الماء في الوقت و التيمم إذا خاف فوته من غير استفصال بين تمكنه من المضاف و عدمه.

و على كل حال فقد يستدل على جواز الوضوء بالماء المضاف حال عدم الماء‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 201، الباب الأول من أبواب الماء المضاف، الحديث الأول.

(2) الفهرست: 304.

(3) و (4) بلحاظ أن الإمام الصادق (عليه السلام) مما لا يمكن أن يروي عن حريز عادة لتأخر طبقته فإن حريزاً ممن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) غالباً فكيف يروي الصادق (عليه السلام) عنه. وسائل الشيعة 1: 202، الباب 2 من أبواب الماء و المضاف، الحديث الأول.

195

..........

____________

بصحيح عبد اللّه بن المغيرة السابق عن بعض الصادقين قال: «إذا كان الرجل لا يقدر على الماء و هو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن إنما هو الماء و التيمم، فإن لم يقدر على الماء و كان نبيذ فإني سمعت حريزاً يذكر في حديث أن النبي (صلى الله عليه و آله) قد توضأ بنبيذ و لم يقدر على الماء» (1). و يلاحظ على الاستدلال:

أولًا: إن قلنا بأن النبيذ فيها هو النبيذ المعروف فلا بُدّ من طرح الرواية للعلم ببطلان مفادها بلحاظ ارتكازية نجاسة النبيذ و كونه كالخمر قطعاً و عدم صحة الوضوء بالنجس، و لو لم ندع القطع بنجاسة النبيذ فكذلك لا يصح العمل بالرواية لمعارضتها بما دل على نجاسة النبيذ- بلحاظ دلالتها الالتزامية على طهارته-.

و ثانياً: من المحتمل أن النبيذ فيها هو ما ورد في رواية الكلبي النسابة أنه سال أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ فقال: حلال، قلت: فأي نبيذ تعني؟ فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) تغير الماء و فساد طبائعهم فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن فمنه شربه و منه طهوره» (2) فهو ماء مطلق لا مضاف.

فإن قيل: كما في التنقيح بأن النبيذ على هذا التفسير ماء مطلق (3) فما هو وجه ترتيب وضوء النبي (صلى الله عليه و آله) به على فرض عدم القدرة على الماء.

قلنا: انحصار الوضوء به في صورة عدم القدرة على الماء لا لعدم كونه ماءً، بل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 202، الباب 2 من أبواب الماء المضاف، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 1: 203، الحديث 2.

(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى (للسيد الخوئي) 1: 36، كتاب الطهارة.

196

..........

____________

لعدم الداعي لاستعمال ماء معالج بالتمر من أجل إعداده للشرب في رفع الحدث و الخبث.

و ثالثاً: أن استبعاد استناد الإمام (عليه السلام) في مقام بيان الحكم إلى رواية أحد الأصحاب قرينة على كون هذا الجزء من الرواية من كلام عبد اللّه بن المغيرة و لكونه رواية مرسلة لعدم معرفة الواسطة بين حريز و الرسول (صلى الله عليه و آله) فلا اعتبار بها أو أنه صدر عن الإمام (عليه السلام) على سبيل التقية.

و قد يستدل على جواز الوضوء و الغسل بماء الورد برواية «يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة. قال:

«لا بأس بذلك» (1).

و نوقش في الرواية بوجوه منها ضعف سندها بسهل بن زياد، و برواية محمد بن عيسى عن يونس، و لكن المناقشة بالثاني ضعيفة على ما بُيّن في محله.

و بما ذكره الشيخ (قدس سره) من احتمال كون المراد بماء الورد ماء وضع فيه الورد فإنه يسمى ماء ورد لاكتسابه رائحة الورد و إن لم يكن معتصراً منه و هو فرد من الماء المطلق و ناقش في الاستدلال أيضا بعضهم باحتمال أن المراد بالوضوء وضوء التحسين كما في موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الدقيق يتوضأ به؟ قال: «لا بأس بأن يتوضأ به» (2).

بدعوى أنه قد يستعمل ماء الورد للتحسين و مع ذلك يقصد به الدخول في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 204، الباب 3 من أبواب الماء المضاف، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 3: 351، الباب 7 من أبواب التيمم، الحديث 7.

197

..........

____________

الصلاة (1). و لكن لا يخفى ما فيها من كون الوضوء أو الغسل في زمان المعصومين (عليهم السلام) ظاهرين في الوضوء و الغسل المعتبرين في الصلاة خصوصاً مع تقييدهما بكونهما للصلاة كما في الرواية.

و بما قيل من احتمال كون الورد في الخبر بكسر الواو و المراد بماء الورد الماء الذي يرد فيه الدواب (2). و فيه ما لا يخفى أيضاً فإن وصول الروايات إلى أصحاب الحديث و رواية رواته كان بنحو القراءة نوعاً و تعرضهم لتوجيهها و فتوى الصدوق (قدس سره) بمضمونها (3) يكشف عن بطلان الاحتمال المزبور.

و الصحيح في‌

الجواب مع الغمض عن أمر السند أن الماء المضاف للورد يحتمل أن يراد منه ما يعتصر من الورد نظير ما يعتصر من سائر الأجسام، و هذا القسم من ماء الورد غير متعارف في عصرنا الحاضر، بل لم يعلم تعارفه في عصر الإمام (عليه السلام) أيضاً فشمول الرواية لهذا القسم غير معلوم، و يحتمل أن يراد منه الماء الذي يلقى فيه الورد ليكتسب رائحة طيبة و هذا القسم من ماء الورد داخل في الماء المطلق جزماً، و يحتمل أن يراد منه ما هو المتعارف في عصرنا الحاضر و هو ماء يلقى فيه الورد ثمّ يغلي فيتقطّر بسبب البخار، و ما يؤخذ من التقطير يسمى بماء الورد، و هذا القسم أيضاً داخل في الماء المطلق على الظاهر نظير الماء المقطر المعروف الآن، و لا بأس بالوضوء بهذين القسمين؛ لدخولهما في الماء المطلق كما ذكر و لم يحرز شمول الرواية للقسم الأول؛ لعدم إحراز تعارفه بحيث يستعمل في الغسل و الوضوء، و على‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 219، ذيل الحديث 10. طبعة دار الكتب الاسلامية.

(2) جواهر الكلام 1: 314.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 76، باب المياه و طهرها، ذيل الحديث 3، و الهداية: 65، و الأمالي: 744.

198

..........

____________

تقدير الشمول تكون الرواية معارضة بآية «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا» (1)* بالعموم من وجه حيث تعم الرواية القسمين الأخيرين من ماء الورد، و لا ينافيها قوله سبحانه «فَلَمْ تَجِدُوا»* و يعم قوله سبحانه ما إذا لم يوجد ماء مطلق و لا ماء الورد بأقسامه و لا تنافيه الرواية و يجتمعان فيما إذا وجد القسم الأول من المضاف و لم يوجد غيره حيث إن مقتضى الآية أن الوظيفة هي التيمم، و الرواية مقتضاها الوضوء أو الغسل به، و بما أن الخبر المعارض للكتاب المجيد لا اعتبار به سواء كان مبايناً للكتاب المجيد أو معارضاً بالعموم من وجه فيؤخذ بمقتضى الآية، و تطرح الرواية في مورد الاجتماع على ما قرر في محله من علم الاصول.

و كذلك الأمر لو احرز أن الجلاب بنحو التقطير مطلقاً أو فيما إذا كان الورد كثيراً خارج عن الماء المطلق فيحكم بعدم جواز الوضوء و الغسل به؛ لما ذكرنا من الأخذ بالآية و طرح الرواية في مورد الاجتماع و حمل مدلول الرواية على جواز الوضوء و الغسل بماء الورد الذي يلقى فيه الورد ليكتسب رائحة طيبة و ليس ذلك من حملها على الفرد النادر لاحتمال كون هذا القسم من ماء الورد متعارفاً في ذلك الزمان، و أما إذا لم يحرز ذلك و احتمل كونه مضافاً أو مطلقاً فلا معارضة مع الآية، و سيأتي الكلام فيه، و مع عدم إحراز كونه مطلقاً أو مضافاً و لو بالأصل يتعين في مورد انحصار الماء بذلك الجمع بين الطهارة المائية و بين التيمم للعلم الإجمالي كما لا يخفى.

____________

(1) سورة المائدة: الآية 6.

199

..........

____________

عدم كون المضاف مطهراً من الخبث‌

و أما الثالث و هو الكلام في رفع الخبث بالمضاف فالمشهور قديماً و حديثاً عدم كون المضاف مطهراً، بل لم يعرف الخلاف إلّا عن السيد المرتضى (1) و المفيد (2) فإن المنسوب إليهما جواز تطهير المتنجس بالمضاف، و عن ابن أبي عقيل كون المضاف مطهراً حال الضرورة (3)، و ربما ينسب الجواز إلى المحدث الكاشاني (4)، و لكن الكلام المحكي عنه في المفاتيح يفيد أنه (قدس سره) لا يرى تنجس الطاهر بملاقاة النجس بل النجس مهما زال عينه بالفرك أو بشي‌ء آخر كان الجسم طاهراً نظير ما يقال و هو الأظهر من عدم تنجس بدن الحيوان بل متى زال عين النجس عنه كان طاهراً و تمسك في ذلك بالموثق أي موثقة عمار: «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك» (5).

نعم ما ورد فيه النص كالثوب و البدن يلتزم بالتنجس و أن مطهره الغسل بالماء دون المضاف.

أقول: لعل ذلك ظاهر المحكي عن السيد أيضاً فلا يكون مخالفاً في مسألة عدم جواز التطهير بالمضاف.

و كيف كان ينبغي الكلام في جهتين:

____________

(1) المسائل الناصريات: 105، ذيل المسألة 22.

(2) نقله عنه في مشارق الشموس: 260.

(3) حكاه عنه العلامة في المختلف 1: 222.

(4) نسبه إليه البحراني في الحدائق الناضرة 1: 406- 407.

(5) وسائل الشيعة 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

200

..........

____________

الاولى في عدم طهارة المتنجس بالغسل بالماء المضاف.

و الثانية في تنجس الطاهر بملاقاة النجس لا أن النجس هي العين فإذا زالت فليس في البين متنجس.

أما الجهة الاولى فلا ينبغي الريب فيها فإن انحصار الطهور بالماء أي عدم شموله للمضاف مقتضى الروايات المعتبرة كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سئل عن رجل ليس عليه إلّا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماءً يغسله كيف يصنع؟ قال: «يتيمم و يصلي فإذا أصاب ماءً غسله ...» (1). فإن مقتضاها جواز الصلاة في الثوب المتنجس و لو مع تمكنه من غسله بغير الماء.

و نحوها صحيحة محمد بن علي الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره قال: «يصلي فيه و إذا وجد الماء غسله» (2).

و نظير ذلك في إثبات عدم جواز التطهير بالمضاف مطلقاً ما ورد في غسل الأواني كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز و الإناء يكون قذراً كيف يغسل و كم مرة يغسل؟ قال: «يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك ...» (3) الحديث.

و في صحيحة الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب فقال:

«رجس نجس لا تتوضأ من فضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثمّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 392، الباب 30 من أبواب التيمم، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 447، الباب 27 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

(3) المصدر السابق: 496- 497، الباب 53، و فيه حديث واحد.

201

..........

____________

بالماء» (1) حيث إن عدم ذكر العدل للماء يفيد انحصار الطهور به.

و في معتبرة بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «يجزي من الغائط المسح بالأحجار و لا يجزي من البول إلّا الماء» (2) و بالجملة فالمتتبع فيما ورد في غسل المتنجسات يجد أن الطهور لها هو الماء لا ما يعم المضاف.

و قد يستدل أيضاً على الانحصار بصحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسّع اللّٰه عليكم بأوسع ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهوراً فانظروا كيف تكونون» (3) حيث لو كان غير الماء أيضاً مطهراً من الخبث لكان مقتضى مقام الامتنان ذكره أيضاً، و فيه أنه مع قطع النظر عما تقدم من الروايات الواردة في غسل المتنجس بأي نجس يمكن أن يقال ظاهر الصحيحة كمعتبرة بريد أن غير الماء لا يكون طهوراً بالإضافة إلى المتنجس بالبول، و أما بالإضافة إلى سائر المتنجسات فلا دلالة لها عليه فلعل عدم ذكر غير الماء في المقام؛ لكونها واردة في مقام المطهرية بالإضافة إلى التنجس بالبول لأشدية نجاسة البول كما هو مفاد الصحيحة و غيرها كما لا يخفى.

و ربما يستدل عليه بما تقدم من انحصار الطهور بالماء و التراب، و لكن مع الغمض عن سنده- كما مر- يمكن دعوى أن الحصر فيه بالإضافة إلى الحدث و لا يعم الخبث كما هو الفرض في المقام، هذا تمام الكلام في إثبات عدم مطهرية‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 226، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة 1: 316- 317، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 6.

(3) المصدر السابق: 133- 134، الباب الأول من أبواب الماء المطلق، الحديث 4.

202

..........

____________

المضاف من الخبث.

عدم جواز التطهير بالمضاف‌

و أما ما استدل به على طهورية المضاف بالإضافة إلى الخبث فهو وجوه:

1- إطلاقات الغسل الواردة في غير واحد من الروايات في موارد مختلفة من المتنجسات الشامل للغسل بالمضاف و التقييد بالماء في بعض الروايات الاخر مع ملاحظة أن الماء هو الفرد الغالب مما يغسل به لا يوجب التقييد في تلك الإطلاقات، بينما الإطلاق و إن كان خروج الفرد الغالب منه و اختصاصه بالفرد النادر مستهجناً إلّا أن شموله للفرد النادر لا استهجان فيه، و فيه ما مر من أن الناظر في الروايات يجد أن كون الطهور من الخبث هو الماء كان مفروغاً عنه في السؤال و الجواب في تلك الإطلاقات، و أن الأمر بالغسل فيها إرشاد إلى تنجس الشي‌ء و كون مطهره الغسل مع أن حمل التقييد على الفرد الغالب لا يجري فيما ورد في عدم وجدان المكلف إلّا ثوباً متنجساً أو ثوبين مشتبهين كصحيحة صفوان أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول و لم يدر أيهما هو، و حضرت الصلاة و خاف فوتها و ليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: «يصلي فيهما جميعاً» (1) فإن عدم الاستفصال في الجواب عن وجدانه المضاف و عدمه كاف في عدم كون المضاف مطهراً، و كذا موثقة عمّار المتقدمة (2)، بل لا يجرى الحمل على الفرد الغالب في معتبرة بريد بن معاوية (3) فإن مقتضى إطلاق المستثنى فيها كون الطهور من البول هو الماء لا غير.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 505، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 3: 392، الباب 30 من أبواب التيمم، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 1: 316- 317، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 6.

203

..........

____________

2- موثقتا غياث إحداهما عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن علي (عليه السلام): «لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق» (1).

و في ثانيتهما عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام): قال: «لا يغسل بالبزاق شي‌ء غير الدم» (2) و فيه أنه لا يمكن استظهار التطهير بالمضاف بل مقتضى الثانية نفي ذلك، و أن الجواز يختص بالبصاق في تطهير المتنجس بالدم و لم يعرف التزام أحد من الإمامية، بل من غيرهم أيضاً بذلك، و لعل المراد و اللّٰه العالم التنبيه على أن إزالة الدم الخارج من الأسنان و نحوه بترديد البصاق داخله مرة أو مرات و إلقائه في الخارج كما هو متعارف، و إلّا فإن داخل الفم مما لا يتنجس ليطهر بذلك.

3- ما نسب إلى السيد المرتضى (3) من جواز التطهير بكل مضاف أخذاً بإطلاق الغسل في غير واحد من الروايات و لقوله سبحانه «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» (4) بنكتة أن الغرض من التطهير هو إزالة العين الحاصلة بالمضاف كما يشهد لذلك صحيحة حكم بن حكيم ابن أخي خلّاد أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: أبول فلا اصيب الماء، و قد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط و بالتراب ثمّ تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي: فقال: «لا بأس به» (5).

و فيه أن الأخذ بإطلاق الغسل قد عرف الحال فيه، و المراد بتطهير الثوب في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 205، الباب 4 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: الحديث الأول.

(3) نسبه إليه البحراني في الحدائق الناضرة 1: 399.

(4) سورة المدثر: الآية 4.

(5) وسائل الشيعة 3: 401، الباب 6 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

204

..........

____________

الآية على تقدير كونه من النجاسة- لا تشميره كما في بعض الروايات (1)- هو غسله باستعمال الطهور له، و كون المضاف طهوراً لم يثبت بل ثبت خلافه كما تقدم، و أما الصحيحة فعدم البأس فيها بلحاظ أن إصابة بعض اليد المتنجسة للوجه و الثوب لا يوجب الحكم بتنجس الوجه و الثوب؛ لعدم العلم بإصابتهما الموضع المتنجس من اليد و لو بقرينة مثل صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذه. قال:

«يغسل ذكره و فخذه» (2). و يقرب هذا الحمل ما في بعض النسخ من قوله (فامس) بدل (فامسح)، و الحاصل أنه لا يمكن الالتزام بطهارة موضع البول أو اليد بالمسح على الحائط؛ أما الأول فباتفاق الإمامية؛ لما تقدم من أنه لا يجزئ من البول إلّا الماء، و أما الثاني فبالاتفاق منا و من غيرنا فإن الالتزام بكفاية المسح عند العامة يختص بالاستنجاء لا بسائر المتنجسات بالبول كما لا يخفى.

تنجس الأجسام الطاهرة بالملاقاة مع النجس‌

و أما الجهة الثانية أي تنجس الطاهر بملاقاة النجس فلا ينبغي الريب فيها أيضاً فإنه المستفاد من غير واحد من الروايات:

منها معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه أن علياً (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة قال: «يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل» (3) فإن هذه المعتبرة ظاهرة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 38- 41، الباب 22 من أبواب أحكام الملابس، الحديث 2 و 8 و 9 و 11.

(2) وسائل الشيعة 3: 441، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(3) وسائل الشيعة 1: 206، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 3.

205

..........

____________

في تنجس اللحم بالمضاف المتنجس بالفأرة الميتة، و أن مطهره الغسل، و نحوها خبر زكريا بن آدم. قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير قال: «يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله» (1).

و منها ما ورد في تطهير الأواني كموثقة عمار الواردة في الماء المتنجس بموت الفأرة فيه قال إنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يجد في إنائه فأرة و قد توضأ من ذلك الإناء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه و قد كانت الفأرة متسلخة فقال: إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصلاة» (2) فإن مقتضى قوله (عليه السلام): «يغسل كل ما أصابه» تنجس كل طاهر بإصابة الماء المتنجس له، و أن مطهره الغسل، و إذا كانت إصابة المتنجس كذلك فإصابة عين النجس أولى، و بناءً على ذلك فالأمر في معظم الروايات بغسل المأكولات أو الأواني أو الثوب و البدن لا لخصوصية فيها، بل لاشتراط طهارة الثوب و البدن في الصلاة و نحوها و اشتراط طهارة المأكول في جواز الأكل، و إلّا فلا يحتمل الفرق بين اللحم الملاقي للنجس و بين الخشب كما هو مقتضى العموم في الموثقة هذا هو العمدة في إثبات النجاسة لا ما ذكر في بعض الكلمات من استصحاب بقاء نجاسة الشي‌ء بعد زوال عين النجس (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

(3) نقلها البحراني في الحدائق 5: 299.

206

..........

____________

فإنه قد يرد على هذا الاستصحاب مضافاً إلى أنه مبني على جريانه في الشبهات الحكمية، و أما بناءً على عدم جريانه لمعارضة استصحابها مع استصحاب عدم جعلها للشي‌ء بعد زوال عين النجس فيرجع إلى أصالة الطهارة المستفادة من قوله (عليه السلام): «كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر» (1) أنه لا يجري في المقام حتى بناءً على جريانه في الشبهات الحكمية لعدم اليقين بالتنجس عند عروض عين النجاسة بناءً على كون الأشياء كبدن الحيوان في عدم التنجس بعين النجاسة فليس للتنجس حالة سابقة ليستصحب، فالاستصحاب مبني على ما هو المنسوب إلى المشهور في بدن الحيوان من تنجسه و كون زوال العين مطهراً كما لا يخفى.

و العجب من المحدث الكاشاني حيث اختار تنجس الثوب و البدن فقط بإصابة النجس لورود الأخبار بغسلهما من دون فرق بين بقاء النجس فيهما أو لا مع أنه قد ورد الأمر بالغسل في غيرهما أيضاً كاللحم و الأواني، بل كل ما أصابه الماء المتنجس كما تقدم، و أعجب منه تمسكه في إثبات عدم التنجس بعد زوال العين بموثقة عمار:

«كل شي‌ء نظيف حتى تعلم أنه قذر» (2) مع أن مفادها حكم ظاهري لا تصل النوبة إليه مع الدليل الاجتهادي على التنجس على ما تقدم.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) مفاتيح الشرائع 1: 77، المفتاح 78. و موثقة عمار في الوسائل 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

207

و إن لاقى نجساً تنجّس و إن كان كثيراً بل و إن كان مقدار ألف كر فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة و لو بمقدار رأس إبرة في أحد أطرافه فينجس كله (1).

____________

في تنجس المضاف قليلًا أو كثيراً‌

(1) بلا خلاف معروف أو منقول بل دعوى الإجماع عليه (1) في الكلمات كثيرة.

و لا ينبغي الريب و التأمل في تنجسه بملاقاة النجس مع قلته ففي معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أن علياً (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة؟ قال: «يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل» (2) و ظاهر الأمر بإهراق المرق و غسل اللحم من دون تفصيل بين تفرق أعضاء الفأرة و عدمه أو وقوع الفأرة في القدر بعد الطبخ و عدمه هو الإرشاد إلى نجاسة المرق على كل تقدير.

و في رواية زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير قال: «يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، و اللحم اغسله و كله» (3).

و يشهد له أيضاً صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فإن كان جامداً فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و إن كان ذائباً فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك» (4).

____________

(1) نقل الإجماع المصنف في المعتبر 1: 84 و الشهيد في الذكرىٰ 1: 74. و العلامة في المنتهى 1: 127، و قال: «لا خلاف بيننا ...».

(2) وسائل الشيعة 1: 206، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 3.

(3) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(4) المصدر السابق 1: 205- 206، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث الأول.

208

..........

____________

فإن الصحيحة و إن كان موردها السمن و الزيت و هما خارجان عن الماء المضاف إلّا أن المستظهر عرفاً أن التنجس فيهما أثر لميعانهما فيعم كل مائع؛ و لذا ورد في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه؟ قال: «كل ما ليس له دم فلا بأس به» (1) فإن شبه الزيت و السمن يعم الماء المضاف لا سيما بقرينة ذكر البئر.

و يشهد له أيضاً موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس بفضل السنور بأس أن يتوضأ منه و يشرب و لا يشرب سؤر الكلب إلّا أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه» (2) فإن كل من الفضل و السؤر يعم الماء المضاف و غيره، و لا يختص بالماء كما لا يخفى، فالحاصل أنه لا ريب في تنجس الماء المضاف مع قلته، و لكن قد يقال بأن استفادة تنجس الكثير منه أي الكر من الروايات مشكل كما عن المحقق الهمداني (قدس سره) (3).

أقول: الصحيح هو تنجس المضاف و إن كان كثيراً و ذلك بمقتضى إطلاق صحيح زرارة السابق لعدم استفصاله بين كون السمن و الزيت قليلين أو كثيرين، و إطلاق معتبرة السكوني السابقة الواردة في القدر المطبوخ فيه اللحم- لما قيل من تعارف القدور الواسعة عند العرب سابقاً التي قد يطبخ فيها البعير و نحوه كما هو موجود بالفعل عند بعض عشائر العرب- بل استفادة التنجس واضحة من موثقة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 226- 227، الباب الأول، الحديث 7.

(3) مصباح الفقيه 1: 283.

209

..........

____________

أبي بصير السابقة بمقتضى الاستثناء و هو قوله (عليه السلام) «إلّا أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه» فإن المستثنى تعبير عرفي عن الماء المطلق الكثير إذ لا يستقى للزرع و الحيوان و الإنسان عادة إلّا منه و مؤدى ذلك دخول غيره كالماء القليل و المضاف قليله و كثيره في المستثنى منه.

و النصوص السابقة كصحيح زرارة و معتبرة السكوني و إن لم يحرز شمولها للمضاف الكثير المفرط في الكثرة كعيون النفط الشائعة في عصرنا إلّا أن موثقة أبي بصير شاملة له إذ بعد الفراغ عن دلالتها على نجاسة المضاف و إن كان حوضاً كبيراً كالحوض المعد للاستقاء منه بمقتضى عموم المستثنى منه فلا يحتمل عرفاً الفرق بينه و بين المضاف المفرط في الكثرة من حيث الانفعال.

و الحاصل أن هذا هو وجه القول بنجاسة المضاف الكثير إلّا أن هناك وجوهاً ذكرت لإثبات الانفعال لا تخلو عن الغرابة و هي:

أ- ما يقال من أنه يستفاد من موثقة عمار بن موسى الساباطي الواردة في إناء الماء الذي وجد فيه فأرة متسلخة الحكم بانفعال كل جسم أصابه ذلك الماء المتنجس بلا فرق بين كونه مائعاً أو غيره قليلًا أو كثيراً بمقتضى عموم قوله (عليه السلام):

«و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء» (1) نعم يستثنى من ذلك الكر من الماء المطلق بما دل على اعتصامه فمن يدعي عدم تنجس الماء المضاف الكثير أو مطلق المضاف الكثير فعليه إقامة الدليل عليه.

و فيه أن المستفاد منها تنجس الجسم القابل للغسل و أما المائعات فلا يستفاد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.

210

..........

____________

منها حكمها لعدم قبولها للغسل، نعم يمكن دعوى استفادة تنجس المضاف القليل منها، و وجهه أن الماء في الإناء إذا حكم بنجاسته بموت الفأرة فيه كان اللبن القليل الذي ماتت فيه الفأرة كذلك؛ لعدم احتمال كون المضاف أحسن حالًا من المطلق إلّا أن الكلام في استفادة تنجس الكثير من المضاف.

ب- موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلك يموت في البئر و الزيت و السمن و شبهه، قال: «كل ما ليس له دم فلا باس» (1) بدعوى أن ظاهر السؤال كون المرتكز عند السائل هو نجاسة ميتة ما له نفس سائلة و منجسيتها لما تقع فيه من السمن و شبهه كالماء المضاف مطلقاً، و أنه إنما يسأل عن نجاسة ميتة ما لا نفس له، و الإمام (عليه السلام) بجوابه قد أقر السائل على مرتكزه فيستفاد منه انفعال المضاف قليلًا أو كثيراً.

و فيه: أن دلالة الرواية على عدم الفرق بين الماء و المضاف قليله و كثيره من حيث عدم الانفعال بوقوع ميتة ما لا نفس له واضحة، و أما دلالتها على عدم الفرق بين المائعات من حيث الانفعال بموت ما له نفس سائلة فلا؛ لعدم كون الرواية في مقام بيان نجاسة ميتة ما له نفس- فلا مفهوم للجملة الخبرية فيها- و إنما هي في مقام بيان طهارة ميتة ما لا نفس له فلا يتمسك بإطلاقها إلّا من حيث هذه الجهة.

و دعوى أن مرتكز السائل نجاسة ميتة ما له نفس و منجسيتها مطلقاً ممنوعة، مضافاً إلى عدم شاهد على ثبوت هذا المرتكز إذ لعل السائل ترك السؤال عنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 241، الباب 10 من أبواب الأسآر، الحديث الأول.

211

..........

____________

لمجلس آخر و إن إقرار السائل على ارتكازه لا يفيد شيئاً في المقام؛ لعدم كون السائل في مقام البيان لمرتكزه كي يتمسك بإطلاقه فلعل مرتكزه على تنجس المائع بالميتة في الجملة أو في فرض قلته.

ج- ما قيل من أنّه إذا وقعت قطرة من النجس في المضاف الكثير فأما أن يحكم بانفعاله أو لا، أما الثاني فلا يمكن المصير إليه لمنافاته الأدلة المتقدمة كصحيح زرارة، و موثق أبي بصير، و أما الأول فإن قلنا بانفعاله بتمامه تم المطلوب، و إن قلنا بانفعال مقدار وقع الإبهام و السؤال عن حد ذلك المقدار، و حيث إنه أمر لا يمكن ضبطه و تحديده كان مقتضى دلالة الروايات السابقة على أصل الانفعال بضميمة ارتكاز عدم إمكان تحديد مقدار الانفعال ظهورها في انفعاله بتمامه بلغ ما بلغ من الكثرة في مائع من المائعات يوجب نجاسته، و دلت بإطلاقها على عدم الفرق في المائع بين المضاف و المطلق و بين كثرته و قلته و فيه ما لا يخفى، فإن دلالة الرواية على عدم الفرق بين الماء المضاف و بين القليل و الكثير بالإضافة إلى عدم تنجسها بموت ما ليس له نفس سائلة فيها لا حتى بالإضافة إلى تنجسها بموت ما له نفس سائلة بداهة أنها واردة في حكم ما ليس له دم سائل فلا يؤخذ بإطلاقها إلّا من حيث مدلولها، و ما ذكر من أن السائل كان معتقداً بنجاستها بموت ما له نفس سائلة مع الاغماض عن احتمال جهله به و أخّر السؤال عنه في ذلك المجلس أو إلى مجلس آخر فإقرار السائل على معتقده لا يعين لنا معتقد السائل فلعله كان تنجس المائعات في الجملة أو مع قلتها كما لا يخفى.

و فيه أننا إن نظرنا للأدلة السابقة كان مقتضاها انفعال المضاف المفرط في‌

212

..........

____________

الكثرة بلا حاجة لهذه الضميمة فإن موثقة سماعة بن مهران عن أبي بصير (1) تعم بعض أفراد المضاف الكثير كالحوض الكبير و يلحق به بعضه الآخر لعدم احتمال الفرق عرفاً بلا حاجة إلى ضم ما ذكر إليه، و إن قطعنا النظر عن الأدلة السابقة أمكن القول بعدم تنجسه بوقوع النجس فيه مع كونه مفرطاً في الكثرة لعموم: «كل شي‌ء نظيف حتى يعلم أنه قذر» (2) كما لا يخفى.

د- ما ذكره المحقق الهمداني (3) و حاصله أنه إذا ثبت في الخطاب حكم في مورد و احتمل اختصاص الحكم بذلك المورد فلا يمكن التعدي منه إلى المورد الآخر في صورتين:

الاولى- ما إذا احتمل أن ثبوت الحكم للمورد الأول لدخالة الاجتماع فيه كما إذا ثبت حكم لمجموع الخل و العسل فلا يثبت ذلك الحكم لكل منهما منفرداً.

الثانية- ما إذا احتمل أن ثبوت الحكم في المورد الأول لعنوان غير محقق في المورد الثاني كما إذا ورد في الخطاب نجاسة الخمر و احتمل أن كون الخمر مائعاً دخيل في نجاسته فلا يمكن الحكم بنجاسة المسكر الجامد، بل الحكم بنجاسته يحتاج إلى إطلاق أو عموم آخر بأن كان في البين خطاب آخر مفاده وضعاً أو إطلاقاً نجاسة كل مسكر، و كذا فيما إذا كان في المورد الأول خصوصية وجودية يحتمل دخالتها في الحكم، كما إذا ورد في جواب السؤال عن عارية الذهب و الفضة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 226- 227، الباب الأول من أبواب الأسآر، الحديث 7.

(2) وسائل الشيعة 3: 467، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(3) مصباح الفقيه 1: 283- 284.

213

..........

____________

المشترط ضمانهما أن في تلك العارية ضماناً و احتمل أن الضمان فيهما لدخالة اشتراط ضمانهما فلا يمكن التعدي و الحكم بثبوت الضمان في عاريتهما مع عدم الاشتراط أيضاً بل لا بد في الحكم بعدم الضمان من ورود خطاب آخر يكون مفاده الضمان على نحو العموم.

نعم، يصح التعدي في عارية الذهب و الفضة عن المورد الأول إلى المورد الثاني في صورة ثالثة و هي أن يرد في الخطاب حكم في مورد و احتمل أن يكون لقيد عدمي دخالة في ذلك الحكم، كما إذا ورد في زيد العالم الأمر بإكرامه و احتمل أن يكون لعدم شبابه دخالة في الأمر بإكرامه فيتعدى عنه و يحكم بثبوت الأمر بإكرام العالم الشاب أيضاً، و الوجه في ذلك أن العدم ليس بشي‌ء كي يحتمل دخالته في الحكم، و إنما تكون الدخالة فيه بمعنى مانعية الوجود أى أن يكون شباب العالم مانعاً عن الأمر بإكرامه، و الأصل عدم المانعية، و نتيجة ذلك أن ثبوت الأمر بإكرام العالم الشاب أيضاً لا يحتاج إلى خطاب مطلق أو عام كما في الصورتين الأولتين.

و ما نحن فيه أي نجاسة المضاف الكثير أو المفرط في كثرته من الصورة الثالثة حيث ورد الخطاب بانفعال بعض المائعات المضافة و يحتمل أن تنجسها بإصابة النجس لدخالة عدم كثرتها فيتعدى منها إلى جميع أقسام المضاف و مقداره أخذاً بأصالة عدم مانعية كثرتها عن تنجسها.

لا يقال: يحتمل أن يكون ما نحن فيه من قبيل الصورة الثانية أي دخالة القلة في النجاسة و هذه الخصوصية الوجودية مفقودة في المضاف الكثير.

فإنه يقال: ليست القلة أمراً وجودياً بل هي أمر ينتزع عن الشي‌ء لعدم الزيادة‌

214

..........

____________

فيه، و بتعبير آخر كما أن القلة في الماء المطلق عبارة عن عدم كونه كراً كذلك في سائر المائعات انتهى ملخص كلامه (قدس سره) (1).

و فيه إن اريد بأصالة عدم المانعية إجراء استصحاب عدمها لإثبات تعلق الحكم ثبوتاً بالجامع بين الحصة الفاقدة للأمر الوجودي و الحصة الواجدة له فمن الظاهر أنه من الأصل المثبت، و بتعبير آخر أن الحكم بما أنه أمر اعتباري فكما يمكن تعلقه بالحصة الفاقدة لذلك الأمر الوجودي كذلك يمكن تعلقه ثبوتاً بالجامع بين الحصتين فإثبات ثانيهما بأصالة عدم مانعية الأمر الوجودي من الأصل المثبت، بل مقتضى الأصل عدم تعلقه بالجامع و ثبوته للفاقد لذلك الأمر الوجودي بنفس دلالة الخطاب على الفرض.

و إن اريد بأصالة عدم المانعية أنها طريق عقلائي لإحراز أن الحكم في الواقع متعلّق بالجامع فلا شاهد على أن أصالة عدم المانعية من طرق إحراز موضوع الحكم و متعلّقه لا عند العقلاء و لا عند الشرع، و الحاصل أنه إذا ثبت حكم في مورد فلا بد في التعدي إلى غيره من إحراز أن المتحقق في ذلك المورد من قيد عدمي أو وجودي غير دخيل في ذلك الحكم بحسب الجعل و الاعتبار و لو تم هذا الإحراز بمناسبة الحكم و موضوعه أو كان في البين عموم أو إطلاق يقتضي ثبوت ذلك الحكم في كلا الموردين من غير فرق بين كونه تكليفياً أو وضعياً.

و قد تحصل من جميع ما ذكر أن العمدة في تنجس المضاف سواء كان من قبيل الماء المضاف أو غيره بعض الروايات المتقدمة من غير فرق بين قليله و كثيره.

____________

(1) أي كلام المحقق الهمداني، انظر مصباح الفقيه 1: 283، و ما بعدها.

215

..........

____________

بقي في المقام أمر و هو أن صاحب الوسائل (قدس سره) قد أورد في باب تنجس المضاف رواية اخرى و هي ما رواه الشيخ (قدس سره) باسناده إلى محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن النضر بن سويد، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أتاه رجل فقال له: وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله؟ قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): لا تأكله، فقال له الرجل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها، قال: فقال له أبو جعفر (عليه السلام): إنك لم تستخف بالفأرة و إنما استخففت بدينك إن اللّٰه حرم الميتة من كل شي‌ء» (1) و المستفاد منها أن لزوم الاجتناب عن المضاف الملاقي للميتة النجسة داخل في تحريم الميتة، أي أن تحريم الميتة يستبطن لزوم الاجتناب عن ملاقيها لا أنه حكم آخر يترتب على ملاقي الميتة النجسة في مقابل حرمة نفس الميتة الشاملة للميتة الطاهرة أيضاً، و يترتب على ذلك- أي كون حرمة أكل أو شرب الملاقي لها حكماً آخر أو أنها داخلة في تحريم الميتة- أنه إذا علم إجمالًا إما بكون لحم ميتة أو نجاسة مائع آخر ثمّ لاقى ذلك اللحم مضافاً فيجب الاجتناب عن المضاف الملاقى أيضاً؛ للعلم الإجمالي المنجز إما بحرمة اللحم و نجاسته أو حرمة المائع، بخلاف ما إذا كانت حرمة الملاقي حكماً آخر يترتب على تنجس الملاقى فإنه يرجع عند الشك إلى أصالة الطهارة في الملاقي على ما هو المقرر في الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة، و بما أنه لا يمكن الأخذ بظاهر الرواية حيث إن حرمة ملاقي الميتة حكم آخر يترتب على نجاستها؛ و لذا لا يشمل ملاقي الميتة الطاهرة، بل إن معنى تحريم الميتة حرمة أكلها أو مطلق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 206، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

216

نعم إذا كان جارياً من العالي إلى السافل و لاقى سافله (1).

____________

استعمالها فلا بد من حمل الرواية على تقدير تمام سندها على ما إذا تفرّق أعضاؤها في الزيت بحيث يلزم عادة من أكله أكل بعضها كما يؤيد قول الرجل: «الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها» (1) أو يحمل تحريم الميتة على جعلها نجسة فتنجس ملاقيها و مع ذلك فالأمر سهل فيها؛ لضعف سندها بعمرو بن شمر لا بمحمد بن عيسى بن عبيد؛ لما بينا في محله من وثاقة الرجل، و أنه لم يثبت لتوثيقه معارض من قول ابن الوليد.

(1) ما نسب للمشهور من عدم تنجس العالي بملاقاة سافله للنجاسة هو الصحيح، و كذا في الماء الجاري من الأسفل للأعلى بدفع كماء الفوارة مع ملاقاة عاليه للنجاسة لخروجه عن مورد الأخبار المتقدمة في انفعال المضاف بملاقاة عين النجس، بل كل ماء أمكن تحديد موضع الملاقاة منه عرفاً بحيث يعد الملاقي منه غير ما ليس بملاق فإن الانفعال يختص بالطرف الملاقي لما دل في النصوص السابقة على أن مناط تنجس المائع ملاقاته للنجس.

و لذلك لو كان عندنا عدة مياه مضافة متصلة مع بعضها بمثل الانبوب و لاقى أحدها النجاسة فلا يحكم بتنجس غيره؛ لتعددها عرفاً إلّا إذا كان الاتصال فيما بينها بنحو موجب للوحدة عرفاً فتدخل في المستثنى منه في موثقة أبي بصير المتقدمة:

«إلّا أن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه» (2) نعم الاتصال بين عدة أفراد من الماء المطلق بمثل الانبوب و نحوه موجب لاتحادها في الحكم إلّا أنه للدليل الخاص كالقول‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 206، الباب 5 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 158، الباب 9، الحديث 3.

217

[الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه]

(مسألة 2) الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن إطلاقه (1) نعم لو مزج معه غيره و صعد كماء الورد يصير مضافاً.

[المضاف المصعد مضاف]

(مسألة 3) المضاف المصعد مضاف (2).

[المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد]

(مسألة 4) المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد لاستحالته بخاراً ثمّ ماءً (3).

____________

بتقوي السافل بالعالي في ماء الحمام و غيره للنص.

في الماء المطلق و المضاف‌

(1) كما إذا تحول الماء بخاراً ثمّ صار البخار ماءً فإن المصعّد بما أنه يصدق عليه الماء بلا قيد يترتب عليه حكم الماء المطلق، و قد تقدم سابقاً أن ما دل على كون الماء طهوراً لا يختص بالماء المنتسب إلى السماء.

(2) لا ملازمة بين كون الماء مضافاً قبل التصعيد و كونه مضافاً بعده، بل المعيار عدم صدق الماء على المصعّد بلا قيد، و أما إذا صدق كما إذا صعّد من الوحل فيجري على المصعّد ما يترتب على الماء المطلق.

(3) لا ينبغي التأمل في طهارة المتنجس كالنجس بالاستحالة لانعدام ما كان محكوماً بالنجاسة فلا موضوع لها، و المراد بالاستحالة أن يكون المستحال إليه شيئاً آخر عرفاً تبدّل إليه المستحال كما إذا تحول الكلب إلى الملح فإن الملح ليس كلباً و المحكوم بالنجاسة هو الكلب، و أما إذا كان الشي‌ء المتغير الأول بالفعل و الاختلاف في وصفه لا حقيقته عرفاً فهو لا يوجب ارتفاع النجاسة كما إذا يبس الدم فإن اليابس دم فعلًا تخلف وصفه السابق ففي مثل ذلك يحكم بنجاسته أخذاً بإطلاق خطاب نجاسة الدم، و كذلك لو كان الاختلاف بين الأول و الثاني بالجزء و الكل فإنه لا يرفع‌

218

..........

____________

النجاسة بمقتضى إطلاق دليلها نعم مع عدمه تصل النوبة إلى استصحاب النجاسة السابقة إلّا إذا قلنا بعدم جريانه؛ لكون الشبهة حكمية فيحكم بطهارته أخذاً بأصالة الطهارة.

ثمّ إن ما ذكر من طهارة الشي‌ء النجس أو المتنجس بالاستحالة إنما يجري في المائعات مع تعدد الظرف لا مع وحدته؛ لأن المستحال إليه مع كونه مائعاً يتنجس بظرفه المتنجس من قبل إلّا إذا فرض في مورد قام الدليل على عدم التنجس كانقلاب الخل خمراً يؤخذ به بعنوان حكم تعبّدي.

لا يقال: ما ذكر يتم في استحالة الأعيان النجسة فإن الاستحالة فيها موجبة لانتفاء العنوان التقييدي المجعول له النجاسة بلحاظ وجوده، و أما المتنجسات فليست عناوينها دخيلة في تنجّسها، بل الدخيل في تنجسها كونها جسماً سواء كان جامداً أم مائعاً و المستحال إليه أيضاً جسم جامد أو مائع فلا ينعدم المتنجس.

فإنه يقال: لا فرق بين النجس و المتنجس في كون معروض النجاسة هو الأشياء الخارجية من الثوب و البدن و الحجر إلى غير ذلك فالبدن بما هو بدن معروض للنجاسة، و كذا الثوب و غيره. نعم، ليست عناوينها التقييدية دخيلة في عروض التنجس لها، و إنما الموجب لعروضه لها كونها أجساماً قابلة لتحمل القذارة لكن هناك فرق كبير بين كون شي‌ء سبباً للعروض أو كونه معروضاً فلا موجب لخلط أحدهما بالآخر (1) هذا كله بحسب الكبرى.

____________

(1) فإن الجسمية و إن كانت واسطة في ثبوت النجاسة لهذه الأشياء إلّا أن المستفاد من الخطابات كون موضوع الانفعال و التنجس هو الملاقي للقذر و الملاقي للقذر عرفاً هو الثوب و البدن و الخشب و نحو ذلك فمع استحالتها و زوال العنوان لا يصدق عرفاً أن هذا الموجود هو الملاقي للقذر.

219

..........

____________

و أما الصغرى فلا بد من ملاحظة الموارد فقد يناقش في تحقق الاستحالة بالمعنى المتقدم في بعض الموارد و لعل منها تصعيد المائع فإنه قد يتوهم أنه كتجميده فالماء المتجمد لا يحكم بطهارته لو كان قبل انجماده محكوماً بالنجاسة، و لكن الوهم ضعيف جداً فإن الثلج بالفعل ماء موصوف، بخلاف البخار فإنه لا يصدق عليه الماء؛ و لذا سوف يأتي أن البخار المتصاعد من عين النجس محكوم بالطهارة.

نعم، لو صدق على البخار أو على ما يتبدل إليه البخار العنوان المحكوم بالنجاسة كما في البخار الخارج من حلق الكلب فإنه يصدق عليه رطوبة الكلب، و كما في الخمر المصعد حيث يحصل بالتصعيد مسكر خاص يسمى بالعرق فإنه يحكم بنجاسته، و أما في غيره فيحكم بالطهارة على ما مر.

و مما ذكرنا يظهر أنه لو استحال البول بخاراً ثمّ صار مائعاً فإن صدق على المائع المزبور عنوان البول كما هو الظاهر يحكم بنجاسته أخذاً بإطلاق مثل ما ورد عن الثوب يصيبه البول قال: «اغسله مرتين» (1) إلّا أن ذلك ليس نقضاً لكون التبخير استحالة كما لا يخفى فإن حكم المستحال إليه تابع لصدق عنوان من عناوين النجاسات أو من عناوين الطهارات عليه.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 396، الباب الأول من أبواب النجاسات، الحديث 1 و 2 و 4.

220

[إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق فإن علم حالته السابقة أخذ بها]

(مسألة 5) إذا شك في مائع أنه مضاف أو مطلق فإن علم حالته السابقة أخذ بها، و إلّا فلا يحكم عليه بالإطلاق و لا بالإضافة، لكن لا يرفع الحدث و الخبث، و ينجس بملاقاة النجاسة إن كان قليلًا و إن كان بقدر الكر لا ينجس لاحتمال كونه مطلقاً و الأصل الطهارة (1).

____________

إذا شك في مائع أنه مطلق أو مضاف‌

(1) ذكر (قدس سره) أنه إذا شك في مائع أنه مطلق أو مضاف فإن علم حالته السابقة أخذ بها سواء كانت الحالة السابقة إطلاقه أو إضافته، و إن لم يعلم الحالة السابقة أو لم تكن فلا يحكم عليه لا بالإطلاق و لا بالإضافة، و بما أنه لا يحكم عليه بالإطلاق فلا يرفع حدثاً و لا خبثاً، بل بقاؤهما بعد استعمال الماء المشكوك مقتضى استصحابهما، و بما أنه لا يحكم بإضافته فلا يحكم بتنجّسه فيما إذا كان كثيراً، بل تجرى فيه أصالة الطهارة فيحكم بطهارته.

نعم، إذا كان قليلًا فيتنجس بالملاقاة للعلم به على كل تقدير- و لكن الصحيح هو التفصيل- فإن الشك في إطلاق الماء و إضافته إما من قبيل الشبهة الموضوعية بأن يشك في انطباق عنوان الماء بلا قيد على المشكوك المزبور من جهة الجهل بخصوصية نفس ما في الخارج لا من جهة الجهل بسعة عنوان الماء و ضيقه، و إما من جهة الشك في الشبهة المفهومية بأن لم يقع شك في خصوصية ما في الخارج، بل الشك في جهة سعة عنوان الماء بحيث يصدق على ما في الخارج و عدمه، و ظاهر كلام المصنف (قدس سره) عدم الفرق بين القسمين في الأخذ بالحالة السابقة.

لا تأمل في جريان الاستصحاب في القسم الأول كما إذا غسل يده المتنجسة بالمائع الذي كان في الابريق ثمّ تردد في أن المائع المزبور كان ماءً أو شاياً صافياً فإن استصحاب كون المغسول به ماءً مقتضاه طهارة المغسول أي اليد المتنجسة، و كذا‌

221

..........

____________

الحال فيما إذا كانت الحالة السابقة هي الإضافة.

و لكن في جريان الاستصحاب في القسم الثاني تأمل، بل منع كما إذا شك في بعض أفراد السيل أنه مصداق لعنوان الماء بلا قيد أو أنه من الوحل، و هذا لا للجهل بخصوصية الموجود خارجاً فإنه بخصوصيته معلوم، و إنما الشك في أن لفظ الماء بلا قيد موضوع لمعنى ضيق لا ينطبق على مثل هذا الموجود أو أنه وسيع ينطبق عليه، بخلاف القسم الأول فإنه سواء صدق الماء على ما غسل به يده المتنجسة أو لم يصدق لم يختلف معنى لفظ الماء.

و وجه التأمل بل المنع عن جريان الاستصحاب في جميع موارد الشبهة المفهومية أن ظاهر أخبار «لا تنقض اليقين بالشك» (1) اليقين بتحقق شي‌ء و الشك في نفس ذلك التحقق بقاءً، و هذا غير حاصل في موارد الشبهة المفهومية كما إذا شك في أن الغروب هو سقوط قرص الشمس عن الافق الحسي أو غيبوبة الحمرة المشرقية مع علمنا بغيبوبة قرص الشمس عن الافق الحسي و بقاء الحمرة المشرقية فلا يمكن استصحاب عدم الغروب؛ لأن ما كنا على يقين منه و هو عدم غيبوبة القرص عن الافق الحسي قد علمنا بتبدّله إلى الوجود، و عدم ذهاب الحمرة المشرقية معلوم البقاء فليس الشك في الخارج، بل الشك في أن ما في الخارج اسمه الغروب أو عدم الغروب، و كذلك الأمر فيما نحن فيه أيضاً فإن ما كنا على يقين من وجوده و هو مقدار الماء المطلق فبقاؤه مع الامتزاج بالتراب و الرمل معلوم و لكن لا ندري أن اسمه مع الامتزاج المزبور الماء بلا قيد أم الوحل فهنا لا يجرى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 254، الباب الأول من أبواب نواقض الوضوء، الحديث الأول.