الرسائل الفقهية

- الشيخ محمد جواد البلاغي المزيد...
447 /
5

الجزء السابع

دليل موسوعة العلّامة البلاغي

المدخل‌

حياة العلّامة الشيخ محمّد جواد البلاغي‌

الجزء الأوّل و الثاني 1. آلاء الرحمن في تفسير القرآن/ ج 1 و 2‌

الجزء الثالث و الرابع 2. الهدى إلى دين المصطفى/ ج 1 و 2‌

الجزء الخامس 3. الرحلة المدرسيّة و المدرسة السيّارة‌

الجزء السادس الرسائل الكلاميّة 4. أنوار الهدى‌

5. البلاغ المبين‌

6. مسألة في البداء‌

7. التوحيد و التثليث‌

8. أعاجيب الأكاذيب‌

9. دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال و الفتوى‌

10. الردّ على الوهّابيّة‌

11. نسمات الهدى و نفحات المهديّ‌

12. نصائح الهدى‌

6

الجزء السابع- الرسائل الفقهيّة 13- 17. العقود المفصّلة:

1. عقد في قاعدة على اليد؛

2. عقد في تنجيس المتنجّس؛

3. عقد في بعض مسائل العلم الإجمالي؛

4. عقد في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك فيه؛

5. عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته.

18. تعليقة على بيع المكاسب‌

19. رسالة حرمة حلق اللحية‌

الجزء الثامن رسائل متفرّقة:

20. رسالة في شأن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

21. مراسلاته‌

22. شعره‌

الفهارس العامّة‌

7

مقدّمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أكرم المرسلين و سيّد النبيّين محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

و بعد؛ فقد عرف العلم الحجّة الإمام العلّامة الشيخ محمّد جواد البلاغي (قدّس سرّه) بمناظراته المتينة الجامعة مع مخالفي الإسلام من المبشّرين و غيرهم، حيث كرّس لهذه المناظرات كثيرا من وقته، حتّى أنّه أتعب نفسه في تعلّم اللغة العبريّة و الإنجليزيّة؛ ليسيطر على موضوع بحثه؛ لئلّا تفوته شاردة أو واردة ممّا يدور في هذا الباب الذي يحتاج إلى عصبة أولي قوّة، و لكنّه قام به وحيدا بلا معين، مجاهدا في سبيل اللّه و منافحا عن دينه القويم.

و عرف أيضا بمناظراته مع الزائغين عن الدين كالبابيّة و البهائيّة و من يجري مجراهم.

و عرف كذلك بردوده على مخالفي مذهب الإماميّة.

عرف بهذا كلّه حتّى طغى هذا الجانب على جوانب علمه الأخرى، و نعني بذلك كونه مجتهدا فقيها بارعا في فقهه، و تشهد لذلك مؤلّفاته الكثيرة المتنوّعة في علم الفقه. و من خلال الخوض في المتبقّي منها تظهر لنا شخصيّته الفقهيّة واضحة، حيث يقرع الحجّة بالحجّة، و يستقصي دقائق المسألة في صبر عجيب، و أدب جمّ، و لسان عفيف، و ابتعاد تامّ عمّا يثير النزاع من قبيل الحدّة و الإخلال بالأدب.

و مع الأسف الشديد فإنّ قسما كبيرا من مؤلّفاته الفقهيّة فقد بقي و لم تصل أيدينا إليه‌

8

و سنظلّ نتحرّى آثاره و تراثه و نتعاهد ما وجد منها بالتدقيق لنضيفه في الطبعات القادمة إن شاء اللّه.

و نشير هنا إلى أسماء الآثار الفقهيّة المفقودة:

1. أجوبة المسائل التبريزيّة؛

2. أجوبة المسائل الحليّة؛

3. تعليقة على الشفعة من كتاب الجواهر؛

4. تعليقة على العروة الوثقى؛

5. رسالة في الأوامر في أصول الفقه، نحو 16 ص؛

6. رسالة في إبطال العول و التعصيب؛

7. رسالة في التقليد، لم يتمّ؛

8. رسالة في الخيارات؛

9. رسالة في فروع الرضاع على مذهب الإماميّة و مذاهب أهل السنّة؛

10. رسالة في صلاة الجمعة لمن يسافر بعد الزوال، نحو 10 ص؛

11. رسالة في وضوء الإماميّة و صلاتهم و صومهم. طبعت ترجمته بالإنكيليزيّة؛

12. عقد في ذبائح أهل الكتاب؛

13. عقد في المتمّم الكرّ؛

14. عقد في ماء الغسالة؛

15. عقد في حرمة مسّ المصحف على المحدث، نحو 15 ص؛

16. عقد في إقرار المريض، نحو 10 ص؛

17. عقد في منجّزات المريض، نحو 22 ص؛

18. عقد في مواقيت الإحرام و محاذاتها و شكل الطريق، نحو 13 ص؛

19. عقد في القبلة و تعيين مواقع بعض البلدان في المسكونة من مكّة المكرّمة؛

20. عقد في الرضاع، نحو 55 ص.

21. كتاب في الاحتجاج لكلّ ما انفردت به الإماميّة من أحاديث أهل السنّة في أبواب الفقه؛

9

المتبقّي من مؤلّفاته الفقهيّة

و أمّا المتبقّي من مؤلّفاته الفقهيّة التي عثرنا على نسخة منها و صحّحناها ضمن هذه الموسوعة، فهي كالآتي:

1. عقد في قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»؛

2. عقد في تنجيس المتنجّس؛

3. عقد في بعض مسائل العلم الإجمالي؛

4. عقد في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك فيه؛

5. عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته؛

6. تعليقة على بيع المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)؛

7. رسالة حرمة حلق اللحية.

و إليك بيان لكلّ منها بما يتناسب مع الحاجة التي تقتضيها مقدّمة الكتاب.

1- العقد الأوّل: في قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»

يتناول قاعدة فقهيّة متّخذة بتمامها من قول الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

و قد رتّب البحث في سبعة فصول:

الفصل الأوّل في سند الحديث، و المصادر الحديثيّة التي أخرجته؛

الفصل الثاني في لفظ الحديث، إذ ذكر الاختلاف الوارد في بعض كلماته في المصادر الحديثيّة و الفقهيّة؛

الفصل الثالث في مفاد الحديث، فذكر المسائل الفقهيّة التي يستند فيها الفقهاء إلى الحديث قيد الدرس؛

الفصل الرابع في الغرامة و المثلي و القيمي؛

الفصل الخامس في بدل الحيلولة، و هو فيما إذا كانت العين المأخوذة موجودة و تعذّر ردّها؛

10

الفصل السادس في تعاقب الأيدي على العين المأخوذة؛

الفصل السابع في ملاحظة نسبة الحديث مع غيره من الأدلّة التي تنافيه.

2- العقد الثاني: في تنجيس المتنجّس

عقد المؤلّف لهذا العقد فصلين:

ففي الفصل الأوّل ناقش الفيض الكاشاني- الذي قال بأنّ المتنجّس اليابس لا ينجّس و إن لاقى رطوبة- مناقشة مفصّلة، فاستوعب الأخبار و الأقوال و خلص إلى القول بتنجيس المتنجّس اليابس إذا لاقى رطوبة، و ذلك بعد جولة طويلة في الفقه الإمامي و شذرات من فقه الجمهور.

و ناقش أيضا من سمّاه «بعض الأعاظم» و آخر سمّاه «بعض الأساتذة العظام» و لم تتيسّر لنا معرفة هذين العلمين.

و في الفصل الثاني ناقش آراء من سمّاه «المفصّل»، و نقل نصوصا طويلة من أقواله، و قد تيسّرت لنا معرفته و لم يتيسّر لنا كتابه، و هو الشيخ محمّد مهديّ الخالصي المتوفّى في 1343 ه‍، حيث وجدنا في مستمسك العروة الوثقى قول آية اللّه العظمى السيّد محسن الحكيم (رحمه اللّه)- في الجزء الأوّل الصفحة 413 من الطبعة الثانية، في ذيل مسألة تنجيس المتنجّس- قوله: «و قد كتب بعض الأجلّاء المعاصرين رسالة في هذه المسألة ردّ فيها على بعض الأجلّة من المعاصرين».

و في هامش الصفحة المذكورة ذكر (رحمه اللّه) أنّهما: «المتبحّر الشيخ محمّد جواد البلاغي و الشيخ محمّد مهديّ الخالصي».

3- العقد الثالث: في بعض مسائل العلم الإجمالي

و قد كتب العلّامة البلاغي لتبيين بعض مسائله هذا العقد في ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل في حاله مع الأصول في أطراف شبهته، بالنظر إلى نوعه أو متعلّقه الخاصّ. ذكر فيه ستّة وجوه من جهة جريان الأصول و القواعد المرخّصة و المانعة أو عدم جريانها، بيّن فيها أدلّة القائلين بالجواز و عدمه.

11

و اختار هو نفسه الوجه الخامس، و هو عدم جريان الأصول المرخّصة في شي‌ء من أطراف الشبهة مطلقا.

الفصل الثاني في انحلال العلم الإجمالي بأن يحصل في بعض أطراف الشبهة علم تفصيلي أو ما في حكمه، ذكر المصنّف أنّ لورود التفصيلي على الإجمالي حالات ثلاثا، و في التنبيه الثالث ذكر أقسام العلم الإجمالي المتعلّق بالصلاة.

الفصل الثالث ذكر فيه بعض الفروع في أحكام الشكّ في أجزاء الصلاة و أركانها، و بيّن أحكامها على الوجه الخامس المختار من عدم جريان الأصول المرخّصة في شي‌ء من أطراف الشبهة مطلقا.

4- العقد الرابع: في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك فيه

و هي من المسائل الفقهيّة التي اختلفت آراء الفقهاء فيها من حيث جواز الصلاة فيه و عدمه. و لم تكن المسألة معنونة في المصنّفات الفقهيّة المتقدّمة قبل شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي (رحمه اللّه) كالمبسوط و الغنية و المراسم و الوسيلة و السرائر.

نعم، ذكرها المحقّق في خلل الشرائع، و بعده العلّامة في المنتهى و التحرير، و الشهيد في البيان و الذكرى، و المحقّق الكركي في الجعفريّة، و حكموا ببطلان الصلاة و وجوب الإعادة، و يظهر من البعض أنّ وجوب الإعادة إجماعي للأصحاب.

و ذهب جمع ممّن تأخّر عنهم إلى صحّة الصلاة، كالمقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان، و السيّد العاملي في مدارك الأحكام، و الشيخ بهاء الدين العاملي في الحبل المتين، و السبزواري في الذخيرة، و القمّي في جامع الشتات، و البحراني في الحدائق الناضرة، و غيرهم. كما حكاه عنهم المصنّف في المقام الأوّل من الفصل الثاني.

و قد أفرد لها جمع من علمائنا في العقود المتأخّرة تصنيف رسائل مستقلّة مختصرة أو مفصّلة، تعرّضوا فيها لتبيين الموضوع و نقل الأقوال و بيان الحكم و الأدلّة؛ عدّ المرحوم الشيخ آقا بزرگ الطهراني في ذريعته، ج 18، ص 293- 295 سبع عشرة رسالة مؤلّفة فيها، منها «عقد في الصلاة في اللباس المشكوك فيه» للعلّامة‌

12

الشيخ محمّد جواد البلاغي. ألّفه في أواخر سنة 1342 ه‍.

و عقد لها فصلين:

ففي الفصل الأوّل تعرّض لأخبار المسألة و ما يستفاد منها ممّا له دخل في الشبهة الموضوعيّة، ثمّ تعرّض لمقتضى الأصول في مقام الشكّ في حلّ اللحم و حرمته من حيث الشبهة الحكميّة، و مقتضاها في حلّ اللحم و عدم حرمته الفعليّة من حيث الشبهة الموضوعيّة، و أنّ اعتبار أمارة أيدي المسلمين و سوقهم و بلادهم في أجزاء الحيوان هو من حيث تزكيته، و هو أجنبي عن مسألة الجلد و الشعر و الوبر، و أنّ الأصل المحكّم بعد الأمر بالصلاة- إذا شكّ في كون المأتيّ به مسقطا له- استصحاب شغل الذمّة، و لا وجه للحكم بتأثير أفعال الصلاة الواجدة لشروطها الوجوديّة مع عدم إحراز عدم المانع.

و في الفصل الثاني تعرّض للأقوال في المسألة مع أدلّتها من الأخبار و الأصول و الأمارات، و الاعتراض عليها، و اختار الجواز مع بيان الأدلّة، و ذكر لها نظائر من الفروع الفقهيّة من أبواب أخرى.

5- العقد الخامس: في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته

وضعه في ثلاثة فصول:

الفصل الأوّل: ذكر فيه اثني عشر حديثا وردت في هذه المسألة، في مختلف الأبواب الفقهيّة: النكاح، الطلاق، الإرث، الأيمان. و قد بسط فيه البحث عن سند الأحاديث و رجالها. و في البحث عن متن الحديث يذكر اختلاف المصادر و اختلاف النسخ في مصدر واحد، كما أنّه يناقش في دلالة الأحاديث و يورد كافّة الاحتمالات الواردة فيها.

و الفصل الثاني: أورد فيه أقوال بعض علمائنا في هذه المسألة كالشيخ الطوسي، و ابن إدريس، و الشهيدين الأوّل و الثاني، و الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب الجواهر، و الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، و غيرهم.

و الفصل الثالث: ذكر فيه أربعة مقامات تتعلّق بفقه هذه المسألة و الفروع المترتّبة عليها، و بعض الإشكالات المطروحة عليها. ثمّ ختم الرسالة بإيراد بعض الفروع‌

13

الفقهيّة الخلافيّة بين المسلمين التي تبنى على هذه المسألة.

6- تعليقة على بيع المكاسب

كتاب المكاسب للشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري (م 1281 ه‍) من خيرة الكتب التي ألّفت في الفقه المعاملي، إذ يعدّ مجموع ما دوّنه مؤلّفه فيه من حيث الكيفيّة و السعة و العمق فريدا في بابه، لذلك اعتمدت عليه الحوزات المباركة و المعاهد العلميّة في دراستها الفقهيّة منذ طبعه سنة 1280 ه‍ و حتّى يومنا هذا. و كتبت عليه الكثير من الشروح و الحواشي و التعليقات، و التي منها هذه التعليقة المباركة:

1- بدأ العلّامة البلاغي في تعليقه على كتاب المكاسب ابتداء من أوّل البيع، و انتهاء عند قول الشيخ الأنصاري في بيع الوقف: «و من هنا ظهر عدم الحاجة إلى صيغة الوقف في البدل» (1).

2- لم يكتف البلاغي بعرض آراء الشيخ الأنصاري و إيضاحها فقط، بل قام بمناقشتها و إيراد بعض الإشكالات عليها. و لم يكتف أيضا بنقل أقوال علمائنا رحمهم اللّه، بل ذكر آراء و أقوال أئمّة المذاهب الإسلاميّة الأخرى، و قارنها مع آراء علمائنا.

3- ذكر في عدّة موارد آراء أستاذه المولى محمّد كاظم الآخوند الخراساني (م 1329 ه‍) في حاشيته على المكاسب، و قام بإيضاحها و مناقشة بعضها (2).

4- ذكر العقود المفصّلة في موارد من هذه التعليقة، ممّا يدلّ على أنّه ألّفها بعدها (3).

7- رسالة حرمة حلق اللّحية

رتّبها على عدّة فصول:

الفصل الأوّل: فيما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من طرق الفريقين. ذكر فيه ثلاثة و ثلاثين حديثا.

____________

(1). المكاسب 4: 66.

(2). تعليقة على بيع المكاسب: 18 و 49 و 54 و 107 و 116 و 122 و 132 و 137.

(3). المصدر: 33 و 41 و 65 و 126.

14

الفصل الثاني: فيما ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام). ذكر فيه أربع روايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

الفصل الثالث: في عمل المسلمين الكاشف عن الإجماع و ثبوت الحرمة في الشريعة. فتتبّع أقوال العلماء فيها.

الفصل الرابع: في تحديد إعفاء اللحى. فذكر أربعة أحاديث رواها كبار محدّثي الشيعة و السنّة.

و قد اتّبع البلاغي فيها منهجا على الشكل التالي:

أورد الأدلّة الشرعيّة الصادرة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من طرق الفريقين، و استند في توضيح مفردات اللغة إلى المعاجم العربيّة لمعرفة دلالة الكلمة، ليصل إلى استنباط الحكم الشرعي الذي هو الحرمة في ذلك.

ثمّ أورد الأدلّة الشرعيّة الصادرة عن أهل البيت (عليهم السلام) و ناقشها، و استدلّ بعمل المسلمين الكاشف عن الإجماع و ثبوت حرمة حلق اللحية في الشريعة.

عملنا في التحقيق

1. اعتمدنا في تحقيق العقود الأربعة الأولى- قاعدة على اليد، تنجيس المتنجّس، بعض مسائل العلم الإجمالي و الصلاة في اللباس المشكوك فيه- و التعليقة على بيع المكاسب، على النسخة المطبوعة على الحجر في المطبعة المرتضويّة في مدينة النجف الأشرف. سنة 1343 ه‍.

2. و في تحقيق العقد الخامس- عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته- اعتمدنا أوّلا على النسخة المطبوعة في إيران سنة 1378 ه‍ بتصحيح المرحوم علي أكبر الغفاري. و في رجب سنة 1427 بعث فضيلة السيّد محمّد علي الحكيم مصوّرة نسخة الأصل بخطّ المؤلّف إلينا و هي من موقوفات مكتبة الإمام الحكيم العامّة في مدينة النجف الأشرف. و التي تقع في 22 صفحة، بقياس 18 5/ 10 سم.

و قد تبيّن لنا أنّ الرسالة المطبوعة سنة 1378 ه‍ كانت مسودّة تلك الرسالة‌

15

التي استنسخها المرحوم آية اللّه السيّد محمّد هادي الميلاني (قدّس سرّه)، و هو من تلاميذ الشيخ البلاغي (رحمه اللّه).

إذ صرّح بذلك العلّامة البلاغي في ذيل الصفحة الأخيرة منها قائلا:

و قد تمّ نقلها لهذا البياض في السابع عشر من رجب الحرام عصرا، في السنة التاسعة و الأربعين بعد الألف و الثلاثمائة هجرية ... و كتب مؤلّفها الأحقر محمّد جواد البلاغي حامدا مصلّيا.

و كتب في هامش نسخة الأصل: «و قد أسقطنا في هذه المبيّضة بعض الفروع التي في الأصل لأجل عروض التأمّل فيها».

و كتب أيضا: «بلغ تصحيحها بقدر الحاجة. و الحمد للّه».

و لذا أعدنا النظر في تحقيق هذا العقد مرّة ثانية معتمدا على مبيّضة المصنّف (رحمه اللّه).

3. و اعتمدنا في تحقيق «رسالة حرمة حلق اللحية» على النسخة المطبوعة في مدينة قم المقدّسة سنة 1394 ه‍ و 1415 ه‍ بتصحيح سماحة آية اللّه الشيخ رضا الأستادي حفظه اللّه و رعاه.

4. حيث إنّه لم تتوفّر لدينا من هذه الرسائل إلّا نسخة واحدة لكلّ رسالة، لذا جعلناها أصلا في تحقيقها، مع مقابلة الأحاديث و الأقوال التي وردت فيها من مصادرها. و الإشارة إلى الاختلافات المهمّة فيما بينها في الهامش.

5. قابلنا متن كتاب المكاسب مع الطبعة المحقّقة له من قبل مجمع الفكر الإسلامي في مدينة قم المقدّسة، الطبعة الثانية سنة 1422 ه‍ و وضعنا رقم الصفحة المطبوعة بين معقوفين [].

6. جعلنا لهذا الجزء من الموسوعة رقما مسلسلا في أعلى الصفحات نشير إليه عند إرجاعنا من رسالة إلى أخرى، و رقما في الأسفل خاصّة بالرسالة نشير إليها عند الإرجاع إلى نفس الرسالة.

و في الختام نودّ أن نقدّم شكرنا إلى الفضلاء المحقّقين الذين ساعدونا في تحقيق هذه المجموعة القيّمة و هم:

16

1. الأستاذ لطيف فرادي، حيث حقّق العقد الخاصّ ب‍ «قاعدة على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»؛

2. الأستاذ أسعد الطيّب، حيث حقّق العقد الخاصّ ب‍ «تنجيس المتنجّس»؛

4. الشيخ محمّد الحسّون حيث حقّق العقد الخاصّ ب‍ «إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته» و «تعليقة على بيع المكاسب».

5. الشيخ ولي اللّه القرباني القوچاني حيث حقّق «رسالة حرمة حلق اللحية».

و نخصّ بالشكر هنا أعضاء اللجنة المشرفة على التحقيق في مركز إحياء التراث الإسلامي. و هم الأساتذة: السيّد منذر الحكيم، و الشيخ رضا المختاري، و الشيخ محمّد الباقري، و الشيخ عباس المحمّدي، و علي أكبر زماني‌نژاد، و محسن الصادقي، حيث لم يبخلوا علينا عن مساعدة و مشورة.

و نقدّم أيضا بالشكر الجميل إلى الأستاذ الشيخ علي حميداوي الأنصاري لمراجعته النهائيّة لهذا الجزء من الموسوعة و إصلاح ما زاغ عنه البصر.

و ندعو اللّه تبارك و تعالى أن يجعل عملنا هذا ذخرا لنا ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون.

و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين.

علي أوسط الناطقي‌

قم المقدّسة- إيران، محرّم الحرام 1428‌

17

العقود المفصّلة

1. عقد في قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»‌

2. عقد في تنجيس المتنجّس‌

3. عقد في بعض مسائل العلم الإجمالي‌

4. عقد في مسألة الصلاة في اللباس المشكوك فيه‌

5. عقد في إلزام غير الإمامي بأحكام نحلته‌

18

الصفحة الأولى من الطبعة الحجريّة للعقود المفصّلة بسم اللّه جلّ شأنه و تبارك اسمه، و له الحمد و هو المستعان‌

هذا هو الجزء الأوّل من العقود المفصّلة في المسائل المشكلة ممّا أنعم اللّه بتأليفه على عبده الأقلّ محمّد جواد البلاغي عفا عنه. و فيه قاعدة على اليد ما أخذت و الكلام في حديثها الشريف و شي‌ء من مسائلها. و يليها إن شاء اللّه ما يسّر اللّه طبعه كمسألة تنجيس المتنجّس اليابس إذا لوقي برطوبة، و مسألة اللباس المشكوك فيه، و مسألة حال الأصول مع العلم الإجمالي، و شي‌ء من مسائله و غير ذلك، و اللّه هو الموفّق و المعين و المرجو من الإخوان المؤمنين أن لا ينسوا المؤلّف من الدعاء بالخير و الرحمة في حياته و بعد موته، و أن يغضّوا الطرف عمّا في الكتاب من الزلل و يصلحوا ما فيه من الخلل. و ما توفيقي إلّا باللّه وليّي و هو أرحم الراحمين.

19

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و له الحمد، و هو المستعان، و عليه التوكّل، و به الاعتصام، و منه التوفيق و التسديد.

و أفضل الصلاة و السلام على خير خلقه و خيرة أصفيائه محمّد سيّد المرسلين و خاتم النبيّين، و آله الطاهرين.

و بعد، فيقول العبد الأقلّ الأذلّ محمّد جواد البلاغيّ- عفا اللّه عنه-: هذا ما وفّقني اللّه لكتابته؛ تذكرة لنفسي في المسائل المشكلة، و سمّيته العقود المفصّلة.

و قد غاليت برخيصه، حيث جعلته تقدمة لخدمة سيّدي و مولاي بقيّة اللّه في أرضه، و حجّته على عباده، و عينه على خلقه، و أمينه على وحيه، و المنتصر لدينه، و سيفه على أعدائه، وارث الأنبياء و خاتم الأئمّة الأمناء، القائم المنتظر، الإمام الثاني عشر، رحمة اللّه و لطفه، صاحب العصر و الزمان، صلوات اللّه عليه و على آبائه المعصومين، و عجّل اللّه فرجه، و جعلنا فداه.

سيّدي، مسّنا و أهلنا الضرّ، و جئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل، و تصدّق علينا، إنّ اللّه يجزي المتصدّقين. فأنتم بابنا و وسائلنا إلى اللّه، و الشفعاء المشفّعون في الدنيا و الآخرة، صلّى اللّه عليك و على آبائك الطاهرين، و عجّل فرجك و فرجنا بك.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

(1) عقد في قاعدة على اليد

تحقيق‌

لطيف عبّاس فرادي‌

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

عقد في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» و فيه فصول:

الفصل الأوّل في سنده

و قد رواه الشيخ في الخلاف عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة- يعني ابن جندب- عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (1)؛ و لذا رماه بعض بالإرسال (2).

و رواه أحمد في مسنده عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة (3). لكنّه قد شاعت روايته بين الفريقين و كثرت روايته و الاعتماد عليه بين الأصحاب، بل لم يخل من الاعتماد عليه في الاستدلال- فيما رأيناه- كتاب يتعرّض لمدارك الأحكام.

و وصفه في جامع الشتات ب‍ «المشهور المقبول». بل ذكر في المضاربة وصفه ب‍ «الرواية المجمع عليها» (4).

____________

(1). الخلاف 3: 228، المسألة 17.

(2). كالنراقي في عوائد الأيّام: 314، العائدة 33.

(3). مسند أحمد 5: 632، ح 19582، و 638، ح 19620.

(4). جامع الشتات 3: 340.

24

و كاشف الغطاء في شرح القواعد ب‍ «المستفيض المجمع على مضمونه» (1).

و في الرياض ب‍ «المشهور و المقبول» (2).

و في غصب مفتاح الكرامة ب‍ «المشهور المعمول به في أبواب الفقه» (3).

و في وديعة المقابس ب‍ «القويّة المعروفة و المجمع عليها» (4).

و في العناوين ب‍ «المنجبر بالشهرة المتلقّى بالقبول عند العامّة و الخاصّة ... و الملتحق بالقطعيّات في الصدور» (5).

و في مكاسب شيخ مشايخنا ب‍ «المشهور». و في مقام آخر: «أنّ سنده منجبر» (6).

و في الجواهر: «أنّه مجبور بالعمل» (7).

أقول: و لا يبعد كونه من نحو المتواتر المتداول بين الأمّة، من دون نظر إلى سنده الآحادي، و إنّما جاء تقييده بهذا السند من المحدّثين الذين لا يذكرون للحديث إلّا روايته المأخوذة من الشيوخ سماعا أو وجادة.

و يؤيّد ما قلناه اعتماد الغنية و السرائر، بل و الانتصار عليه (8)، مع أنّ السيّدين و الحلّي لا يقبلون صحاح رواياتنا من الآحاد (9)، كما يؤيّده أيضا اعتماد المتأخّرين عليه، كالعلّامة و من تأخّر عنه و الشهيدين (10)، مع ما هو المعروف من طريقتهم في العمل بأخبار الآحاد (11).

____________

(1). شرح القواعد 2: 33.

(2). رياض المسائل 8: 254.

(3). مفتاح الكرامة 6: 228.

(4). مقابس الأنوار: 253.

(5). العناوين 2: 416.

(6). المكاسب 3: 181 و 189.

(7). جواهر الكلام 37: 35.

(8). غنية النزوع 1: 280؛ السرائر 2: 425؛ الانتصار: 468، المسألة 263.

(9). السيّد ابن زهرة في غنية النزوع 2: 354؛ و السيّد المرتضى في رسائل الشريف المرتضى 1: 202 و 203، جوابات المسائل الموصليّات الثالثة؛ و الحلّي في السرائر 1: 5.

(10). تذكرة الفقهاء 13: 32 و 194، المسألة 30 و 143؛ الدروس الشرعيّة 3: 109؛ مسالك الأفهام 3: 142 و 343.

(11). مبادئ الوصول إلى علم الأصول: 203؛ ذكرى الشيعة 1: 49؛ الرعاية لحال البداية: 72.

25

و على هذا، فلا ينبغي التوقّف في حجّيّته، بل لم يذكر شي‌ء من ذلك بحسب الظاهر، إلّا ما يحكى عن الأردبيلي، ممّا يشعر بالخدشة فيه معلّلا بعدم ثبوت صحّته و لا تواتره (1).

و الحاصل: أنّ إرسال الأصحاب لروايته عنه (صلّى اللّه عليه و آله) إرسال المسلّمات و اعتمادهم عليه مع تأنّق بعضهم في الروايات و اختلاف آرائهم في حجّيّتها- كاف في حجّيّته من دون ملاحظة لسنده المذكور، مسندا كان أو مرسلا، بل ربما كان ذلك مؤيّدا لثبوت حجّيّته بعمل الأصحاب.

____________

(1). حكاه الشيخ محمّد حسن النجفي في جواهر الكلام 37: 35؛ و انظر مجمع الفائدة و البرهان 10: 499، حيث قال: «صحّته و دلالته غير واضحين».

26

الفصل الثاني في لفظه

ففي مسند أحمد و الخلاف و الغنية و التذكرة و المسالك و المفاتيح كما رووه على ما ذكرناه (1)، [و] رووه أيضا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «حتّى تؤدّيه» بإلحاق الضمير (2).

و عليه اقتصر في الانتصار و الدروس (3).

كما اقتصر في السرائر و غيرها على ما ذكرناه أوّلا (4).

و الظاهر أنّه لا يتفاوت مدلوله في ذلك.

____________

(1). مسند أحمد 5: 632، ح 19582، و 638، ح 19620؛ الخلاف 3: 228، المسألة 17؛ غنية النزوع 1: 280؛ تذكرة الفقهاء 13: 32، المسألة 30، و 192، المسألة 143؛ مسالك الأفهام 4: 207، و 5: 47- 48، 78، 93، 116، و 12: 222؛ مفاتيح الشرائع 3: 162 و 171.

(2). مسند أحمد 5: 632، ح 19582، و 641، ح 19643؛ الخلاف 3: 408، المسألة 20، و 409، المسألة 22؛ غنية النزوع 1: 289؛ تذكرة الفقهاء 2: 214، 374، 383، الطبعة الحجريّة. و لم نعثر عليه في مسالك الأفهام و مفاتيح الشرائع.

(3). الانتصار: 468، المسألة 263؛ الدروس الشرعيّة 3: 109.

(4). السرائر 2: 481؛ مستدرك الوسائل 14: 7- 8، الباب 1 من أبواب كتاب الوديعة، ح 12.

27

الفصل الثالث في مفاده

استند إليه في الخلاف و المبسوط و التذكرة و الدروس لوجوب ردّ المغصوب (1).

و ذكره في الانتصار مستندا للضمان (2)، كما استدلّ به لذلك في كنز الفوائد و جامع المقاصد (3)، و حكي الاستناد إليه في الضمان عن أكثر العلماء (4).

و في الغنية و السرائر و المسالك و الكفاية و المفاتيح و الرياض و المكاسب استندوا إليه في الأمرين معا (5)، كما يظهر ذلك أيضا من المختلف (6).

نعم، في العوائد: «أنّ مدلوله هو وجوب الحفظ» (7)، و عن بعض: «أنّه وجوب الردّ» (8)، و عن بعض: «أنّه الضمان» (9)، كما احتجّ في العناوين على انحصار دلالته فيه (10).

و ربما يظهر من الجواهر عدم إفادته لوجوب الردّ، حيث اعتمد في ذلك على غيره دونه (11).

____________

(1). الخلاف 3: 408، المسألة 20؛ المبسوط 3: 59؛ تذكرة الفقهاء 2: 383؛ الدروس الشرعيّة 3: 109.

(2). الانتصار: 468، المسألة 263.

(3). كنز الفوائد 1: 612؛ جامع المقاصد 5: 341.

(4). العناوين 2: 416.

(5). غنية النزوع 1: 280 و 289؛ السرائر 2: 463 و 481؛ مسالك الأفهام 4: 207، و 12: 222؛ كفاية الفقه 2:

639؛ مفاتيح الشرائع 3: 162 و 171؛ رياض المسائل 9: 447؛ المكاسب 3: 159 و 268.

(6). مختلف الشيعة 5: 343، المسألة 316، و 6: 121، المسألة 17.

(7). عوائد الأيّام: 315، العائدة 33.

(8). مختلف الشيعة 6: 121، المسألة 17؛ مسالك الأفهام 5: 93.

(9). الانتصار: 468، المسألة 263.

(10). العناوين 2: 416 و 422.

(11). جواهر الكلام 37: 75.

28

و لكنّ الحقّ فيه العموم، بمعنى أنّه يلزم الآخذ جميع ما يرغب فيه مالك العين، و يرعى فيه عند العقلاء من إعادة سلطنته على نفس المأخوذ و حفظه له، و تلافي ماليّته عند عدم التمكّن من ردّه، و كذا فوائده التي هي أهمّ المقاصد في المملوكات؛ و ذلك لجعل نفس المأخوذ موضوعا لمؤدّى لفظ «على» المراد منه اللزوم، من دون قرينة صالحة تقتضي تقدير شي‌ء خاصّ، كالحفظ و الردّ، فكأنّه قيل: إنّ جميع ما هو ملحوظ عند العقلاء و العادة في المأخوذ، هو لازم للمالك على الآخذ، فتكون العناية و الكناية بالتعبير عمّا يلزم الآخذ بالمأخوذ أجمع لشتات الأحكام و أبلغ في الاستقصاء، كما لا يخفى كونه من جوامع الكلم.

يزيدك وجهه حسنا * * *إذا ما زدته نظرا (1)

و ليس فيه حذف أو تقدير نحوي، كما أشكل به بعض من أنّ استفادة وجوب الردّ و الضمان موجبة لتقديرهما (2)، و هو من قبيل استعمال الخطاب الواحد في إنشاءين؛ إذ لا ملزم بالتقدير، و لو فرض لم يكن من قبيل ما ذكره.

ثمّ إنّ الظاهر من الأخذ مادّة و صورة هو الاستيلاء بالاختيار، فيشمل المكره، دون الغافل و من قسره غيره.

و قوله- عليه الصلاة و السلام- «حتّى تؤدّي» هو غاية لثبوت مضمون «على اليد» و ما يستتبعه من الأحكام.

و الظاهر من الأداء كون الحكم مسوقا لأخذ ما هو مستحقّ للغير، بحيث يتحقّق معنى الأداء عند رفع اليد عن أخذه، فيختصّ مؤدّى الخبر بما كان من قبيل الأموال.

و المراد من التأدية هي تأدية العين، لا الأعمّ منها و من دفع الغرامة، كما يدّعيه بعض؛ و ذلك لوجهين:

الأوّل: مجي‌ء الرواية في مسند أحمد و الانتصار و الخلاف و الغنية و التذكرة و الدروس‌

____________

(1). المطوّل للتفتازاني: 64. و البيت من الوافر لعبد المقصود بن المعذّل.

(2). كالنراقي في عوائد الأيّام: 316، العائدة 33.

29

و المسالك و المفاتيح و غيرها بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «حتّى تؤدّيه» بالضمير العائد إلى المأخوذ (1).

الثاني: أنّ دفع الغرامة إنّما هو بعد التلف، و ما في حكمه بزمان قد يكون سنة أو سنتين أو أكثر، فإذا جعل أحد مصداقي التأدية- التي هي غاية في الحديث لثبوت العهدة- لزم- مع التلف في وجوب الردّ و وجوب الحفظ و الضمان- أن تكون ثابتة بمقتضى الحديث إلى حصول الغاية، و هو دفع الغرامة، و هذا فاسد. أمّا بالنسبة لوجوب الردّ و الحفظ فظاهر، و كذا بالنسبة إلى عهدة الضمان الثابتة قبل التلف، على ما هو الصحيح من تبدّلها عند التلف بأثرها، و هو شغل الذمّة.

نعم، قد يخفّ هذا المحذور أو يرتفع إذا قيل بانحصار دلالة الحديث في عهدة الضمان و ببقائها و عدم تبدّلها بشغل الذمّة إلى أداء الغرامة.

و لكنّ هذا القول خلاف التحقيق.

فإن قلت: إنّا نقول بذلك من حيث عهدة الضمان، و لا نلتزم بانحصار الحديث بها و لا محذور، فإنّ وجوب الردّ و الحفظ من آثار العهدة، و الغاية إنّما هي غاية للعهدة لا آثارها.

قلت: إنّ العهدة إنّما هي مرآة لآثارها و جامع لها، و الغاية في الحقيقة إنّما هي غاية لترتّب الآثار، و ليس في الحديث غايتان يجعل كلّ منهما بإزاء ما يصلح أن يغيّا به، بل هي غاية واحدة.

و دعوى أنّها كلّي له مصداقان تستلزم أن يكون كلّ منهما صالحا لأن تغيّى به الآثار التي جي‌ء بالغاية لأجلها، فلا مناص عن المحذور.

ثمّ إنّ مفهوم التأدية ظاهر، و لكن ربما تختلف مصاديقه بحسب الأعيان و الأحوال‌

____________

(1). مسند أحمد 5: 632، ح 19582، و 641، ح 19643؛ الانتصار: 468، المسألة 263؛ الخلاف 3: 408، المسألة 20، و 409، المسألة 22؛ غنية النزوع 1: 289؛ تذكرة الفقهاء 2: 214، و 374، و 383، الطبعة الحجريّة؛ الدروس الشرعيّة 3: 109؛ مستدرك الوسائل 17: 88، الباب 1 من أبواب كتاب الغصب، ح 4.

و لم نعثر عليه في مسالك الأفهام و مفاتيح الشرائع.

30

من حيث كفاية التخلية و عدمها، و اعتبار عدم الخطر و عدمه.

و ربما يوجب ذلك شيئا من الإجمال في المفهوم، فحيث يشكّ في تحقّق التأدية، فالمرجع استصحاب حكم العهدة و مؤدّى الحديث.

نعم، تكرّر في جامع المقاصد ما حاصله: أنّ إبقاء المالك للعين أمانة عند الآخذ يتحقّق به عنوان الأداء المجعول غاية في الحديث، فيرتفع حكم العهدة السابقة على الاستئمان بحصول غايتها باعتبار أنّ يد النائب يد المنوب عنه (1)، كما منع في رهن الجواهر عدم صدق التأدية بذلك (2). و لكنّه مخالف لظاهر التأدية، و ليس هناك ما يصلح للقرينة إلّا ملاحظة المناسبات لحكم العهدة، و الإرفاق بالمالك، و الغاية، و أيدي الأمانات.

و لكنّ تقييد الحديث بأدلّة الأمانات كاف في رعاية المناسبات، و مانع عن القرينيّة المفروضة، مضافا إلى أنّ أيدي الأمانات من مصاديق الأخذ، و مشمولات الحديث موضوعا و حكما أيضا باعتبار عهدة الحفظ و الردّ، فلا تكون من مصاديق التأدية التي هي غاية لعهدة الحديث، و ضدّ للأخذ، فإنّ ذلك غير ممكن، و لا يجدي فيه اختلاف الاعتبار بالنسبة إلى الفعل الواحد و اليد الواحدة.

و دعوى أنّ أيدي الأمانات ليست أخذا، و ليست من مصاديق الأخذ في الحديث دعوى واضحة المنع، مع أنّ جامع المقاصد يسلّم أنّ يد الأمين المفرّط داخلة في الأخذ الذي هو موضوع الحديث، و مشمولة لحكم الحديث و عهدته (3)، مع أنّك ترى أنّه لو جدّد له المالك الاستئمان لما حصل تفاوت في ذات يده و جعلها على العين، بحيث تكون عند مجرّد التفريط أخذا و عند الاستئمان تأدية، و لعلّما إلى ما ذكر و نحوه نظر الشافعي في رهن كتاب الأمّ في حكمه ببقاء الضمان في المقبوض بالبيع الفاسد بعد إذن المالك بإبقائه رهنا، حيث علّل ذلك بأنّ الآخذ «لا يكون وكيلا لربّ المال في شي‌ء على‌

____________

(1). جامع المقاصد 5: 98.

(2). جواهر الكلام 25: 171 و 172.

(3). جامع المقاصد 5: 98.

31

نفسه»، و استشهد لذلك بأنّ من عليه الحقّ لا يبرأ إذا و كله صاحب الحقّ بقبضه عنه (1).

قلت: و كلّ ذلك يرجع إلى أنّ مثل ذلك ليس من التأدية التي هي غاية الحديث.

و قد عرفت أنّ تقييد الحديث بأدلّة الأمانات كاف في سقوط الضمان، حتّى فيما استشهد به؛ و ذلك لأجل رجوعه إلى استيداع ما يعيّنه من وفاء الحقّ.

نعم، لا يبعد شمول التأدية لدفع العين إلى الحاكم حيث يجوز؛ و ذلك لأنّ الشارع كما جعل عهدة العين إرفاقا بالمالك جعل الحاكم وليّه و بمنزلته، فالدفع له تأدية للمالك بحكم الشارع كالدفع إلى وكيله في قبض العين.

و حيث إنّ مضمون الحديث هو رعاية المالك في مملوكه، فلا مجرى له لو سقطت ملكيّة المالك عن العين المأخوذة، أو سقط ماله عن الاحترام، كما لو باع مريد الإحرام صيدا بالبيع الفاسد، ثمّ أحرم و الصيد معه عند رفيقه، أو قبض منه بالسوم و غصب منه أو أودعه، و نحو ذلك، و الحال هذه. و كذا لو أخذت العين بأحد الوجوه من الذمّي فصار حربيّا، إلّا في الوديعة أو مطلق الأمانات فإنّها يجب ردّها، و تحرم الخيانة فيها؛ للرواية الخاصّة و الأمان بقبول الأمانة.

تتميم

و لا يخفى جريان الحديث الشريف في نماء المأخوذ بالنسبة لمن حدث تحت يده؛ إذ لا أقلّ من كونه مأخوذا كالعين.

نعم، ربما يخفى جريانه بالنسبة لليد المتقدّمة في النماء الحادث تحت الأيدي المترتّبة عليها، و في المنافع المفوّتة و المستوفاة مطلقا.

لكنّ الظاهر تكفّل الحديث للحكم في ذلك كلّه بما تقتضيه عهدة العين من الأحكام، فإنّ ماليّة الأموال و محطّ نظر العقلاء فيها- في رغبتهم بها و الحرص عليها و بذل الثمن‌

____________

(1). الأمّ 3: 142.

32

بإزائها و زيادته و نقصه- إنّما هو لحاظ نمائها و منافعها التي هي الجهة للامتنان على الناس في الكتاب الكريم بخلق الأعيان، فهي مناط الإرفاق في الحديث، و إنّ فوات النماء و المنافع المقصودة من العين ليعدّ باعتبار ما ذكرنا بمنزلة فوات شي‌ء منها، فيكون عهدة ذلك نحوا من أنحاء عهدة العين، و ضمانه من أنحاء ضمانها، كما هو مؤدّى الحديث، و لا يتوقّف ذلك في المنافع على شمول الموصول فيه، أو صدق الأخذ على حصولها في اليد بقبض العين أو على مطلق الاستيلاء الحاصل بقبض الأعيان.

و إذا عرفت هذا عرفت أنّه لا يجدي الالتفات في عدم تضمين المنافع الفائتة بالقبض بالبيع الفاسد إلى قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»؛ لما ذكرناه، و لأنّ المسلّم من هذه القاعدة ما إذا كان عدم الضمان في الصحيح؛ لأجل استئمان المالك أو هدره لماله عينا أو منفعة؛ و لأنّ المنافع و مقاديرها ملحوظة، أو هو الملحوظ في ثمن العين و غرامتها، كما يختلف ذلك باعتبار سلب بعضها و عدمه كما مرّ، و يأتي إن شاء اللّه، فهي إذن مضمونة بضمان العين، بل إنّ حقيقة ضمان العين هو ضمانها، فهي إذن مشمولة لقاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» دون عكسها، و لو كانت مشمولة للعكس لاقتضى عدم ضمان المنافع المستوفاة أيضا، فاللازم على من يستند لضمانها إلى قاعدة الإتلاف ملاحظة المرجّح لإحدى القاعدتين؛ لأجل العموم من وجه أو الرجوع إلى البراءة.

و حيث تقدّم قاعدة الإتلاف فالوجه الذي يقتضي صدق الإتلاف فيها على المستوفاة يقتضي صدقه أيضا على المفوّتة، باعتبار التسبيب بحبس العين كسائر التسبيبات، و كذا لا يجدي الالتفات إلى رضاء العالم بالفساد من المتبايعين بقاء عينه عند الآخر؛ لأنّه إنّما يجدي ذلك مع تحقّق عنوان الاستئمان أو هدر المنفعة، و كذا الالتفات إلى دعوى أنّ مال الغير تجدّد في يد آخذ العين بعيد فعلها، فكان كالثوب تطيّره الريح فلا تضمن الفائتة مطلقا؛ و ذلك لمنع أصل الدعوى، و الفرق بين المورد و المثال و كفاية أخذ العين في انطباق الحديث.

33

و كذا الالتفات إلى سكوت روايتي زرارة عن ضمان المنافع الفائتة من الجارية الفاسد بيعها لإقامة البيّنة على أنّ مالكها هو غير البائع (1)، مع الحكم فيها بضمان المستوفاة بدعوى كونها في مقام البيان.

و ذلك للنقض أوّلا: بسكوت رواية جميل (2) و مرسلته عن أبي عبد اللّه (3)، بل و رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليهما السلام) في مثل المسألة عن المنافع المستوفاة كالخدمة و اللبن (4) مع عدم تفاوت ظاهر بينهما في المقام، بل سكوت جميعها عن المعلوم استيفاؤه من المنافع، و هو التمتّع بها.

و الحلّ ثانيا: بمنع كونهما بل جميع هذه الروايات في مقام البيان لضمان جميع ما يضمن، و بأنّه لا يعلم بفوات منافع معدّة لها تلك الأمة غير ما استوفي منها.

تتمّة

و احتجّ في الوسيلة لعدم ضمان المنافع المستوفاة أيضا في البيع الفاسد بما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من قوله: «الخراج بالضمان» (5).

و نقل في التذكرة مثله عن بعض المالكيّة (6).

قلت: و إنّ الحديث ليس على إبهامه الموهم للإطلاق، بل إنّ مورده منافع المبيع، إذا استعمله المشتري، ثمّ ردّه بالعيب، و هو على قاعدة منافع المبيع بالبيع الصحيح الواقعة في ملك المشتري، و لا يمكن أن يتعدّاه إلى ضمان الغرامة و المنافع التي ليست من ملك الآخذ، و لا جامع بين الأمرين في الدلالة، و إنّ تعدّي الحنفيّة‌

____________

(1). تهذيب الأحكام 7: 64، ح 276، و 83، ح 357؛ الاستبصار 3: 85 و 84، ح 289 و 287.

(2). المصدر: 82، ح 353؛ المصدر: 84، ح 285.

(3). المصدر: 65، ح 280؛ المصدر: 84، ح 286.

(4). المصدر: 488، ح 1960؛ المصدر: 205، ح 739.

(5). الوسيلة: 255؛ عوالي اللآلئ 1: 209، ح 89.

(6). تذكرة الفقهاء 2: 381، الطبعة الحجريّة.

34

بالحكم إلى منافع المغصوب فبالقياس لا بالدلالة.

روى الشافعي في مختلف الحديث و ابن ماجة في صحيحه و أبو داود في سننه، جميعا من طريق مسلم بن خالد مسندا عن عائشة: أنّ رجلا ابتاع عبدا فاستعمله، ثمّ ظهر منه على عيب، فقضى له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بردّه بالعيب، فقال المقضيّ عليه: قد استعمله، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «الخراج بالضمان» (1).

و روى ابن ماجة أيضا بسنده عن عائشة: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قضى أنّ خراج العبد بضمانه (2)، و كلّ ما روي من الحديث مبهما فهو أيضا عن عائشة، و الاعتبار الصحيح يقتضي أنّه مقتطع في الرواية منها أو عنها من هذا المبيّن مورده.

و أمّا ما يتراءى من صحيحة أبي ولّاد- من خيال عدم الضمان للمنافع الفائتة بتقريب أنّ مدّة غصب البغل خمسة عشر يوما، مع أنّ الكراء- الذي حكم الإمام (عليه السلام) بأداء مثله- إنّما هو كراء منافع، تكون في ثمانية أيّام أو تسعة- فيرفعه التدبّر في أسلوب الصحيحة، و عرف هذه الإجارات و كرائها، لقوله (عليه السلام) فيها: «له عليك مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كراء بغل ذاهبا من النيل إلى بغداد، و مثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة» (3)، فإنّ عرف الإجارات يقتضي أن يكون الكراء في مثل هذه الإجارات المتفرّقة يساوي منفعة البغل في خمسة عشر يوما بإجارة واحدة، فإنّهم يلحظون في كراء الإجارة القليلة ما يتعقّبها من التعطيل إلى أن تتيسّر إجارة أخرى؛ و لذا لم يقل (عليه السلام): مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى بغداد و آئبا إليها، و عليه فليس في المقام منفعة فائتة؛ و لعلّه لأجل ذلك ذكر بعضهم: أنّه لم يعمل بهذا الخيال من الرواية في موردها، و هو الغصب.

____________

(1). سنن ابن ماجة 2: 754، ح 2243؛ سنن أبي داود 3: 284، ح 3510.

(2). سنن ابن ماجة 2: 753- 754، ح 2242.

(3). الكافي 5: 290، باب الرجل يكتري الدابّة فيجاوز بها الحدّ، ح 6؛ تهذيب الأحكام 7: 215، ح 943؛ الاستبصار 3: 134، ح 483.

35

فالصحيح إذن هو ضمان المنافع مطلقا، كما هو المشهور، و صريح الشافعي في كتاب مختلف الحديث في النماء و المنافع المستوفاة و في الفائتة، أيضا في الغصب في مختصر المزني، كما هو المحكيّ عن أحمد (1).

ثمّ لا يخفى أنّه ليس في الحديث من قبل الشارع إلّا أن جعل على الآخذ عهدة العين المأخوذة المكنّى بها عن جعل آثارها من الأحكام، و أمّا بيان ما تقتضيه العهدة من الآثار و الأحكام و كيفيّة الفراغ منها و كيفيّة الأداء، فهو ما موكول إلى حكم العرف و العقلاء بحسب ما يرونه بينهم أثرا لعهدة العين في ضماناتهم و غراماتهم و رغباتهم في الأموال، فهو المعيار في الحكم بالغرامة و تعيينها، و كونها بالمثل أو القيمة، و كونها قيمة يوم حدوث العهدة أو التلف أو الردّ أو أعلى القيم، و كون الغرامة مفرّغة عن العهدة دائما أو في حال دون حال، و لحاظها تارة من حيث المالك و أخرى من حيث الغارم.

و حيث يشكّ في حكم العرف و العقلاء، بحيث يستتبع ذلك الشكّ في الحكم الشرعي، فالمرجع في الحكم الشرعي ما تقتضيه القواعد الشرعيّة و الأصول العمليّة.

و بمقتضى عهدة الحديث يجب ردّ المأخوذ على مالكه إرفاقا به عند طلبه، أو عدم العلم بالإذن ببقائه وجوبا مطلقا في كلّ زمان فورا ففورا مهما أمكن، و تجب مقدّماته حتّى مع الشكّ في القدرة عليه إلّا مع اليأس منه، أو لا يسقط الوجوب رأسا إلّا مع سقوط القدرة رأسا.

و أمّا وجوب دفع الغرامة، فمحلّه حيث يحكم العرف بلزوم تدارك العين و تلافي ما يفوت من سلطنة المالك عليها، حيث لا يتيسّر في الجملة للآخذ ردّ العين و هو- مع العلم بعدم تمكّنه من ردّها أو عدم رجائه- ظاهر، و أمّا مع رجائه بعد مدّة طويلة يتضرّر المالك بانتظارها، أو قصيرة كذلك، أو طويلة لا يتضرّر بانتظارها، أو قصيرة كذلك، فلا يبعد حكم العرف في عاداتهم في بعضها بلزوم أداء الغرامة و توقّفه في بعضها، و عند التوقّف فالمرجع البراءة.

____________

(1). مختصر المزني: 117- 118؛ المغني لابن قدامة 5: 390- 391، المسألة 3948.

36

الفصل الرابع في الغرامة

و حيث يحكم العرف بالتغريم، فقد يرى الغرامة و ما به التدارك عينا أخرى مماثلة للعين المأخوذة بمماثلة مرتكزة في الأذهان، يجرون عليها في غراماتهم المبنيّة على المداقّة و العدل بين المالك و الغارم، لا المسامحة و التساهل، و ذلك كما إذا تساوتا في الحقيقة و الجهات المقصودة منها و الرغبة و الماليّة، بحيث لا تتمايز العينان إلّا بمحض التشخّص الذي لا أثر له في ذلك، و ذلك كأبعاض الصبرة و إناء العسل و السمن مثلا.

هذا، و قد يرى الغرامة قيمة العين المأخوذة، و ذلك حيث يجد أن لا مماثل بالنحو المتقدّم، و يرى القيمة حينئذ أقرب إلى العدل في التدارك من مطلق المماثل بالنوع أو الصنف، و إنّ حكم العرف بالغرامة بالمثل- على ما قدّمنا في مدلول النبويّ (1)، و مثله قاعدة الإتلاف- كاف في إثبات الحكم الشرعيّ بذلك، و كذا حكم العرف بالغرامة بالقيمة، و لا يتوقّف على الإجماع على الحكم الشرعي؛ لكي يرجع في محلّ الخلاف إلى ما تقتضيه الأصول و القواعد.

نعم، لو فرضت معارضة الإجماع المحقّق لما يتراءى من حكم العرف لقدّم الإجماع؛ لكشفه عن خطإ غير المعصوم في تطبيق ما ذكرنا من المعنى المرتكز في الأذهان و إن كان الفرض بعيدا، بل الظاهر أنّ المثلي و القيمي في الغرامات الشرعيّة مساوق و مساو في الصدق لهما في الغرامات العرفيّة، فإن ادّعى الاختلاف فهو لعدم تحقيق مقتضى العرف أو الاشتباه في التطبيق، و قد يجوز أن يكون تعبّدا في مورد يضطرب عرفه.

____________

(1). سبق ذكره في ص 9.

37

نعم، قد يكون حكم العرف بالمثل في بعض الموارد أوسع دائرة من المثلي في الغرامات المبنيّة على العدل و المداقّة، و ذلك كالمماثلة التي أمضاها الشارع في قرض الخبز و الجوز؛ و لأجلها استحسن في الشرائع في قرض القيمي ثبوت مثله في الذمّة (1)، و اختار في التذكرة- فيما يصحّ السلم فيه كالحيوان أو الثياب- ضمان مثله في القرض في الذمّة (2)، و في كلمات بعض الأعاظم في المقام:

أنّ حكم العرف و العقلاء بالتغريم أعمّ من الشرعي، و أوسع دائرة من المثلي الذي عرّفه الفقهاء، فهو شامل لجملة ممّا حكم الشرع بغرامته بالقيمة.

و جعل هذا في مقام من كلماته هو الأصل، و المرجع في الغرامة عند الشكّ في كونها بالقيمة، و استأنس لمدّعاه بملاحظة المماثلة التي أمضاها الشرع في قرض الخبز و الجوز عددا، أو استحسان الشرائع في قرض القيمي ثبوت مثله في الذمّة، و اختيار التذكرة فيما يصحّ السلم فيه كالحيوان و الثياب ضمانه في القرض بمثله.

و لكنّ الدعوى المتقدّمة ممنوعة في الغرامة المبنيّة على العدل و المداقّة.

نعم، قد يكون حكم العرف بالمماثلة في القرض أوسع منه في التغريمات؛ و ذلك للبناء في القرض على التساهل و التسامح من الجانبين بخلاف الغرامة.

و لعلّ هذا هو الوجه فيما ذكرنا عن الشرائع و التذكرة، نظرا إلى صحّة القرض و عرفه، كما يظهر من كلاميهما التفرقة بين المثلي و المثل في القرض، فالأصل في الغرامة لو فرض الشكّ في حكم العرف، و ما يستتبع من حكم الشرع هو الاحتياط للخروج عن العهدة؛ لكون خصوصيّتي المثل و القيمة من نحو المتباينين، و هو يحصل بتخيير المالك؛ لكون الغرامة للإرفاق بمستحقّها و له إسقاط حقّه أجمع.

____________

(1). شرائع الإسلام 2: 62.

(2). تذكرة الفقهاء 13: 30- 31، المسألة 30.

38

ثمّ إنّه قد جرى اصطلاح الفقهاء بتسمية ما يضمن بالمثل مثليّا، و جرى عليه الحنفيّة و الشافعيّة و أحمد (1)، و حكي إطباق الأصحاب على ذلك و عدم الخلاف فيه (2)، عدا ظاهر ابن الجنيد (3).

و في الجواهر: «أنّه من قطعيّات الفقه» (4)، و فيه كما في مفتاح الكرامة: «أنّهم يأخذونه مسلّما في أبواب الفقه» (5).

و في جامع المقاصد: «عليه الإجماع» (6).

و عن ابن عبد البرّ: «أنّ كلّ مطعوم من مأكول أو مشروب مجمع على أنّه يجب على مستهلكه مثله» (7).

و لكنّهم اختلفت كلماتهم في تعريفه؛ إمّا لخفاء انطباق المعنى المرتكز في الأذهان للمماثلة و عدمه، أو للتوجّه إليه، أو الإشارة إليه ببعض عناوينه، فيتّفق كونها أعمّ أو أخصّ، أو للشكّ في مدخليّة بعض الصفات في الاختلاف و عدم المماثلة، أو لاعتبار مدخليّتها في بعض الموارد و عدمها في بعض، كما يتّفق ذلك في قليل بعض الأشياء و كثيرها، أو لكون بعض العناوين مساويا للمثلي فيعرف بها، و تكون في الزمان المتأخّر أخصّ منه، أو لأنّ المقصود شرح الاسم بوجه كالتعاريف اللفظيّة.

نعم، يبعد أن يكون ذلك لاختلافهم في حقيقة مناط المثليّة أو دليله.

فعن أبي حنيفة و الشافعي و أحمد: أنّ المثلي كلّ مقدّر بكيل أو وزن (8)،

____________

(1). بداية المجتهد 2: 317.

(2). حكاه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 6: 252.

(3). حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة 6: 96، المسألة 84.

(4). جواهر الكلام 37: 85.

(5). مفتاح الكرامة 6: 241.

(6). جامع المقاصد 6: 252.

(7). حكاه عنه ابن قدامة في المغني 5: 377.

(8). بداية المجتهد 2: 317؛ الأمّ 3: 254.

39

و زاد بعضهم: اشتراط جواز السلم فيه (1).

و عن بعضهم: «أنّ المثليّات هي التي تقسم بين الشريكين من غير حاجة إلى تقويم» (2)، و إذا اعتبروا الاطّراد و عدم التساهل في ذلك لم يرد عليهم الاعتراض بالأرض غير المتساوية الأجزاء، حيث إنّها ربما تقسم بدون تقويم؛ و ذلك لأنّ أكثر مواردها يحتاج إلى تعديل و تقويم من حيث الموقع و الكيفيّة.

و عرّفه جماعة- كما نسبه في التنقيح و المسالك و الكفاية إلى المشهور (3)، و في شرح القواعد ناسبا إلى الأكثر (4)- بأنّه ما تتساوى قيمة أجزائه، أو ما تتساوى أجزاؤه مع التعبير بالتساوي بالقيمة. و زاد بعضهم بالتمثيل بالحنطة و الشعير و غيرهما من الحبوب و الأدهان (5).

و مرادهم من المثلي هو الكلّي من النوع أو الصنف، و كذا الموصول في التعريف، و من الأجزاء ما يصدق عليه اسم الحقيقة، و سمّيت أجزاء باعتبار التألّف منها؛ إذ الغالب في مصاديقه انقسامها إلى ما تكون أفرادا للحقيقة، فهي بذلك الاعتبار أجزاء و إن كانت جزئيّات باعتبار الصدق.

ففي غاية المراد: «أنّه ما تتساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعيّة» (6).

و في جامع المقاصد: «أنّ بعضهم ضبطه بأنّه ما يقع اسمه على القليل و الكثير كالماء و الدبس» (7).

____________

(1). فتح العزيز (المطبوع ضمن المجموع) 11: 266.

(2). المصدر 11: 267.

(3). التنقيح الرائع 4: 69؛ مسالك الأفهام 12: 182؛ كفاية الفقه 2: 639.

(4). شرح قواعد الأحكام 2: 35.

(5). منهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام 12: 182.

(6). غاية المراد 2: 398.

(7). جامع المقاصد 6: 244.

40

و في الدروس و الروضة: «أنّه المتساوي الأجزاء أو المنفعة، المتقارب الصفات» (1).

و جعله في المسالك و الكفاية أقرب التعريفات إلى السلامة (2). كما أنّ مرادهم من التساوي ما كان لأجل التساوي في الحقيقة و جهات الرغبة، لا ما يتّفق لأجل التساهل أو عدم الاطّلاع على ما يمتاز به بعض على بعض، كما يتّفق ذلك في الحيوان أو الأرض التي هي قطع متجاورات مختلفة باعتبار بواطنها و خصوصيّاتها في المقاصد و جهات الرغبة، كما تختلف في ذلك باعتبار الموقع و الوضع اختلافا كثيرا.

و أمّا المراد من تساوي القيمة: فقد ذكر بعض الأساطين أنّه التساوي في السعر و القيمة الكلّيّة كتساوي الأوقيّة التي قيمتها درهم للأوقيّتين اللتين قيمتهما درهمان، و هكذا.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لا يتّجه الإيراد على طرد التعريف بالثوب و الأرض و على عكسه بالحبوب المشتملة على القشور، و لا بأس بشموله لأبعاض القطع من المنسوجات الإفرنجيّة، بل القطع من الصنف الواحد، و قد يقصر بواسطة التعبير بالأجزاء عن شمول ما لا يتجزّأ مصداقه إلى أفراد من المصنوعات الإفرنجيّة التي لا يبعد حكم العرف بغرامتها بالمثل كالأواني و نحوها.

نعم، قد يتوقّف في مثليّة بعضها سيّما ما كان كالساعات و نحوها ممّا تكثر آلاته الباطنة، و يعتدّ باحتمال الاختلاف فيها من حيث التركيب و الوضع و إن كانت من صنف واحد و صناعة واحدة.

و الحاصل: أنّ الأولى في معرفة المثلي إحالته على ما ذكرناه من المعنى المرتكز في الأذهان في الغرامات العادلة و حكم العرف و العقلاء فيها، كما لعلّه ملحوظ شرح القواعد في إناطة الضمان بالمثل بتسمية العين مثليّة عرفا (3)، و إنّ ردّ تعليل التسمية بين الوجوه المذكورة في التعاريف السابقة و غيرها، كما هو ملحوظ الجواهر فيما رجع إليه أخيرا في‌

____________

(1). الدروس الشرعيّة 3: 113؛ الروضة البهيّة 7: 36.

(2). مسالك الأفهام 12: 183؛ كفاية الفقه 2: 640.

(3). شرح قواعد الأحكام 2: 35- 36.

41

المثلي المصطلح (1)، و المحكيّ عن مجمع الأردبيلي من: «أنّ كلّ شي‌ء يكون له مثل في العرف يؤخذ به بدلا» (2). و المحكيّ من توجيه الوحيد البهبهاني لتعريف المشهور:

بكون المراد بالتساوي العرفي (3)، كما أنّ الظاهر أنّ مأخذ التسمية بالمثلي هو حكم العرف بالتغريم بالمثل، كأخذ عنوان الركن لبعض أجزاء الصلاة من حكم الشارع بالبطلان بفواتها عمدا أو سهوا؛ إذ لا عنوان له إلّا في اصطلاح الفقهاء في باب الغرامات، و إنّ أخذه من معنى المثل- لغة أو عرفا مطلقا- موجب لدخول جلّ القيميّات أو كلّها حتّى المجمع على ضمانه بالقيمة، و ما ورد فيه النصّ بذلك كالبغل و العبد (4) و غيرهما و أخذه بنحو خاصّ غير ما ذكرنا إحالة إلى مجهول، و من الحكم الشرعي موجب للدور و الخلل في قولهم في بيان الحكم و تقسيم الغرامات: المثلي يضمن بمثله.

و من هنا يعرف الكلام في قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (5) على تقدير نظره إلى الغرامات، على أنّه غير مختصّ حينئذ بغرامة المثلي، بل يعمّ الغرامة بالقيمة، و حاصله إذن شرعيّة التغريم بالعدل، فالمماثلة فيه أيضا موكولة إلى نظر العرف و حكمهم في الغرامات التي لا تساهل فيها و لا حيف، كإيكال العهدة و أثرها في الحديث و الضمان و أثره في قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من أتلف مال غيره فهو ضامن» (6).

____________

(1). جواهر الكلام 37: 88.

(2). مجمع الفائدة و البرهان 10: 525.

(3). حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 620؛ رياض المسائل 14: 25.

(4). الكافي 5: 290، باب الرجل يكتري الدابّة فيجاوز بها الحدّ، ح 6؛ تهذيب الأحكام 7: 215، ح 943؛ الاستبصار 3: 134، ح 483.

(5). البقرة (2): 194.

(6). لم نعثر عليه، و قد علّق عليه البجنوردي بقوله: أمّا ما اشتهر في الألسن من قولهم: «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» فلم نجده في كتب الحديث، و لعلّ المتتبّع الخبير يجده أو وجده.

و استدرك قائلا: لكنّ مضمون هذه القاعدة مرويّ بألسنة مختلفة، مضافا إلى كونها بهذه الألفاظ من المسلّمات بين الخاصّة و العامّة، و لا يزال يستدلّ الفقهاء عموما بهذه القاعدة على الضمان في الموارد الجزئيّة المشكوكة.

القواعد الفقهيّة 2: 34.

42

فصل

و أمّا ما لا يرى العرف و العقلاء له مثلا بالنحو المتقدّم،

فغرامته بقيمته.

و حكى في التذكرة عن عبيد اللّه بن الحسن العنبري: أنّه يجب في كلّ شي‌ء مثله؛ لما روي من أنّ حفصة صنعت طعاما و بعثت به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فكسرته عائشة، فقالت: يا رسول اللّه، ما كفّارة ما صنعت؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «إناء مثل الإناء، و طعام مثل الطعام».

و عن أنس: أنّ امرأة كسرت قصعة أخرى، فدفع النبيّ قصعة الكاسرة إلى صاحبة المكسورة، و حبس المكسورة في بيته (1).

قلت: و إنّ حديثي «اليد» (2) و «الإتلاف» (3)- لورودهما في مقام البيان- لا يحتملان أن يراد منهما غير ما عليه العرف و العقلاء في غراماتهم المبنيّة على المداقّة و العدل، مضافا إلى معارضة هذا المرويّ بما روي من قوله (عليه السلام): «من أعتق شركا من عبد قوّم عليه قيمة العدل» (4)؛ و ذلك لإتلافه حصّة الشريك بالعتق، فأمر (صلّى اللّه عليه و آله) بالقيمة و لم يأمر بالمماثل.

و أيضا إنّ المقام ظاهر كما لا يخفى في كونه من الغرامات المحتشمة المبنيّة على محض تدارك الفارط، لا المبنيّة على المداقّة، فإنّ من الغرامات ما يحتشم فيها أخذ القيمة، فيتوصّل فيها إلى تدارك انتفاع المالك بدفع ما هو من نوع التالف، مع التغاضي عن تقدير الماليّة رفعا للحزازة و احتشاما لعنوان التغريم، كما هو المتعارف بين الأقارب، كما يدلّ عليه لفظ «الكفّارة» في الحديث الأوّل، «و حبس المكسورة» في الثاني. هذا.

____________

(1). تذكرة الفقهاء 2: 383، الطبعة الحجريّة؛ سنن الدارمي 2: 343، ح 2598.

(2). تقدّم في ص 3.

(3). تقدّم في ص 21.

(4). سنن ابن ماجة 2: 844، ح 2528؛ مسند أحمد 1: 91، ح 399.

43

و أمّا تعيين القيمة عند اختلافها بحسب السوق في الأزمنة من يوم حدوث العهدة أو دفع الغرامة،

فقد اختلف فيها على أقوال:

أحدها: قيمة يوم التلف، أي وقته

و هو الأقوى؛ لأنّ وقت التلف هو حال ثبوت الغرامة و تعلّقها بالذمّة بدلا عن العين، فإنّ المحصّل و المفهوم من معنى ضمان العين و كونها في العهدة- كما أفاده شيخ مشايخنا في المكاسب- هو لزوم تداركها عند تلفها ببدلها، حتّى تكون عند تلفها، كأنّها لم تتلف، و تداركها بهذا النحو إنّما هو بمال معادل لها قائم مقامها حينئذ بالماليّة (1)، و هو قيمتها حين التلف، و هذا هو المناسب للحكم بوجوب المثل في المثلي، مع إيجادهما في المدرك وجهة التغريم، بخلاف الأقوال الآتية حتّى الرابع عند التدبّر، مضافا إلى ضعفها، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

ثانيها: قيمة يوم حدوث العهدة

و ربما عبّر بعضهم في بعض الموارد بيوم البيع، و احتجّ له: بأنّ ذلك هو حال دخول العين في العهدة و الضمان، و بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في صحيحة أبي ولّاد: «نعم، قيمة بغل يوم خالفته»، و قوله (عليه السلام): «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا و كذا» (2)، بتنزيل قيمة يوم الإكراء على قيمة يوم المخالفة؛ لقربه منه، و وقع التعبير بيوم الإكراء؛ لتيسّر الشهود فيه غالبا دون يوم المخالفة.

و فيه: أنّه لم يكن حين حدوث العهدة حكم للغرامة إلّا المعلّق على التلف، و مفاد المعلّق ليس إلّا ما ذكرنا.

____________

(1). المكاسب 3: 244.

(2). الكافي 5: 290، باب الرجل يكتري الدابّة فيجاوز بها الحدّ، ح 6؛ تهذيب الأحكام 7: 215، ح 943؛ الاستبصار 3: 134، ح 483. و فيها: «حين اكتري».

44

و أمّا الاستناد إلى قوله (عليه السلام): «نعم، قيمة بغل يوم خالفته»، بتنكير بغل، أو تعريفه على ما حكي عن بعض نسخ الكافي بجعل الظرف قيدا للقيمة (1)، فقد ردّه بعض بدعوى كون الظرف قيدا للّزوم (2)، فهو متعلّق بقوله (عليه السلام): «نعم» الواقعة تقريرا للسؤال عن اللزوم، فيكون الحاصل: يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل من دون تعيين للقيمة، و رجّحه بعض على كونه قيدا للقيمة، مع الاعتراف بصحّته بأنّ «نعم» في المقام بمعنى الفعل (3).

و فيه: أنّ الأظهر كون الظرف قيدا للقيمة متعلّقا بها؛ لما فيها من شوب الاشتقاق، أو باختصاصها الحاصل من إضافتها إلى البغل، كتعلّق الظرف في الفقرة الأخرى؛ إذ ليس الثابت يوم المخالفة إلّا العهدة و الضمان، لا لزوم القيمة التي يتدارك بها التالف، و إنّما هو ممّا يترتّب حين التلف أثرا على العهدة، مضافا إلى أنّ السؤال إنّما وقع عن اللزوم على تقدير التلف، فلا يحسن تقريره ب‍ «نعم» التي يراد منها اللزوم يوم المخالفة، و لا فائدة فيما ذكر من المرجّح عند اقتضاء المقام خلافه.

و أمّا ما ذكره بعض الأعاظم من تقريب كون «اليوم» قيدا ل‍ «القيمة» بدعوى إضافة «القيمة» إضافة ثانية إلى «يوم المخالفة» (4)، فإنّه مستلزم للحاظ المضاف و الإضافة بلحاظين متباينين في تلفّظ واحد، و فيه ما فيه.

و أمّا تصحيحه و تقريبه بالتمثيل له بقولهم: «هذا حبّ رمّانك»، إذا كان الحبّ لك دون الرمّان.

ففيه- مع عدم العلم بوروده في صحيح الكلام-: أنّه إنّما يسلّم استعماله فيها، إذا صار المضاف و المضاف إليه الأوّل بسبب التركيب بمنزلة الكلمة الواحدة، في‌

____________

(1). حكاه المولى محمّد كاظم الآخوند الخراساني في حاشية المكاسب: 41.

(2). هو العاملي في مفتاح الكرامة 6: 244.

(3). انظر حاشية المكاسب للسيّد محمّد كاظم اليزدي: 104.

(4). انظر الروضة البهيّة 7: 42؛ و للمزيد راجع مفتاح الكرامة 6: 244.

45

صيرورتهما معا لدى الاستعمال اسما- للجنس كما في المثال- كتسمية الشخص ب‍ «عبد اللّه» دون محلّ الكلام هذا.

و لكن لمّا كان من البعيد النادر في واقعة السؤال- و نحوها- أن تختلف قيمة البغل في تلك المدّة اليسيرة، و تتعدّد أفرادها، كان من البعيد أيضا في الكلام المسوق للواقعة الشخصيّة حمل التقييد بالظرف على الاحتراز عمّا عدا قيمة يوم المخالفة، مع إمكان وجود فائدة أخرى، فالأقرب حينئذ حمله على الاحتراز عن نقص قيمته؛ بسبب ما يصيبه بعد المخالفة و حدوث العهدة من الهزال و الإعياء و عوارض السفر و حثّ السير، فذكر (عليه السلام) قيمة يوم المخالفة المفروض بحسب الغالب مساواتها لقيمة يوم التلف، مع السلامة من العوارض الطارئة، و جعلها ميزانا للغرامة حينئذ؛ ليكون الزائد تعديلا لما ينقص من قيمة يوم التلف بسبب العوارض المذكورة، كما يشهد لذلك كلّه التقييد ب‍ «يوم الاكتراء» في قوله (عليه السلام): «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمته يوم اكتري كذا و كذا»، فإنّ الفرض عدم الاعتبار بيوم الاكتراء؛ لأنّه كان أمانة لا ضمان فيها، و إنّ حمله على يوم المخالفة- لقربه منه و تيسّر الشهود فيه- ليس بأولى من حمله على جعل قيمته أيضا ميزانا و تعديلا لقيمة يوم التلف، كما ذكرنا في يوم المخالفة بالتقريب المتقدّم، مع ملاحظة تيسّر الشهود على القيمة في يوم الاكتراء.

و ثالثها: أعلى القيم من دخول العين في العهدة إلى يوم التلف

و استند بعضهم في ذلك إلى قاعدة الاشتغال (1).

و بعض إلى دعوى: «أنّ العين مضمونة بجميع زوائدها و حالاتها» (2)، و استشهد لذلك بأنّها لو تلفت حال الزيادة ضمنها، فكذا بعضها.

____________

(1). السرائر 2: 481.

(2). مسالك الأفهام 12: 187.

46

و بعض في خصوص الغصب إلى أخذ الغاصب بأشقّ الأحوال (1).

و بعض إلى مناسبته لعقوبة الغاصب (2).

و ادّعى بعض الدلالة عليه في صحيحة أبي ولّاد التي أشرنا إليها، و لم يبيّن وجه الدلالة (3).

و ربما يحتمل أو يستظهر المتتبّع من كلمات بعضهم أو استدلاله التفصيل بين الغصب في الضمان بأعلى القيم، و بين غيره في الضمان بقيمة يوم حدوث العهدة أو التلف، كما هو مقتضى الاحتجاج بأخذ الغاصب بأشقّ الأحوال.

نعم، في السرائر في بعض الموارد دعوى عدم التفصيل بين الغصب و غيره (4).

و كيف كان، فهذا القول ضعيف؛ لكون المقام مجرى البراءة من الزائد دون الاشتغال؛ لأنّ الشكّ فيه إنّما هو بين الأقلّ و الأكثر غير الارتباطيّين، و مرجعه إلى الشكّ في التكليف بالزائد، و شغل الذمّة به لا في سقوط العهدة بأداء القيمة ليعود الشكّ إلى المسقط؛ فإنّ العهدة قد تبدّلت من حين التلف بشغل الذمّة المفروض تردّده من أوّل الأمر بين الأقلّ و الأكثر.

و دعوى أنّ العين مضمونة بجميع حالاتها و زوائدها ممنوعة بالنسبة إلى زيادة القيمة لمجرّد السوق.

أ لا ترى أنّه لا يضمن ذلك مع ردّ العين أو الغرامة بالمثل قولا واحدا على الظاهر، و الاستشهاد بضمان الزيادة- لو تلفت العين حالها- إنّما يسلّم دعواه من يعتبر قيمة يوم التلف، من حيث إنّ ملاحظة القيمة تكون حينئذ، لا لأنّ الزيادة السوقيّة مضمونة.

و أمّا أخذ الغاصب بأشقّ الأحوال بحيث ينفع في الدعوى، فلم تثبت له حجّة، و كذا لم تثبت على الغاصب عقوبة ماليّة غير الغرامة على حدّ غيره.

____________

(1). إيضاح الفوائد 2: 173.

(2). المهذّب البارع 4: 252.

(3). مسالك الأفهام 12: 186.

(4). السرائر 2: 491.

47

و أمّا صحيحة أبي ولّاد (1) فلم يذكر، و لم يعرف وجه التشبّث بها لهذا القول.

و رابعها: أعلى القيم إلى حين الأداء

ذكره في اللمعة (2) قولا، و لم ينسبه.

و بناه في الدروس على ضمان القيمي بالمماثل، و ذكر أنّه: «جنح إليه المحقّق» (3).

و لعلّه لما ذكرناه عن قرض الشرائع (4)، فيضمن ارتفاع العين و مماثلها.

و استشعره بعضهم من تردّد الشرائع في العبرة بزيادة القيمة و نقصها بعد التلف (5).

و عن حواشي الوحيد البهبهاني على مجمع الأردبيلي اختياره و توجيهه بحصول الضرر بتفويت المنفعة العليا (6).

و ربما يتشبّث أيضا بدعوى بقاء العهدة إلى حين الأداء، و قاعدة الاشتغال للشكّ في الخروج عن العهدة بدون ذلك.

لكن ذكر في الرياض: «أنّ كافّة الأصحاب على خلافه» (7).

و في مفتاح الكرامة: «إطباق الأصحاب على خلافه» (8). انتهى.

و يضعّف بما ذكرناه من منع ضمان القيمي بمماثله، و قد ذكرنا وجه استحسان المحقّق له في قرض الشرائع بحيث لا يجدي في المقام (9).

____________

(1). تقدّمت في ص 23.

(2). اللمعة الدمشقيّة: 43.

(3). الدروس الشرعيّة 3: 113.

(4). شرائع الإسلام 2: 62.

(5). مسالك الأفهام 12: 188.

(6). حاشية مجمع الفائدة و البرهان: 624؛ و حكاه عنه في جواهر الكلام 37: 105.

(7). رياض المسائل 14: 30.

(8). مفتاح الكرامة 6: 245.

(9). تقدّم في ص 17.

48

و أمّا تردّده في عدم العبرة بزيادة القيمة و نقصانها بعد التلف، فإن كان على ظاهره بحيث يرجع إلى احتمال العبرة بقيمة يوم الدفع فهو غير هذا القول، و إن أريد منه ما يرجع إلى اعتبار أشقّ الأحوال أو أصل الاشتغال، فقد عرفت ما فيهما، أو إلى ملاحظة الضرر على المالك بفوات الزيادة السوقيّة و المنفعة العليا، ففيه- مضافا إلى ما في الرياض و مفتاح الكرامة من إطباق الأصحاب على خلاف هذا القول- الإطباق بحسب الظاهر و الإجماع القطعي على عدم الاعتداد بسنخ هذا الضرر الناشئ من محض سقوط الرغبة السوقيّة، كما في ردّ العين و الغرامة بالمثل، مع تساوي الجميع في كونها لحقّ المالك و رفعا لضرره، و بذلك يشكل ما أطنب به بعض الأعاظم في كتاب المكاسب في توجيه القول الثالث و إيضاحه: بأنّ زيادة السوق مرتبة من مراتب الماليّة أزيلت عنها يد المالك و سلطنته، و استمرّت إزالتها إلى زمان التلف، فتجب غرامتها (1).

و لعلّه أشار إلى اندفاعه بأمره أخيرا بالتأمّل.

و أمّا ما ذكره و نفى عنه البأس من استصحاب الضمان، فإن أريد منه ما يرجع إلى صفة المضمونيّة و كون المال لا يذهب هدرا على مالكه، فإنّ ذلك لا شكّ فيه، بل هو باق على كلّ حال من أداء الغرامة بجميع وجوهها و عدمه، و إن أريد منه ما يرجع إلى استصحاب شغل الذمّة، ففيه أنّ المتيقّن من أوّل الأمر كونه أثرا للعهدة، و الضمان إنّما هو قيمة يوم التلف، و أمّا شغل الذمّة بالزائد على ذلك و التكليف به، فهو مشكوك منفيّ من أوّل الأمر بالبراءة.

و خامسها: قيمة العين يوم دفع القيمة

استنادا إلى دعوى بقاء العهدة و عدم تبدّلها بشغل الذمّة.

و فيه: أنّه خلاف المفهوم من معنى ضمان العين و عهدتها، بل الظاهر هو ما ذكرناه أوّلا، و مؤدّاه اعتبار قيمة يوم التلف و شغل الذمّة بها من حينه، على أنّه لا يظهر وجه‌

____________

(1). المكاسب 3: 254- 255.

49

لضمان ارتفاع العين المعدومة، بل هو أمر فرضيّ وهميّ، بل إنّما عاد أمرها بتلفها إلى شغل الذمّة ببدلها، و ما في الذمّة لا يربو و ينقص بنفسه لنفسه.

نعم، بنى بعضهم هذا القول- على ما انفرد به بحسب الظاهر من اختياره-: على أنّ العين المضمونة بنفسها باقية بعد التلف في الذمّة إلى حين دفع الغرامة، فيكون دفع الغرامة معاوضة عنها في ذلك الحين، فتعتبر قيمته في القيميّات، و هو جيّد لو أمكن القول ببقاء العين الشخصيّة التالفة في الذمّة، فإنّه لا يقول: إنّ الذمّة وعاء تبقى فيه العين الشخصيّة المعدومة، و لئن كانت ذمّة الشخص ما يتعلّق به وجوب الأداء فلا يمكن أن يجري ذلك في العين الشخصيّة المعدومة إلى الأبد، و لا تقاس على الكلّي الذي يمكن أداؤه ببعض أفراده و لو في زمان متأخّر، و لو أنّه فرض امتناع أفراد الكلّي مدّة حياة الشخص لم يعقل شغل الذمّة به.

تكملة

فيها أمور:

[الأمر] الأوّل: لا يخفى- كما أشرنا إليه- أنّ الغرامة بالمثل و القيمة ملحوظان في الحديث

(1) و حديث «من أتلف» (2)، و نظر العرف و العقلاء بلحاظ واحد في كونهما تداركا لمال المالك و خلفا عنه، من دون اختلاف بينهما في لحاظ التدارك و نتيجة التغريم وجهة الموازنة بأحدهما؛ لماليّة المال المضمون، بل إنّ اعتبار كلّ واحد منهما يؤخذ ميزانا لوجه اعتبار الآخر في بعض الأمور التي يعترض فيها الشكّ.

و إنّما اعتبر المثل في المثلي لكونه أقرب إلى الدقّة، و أدخل بالعدل من القيمة التي هي معرض للاختلاف و الاضطراب في تقديرها، فكما تظهر عليه رعاية المالك بحفظ الصورة النوعيّة، تظهر عليه أيضا رعاية الغارم بالعدل مهما أمكن، و لو كانت لمحض‌

____________

(1). المقصود منه حديث «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»، تقدّم في ص 3.

(2). المقصود منه حديث «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» تقدّم في ص 21، مع إشارة إلى قول «البجنوردي».

50

رعاية المالك لكان له الإعراض عن حقّه و المطالبة بالقيمة في المثلي.

و قد دلّنا حكم العرف و العقلاء و ما ورد من الشرع بالتغريم بالقيمة على أنّ حفظ الصورة النوعيّة لا يلزم و لا يستقيم على العدل، إذا لم تطّرد فيه الموازنة بين ماليّة التالف و ماليّة الغرامة؛ و لذا لم يلزم الغارم بحفظها و لو بدفع ماليّة زائدة على ماليّة المضمون، حتّى مع التعديل بردّ الزائد من القيمة، و لو لا ذلك لم يكن هناك قيمي، فإنّ كلّ القيميّات يمكن فيها حفظ الصورة النوعيّة مع اليقين بالخروج عن عهدة الماليّة و لو مع التعديل.

الأمر الثاني: هو أنّه لم يعلم من شرع الغرامة و عرفها- في قيامها بدلا عن المضمون على الموازنة و العدل- أكثر من جريها على نهج مبادلات العقلاء

في أموالهم المقصود بها نفس الموازنة بالماليّة في معاملاتهم الحالّة، سواء كانت على الأعيان أو الكلّيّات، و إنّما قيّدنا بالمعاملات الحالّة؛ لأنّ الغرامة لا أجل فيها ليلحظ في البدليّة كما يجعل له قسط من الثمن في المعاملات، و لئن أخّرها الغارم عصيانا أو تسامحا من المالك فسبيل ذلك فيها كسبيل تأخير الحالّ أو المؤجّل عن أجله في أنّه لا يزيد به على مشغول الذمّة ماليّة أخرى، فكلّ ما يخرج عن هذه الموازنة في المعاملات لغرض أو غبن أو محاباة أو سفه يكون مثله في الغرامة ضررا و جورا ليس من عدل الإسلام و لا طريقة العرف و العقلاء؛ إذ ليس فيها غرض أو محاباة.

و على هذا، فالذي يثبت فيها من كلّي المثل في الذمّة ما كان كالقيمة حال التلف ذا ماليّة مساوية لماليّة المضمون، و إن عرض له بعد ذلك بحسب السعر و السوق زيادة أو نقصان في الماليّة على حدّ ما يكون بدلا في المعاملات المذكورة، و لا يثبت من كلّي المثل ما يعلم في حال التلف بزيادة ماليّته أو نقصها بحسب الزمان أو المكان؛ لخروجه إذ ذاك عن الموازنة، فإنّك لا ترى من يبادل على النهج المتقدّم قربة ماء في المفازة المعطشة بمثلها قريب المياه.

الأمر الثالث: أنّ إطلاق الفتوى و معاقد الإجماع بوجوب المثل في المثلي لا ينهض حجّة على ثبوت الإطلاق شرعا،

فإنّ إيكال الشارع- في مقام البيان الكافي لأمر‌

51

العهدة و الضمان و أثرهما في الحديث (1) و حديث «من أتلف» (2)- إلى نظر العرف و العقلاء في ضمانهم و غراماتهم؛ ليجرّ تلك الإطلاقات إلى تنزيلها على ما ذكرناه في الأمر الثاني، أو يحقّق انصرافها عمّا عداه و لو لم تنزّل أو لم تكن منصرفة لبعد العلم منها بقول المعصوم بمضمونها، على أن يكون له تعبّد خاصّ على خلاف طريقة العرف التي ذكرناها، بل الظاهر أنّ ما ذكرنا- من إيكال الشارع في مقام البيان؛ ليدلّ على أنّه ليس له تعبّد- بخلاف تلك الطريقة، بل لو كانت تلك الإطلاقات في كلام المعصوم (عليه السلام) لأمكن القول بانصرافها إلى ما ذكرنا، أو تنزيلها عليه بقرينة الإيكال المذكور.

الأمر الرابع: لا يخفى أنّ للعرف و العقلاء في أموالهم و لحاظ ماليّتها أنظارا يجرون عليها،

منها: فيما يحتمل اتّفاقه لها في المستقبل، بسبب الإبقاء و البقاء من زيادة القيمة و نقصانها بحسب اتّفاق الرغبة و السعر، و لا يقف غيب ذلك دون معاملاتهم و الموازنة في مبادلاتهم بالقيمة الفعليّة، كما لا يقف احتمال النقصان دون إبقاء أموالهم حسب مقاصدهم، فلا يعدّون مصادفة النقصان إتلافا للقدر الناقص، و لا اتّفاق الزيادة مغابنة في المعاملة السابقة و لا ضررا في مبادلتها، بخلاف نقصان قيمة الماء بحبسه و نقله من المفازة المعطشة إلى قرب النهر، و حبس الثلج من الصيف إلى الشتاء، فإنّه يعدّ في نظرهم إتلافا للماليّة الناقصة، و يرون أنّ للماء و الثلج- باعتبار اختلاف المكان و الزمان- ماليّتين مختلفتين لا تحسن المقابلة بينهما و لا تخرج عن السفه، و إن لوحظ في بعض مواردها الأجل ما لم تقصد المحاباة أو غرض آخر خارج عن ذات المبادلة و الموازنة.

و من هنا يصحّ لنا القول بتغريم نقصان القيمة في مثل هذا الفرض حتّى مع ردّ العين إذا كان قد ضمنها في مكان زيادة الماليّة و القيمة، و ردّها في مقام النقصان، كما إذا أخذ الماء في المفازة و ردّه قريب النهر، أو أخذ البرّ بمكّة و ردّه في العراق، فإنّ ذلك في نظر‌

____________

(1). أي حديث على اليد الذي تقدّم في ص 3.

(2). تقدّم في ص 21.

52

العرف و العقلاء تلف لمقدار النقصان من ماليّتها المعلومة المقرّرة في محلّ الأخذ، و ليس هذا ممّا نقلنا الاتّفاق على خلافه. و إنّما ذاك تنزّل السعر العارض الذي لا يعتنى في المبادلات باحتماله الغيبي.

و ممّا يشهد لما صحّحناه و ارتكاز مناطه في الأذهان و الجري عليه، ما نقل في الجواهر عدم الخلاف فيه، و نفى عنه الإشكال (1)، و حكاه في التذكرة عن أكثر الشافعيّة أيضا من أنّه:

إذا غصب شيئين تنقص قيمة أحدهما بانفراده عن الآخر كزوجي الخفّ و مصراعي الباب، فتلف أحدهما و ردّ الآخر، ضمن قيمة التالف و نقصان قيمة المردود، كما إذا كانت قيمتهما عشرة فصارت قيمة المردود لأجل انفراده ثلاثة، فإنّه يلزمه سبعة، خمسة للتالف و اثنان لنقص قيمة المردود.

و احتجّ له في التذكرة: «بأنّه نقص حصل بجنايته فيلزمه ضمانه» (2).

و علّله في الجواهر:

بضمان الغاصب كلّ نقص يكون في يده على المغصوب، و لو من حيث الاجتماع و الانفراد اللذين فرض مدخليّتهما في القيمة (3).

و ردّ في التذكرة و الجواهر من خالف في ذلك؛ لدعوى أنّ النقص نقص سوق (4)، بما حاصله أنّ نقص السوق الذي لا يضمن ما كان من نحو اتّفاق تنزّل السعر، و لا يخفى عليك مدخليّة المكان و الزمان في مثالي الماء و الثلج و نحوهما في الماليّة، و ما يدخل من النقص، و أنّه ليس من تنزّل السعر.

الأمر الخامس: قد ذكرنا أنّ اعتبار المثل في المثلي لكونه أقرب إلى العدل،

و أبعد‌

____________

(1). جواهر الكلام 37: 140.

(2). تذكرة الفقهاء 2: 390، الطبعة الحجريّة؛ العزيز في شرح الوجيز 5: 469؛ روضة الطالبين 4: 46.

(3). جواهر الكلام 37: 140.

(4). تذكرة الفقهاء 2: 390؛ جواهر الكلام 37: 140.

53

عن التنازع في تقدير القيمة، و أسلم من الضرر الناشئ من اضطرابها و تعديلها عند الاختلاف فيها، و ذلك؛ ليرعى لكلّ من المالك و الغارم هذه الأغراض المطلوبة فيثبت المثل في الذمّة، حتّى لو كان معدوما أو متعذّرا حين التلف أو في زمان بعده، رعاية لنوع المالكين في الأغراض المذكورة، إذا اختاروا الصبر إلى أوان حصوله، فالوجه الذي اقتضى ثبوته حال وجوده لم يرتفع باعتبار النوع حال عدمه، و لا يمنع عدم الكلّي في وقت من الأوقات من ثبوته في الذمّة. و على ذلك طريقة العقلاء و المتشرّعة في معاملاتهم، و لا خلاف على الظاهر في عنوانه العامّ و إن اعتبر أبو حنيفة في السلم كون المسلّم فيه موجودا حال العقد و المحلّ و ما بينهما (1)، فإنّه ذهب في مسألة تعذّر المثل إلى كون الغرامة قيمة يوم المطالبة (2)، و هذا مبنيّ على ثبوته في الذمّة بعد التعذّر إلى يوم المطالبة، و كذا أبو يوسف و بعض الشافعيّة، حيث اعتبروا في تعذّر المثل قيمة يوم الغصب أو أعلى القيم منه إلى حين التلف (3)، فليس ذلك لقولهم بعدم ثبوت الكلّي في الذمّة مع تعذّره و لو في زمان متأخّر، فإنّهم قائلون به في السلم و إن كان منقطعا قبل الأجل، و كذا في القرض قبل المطالبة، و لئن اعتبر العلماء في صحّة السلم كون المسلّم فيه ممّا تقضي العادة بوجوده في الأجل؛ فإنّما ذلك لأجل الاطمئنان بالقدرة على التسليم في المعاملة حسب تبانيها، و ليسلم البيع من الغرر، و ليكون مرادا على حقيقته و جاريا على مراده، فلا يلتفت من شرط السلم إلى الاستشكال في ثبوت المثل في الذمّة عند تعذّره، و خصوصا في أوّل ثبوته باعتبار أنّ الغرامة حالّة لا أجل فيها؛ و ذلك لأنّ ثبوته في الذمّة ليس من معاملة عن تبان ليراعى فيه ما يراعى فيها.

____________

(1). بدائع الصنائع 5: 211.

(2). المصدر 7: 151.

(3). المصدر؛ المهذّب للشيرازي 1: 367- 368.

54

هاهنا مسائل:

[المسألة] الأولى: أنّ مقتضى ملاحظة الأمر الأوّل و الثاني هو أنّه لا يلزم الغارم أداء المثل فيما لو كانت له قيمة مقرّرة بين الناس متداولة في معاملاتهم،

و لكنّه لا يتيسّر تحصيله للغارم إلّا بقيمة زائدة لا تعدّ من اختلاف السعر و اضطرابه، كما لو تعاسر بائعوه مع الغارم فلم يبيعوه إلّا بضعف القيمة المتعارفة مثلا؛ و ذلك لتحقّق الضرر بالزيادة المذكورة، و إنّما يلزم حينئذ دفع القيمة إذا لم يصبر المالك إلى تيسّر المثل بقيمته السوقيّة، و ليس على المالك في ذلك ضرر مالي يعرض لأجله عن ملاحظة ضرر الغارم، و ليس هذا بالنسبة إلى الغاصب من التخفيف الذي لا يناسبه، فإنّ مقتضى الحديث: أنّ الغرامة هي تحمّل درك العين و تدارك ماليّتها من دون فرق بين الغاصب و غيره من الغارمين، و ليس هناك دليل آخر يلزم خصوص الغاصب بالمثل في المثال، و لا يشبه هذا إلزامه بردّ العين المغصوبة و إن استلزم ضرره بأضعاف قيمتها؛ فإنّ ذلك لأجل رعاية العلقة الخاصّة بين المالك و ذات مملوكه الخاصّ، كما يقتضيه الحديث و قوله (عليه السلام): «كلّ مغصوب مردود» (1).

و أمّا الصورة النوعيّة المتقوّم بها ملك غيره فلا علاقة له معها و لا تعدّي فيها، و لئن أوجب العدل مراعاتها في الغرامة فلا يوجبها الإضرار، فليست الغرامة بالمثل من التأدية التي هي غاية واجبة في الحديث كما يوجد في خلال كلمات البعض، بل إنّها غرامة أوجبها مضمون «على اليد» (2) كالقيمة.

و أمّا ما عن الخلاف من قوله: «إنّ من غصب مثليّا فعليه مثل ما تلف في يده يشتريه بأيّ ثمن كان، بلا خلاف» (3)، فالمتيقّن منه النظر إلى ترقّي السعر السوقي‌

____________

(1). الكافي 1: 542، باب الفي‌ء و الأنفال، ح 4؛ تهذيب الأحكام 4: 130، ح 366، و فيهما: «إنّ الغصب كلّه مردود».

(2). تقدّم في ص 3.

(3). الخلاف 3: 415، المسألة 29، و فيه: «إذا غصب ما له مثل كالحبوب و الأدهان فعليه ...».