تنقيح مباني العروة - كتاب الطهارة - ج3

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
484 /
5

الجزء الثالث

كتاب الطهارة

6

فصل

إذا صلى في النجس فإن كان عن علم و عمد بطلت صلاته (1) و كذا إذا كان عن جهل بالنجاسة (2) من حيث الحكم بأن لم يعلم أن الشي‌ء الفلاني مثل عرق الجنب عن الحرام نجس أو عن جهل بشرطية الطهارة للصلاة.

____________

الصلاة في النجس‌

(1) إذا علم بالموضوع بأن علم أن ثوبه أصابه بول الخشاف مثلًا و علم بحكمه بأن علم أن بوله نجس و أن نجاسة الثوب مانعة عن الصلاة أو أن طهارته شرط لها، و مع ذلك صلى في الثوب المزبور مع الالتفات و عدم النسيان تبطل صلاته و هذا لا يحتاج إلى الاستدلال لو فرض تحقق الصلاة كذلك في مقام الامتثال، و سيأتي أن حديث «لا تعاد» (1) لا يعم موارد الجهل عن تقصير فضلًا عن موارد العلم و الالتفات كما هو المفروض في المقام.

الصلاة في النجس جاهلًا‌

(2) على المشهور بلا فرق بين ما إذا كان الجهل بالحكم أو الاشتراط عن تقصير‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

..........

____________

أو قصور، كما هو مقتضى إطلاق الماتن أيضاً و عن الأردبيلي (1) و بعض من تأخر عنه الحكم بالصحة مع الجهل بالحكم و الاشتراط، و كأنه بلا فرق بين التقصير و القصور.

و يستدل على المشهور بالروايات كصحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: «إن كان علم أنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي ثمّ صلى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى، و إن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة» (2).

و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال: «إن كان لم يعلم فلا يعيد» (3) إلى غير ذلك مما نتعرض لها، فإن مقتضى الإطلاق فيهما و غيرهما لزوم إعادة الصلاة فيما إذا صلى في النجس مع العلم بالموضوع سواءً كان المنشأ لصلاته فيه الجهل بالحكم أو نسيان الموضوع، بل لا يمكن كون مثلهما ناظرة إلى صورة الصلاة في النجس مع العلم بالموضوع و الحكم فإنه فرد نادر أو معدوم، فإن العالم بأن ثوبه أصابه بول الخشاف و أنه نجس و نجاسته مانعة عن الصلاة لا يصلي فيه، فإن المفروض كونه في مقام الامتثال.

أقول: ما ذهب إليه المشهور و ذكره الماتن صحيح في فرض التقصير، و أما مع الجهل بالحكم أو الاشتراط قصوراً بأن بنى المجتهد على طهارة بول الخشاف أو أن‌

____________

(1) مجمع الفائدة 1: 342- 343.

(2) وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(3) المصدر السابق: الحديث 5.

9

..........

____________

طهارة الثوب من الدم الأقل من الدرهم و لو من غير المأكول ليست شرطاً في الصلاة لأخذه بأصالة الطهارة أو بالإطلاق الدال عليه، و كذا بأصالة البراءة عن الاشتراط أو بالإطلاق الدال على عدم الاشتراط، ثمّ ظفر بالدليل على النجاسة أو بالاشتراط فالأظهر الحكم بعدم وجوب الإعادة فضلًا عن وجوب القضاء؛ لحكومة حديث: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود، ثمّ قال: القراءة سنة و التشهّد سنّة و لا تنقض السنة الفريضة» (1)، حيث إن ظاهر الذيل قرينة واضحة على أن الخمسة المذكورة في ناحية المستثنى فريضة سماها اللّٰه في كتابه المجيد، و من الظاهر أن الطهارة الخبثية يستفاد اعتبارها في الصلاة من الروايات فقط فلا تدخل في الفريضة.

و بتعبير آخر الذيل بمنزلة إلقاء الكبرى الكلية و هي عدم بطلان الصلاة بالإخلال بغير الخمسة عن عذر.

لا يقال: حديث: «لا تعاد» يعم الجهل بلا عذر أيضاً فلا وجه لرفع اليد عن عمومه بالحكم بالبطلان مع الجهل عن تقصير.

فإنه يقال: لا يمكن أن يعم غير موارد العذر؛ لأن المتيقن من بعض الروايات الواردة في إعادة الصلاة مع نجاسة الثوب أو البدن هو الجاهل بالحكم، فالأخذ بعموم حديث «لا تعاد» بالإضافة إلى الجاهل المقصر يوجب حملها على الفرد النادر أو المعدوم، و هو أن يصلي في مقام الامتثال في الثوب أو البدن النجس مع العلم بالنجاسة و اشتراط الطهارة.

____________

(1) وسائل الشيعة 6: 401، الباب 7 من أبواب التشهد، الحديث الأول.

10

..........

____________

و في صحيحة علي بن مهزيار: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ- يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه، و إن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، و إن صليت فيه فأعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به» (1)، و لو قيل بتقييد «و إن صليت فيه» بالنسيان ليكون مثل صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن أصاب ثوب الرجل الدم، فصلى فيه و هو لا يعلم فلا إعادة عليه، و إن هو علم قبل أن يصلي فنسي و صلّى فيه فعليه الإعادة» (2) فلا يمكن أيضاً الالتزام بعموم حديث «لا تعاد» للجاهل المقصر و ذلك لوجهين:

الأول: أن الجاهل المقصر لو كان محتملًا النجاسة أو الاشتراط حال العمل فلا يدخل في حديث «لا تعاد» (3) لانصرافه إلى ما كان المصلي عاملًا بالوظيفة حال العمل بحسب اعتقاده، و إلّا فالجاهل المزبور كان مكلفاً حال العمل بالتعلم و العمل بالوظيفة الواقعية، و إذا لم يعم هذا القسم من الجاهل المقصر فلا يعم الغافل المقصر أيضاً للتسالم على عدم الفرق، كما يظهر ذلك من اختصاص الإجزاء عندهم في حق الجاهل بمسألة الإتمام في موضع القصر، و مسألة الجهر في موضع الإخفات و بالعكس.

الثاني: أنه لو عمّ الحديث موارد الجهل و لو تقصيراً لزم حمل الأمر بالإعادة في أدلة الأجزاء و الشرائط على الفرد النادر أو المعدوم حيث إن الناسي في تلك الموارد داخل في حديث «لا تعاد» فلاحظ و لا يحتمل خروج الجاهل المقصر عن الحديث في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 468- 469، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(2) المصدر السابق: 476، الباب 40، الحديث 7.

(3) المصدر السابق 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

11

..........

____________

تلك الموارد و عدم خروجه عنه في المقام.

لا يقال: مقتضى صحيحة عبد اللّه بن سنان و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه المتقدمتين بطلان الصلاة مع العلم بنجاسة الثوب و البدن مع الجهل بالحكم تقصيراً أو قصوراً، و مقتضى حديث «لا تعاد» في ناحية المستثنى منه صحتها مع الإخلال بطهارة ثوبه أو بدنه للجهل بالحكم قصوراً أو الإخلال بسائر الأجزاء و الشرائط فالنسبة بين الحديث و بينهما العموم من وجه فيتعارضان في الإخلال بطهارة الثوب أو البدن قصوراً.

بل يمكن تقريب العموم من وجه بنحو آخر و هو أن مدلول تلك الروايات لزوم الإعادة في صورة العلم بإصابة النجاسة الثوب أو البدن، سواء كان جهله بالحكم تقصيراً أو قصوراً و مقتضى المستثنى منه في حديث «لا تعاد» صحة الصلاة مع الجهل بإصابة النجاسة أو العلم بها، و لكن مع الجهل بالحكم قصوراً فتقع المعارضة بينهما في الصلاة في النجس مع الجهل بالحكم قصوراً، فيرجع إلى إطلاق ما دل على بطلان الصلاة إذا علم بإصابة الجنابة أو الدم أو غيره ثوبه أو بدنه، فالمتحصل تكون النتيجة هو الحكم ببطلان الصلاة مع العلم بالنجاسة أي بموضوعها سواء كان الجهل بالحكم تقصيراً أو قصوراً.

فإنه يقال: بما أن حديث «لا تعاد» حاكم على أدلة الأجزاء و الشرائط حيث إن التعبير بالأمر بالإعادة أو عدمها يكون في مقام بيان الاشتراط أو نجاسة الشي‌ء كصحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: «إن كان قد علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثمّ صلّى فيه‌

12

..........

____________

و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى، و إن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة» (1)، و يكون في مقام تحديد الاعتبار بعد الفراغ عن أصل اعتباره كما في حديث «لا تعاد» فالموجب للحكومة هو الثاني، نعم مع الإغماض عن الحكومة فالمرجع بعد التعارض إلى إطلاق أدلة الاشتراط.

و قد يقال كما عن النائيني (قدس سره) (2) باختصاص حديث «لا تعاد» بالناسي فلا يعم الجاهل القاصر و المقصر و عليه فيؤخذ بمقتضى الصحيحتين و غيرهما بالحكم بفساد صلاة الجاهل بالحكم سواء كان قاصراً أو مقصراً.

و ذكر في وجه اختصاصه به أن حديث «لا تعاد» ينفي الإعادة في موارد لو لا نفيها لكان في حق المكلف تكليف بالإعادة و الناسي كذلك، فإن التكليف بالمركب الواقعي غير متوجه إليه حال نسيانه و ساقط عنه و بعد تذكره يحدث في حقه التكليف بذلك المركب فيجب الإعادة لو لا حديث «لا تعاد» بخلاف الجاهل القاصر فإنه كالمقصر كان مكلفاً حتى حال جهله بالمركب الواقعي، و لم يحدث في حقه تكليف بعد ارتفاع جهله فهو مكلف بامتثال ذلك التكليف الواقعي.

و فيه أولًا: أن الأمر بالإعادة أو نفيها إرشاد إلى التكليف الواقعي بالمركب غاية الأمر أن الأمر بها أو نفيها قد يكون إرشاداً إلى عدم حدوث ذلك الأمر بالمركب الواقعي أو حدوثه كما في الناسي، و قد يكون إرشاداً إلى بقاء الأمر بذلك المركب أو عدم بقائه كما في الجاهل القاصر، و بتعبير آخر إذا صح الأمر بالإعادة إرشاداً على الجاهل بعد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) كتاب الصلاة (تقريرات بحث النائيني): 193- 194. (للكاظمي الخراساني).

13

..........

____________

ارتفاع جهله لعدم إمكان تدارك المأتي به و تطبيقه على المركب الواقعي صح نفيها بحديث «لا تعاد» أو غيره إرشاداً إلى عدم بقاء الأمر بذلك المركب الواقعي.

و ثانياً: أن الجاهل القاصر الغافل عن الحكم بالمرة كالناسي في عدم التكليف بالمركب الواقعي في حقه حال غفلته و إذا أمكن في حقه حدوث الأمر بالإعادة بعد ارتفاع غفلته و شمله حديث «لا تعاد» يكون القاصر المردد أيضاً مثله لعدم احتمال الفرق.

و قد يستدل على صحة الصلاة في النجاسة مع الجهل بالحكم و لو تقصيراً بأنه إما أن يكون مكلفاً بالصلاة بنحو تعم المأتي بها أو لا يكون مكلفاً بالصلاة أصلًا لغرض غفلته عن تقييد الصلاة، و الثاني خلاف فرض عدم سقوط الصلاة بحال و التكليف بما يعم المأتي بها فرض لصحّته.

أقول: لو فرض سقوط التكليف بالمركب الواقعي للغفلة تقصيراً أو قصوراً فلا ينافي ذلك فوت الملاك، فيعم ما دل على وجوب قضاء الفائتة كما في سائر موارد فوت الصلاة أو غيرها للغفلة الناشئة عن التقصير أو القصور، بل لو ثبت الأمر بما يعم الناقص فلا ينافي لزوم القضاء حيث إن المأمور به الاضطراري و نحوه لا ينافي عدم الإجزاء بمعنى وجوب القضاء كما حرر في محله، نعم في المقام مع ثبوته يتعين الالتزام بالإجزاء لعدم وجوب أزيد من الصلوات الخمس على المكلف في اليوم و الليلة.

هذا بالإضافة إلى الغافل عن الحكم و الاشتراط في تمام الوقت، و أما الغافل عنه في بعض الوقت فهو مكلف بالصلاة الأولية: لأنه يكفي في الأمر بها التمكن منها‌

14

و أما إذا كان جاهلًا بالموضوع بأن لم يعلم أن ثوبه أو بدنه لاقى البول مثلًا فإن لم يلتفت أصلًا أو التفت بعد الفراغ من الصلاة صحت صلاته (1) و لا يجب عليه القضاء، بل و لا الإعادة في الوقت و إن كان أحوط.

____________

و الانبعاث من الأمر بها و لو في بعض الوقت، على ما هو مقتضى طلب الطبيعي أي صرف وجوده بين الحدين.

و على الجملة الغافل عن التكليف في تمام الوقت لا يتوجه إليه التكليف، و أما الغافل عنه في بعضه فيتوجه إليه و يدعوه إلى متعلقه بعد التذكر، و عليه فلا يكون ما ذكر وجهاً للإجزاء و الصحة، و قد تحصل من جميع ما ذكر أن الأظهر في الصلاة في الثوب الذي أصابتهُ النجاسة مع علم المكلف به هو الحكم بالبطلان إلّا إذا كان جهله بالحكم أو بالاشتراط بنحو القصور و اللّٰه سبحانه هو العالم.

الصلاة في المتنجس جهلًا بالموضوع‌

(1) صحة الصلاة مع الجهل بالموضوع بمعنى عدم وجوب القضاء متسالم عليه عند الأصحاب و أنه إذا علم بعد خروج الوقت أن الصلاة التي صلاها في الوقت كانت مع نجاسة الثوب أو البدن لم يجب عليه القضاء بلا كلام، و الكلام عندهم فيما إذا علم وقوعها في الثوب المتنجس أو مع البدن المتنجس قبل خروج الوقت حيث إن المحكي عن جماعة منهم الشيخ (قدس سره) في النهاية، و ابن زهرة في الغنية، و المحقق في النافع، و العلامة في القواعد (1) و بعض آخر لزوم إعادة تلك الصلاة.

و يستدل عليهم بصحيحة وهب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الجنابة‌

____________

(1) الحاكي هو السيد الحكيم في المستمسك 1: 530، و انظر النهاية: 8، و الغنية: 66، و المختصر النافع: 19، و القواعد 1: 189 و 194.

15

..........

____________

تصيب الثوب و لا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه ثمّ يعلم بعد ذلك؟ قال: «يعيد إذا لم يكن علم» (1).

و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل صلى و في ثوبه بول أو جنابة؟ فقال: «علم به أو لم يعلم، فعليه إعادة الصلاة إذا علم» (2).

و وجه الاستدلال أن مقتضى الجمع بينهما و بين ما دل على نفي الإعادة فيما إذا صلى و لم يعلم نجاسة ثوبه أو بدنه كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي و في ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب، أ يعيد صلاته؟ قال: «إن كان لم يعلم فلا يعيد» (3) و نحوها غيرها هو حمل نفي الإعادة على نفي القضاء حيث إن ذكر الإعادة في مقابل القضاء اصطلاح من الفقهاء، و إلّا فمعنى الإعادة تكرار العمل سواءً كان داخل الوقت أو خارجه، كما أن القضاء بمعنى الإتيان يعم الإتيان في الوقت و خارجه، و تحمل صحيحة وهب و خبر أبي بصير (4) على ثبوت الإعادة بمعنى الإتيان في الوقت.

و قد ردّ هذا الجمع المحقق الهمداني (قدس سره) بأنه جمع تبرعي و لا شاهد له، و مجرد كون المتيقن من ثبوت الإعادة في الروايتين الدالتين على لزومها الإتيان في الوقت، و من الروايات الدالة على عدم لزومها نفي القضاء لا يكون قرينة على الجمع بين‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 476، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 8.

(2) المصدر السابق: الحديث 9.

(3) المصدر السابق: 475، الحديث 5.

(4) تقدما آنفاً.

16

..........

____________

الطائفتين و إلّا يجري مثل هذا الجمع في جُل موارد التعارض (1).

لا يقال: في البين شاهد جمع و هي صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلّى في ثوب رجل أياماً، ثمّ إنّ صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلى فيه؟ قال: «لا يعيد شيئاً من صلاته» (2) فإن ظاهرها نفي القضاء بقرينة فرضه سبق الأيام و رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل احتجم فأصحاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد، كيف يصنع؟ فقال: «إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلّي و لا ينقص منه شي‌ء، و إن كان رآه و قد صلّى فليعتد بتلك الصلاة ثمّ ليغسله» (3) فإن المفروض في هذه الرؤية من الغد فيكون النفي راجعاً إلى القضاء.

فإنه يقال: مع أنه لا شهادة لهما على كون مدلولهما نفي القضاء فإن الصلاة أياماً يعم اليوم الذي صلى فيه و لم يخرج وقت تلك الصلاة، و الأمر في الثانية أظهر، إن ظاهر بعض الروايات النافية للإعادة العلم بعد الفراغ من الصلاة بنجاسة ثوبه كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً و هل يصلّي؟ قال: «لا يؤذنه حتى ينصرف» (4).

و ما في صحيحة زرارة قال: قلت: فإن ظننت أنه قد أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت‌

____________

(1) مصباح الفقيه 8: 207- 208.

(2) وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(3) المصدر السابق: 477، الحديث 10.

(4) المصدر السابق: 474، الحديث الأول.

17

..........

____________

فلم أر فيه شيئاً ثمّ صليت فرأيت فيه؟ قال: «تغسله و لا تعيد الصلاة» (1).

و عن الأكثر حمل صحيحة وهب و خبر أبي بصير على استحباب الإعادة جمعاً بين الطائفتين فإن مدلولهما و هو ظهورهما في لزوم الإعادة يرفع اليد عنه بصراحة الطائفة الأُخرى بعدم لزومها.

أقول: هذا أيضاً مشكل فإن رواية أبي بصير ضعيفة سنداً فإن وهب بن حفص لم يثبت وثاقته و صحيحة وهب بن عبد ربه ظاهرها عدم مطلوبية الإعادة مع العلم بالإصابة كما هو مقتضى القضية الشرطية، و لذا يحتمل سقوط (لا) عن النسخ التي أوصلت إلينا الرواية.

أضف إلى ذلك أنه لا يبعد تواتر الأخبار على نفي الإعادة، و المراد التواتر الإجمالي فتسقط الصحيحة عن الاعتبار لمخالفتها لتلك الأخبار الدالة على الإعادة مع العلم بالإصابة و صحة الصلاة مع الجهل بها حتى مع فرض التعارض و التساقط يكون المرجع في المقام حديث «لا تعاد» (2) بالتقريب المتقدم فتدبر.

ثمّ إن من الذكرى احتمال التفصيل بين من اجتهد في البحث عن طهارة ثوبه فلا يعيد إذا علم نجاسته بعد الصلاة في الوقت أو خارجه بخلاف من لم يبحث فإنه يعيد (3) و عن الحدائق تقوية هذا التفصيل و حكايته عن الشيخين 0 في المقنعة و التهذيب و عن ظاهر الصدوق في الفقيه (4) حيث ذكر فيه روى في المني: «أنه إن كان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 477، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(3) الذكرى 1: 141.

(4) الحدائق 5: 414- 415.

18

..........

____________

الرجل حيث قام نظر و طلب لم يجد شيئاً فلا شي‌ء عليه، فإذا كان لم ينظر و لم يطلب فعليه أن يغسله و يعيد صلاته» (1) و نحوه خبر المنصور (ميمون) الصيقل (2).

بل ما في الفقيه إشارة إليه أو إلى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ذكر المني فشدده فجعله أشدّ من البول، ثمّ قال: «إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة و إن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صليت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك، و كذلك البول» (3).

و لكن لا يخفى أن ما ذكر لا يصلح لأن يكون شاهداً للجمع بين الطائفتين المتقدمتين؛ لأن المرسل أو خبر ميمون لضعف السند لا يصلح لرفع اليد عن إطلاق الأخبار الصحاح التي لا يبعد دعوى القطع بصدور بعض منها، و أما صحيحة محمد بن مسلم فإنه يحتمل أن يكون فرض النظر و عدم الرؤية لنفي فرض نسيان النجاسة حيث إن الصلاة تعاد بالعلم بها قبل الصلاة أو العلم بها بعد ما تدخل في الصلاة أي في أثنائها.

بل يتعين حملها على ذلك بقرينة صحيحة زرارة حيث سأل الإمام (عليه السلام) فهل عليّ إن شككت في أنه أصابه شي‌ء أن أنظر فيه قال: «لا و لكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك» (4) فإن الظاهر أن الفحص مع الشك قبل الصلاة لا يترتب عليه أي أثر، و إن الصلاة لو علم بعد الفراغ منها وقوعها في النجاسة لا تعاد، و لو فرض التعارض بين هذه و ما تقدم فالمرجع إطلاق ما دل على عدم الإعادة مع الجهل بالإصابة و لو‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 72، الحديث 167.

(2) وسائل الشيعة 3: 478، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(3) المصدر السابق: 478، الحديث 2.

(4) المصدر السابق: 466، الباب 37، الحديث الأول.

19

و إن التفت في أثناء الصلاة فإن علم سبقها و أن بعض صلاته وقع مع النجاسة بطلت مع سعة الوقت للإعادة (1).

____________

فرض التعارض فيه أيضاً فالمرجع إلى حكومة حديث «لا تعاد» (1)، و اللّٰه سبحانه هو العالم.

الالتفات في أثناء الصلاة إلى النجاسة‌

(1) كما حكي عن جماعة (2) و يشهد له صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثمّ علم به، قال: «عليه أن يبتدي الصلاة» (3).

و صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ذكر المني فشدّده فجعله أشدّ من البول، ثمّ قال: «إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة» (4) و ذكر في ذيلها «و كذلك البول».

و صحيحة زرارة حيث ورد فيها: «و إن لم تشك ثمّ رأيته رطباً قطعت و غسلته ثمّ بنيت على الصلاة؛ لأنك لا تدري لعلّه شي‌ء أوقع عليك» (5) فإن مقتضى التعليل لزوم إعادتها إذا علم بأنه أصاب الثوب قبل الصلاة، و لو فرض الإطلاق في الروايات المتقدمة الدالة على عدم لزوم الإعادة مع النجاسة الواقعية مع عدم علمه بها بحيث يشمل بعض الصلاة أيضاً يرفع اليد عن الإطلاق المزبور بهذه الأخبار.

و لكن في مقابلها موثقة داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(2) حكاه في المستمسك 1: 532.

(3) وسائل الشيعة 3: 474، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

(4) المصدر السابق: 478، الباب 41، الحديث 2.

(5) المصدر السابق: 482، الباب 44، الحديث الأول.

20

..........

____________

فأبصر في ثوبه دماً قال: «يتم» (1). و قد حمل الشيخ الرواية على ما إذا كان أقل من الدرهم (2).

و ما رواه في آخر السرائر عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن رأيت في ثوبك دماً و أنت تصلّي و لم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله، قال: و إن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثمّ رأيته بعد و أنت في صلاتك فانصرف فاغسله و أعد صلاتك (3) و هذه أيضاً مع المناقشة في سندها لجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب المشيخة دلالتها على جواز إتمام الصلاة حتى ما إذا علم أثناء الصلاة كون الدم في ثوبه من قبل بالإطلاق فيرفع اليد عن إطلاقها بالتعليل في صحيحة زرارة المتقدمة، و بصحيحتي أبي بصير و محمد بن مسلم المتقدمتين، و ما ذكر مع الفحص عن ظهورها في جواز إتمام الصلاة من غير لزوم تطهير الثوب أو إلقائه، و إلّا فلم يعهد من أحد الالتزام بجواز الإتمام من غير الغسل و التطهير فضلًا عن المشهور.

و بتعبير آخر لو أمكن حمل الأمر بالإتمام مع العلم بالنجاسة في الأثناء على ما إذا احتمل حدوثها حال العلم جمعاً بينها و بين ما تقدم خصوصاً صحيحة زرارة الوارد فيها التعليل لجواز الإتمام يكون ظهورها في جواز الإتمام من غير غسل منافياً لها و للروايات الواردة في الرعاف أثناء الصلاة، حيث إن مقتضاها لزوم التطهير، و هذه الرواية كالصريحة في عدم لزوم تطهيره إلّا بعد الانصراف.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) التهذيب 1: 423، الباب 22، ذيل الحديث 17.

(3) السرائر 3: 592.

21

..........

____________

و ما عن بعض الأعلام بحملها على صورة الإتمام مع الإزالة أثناء الصلاة برفع اليد عن إطلاقها من هذه الجهة كما ترى، فإن دلالتها على عدم لزوم الإزالة و التطهير و جواز الإتمام مع العلم بنجاسة الثوب كالصراحة لا بالإطلاق القابل للتقييد و لا يمكن حملها على صورة عفو الدم؛ لأنه ذكر بعد ذلك إن رآه قبل الصلاة ينصرف و يغسل و يعيد الصلاة.

و قد يستدل على المشهور من جواز الإتمام بعد التطهير أثناء الصلاة من غير فرق بين العلم بحصول النجاسة من قبل أو حين الرؤية أو احتمال حدوثها كذلك، بصحيحة محمد بن مسلم التي رواها المشايخ الثلاث و فيما رواه الكليني على ما في الكافي قلت له: الدم يكون في الثوب عليّ و أنا في الصلاة، قال: «إن رأيته و عليك ثوب غيره فاطرحه و صل، و إن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك و لا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، و ما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره، و إذا كنت رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله و صليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه» (1).

و رواها الشيخ (قدس سره) عن الكليني و لكن ذكر قوله ما لم يزد على مقدار الدرهم (2) بعد حرف العاطف و ترك ما كان أقل من ذلك فتكون الرواية على نقله (قدس سره) و ما لم يزد على مقدار الدرهم ليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره.

و نقلها الصدوق في الفقيه على ما في الكافي مع إضافة في ذيلها و هو قوله (عليه السلام)

____________

(1) الكافي 3: 59، الحديث 3. وسائل الشيعة 3: 431، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) التهذيب 1: 254، الحديث 736. الاستبصار 1: 175، الحديث 1609.

22

..........

____________

و ليس ذلك بمنزلة المني ثمّ ذكر المني فشدده و جعله أشد من البول، إلى آخر ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.

و لا بد من الأخذ بما رواه في الفقيه حيث إن ما رواه الكليني على حسب نقل الشيخ غير ما رواه أرباب سائر نسخ الكافي.

و بتعبير آخر لم يثبت ما رواه الكليني للمعارضة بخلاف نقل الفقيه، و إن قيل الصحيح ما في نسخ الكافي.

و على ما رواه في الفقيه قوله: «ما لم يزد على مقدار الدرهم» قيد للشرطية الثانية قطعاً فيكون مفاد الشرطية الثانية: أن الدم مع عدم زيادته على الدرهم إذا علم به أثناء الصلاة و لم يكن للمصلي ثوب آخر لا يضر بالصلاة فيجوز إتمامها و لا يجب إعادتها.

و إذا كان له ثوب آخر و كان الدم أقل أيضاً يستحب إلقاء الثوب بقرينة ما ذكره بعد ذلك: و ما كان أقل من ذلك فليس بشي‌ء رأيته قبل أو لم تره، فيكون مفاد الشرطيتين منحصراً بذلك بناءً على رجوع القيد للشرطية الأُولى أيضاً، و هذا بحسب منطوقهما و بناءً على اختصاصه بالثانية تكون الشرطية الأُولى مطلقة من حيث زيادة الدم و عدمها و العلم بأنه كان من قبل فيرفع اليد عن إطلاقها في صورة الزيادة بما إذا علم بأن الدم كان في الثوب من قبل بشهادة صحيحة زرارة المتقدمة و غيرها، و ما في ذيلها على رواية الفقيه: «و ليس ذلك بمنزلة المني» حيث إنه يجب في المني الإعادة و عدم الفرق فيه بين القليل و الكثير.

و على رواية الشيخ يكون مفاد الجملة الثانية: أن الدم مع زيادته و عدم ثوب آخر للمصلي يجوز إتمامها و لو مع سعة الوقت كما هو الغالب، و قد تقدم أن هذا لا يلتزم به‌

23

..........

____________

أحد فضلًا عن المشهور فلا بد من التقييد في كلتا الشرطيتين.

و الحاصل أن الصحيحة لا دلالة لها على مسلك المشهور من عدم التفصيل بين العلم بأن النجاسة كانت في الثوب و البدن من قبل أو احتمل حدوثها عند الالتفات إليها إلّا بالإطلاق بناءً على رجوع القيد إلى الشرطية الثانية فقط، و قد تقدم احتمال رجوعه إلى الشرطيتين أو بناءً على رواية التهذيب.

بقي في المقام أمران:

الأول: أن الشرط في الصلاة يختص بالأجزاء بمعنى أنه يعتبر رعايته عند الاشتغال بها فلا يضر عدمه في الآنات المتخللة بين الأجزاء كالاستقرار، و قد يعم الصلاة حتى حالاتها المتخللة بين الأجزاء كالطهارة من الحدث و الاستقبال و غير ذلك، و ظاهر خطابات الاشتراط أي إطلاقاتها هو الثاني، و الالتزام بالنحو الأول يحتاج إلى قصور في دليل الاشتراط كما في الاستقرار في الصلاة بناء على كون الدليل له هو الإجماع، و أما قيام دليل خاص عليه كما في المقام أي الطهارة الخبثية في الثوب و البدن، و لكن لا يستفاد مما ورد في المقام أزيد من عدم اشتراطها في الآن الذي يغسل الثوب أو البدن في تلك الحال أو مع ما سبق من الأجزاء و أما في غيره فرفع اليد عن إطلاق أدلة الاشتراط مشكل ثمّ إن حديث «لا تعاد» (1) لا يعم موارد الخلل في الشرط في بعض الصلاة إذا كان الخلل حاصلًا عند الالتفات من الآن المتخلل و كان الشرط معتبراً في الصلاة لا في خصوص أجزائها.

و قد يعبر عن القسم الأول من الشرائط بشرائط المصلي و عن الثاني بشرائط‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

24

..........

____________

الصلاة و فيه تأمل، و ذلك فإن شموله للمورد بالإطلاق يتوقف على العفو عن الخلل في الآن المتخلل و العفو فيه موقوف على إطلاقه بحيث يشمل المورد فلا تغفل؛ لأن الخلل المفروض لم يمضِ.

الثاني: ظاهر المتن و غيره عدم الفرق في البطلان بين العلم أثناء الصلاة بنجاسة ثوبه أو بدنه قبل الصلاة أو حدوثها بعد الدخول فيها حال الاشتغال بأجزائها، سواء بقي محل تدارك تلك الأجزاء أم لا، و لكن يمكن دعوى أن مع إمكان تدارك ما سبق و وقوع النجاسة حال الاشتغال به يغسل ثوبه أو بدنه و يتداركه؛ لأن حمل صحيحة زرارة المستفاد منه الحكم على صورة احتمال وقوع النجاسة حال التخلل الحاصل فعلًا من الحمل على الفرد النادر، بل لا يجب التدارك و إن أمكن؛ لأن ظاهر قوله (عليه السلام): «ثمّ بنيت على الصلاة» (1) إتمام بقاياها.

و أما صحيحة أبي بصير (2) فقد تقدم أن مدلولها صورة العلم بالمني في الثوب الحاصل قبل الدخول في الصلاة.

و على الجملة ففي غير مورد دلالة الصحيحتين يرجع إلى إطلاق ما دل أنه إذا لم يعلم النجاسة و صلى ثمّ علم بها فلا يعيد، نعم لا يمكن في الفرض الرجوع إلى حديث «لا تعاد» (3) لما أشرنا إليه في ذيل الأمر الأوّل من أن الآن الذي حدث فيه الالتفات لم ينقض و لم يمض الخلل فيه بناءً على كون الطهارة الخبثية من شرط الصلاة كستر العورة غاية الأمر استثنى مورد واحد.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 482- 483، الباب 44 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق 3: 483، الحديث 4.

(3) المصدر السابق 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

25

و إن كان الأحوط الإتمام ثمّ الإعادة مع ضيق الوقت إن أمكن التطهير أو التبديل و هو في الصلاة من غير لزوم المنافي فليفعل ذلك و يتم و كانت صحيحة، و إن لم يمكن أتمها و كانت صحيحة (1). و إن علم حدوثها في الأثناء مع إتيان شي‌ء من أجزائها مع النجاسة أو علم بها و شك في أنها كانت سابقاً أو حدثت فعلًا فمع سعة الوقت و إمكان التطهير أو التبديل يتمها بعدهما.

إذا علم بالنجاسة قبل الصلاة أو حدثت بالأثناء

____________

(1) و إذا علم بأن نجاسة ثوبه أو بدنه كانت قبل الدخول في الصلاة أو أنها حدثت عند الاشتغال بالأجزاء المضيقة من صلاته بناء على ظاهر المتن و غيره من بطلان الصلاة في الفرض، و لكن استلزم قطع الصلاة و تطهيره و إعادتها وقوعها كلّها أو بعضها خارج الوقت، و كذا فيما كانت النجاسة حاصلة بالفعل و استلزم تطهيره وقوع بعضها خارج الوقت يتعين إتمام الصلاة في ذلك الثوب أو مع البدن النجس فيما إذا استلزم ذلك وقوعها بتمامها خارج الوقت، حيث إنه لو التفت إلى النجاسة قبل الدخول و لم يتمكن من غسله و لو لضيق الوقت لجاز أو تعين الصلاة فيه، و يكون الأمر مع الالتفات في الأثناء أولى.

و في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوب و ليس معه غيره و لا يقدر على غسله؟ قال: «يصلي فيه» (1) فإن المستفاد من مثلها أن الصلاة في وقتها لا يترك إلى قضائها خارج وقتها بعدم التمكن من غسله في وقتها، بل يصلي في ذلك الثوب النجس.

و هل الأمر كذلك فيما إذا استلزم غسله وقوع بعضها خارج الوقت أو أن مع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 485، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

26

و مع عدم الإمكان يستأنف (1) و مع ضيق الوقت يتمها مع النجاسة و لا شي‌ء

____________

التمكن من إدراك ركعة منها يجب غسله و إعادتها أخذاً بما دل على أن إدراك ركعة من الصلاة في وقتها إدراك لها في وقتها؟

لا يبعد الثاني؛ لأن مع شمول الدليل الحاكم لتوسعة الوقت في الفرض يتمكن من الصلاة في وقتها في الثوب الطاهر، اللهم إلّا أن يقال إنه يستفاد مما ورد في التيمّم إذا خاف فوت الصلاة في وقتها الظاهر في وقتها الأولي أنه يراعى الوقت الأولي مع رعاية سائر الشرائط أيضاً.

هذا كلّه بناء على جواز الصلاة في الثوب المتنجس أو وجوبه مع عدم التمكن على الثوب الطاهر، و أما بناء على تعين الصلاة عارياً كما عليه جماعة يتعين إلقاء الثوب المتنجس و استيناف الصلاة عارياً بناء على التوسعة في الوقت أو إتمامها عارياً بناء على تقديم رعاية الوقت على سائر الشرائط.

العلم بالنجاسة في الأثناء مع سعة الوقت‌

(1) قد تقدم أن المستفاد مما ورد في الرعاف أثناء الصلاة اشتراط طهارة البدن في الأجزاء الباقية و كذا من صحيحة زرارة (1) الدالة على أن مع احتمال حدوث النجاسة بالفعل يغسل الثوب و يبني على الصلاة، و قد صرح في بعض روايات الرعاف أنه مع عدم التمكن من الغسل أثناء الصلاة يقطعها و يغسل الدم و يستأنف الصلاة، و في صحيحة عمر بن اذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سأله عن الرجل يرعف و هو في الصلاة و قد صلى بعض صلاته؟ فقال: «إن كان الماء عن يمينه أو عن شماله أو عن خلفه فليغسله من غير أن يلتفت، و ليبن على صلاته، فإن لم يجد الماء حتى يلتفت‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 482- 483، الباب 44 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

27

عليه (1).

و أمّا إذا كان ناسياً فالأقوى وجوب الإعادة أو القضاء مطلقاً (2)، سواء تذكر بعد الصلاة أو في أثنائها، أمكن التطهير أو التبديل أم لا.

____________

فليعد الصلاة» (1).

و في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سألته عن الرجل يصيبه الرعاف و هو في الصلاة؟ فقال: «إن قدر على ماء عنده يميناً أو شمالًا أو بين يديه و هو مستقبل القبلة فليغسله عنه ثمّ ليصل ما بقي من صلاته، و إن لم يقدر على ماء حتى ينصرف بوجهه أو يتكلم فقد قطع صلاته» (2) إلى غير ذلك.

العلم بالنجاسة في الأثناء مع ضيق الوقت‌

(1) قد تقدم الكلام في ذلك و ما إذا كان ضيق الوقت بحيث يوجب تطهير الثوب أو تبديله وقوع بعض الصلاة خارج وقتها حيث ذكرنا إمكان استفادة رعاية الوقت من بعض ما ورد في تعين التيمم مع ضيق الوقت فراجع.

الصلاة في النجاسة نسياناً‌

(2) المنسوب (3) إلى المشهور قديماً و حديثاً بطلان الصلاة مع النجاسة المنسية سواء كان في الثوب أو البدن و بلا فرق بين التذكر قبل خروج الوقت أو بعده.

و عن الشيخ في الاستبصار (4) و العلامة (5) في بعض كتبه التفصيل بين التذكر في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 7: 238، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 239، الحديث 6.

(3) نسبه السيد الحكيم في المستمسك 1: 537. و السيد الخوئي في التنقيح 3: 367.

(4) الاستبصار 1: 184.

(5) منتهى المطلب 3: 308.

28

..........

____________

الوقت فيعيد و إن تذكر خارجه فلا يعيد، بل ربّما ينسب ذلك إلى الشهرة بين المتأخرين (1)، و عن جماعة الالتزام بعدم وجوب الإعادة و لا القضاء، و حكى ذلك عن الشيخ في بعض أقواله و استحسنه المحقق في المعتبر (2) و جزم به صاحب المدارك (3).

و كيف ما كان فالظاهر أن الاختلاف في الأقوال ناش عن اختلاف الروايات و لحاظ الجمع بينها فإن طائفة منها ظاهرها وجوب الأداء و القضاء في فرض نسيان نجاسة الثوب أو البدن كصحيحة عبد اللّه بن أبي يعقور قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به ثمّ يعلم فينسى أن يغسله فيصلّي ثمّ يذكر بعد ما صلّى أ يعيد صلاته؟ قال: «يغسله و لا يعيد صلاته إلّا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله و يعيد صلاته» (4).

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه و هو لا يعلم فلا إعادة عليه و إن هو علم قبل أن يصلي فنسي و صلّى فيه فعليه الإعادة» (5).

و موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرى بثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي؟ قال: «يعيد صلاته كي يهتم بالشي‌ء إذ كان في ثوبه،

____________

(1) الناسب هو البحراني في الحدائق 5: 418.

(2) المعتبر 1: 441.

(3) المدارك 2: 348.

(4) وسائل الشيعة 3: 429- 430، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(5) المصدر السابق: 476، الباب 40، الحديث 7.

29

..........

____________

عقوبة لنسيانه» (1).

و صحيحة زرارة قال: قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‌ء من مني فعلمت أثره إلى أن أُصيب له الماء فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت أن بثوبي شيئاً و صليت ثمّ إني ذكرت بعد ذلك قال: «تعيد الصلاة و تغسله» (2) الحديث.

أضف إلى ذلك الروايات التي ورد فيها أنه لو علم إصابة الدم أو الجنابة أو غيرهما ثمّ صلى أو ضيع غسله و صلى يعيد صلاته فإنها و إن تعم الجاهل بالحكم إلّا أن بعضها ظاهرة في خصوص ناسي الموضوع كرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم الحديث (3).

و كصحيحة عبد الرحمن بن عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة إنسان أو سنور أو كلب أ يعيد صلاته؟ قال: «إن كان لم يعلم فلا يعيد» (4) فإن مفهوم الشرطية إذا كان يعلم فيعيد فإن حمل مثل ذلك على من يصلي في النجاسة مع الجهل بحكم العذرة و نجاستها، أو اشتراط الصلاة بطهارة الثوب عنها بعيد، حيث كانت نجاسة العذرة و اشتراط الصلاة بطهارة الثوب و غسله عن العذرة في زمانه (عليه السلام) أمراً معروفاً عند العامة و الخاصة فحمل مثل هذه على الجاهل بالحكم خاصة من الحمل على الفرد النادر.

و لكن في مقابل هذه الروايات صحيحة أبي العلا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 480- 481، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 5.

(2) التهذيب 1: 421، الباب 22، الحديث 8.

(3) وسائل الشيعة 3: 477، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 10.

(4) المصدر السابق: 475، الحديث 5.

30

..........

____________

عن الرجل يصيب ثوبه الشي‌ء ينجسه فينسى أن يغسله فيصلي فيه ثمّ يذكر أنه لم يكن غسله أ يعيد الصلاة؟ قال: «لا يعيد قد مضت الصلاة و كتبت له» (1) و ربما يجمع بينها و بين هذه بحمل الأمر بالإعادة فيها على الاستحباب كما تقدم نظير هذا الجمع من الحكم باستحباب الإعادة في بعض الأخبار المتقدمة الوارد فيها الأمر بالإعادة في صورة الجهل بالموضوع.

أقول: حمل الأمر على الاستحباب بقرينة الطائفة الأُخرى الصريحة في الترخيص في الترك لكون ذلك من موارد الجمع العرفي بين الطائفتين يختص بما إذا كان الظهور الأولي للأمر أو النهي التكليف لا الإرشاد إلى الوضع مثلًا إذا ورد الأمر بالوضوء من خروج المذي و صرح في بعض الروايات بعدم كونه ناقضاً، فلا يحمل الأمر على الاستحباب، خصوصاً فيما إذا كان الأمر- أي ظاهره- في الإرشاد إلى الناقضية مثل مذهب العامة أو بعضهم، و المقام من هذا القبيل فإن الأمر بالإعادة إرشاد إلى اشتراط طهارة الثوب للصلاة كما أن نفيها إرشاد إلى الإجزاء بسقوطها عن الشرطية بنسيانها، و كما إذا ورد اشتراطها عند النسيان أيضاً في جملة خبرية تكون معارضة بما دل على عدم اشتراطها حال النسيان كذلك ما إذا كان الإرشاد بلسان الأمر أو النهي، مع أن صحة الصلاة مع نسيان نجاسة الثوب مذهب بعض العامة كما نقل عنهم، و أيضاً بعض الروايات الواردة فيها الأمر بالإعادة تأبى عن الحمل على الاستحباب كموثقة سماعة، فإن العقوبة على النسيان لا تحصل بالأمر بالإعادة استحباباً فإن الاستحباب لا يعد عقوبة مع أنه ثابت عندهم في صورة الجهل بالموضوع أيضاً.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 480، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

31

..........

____________

و قد يستدل أيضاً على صحة الصلاة في الثوب المتنجس أو مع البدن المتنجس نسياناً بالموضوع بحديث رفع النسيان (1) و حديث «لا تعاد» (2) بناءً على ما تقدم من أن المراد بالطهور فيه في ناحية المستثنى خصوص الطهارة الحدثية، و بما في ذيله في بعض الروايات: «لا ينقض السنة الفريضة» (3) حيث إن ظاهره ما يعتبر في الصلاة بالسنة لا يوجب بطلانها كنسيان التشهد و نحوه، و منه اعتبار الطهارة الخبثية في الثوب و البدن.

أقول: إذا تذكر بعد خروج الوقت بأنه صلى في النجس فلا يعمه حديث رفع النسيان فضلًا عن التذكر في الوقت، و ذلك لوجهين:

الأول: أن حديث الرفع يرفع التكليف عن المنسي أي ما تعلق به لو لا النسيان و التكليف في المقام يتعلق بالصلاة بين الحدين في الثوب الطاهر، بمعنى أن المطلوب صرف وجودها و المكلف غير ناس لهذا التكليف و لا متعلقه‌

و لو في جزء من الوقت ليرفع عنه هذا التكليف بالنسيان، و إنما اعتقد أن ما أتى به صرف وجود لتلك الطبيعة نسياناً لإصابة البول أو غيره ثوبه أو بدنه.

الثاني: إن شأن حديث رفع النسيان رفع التكليف عن المنسي لا إثباته بغيره من سائر الأجزاء و القيود فإثبات تعلق التكليف بالخالي عن المنسي يحتاج إلى دليل، و مما ذكر أنه دعوى الانحلال في مانعية النجاسة لا يصحح جريان رفع النسيان في المقام.

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 373، الباب 12 من أبواب لباس المصلي، الحديث 8.

(2) المصدر السابق 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(3) المصدر السابق 5: 470- 471، الباب الأول من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 14.

32

..........

____________

بل مما تقدم من الأخبار الظاهرة في وجوب إعادة الصلاة التي صلاها مع نسيان النجاسة دليل على عدم ثبوت التكليف بالخالي.

و بهذا يظهر أنه لا يمكن التمسك لإثبات الصحة في المقام بحديث «لا تعاد» و لا بما في ذيله، و الوجه في الظهور أن الأخبار الدالة على لزوم الإعادة خاص بالإضافة إلى حديث «لا تعاد» أي بالإضافة إلى إطلاق المستثنى منه فيه، فيرفع بها اليد عن الإطلاق و العموم، و هكذا بالإضافة إلى ما في ذيله فتدبر.

ثمّ إنه قد تقدم عن الشيخ في الاستبصار و عن جماعة التفصيل في نسيان الموضوع بالالتزام بوجوب الإعادة مع التذكر في الوقت و عدم وجوب القضاء مع التذكر خارج الوقت جمعاً بين صحيحة أبي العلاء و سائر الأخبار بشهادة صحيحة علي بن مهزيار قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره: أنه بال في ظلمة الليل و أنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه و لم يره، و أنه مسحه بخرقة ثمّ نسي أن يغسله و تمسح بدهن، فمسح به كفيه و وجهه و رأسه ثمّ توضأ وضوء الصلاة فصلّى؟

فأجابه بجواب قرأته بخطه: «أما ما توهّمت مما أصاب يدك فليس بشي‌ء إلّا ما تحقّق، فإن حققت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، و ما فات وقتها فلا إعادة عليك لها، من قبل إن الرجل إذا كان ثوبه نجساً لم يعد الصلاة إلّا ما كان في وقت، و إذا كان جنباً و صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته؛ لأن الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك إن شاء اللّٰه» (1) فالوجه في كونها شاهد جمع أن إجمال صدرها لا يضر‌

____________

(1) الاستبصار 1: 184. و الوسائل 3: 479، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

33

..........

____________

بظهور الكبرى الكلية الواردة في ذيلها مع أنه لا إجمال في صدورها بناءً على عدم تنجيس المتنجس؛ لأن المتنجس في الفرض الكف، و بعد مسحها بخرقة لا تكون منجسة لماء الوضوء ليبطل الوضوء و الأمر بإعادة الصلوات التي صلاها بذلك الوضوء ما دام في الوقت لنجاسة الكف، و بالوضوء ثانياً تطهر الكف فلا إعادة و لا قضاء بالإضافة إلى الصلوات بالوضوء الثاني.

أقول: قد تقدم عدم صحة توجيه الرواية بما ذكر، فإن اليد بناء على عدم تنجس المتنجس تطهر بإدخالها في الإناء ثانياً لأخذ الماء لغسل الوجه أو تطهر بغسلها ثانياً عند غسلها بعد الوجه فتكون الكف طاهرة بعد ذلك الوضوء أيضاً فلا وجه لإعادتها في الوقت.

لا يقال: لم يؤخذ عنوان الناسي في ذيلها ليقال مقتضاه عدم الإعادة على الناسي.

فإنه يقال: مع أن صدرها قرينة عليه الذيل يختص بالناسي بعد تقييده بما دل على عدم وجوب الإعادة حتى في الوقت على الجاهل بالموضوع.

و ربما يقال: بعدم إمكان الاعتماد على ما في ذيلها أيضاً لعدم إحراز أن الجواب من الإمام (عليه السلام) حيث إن سليمان بن رشيد مجهول و من المحتمل أنه كتب ذلك إلى أحد قضاة العامة و تصدى علي بن مهزيار لنقله (1).

فإنه يقال: لم يعهد من علي بن مهزيار التصدي للنقل من القضاة، فلتلاحظ المكاتبات التي تصدى لنقلها أو كتب بنفسه إليه (عليه السلام) فإنه أبو جعفر الثاني.

و الصحيح في الجواب أن ما في ذيل المكاتبة معارض بما دل على ثبوت القضاء‌

____________

(1) التنقيح في شرح العروة 3: 376.

34

..........

____________

في فرض العلم بالنجاسة قبل الصلاة و في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: «و إذا كنت قد رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله و صليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه» (1) فإن إعادة الصلوات الكثيرة لا تكون إلّا بقضائها كلها أو أكثرها مع نسيان النجاسة حيث إنه لا يحتمل في حق محمد بن مسلم التضيّع بمعنى جهالة نجاسة الدم أو اشتراط طهارة الثوب، بل يتعين كونه بمعنى نسيانها و مع تساقطهما يكون المرجع إطلاق اشتراط الغسل و طهارة الثوب.

و أما ما ورد من عدم الإعادة على ناسي الاستنجاء فمع أنه معارض بما ورد في الأمر بالإعادة من نسيانه لا يمكن التعدي منه إلى نجاسة الثوب أو سائر نجاسة البدن؛ لاحتمال اختصاص الحكم بنسيانه، و يأتي الكلام فيه في محله.

ثمّ إنه لا فرق في الحكم بالبطلان مع نسيان النجاسة بالتذكر بعد الصلاة أو في أثنائها، فإنه إذا كان الالتفات في الأثناء بسبق النجاسة موجباً للبطلان مع الجهل فيكون مع النسيان أولى؛ لأنه لا يحتمل أن يكون العلم بالنجاسة قبل الصلاة موجباً لصحتها، أضف إلى ذلك ما ورد في التذكر بعدم الاستنجاء و في أثناء الصلاة حيث إنه لا يحتمل أن يكون الاستنجاء و نسيانه أشد حكماً من نسيان سائر النجاسات بملاحظة ما ورد فيه من خصوصية التهاون و التخفيف في الحكم، و ما في رواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة التي ناقشنا في سندها؛ لكونها منقولة عن مستطرفات السرائر عن مشيخة الحسن بن محبوب من قوله (عليه السلام): «و إن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثمّ رأيته بعد و أنت في صلاتك فانصرف فاغسله و أعد صلاتك» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 431، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحديث 6.

(2) السرائر 3: 592.

35

[ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً كجاهله]

(مسألة 1) ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً كجاهله في وجوب الإعادة و القضاء (1).

____________

و كذا لا فرق بين إمكان تطهير الثوب عن تلك النجاسة المنسية أثناء الصلاة أو إلقائه و عدم إمكان ذلك، فإن سبق النجاسة موجب لبطلانها مع الجهل فكيف بالنسيان مع إطلاق ما ورد في المشيخة و الاستنجاء.

هذا كله في سعة الوقت للإعادة بعد التطهير أو الإلقاء، و أما في ضيقه فقد تقدم الكلام فيه في الجاهل و يجري الكلام المتقدم في المقام أيضاً و لعله لذلك لم يتعرض له المصنف (رحمه الله).

ناسي الحكم تكليفاً أو وضعاً‌

(1) و كأن نظره (قدس سره) أن ناسي الحكم أي نجاسة ما أصاب ثوبه أو بدنه أو اشتراط صلاته بغسل ثوبه مما أصابه داخل في الإطلاق من قوله (عليه السلام) «إن كان علم أنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي ثمّ صلى فيه و لم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى» (1) و كذا غيره مما هو بمضمونه، و لكن قد تقدم في الجاهل بالحكم نفي البعد عن كون مقتضى «لا تعاد» (2) نفي الإعادة في صورة القصور، و يجري ذلك الكلام في ناسي الحكم أيضاً و ما هو خارج عن مدلول «لا تعاد» تخصيصاً نسيان الموضوع، و أما ناسي الحكم فهو باقٍ في إطلاق المستثنى منه.

نعم، لو التزم بالتعارض بين حديث «لا تعاد» و الإطلاق المتقدم بالعموم من وجه كان المرجع إطلاق أدلة الاشتراط على ما تقدم.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 475، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) المصدر السابق 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

36

[لو غسل ثوبه النجس و علم بطهارته ثمّ صلى فيه و بعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته فالظاهر عدم وجوب الإعادة عليه]

(مسألة 2) لو غسل ثوبه النجس و علم بطهارته ثمّ صلى فيه و بعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته فالظاهر أنه من باب الجهل بالموضوع، فلا يجب عليه الإعادة أو القضاء (1)، و كذا لو شك في نجاسته ثمّ تبين بعد الصلاة أنه كان نجساً (2).

____________

الجهل بالموضوع‌

(1) و يشهد لذلك صحيحة ميسر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فاصلي فيه فإذا هو يابس، قال: «أعد صلاتك، أما أنك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شي‌ء» (1) حيث ظاهر ذيلها أن النجاسة المعلومة سابقاً مع الاعتقاد بإزالتها لا تضر بصحة الصلاة و إن انكشف بعد ذلك خطأ الاعتقاد، بل يمكن أن يستفاد من التعليل الوارد في صحيحة زرارة (2) بعدم الإعادة أن الحجة على طهارة الثوب في حال الصلاة كافية في الحكم بإجزائها حتى مع انكشاف وقوعها في الثوب النجس، فإنه لا يحتمل أن يكون الإحراز بالاستصحاب له خصوصية، بل مفاد الاستصحاب كما ذكرنا في محله العلم بطهارة الثوب حال الصلاة و لكن العلم اعتباري يثبت في اليقين الحقيقي أيضاً بالفحوى.

(2) لأن الشك حال الصلاة في نجاسة ثوبه و كذلك قبلها لا يوجب صدق عنوان العلم بالنجاسة قبل الصلاة الموضوع لوجوب الإعادة و القضاء، بل صحيحة زرارة (3) ظاهرها أن الشك في الإصابة و لو مع بقائه حال الصلاة لا يضر بها و أن علم بعد الصلاة أنها كانت في ثوبه قبل الصلاة.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 428، الباب 18 من أبواب النجاسات.

(2) المصدر السابق: 477، الباب 41، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق.

37

و كذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته (1) أو شهدت البيّنة بتطهيره ثمّ تبين الخلاف، و كذا لو وقعت قطرة بول أو دم مثلًا و شك في أنها وقعت على ثوبه أو على الأرض ثمّ تبين أنها وقعت على ثوبه (2) و كذا لو رأى في بدنه أو

____________

(1) المراد بالوكيل من أوكل إليه غسل ثوبه و تطهيره، فإنه لو أخبر بتطهيره أو شهدت البينة على تطهيره فصلى فيه ثمّ ظهر الخلاف فلا يجب عليه الإعادة و القضاء؛ لأنه كان عالماً بطهارة ثوبه في حال على ما هو مقتضى اعتبار البيّنة أو قول الوكيل الذي يدخل في إخبار ذي اليد على ما تقدم.

نعم، صدر صحيحة ميسر: «آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله ...» (1) ظاهره أنه لو كانت الحجة على طهارة الثوب المعلوم نجاسته سابقاً أصالة الصحة الجارية في فعل الغير فتلك، و إن كانت معتبرة ما لم ينكشف الخلاف؛ و لذا يجوز الدخول في الصلاة في الثوب المزبور إلّا أنها لا توجب الاجزاء، فيرفع اليد عن ظهور التعليل الوارد في صحيحة زرارة (2) بالإضافة إلى هذا المورد، خاصة و يلتزم به في غيره من موارد إخبار ذي اليد بطهارة الثوب، أو يلتزم بأن إخبار من أوكل إليه غسل الثوب و أن يعتبر في جواز الدخول في الصلاة، إلّا أنه خارج عن الإجزاء في مورد كشف الخلاف، و سواء كان الدخول في الصلاة بأصالة الصحة في غسله أو إخباره بتطهيره، حيث إنّ صدر الصحيحة بالإضافة إلى عدم الإجزاء مطلق كما لا يخفى.

(2) لا يحتمل أن يكون العلم التفصيلي بنجاسة الثوب موجباً لعدم جواز الصلاة فيه، و لا يكون غير ذلك موجباً لعدم الجواز، فإنّ لازم ذلك جواز الصلاة في أحد الثوبين أو كلاهما مع العلم بنجاسة أحدهما مع أنه يأتي النص على عدم جواز ذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 428، الباب 18 من أبواب النجاسات.

(2) المصدر السابق: 477، الباب 41، الحديث الأول.

38

ثوبه دماً و قطع بأنه دم البق أو دم القروح المعفوّ، أو أنه أقل من الدرهم أو نحو ذلك ثمّ تبين أنه مما لا يجوز الصلاة فيه، و كذا لو شك في شي‌ء من ذلك ثمّ تبيّن أنه مما لا يجوز (1) فجميع هذه من الجهل بالنجاسة لا يجب فيها الإعادة أو القضاء.

____________

و لزوم تكرار الصلاة في كل منهما، و كذلك لا يحتمل أن يكون العلم الإجمالي بنجاسة ثوب أو شي‌ء آخر لا يدخل في قدرته أو ابتلائه موجباً لعدم جواز الصلاة في الثوب المقدور أو الداخل في الابتلاء، و عليه فلا بد من التفصيل في فرض المتن، بأنه إذا لم يكن لنجاسة الأرض أثر بالإضافة إليه كما إذا كان واجداً للماء و لم تكن الأرض صالحة للسجود عليه تجوز الصلاة في الثوب المزبور، و إلّا فالعلم الإجمالي المزبور حجة على نجاسته.

اللهم إلّا أن يقال فرق بين العلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين أو الثياب و بين العلم الإجمالي بنجاسته أو نجاسة الأرض، فإنّ الأول كالعلم الإجمالي بنجاسة أحد طرفي الثوب داخل في أخبار الباب كما ذكرنا، بخلاف العلم بنجاسة الثوب أو الأرض و لكن هذا مجرد دعوى يظهر وجهه بالتأمل.

(1) هذا بناءً على جواز الدخول في الصلاة مع الشك في عفو الدم أو كونه أقل من الدرهم، و أما بناءً على عدم جواز الدخول كما يأتي عن الماتن فيحكم ببطلان الصلاة لوقوعها مع قيام الحجة على النجاسة المانعة فيها.

و بتعبير آخر ذكر الماتن فيما إذا شك في كون الدم من القروح و الجروح، بأن الأحوط عدم جواز الصلاة فيه، و كأن نظره (قدس سره) أن الدم المحرز في الثوب أو البدن مانع أو إزالته شرط في الصلاة، و إلّا إذا كان من الجرح أو القرح فإنه معفو ما دام الجرح أو القرح، و عليه فيمكن إحراز عدم العفو بعدم كونه من الجرح أو القرح فيدخل في عموم المنع، و كذلك إذا شك في كون الدم أقل من الدرهم أو أكثر فإنه لا يصلي فيه إلّا إذا كان‌

39

[لو علم بنجاسة شي‌ء فنسي و لاقاه بالرطوبة و صلى ثمّ تذكر فالظاهر عدم وجوب الإعادة]

(مسألة 3) لو علم بنجاسة شي‌ء فنسي و لاقاه بالرطوبة و صلى ثمّ تذكر أنه كان نجساً و أن يده تنجست بملاقاته، فالظاهر أنه أيضاً من باب الجهل بالموضوع (1)، لا النسيان لأنه لم يعلم نجاسة يده سابقاً، و النسيان إنما هو في نجاسة شي‌ء آخر غير ما صلى فيه، نعم لو توضأ أو اغتسل قبل تطهير يده و صلى كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله (2).

____________

مسبوقاً بكونه أقل من الدرهم، فإن مقتضى الاستثناء أن موضوع العفو الدم الموصوف بأنه أقل، فباستصحاب عدم كونه أقل ينفي موضوع العفو.

و على ما ذكره (قدس سره) هناك أن الحكم بصحة الصلاة و لو مع انكشاف وقوعها في دم غير القروح أو غير الأقل مبني على ما ذكره غيره من جواز الدخول في الصلاة حتى في الفرضين، بدعوى أن الاستصحاب في عدم كون المشكوك من الجرح أو القرح استصحاب في العدم الأزلي و لا يعتبر مطلقاً، أو في مثل المقام مما ليس الوصف من عوارض الوجود، و يأتي الكلام في ذلك تفصيلًا إن شاء اللّٰه تعالى.

(1) حيث إن المفروض كونه ناسياً نجاسة ذلك الشي‌ء لا نجاسة يده فتكون الصلاة لوقوعها مع الجهل بنجاسة يده محكومة بالصحة، و لا يصدق عرفاً بأنه كان ناسياً لنجاسة يده، بل يصدق أنه كان جاهلًا بها، و إنما كان ناسياً لنجاسة ما لاقته يده.

(2) بناءً على أن من شرط الوضوء و الغسل طهارة الأعضاء، أو طهارة عضوه الذي يغسله للوضوء أو الغسل، و أما ما لو لم يعتبر ذلك، و كان غسل العضو بحيث يطهر بالوضوء فلا موجب لبطلان صلاته لطهارته من الحدث و الخبث.

40

[إذا انحصر ثوبه في نجس فإن لم يمكن نزعه حال الصلاة صلّى فيه]

(مسألة 4) إذا انحصر ثوبه في نجس فإن لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلّى فيه (1)

____________

انحصار الثوب بالمتنجس و عدم إمكان غسله‌

(1) إذا لم يتمكن- من ينحصر ثوبه في نجس و لا يقدر على غسله- من صلاة العراة للاضطرار إلى لبس الثوب للبرد و نحوه يصلي فيه، مع أن العاري في مورد الناظر المحترم يصلي قاعداً مومئاً لركوعه و سجوده، و مع عدمه يصلي قائماً كذلك، و تعين الصلاة في ثوب متنجس مع عدم التمكن من نزعه لبرد و نحوه في مجموع وقت الصلاة مما لا خلاف فيه، و لم يعهد و لم ينقل من فقيه التزامه بسقوط فرض الصلاة بذلك.

و يشهد له ما ورد في موارد مختلفة من الروايات، كالروايات التي وردت في الصلاة في الثوب و البدن المتنجسين من صاحب القروح و الجروح و في صلاة من به سلس أو بطن فإنه يصلي مع نجاسة بدنه، و في صلاة العراة فإنه إذا لم يسقط فرض الصلاة بعدم التمكن على ثوب أصلًا فلا يحتمل سقوطها بعدم التمكن من ثوب طاهر و غير ذلك.

كما يشهد له ما ورد في الصلاة في ثوب متنجس إذا لم يكن له ثوب آخر و لم يقدر على غسله كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوب ليس معه غيره و لا يقدر على غسله؟ قال: «يصلي فيه» (1)، فإن المتيقن من هذه صورة عدم التمكن على النزع لبرد و نحوه، و لا يعارضها في هذه الجهة شي‌ء من الأخبار على ما يأتي.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 484، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

41

..........

____________

بل يمكن أن يقال إنه لا إطلاق في ناحية ما دل على اشتراط طهارة الثوب في الصلاة بحيث يعم فرض الاضطرار في تمام الوقت و يقتضي سقوط الأمر بالصلاة.

و بتعبير آخر لم يرد في شي‌ء من الخطابات لا صلاة إلّا في ثوب طاهر، أو اغسل ثوبك للصلاة من الخبث و نحو ذلك، ليقال: إن النفي أو الأمر الإرشادي يعم صورة الاضطرار حيث لا يتقيد متعلقه بالتمكن منه، بل عمدة ما ورد في الاشتراط ما ورد في بيان أحكام كالصلاة في النجس نسياناً أو جهلًا أو غير ذلك من الموارد بحيث يعلم منها اشتراط الصلاة بطهارة الثوب.

و عمدة ما يقال من الإطلاق ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)، و أما البول لا بد من غسله» (1) بدعوى ظهور الطهور في هذه الصحيحة فيما يعم الخبث بقرينة التعرض للاستنجاء بالأحجار و أنه يختص بموضع النجو فلا بد من غسل موضع البول، و لكن لو سلم عمومه للخبث فلا يستفاد منها إلّا اعتبار طهارة البدن من الخبث لا طهارة ثياب المصلي أيضاً؛ و لذا لو لم يكن في البين الروايات المشار إليها التي استفيد منها اعتبار طهارة الثوب لما أمكن استفادة اعتبارها من الصحيحة.

و أما ما ورد في أن كل ما لا تتم الصلاة فيه بمفرده فلا بأس بالصلاة فيه مع نجاسته (2)، فالمستفاد منه اعتبار طهارة ما تتم الصلاة فيه في الجملة لا في جميع الأحوال حتى حال الاضطرار و نسيان النجاسة أو الجهل بها.

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 315، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث الأول.

(2) الهداية: 73، و انظر وسائل الشيعة 3: 455- 457، الباب 31 من أبواب النجاسات، الحديث 1 و 5.

42

..........

____________

لا يقال: لا بأس بالإطلاق في مثل صحيحة علي بن مهزيار من قوله (عليه السلام): «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله» إلى أن قال: «و إن صليت فيه فأعد صلاتك» (1) فإن مقتضاها لزوم إعادتها في ثوب طاهر، و إن كان قد صلى في ذلك الثوب النجس مع الاضطرار و عدم إمكان النزع.

فإنه يقال: لا تعم الرواية صورة الاضطرار في بعض الوقت فضلًا عن أن تعم صورة الاضطرار في جميعه، كما هو المفروض فعلًا، بل ظاهرها صورة الصلاة في الثوب المتنجس بالخمر جهلًا بنجاسة الخمر، فالسؤال وقع عن نجاسة الخمر و طهارته مع الفراغ عن أنها على تقدير نجاستها لا يجوز الصلاة في ثوب يصيبها فلاحظها من أولها إلى آخرها.

و على الجملة المفروض في الصحيحة ثبوت التكليف في الوقت بالصلاة في ثوب طاهر؛ و لذا حكم (عليه السلام) بإعادتها و المكلف كان قد صلى في ثوب أصابه خمر جهلًا بنجاسة الخمر، فالفقرة المزبورة ناظرة إلى أن الجهل بنجاسة الثوب بالشبهة الحكمية لا تصحح الصلاة فيه فتجب إعادتها، فهي نظير ما ورد في لزوم الإعادة على الناسي فإنه لا نظر له إلى الناسي الذي لم يكن له ثوب غيره و لم يكن متمكناً من غسله إلى آخر الوقت.

ثمّ إنه لا يترتب على عدم الإطلاق فيما استفيد منه اعتبار طهارة الثوب في الصلاة أن يحكم على المضطر إلى لبس الثوب النجس بوجوب الصلاة عليه أخذاً بإطلاق خطابات وجوب الصلاة على المؤمنين أو بخطابات وجوبها بدخول أوقاتها، حيث‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 468- 469، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 2.

43

و لا يجب عليه الإعادة أو القضاء (1).

____________

إنها بالإضافة إلى متعلق الوجوب أي الصلاة مجملة أو مهملة على القولين الصحيحي و الأعمي.

و إذا احتملنا اشتراط نفس الصلاة بشي‌ء يكون المؤمن فاقداً له في الوقت فلم يحرز أن فعله بدونه صلاة لا يحكم بوجوبها عليه، فالعمدة في وجوب الصلاة على غير المتمكن من نزع النجس ما تقدم من الشهود، مع أنه يمكن أن يدعي الإطلاق في بعض ما ورد في مانعية نجاسة الثوب، و في موثقة عمار: «و لا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل» (1) فإن مفادها عدم تحقق الصلاة في الثوب المزبور فلاحظ و تدبر.

(1) أما عدم وجوب القضاء فكأنه متسالم عليه بين الأصحاب، نعم حكى عن الشيخ (قدس سره) في موضع أن القضاء أحب إلي أو أولى، و الوجه في عدم وجوب القضاء عدم فوت الفريضة على المكلف و فرض أنه كان مكلفاً بالصلاة في الثوب المزبور فصلاته كصلاة سائر أُولي الأعذار.

و أما موثقة عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سئل عن رجل ليس عليه إلّا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماءً يغسله، كيف يصنع؟ قال: «يتيمم، و يصلي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة» (2) و الإعادة ظاهرها معناها اللغوي فتشمل الرواية وجدان الماء خارج الوقت فيكون ظاهرها وجوب القضاء، و وجوبه يكشف عن فوت الصلاة في وقتها و لو بمرتبة من ملاكها فلا يتوهم استفادة وجوب القضاء منها في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 470، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

(2) المصدر السابق: 392، الباب 30 من أبواب التيمم، الحديث الأول.

44

..........

____________

الفرض لما سنبين من أن المفروض فيها تمكن المكلف من نزع الثوب المتنجس بقرينة ما فرض فيها: من عدم وجود الماء ليغسله، حيث إن الغسل يحتاج إلى نزع الثوب غالباً و يلبس بعد جفافه نوعاً.

و ظاهر الرواية أنه لو كان له ماء لكان ذلك الغسل ممكناً و مع الإغماض عن ذلك و فرض أنها تعم صورة عدم إمكان النزع، و بأنه لو كان الماء لأمكن غسله بلا نزعه أيضاً، فالمفروض فيها التيمم للصلاة فتكون من بعض الروايات الواردة في أن من أتى بالفريضة مع تيمم يعيدها مع الوضوء المحمولة على الاستحباب بقرينة ما ورد في إجزائها، هذا بالإضافة إلى غير المتمكن على الطهارة المائية في تمام الوقت.

و أما بالإضافة إلى التمكن منها فلا بأس بالأخذ بظاهرها و الالتزام بوجوب الإعادة عليه حتى لو كان عند تيممه معتقداً بعدم وجدان الماء إلى آخر الوقت؛ لأنه يعتبر في وجوب الصلاة مع الطهارة المائية التمكن من صرف وجودها و لو في آخر الوقت، و ما دل على مشروعية التيمّم ظاهره عدم التمكن من صرف الوجود المزبور في الوقت المضروب لها.

و لو اعتقد المحدث بقاء عدم تمكنه من الماء إلى آخر الوقت و صلى مع تيمّم فلا يمكن تصحيح صلاته في فرض حصول التمكن من الماء قبل خروج الوقت بحديث «لا تعاد» (1)، حيث إن الإخلال بالطهارة المائية و لو كان لعذر، و باعتقاد أن عدم تمكنه باقٍ إلى آخر الوقت داخل في الخمس التي لا تعاد الصلاة منها مطلقاً.

نعم، لو تيمّم المكلف لصلاة مع عدم وجدان الماء لها في وقتها و بقي عذره إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

45

..........

____________

وقت صلاة أُخرى و يئس عن وجدان الماء لتلك الصلاة أيضاً و صلاها بذلك التيمم السابق ثمّ وجد الماء قبل خروج وقتها أو في أثناء صلاته تجزي تلك الصلاة و لا تحتاج إلى الإعادة للروايات الخاصة.

و مما ذكرنا يظهر أن غير المتمكن من تطهير ثوبه في بعض الوقت مكلف بالصلاة مع طهارة الثوب لتمكنه من صرف وجودها، نعم لو صلى في الثوب النجس باعتقاد أن اضطراره يبقى إلى آخر الوقت ثمّ طرأ التمكن قبل خروج الوقت يحكم بصحة المأتي بها، و لا تجب الإعادة أخذاً بحديث «لا تعاد» (1)، حيث إن الطهارة من الخبث من غير الخمس، و أنها تسقط عن الشرطية فيما إذا أخل المكلف بها عن عذر كسائر الأجزاء و الشرائط التي لا تدخل في الخمس، و هذا بخلاف من أحرز أن اضطراره في بعض الوقت، فإنه إذا تمكن في الوقت من تطهيره أو تبديله يتعين عليه الإعادة.

و لعل الماتن أيضاً يريد بنفي الإعادة الفرض السابق لا هذا الفرض و لا يريد جواز البدار واقعاً الملازم للإجزاء حتى مع العلم بارتفاع عذره في آخر الوقت كما هو ظاهر جماعة، بل نسب إلى المشهور الإجزاء مطلقاً الظاهر في جواز البدار، و عن الشيخ و ابن الجنيد و جمع وجوب الإعادة (2)، و كيف كان فظاهر أدلة الاضطراري جعل البدل لنفس المأمور به الاختياري لا جعله لفرده الاختياري، بأن يكون عدم التمكن على فرد من الاختياري موضوعاً لجواز الإتيان بالبدل، بل كما ذكرنا عدم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 1: 371- 372، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.

(2) المستمسك 1: 543. المسألة 4.

46

و إن تمكن من نزعه ففي وجوب الصلاة فيه أو عارياً أو التخيير وجوه، الأقوى الأول (1) و الأحوط تكرار الصلاة.

____________

التمكن من صرف الوجود من الاختياري في الوقت المضروب له موضوع لجواز الإتيان به.

(1) و منشأ الخلاف اختلاف الروايات، و قد يقال بأنها متعارضة فلا بد من الترجيح كما يقال بأن بينها جمعاً عرفياً فيجمع بينها و يقال أيضاً بأن المعتبر منها لا يختلف فيؤخذ بها و غير المعتبر منها لا يعمل به.

منها ما دل على تعين الصلاة في الثوب المتنجس مع عدم التمكن من غسله و تبديله بلا فرق بين الاضطرار إلى لبسه لبرد و نحوه، أم لم يكن له اضطرار كصحيحة محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله؟ قال: «يصلّي فيه» (1).

و صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في ثوب و ليس معه غيره و لا يقدر على غسله؟ قال: «يصلي فيه» (2).

و منها ما دل على تعين الصلاة في الثوب النجس مع فرض عدم الاضطرار إلى لبسه لبرد و نحوه، بل انحصار الثوب به و عدم إمكان غسله موضوع لهذا التعين كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة، فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه دم يصلّي فيه أو يصلي عرياناً؟ قال: «إن وجد ماءً غسله، و إن لم يجد ماءً صلى فيه و لم يصلّ عرياناً» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 484، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) المصدر السابق: الحديث 4.

(3) المصدر السابق: الحديث 5.

47

..........

____________

و لا يبعد أن تكون صحيحة محمد بن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره؟ قال: «يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله» (1) من قبيل صحيحة علي بن جعفر من فرض إمكان النزع و الصلاة عارياً.

و الوجه في ذلك أن قوله (عليه السلام) «فإذا وجد ماءً غسله» فرض عدم الماء في السؤال، بحيث لو كان الماء كان المتعين غسله المتوقف عادة في الإجناب فيه على نزعه و غسله و لبسه بعد جفافه، اللهم إلّا أن يقال لا ينحصر صدق الإجناب في الثوب بالإنزال فيه كما في الاحتلام، بل تعم غيره مما لا يتوقف غسله على النزع و اللبس بعد جفافه، فالرواية من الطائفة الأُولى تعم الاضطرار إلى اللبس لبرد و نحوه و عدم الاضطرار إليه.

و منها ما دل على تعين الصلاة عرياناً مومئاً للركوع و السجود كصلاة العراة، و بتعبير آخر الثوب المزبور كعدمه فيجري على المصلي المزبور حكم العاري كموثقة سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض و ليس عليه إلّا ثوب واحد و أجنب فيه و ليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: «يتيمّم و يصلي عرياناً قاعداً يومئ إيماءً» (2).

و في موثقته الأُخرى قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض فأجنب و ليس عليه إلّا ثوب فأجنب فيه و ليس يجد الماء قال: «يتيمم و يصلي عرياناً قائماً يومئ إيماءً» (3).

و ما رواه محمد بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أصابته جنابة و هو‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 484، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.

(2) المصدر السابق: 486، الباب 46، الحديث الأول.

(3) المصدر السابق: الحديث 3.

48

..........

____________

بالفلاة و ليس عليه إلّا ثوب واحد، و أصاب ثوبه مني؟ قال: «يتيمم و يطرح ثوبه و يجلس مجتمعاً فيصلي و يومئ إيماءً» (1).

و تكون مثل صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل عريان ليس معه ثوب؟ قال: «إذا كان حيث لا يراه أحد فليصل قائماً» (2) شاهد جمع بين الموثقة الأُولى و رواية الحلبي الدالة على اعتبار الجلوس و بين الموثقة الثانية الدالة على اعتبار القيام.

و الحاصل أن الأمر بالصلاة عارياً في هذه الطائفة قرينة على فرض عدم الاضطرار إلى لبس الثوب المزبور لبرد و نحوه، و عليه فالطائفتان أي الثانية و الثالثة متعارضتان بنحو التباين.

و قد يقال بأنه يترك الطائفة الثالثة و يؤخذ بالطائفة الأُولى و الثانية، و أما طرح الثالثة فلعدم اعتبارها في نفسها لأن ما رواه سماعة مضمرة لم يعلم أنه سأل عن الإمام (عليه السلام)، فإن سماعة و إن كان ثقة إلّا أنه ليس من أضراب زرارة و محمد بن مسلم بأن لا يحتمل سؤاله الحكم عن غير الإمام (عليه السلام)، و قد ذكر الشيخ (قدس سره) في موضع من التهذيب بعد نقله حديثاً لسماعة مضمراً أول ما فيه أنه مضمر فلعله سأل الحكم عن غير الإمام (عليه السلام) (3)، و رواية محمد بن علي الحلبي في سندها محمد بن عبد الحميد و لم يثبت له توثيق.

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 486، الباب 46 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) المصدر السابق: الحديث 2.

(3) تهذيب الأحكام 1: 16، ذيل الحديث 35.

49

..........

____________

فإن من ذكر وثاقته استظهرها من العبارة المحكية عن النجاشي قال: محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و كان ثقة له كتاب (1)، إلّا أن ظاهر الضمير في قوله و كان راجع إلى عبد الحميد لا إلى محمد بن عبد الحميد، و لو لم يكن هذا ظاهراً فلا أقل من إجماله، و عليه يتعين العمل بالطائفتين الأُولى و الثانية و مقتضاهما تعين الصلاة في الثوب النجس حتى مع عدم الاضطرار إلى لبسه.

أقول: مضمرات روايات سماعة التي وصلت إلينا كثيرة جداً و غير مضمراته أيضاً كثيرة مروية عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) و ليس فيها مورد سأل الحكم فيه عن غيرهما (عليهما السلام)، لنحتمل أن مضمراته أو بعضها من ذلك المورد، بل ثبت أن الإضمار و لو في بعضها كان من غير سماعة ممن يروون الحديث عنه بشهادة أن بعض رواياته مروية في الفقيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و نفس تلك الرواية رواها الشيخ بسند عنه مضمراً في التهذيب، و يحصل ذلك عادة في راو يروي في كتابه حديثين أو أحاديث عن سماعة متتالية، و يتبدل اسم الظاهر للإمام (عليه السلام) في الثاني أو الثالث بالضمير لسبق ذكره، ثمّ إذا روى شخص آخر تلك الأحاديث في كتابه مع التفريق يحصل الإضمار المزبور.

و يظهر ذلك بوضوح في ما صنعه الصدوق في الفقيه من ذكر رواية عن راو يروي الحكم عن الإمام (عليه السلام) ثمّ يذكر بعد ذلك رواية أُخرى عن ذلك الراوي و يقول و سأله أو و سأله (عليه السلام) ثمّ إذا أراد شخص رواية هاتين الروايتين في كتاب بلا تصرف في‌

____________

(1) رجال النجاشي: 339، الرقم 906.

50

..........

____________

النقل في موضعين منه يحصل الإضمار لا محالة.

و على الجملة فأمر مضمرات سماعة ظاهر لم أجد من يناقش فيها غير ما ذكر الشيخ في التهذيب (1) في موضع فراراً عن التعارض بين الروايتين، و الأمر فيما ذكر (قدس سره) في وجوه الجمع بين الأحاديث و الفرار عن الالتزام بتعارضها أوضح للمتبع، و أنه (قدس سره) قد يكتفي أو يذكر في وجه الجمع ما يكون الاطمينان بخلافه، و الحاصل أنه ثبت في المسألة روايتين لسماعة في إحداهما يصلي قاعداً و في الأُخرى يصلى قائماً و ظاهر النقل أنه سمعهما عن الإمام (عليه السلام) و لو بتعدد الواقعة و تكرار السؤال هذا بالإضافة إلى مضمرتي سماعة.

و أما بالإضافة إلى رواية محمد بن علي الحلبي التي في سندها محمد بن عبد الحميد فالظاهر أنها أيضاً معتبرة محمد بن عبد الحميد لا بأس بها لا لما ذكره النجاشي، فإن الظاهر في عبارته رجوع الضمير إلى عبد الحميد؛ لأنه أقرب و أنه لم يسبق لمحمد بن عبد الحميد في العبارة خبر ليكون: «و كأنه ثقة» معطوفاً، على ذلك الخبر و جعل أبي جعفر خبراً بأن كان مفادها محمد بن عبد الحميد يكنى بأبي جعفر و كان ثقة يحتاج إلى التقدير، و قد فحصنا رجال النجاشي من بدوه إلى ختامه و لم نظفر بمورد يكون على خلاف ما نذكره و هو أن ذكر الكنية مجرداً و بلا ذكر يكنى ظاهره بيان عنوان المترجم، و وجدنا مورداً فيه مثل التعبير في محمد بن عبد الحميد و هو ما ذكره في ترجمة الفضل بن شاذان و فيه أيضاً ظاهر الضمير في «و كان ثقة» إلى أبيه شاذان فراجع (2).

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 16، ذيل الحديث 35.

(2) رجال النجاشي: 306، الرقم 840.

51

..........

____________

بل الوجه في وثاقته ما ذكرنا و لعله مراراً أن مع رواية الأجلاء عن شخص كثيراً، و كثرة روايته عن الرجال يوجب كون الشخص من المعاريف، و بما أنه لم ينقل في حقه ضعف يكون ذلك كاشفاً عن حسن ظاهره المحكوم معه بالعدالة و الثقة لجريان العادة أنه لو كان في المعروف عيب يذكر في لسان البعض، و عدم ذكر التوثيق الخاص في كلمات مثل النجاشي فلأنهم تعرضوا لذكر التوثيق فيمن وصل فيه التوثيق الخاص من سلفهم.

لا يقال: جواز الصلاة في الثوب النجس مع عدم الاضطرار إلى لبسه ينافي رواية محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول و ليس معه ثوب غيره؟ قال: «يصلي فيه إذا اضطر إليه» (1) فإن مفهوم الشرط عدم جواز الصلاة فيه مع عدم الاضطرار.

فإنه يقال: الرواية لضعف سندها لا يمكن الاعتماد عليها فإن في سندها القاسم بن محمد و لم يثبت له توثيق، و مع الإغماض عن ذلك لم يعلم أن المراد بالاضطرار فيه الاضطرار إلى لبسه من غير جهة الصلاة.

بل ظاهرها- و لا أقل من الاحتمال- أن يكون الاضطرار إلى لبسه لصلاته لعدم ساتر له غيره في تمام الوقت.

و بتعبير آخر يكون حاصل الجواب أنه لو كان المكلف كما ذكر في تمام الوقت فعليه أن يصلي في الثوب المزبور.

و مما ذكر أنه لا مجال لدعوى أن هذه الرواية شاهد جمع بين الطائفة الثالثة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3: 485، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

52

..........

____________

و الثانية بحمل الثالثة على صورة عدم الاضطرار إلى اللبس لبرد و نحوه، و الثانية على صورة الاضطرار إليه.

و الوجه في الظهور:

أن اشتراط الاضطرار إلى اللبس في هذه من جهة الصلاة لا من جهة البرد و نحوه على ما تقدم.

و ثانياً إن الطائفة الثانية قد فرض فيها عدم الاضطرار إلى اللبس من جهة البرد و نحوه بقرينة النهي عن الصلاة عارياً و فرض عدم الماء ليغسل الثوب فكيف تحمل على صورة الاضطرار؟

فالمتعين هو الأخذ بالطائفة الأُولى و الحكم بتعين الصلاة في الثوب النجس سواء اضطر إلى لبسه و عدمه كما هو مقتضى إطلاقها، حيث لم يثبت لها مقيد فإن المقيد و هي الطائفة الثالثة- المفروض فيها التمكن على النزع بقرينة الأمر بالصلاة عارياً- مبتلاة بالمعارض و هي الطائفة الثانية الآمرة بالصلاة في الثوب المزبور مع فرض عدم الاضطرار إلى اللبس أيضاً.

اللهم إلّا أن يقال بعدم التعارض بين الطائفتين؛ لأن الطائفة الثالثة ظاهرة في تعين الصلاة عارياً مع إمكان النزع، و الطائفة الثانية صريحة في جواز الصلاة في الثوب النجس مع إمكان نزعه فيرفع اليد بصراحتها عن ظهور الطائفة الثالثة، و النهي عن الصلاة عارياً مع فرض إمكان النزاع لا ينافي ذلك؛ لأن النهي المزبور وارد في مورد احتمال تعين الصلاة عارياً فتكون النتيجة التخيير بين الأمرين، حيث تحمل الطائفة الأُولى على تعين الصلاة في الثوب النجس في فرض الاضطرار إلى اللبس، و على‌

53

[إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرر الصلاة]

(مسألة 5) إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما يكرر الصلاة (1).

____________

جوازها فيه في فرض عدم الاضطرار كما يجوز له أن يصلي صلاة العراة.

و كيف ما كان فلو لم تكن الصلاة في الثوب المتنجس في صورة عدم الاضطرار إلى لبسه لبرد و نحوه أظهر، فلا ينبغي أنه أحد طرفي التخيير و لا وجه في البين للقول بتعين الصلاة عارياً.

العلم بنجاسة أحد الثوبين‌

(1) المفروض في المسألة عدم التمكن من غسل شي‌ء منهما، و إلّا غسل أحدهما و صلى فيه و لا حاجة إلى التكرار بعد إحراز الإتيان بصلاته في ثوب إما كان طاهراً من الأول أو طهر بغسله.

و تعين التكرار في الثوبين في مقابل ما حكي عن ابن إدريس و ابن سعيد من تعينها عارياً (1)، و حيث إن مع تكرارها فيهما يحرز بحصول كل ما يعتبر في الصلاة، و يتمكن المكلف من قصد الوجه لو قيل باعتباره في العبادة وصفاً أو غاية، يكون تكرارها فيهما مقتضى قاعدة الاشتغال بعد العلم بكونه مكلفاً على الصلاة الاختيارية، نعم مع التكرار لا يحصل قصد التمييز و قصد التمييز لا يعتبر في العبادة مع التمكن منه فضلًا عما إذا لم يتمكن منه.

و دعوى اعتبار الجزم في العبادة كاعتبار قصد التقرب فلا تحصل عبادة بدونهما، و عليه فالأمر يدور بين أن يسقط اعتبار الطهارة عن الساتر فيصلي في أحدهما بقصد الجزم أو يسقط اعتبار الساتر فيصلي عرياناً، و حيث علم أن مع دوران الأمر بينهما‌

____________

(1) حكاه السيد الحكيم في المستمسك 1: 547، و انظر السرائر 1: 185، و الجامع للشرائع: 24.

54

..........

____________

يسقط اعتبار الساتر على ما تقدم في مسألة انحصار الثوب في النجس و فرض إمكان نزعه تعين في المقام أيضاً الصلاة عارياً و لمرسلة المبسوط روى أن يتركهما و يصلي عارياً (1)، لا تخلو عن المجازفة فإن قصد التقرب مقوم للعبادة بخلاف قصد الوجه و التمييز، و مرسلة المبسوط؛ لضعفها و عدم عمل المشهور بها لا يمكن الاعتماد عليها، و لو سلم في مسألة انحصار الثوب في النجس و فرض إمكان نزعه تعين الصلاة عارياً فلا يلحق المقام بها؛ للنص الصحيح عن صفوان أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) يسأله عن الرجل معه ثوبان فأصاب أحدهما بول، و لم يدر أيهما هو، و حضرت الصلاة و خاف فوتها و ليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال (عليه السلام): «يصلي فيهما جميعاً» (2).

و على الجملة لو فرض التسليم بأنه عند دوران الأمر بين الصلاة في النجس و الصلاة عارياً الأمر كما ذكر من تعين الصلاة عارياً فلا نسلمه، فيما إذا دار الأمر بين الصلاة عارياً أو الصلاة في ثوبين يعلم بأن إحدى الصلاتين صلاة اختيارية، بل لا نسلمه فيما إذا دار الأمر بين الصلاة عارياً و الصلاة في ثوب يحتمل طهارته على ما يأتي.

لا يقال: رواية صفوان لكونها مكاتبة لا يمكن الاعتماد عليها؛ لغلبة التقية على المكاتبات، و مقتضى القاعدة تكرار الصلاة في الثوبين و الإتيان بها عارياً للعلم الإجمالي بأن المكلف به، إما الصلاة في ثوب طاهر أو عارياً؛ لاحتمال دخالة قصد التمييز و الجزم حال العمل في العبادة.

____________

(1) المبسوط 1: 39.

(2) وسائل الشيعة 3: 505، الباب 64 من أبواب النجاسات، الحديث الأول.