الوضوء على ضوء الكتاب والسنة

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
135 /
3

-

4

[المدخل]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

(يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

(سورة المائدة الآية 6)

5

الاحتكام إلى الكتاب فيما اختلفت فيه الامّة

سبحانك اللّهمَّ ما أبلغ كلامك، و أفصح بيانك، قد أوضحت الفريضة، و بيّنت الوظيفة فيما يجب على المسلم فعلُه قبل الصلاة، فقلت:

(يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ)

ثمّ قلت مبيّناً لكيفيّة الوظيفة و أنّها أمران:

أ (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ)

ب (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)

سبحانك ما تركت إجمالًا في كلامك، و لا إبهاماً في بيانك؛ فأوصدت باب الخلاف، و سددت باب الاعتساف بتوضيح الفريضة، و بيانها.

سبحانك ان كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت: (وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة 48) فهو مهيمن بالقطع و اليقين على المأثورات التي بأيدينا التي نقلها الرواة عن النبيّ الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هي بين آمرة بغسل الارجل و أُخرى آمرة بمسحها.

فما ذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المرويّة عمّن لا ينطق إلّا عن الوحي، و لا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلّا الاخذ بما نادى به كتابك العزيز، و قرآنك المجيد و بيّنه في جملتين ترجعان إلى أنّ الفريضة تتألف من:

غسلتين و مسحتين لا غير؟

(أَ فَغَيْرَ اللّٰهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتٰابَ مُفَصَّلًا)

(الانعام 114)

6

الاهداء:

إلى كل من يسعى لخدمة الاسلام المحمدي الاصيل.

إلى كل من يسعى لكلمة التوحيد و توحيد الكلمة.

إلى كل من يسعى لتبيين ما جاء في الذكر الحكيم.

إلى كل من يسعى لرص الصفوف.

إلى كل هؤلاء أتقدم بإهداء رسالتي هذه.

كما أتقدم بإهدائها إلى مجمع الفقه الاسلامي في «جدة» الذي يتبنّى في هذه الايام فتح باب الاجتهاد بعد انغلاقه، آملًا أن ينظروا فيها بعين الانصاف فإن وقعت موقع القبول فالحقّ أولى بالاتباع و إلّا فليبدوا بآرائهم مشكورين حول ما جاء فيها من الادلة على ما أثبتناه في هذه الرسالة، فإنّ الحقيقة كما قيل بنت البحث.

و نحن بحمد اللّه لسنا مختلفين في الكتاب و السنّة فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في الفهم و الاقتباس منهما.

المؤَلف‌

7

[مقدمة المؤلف في رسالة من بعض الإخوة في السودان إليه]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء، و جعل أجنحة الملائكة مواطىَ أقدامهم، و الصلاة و السلام على أشرف رسله و خاتم أنبيائه و على آله الطيبين الطاهرين، أئمّة دينه، و عيبة علمه، و حفظة سننه.

أما بعد:

فقد وافتني رسالة من بعض الاخوة في السودان يستفسرون فيها عمّا كتبه الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مجلة «الفيصل» السعودية حول المسح و الغسل للَارجل في الوضوء و هو يناصر في مقاله بالطبع غسل الارجل لا مسحها، و قد حاول التدليل على ذلك من خلال نقض ما استندت إليه الاماميّة من حجج مأخوذة من الآية نفسها لا من الاحاديث و الآثار.

ثمّ أردف كلامه بأنّ بعض الاخوة الشيعة من القطر السوداني الشقيق، أصرّوا عليه بغية مراسلتي في هذا الشأن، لرفع الشكوك التي تساورهم حيال هذه المسألة، و إزاحة الستار عن وجه الحقيقة.

و هذا الحافز قد دفعني إلى تأليف هذه الرسالة و إن كنت قد كتبت في سالف الزمان مقالًا حول الوضوء في كتاب «الاعتصام بالكتاب و السنّة».

8

غير أَنّي بسطت الكلام في هذه الرسالة و ركّزت البحث على مفاد الآية و أَنّها آية واضحة في مدلولها لا تحتاج في تبيينها إلى حديث أو أثر إلّا ما كانت الآية ساكتة عنه.

أرجو من اللّه سبحانه أن تكون خالصة لوجهه الكريم و أن ينتفع بها الاخوة الكرام.

قم المقدسة مؤَسسة الامام الصادق (عليه السلام) جعفر السبحاني 26/ رجب الاصب/ 1417‌

9

المدخل:

آية الوضوء محكمة و ليست مجملة

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصح إلّا بطهور. و المراد من الطهور هو المزيل للخبث (النجاسة) و الحدث، و المزيل له هو الوضوء و التيمم و الغسل، و هل التيمم رافع للحدث موَقتاً ما دام المتيمم غير واجد للماء؟ أو مبيح للدخول في الصلاة و كل عمل عبادي مشروط بالطهارة؟ فيه قولان.

و على كل تقدير فالتكليف بتحصيل الطهارة منّة منه سبحانه على عباده لمثول العبد بين يدي الرب بنظافة ظاهرية تكون مقدمة لتزكية السرائر.

و قد بيّن سبحانه سر التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله تعالى: (مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (المائدة 6).

و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بني الدين على النظافة».

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «مفتاح الصلاة الطهور».

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الطهور نصف الايمان».

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «افتتاح الصلاة الوضوء، و تحريمها التكبير، و تحليلها التسليم».

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صلاة إلّا بطهور».

و قال الصادق (عليه السلام): «الوضوء شطر الايمان» (1)

____________

(1). الوسائل: ج 1، الباب الاوّل من أبواب الوضوء.

10

فإذا كان الوضوء بهذه الاهميّة كما نطق به الكتاب و السنّة، فمن الواجب الوقوف على أجزائه و شرائطه و نواقضه و مبطلاته، و قد تكفّلت الكتب الفقهيّة بيان هذه المهمّة، و لكن نختار للبحث في المقام تبيين ما اختلفت فيه كلمة الامّة، و هو حكم الارجل من حيث المسح و الغسل. و نرجو من اللّه سبحانه أن تكون الغاية من دراستنا هذه فهم الواقع بعيداً عن الهوى و العصبيّة و التحيّز إلى رأي دون رأي.

الوضوء عبادة كسائر العبادات يُتَوَخّى منها التقرب إلى اللّه سبحانه و نيل رضاه، فيشترط في صحّتها: الاخلاص و الابتعاد عن الرياء، فهي نور لنور آخر، أعني: الصلاة، التي هي قرّة عين المؤمن.

بيّن سبحانه الوضوء في الكتاب بقوله: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة 6).

الآية تشكّل إحدى آيات الاحكام التي تستنبط منها الاحكام الشرعية العمليّة الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشئون حياتهم الدينيّة و الدنيويّة.

و هذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير، و نصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هي الجماهير المؤمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي وفقاً لها، و بذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد و رقائق المعارف العقليّة التي تشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلّعين خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ و المعاد.

11

و الانسان إذا تأمّل في هذه الآية و نظائرها من الآيات التي تتكفّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمة التعبير، ناصعة البيان، واضحة الدلالة، تخاطب المؤمنين كافّة لترسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.

و الخطاب كما عرفت يجب أن يكون بعيداً عن الغموض و التعقيد، و عن التقديم و التأخير، و عن تقدير جملة أو كلمة حتى تقف على مضمونها عامّة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بالقواعد العربية أو لا.

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية و منزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهيّة لَائمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

[إعراب القرآن و تنقيطه]

نزل الروح الامين بهذه الآية على قلب سيد المرسلين، فتلاها على المؤمنين و فهموا واجبهم تجاهها بوضوح دون تردّد و دون أن يشوبها أي إبهام أو غموض، و إنّما دبّ الغموض فيها في عصر تضارب الآراء و ظهور الاجتهادات.

إنّ المسلمين في الصدر الاوّل تعلّموا القرآن من أفواه القرّاء، و كانت المصاحف قليلة النسخ لا يصل إليها إلّا النفر اليسير، و إنّما انتشر نسخ القرآن في الحواضر الاسلامية في العقد الثالث من القرن الاوّل، و كانت المصاحف يومذاك مع قلّتها غير منقّطة، و لا معربة، و انّما نقّطت و أُعربت بعد منتصف القرن الاوّل.

بيد أنّ القرآن في الصدر الاوّل كان محفوظاً في صدور الرجال و مأموناً عليه من الخطأ و اللحن بسبب أنّ العرب كانت تقرؤه صحيحاً حسب سليقتها الفطريّة التي كانت محفوظة لحدّ ذاك الوقت، أضف إلى ذلك شدّة عنايتهم بالاخذ و التلقّي عن مشايخ كانوا قريبي العهد بعصر النبوة، فقد توفّرت الدواعي على حفظه و ضبطه صحيحاً حينذاك.

12

أمّا بعد منتصف القرن الاوّل حيث كثر الدخلاء و هم أجانب عن اللغة، فإنّ السليقة كانت تعوزهم، فكانوا بأمسّ الحاجة إلى وضع علامات و دلالات تؤمّن عليهم الخطأ و اللّحن و ذلك مما دعا أبا الاسود الدؤلي و تلميذيه: يحيى بن يعمر و نصر بن عاصم إلى وضع نقاط و علامات على الحروف (1)

[اختلاف المسلمين في حكم الأرجل لا يمت إلى اختلاف القراءة بصلة]

يظهر من الروايات الكثيرة أَنّ الاختلاف في كيفيّة الوضوء ظهر في عصر الخليفة عثمان.

روى مسلم عن حمران مولى عثمان، قال: أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضّأ، ثمّ قال: إنّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أحاديث لا أدري ما هي؟! ألا إنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) توضّأ مثل وضوئي هذا، ثمّ قال: من توضّأ هكذا، غفر له ما تقدّم من ذنبه، و كانت صلاته و مشيه إلى المسجد نافلة. (2) و تؤَيد ذلك كثرة الروايات البيانيّة لوضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المرويّة عن عثمان، و قد ذكر قسماً منها مسلم في صحيحه (3)

و هناك روايات بيانيّة أُخرى عن لسان عثمان لم يذكرها مسلم و إِنّما ذكرها غيره تشير إلى ظهور الاختلاف في كيفيّة وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في عصره.

و أمّا مصدر الخلاف و سببه فهو اختلافهم في كيفيّة وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فسيوافيك أَنّ لفيفاً من الصحابة نقلوا وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أَنّه مسح رجليه مكان غسلهما، كما أنّ لفيفاً آخر نقلوا انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غسل رجليه، و قد نُقلت عن عثمان كلتا الكيفيتين.

____________

(1). محمد هادي معرفة: التمهيد في علوم القرآن: 309/ 3101، نقل بتصرّف.

(2). صحيح مسلم، بشرح النووي: 112/ 3.

(3). نفس المصدر: 102/ 1173.

13

و من زعم أنّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة فقد أخطأ لما ستعرف من أَنّ العربي الصميم لا يرضى بغير عطف الارجل على الرءوس سواء أقرأه بالنصب أم بالجر، و أمّا عطفه على الايدي فلا يخطر بباله حتى يكون مصدراً للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية و فهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في عصر نزول الآية و يسمع كلام اللّه من فم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو أصحابه، فعندئذٍ ما فهمه حجّة بينه و بين ربّه، و ليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات و الوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك العصر.

*** إنّ هذه الرسالة و إن كرّست البحث في حكم الارجل من حيث المسح أو الغسل، و لكن لما كان الاختلاف في فهم الآية لا يقتصر على هذا المورد بل يعم كيفية غسل الايدي أيضاً، استدعت الحاجة إلى البحث في الثاني أيضاً على وجه موجز، و تأتي هذه الدراسة ضمن فصول.

(قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ)

(المائدة: 15)

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الفصل الاوّل: آية الوضوء و كيفية غسل الايدي

إنّ آية الوضوء نزلت لتعليم الامّة كيفية الوضوء و التيمّم، و المخاطب بها جميع المسلمين عبر القرون إلى يوم القيامة، و مثلها يجب أن تكون واضحة المعالم، مبيّنة المراد، حتى ينتفع بها القريب و البعيد و الصحابي و غيره.

فالآية جديرة بالبحث من جانبين:

الاوّل: مسألة كيفية غسل اليدين، و أنّه هل يجب الغسل من أعلى إلى أسفل أو بالعكس؟

الثاني: حكم الارجل من حيث المسح أو الغسل.

فلنشرع في البحث في الجانب الاوّل.

قال سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ) (المائدة 6).

[الاختلاف في كيفية غسل الأيدي]

اختلف الفقهاء في كيفية غسل اليدين، فأئمّة أهل البيت و شيعتهم، على أنّ الابتداء بالمرفقين إلى أطراف الاصابع و انّ هذه هي السنّة، و حجتهم على ذلك هو ظاهر الآية المتبادر عند العرف، فإنّ المتبادر في نظائر هذه التراكيب هو الابتداء‌

16

من أعلى إلى أسفل، فمثلًا إذا قال الطبيب للمريض: اغسل رجلك بالماء الفاتر إلى الركبة، يتبع المريض ما هو المتداول في غسل الرجل عند العرف، و هو الغسل من أعلى إلى أسفل. أو إذا قال صاحب الدار للصبّاغ، أصبغ جدران هذه الغرفة إلى السقف، فيتبع الصبّاغ ما هو المألوف في صبغ الجدران من الاعلى إلى الاسفل و لا يدور بخلده، أو بخلد المريض من أنّ مالك الدار أو الطبيب استخدم لفظة «إلى» لبيان انتهاء غاية الصبغ و الغسل عند السقف و الرجل بل لتحديد المقدار اللازم لهما.

[الابتداء بالغسل من المرفق إلى أصول الأصابع]

و أمّا كيفية الغسل فمتروك إلى ما هو المتّبع و المتداول في العرف، و هو بلا ريب يتبع الاسهل فالاسهل، و هو الابتداء من فوق إلى تحت، و ما هذا إلّا لَانّ المتكلّم بصدد تحديد العضو المغسول، و هو اليد مع قطع النظر عن كيفية الغسل من حيث الابتداء و الانتهاء، فإذا كان هذا هو المفهوم، فليكن الامر كذلك في الآية المذكورة من دون أن نتكلّف بشي‌ء من الوجوه التي يذكرها المفسرون في تأييد أحد المذهبين.

[لفظة (إلى) في قوله تعالى إِلَى الْمَرٰافِقِ لحدي المقدار المغسول]

نعم، إنّ أساس الاختلاف في الابتداء بالمرفقين إلى أُصول الاصابع أو بالعكس عندهم إنّما هو في تعيين متعلّق «إِلَى» في الآية الكريمة، فهل هو قيد «للَايدي» أي المغسول، أو قيد للفعل أعني: «فَاغْسِلُوا»؟

فعلى الاوّل تكون الآية بمنزلة قولنا: «الايدي إلى المرافق» يجب غسلها، و إنّما جاء بالقيد لَانّ اليد مشترك تطلق على أُصول الاصابع و الزند و المرفق إلى المنكب، و لما كان المغسول محدداً إلى المرافق قُيّدت اليد بقوله «إِلَى الْمَرٰافِقِ»، ليفهم أنّ المغسول هو هذا المقدار المحدد من اليد و لو لا اشتراك اليد بين المراتب المختلفة‌

17

و انّ المغسول بعض المراتب لما جاءت بلفظة «إِلَى» فالاتيان بها لَاجل تحديد المقدار المغسول من اليد.

و على الثاني، أي إذا قلنا بكونه قيداً للَامر بالاغتسال، فربّما يوحي إلى ضرورة الابتداء من أُصول الاصابع إلى المرفقين، فكأنّه سبحانه قال: «الايدي» اغسلوها إلى المرافق.

و لكن لا يخفى ما في هذا الايحاء من غموض، لما عرفت من أنّ المتّبع في نظائر هذه الامثلة ما هو المتعارف و هو الابتداء من الاعلى إلى الاسفل.

أضف إلى ذلك: أنّه لو سلمنا أن حرف الجر قيد للفعل، لا نسلم أنّه بمعنى «إلى» الذي هو لانتهاء الغاية، بل يحتمل أن يكون بمعنى «مع» أي الايدي اغسلوها مع المرافق، و ليس هذا بعزيز في القرآن و الادب العربي.

يقول سبحانه: (وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَهُمْ إِلىٰ أَمْوٰالِكُمْ) (النساء 2).

و قال سبحانه حاكياً عن المسيح: (فَلَمّٰا أَحَسَّ عِيسىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قٰالَ مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ) (آل عمران 52) أي مع اللّه.

و قوله سبحانه: (وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ) (هود 52) أي مع قوتكم.

و يقال في العرف: ولى فلان الكوفة إلى البصرة، أي مع البصرة، و ليس في هذه الموارد من الغاية أثر.

و قال النابغة الذبياني:

و لا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطليّ به القار أجرب‌

أراد مع الناس أو عند الناس.

18

و قال ذو الرمة:

بها كل خوار إلى كل صولة و رفعي المدا عار الترائب‌

و قال إمرؤ القيس:

له كفل كالدعص لبّده الندى * * *إلى حارك مثل الغبيط المذأبِّ

أراد مع حارك (1)

و على ضوء ذلك فليست «إِلَى» لبيان الغاية، بل لبيان الجزء الواجب من المغسول سواء أ كان الغسل من الاعلى أو من الاسفل.

هذا و الدليل القاطع على لزوم الابتداء من الاعلى إلى الاسفل هو لزوم اتّباع ما هو المألوف في أمثال المورد كما سلف.

و قد نقل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالنحو التالي:

أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن بكير و زرارة بن أعين، أنّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فدعا بطست أو بتَوْر (2) فيه ماء، فغسل كفّيه، ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، و استعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه، ثمّ غمس كفّه اليسرى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الاصابع لا يردّ الماء إلى المرفقين، ثمّ غمس كفَّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفِّ لا يردُّ الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى، ثمَّ مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه و لم يجدد ماء. (3)

____________

(1). رسائل الشريف المرتضى: الرسالة الموصلية الثالثة: 214213.

(2). التَّوْر: اناء صغير.

(3). تهذيب الاحكام: 59/ 1 برقم 158.

19

الفصل الثاني: آية الوضوء و حكم الارجل

إنّ الآية الكريمة لو عُرضت على عربيّ بعيد عن الاجواء الفقهيّة، و عن اختلاف المسلمين في كيفيّة الوضوء و طُلِب منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح: إنّ الوضوء: غسلتان و مسحتان، دون أن يتردّد في أنّ الارجل هل هي معطوفة على الرءوس أو معطوفة على الوجوه، فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صُرِّحَ فيهما بحكمين:

بُدئَ في الجملة الاولى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ) بغسل الوجوه، ثمّ عطفت الايدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لَاجل العطف.

ثمّ بُدئَ في الجملة الثانية: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) بمسح الرءوس، ثمّ عطفت الارجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرءوس لَاجل العطف، و الواو تدل على مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم.

و التفكيك بين حكم الرءوس و حكم الارجل، لا يحتمله عربي صميم بل يراه مخالفاً لظهور الآية.

20

فلو سئل عن كيفية الوضوء الواردة في الآية لصرّح أنّ هناك أعضاء يجب غسلها و هي: الوجوه و الايدي، و أعضاءً يجب مسحها و هي: الرءوس و الارجل، و لو أُلفت نظره إلى القواعد العربيّة تجده لا يتردّد في أنّ الارجل معطوفة على الرءوس، و لو سُئل عن عطفه إلى الابعد أي الوجوه لاستغرب و تعجّب.

فإن كنت في شك ممّا ذكرناه، فاعرض الآية على عربيّ أو خبير بالقواعد العربيّة، فستجده يذهب إلى ما ذكرنا و لا حاجة بعد ذلك إلى استعراض أدلّة الطرفين في مسح الرجلين أو غسلهما، و إلّا فالحلّ الوحيد هو دراسة الآية على ضوء القواعد و الذوق السليم و السنّة الصحيحة.

إنّ القول بمسح الرجلين أو غسلهما يرجع إلى تعيين ما هو العامل فيهما، فإنّ في الآية عاملين، و إن شئت قلت: فعلين كلّ يصلح في بدء النظر لَان يكون عاملًا فيهما، إِنّما الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي.

و العاملان هما:

فَاغْسِلُوا:

و امْسَحُوا:

فلو قلنا: إنّ العامل هو الاوّل يجب غسلهما، كما لو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما.

فملاك القولين عبارة عن كون المعطوف عليه هو الوجوه أو الرءوس، فعلى الاوّل: حكمهما الغسل، و على الثاني: المسح.

و لا شك أَنّ الامعان في الآية مع قطع النظر عن كلّ رأي مسبق و فعل رائج بين المسلمين يثبت أَنّ العامل هو الفعل الثاني، أي: (وَ امْسَحُوا) دون‌

21

الاوّل البعيد.

و إن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب أي الرءوس لا على البعيد، أعني: «وُجُوهَكُمْ» أو «أَيْدِيَكُمْ»، فاستوضح ذلك بالمثال التالي:

لو سمعنا قائلًا يقول: أحبّ زيداً و عمراً و مررت بخالد و بكر من دون أن يُعْربَ «بكر» بالنصب و الجر نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» و العامل فيه الفعل الثاني و ليس معطوفاً على «عمرو» حتى يكون العامل فيه هو الفعل الاوّل.

و قد ذكر علماء العربيّة أنّ العطف من حقّه أن يكون على الاقرب دون الابعد، و هذا هو الاصل، و العدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، و إلّا ربّما يوجب اللّبس و صرف اللفظ عن المراد، فلنفرض أنّ رئيساً قال لخادمه: أكرم زيداً و عمراً و اضرب بكراً و خالداً، فهو يميز بين الجملتين و يرى أنّ «عمراً» عطف على «زيداً»، و «خالداً» عطف على «بكراً» و لا يدور بخلده خلاف ذلك.

فإذا كانت الحال كذلك و لم يجز الخروج عن القواعد في الامثلة العرفيّة، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة على ذلك النمط.

فلما ذا نتردّد في تعيين العامل، أو تعيين المعطوف عليه، أو نقضي على الخلاف بإخراجه من تحت العامل الثاني و إدخاله تحت العامل الاوّل، أو عطفه على الايدي دون الرءوس.

و ليس المثال منحصراً بما ذكرنا بل بإمكانك الادلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية.

و ان أردتَ توضيح الكلام، نقول: إنّ في لفظ: (أَرْجُلَكُمْ) قراءتين:

قراءة بالخفض، و قراءة بالنصب، و على كلا التقديرين يجب المسح دون الغسل.

22

أمّا الاوّل، فقد قرأ بها: ابن كثير، و أبو عمرو، و حمزة، و أبو بكر، عن عاصم، و قرأ الباقون بالنصب.

فالقائل بالمسح، يفسّر كلتا القراءتين على ضوء القواعد العربيّة بلا شذوذ، و يقول: إنّ أَرْجُلَكُمْ معطوفة على الرءوس، فجرّها لعطفها على ظاهر الرءوس، و نصبها لعطفها على محلّ الرءوس، لَانّها مفعول لقوله: (وَ امْسَحُوا) فكما أَنّ العطف على اللفظ جائز، فكذا على المحلّ، قال سبحانه: (أَنَّ اللّٰهَ بَرِي‌ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ) (التوبة 3) فإنّ قوله: (وَ رَسُولِهِ) بالضم عطف على محل اسم انّ، أعني: لفظ الجلالة، لكونه مبتدأ، و قد ملأت مسألة العطف على المحل كتب الاعاريب. (1) نظير قول القائل:

معاوي إنّنا بشر فاسجح * * *فلسنا بالجبال و لا الحديدا

و أمّا القائل بالغسل، فلا يستطيع أن يفسّر الآية على ضوء القواعد، لَانّه يفسّر قراءة النصب بأنّها معطوفة على الوجوه، في الجملة المتقدمة، و يفسر قراءة الخفض بالجر بالجوار. و كلا الوجهين غير صحيحين.

أمّا الاوّل: فلأَنّه يستلزم الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية، و هي: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) مع أنّه لا يفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بمفرد، فضلًا عن جملة أجنبية. و لم يسمع في كلام العرب الفصيح قائلًا يقول: ضربت زيداً و مررت ببكر و عمراً بعطف «عمراً» على «زيداً».

و أمّا الثاني: فهو يقول: بأنّه مجرور لَاجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الرءوس المجرورة، نظير قول القائل: «جحر ضب خرب» فان «خرب» خبر «لجحر»‌

____________

(1). ابن هشام: مغني اللبيب: الباب الرابع مبحث العطف، قال: الثاني: العطف على المحل ... ثمّ ذكر شروطه.

23

فيجب أن يكون مرفوعاً لكنّه صار مجروراً لَاجل الجوار.

لكنّه غير صحيح لاتّفاق أهل العربية على أنّ الاعراب بالمجاوَرة شاذّ نادر، و ما هذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليها.

قال الزجّاج: أمّا الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات اللّه. (1) أضف إلى ذلك، أَنّه لو صحّ الجر بالمجاورة، فإِنّما يصح إذا لم يكن معها حرف عطف كما في الكلام السابق، دون المقام، فقد تصدّر قوله (أَرْجُلَكُمْ) بحرف العطف.

و ممّن نصّ على ذلك من أعلام السنّة «علاء الدين علي بن محمّد البغدادي» في تفسيره المسمّى ب‍ «الخازن» قال: و أمّا من جعل كسر اللام في (الارجل) على مجاورة اللفظ دون الحكم. و استدل بقولهم: «جحر ضب خرب»، و قال: الخرب نعت للجحر لا للضب، و انّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيد [لوجهين]:

1 لَانّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لَاجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الامن من الالتباس، لَانّ الخرب لا يكون نعتاً للضب، بل للجحر.

2 و لَانّ الكسر بالجوار انّما يكون بدون حرف العطف، أمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب. (2) و حاصل الوجه الاوّل: انّه لو صحّ تفسير العطف بالجوار، فإِنّما يصح إذا لم يولّد الشبهة، و لا يوجب اللبس، كما في قوله: «جحر ضب خرب» إذ من المعلوم أنّ خرباً صفة للجحر، دون الضّبّ، بخلاف المقام، فإنّ قراءة الارجل بالجر،

____________

(1). معاني القرآن و إعرابه: 153/ 2.

(2). تفسير الخازن: 16/ 2.

24

توجب كونه ممسوحاً لا مغسولًا، إذ المتبادر منه أنّه معطوف على الرءوس دون غيره، مع أنّ المقصود حسب فرض الفارض غيره.

و أمّا الوجه الثاني فظاهر غنيّ عن البيان.

و قد خرجنا بهذه النتيجة: أَنّ كلتا القراءتين منطبقتان على القول بالمسح، و غير منطبقتين على القول بالغسل.

فالكتاب العزيز يدعم بلا مرية القول بالمسح، و من أراد إخضاع الكتاب للقول بالغسل، فقد فسّره برأيه، و جعل مذهبه دليلًا على تفسير الآية، و حملها على أمرين غير صحيحين:

أ الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية، و هو موجب للالتباس إذا قرى بالنصب.

ب الجر بالجوار، و لكنه لا يليق بكلام رب العزة إذا قرى بالخفض.

و بما أنّ أكثر القائلين بالغسل اعتمدوا في تفسير قراءة الخفض على العطف بالجوار خصصنا البحث التالي له.

بحث حول الخفض بالجوار:

إنّ الخفض بالجوار أمر اختلفت فيه كلمة النحاة، فمنهم من أنكره مطلقاً، أو في خصوص القرآن الكريم، قال الزجّاج: و قال بعض أهل اللغة: إنّ قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ) جر على الجوار فأضاف، أمّا الخفض بالجوار فلا يكون في كلمات اللّه. (1)

استدلّ القائلون بجواز الجر بالجوار بقول العرب: «جحر ضب خرب».

____________

(1). معاني القرآن و إعرابه: 153/ 2.

25

فظاهر الكلام أنّ «خرب» صفة «ضب»، و من المعلوم أنّه صفة «جحر» و لكنّه تبع في الاعراب جاره أعني «ضبٍّ».

ثمّ إنّهم استشهدوا بأبيات للشعراء منها:

قول امرىَ القيس:

كأنّ ثبيراً في عرانين وَبْلِه * * *كبير أُناس في بجاد مزمل

فإنّ مقتضى القياس رفع «مزمل» لَانّه وصف «كبير أُناس» و إنّما انخفض لَاجل الجوار.

أقول: أمّا المثل فلأَنّه لم يثبت متواتراً أنّ العرب تخفض «خرب» و ان اشتهر في الالسن و لعلهم يقرءونه بالرفع خبراً ل‍ «جحر».

و لو ثبتت قراءة الجرّ لكن لا يمكن تفسير القرآن الكريم بهذا المثل الذي لم تثبت كيفية جرّه بنقل متواتر.

قال ابن هشام: أنكر السيرافي و ابن جنّي الخفض على الجوار و تأوّلا قولهم «خَرِبٍ» بالجر على أنّه صفة لضب.

ثمّ قال السيرافي: الاصل خربٍ الجُحْر منه، بتنوين خربٍ و رفع الجحر، ثمّ حذف الضمير للعلم به، و حُوِّل الاسنادُ إلى ضمير الضب، و خفض الجحر كما تقول «مررت برجلٍ حسنِ الوجه» بالاضافة، و الاصلُ حسنٍ الوجهُ منه ثمّ أُتى بضمير الجُحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر.

و قال ابن جنّي: الاصل خربٍ جحره، ثمّ أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع و استتر. (1)

____________

(1). مغني اللبيب: 896، الباب الثامن، القاعدة الثانية.

26

و أمّا الثاني: فلأَنّ جر قوله «مزملًا» للِاطلاق، فإنّ القافية في قصيدة امرئ القيس اللامية المعروفة بالجلجلية في جميع الابيات مجرورة فلم يكن له بد من الجر حفظاً للروي، و هذا مطلع قصيدته المعروفة حيث يقول:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ و منزلِ * * *بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

إلى أن يقول:

و تيماء لم يترك بها جذع نخلة * * *و لا أطماً إلّا مشيداً بجندل

كأنّ ثبيراً في عرانين وبله * * *............

ثمّ إنّ الذين حاولوا إخضاع القرآن لمذهبهم، استدلّوا على الخفض بالجوار ببعض الابيات إلّا أنّ تلك المحاولة تبدو عقيمة لَانّه لم تثبت القراءة فيها حسب ما يدَّعون، و على فرض الثبوت لم يدل دليل على أنّ الخفض للجوار أو للضرورة، و على فرض القبول لم يثبت إلّا في الوصف و البدل لا في المعطوف كما في الآية و سيوافيك تفصيله، فالاولى الاعراض عنها وصب الاهتمام على ما استشهدوا به من الآيات.

استشهادات أُخرى على الجر بالجوار:

و استشهد القائلون بالغسل للجر بالجوار بآيات:

1. قوله سبحانه: (عَذٰابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) (هود 84).

بخفض محيط مع أنّه نعت للعذاب.

27

2. و قوله تعالى: (عَذٰابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (هود 26).

أنّ الاليم صفة للعذاب و قد خفض للمجاورة.

3. و قوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (البروج: 2221).

على قراءة من قرأ بخفض محفوظ فقد جُرّ لَاجل المجاورة.

يلاحظ عليه: أنّ لفظة (مُحِيطٍ) صفة ليوم لا لعذاب، فإنّ قوله (مُحِيطٍ)؛ كقوله: (عَظِيمٍ*) وصفان ليوم، بشهادة قوله سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم 37) و قوله سبحانه: (أَ لٰا يَظُنُّ أُولٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) (المطففين: 54).

و بذلك يظهر أنّ لفظة (مُحِيطٍ) في الآية و نظائرها وصف ليوم لا لعذاب.

و أمّا الآية الثانية فلا دليل على أنّ (أَلِيمٍ) صفة (ل‍ عَذٰابَ)، بل لقوله (يَوْمٍ)، نظير قولك: نهارك صائم و جدّه جده، كما ذكره الزمخشري في الكشاف.

و أمّا الآية الثالثة فقد قرأ نافع بالرفع وصفاً لقرآن، و الباقون بالجر، و لكن الجر لا للجوار بل لَاجل كونه وصفاً للوح، و قد كثر على ألسنتهم اللوح المحفوظ.

فالقرآن محفوظ و اللوح الذي فيه القرآن أيضاً محفوظ، فلا دليل على أنّ اللفظ (مَحْفُوظٍ) وصف للقرآن بل وصف للّوح الذي هو وعاء القرآن.

28

شرط الجر بالجوار:

لو افترضنا صحة الجر بالجوار فليست الصحّة على إطلاقها، و إنّما هي مشروطة بشرطين:

الشرط الاوّل: انّ الجر بالجوار إنّما يصح إذا لم يكن موجباً للّبس و كان المتكلم و المخاطب في أمن من الالتباس، كما في المثل: «جحر ضب خرب» إذ من الواضح أنّ «خرب» صفة «جحر» لا «ضب».

و كما في شعر امرىَ القيس الماضي، فإنّ «مزمل» بمعنى الملفف بالثياب صفة «كبير أُناس» و ليس صفة «بجاد» و هو كساء، و الجمع البجد، كأنّه قال: كبير أُناس مزمل في كساء مخطط، بخلاف الآية فإنّ جرها بالجوار يورث الالتباس لَانّ الارجل كما يمكن أن تكون مغسولة يمكن أن تكون ممسوحة، فجرها بالجوار يجعلها في ذهن المخاطب ممسوحة و ليست هناك أي قرينة على أنّها مغسولة.

و هناك من يدّعي وجود قرينة على رفع اللبس، و هو أنّ التحديد إلى الكعبين علامة الغسل و قد اعتمد على هذا الوجه كثير من المفسرين.

قال ابن الجوزي في وجه غسل الرجلين: إنّ حد الكعبين دليل على أنّ الغسل ينتهي إليهما و يدل على وجوب الغسل التحديد بالكعبين كما جاء في تحديد اليد (إلى المرفقين) و لم يجئ في شي‌ء من المسح تحديد (1)

يلاحظ عليه: أنّ كلًا من المغسول و الممسوح جاء في الآية محدّداً و غير محدّد، فالوجوه في الآية تغسل و لم تحدّد، و الايدي تغسل و قد حدّدت إلى المرافق، فيعلم من ذلك أنّ الغسل تارة يكون محدّداً و أُخرى غير محدّد فلا التحديد دليل على‌

____________

(1). ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير: 178/ 2.

29

وجوب الغسل و لا عدم التحديد دليل على وجوب المسح.

و هكذا الحال في الممسوح فيمكن أن يكون محدّداً إلى الكعبين و غير محدّد كما في الرأس، فجعل التحديد علامة للغسل أشبه بجعل الاعم دليلًا على الاخص. و ما ذكره من «أنّه لم يجئ في شي‌ء من المسح تحديد» أوّل الكلام و هو من قبيل أخذ المدعى في الدليل.

و لو قلنا بهذه الاستحسانات، فالذوق الادبي يقتضي أن تكون الارجل ممسوحة لا مغسولة، قال المرتضى: إنّ الآية تضمّنت ذكر عضو مغسول غير محدود و هو الوجه و عطف عليه مغسول محدود و هما اليدان، ثمّ استُونف ذكر عضو ممسوح غير محدود و هو الرأس فيجب أن تكون الارجل ممسوحة و هي محدودة و معطوفة عليه دون غيره لتتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود، و في عطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود. (1)

الشرط الثاني: أن يكون خالياً من حرف العطف، فإنّ من جوز ذلك فإنّما يجوز مع هذا الشرط و كل ما استشهد به على الاعراب بالمجاورة فلا حرف فيه حائل بين هذا و ذاك.

قال ابن هشام بعد ما نقل الجر بالجوار في الآية: و الذي عليه المحقّقون أنّ خفض الجوار يكون في النعت قليلًا كما في قول الشاعر:

كأنّ ثَبيراً في عرانين وَبْلِه * * *كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

فإنّ «مزمل» وصف لقوله كبير أُناس.

____________

(1). الانتصار: 24.

30

و في التوكيد نادراً كقوله:

يا صاح بلغ ذوي الزوجات كُلّهمُ * * *ان ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

قال الفراء: أنشدنيه أبو الجراح بخفض «كلهم» مع أنّه تأكيد لذوي.

و لا يكون في النسق لَان العاطف يمنع من التجاور. (1) نعم حاول بعض أن يثبت خلاف ذلك و انّ العطف بالجار يجوز مع حرف العطف أيضاً، و استشهد على ذلك بقراءة أبي جعفر و حمزة و الكسائي، في الآية التالية: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ* بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ* لٰا يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لٰا يُنْزِفُونَ* وَ فٰاكِهَةٍ مِمّٰا يَتَخَيَّرُونَ* وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمّٰا يَشْتَهُونَ* وَ حُورٌ عِينٌ* كَأَمْثٰالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ* جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ) (الواقعة: 2417).

فالقراءة المعروفة المتواترة التي عليها عامة المسلمين في جميع الاجيال هي قراءة (وَ حُورٌ عِينٌ) بالرفع عطفاً على قوله: (وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ) و المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون و حور عين.

لكن في قراءة من ذكرنا أسماءهم هما مجروران، قالوا و ليس الجر إلّا لَاجل الجوار أي كونهما مجاورين لقوله: (بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ).

و هذا الاستدلال لا يصمد أمام النقاش إذ هناك احتمالات أُخرى تحول دون الاخذ ببناء قراءتهم على الخفض بالجوار.

أ. أنّه معطوف على جنات في الآية المتقدمة، أي في جنات النعيم، و في معاشرة و مصاحبة حور عين.

____________

(1). مغني اللبيب: 895، الباب الثامن، القاعدة الثانية.

31

ب. انّه مفعول لفعل محذوف أي جزيناهم بحور عين كَأَمْثٰالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ، فحذف الفعل و الجار لَاجل الاستغناء عنه بما بعده أي جزاء بما كانوا يفعلون.

ج. أنّه إذا قرى بالرفع فهو مبتدأ لخبر محذوف أي فيها حور عين، و لو قرى بالجر فقد حذف مضافه بمعنى و نساء حور عين فحذف الموصوف اختصاراً، و أُقيمت الصفة مقامه: فإنّ عين صفة لحور.

قال ابن هشام: و قيل العطف على «جَنّٰاتِ»، و كأنّه قيل: المقربون في جنات و فاكهة و لحم طير و حورٍ (1)

فهذه هي الوجوه التي يمكن أن تذكر لهذه القراءة فإذا وجدنا أنّها لا تتلاءم مع الذوق السليم فنستكشف أنّ القراءة مختلقة و إنّ الرسول لم يقرأ إلّا بقراءة واحدة و هي قراءة الرفع.

د. انّ الجر بالجوار كما يحكي عنه لفظ «الجوار» إنّما يتصور فيما إذا كانت الكلمتان متجاورتين فربّما يستحسن الذوق الوحدة في الاعراب، كما في قول الشاعر:

لم يبق إلّا أسير غير منفلت * * *و موثق في عقال الاسر مكبول

حيث خفض «موثق» بالمجاورة للمنفلت و حقه الرفع عطفاً على «أسير»، و كما في قول الآخر:

فهل أنت إن ماتت أتانك راحل * * *إلى آل بسطام بن قيس فخاطب

____________

(1). مغني اللبيب: 895، الباب الثامن، القاعدة الثانية.

32

فجر «فخاطب» للمجاورة و هو «قيس» و حقه الرفع عطفاً على «راحل».

فلو صلح العطف بالجوار في هذين البيتين و اعتمدنا على النقل، فإنّما هو في إطار خاص و هو المجاورة، و أين هو من قوله سبحانه: (وَ حُورٌ عِينٌ)، بالنسبة إلى قوله: (بِأَكْوٰابٍ وَ أَبٰارِيقَ) حيث وقع الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بثلاث آيات.

و مهما يكن من أمر فإنّ العطف بالجوار إمّا لضرورة في الشعر، أو لَاجل استحسان الطبع المماثلة بين اللفظين المتجاورين المتقاربين و كل من الوجهين غير موجود في الآية.

و خلاصة القول: أوّلًا: لم يثبت الخفض بالجوار في الكلام الفصيح.

ثانياً: الخفض بالجوار على فرض ثبوته إنّما يتم في النعت و التوكيد لا في العطف.

ثالثاً: و على فرض ثبوته في العطف، فإنّما هو فيما إذا كان اللفظان متجاورين لا متباعدين كما في الآية.

كلمات أعلام السنّة حول الآية:

إنّ لفيفاً من علماء أهل السنّة فسّروا الآية بما ذكرناه، و أثبتوا أنّ ظاهر الآية يدلّ على المسح دون الغسل، و إنّما رجعوا إلى الغسل ترجيحاً للسنّة على ظاهر الكتاب و نصّه. و سيوافيك أنّ الرواية إذا كانت معارضة للقرآن الكريم يضرب بها عرض الجدار، إذ نستكشف أنّها موضوعة، أو مدسوسة، أو مؤَوّلة فضلًا عمّا إذا كانت نفس السنّة متضادّة كما في المقام؛ فإنّ السنّة و إن وردت في الغسل، لكنّها وردت في المسح أيضاً. و إليك عباراتهم:

33

1. كلمة لابن حزم (المتوفّى 456 ه‍):

قال ابن حزم حول مسح الرجلين: «و أمّا قولنا في الرجلين فإنّ القرآن نزل بالمسح، قال اللّه تعالى: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ) و سواء قرى بخفض اللام أو بفتحها، هي على كل حال عطف على الرءوس، إمّا على اللفظ، و إمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لَانّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف و المعطوف عليه بقضية مبتدأة. و هكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح، يعني في الرجلين في الوضوء». (1)

2. كلمة للِامام البغوي (المتوفّى 516 ه‍):

قال الامام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي: و من قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنّه يمسح على الرجلين، و روي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان و مسحتان، و يروى ذلك عن عكرمة و قتادة.

و قال الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، و قال: أ لا ترى: المتيمّم يمسح ما كان غسلًا و يلغي ما كان مسحاً. (2)

3. كلمة للرازي (المتوفّى 606 ه‍):

قال الرازي: «اختلف الناس في مسح الرجلين، و في غسلهما، فنقل القفال في تفسيره، عن ابن عباس و أنس بن مالك و عكرمة و الشعبي و أبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح، و هو مذهب الامامية من الشيعة، و قال جمهور الفقهاء، و المفسرين: فرضهما الغسل. و قال داود الاصفهاني: يجب الجمع بينهما.

____________

(1). المحلى: 56/ 2 برقم 200.

(2). تفسير البغوي: 16/ 2.

34

و هو قول الناصر للحق، من أئمّة الزيدية. و قال الحسن البصري، و محمد بن جرير الطبري: المكلف مخيّر بين المسح و الغسل.

حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين، المشهورتين في قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ) فقرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر عنه «بالجر»، و قرأ نافع و ابن عامر و عاصم في رواية حفص عنه «بالنصب»، فنقول:

أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الارجل معطوفة على الرءوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الارجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار كما في قوله: «جحر ضب خرب». و قوله:

«كبير أناس في بجاد مزمل»

؟ قلنا: هذا باطل من وجوه:

الاوّل: أنّ الكسر على الجوار معدود من اللّحن الذي قد يتحمل لَاجل الضرورة في الشعر، و كلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

و ثانيها: أنّ الكسر إِنّما يصار إليه حيث يحصل الامن من الالتباس، كما في قوله: «جحر ضب خرب»، فإنّ من المعلوم بالضرورة أَنّ «الخرب» لا يكون نعتاً «للضبّ» بل للجحر، و في هذه الآية الامن من الالتباس غير حاصل.

و ثالثها: أنّ الكسر بالجوار إِنّما يكون بدون حرف العطف، و أمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

و أمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنّها توجب المسح. و ذلك لَانّ قوله: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فرءوسكم في محل النصب، و لكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطف الارجل على الرءوس، جاز في الارجل، النصب عطفاً على محل الرءوس، و الجر عطفاً على الظاهر، و هذا مذهب مشهور النحاة.

35

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ) هو قوله: (وَ امْسَحُوا) و يجوز أن يكون هو قوله: (فَاغْسِلُوا) لكنّ العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الاقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ) هو قوله: (وَ امْسَحُوا) فثبت أنّ قراءة (وَ أَرْجُلَكُمْ) بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح، ثمّ قالوا: و لا يجوز دفع ذلك بالاخبار، لَانّها بأسرها من باب الآحاد، و نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز» (1)

4. كلمة للقرطبي (المتوفّى 671 ه‍):

و روي أنّ الحجاج خطب بالاهواز فذكر الوضوء، فقال: اغسلوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ ... وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ، فإنّه ليس من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما و ظهورهما و عراقيبهما.

فسمع ذلك أنس بن مالك، فقال: صدق اللّه و كذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ) قال: و كان إذا مسح رجليه بلّهما، و روي عن أنس أيضاً أنّه قال: نزل القرآن بالمسح، و السنّة بالغسل، و كان عكرمة يمسح رجليه، و قال: ليس في الرجلين غسل إنّما نزل فيهما المسح.

و قال عامر الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح أ لا ترى أنّ التيمم يمسح فيه ما كان غسلًا و يُلغى ما كان مسحاً.

و قال قتادة: افترض اللّه غسلتين و مسحتين. (2)

____________

(1). التفسير الكبير: 161/ 11.

(2). الجامع لَاحكام القرآن: 92/ 6.

36

5. كلمة لَابي حيان الاندلسي (المتوفّى 754 ه‍):

قال أبو حيان الاندلسي: و من ذهب إلى قراءة النصب في (وَ أَرْجُلَكُمْ) عطف على قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ، و فصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله: (امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فقوله بعيد لَانّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة انشائية، و قراءة (و أرجلِكم) بالجر تأبى ذلك. (1)

6. كلمة للشيخ الحلبي (المتوفّى 956 ه‍):

قال الشيخ إبراهيم الحلبي عند تفسير الآية: «قرى في السبعة بالنصب و الجر، و المشهور انّ النصب بالعطف على وُجُوهَكُمْ، و الجر على الجوار؛ و الصحيح أنّ الارجل معطوفة على الرءوس في القراءتين، و نصبها على المحل، و جرّها على اللفظ، و ذلك لامتناع العطف على وُجُوهَكُمْ، للفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية، هي (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) و الاصل أن لا يفصل بينهما بمفرد، فضلًا عن الجملة، و لم يسمع في الفصيح نحو «ضربت زيداً و مررت ببكر و عمراً» بعطف «عمراً» على «زيداً» و أمّا الجر على الجوار، فإنّما يكون على قلّة في النعت، كقول بعضهم: «هذا جحر ضب خرب»، أو في التأكيد، كقول الشاعر:

يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلّهم * * *أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

بجر كلهم، على ما حكاه الفرّاء.

و أمّا في عطف النسق فلا يكون، لَانّ العاطف يمنع المجاورة». (2)

____________

(1). تفسير النهر الماد: 558/ 1.

(2). غنية المتملّي في شرح منية المصلي، المعروف بحلبي كبير: 16.

37

7. كلمة للشيخ علي بن برهان الدين الحلبي (1044975 ه‍):

ينقل علي بن برهان الدين الحلبي، أنّ جبرئيل عند ما علّم الرسول الوضوء أمره بالمسح، يقول: إنّ جبرئيل أوّل ما جاء النبي بالوحي، توضّأ فغسل وجهه و يديه إلى المرفقين و مسح رأسه و رجليه إلى الكعبين، و سجد سجدتين، ففعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما يرى جبرئيل يفعله. و قال: و في كلام الشيخ محيي الدين مسح الرجلين في الوضوء بظاهر الكتاب، و غسلهما بالسنّة المبينة للكتاب. (1)

و ما ذكره أخيراً من كون السنّة مبيّنة للكتاب، لا يعوّل عليه، إذ ليس الكتاب مجملًا مبهماً، حتى يحتاج إلى التوضيح من جانب المسح.

8. كلمة للشيخ السندي الحنفي (المتوفّى 1138 ه‍):

و قال أبو الحسن الامام محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي الحنفي في حاشيته على سنن ابن ماجة (بعد أن جزم بأنّ ظاهر القرآن هو المسح) ما هذا لفظه: «و إِنّما كان المسح هو ظاهر الكتاب، لَانّ قراءة الجرّ ظاهرة فيه، و حمل قراءة النصب عليها، بجعل العطف على المحل، أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب، كما صرّح به النحاة (قال) لشذوذ الجوار و اطراد العطف على المحل (قال) و أيضاً فيه خلوص عن الفصل بالاجنبي بين المعطوف و المعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح». (2)

9. كلمة للِامام محمد عبده (13231266 ه‍):

و قال الامام عبده: «قال تعالى: (وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قرأ نافع و ابن‌

____________

(1). السيرة الحلبية: 28/ 1.

(2). في تعليقته على ما جاء في غسل القدمين: 88 من الجزء الاوّل من شرح سنن ابن ماجة.

38

عامر و حفص و الكسائي و يعقوب (وَ أَرْجُلَكُمْ) بالفتح، أي و اغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، و هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين؛ و قرأها الباقون ابن كثير و حمزة و ابن عمرو و عاصم بالجرّ؛ و الظاهر أنّه عطف على الرأس، أي و امسحوا بأرجلكم إلى الكعبين. و من هنا اختلف المسلمون في غسل الرجلين و مسحهما؛ فالجماهير على أنّ الواجب هو الغسل وحده. و الشيعة الامامية أنّه المسح. و قال داود بن علي و الناصر للحق من الزيدية: يجب الجمع بينهما. و نقل عن الحسن البصري و محمد بن جرير الطبري: أنّ المكلّف مخيّر بينهما. و ستعلم أنّ مذهب ابن جرير الجمع.

أمّا القائلون بالجمع، فأرادوا العمل بالقراءتين معاً، للاحتياط، و لَانّه المقدّم في التعارض إذا أمكن. و أمّا القائلون بالتخيير، فأجازوا الاخذ بكلّ منهما على حدته. و أمّا القائلون بالمسح، فقد أخذوا بقراءة الجر، و أرجعوا قراءة النصب إليها. و ذكر الرازي، عن القفال: أنّ هذا قول ابن عباس و أنس بن مالك و عكرمة و الشعبي و أبي جعفر محمد بن علي الباقر». (1)

(إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

(الزخرف: 3)

____________

(1). تفسير المنار: 228/ 6.

39

الفصل الثالث: اجتهادات تجاه النص

إنّ آفة الفقه هو التمسّك بالاعتباريات و الوجوه الاستحسانية أمام النصّ، فإنّه يضاد مذهب التعبدية، فالمسلم يتعبّد بالنص و إن بلغ ما بلغ و لا يُقدِّم رأيه عليه و هو آية الاستسلام أمام اللّه و رسوله و كتابه و سنته. قال سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات 1).

فإنّ تقديم الوجوه الاستحسانية على النص تقدم على اللّه و رسوله و لهذا فقد نهت عنه الآية المباركة.

و قد وقف غير واحد من أئمّة التفسير، و غيرهم، على أنّ ظاهر الآية يدلّ على مسح الرجلين لا غسلهما، فافتعلوا أعذاراً لتثبيت رأيهم المسبق. و إنّما التجئوا إلى هذه الاجتهادات، لَانّهم تبعوا أئمّتهم، بدل اتباعهم للقرآن الكريم، و لو لا أنّهم نشئوا على هذه الفكرة منذ نعومة أظفارهم لما اختاروا هذه الاجتهادات حجّة بينهم و بين ربّهم، أمام الكتاب العزيز الحاكم على خلافها. و إليك بيانها:

1. اجتهاد الجصاص:

زعم أبو بكر الجصاص (المتوفّى 370 ه‍) انّ آية الوضوء مجملة فلا بد من العمل بالاحتياط، و هو الغسل المشتمل على المسح أيضاً، بخلاف المسح فإنّه‌

40

خالٍ من الغسل.

قال: لا يختلف أهل اللغة أنّ كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس و يحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الاعضاء.

لَانّ قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ) بالنصب يجوز أن يكون مراده (فاغسلوا أرجلكم) و يحتمل أن يكون معطوفاً على الرأس فيراد بها المسح، و إن كانت منصوبة فيكون معطوفاً على المعنى لا على اللفظ لَانّ الممسوح به (بِرُؤُسِكُمْ) مفعول به، كقول الشاعر:

معاوي اننا بشر فاسجح * * *فلسنا بالجبال و لا الحديدا

فَنُصِب الحديد و هو معطوف على الجبال بالمعنى.

و يحتمل قراءة الخفض أن تكون معطوفة على الرأس، فيراد به المسح و يحتمل عطفه على الغسل (وُجُوهَكُمْ) و يكون مخفوضاً بالمجاورة.

فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين للمسح و الغسل، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثة:

1. أمّا أن يقال أنّ المراد هما جميعاً مجموعان فيكون عليه أن يمسح و يغسل فيجمعهما.

2. أو أن يكون أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضّىَ أيّهما شاء و يكون ما يفعله هو المفروض‌

3. أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير.

و غير جائز أن يكونا هما جميعاً على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه،

41

و لا جائز أيضاً أن يكون المراد أحدهما على وجه التخيير إذ ليس في الآية ذكر التخيير و لا دلالة عليه و إذا انتفى التخيير و الجمع لم يبق إلّا أن يكون أحدهما لا على وجه التخيير فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما، فالدليل على أنّ المراد الغسل دون المسح، اتفاق الجميع على أنّه إذا غسل فقد أدّى فرضه و أتى بالمراد و أنّه غير ملوم على ترك المسح فثبت أنّ المراد الغسل. (1) يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّه سبحانه في هذه الآية بصدد بيان ما هو الواجب على المصلّي عند القيام إلى الصلاة، فمقتضى المقام أن تكون الآية واضحة المعالم، مبيّنة المراد، غير محتملة إلّا لمعنى واحد و الحكم على الآية بالاجمال أمر لا يحتمله المقام و إنّما حداه إلى القول بالاجمال إخضاع الآية لمذهبه و هو غسل الارجل، و لو نظر إلى الآية نظرة مجرّدة عن كل فكر مسبق لوقف على أنّها غير مجملة لا تحتمل إلّا معنىً واحداً.

و ثانياً: أنّ تفسير قراءة النصب بالعطف على المحل أمر رائج، و قد استشهد بالشعر و كان عليه أن يستشهد قبله بالقرآن الكريم (التوبة 3) كما سيأتي، و لكن تفسير النصب بالعطف على وُجُوهَكُمْ تفسير خاطىَ إذ لازمه الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية، و أين العطف على المحل من هذا الاشكال.

و العجب من أبي البقاء (المتوفّى 616 ه‍) حيث ادّعى جواز الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية، و قال: و ذلك جائز في العربية بلا خلاف. (2) و ما أبعد بينه و بين ما نقله أبو حيان في ذلك المجال كما سيوافيك.

____________

(1). أحكام القرآن: 346/ 2.

(2). التبيان في إعراب القرآن: 422/ 1.

42

و لم يذكر أي شاهد على قوله، و ما اضطره إلى ذلك سوى محاولة فرض مذهبه على القرآن.

و لو سلّم جواز الفصل فهو يختص فيما إذا كان هناك أمن من الالتباس.

و ثالثاً: أنّ تفسير قراءة الجر بالعطف على ظاهر (بِرُؤُسِكُمْ) أمر لا سترة فيه، و أمّا تفسير قراءة الجر عن طريق العطف بالجوار أمر غير مقبول، لَانّ العطف بالجوار أمر شاذ، و لو صح فإنّما هو فيما إذا لم يورث التباساً، و القول به في الآية يوجب الالتباس. و الشاهد هو كلام الجصاص حيث تحيّر في فهم ما هو المراد من الآية و ما هذا إلّا لَاجل تفسير الخفض بالجوار، فلم يجد بدّاً من اللجوء الى الاحتياط و القول: بأنّ الغسل يشمل المسح أيضاً.

2. اجتهاد ابن حزم:

قال ابن حزم (المتوفّى 456 ه‍): و ممّا نسخت فيه السنّةُ القرآنَ، قوله عزّ و جلّ: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فإنّ القراءة بخفض أرجلِكم و فتحها كليهما لا يجوز إلّا أن يكون معطوفاً على الرءوس في المسح و لا بد، لَانّه لا يجوز البتة أن يحال بين المعطوف و المعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف عليه، لَانّه إشكال و تلبيس و إضلال لا بيان، لا تقول: ضربت محمداً و زيداً، و مررت بخالد و عمراً، و أنت تريد أنّك ضربت عمراً أصلًا، فلمّا جاءت السنّة بغسل الرجلين صح أنّ المسح منسوخ عنهما.

و هكذا عمل الصحابة (رض) فانّهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى قال (عليه السلام): ويل للَاعقاب و العراقيب من النار و كذلك قال ابن عباس: نزل القرآن بالمسح (1).

____________

(1). ابن حزم الاندلسي: الاحكام: 510/ 1.

43

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ العمل بالسنّة تجاه القرآن الكريم و إن كان بزعم النسخ على خلاف ما أوصى به بعض الصحابة كعمر بن الخطاب حيث كتب إلى شريح بتقديم الكتاب ثمّ السنّة، و إليك نص كلامه:

«ان اقض بما في كتاب اللّه، فإن لم يكن في كتاب اللّه، فبما في سنّة رسول اللّه، فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه، فبما قضى به الصالحون» (1)

فقد أمر بتقديم الحكم بالكتاب على كلّ ما سواه، فإن لم يوجد في الكتاب و وجد في السنّة لم يلتفت إلى غيرها، و كلامه و إن كان وارداً في مورد القضاء، لكن المورد غير مخصص، بل المراد أَنّ مكانة القرآن أعلى من أن يعادلها شي‌ء و يقدم عليها.

ثانياً: لو افترضنا صحّة نسخ الكتاب بالسنّة، فإنّما هو بالسنّة القطعية التي هي وحي في المعنى و إن لم يكن وحياً في اللفظ فانّها واجبة الاتباع كالقرآن الكريم: (وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر 7).

قال الغزالي: يجوز نسخ القرآن بالسنّة و السنّة بالقرآن، لَانّ الكل من عند اللّه عزّ و جلّ، فما المانع منه، و لم يعتبر التجانس مع أنّ العقل لا يمليه (2)

و كلامه هذا كما يعبر عنه قوله: لَانّ الكل من عند اللّه عزّ و جلّ، انّما هو في السنّة القطعية التي لا غبار عليها، لا في مثل المقام الذي تضاربت فيه الروايات و اختلفت الامّة على قولين، ففي مثل ذلك تكون السنّة مظنونة الصدق محتملة الكذب على لسان رسول اللّه، فكيف يمكن أن تقدَّم على الدليل القطعي مثل القرآن الكريم؟!

____________

(1). ابن القيم: أعلام الموقعين عن رب العالمين: 227/ 2.

(2). الغزالي: المستصفى: 124/ 1.

44

ثالثاً: اتفقت الامّة على أنّ سورة المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و انّها لم تنسَخْ آية منها، و ستوافيك كلمات العلماء في ذلك المضمار، فكيف تكون آية الوضوء التي نزلت في أواخر عمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منسوخة؟!

رابعاً: انّ ما زعمه ناسخاً من حديث «ويل للَاعقاب من النار» انّما ورد في غزوة من غزوات النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما نقله ابن حيان الاندلسي في تفسيره (1)

و من المعلوم أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يغز بعد تبوك التي غزاها في العام التاسع من الهجرة، و قد نزلت سورة المائدة في أواخر العام العاشر أو أوائل العام الحادي عشر، فكيف ينسخ القرآن المتأخر بالسنّة التي حدّث عنها النبي قبل نزول الآية.

فقد أخرج الطبراني في الاوسط، عن ابن عباس أَنّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر و سعد و عبد اللّه بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك. فقال عمر: يا سعد إنّا لا ننكر أنّ رسول اللّه مسح (أي على القدمين) و لكن هل مسح منذ أُنزلت سورة المائدة فإنّها أحكمت كل شي‌ء و كانت آخر سورة نزلت من القرآن إلّا براءة (2).

فيظهر من هذا الخبر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يمسح على القدمين باعتراف عمر، و يظهر أيضاً أنّ سورة المائدة آخر السور نزولًا، و انّها محكمة لم تنسخ آياتها، و قد ذكرنا بأنّ الآية على قراءة الجر و النصب تدل على لزوم المسح للرجلين كالرأس.

دراسة مكانة سورة المائدة من بين السور:

إنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد أخرج أحمد و أبو‌

____________

(1). تفسير البحر المحيط: 434/ 3.

(2). الدر المنثور: 29/ 3.

45

عبيد في فضائله، و النحاس في ناسخه، و النسائي و ابن المنذر و الحاكم و ابن مردويه، و البيهقي في سننه عن جبير بن نفير، قال: حججت، فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ قلت: نعم، فقالت: أما أنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، و ما وجدتم فيها من حرام فحرّموه.

و أخرج أبو عبيد، عن ضمرة بن حبيب و عطية بن قيس، قالا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المائدة من آخر القرآن تنزيلًا، فأحلّوا حلالها و حرّموا حرامها.

و أخرج الفريابي و أبو عبيد و عبد بن حميد و ابن المنذر و أبو الشيخ عن أبي ميسرة، قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها، و ليس فيها منسوخ، و عدّ منها قوله: (إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا).

و أخرج أبو داود و النحاس كلاهما في الناسخ، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، قال: لم ينسخ من المائدة شي‌ء.

و أخرج عبد بن حميد قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شي‌ء؟ قال: لا (1)

كلّ ذلك يدل على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيجب العمل على وفقها و ليس فيها أيّ نسخ.

و ما ربّما يتصور أنّ عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ناسخ، لمفاد الآية، خطأ واضح تردّه هذه النصوص، و لو ثبت أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غسل رجليه في فترة من الزمن، فالآية ناسخة له؛ و لعلّ الاختلاف بين المسلمين في حكم الارجل نشأ نتيجة ذلك، فكان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حسب هذا الاختلاف يغسل رجليه، و رآه بعض الصحابة و حسبه حكماً ثابتاً و أصرّ عليه بعد نزول الآية الناسخة لما هو المفهوم من عمله.

____________

(1). السيوطي، الدر المنثور: 3/ 43.

46

أخرج ابن جرير، عن أنس، قال: نزل القرآن بالمسح، و السنّة بالغسل و قال ابن عباس: أبى الناس إلّا الغسل، و لا أجد في كتاب اللّه إلّا المسح (1)

و يريد من السنّة عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قبل نزول القرآن، و من المعلوم أنّ القرآن حاكم و ناسخ.

و بهذا يمكن الجمع بين عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بين ظهور الآية في المسح، و أَنّ الغسل كان قبل نزول الآية.

و نرى نظير ذلك في المسح على الخفين، فقد روى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنّه قال: سبق الكتاب الخفين.

و روى عكرمة عن ابن عباس، قال: سبق الكتاب الخفين. و معنى ذلك انّه لو صدر عن النبي في فترة من عمره المسح على الخفين، فقد جاء الكتاب على خلافه فصار ناسخاً له حيث قال: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ) أي امسحوا على البشرة لا على النعل و لا على الخف و لا الجورب (2)

القرآن هو المهيمن:

إنّ القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية و هو ميزان الحق و الباطل، فما ورد في تلك الكتب يؤخذ به إذا وافق القرآن الكريم و لم يخالفه.

قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ عَمّٰا جٰاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة 48).

____________

(1). الدر المنثور: 29/ 3.

(2). عبد اللّه بن أبي شيبة: المصنف: 213/ 1، باب من كان لا يرى المسح، الباب 217.

47

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب السماوية، فأولى به أن يكون كذلك بالنسبة إلى السنن المأثورة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فالكتاب مهيمن عليها فيؤخذ بالسنّة ما دامت غير مخالفة للكتاب (1) و لا يعني ذلك الاكتفاء بالكتاب و حذف السنّة من الشريعة فإِنّه من عقائد الزنادقة، بل السنّة حجة ثانية للمسلمين بعد الكتاب العزيز بشرط أن لا تضادّ السند القطعي عند المسلمين.

فإذا كان القرآن ناطقاً بالمسح على الارجل، فما قيمة السنّة الآمرة بغسلها، فلو أمكن الجمع بين القرآن و السنّة على ما عرفت من كون القرآن ناسخاً لما كان رائجاً في فترة من الزمن فهو المطلوب، و إلّا فتضرب عرض الجدار.

3. اجتهاد الزمخشري:

إنّ الزمخشري (المتوفّى 538 ه‍) لما وقف على أَنّ قراءة الارجل بالجر تدل على المسح بوضوح أراد توجيهها و تأويلها، فقال: قرأ جماعة وَ أَرْجُلَكُمْ بالنصب فدلّ على أنّ الارجل مغسولة، فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر و دخولها في حكم المسح. قلت: الارجل من بين الاعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكان مظنّة للِاسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح و لكن ليُنبّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، و قيل: إِلَى الْكَعْبَيْنِ (2).

يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّ ما ذكره من الوجه إنما يصح إذا كانت النكتة مما تعيها عامة المخاطبين من المؤمنين، و أين هؤلاء من هذه النكتة التي ابتدعها الزمخشري‌

____________

(1). قال النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا روي لكم عنّي حديث فأعرضوه على كتاب اللّه فإن وافقه فاقبلوه و إلّا فردوه» لاحظ التفسير الكبير: 252/ 3، ط سنة 1308.

(2). الكشاف: 326/ 1.

48

توجيهاً لمذهبه؟!

و بعبارة أُخرى: إِنّما يصح ما ذكره من النكتة إذا أمن من الالتباس لا في مثل المقام الذي لا يؤمن منه، و بالتالي يحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح غفلة عن النكتة البديعة للشيخ الزمخشري.

و ثانياً: أنّ الايدي أيضاً مظنّة للِاسراف المذموم مثل الارجل، فلما ذا لم ينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء فيها أيضاً؟!

كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه الوجوه توجيهات للمذهب الذي نشئوا و ترعرعوا عليه، و لو لا ذلك لم تدر بخلد أحد منهم واحد من تلك الوجوه.

4. اجتهاد الرازي:

إنّ الامام الرازي (المتوفّى 606 ه‍) لمّا وقف على دلالة الآية على المسح، أخذ يعتذر بقوله:

و اعلم أنّه لا يمكن الجواب عن هذا إلّا بوجهين:

1 انّ الاخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل، و الغسل مشتمل على المسح، و لا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه.

و على هذا الوجه يجب القطع بأنّ غسل الرجل يقوم مقام مسحها.

2 انّ فرض الرجلين محدود إلى الكعبين، و التحديد انّما جاء في الغسل دون المسح. (1)

و حاصل ما اعتذر عنه أمران:

ألف: الغسل يشتمل على المسح دون العكس.

ب: التحديد انّما جاء في الغسل دون المسح.

____________

(1). تفسير الرازي: 162/ 11.

49

مناقشة اجتهاد الرازي:

أمّا الاوّل فإنّ من لاحظ الآية يقف على أنّ هناك تكليفين مختلفين لا يتداخلان.

أحدهما: الغسل لا المسح.

ثانيهما: المسح لا الغسل.

و على ضوء ذلك يجب على المتوضىَ القيام بكلّ واحد منهما، دون أن يتداخلا. إنّما المهم هو الوقوف على معنى الغسل و المسح.

زعم الرازي: أنّ الغسل عبارة عن إسالة الماء على العضو، و أمّا المسح فهو عبارة عن إمرار اليد عليه، فإذا أسال الماء على العضو باليد فقد قام بكلا الامرين، فحينئذٍ يشتمل غسل الارجل على المسح.

لكن غاب عنه، أنّ ما ذكره إنّما يتم لو جاء المسح مجرداً عن ذكر الغسل، دون ما إذا جاءا متقابلين، و حكم على بعض الاعضاء بالغسل، و البعض الآخر بالمسح، فإنّ مقتضى التقابل بين الغسل و المسح في الآية كونهما أمرين متباينين لا يتداخلان، و ليس هو إلّا تفسير الغسل بإسالة الماء على العضو سواء كان باليد، أو بوضعها تحت المطر أو غيره؛ و أمّا المسح المتقابل غير المتداخل، فهو عبارة عن إمرار اليد على العضو بالماء المتبقّي في اليد عن غسل الايدي، لا على وجه الاسالة، بل الامرار بنداوة اليد.

لا أقول إنّ المسح وضع لِامرار اليد على العضو بالرطوبة المتبقية، بل هو موضوع لمطلق إمرار اليد، سواء كانت اليد جافّة أو متبلّلة، بشهادة قوله سبحانه: (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْنٰاقِ) (ص 33) إذ أخذ سليمان يمسح بيده سوق الصافنات الجياد و أعناقهم، و قال سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (المائدة 6).

50

و لكنه سبحانه إذا خاطب مؤمناً بغسل وجهه و يديه، ثمّ بالمسح على الرءوس و الارجل، يتبادر منه مسحه بالبلل الموجود في يديه، لا باليد الجافّة و لا بالماء الخارج عن الوضوء، فلا يكون الغسل مشتملًا على المسح الوارد في الآية، و إن كان مشتملًا على المسح المطلق بالمعنى اللغوي العام.

و إن شئت قلت: إنّ النسبة بين الغسل و المسح عموم و خصوص من وجه، فالاوّل عبارة عن إسالة الماء على العضو سواء كان بإمرار اليد أم لا، و الثاني عبارة عن إمرار اليد على العضو سواء كان هناك بلل عليها أم لا فيفترقان في موردين:

أ إسالة الماء على العضو بلا إمرار لليد فيصدق الغسل دون المسح.

ب إمرار اليد على العضو سواء كان مع بلل أم لا، فيصدق المسح دون الآخر.

و يجتمعان فيما إذا كان هناك إسالة مع إمرار.

هذا إذا جرّد كلّ واحد منهما عن الآخر في مقام الاستعمال و أمّا إذا اجتمعا في كلام واحد، كما في المقام فلا يتبادر منهما إلّا إسالة الماء في الاوّل و إمرار اليد بالبلل المتبقي في الثاني.

و الشاهد على أنّ المسح الوارد في الآية يقابل الغسل و يضادّه و لا يجتمع معه مضافاً إلى التقابل الحاكي عن التخالف تصريح عدّة من أعلام اللغة و إليك كلماتهم:

الغسل و المسح في المصطلح اللّغوي:

أمّا الغسل فقد عرّفه الراغب بقوله: غسلت الشي‌ء غسلًا: أسلت عليه الماء فأزلت درنه، و الغسل الاسم (1).

و قال الجزري: و في الحديث: و اغسلني بماء الثلج و البرد أي طهّرني من‌

____________

(1). الراغب: المفردات: 361، مادة غسل.

51

الذنوب، و الغسل الماء الذي يغتسل به (1)

و قال الفيومي: غسلته غسلًا من باب ضرب، و الاسم الغُسل بالضم و هو الماء الذي يتطهّر به.

و قال ابن القوطية: الغسل تمام الطهارة (2)

و قال الطريحي: غسل الشي‌ء: إزالة الوسخ و نحوه عنه بإجراء الماء عليه (3)

و قال أبو البقاء: الغسل بالفتح الاسالة (4)

هذه النصوص و غيرها تدلّ على شرطية إسالة الماء في صدق الغسل، و لا أقل من وجود مائع يتحقّق به الغسل كماء الورد.

و أمّا شرطية الدلك في صدق الغسل فليس شرطاً و لم يقل أحد بالشرطية فإنّ مقوم الغسل هو سيلان الماء على الشي‌ء الذي يراد غسله سواء كان هناك دلك أم لا.

و أمّا المسح فواقعه هو إمرار اليد على الممسوح جافّة كانت أو مبلّلة.

قال ابن منظور: فلان يتمسّح بثوبه، أي يمر بثوبه على الابدان فيتقرّب به إلى اللّه (5).

و قال الطريحي: المسح إمرار الشي‌ء على الشي‌ء، يقال: مسح برأسه و تمسّح بالاحجار و الارض (6)

____________

(1). الجزري: النهاية: 367/ 3683.

(2). الفيومي: المصباح المنير: 447/ 2، مادة غسل.

(3). الطريحي: مجمع البحرين: مادة غسل.

(4). أبو البقاء: الكليات: 311/ 1.

(5). ابن منظور: لسان العرب: مادة مسح.

(6). الطريحي: مجمع البحرين: مادة مسح.

52

و قال الفيروزآبادي: و منه الحديث: «و تمسّحوا بالارض فإنّها بكم برّة»، أراد به التيمّم (1).

و قال الجزري: و في حديث ابن عباس: «إذا كان الغلام يتيماً فامسحوا رأسه من أعلاه إلى مقدّمه» (2)

و قال الجوهري: مسح برأسه و تمسّح بالارض، و مسح الارض مساحة أي ذرعها (3).

و قال الجرجاني: المسح هو إمرار اليد المبتلّة بلا تسييل (4)

و قال المطرزي: المسح: إمرار اليد على الشي‌ء. يقال: مسح رأسه بالماء أو بالدهن (يمسحه مسحاً) (5)

و قال ابن جزي في تفسيره: المسح امرار اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء و الغسل امرار اليد بالماء، و عند الشافعي امرار الماء و ان لم يكن باليد (6)

و قال القاسمي: المسح احساس المحل الماء بحيث لا يسيل (7)

نعم، ربّما يستعمل المسح في مورد الغسل بالقرينة كما إذا أُضيف إليه لفظة الماء، يقال: مسحت يدي بالماء إذا غسلتها و تمسّحت بالماء إذا اغتسلت، و أمّا إذا جرّد عن ذلك فيراد منه مجرّد الامرار، من غير فرق بين أن تكون يده مبتلّة أو جافّة.

____________

(1). الفيروزآبادي: القاموس المحيط: 95/ 1، مادة مسح.

(2). الجزري: النهاية: 327/ 4.

(3). الجوهري: الصحاح: 404/ 1.

(4). الجرجاني: التعريفات: 272.

(5). المطرزي: المغرب في ترتيب المعرب: 266/ 2.

(6). تفسير ابن جزي: 149.

(7). تفسير القاسمي: 102/ 6.